Verse. 4094 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

اَلَيْسَ اللہُ بِكَافٍ عَبْدَہٗ۝۰ۭ وَيُخَوِّفُوْنَكَ بِالَّذِيْنَ مِنْ دُوْنِہٖ۝۰ۭ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللہُ فَمَا لَہٗ مِنْ ہَادٍ۝۳۶ۚ
Alaysa Allahu bikafin AAabdahu wayukhawwifoonaka biallatheena min doonihi waman yudlili Allahu fama lahu min hadin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أليس الله بكاف عبده» أي النبي، بلى «ويخوّفونك» الخطاب له «بالذين من دونه» أي الأصنام، أن تقتله أو تخبله «ومن يضلل الله فما له من هاد».

36

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} حذفت الياء من «كاف» لسكونها وسكون التنوين بعدها؛ وكان الأصل ألا تحذف في الوقف لزوال التنوين، إلا أنها حذفت ليعلم أنها كذلك في الوصل. ومن العرب من يثبتها في الوقف على الأصل فيقول: كافي. وقراءة العامة {عَبْدَهُ} بالتوحيد يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم. وقرأ حمزة والكسائي {عِبَادَهُ} وهم الأنبياء أو الأنبياء والمؤمنون بهم. واختار أبو عبيد قراءة الجماعة لقوله عقيبه: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}. ويحتمل أن يكون العبد لفظ الجنس؛ كقوله عز من قائل: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 2] وعلى هذا تكون القراءة الأولى راجعة إلى الثانية. والكفاية شر الأصنام، فإنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بالأصنام، حتى قال إبراهيم عليه السلام. {أية : وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ}تفسير : [الأنعام: 81]. وقال الجرجاني: إن الله كافٍ عبده المؤمن وعبده الكافر، هذا بالثواب وهذا بالعقاب. قوله تعالى: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} وذلك أنهم خوفوا النبيّ صلى الله عليه وسلم مَضَرَّة الأوثان، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء. وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليكسرها بالفأس، فقال له سادِنها: أُحَذِّرُكَها يا خالد فإن لها شدّة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العُزَّى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس. وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الذي وجه خالداً. ويدخل في الآية تخويفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بكثرة جمعهم وقوتهم؛ كما قال: {أية : أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }تفسير : [القمر: 44]. {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ} تقدم. {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ } أي ممن عاداه أو عادى رسله.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} وقرأ بعضهم (عباده) يعني: أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه. وقال ابن أبي حاتم ههنا: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب: حدثنا عمي، حدثنا أبو هانىء عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً، وقنع به» تفسير : ورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن أبي هانىء الخولاني به، وقال الترمذي: صحيح {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني: المشركين، يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله، جهلاً منهم وضلالاً، ولهذا قال عز وجل: { وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ } أي: منيع الجناب، لا يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بابه؛ فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقاماً منه ممن كفر به، وأشرك وعاند رسوله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} يعني: المشركين، كانوا يعترفون بأن الله عز وجل هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولهذا قال تبارك تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ} أي: لا تستطيع شيئاً من الأمر، وذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «حديث : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة، إذا سألت، فاسأل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك، لم ينفعوك، جفت الصحف، ورفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً» تفسير : {قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ} أي: الله كافيَّ {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} كما قال هود عليه الصلاة والسلام حين قال قومه: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [هود: 54 ــــ 56]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا محمد بن حاتم عن أبي المقدام مولى آل عثمان عن محمد بن كعب القرظي حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما، رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أحب أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس، فليكن بما في يد الله عز وجل أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس، فليتق الله عز وجل»تفسير : ، وقوله تعالى: {قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي: على طريقتكم. وهذا تهديد ووعيد {إِنِّى عَامِلٌ} أي: على طريقتي ومنهجي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: ستعلمون غب ذلك ووباله {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي: في الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم مستمر، لا محيد عنه، وذلك يوم القيامة، أعاذنا الله منها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } أي النبي؟ بلى {وَيُخَوّفُونَكَ } الخطاب له {بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } أي الأصنام، أي تقتله أو تخبله {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } قرأ الجمهور: {عبده} بالإفراد. وقرأ حمزة، والكسائي: (عباده) بالجمع، فعلى القراءة الأولى المراد: النبي صلى الله عليه وسلم، أو الجنس، ويدخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم دخولاً أوّلياً، وعلى القراءة الأخرى المراد: الأنبياء أو المؤمنون أو الجميع، واختار أبو عبيد قراءة الجمهور، لقوله عقبه: {ويخوّفونك}، والاستفهام للإنكار لعدم كفايته سبحانه على أبلغ وجه كأنها بمكان من الظهور لا يتيسر لأحد أن ينكره. وقيل: المراد بالعبد، والعباد: ما يعمّ المسلم، والكافر. قال الجرجاني: إن الله كاف عبده المؤمن، وعبده الكافر هذا بالثواب، وهذا بالعقاب. وقرىء: (بكافي عباده) بالإضافة، وقرىء: (يكافي) بصيغة المضارع، وقوله: {وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } يجوز أن يكون في محل نصب على الحال، إذ المعنى: أليس كافيك حال تخويفهم إياك؟ ويجوز أن تكون مستأنفة، والذين من دونه عبارة عن المعبودات التي يعبدونها {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } أي: من حقّ عليه القضاء بضلاله، فما له من هاد يهديه إلى الرّشد، ويخرجه من الضلالة. {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ } يخرجه من الهداية، ويوقعه في الضلالة {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ } أي: غالب لكل شيء قاهر له {ذِى ٱنتِقَامٍ } ينتقم من عصاته بما يصبه عليهم من عذابه، وما ينزله بهم من سوط عقابه. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } ذكر سبحانه اعترافهم إذا سئلوا عن الخالق بأن الله سبحانه مع عبادتهم للأوثان، واتخاذهم الآلهة من دون الله، وفي هذا أعظم دليل على أنهم كانوا في غفلة شديدة، وجهالة عظيمة؛ لأنهم إذا علموا أن الخالق لهم، ولما يعبدون من دون الله هو: الله سبحانه، فكيف استحسنت عقولهم عبادة غير خالق الكل، وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة؟ وقد كانوا يذكرون بحسن العقول، وكمال الإدراك، والفطنة التامة، ولكنهم لما قلدوا أسلافهم، وأحسنوا الظنّ بهم هجروا ما يقتضيه العقل، وعملوا بما هو محض الجهل. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يبكتهم بعد هذا الاعتراف، ويوبخهم، فقال: {قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ } أي: أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضرّ، والضرّ هو: الشدّة، أو أعلى {أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ } عنِّي بحيث لا تصل إليّ، والرحمة النعمة، والرّخاء. قرأ الجمهور ممسكات، وكاشفات في الموضعين بالإضافة، وقرأهما أبو عمرو، بالتنوين. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، فسكتوا، وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئاً من قدر الله، ولكنها تشفع، فنزل: {قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ } في جميع أموري في جلب النفع، ودفع الضرّ {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكّلُونَ } أي: عليه، لا على غيره يعتمد المعتمدون، واختار أبو عبيد، وأبو حاتم قراءة أبي عمرو، لأن كاشفات اسم فاعل في معنى: الاستقبال، وما كان كذلك، فتنوينه أجود، وبها قرأ الحسن، وعاصم. ثم أمره سبحانه أن يهدّدهم، ويتوعدهم، فقال: {قُلْ ياقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } أي: على حالتكم التي أنتم عليها، وتمكنتم منها {إِنّى عَـٰمِلٌ } أي: على حالتي التي أنا عليها، وتمكنت منها، وحذف ذلك للعلم به مما قبله {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } أي: يهينه، ويذله في الدنيا، فيظهر عند ذلك أنه المبطل، وخصمه المحقّ، والمراد بهذا العذاب عذاب: الدنيا، وما حلّ بهم من القتل، والأسر، والقهر، والذلة. ثم ذكر عذاب الآخرة، فقال: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } أي: دائم مستمرّ في الدار الآخرة، وهو: عذاب النار. ثم لما كان يعظم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إصرارهم على الكفر أخبره بأنه لم يكلف إلا بالبيان، لا بأن يهدي من ضلّ، فقال: {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّـاسِ } أي: لأجلهم، ولبيان ما كلفوا به، و {بِٱلْحَقّ } حال من الفاعل، أو المفعول، أي: محقين، أو ملتبساً بالحقّ {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ } طريق الحق، وسلكها {فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ } عنها {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } أي: على نفسه، فضرر ذلك عليه لا يتعدّى إلى غيره {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } أي: بمكلف بهدايتهم مخاطب بها، بل ليس عليك إلا البلاغ، وقد فعلت. وهذه الآيات هي منسوخة بآية السيف، فقد أمر الله رسوله بعد هذا أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إلٰه إلا الله، ويعملوا بأحكام الإسلام. ثم ذكر سبحانه نوعاً من أنواع قدرته البالغة، وصنعته العجيبة، فقال: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } أي: يقبضها عند حضور أجلها، ويخرجها من الأبدان {وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت، أي: لم يحضر أجلها في منامها. وقد اختلف في هذا. فقيل: يقبضها عن التصرّف مع بقاء الروح في الجسد. وقال الفراء: المعنى: ويقبض التي لم تمت عند انقضاء أجلها قال: وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا: والتي لم تمت، وفاتها نومها. قال الزجاج: لكل إنسان نفسان: أحدهما: نفس التمييز، وهي التي تفارقه إذا نام، فلا يعقل، والأخرى: نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس. قال القشيري: في هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين شيء واحد، ولهذا قال: {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ } أي: النائمة {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى }، وهو الوقت المضروب لموته، وقد قال بمثل قول الزجاج: ابن الأنباري. وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ }، فيعيدها، والأولى أن يقال: إن توفي الأنفس حال النوم بإزالة الإحساس، وحصول الآفة به في محل الحسّ، فيمسك التي قضى عليها الموت، ولا يردّها إلى الجسد الذي كانت فيه، ويرسل الأخرى بأن يعيد عليها إحساسها. قيل: ومعنى {يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ عِندَ مَوْتِهَا }: هو على حذف مضاف، أي: عند موت أجسادها. وقد اختلف العقلاء في النفس، والروح هل هما شيء واحد، أو شيئان؟ والكلام في ذلك يطول جدًّا، وهو معروف في الكتب الموضوعة لهذا الشأن. قرأ الجمهور: {قضى} مبنياً للفاعل، أي: قضى الله عليها الموت، وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش، ويحيـى بن وثاب على البناء للمفعول، واختار أبو عبيد، وأبو حاتم القراءة الأولى لموافقتها لقوله: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ }، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ } إلى ما تقدّم من التوفي، والإمساك، والإرسال للنفوس {لآيَاتٍ } أي: لآيات عجيبة بديعة دالة على القدرة الباهرة، ولكن ليس كون ذلك آيات يفهمه كل أحد بل {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في ذلك، ويتدبرونه، ويستدلون به على توحيد الله، وكمال قدرته. فإن في هذا التوفي، والإمساك، والإرسال موعظة للمتعظين، وتذكرة للمتذكرين. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } الآية قال: نفس، وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فيتوفى الله النفس في منامه، ويدع الروح في جوفه تتقلب، وتعيش، فإن بدا له أن يقبضه قبض الروح، فمات. وإن أخر أجله ردّ النفس إلى مكانها من جوفه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه في الآية قال: تلتقي أرواح الأحياء، وأرواح الأموات في المنام، فيتساءلون بينهم ما شاء الله، ثم يمسك الله أرواح الأموات، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } لا يغلط بشيء منها، فذلك قوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً في الآية قال: كل نفس لها سبب تجري فيه، فإذا قضى عليها الموت نامت حتى ينقطع السبب، والتي لم تمت في منامها تترك. وأخرج البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وباسمك أرفعه، إن أمسكت نفسي، فارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أليس الله بكافٍ عبده} في قراءة بعضهم، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يكفيه الله المشركين، وقرأ الباقون {عباده} وهم الأنبياء. {ويخوفونك بالذين من دونه} فيه وجهان: أحدهما: أنهم كانوا يخوفونه بأوثانهم يقولون تفعل بك وتفعل، قاله الكلبي، والسدي. الثاني: يخوفونه من أنفسهم بالوعيد والتهديد. قوله عز وجل: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على ناحيتكم، قاله الضحاك ومجاهد. الثاني: على تمكنكم، قاله ابن عيسى. الثالث: على شرككم، قاله يحيى. {إني عامل} على ما أنا عليه من الهدى. {فسوف تعلمون} وهذا وعيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِكَافٍ عَبْدَهُ} محمداً صلى الله عليه وسلم كفاه الله ـ تعالى ـ المشركين {بِكَافٍ عباده} الأنبياء {بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} خوفوه بأوثانهم يقولون تفعل بك كذا وتفعل، أو خوفوه من أنفسهم بالتهديد والوعيد.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تقوِيَةٌ لنَفْسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: «عباده» يريد الأنبياءَ، وأنتَ يَا محمدُ أحدُهُمْ، فيدخلُ في ذلكَ المُؤْمِنُونَ المطيعُونَ والمتوكِّلُونَ على اللَّه سُبْحَانَهُ. وقوله سبحانه: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} أيْ: بالذين يَعْبُدُونَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وقد تقدَّم تفسيرُ نظيرِهِ. وقوله تعالى: {فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ}، أيْ: فلنفسه عَمِلَ وَسَعَىٰ، ومَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا جَنَىٰ، ثم نبَّه تَعالَىٰ على آية مِنْ آياته الكبرى، تدِلُّ الناظِرَ على الوحدانيَّةِ، وأنَّ ذلك لا شِرْكَةَ فيه لِصَنَمٍ، وهي حالةُ التَّوَفِّي، وذلكَ أَنَّ ما تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ على الكَمَالِ، فهو الذي يَمُوتُ، وما تَوَفَّاهُ تَوفِّياً غَيرَ مُكَمَّلٍ فهو الذي يكونُ في النَّوْم، قال ابن زيدٍ: النومُ وفاةٌ والموتُ وفاة وكثَّرَ الناسُ في هذه الآية، وفي الفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، وَفَرَقَ قَوْمٌ بَيْنَ نَفْسِ التمييزِ ونفس التخيُّل؛ إلى غير ذلك مِن الأقوال التي هي غَلَبةُ ظَنٍّ، وحقيقةُ الأمْرِ في هذا هي مما ٱستأثرَ اللَّه به وَغَيَّبَهُ عن عِبَادِهِ في قوله: {أية : ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى }تفسير : [الإسراء:85] ويكفيكَ أن في هذه الآية {يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ}، وفي الحديثِ الصحيحِ: حديث : إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْوَاحَنَا حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْنَا حِينَ شَاءَ تفسير : ، وفي حديث بلالٍ في الوَادي؛ فقد نطقتِ الشريعةُ بقَبْضِ الرُّوحِ والنَّفْس، وقد قال تعالى: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى} والظاهرُ أنَّ الخَوْضَ في هذا كُلِّهِ عَنَاءٌ، وإنْ كَان قَد تعرَّضَ للقَوْلِ في هذا ونحوه أئمةٌ، ذَكَرَ الثعلبيُّ عن ابن عباس؛ أنه قال: «في ابن آدم نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هِيَ الَّتي بها العَقْلُ والتمييزُ، والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فإذا نام العَبْدُ قَبَضَ اللَّهُ تَعَالَىٰ نَفْسَهُ ولم يَقْبِضْ رُوحَه»، وجاءَ في آداب النَّوم وأذكار النائِم أحاديثُ صحيحةٌ؛ ينبغي للعبدِ ألاَّ يُخْلِيَ نفسَه مِنها، وقد رَوَىٰ جابرُ بن عبد اللَّه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «حديث : إذا أَوَى الرَّجُلُ إلَىٰ فِرَاشِهِ، ٱبْتَدَرَهُ مَلَكٌ وَشَيْطَانٌ، فيقُولُ المَلَكُ: ٱخْتِمْ بِخَيْرٍ، ويقُولُ الشَّيْطَانُ: ٱخْتِمْ بِشَرٍّ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَىٰ، ثُمَّ نَامَ؛ بَاتَ المَلَكُ يَكْلَؤُهُ، فَإنِ ٱسْتَيْقَظَ؛ قال الملكُ: ٱفْتَحْ بِخَيْرٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ: ٱفْتَحْ بِشَرٍّ، فإنْ قَالَ: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَدَّ إلَيَّ نَفْسِي، وَلَمْ يُمِتْهَا في مَنَامِهَا، الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَلَئِنْ زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إلاَّ بِإذْنِهِ، إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فإن وَقَعَ مِنْ سَرِيرهِ، فَمَاتَ، دَخَلَ الجَنةَ»تفسير : ، رواه النسائي، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» وابن حِبَّانَ في «صحيحه»، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، وزاد آخره: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي المَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» انتهى من «السِّلاح»، وفيه عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلَىٰ فِرَاشِهِ: «حديث : لا إلٰهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ؛ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إلٰهَ إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، ـــ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَوْ خَطَايَاهُ ـــ شَكَّ مِسْعَرٌ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»تفسير : رواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، ورواه النسائي موقوفاً، انتهى، وروى الترمذيُّ عن أبي أُمَامَةَ قال: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «حديث : مَنْ أَوَىٰ إلَىٰ فِرَاشِهِ طَاهِراً يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يسألُ اللَّهَ شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ»تفسير : ، انتهى، والأجَلُ المُسَمَّىٰ في هذه الآيةِ: هُوَ عُمْرُ كُلِّ إنْسَانٍ، والضمائرُ في قوله تعالى: {أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ}: للأصنام.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏أليس الله بكاف عبده‏}‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ قال لي رجل‏:‏ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لتكفن عن شتم آلهتنا أو لتأمرنها فلتخبلنك‏.‏ فنزلت ‏{‏ويخوفونك بالذين من دونه‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة ‏{‏ويخوفونك بالذين من دونه‏} ‏ قال‏:‏ بالآلهة قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ليكسر العزى فقال سادنها‏:‏ - وهو قيمها - يا خالد إني أحذركها لا يقوم لها شيء، فمشى إليها خالد بالفأس وهشم أنفها‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏ويخوفونك بالذين من دونه‏} ‏ قال‏:‏ الأوثان‏.‏ والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} إنكارٌ ونفيٌ لعدم كفايته تعالى على أبلغِ وجهٍ وآكدِه كأن الكفاية من التَّحقُّقِ والظُّهورِ بحيثُ لا يقدر أحدٌ على أنْ يتفوَّه بعدمِها أو يتلعثم في الجوابِ بوجودِها. والمرادُ بالعبدِ إمَّا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أو الجنسُ المنتظمُ له عليه السَّلامُ انتظاماً أوَّلياً. ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ عبادَهُ، وفُسِّر بالأنبـياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ. وكذا قراءةُ من قرأ بكافي عبادِه على صيغة المُغالبةِ إمَّا من الكِفايةِ لإفادة المبالغة فيها، وإمَّا من المُكافأةِ بمعنى المُجازاة وهذه تسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عمَّا قالت له قُريشٌ إنَّا نخاف أنْ تخبلَك آلهتُنا ويصيبَك مضرَّتُها لعيبكِ إيَّاها وفي روايةٍ قالُوا لتكُفَنَّ عن شتمِ آلهتِنا أو ليصيبنَّكَ منهم خَبَلٌ أو جنونٌ كما قال قومُ هودٍ {أية : إنْ نقولُ إلاَّ اعتراك بعضُ آلهتِنا بسوءٍ} تفسير : [سورة هود: الآية 54] وذلك قوله تعالى {وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} أي الأوثانِ التي اتَّخذوها آلهةً من دونه تعالى. والجملةُ استئنافٌ وقيل: حالٌ {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} حتَّى غفل عن كفايتِه تعالى وعصمتِه له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وخوَّفه بما لا ينفعُ ولا يضرُّ أصلاً {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه إلى خيرٍ ما. {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ} يصرفُه عن مقصدِه أو يُصيبه بسوءٍ يخلُّ بسلوكِه إذ لا رادَّ لفعلِه ولا معارضَ لإرادتِه كما ينطقُ به قولُه تعالى {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ} غالبٍ لا يُغالبُ منيعٍ لا يُمانعُ ولا يُنازعُ. {ذِى ٱنتِقَامٍ} ينتقمُ من أعدائِه لأوليائِه. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقعِ الإضمارِ لتحقيقِ مضمونِ الكلامِ وتربـيةِ المهابةِ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الآية: 36]. قال أبو بكر بن طاهر: من لم يكتف بربه بعد قوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} فهو فى درجة الهالكين. وقال ابن عطاء: خلع حبل العبودية من عنقه من نظر بعد هذه الآية إلى أحد من الخلق أو رجاهم أو خافهم أو طمع فيهم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}. استفهام والمراد منه التقرير؛ فاللَّهُ كافٍ عَبْدَه اليومَ في عرفانه بتصحيح إيمانه ومَنْع الشِّرْكِ عنه، وغداً في غفرانه بتأخير العذاب عنه، وما بينهما فكفايتهُ تامة وسلاَمته عامة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} فيه من العتاب نبذة من الحق عاتب عباده بلفظ الاستفهام هل يجرى على قلوبهم الى تركهم عن رعايتى وحفظ كلا بل انا راعيهم واحفظهم عن منازل الخطرة لا يضربهم جريان امتحانى فانى احببتهم فى ازل ازلى فبقى محبتى لهم الى ابد الابد لا تستقطعهم عن عينيى ومن يجترى ان يقوم بالمخاصمة من فى نظرى وهذا مذهب كل متوكل راض عن ربه من حيث ---- اى من محافظته وخفايا الطافة ما يطمئن به صدره عند لك مهالك قال ابو بكر بن طاهر من لم يكف بربه بعد قوله اليس الله بكفا عبده فهو فى درجة الهالكين قال ابن عطا خلع حبل العبودية من عنقه من نظر بعد هذه الأية الى احد من الخلق او رجاهم او خافهم او طمع فيهم وقال الاستاذ اليس استفهام والمراد منه التقرير والله كاف عبده اليوم فى عرفانه لتصحيح ايمانه ومنع الشرك عنه وغدا فى احسانه بادخاله جنته وتاخير العذاب عنه وما بينهما فكفايته تامة ولا منه عامة.

اسماعيل حقي

تفسير : {أليس الله بكاف عبده} ادخلت همزة الانكار على كلمة النفى فافادت معنى اثبات الكفاية وتقريرها. والكفاية ما فيه سد الخلة وبلوغ المراد فى الامر اى هو تعالى كاف عبده محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم امر من يعاديه وناصره عليه وفيه تسلية له عليه السلام ويحتمل الجنس ففيه تسلية لكل من تحقق بمقام العبودية. وعن بعض الكبار أليس الله بكاف عبده ان يعبده ويؤمن به وايضا عبده المتحقق بحقيقة هويته التى هى مبدأ الالوهية اى الوهيته والهيته. وفى التأويلات النجمية ان الله كاف عبده عن كل شىء ولا يكفى له كل شىء عن الله ولهذا المعنى اذ يغشى السدرة ما يغشى من نفائس الملك والملكوت لتكون للنبى عليه السلام تلك النفائس كافية عن رؤية ما زاغ البصر وما طغى بنظر القبول اليها حتى رأى من آيات ربه الكبرى. وفى عرائس البقلى فيه نبذة من العتاب عاتب الحق عباده بلفظ الاستفهام اى هل يجرى على قلوبهم انى اتركهم من رعايتى وحفظى كلا ومن يجترئ ان يقوم بمخاصمة من هو فى نظرى من الازل الى الابد. وفى كشف الاسرار من تبرأ من اختياره واحتياله وصدق رجوعه الى الله من احواله ولا يستعين بغير الله من اشكاله وامثاله آواه الله الى كنف اقباله وكفاه جميع اشغاله وفى الحديث "حديث : من اصبح وهمومه هم واحد كفاه الله هموم الدنيا والآخرة" تفسير : [عبد الواحد زيدراكفتند هيج كس را دانى كه در مراقبت خالق جنان مستغرق بودكه اورا برواى خلق نباشد كفت يكىرا دانم كه همين ساعت در آيد عتبة الغلام در آمد عبد الواحد كفت اى عتبه درراه كراديدى كفت هيج كس را وراه وى بازار بود انجمن خلق]. وقال السيد جعفر الصادق رضى الله عنه ما رأيت احسن من تواضع الاغنياء للفقراء واحسن من ذلك اعراض الفقير غن الغنى استغناء بالله تعالى ورعايته وكفايته. قال ابو بكر بن طاهر رحمه الله من لم يكف بربه بعد قوله {أليس الله بكاف عباده} فهو من درجة الهالكينز وقال ابن عطاء رحمه الله رفع جلاجل العبودية من عنقه من نظر بعد هذه الآية الى احد من الخلق او رجاهم او خافهم او طمع فيهم شعر : بس ترا از ماسوى امداد هو كفت أليس الله بكاف عبده تفسير : {ويخوفونك} اى المشركون {بالذين من دونه} اى بالاوثان التى اتخذوها آلهة من دون الله تعالى ويقولون انك تعيبها وانها لتصيبك بسوء كالهلاك او الجنون او فساد الاعضاء. وقال بعض اهل التفسير ان هذه الآية اى قوله {أليس الله بكاف عبده} نزلت مرة فى حق النبى عليه السلام ومرة فى شأن خالد بن الوليد رضى الله عنه كسورة الفاتحة حيث نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة [ونزولش در حق خالد بن الوليد آنست كه قومى از مشركان عرب درختىرا بمعبودى كرفته بودند ودر وى ديوى درزير بيخ آن درخت قرار كرده بود نام آن ديو عزى ورب العزة آنرا سبب ضلالت ايشان كرده بود مصطفى عليه السلام خالد وليدرا فرموده تاآن درخت را ازبيخ بر آورد وآن ديورا بكشد مشركان كرد آمدند وخالدرا بترسانيدندكه عزى ترا هلاك كند ياديوانه كند خالد از مقالت ايشان مصطفى را خبر كرد ورب العزة در حق وى اين آيت فرستادكه {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه} خالد باز كشت وآن درخت را ازبيخ بكند وزير آن درخت شخصى يافت عظيم سياه كريه المنظر واورا بكشت بس مصطفى عليه السلام كفت] (تلك عزى ولن تعبد ابدا) كذا فى كشف الاسرار {ومن يضلل الله} اى ومن يجعله دالا عن الطريق القويم والفهم المستقيم حتى غفل عن كفايته تعالى وعصمته له عليه السلام وخوفه بما لا ينفع ولا يضر اصلا {فما له من هاد} يهديه الى خير ما

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أليس اللهُ بكافٍ عَبْدَه} أي: نبيه صلى الله عليه وسلم. نزلت تقوية لقلبه عليه السلام، وإزالة للخوف الذي كان الكفار يخوفونه، أو: جنس العبد، فيشمل الأنبياء كلهم والمؤمنين، وينتظم فيه النبي صلى الله عليه وسلم انتظاماً أولياً، ويُؤيده قراءة الأخويْن بالجمع. وهو إنكار ونفي لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه وآكده، كأنَّ الكفاية بلغت من الظهور ما لا يقدر أحد على أن يتفوّه بعدمها، أو يتلعثم في الجواب بوجودها، وإذا علم العبدُ أن الحق تعالى قائم بكفايته، سكن قلبه واطمأن، وأسقط الأحمال والكُلَف عن ظهره، فلا جرم أن الله يكفيه ما أهمّه، ويؤمّنه مما يخافه، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ويُخوفونك بالذين من دُونه} أي: الأوثان التي اتخذوها آلهة دونه تعالى، وهي جوامد، لا تضر ولا تنفع، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما قالت قريش: إنا نخاف أن تخبُلك آلهتنا، وتُصيبك معرَّتها لعيبك إياها. وفي رواية: قالوا: لتكفنّ عن آلهتنا، أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون، كما قال قوم هود: {أية : إِن نَّقٌولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ} تفسير : [هود: 54]. وجملة: "ويخوفونك": استئناف، أو: حال. {ومَن يُضلِلِ اللهُ} حتى غفل عن كفايته وعصمته صلى الله عليه وسلم، أو: اعتقد أن الأصنام تضر وتنفع؛ {فما له من هادٍ} يهديه إلى ما يرشده. {ومَن يهدِ اللهُ} إلى توحيده وطاعته {فما له من مُضلٍّ} يصرفه عن رشده، أو يصيبه سوء يخل بسلوكه؛ إذ لا راد لفعله، ولا معارض لقضائه، كما ينطقُ به قوله تعالى: {أليسَ اللهُ بعزيزٍ}: غالب لا يغالَب، منيع لا يمانَع ولا ينازَع، {ذي انتقامٍ} من أعدائه لأوليائه، بإعزاز أوليائه وإذلال أعدائه. وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتحقيق مضمون الكلام، وتربية المهابة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا عَلِمَ العبدُ أن الله كاف جميع عباده، وثق بضمانه، فاستراح من تعبه، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه، فيدخل جنة الرضا والتسليم، ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم، فيكتفي بالله، ويقنع بعلم الله، ويثق بضمانه. قال في لطائف المنن: مبنى الوليّ على الاكتفاء بالله، والقناعة بعلمه، والاغتناء بشهوده. قال تعالى: {أليس الله بكافٍ عبده} وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت: 53] هـ. وقال الشيخ أبو الحسن صلى الله عليه وسلم: يقول الله ـ عزّ وجل ـ: عبدي اجعلني مكان همك أكفك همك، عبدي؛ ما كنت بك فأنت في محل البُعد، وما كنت بي فأنت في محل القُرب، فاختر لنفسك. هـ. أي: ما دمت مهموماً بنفسك فأنت في محل البُعد، وإذا خرجت عنها، وطرحتها بين يدي خالقها، أو غبت عن وجودها بالكلية، فأنت في محل القُرب، الأول: قُرب مراقبة، والثاني: قُرب مشاهدة. وقوله تعالى: {ويُخوفونك بالذين من دونه}: هو عام في كل ما يُخاف منه، فالعارف لا يخاف من شيء؛ لعلمه بأن الله ليس معه شيء، ولا يقع في الوجود إلا قدره وقضاؤه، ومَن يعتقد غير هذا فهو ضال، ومَن يُضلل الله فلا هادي له. وبالله التوفيق. ثم قرر هذا الأمر وحقيقته بقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}.

الطوسي

تفسير : خمس آيات كوفي وثلاث فى ما عداه عد الكوفيون {من هاد} وعدوا {فسوف تعلمون} ولم يعده الباقون. قرأ حمزة والكسائي وخلف {بكاف عباده} على الجمع. الباقون بكاف عبده على التوحيد. من قرأ على التوحيد أراد النبي صلى الله عليه وآله لقوله {ويخوفونك} ومن جمع اراد النبي وسائر الانبياء، لأن أمة كل نبي خاطبوا نبيهم بمثل ذلك، كما قال تعالى مخبراً عن قوم هود {أية : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} تفسير : وقرأ ابو عمرو والكسائي عن أبي بكر {كاشفات ضره.. ممسكات رحمته} منون فيهما. الباقون بالاضافة. فمن أضاف فللتخفيف. ومن نون، فلأنه غير واقع، واسم الفاعل إنما يعمل إذا كان لما يستقبل قوله {أية : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} تفسير : على الحكاية. وقوله {أليس الله بكاف عبده} لفظه لفظ الاستفهام والمراد به التقرير يقرر عباده، فيقول: اليس الله الذي يكفي عبده كيد اعدائه ويصرف عنه شرهم، فمن وحد - اراد محمد صلى الله عليه وآله وهو قول السدي وابن زيد. ومن جمع - أراد انبيائه كـ (إبراهيم ولوط وشعيب). وقوله {ويخوفونك بالذين من دونه} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأن الكفار يخوفونه بالأوثان التي كانوا يعبدونها - في قول قتادة والسدي وابن زيد - لأنهم قالوا له: أما تخاف ان تهلكك آلهتنا. وقيل: إنه لما قصد خالد لكسر العزى بأمر النبي صلى الله عليه وآله قالوا له ساداتها: إياك يا خالد إن بأسها شديد. ثم قال {ومن يضلل الله فما له من هاد} يحتمل معناه شيئين: احدهما - من أضله عن طريق الجنة بكفره ومعاصيه فليس له هاد يهديه اليها. والثاني - ان من حكم الله بضلالته وسماه ضالا إذا ضل هو عن الحق فليس له من يحكم بهدايته وتسميته هادياً. ثم عكس ذلك فقال {ومن يهدي الله فما له من مضل} وهو يحتمل امرين: احدهما - من يهديه الله إلى طريق الجنة فلا احد يضله عنها. والثاني - من يحكم بهدايته ويسميه هادياً فلا احد يمكنه ان يحكم بضلالته على الحقيقة. ثم قرر خلقه فقال {أليس الله بعزيز} اي قادر قاهر لا يقدر أحد على مغالبته {ذي إنتقام} من اعدائه والجاحدين لنعمته. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {ولئن سألتهم} يا محمد يعني هؤلاء الكفار {من خلق السماوات والأرض} وانشأها واخترعها وأوجدها بعد أن كانت معدومة {ليقولن الله} الفاعل لذلك، لأنهم لو أحالوا على غيره لبان كذبهم وافتراؤهم، لأنه لا يقدر على ذلك إلا القادر لنفسه الذي لا يعجزه شيء. ثم قال {قل} لهم {أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} فمن اضاف لم يعمل اسم الفاعل. ومن نون أعمله، وهما جميعاً جيدان. والمعنى إن من يعجز عن النفع والضر وكشف الكرب عمن يتقرب اليه ولا يتأتى منه ذلك كيف يحسن عبادته؟! وإنما تحسن العبادة لمن يقدر على جميع ذلك ولا يلحقه عجز ولا منع، وهو الله تعالى. والوجه في الزام من خلق السموات والارض إخلاص العبادة له أن من خلق السموات والارض هو القادر على النفع والضر بما لا يمكن أحد منعه ويمكنه منع كل أحد من خير او شر، والعبادة أعلى منزلة الشكر، لأجل النعم التي لا يقدر عليها غير الله، فمن اقرّ بخلق السموات والارض لزمه إخلاص العبادة لمن خلقهما ومن لم يقر دل عليه بما يلزمه الاقرار به. ثم قال {قل} لهم يا محمد {حسبي الله} أي يكفني الله {عليه يتوكل المتوكلون} فالتوكل رد التدبير إلى من يقدر على الاحسان فيه، فلما كان لا يقدر على الاحسان في جميع التدبير الذي يصلح الانسان إلا الله تعالى وجب على كل عاقل التوكل عليه بما هو حسبه منه. ثم قال {قل} لهم يا محمد {يا قوم إعملوا على مكانتكم} قال مجاهد: على ناحيتكم، وقيل على مكانكم من العمل. وقيل: على مكانتكم أي ديانتكم على وجه التهدد لهم. وقيل: على مكانتكم أي جهتكم التي اخترتموها وتمكنتم في العمل بها. ثم قال {إني عامل} بما أدعوكم اليه {فسوف تعلمون} عاقبة اعمالكم وآخر كفركم وتعرفون {من يأتيه عذاب يخزيه} في الدنيا ويهينه في الآخرة {ويحل عليه} أي ينزل عليه {عذاب مقيم} أي دائم لا يزول، وذلك غاية الوعيد والتهديد.

الجنابذي

تفسير : {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تسلية للرّسول (ص) عن تخويف قومه ايّاه او تخويفهم عليّاً (ع) او عن تخويفهم ايّاه بان لا يدعوا الامر فى علىّ (ع) والمراد بالعبد محمّد (ص) او علىّ (ع) {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} قيل: قالت قريش: انّا نخاف ان تخبلك آلهتنا لعيبك ايّاها، وقيل: يقولون لك: يا محمّد (ص) اعفنا من علىٍّ (ع) ويخوّفونك بانّهم يلحقون بالكفّار {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ} جمية حاليّة {فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ} يعنى انّهم اضلّهم الله ولست انت تهديهم او لا يهتدون الى ما يتخيّلون من اللّحوق بالكفّار، او من منع علىّ (ع) من الخلافة.

اطفيش

تفسير : {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تقوية لنفس النبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام لانكار النفى أو التقرير بها بعد النفي وهكذا في مثل ذلك والعبد النبى صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن تكون الاضافة للجنس ويؤيده قراءة حمزة والكسائى (عباده) بالجمع فالمراد الأنبياء ومنهم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل الأنبياء والمؤمنون. {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالّّذِينَ مِن دُونِهِ} أي أثبتوا أو عبدوا من دونه وهى الأصنام وفى الآية اطلاق الذين على غير العقلاء تشبيهاً بالعقلاء وذلك أن قريشاً قالوا له صلى الله عليه وسلم لتكفّن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منها جنون فذلك هو التخويف وقيل بعث خالداً الى العزى ليكسرها فقال له خادمها أحذركها يا خالد ان لها شدة لا يقوم لها شيء فهشم أنفها فأنزل الله {أليس الله بكافٍ عبده} أي نبيه أن يعصمه من كل سوء وذلك لأنه أمر لخالد ويجوز أن يريد العبد أو العباد على الاطلاق لا للنبي ولا للأنبياء ولا هم للمؤمنين وقرئ (بكافي عباده) و (كافي عبده) على الاضافة وبكافى بالباء مفاعلة من الكفاية وهو أبلغ من يكفي ببنائه على لفظ المغالبة أو بالهمزة من المكافأة وهى المجازاة* {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ} حتى غفل كفاية الله له وخوفه بما لا ينفع ولا يضر* {فَمَا لَهُ مِن هَادٍ} مرشد

اطفيش

تفسير : {أليْس الله بكاف عَبْده} محمداً صلى الله عليه وسلم، بلى أى يكفى عنه مضار الأعداء لا يقدر قومه لا غيرهم على قتله، أو مضرته فى بدنه، وليس المراد أن الله تعالى يكفيه مضرة الأصنام التى يدعون أنها تصيبه على ذمه اياها، والمنع من عبادتها، كما فى قوله تعالى: {ويُخوِّفُونك بالَّذين مِنْ دُونِه} وهى أصنامهم التى يعبدونها، لأن الله تعالى: لم يخلق فيها قدرة على شىء، ولا بنى شيئا من المضار عليها، فضلا عن أن يقول تعالى: يكفيك ضرها، لكن لما ذكروا أنها تضره، ذكر الله عز وجل أنه لا يصيبه ضرها مطلقا، هكذا كان لها ضر، أو لم يكن، وقد علمت أنه لا ضر لها، وروى أنهم قالوا لتكفن عن شتم آلهتنا، أو ليصيبنك منها خبل، وقيل: المراد بعبده الجنس، وقيل: النبى صلى الله عليه وسلم و المؤمنون، وقيل: الأنبياء والمؤمنون، وذكر الأصنام بلفظ العقلاء وهو الذين مجاراة لزعمهم أنها عقلاء أو كالعقلاء، والواو عاطفة على محذوف أى يجهلون أن الله كاف عبده، ويخوفونك بالذين، أو يعلمون أن الجماد لا يضر ويخوفونك {ومَنْ يُضْللِ الله} حتى توهم أن الأصنام تضر، وأعرض عن أن الله هو الضار النافع الحافظ {فمَا لَه مِن هَادٍ} ما الى خير ما.

الالوسي

تفسير : {يَعْمَلُونَ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } إنكار ونفي لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه كأن الكفاية من التحقق والظهور بحيث لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها أو يتلعثم في الجواب بوجودها. والمراد بعبده إما رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي عن السدي وأيد بقوله تعالى: {وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } أي الأوثان التي اتخذوها آلهة؛ فإن الخطاب سواء كانت الجملة استئنافاً أو حالاً له صلى الله عليه وسلم. وقد روي أن قريشاً قالت له عليه الصلاة والسلام: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا وتصيبك معرتها لعيبك إياها فنزلت، وفي رواية قالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منها خبل فنزلت، أو الجنس المنتظم له عليه الصلاة والسلام انتظاماً أولياً، وأيد بقراءة أبـي جعفر ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي {عِبَادِهِ } بالجمع وفسر بالأنبياء عليهم السلام والمؤمنين، وعلى الأول يراد أيضاً الأتباع كما سمعت في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } تفسير : [الزمر: 33] {وَيُخَوّفُونَكَ } شامل لهم أيضاً على ما سلف والتئام الكلام بقوله تعالى: {أية : فَمَنْ أَظْلَمُ }تفسير : [الزمر: 32] إلى هذا المقام لدلالته على أنه تعالى يكفي نبيه صلى الله عليه وسلم منهم دينه ودنياه ويكفي أتباعه المؤمنين أيضاً المهمين وفيه أنه سبحانه يكفيهم شر الكافرين من وجهين من طريق المقابلة ومن أنه داخل في كفاية مهمي الرسول عليه الصلاة والسلام وأتباعه، وهذا ما تقتضيه البلاغة القرآنية ويلائم ما بني عليه السورة الكريمة من ذكر الفريقين وأحوالهما توكيداً لما أمر به أولاً من العبادة والإخلاص. وقرىء {بكافي عباده } بالإضافة و {يكافي عباده } مضارع كافى ونصب {عباده } فاحتمل أن يكون مفاعلة من الكفاية كقولك: يجازي في يجزي وهو أبلغ من كفى لبنائه على لفظ المبالغة وهو الظاهر لكثرة تردد هذا المعنى في القرآن نحو {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [البقرة: 137] ويحتمل أن يكون مهموزاً من المكافأة وهي المجازاة. ووجه الارتباط أنه تعالى لما ذكر حال من كذب على الله وكذب بالصدق وجزاءه، وحال مقابله أعني الذي جاء بالصدق وصدق به وجزاءه وعرض بقوله سبحانه: {أية : ذَلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ }تفسير : [الزمر: 34] بأن ما سلف جزاء الكافرين المسيئين لما هو معروف من فائدة البناء على اسم الإشارة ثم عقبه تعالى بقوله عز وجل: {أية : لِيُكَـفّرَ }تفسير : [الزمر: 35] الخ على معنى ليكفر عنهم ويجزيهم خصهم بما خص فنبه على المقابل أيضاً من ضرورة الاختصاص والتعليل، وفيه أيضاً ما يدل على حكم المقابل على اعتبار المتعلق غير / ما ذكر كما يظهر بأدنى التفات أردف بقوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } وحيث إن مطمح النظر من العباد السيد الحبيب صلى الله عليه وسلم كان المعنى الله تعالى يجازي عبده ونبيه عليه الصلاة والسلام هذا الجزاء المذكور وفيه أنه الذي يجزيه البتة ويلائمه قوله تعالى: {وَيُخَوّفُونَكَ } فإنه لما كان في مقابلة ذم آلهتهم كما سمعت في سبب النزول كان تحذيراً من جزاء الآلهة فلا مغمز بعدم الملاءمة. نعم لا ننكر أن معنى الكفاية أبلغ كما هو مقتضى القراءة المشهورة فاعلم ذاك والله تعالى يتولى هداك. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } حتى غفل عن كفايته تعالى عبده وخوف بما لا ينفع ولا يضر أصلاً {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يهديه إلى خير ما.

سيد قطب

تفسير : هذه الجولة أوسع مقاطع السورة. وهي تتناول حقيقة التوحيد من جوانب متعددة في لمسات متنوعة. تبدأ بتصوير حقيقة القلب المؤمن وموقفه بإزاء قوى الأرض واعتداده بالقوة الوحيدة؛ واعتماده عليها دون مبالاة بسواها من القوى الضئيلة الهزيلة. ومن ثم ينفض يده من هذه القوى الوهمية ويكل أمره وأمر المجادلين له إلى الله يوم القيامة؛ ويمضي في طريقه ثابتاً واثقاً مستيقناً بالمصير. يتلو هذا بيان وظيفة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه ليس وكيلاً على العباد في هداهم وضلالهم. إنما الله هو المسيطر عليهم؛ الآخذ بناصيتهم في كل حالة من حالاتهم. وليس لهم من دونه شفيع فإن لله الشفاعة جميعاً. وإليه ملك السماوات والأرض. وإليه المرجع والمصير. ثم يصف المشركين وانقباض قلوبهم عند ذكر كلمة التوحيد وانبساطها عند ذكر كلمة الشرك. ويعقب على هذا بدعوى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى إعلان كلمة التوحيد خالصة، وترك أمر المشركين لله. ويصورهم يوم القيامة وهم يودون لو يفتدون بملء الأرض ومثله معه. وقد تكشف لهم من الله ما يذهل ويخيف! ذلك. وهم يدعون الله وحده إذا أصابهم الضر. فإذا وهبهم منه نعمة ادعوا دعاوي عريضة وقال قائلهم: إنما أوتيته على علم عندي! الكلمة التي قالها الذين من قبلهم فأخذهم الله القادر على أن يأخذ هؤلاء. وما هم بمعجزين. وما كان بسط الرزق وقبضه إلا سنة من سنن الله، تجري وفق حكمته وتقديره وهو وحده الباسط القابض: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}.. {أليس الله بكاف عبده؟ ويخوفونك بالذين من دونه. ومن يضلل الله فما له من هاد. ومن يهد الله فما له من مضل. أليس الله بعزيز ذي انتقام؟ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله. قل: أفرأيتم ما تدعون من دون الله، إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته؟ قل: حسبي الله، عليه يتوكل المتوكلون. قل: يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم}.. هذه الآيات الأربع تصور منطق الإيمان الصحيح، في بساطته وقوته، ووضوحه، وعمقه. كما هو في قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكما ينبغي أن يكون في قلب كل مؤمن برسالة، وكل قائم بدعوة. وهي وحدها دستوره الذي يغنيه ويكفيه، ويكشف له الطريق الواصل الثابت المستقيم. وقد ورد في سبب نزولها أن مشركي قريش كانوا يخوفون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من آلهتهم، ويحذرونه من غضبها، وهو يصفها بتلك الأوصاف المزرية بها، ويوعدونه بأنه إن لم يسكت عنها فستصيبه بالأذى... ولكن مدلول هذه الآيات أوسع وأشمل. فهي تصور حقيقة المعركة بين الداعية إلى الحق وكل ما في الأرض من قوى مضادة. كما تصور الثقة واليقين والطمأنينة في القلب المؤمن، بعد وزن هذه القوى بميزانها الصحيح. {أليس الله بكاف عبده}؟ بلى! فمن ذا يخيفه، وماذ يخيفه؟ إذا كان الله معه؟ وإذا كان هو قد اتخذ مقام العبودية وقام بحق هذا المقام؟ ومن ذا يشك في كفاية الله لعبده وهو القوي القاهر فوق عباده؟ {ويخوفونك بالذين من دونه}.. فكيف يخاف؟ والذين من دون الله لا يخيفون من يحرسه الله. وهل في الأرض كلها إلا من هم دون الله؟ إنها قضية بسيطة واضحة، لا تحتاج إلى جدل ولا كد ذهن.. إنه الله. ومَن هم دون الله. وحين يكون هذا هو الموقف لا يبقى هنالك شك ولا يكون هناك اشتباه. وإرادة الله هي النافذة ومشيئته هي الغالبة. وهو الذي يقضي في العباد قضاءه. في ذوات أنفسهم، وفي حركات قلوبهم ومشاعرهم: {ومن يضلل الله فما له من هاد. ومن يهد الله فما له من مضل}.. وهو يعلم من يستحق الضلالة فيضله، ومن يستحق الهدى فيهديه. فإذا قضى بقضائه هكذا أو هكذا فلا مبدل لما يشاء. {أليس الله بعزيز ذي انتقام؟} بلى. وإنه لعزيز قوي. وإنه ليجازي كلاً بما يستحق. وإنه لينتقم ممن يستحق الانتقام. فكيف يخشى أحداً أو شيئاً من يقوم بحق العبودية له، وهو كافله وكافيه؟ ثم يقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى منتزعة من منطقهم هم أنفسهم، ومن واقع ما يقررونه من حقيقة الله في فطرتهم: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن الله. قل. أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره؟ أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته؟ قل: حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون}.. لقد كانوا يقررون ـ حين يسألون ـ أن الله هو خالق السماوات والأرض. وما تملك فطرة أن تقول غير هذا، وما يستطيع عقل أن يعلل نشأة السماوات والأرض إلا بوجود إرادة عليا. فهو يأخذهم ويأخذ العقلاء جميعاً بهذه الحقيقة الفطرية الواضحة.. إذا كان الله هو خالق السماوات والأرض. فهل يملك أحد أو شيء في هذه السماوات والأرض أن يكشف ضراً أراد الله أن يصيب به عبداً من عباده؟ أم يملك أحد أو شيء في هذه السماوات والأرض أن يحبس رحمة أراد الله أن تنال عبداً من عباده؟ والجواب القاطع: أن لا.. فإذا تقرر هذا فما الذي يخشاه داعية إلى الله؟ ما الذي يخشاه وما الذي يرجوه؟ وليس أحد بكاشف الضر عنه؟ وليس أحد بمانع الرحمة عنه؟ وما الذي يقلقه أو يخيفه أو يصده عن طريقه؟ إنه متى استقرت هذه الحقيقة في قلب مؤمن فقد انتهى الأمر بالنسبة إليه. وقد انقطع الجدل. وانقطع الخوف وانقطع الأمل. إلا في جناب الله سبحانه. فهو كاف عبده وعليه يتوكل وحده: {قل: حسبي الله. عليه يتوكل المتوكلون}.. ثم إنها الطمأنينة بعد هذا والثقة واليقين. الطمأنينة التي لا تخاف. والثقة التي لا تقلق. واليقين الذي لا يتزعزع والمضي في الطريق على ثقة بنهاية الطريق: {قل: يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل. فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم}.. يا قوم اعملوا على طريقكم وعلى حالكم. إني ماض في طريقي لا أميل ولا أخاف ولا أقلق. وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه في الدنيا، ويحل عليه عذاب مقيم في الآخرة. لقد قضي الأمر بعد عرض الحقيقة البسيطة التي تنطق بها الفطرة ويشهد بها الوجود.. إن الله هو خالق السماوات والأرض. القاهر فوق السماوات والأرض. وهو صاحب هذه الدعوة التي يحملها الرسل ويتولاها الدعاة. فمن ذا في السماوات والأرض يملك لرسله شيئاً أو لدعاته؟ ومن ذا يملك أن يدفع عنهم ضراً أو يمسك عنهم رحمة؟ وإذا لم يكن. فماذا يخشون وماذا يرجون عند غير الله؟ ألا لقد وضح الأمر ولقد تعين الطريق؛ ولم يعد هناك مجال لجدال أو محال! تلك حقيقة الوضع بين رسل الله وسائر قوى الأرض التي تقف لهم في الطريق. فما حقيقة وظيفتهم وما شأنهم مع المكذبين؟ {إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق. فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. وما أنت عليهم بوكيل. الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. أم اتخذوا من دون الله شفعاء؟ قل: أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون؟ قل: لله الشفاعة جميعاً. له ملك السماوات والأرض، ثم إليه ترجعون}.. {إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق}.. الحق في طبيعته. والحق في منهجه. والحق في شريعته. الحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض؛ ويلتقي عليه نظام البشرية في هذا الكتاب ونظام الكون كله في تناسق. هذا الحق نزل {للناس} ليهتدوا به ويعيشوا معه ويقوموا عليه. وأنت مبلغ. وهم بعد ذلك وما يشاءون لأنفسهم من هدى أو ضلال، ومن نعيم أو عذاب. فكل مورد نفسه ما يشاء؛ وما أنت بمسيطر عليهم ولا بمسؤول عنهم: {فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنت عليهم بوكيل}.. إنما الوكيل عليهم هو الله. وهم في قبضته في صحوهم ونومهم وفي كل حالة من حالاتهم، وهو يتصرف بهم كما يشاء: {الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها. فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى}.. فالله يستوفي الآجال للأنفس التي تموت. وهو يتوفاها كذلك في منامها ـ وإن لم تمت بعد ـ ولكنها في النوم متوفاة إلى حين. فالتي حان أجلها يمسكها فلا تستيقظ. والتي لم يحن أجلها بعد يرسلها فتصحو. إلى أن يحل أجلها المسمى. فالأنفس في قبضته دائماً في صحوها ونومها. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. إنهم هكذا في قبضة الله دائماً. وهو الوكيل عليهم. ولست عليهم بوكيل. وإنهم إن يهتدوا فلأنفسهم وإن يضلوا فعليها. وإنهم محاسبون إذن وليسوا بمتروكين.. فماذا يرجون إذن للفكاك والخلاص؟ {أم اتخذوا من دون الله شفعاء؟ قل: أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون؟ قل: لله الشفاعة جميعاً. له ملك السماوات والأرض، ثم إليه ترجعون}.. وهو سؤال للتهكم والسخرية من زعمهم أنهم يعبدون تماثيل الملائكة ليقربوهم إلى الله زلفى! {أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون؟}.. يعقبه تقرير جازم بأن لله الشفاعة جميعاً. فهو الذي يأذن بها لمن يشاء على يد من شاء. فهل مما يؤهلهم للشفاعة أن يتخذوا من دون الله شركاء؟! {له ملك السماوات والأرض}.. فليس هنالك خارج على إرادته في هذا الملك.. {ثم إليه ترجعون}.. فلا مهرب ولا مفر من الرجوع إليه وحده في نهاية المطاف.. وفي هذا الموقف الذي يتفرد فيه الله سبحانه بالملك والقهر يعرض كيف هم ينفرون من كلمة التوحيد ويهشون لكلمة الشرك، الذي ينكره كل ما حولهم في الوجود: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون}. والآية تصف واقعة حال على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين كان المشركون يهشون ويبشون إذا ذكرت آلهتهم؛ وينقبضون وينفرون إذا ذكرت كلمة التوحيد. ولكنها تصف حالة نفسية تتكرر في شتى البيئات والأزمان. فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى الله وحده إلهاً، وإلى شريعة الله وحدها قانوناً، وإلى منهج الله وحده نظاماً. حتى إذا ذكرت المناهج الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث، وفتحوا صدورهم للأخذ والرد. هؤلاء هم بعينهم الذين يصور الله نموذجاً منهم في هذه الآية، وهم بذاتهم في كل زمان ومكان. هم الممسوخو الفطرة، المنحرفو الطبيعة، الضالون المضلون، مهما تنوعت البيئات والأزمنة، ومهما تنوعت الأجناس والأقوام. والجواب على هذا المسخ والانحراف والضلال هو ما لقنه الله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مواجهة مثل هذه الحال: {قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون}.. إنه دعاء الفطرة التي ترى السماء والأرض؛ ويتعذر عليها أن تجد لها خالقاً إلا الله فاطر السماوات والأرض، فتتجه إليه بالاعتراف والإقرار. وتعرفه بصفته اللائقة بفاطر السماوات والأرض: {عالم الغيب والشهادة} المطلع على الغائب والحاضر، والباطن والظاهر. {أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون}.. فهو وحده الحكم يوم يرجعون إليه. وهم لا بد راجعون. وبعد هذا التلقين يعرض حالهم المفزعة يوم يرجعون للحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون: {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.. إنه الهول الملفوف في ثنايا التعبير الرهيب. فلو أن لهؤلاء الظالمين ـ الظالمين بشركهم وهو الظلم العظيم ـ لو أن لهؤلاء {ما في الأرض جميعاً}.. مما يحرصون عليه وينأون عن الإسلام اعتزازاً به. {ومثله معه}.. لقدموه فدية مما يرون من سوء العذاب يوم القيامة.. وهول آخر يتضمنه التعبير الملفوف: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}.. ولا يفصح عما بدا لهم من الله ولم يكونوا يتوقعونه. لا يفصح عنه ولكنه هكذا هائل مذهل مخيف.. فهو الله. الله الذي يبدو منه لهؤلاء الضعاف ما لا يتوقعون! هكذا بلا تعريف ولا تحديد! {وبدا لهم سيئات ما كسبوا. وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.. وهذه كذلك تزيد الموقف سوءاً. حين يتكشف لهم قبح ما فعلوا؛ وحين يحيط بهم ما كانوا به يستهزئون من الوعيد والنذير. وهم في ذلك الموقف الأليم الرعيب.. وبعد هذا المشهد المعترض لبيان حالهم يوم يرجعون إلى الله الذي به يشركون، والذي تشمئز قلوبهم حين يذكر وحده، وتستبشر حينما تذكر آلهتهم المدعاة. بعد هذا يعود إلى تصوير حالهم العجيب. فهم ينكرون وحدانية الله. فأما حين يصيبهم الضر فهم لا يتوجهون إلا له وحده ضارعين منيبين. حتى إذا تفضل عليهم وأنعم راحوا يتبجحون وينكرون: {فإذا مس الإنسان ضر دعانا. ثم إذا خولناه نعمة منا، قال: إنما أوتيه على علم. بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. والآية تصور نموذجاً مكرراً للإنسان، ما لم تهتد فطرته إلى الحق، وترجع إلى ربها الواحد، وتعرف الطريق إليه، فلا تضل عنه في السراء والضراء. إن الضر يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود. فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده. حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء، نسي هذا الإنسان ما قاله في الضراء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء. وقال عن النعمة والرزق والفضل: {إنما أوتيته على علم}.. قالها قارون، وقالها كل مخدوع بعلم أو صنعة أو حيلة يعلل بها ما اتفق له من مال أو سلطان. غافلاً عن مصدر النعمة، وواهب العلم والقدرة، ومسبب الأسباب، ومقدر الأرزاق. {بلى هي فتنة. ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. هي فتنة للاختبار والامتحان. ليتبين إن كان سيشكر أو سيكفر؛ وإن كان سيصلح بها أم سيفسد؛ وإن كان سيعرف الطريق أم يجنح إلى الضلال. والقرآن ـ رحمة بالعباد ـ يكشف لهم عن السر، وينبههم إلى الخطر، ويحذرهم الفتنة. فلا حجة لهم ولا عذر بعد هذا البيان. وهو يلمس قلوبهم بعرض مصارع الغابرين قبلهم. مصارعهم بمثل هذه الكلمة الضالة التي يقولها قائلهم: {إنما أوتيته على علم}.. {قد قالها الذين من قبلهم، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. فأصابهم سيئات ما كسبوا. والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين}.. هي ذاتها هذه الكلمة الضالة قالها الذين من قبلهم، فانتهت بهم إلى السوء والوبال. ولم يغن عنهم علمهم ولا مالهم ولا قوتهم شيئاً. وهؤلاء سيصيبهم ما أصاب الغابرين. فسنة الله لا تتبدل {وما هم بمعجزين}.. فالله لا يعجزه خلقه الضعاف المهازيل! فأما ما أعطاهم الله من نعمة، وما وهبهم من رزق، فإنه يتبع إرادة الله وفق حكمته وتقديره في بسط الرزق وقبضه، ليبتلي عباده، ولينفذ مشيئته كما يريد: {أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؟ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}.. فلا يجعلوا آيات الله سبباً في الكفر والضلال. وهي جاءت للهدى والإيمان..

ابن عاشور

تفسير : {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}. لمّا ضرب الله مثلاً للمشركين والمؤمنين بمَثَل رجل فيه شركاء متشاكسون ورجلٍ خالصٍ لرجل، كان ذلك المثَل مثيراً لأن يقول قائِلُ المشركين لَتَتَأَلبَنَّ شركاؤنا على الذي جاء يحقرها ويسبها، ومثيراً لحمية المشركين أن ينتصروا لآلهتهم كما قال مشركو قوم إبراهيم {أية : حرقوه وانصروا آلهتكم}تفسير : [الأنبياء: 68]. وربما أنطقتهم حميتُهم بتخويف الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي (الكشاف) و«تفسير القرطبي»: أن قريشاً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّا نخاف أن تُخْبِلَك آلهتُنا وإنا نخشى عليك معرتها (بعين بعد الميم بمعنى الإِصابة بمكروه يَعنون المضرة) لعيبك إياها». وفي «تفسير ابن عطية» ما هو بمَعنى هذا، فلمَّا حكى تكذيبَهم النبي عطف الكلام إلى ما هددوه به وخوفوه من شر أصنامهم بقوله: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه}. فهذا الكلام معطوف على قوله: {أية : ضَربَ الله مثَلاً رجُلاً فيه شُركاء} تفسير : [الزمر: 29] الآية والمعنى: أن الله الذي أفردتَه بالعبادة هو كافيك شر المشركين وباطل آلهتهم التي عبدوها من دونه، فقوله: {أليس الله بكافٍ عبده} تمهيد لقوله: و {يخوفونك بالذين من دونه} قدم عليه لتعجيل مساءة المشركين بذلك، ويستتبع ذلك تعجيل مسرة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله ضامن له الوقاية كقوله: {أية : فسيكفيكهم اللَّه} تفسير : [البقرة: 137]. وأصل النظم: ويُخوّفونك بالذين من دون الله والله كافيك، فغُير مجرى النظم لهذا الغرض، ولك أن تجعل نظم الكلام على ترتيبه في اللفظ فتجعل جملة {أليس الله بكاف عبده} استئنافاً، وتصير جملة {ويخوفونك} حالاً. ووقع التعبير عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاسم الظاهر وهو {عَبْدَه} دون ضمير الخطاب لأن المقصود توجيه الكلام إلى المشركين، وحُذف المفعول الثاني لــــ {كافٍ} لظهور أن المقصود كافيك أَذاهُم، فأما الأصنام فلا تستطيع أذىً حتى يُكْفاه الرسول صلى الله عليه وسلم والاستفهام إنكار عليهم ظنّهم أن لا حامِيَ للرسول صلى الله عليه وسلم من ضرّ الأصنام. والمراد بــــ {عَبْدَه} هو الرسول صلى الله عليه وسلم لا محالة وبقرينة و {يُخوفونك}. وفي استحضار الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية وإضافته إلى ضمير الجلالة، معنى عظيم من تشريفه بهذه الإِضافة وتحقيقِ أنه غير مُسلمِه إلى أعدائه. والخطاب في {ويخوفونك} للنبي صلى الله عليه وسلم وهو التفات من ضمير الغيبة العائد على {عبده}، ونكتةُ هذا الإلتفات هو تمحيض قصد النبي بمضمون هذه الجملة بخلاف جملة {أليس الله بكاف عبده} كما علمت آنفاً. و{الذين من دونه} هم الأصنام. عُبر عنهم وهم حجارة بمَوصول العقلاءِ لكثرة استعمال التعبير عنهم في الكلام بصيغ العقلاء. و {من دونه} صلة الموصول على تقدير محذوف يتعلق به المجرور دل عليه السياق، تقديره: اتخذُوهم من دونه أو عبَدُوهم من دونه. ووقع في «تفسير البيضاوي» أن سبب نزول هذه الآية هو خبر توجيه النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى هدم العُزّى وأن سادن العزّى قال لخالد: أحذِّرُكَها يا خالد فإن لها شدةً لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العزّى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس فأنزل الله هذه الآية. وتأول الخطاب في قوله: {ويخوفونك} بأن تخويفهم خالداً أرادوا به تخويف النبي صلى الله عليه وسلم فتكون هذه الآية مدنية وسياق الآية نابٍ عنه. ولعل بعض من قال هذا إنما أراد الاستشهاد لتخويف المشركين النبي صلى الله عليه وسلم من أصنامهم بمثال مشهور. وقرأ الجمهور {بكافٍ عبده}. وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف {عبادَه} بصيغة الجمع أي النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فإنهم لما خوَّفوا النبي صلى الله عليه وسلم فقد أرادوا تخويفه وتخويف أتباعه وأن الله كفاهم شرهم. {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} اعتراض بين جملة {أليس الله بكاف عبده} الآية وجملةِ {أليس الله بعزيز ذي انتقام} قصد من هذا الاعتراض أن ضلالهم داء عَياء لأنه ضلال مكوَّن في نفوسهم وجبلّتهم قد ثبّتته الأيام، ورسخه تعاقب الأجيال، فَران بغشاوته على ألبابهم، فلما صار ضلالهم كالمجبول المطبوع أسند إيجاده إلى الله كناية عن تعسر أو تعذر اقتلاعه من نفوسهم. وأريد من نفي الهادي من قوله: {فما له من هاد} نفي حصول الاهتداء، فكني عن عدم حصول الهدى بانتفاء الهادي لأن عدم الاهتداء يجعل هاديهم كالمنفي. وقد تقدم قوله في سورة [الأعراف: 186] {أية : من يضلل اللَّه فلا هادي له}.تفسير : والآيتان متساويتان في إفادة نفي جنس الهادي، إلا أن إفادة ذلك هنا بزيادة {مِن} تنصيصاً على نفي الجنس. وفي آية الأعراف ببناء هادي على الفتح بعد (لا) النافية للجنس فإن بناء اسمها على الفتح مشعر بأن المراد نفي الجنس نصًّا. والاختلاف بين الأسلوبين تفنن في الكلام وهو من مقاصد البلغاء. وتقديم {له} على {هَادٍ} للاهتمام بضميرهم في مقام نفي الهادي لهم لأن ضلالهم المحكي هنا بالغ في الشناعة إذا بلغ بهم حدَّ الطمع في تخويف النبي بأصنامهم في حال ظهور عدم اعتداده بأصنامهم لكل متأمل مِن حاللِ دعوته، وإذْ بلغ بهم اعتقاد مقدرة أصنامهم مع الغفلة عن قدرة الرب الحَقّ، بخلاف آية الأعراف فإن فيها ذكر إعراضهم عن النظر في ملكوت السماوات والأرض وهو ضلال دون ضلال التخويف من بأس أصنامهم. وأما جملة {ومَن يَهْدِ الله فما لهُ مِن مُضلٍ} فقد اقتضاها أن الكلام الذي اعترضت بعده الجملتان اقتضى فريقين: فريقاً متمسكاً بالله القادر على النفع والضر وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وآخرَ مستمسكاً بالأصنام العاجزة عن الأمرين، فلما بُيّن أن ضلال الفريق الثاني ضلال مكين ببيان أن هدى الفريق الآخر راسخ متين فلا مطمع للفريق الضال بأن يجرّوا المهتدين إلى ضلالهم. {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى}. تعليل لإِنكار انتفاء كفاية الله عن ذلك كإنكار أن الله عزيز ذو انتقام، فلذلك فصلت الجملة عن التي قبلها. والاستفهام تقريري لأن العلم بعزة الله متقرر في النفوس لاعتراف الكل بإلٰهيته والإِلٰهية تقتضي العزة، ولأن العلم بأنه منتقم متقرر من مشاهدة آثار أخذه لبعض الأمم مثل عاد وثمود. فإذا كانوا يقرّون لله بالوصفين المذكورين فما عليهم إلا أن يعلموا أنّه كافٍ عبده بعزته فلا يقدر أحد على إصابة عبده بسوء، وبانتقامه من الذين يبْتغون لعبده الأذى. والعزيز: صفة مشبهة مشتقة من العزّ، وهو منَعَة الجانب وأن لا يناله المتسلط وهو ضد الذل، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فاعلموا أن اللَّه عزيز حكيم}تفسير : في سورة [البقرة: 209]. والانتقام: المكافأة على الشر بشر، وهو مشتق من النقْم وهو الغضب كأنه مطاوعه لأنه مسبب عن النَّقْم، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فانتقمنا منهم فأغرقناهم}تفسير : في اليم في سورة [الأعراف: 136]. وانظر قوله تعالى: {أية : واللَّه عزيز ذو انتقام}تفسير : في سورة [العقود: 95].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنفال، في الكلام على قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنفال: 64] وعلى قراءة الجمهور بكاف عبده، بفتح العين وسكون الباء، بإفراد العبد، والمراد به، النبي صلى الله عليه وسلم. كقوله: {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 137] وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّه} تفسير : [الأنفال: 64] الآية. وأما على قراءة حمزة والكسائي عِبادَهُ بكسر العين وفتح الباء بعدها ألف على أنه جمع عبد، فالظاهر أنه يشمل عباده الصالحين من الأنبياء وأتباعهم. قوله تعالى: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار عبدة الأوثان، يخوفون النبي صلى الله عليه وسلم، بالأوثان التي يعبدونها من دون الله، لأنهم يقولون له: إنها ستضره وتخبله، وهذه عادة عبدة الأوثان لعنهم الله، يخوفون الرسل بالأوثان ويزعمون أنها ستضرهم وتصل إليهم بالسوء. ومعلوم أن أنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه، لا يخافون غير الله ولا سيما الأوثان، التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولذا قال تعالى عن نبيه إبراهيم لما خوَّفوه بها {أية : وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} تفسير : [الأنعام: 81] الآية. وقال عن نبيه هود وما ذكره له قومه من ذلك {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [هود: 54ـ56]. وقال تعالى في هذه السورة الكريمة، مخاطباً نبينا صلى الله عليه وسلم، بعد أن ذكر تخويفهم له بأصنامهم {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} تفسير : [الزمر: 38]. ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله. وقد بين جل وعلا في موضع آخر، أن الشيطان يخوف المؤمنين أيضاً، الذين هم أتباع الرسل من أتباعه وأوليائه من الكفار، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 175]. والأظهر أن قوله {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} حذف فيه المفعول الأول، أي يخوفكم أولياءه، بدليل قوله بعده: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أليس الله بكاف عبده؟: بلى هو كاف عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم كل ما يهمه. ويخوفونك بالذين من دونه: أي بالأصنام والأوثان أن تصيبك بما يسوءك ويضرك. أليس الله بعزيز ذي انتقام: بلى بل هو عزيز غالب على أمره صاحب انتقام شديد على من عَاداه. ليقولن الله: أي لوضوح البرهان وقوة الدليل وانقطاع الحجة. قل أفرأيتم: أي أخبروني. هل هن ممسكات رحمته: والجواب لا لا إذاً فقل حسبي الله، ولا حاجة لي بغيره. اعملوا على مكانتكم: أي على حالتكم التي أنتم من الكفر والعناد. إني عامل: أي على حالتي التي أنا عليها من الإِيمان والانقياد. من يأتيه عذاب يخزيه: أي في الدنيا بالقتل والأسر والجوع والقحط. ويحل عليه عذاب مقيم: أي وينزل عليه عذاب مقيم لا يبرح وهو عذاب النار بعد الموت. معنى الآيات: ما زال السياق في الدفاع عن الرسول والرد على مناوئيه وخصومه الذين استبطأوا موته فرد الله تعالى عليهم بقولهم: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30] فلا شماتة إذاً في الموت وقوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} دال على أن القوم حاولوا قتله صلى الله عليه وسلم لما لم يمت بأجله وفعلا قد قرروا قتله وأعطوا الجوائز لمن يقتله، ففي هذه الآية طمأن الله رسوله على أنهم لا يصلون إليه وأنه كافيه مؤامراتهم وتهديداتهم فقال عز وجل {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ والجواب بلى إذ الاستفهام تقريري كافيه كُلَّ ما يهمه ويسوءه وقوله: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} أي ويخوفك يا رسولنا المشركون بما يعبدون من دوننا من أصنام وأوثان بأن تصيبك بقتل أو خبل فلا يهمك ذلك فإن أوثانهم لا تضر ولا تنفع ولا تجلب ولا تدفع، وقوله: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ}، وقد هداك ربك فليس لك من يضلك أبداً، كما أن من أضله الله كقومك فليس له من هادٍ يهديه أبداً. وقوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ} بلى فهو إذاً سينتقم من أعدائه لأوليائه إن استمروا في أذاهم وكفرهم وعنادهم، وقد فعل سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي أوجدهما من غير مثال سابق {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} فما دام اعترافهم لازماً بأن الله تعالى هو الخالق فلم عبادة غيره والإِصرار عليها مما أفضى بهم إلى أذية المؤمنين وشن الحرب عليهم وقوله: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي من الأصنام والأوثان أخبروني {إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} ما {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} صحة وعافية وغنى ونصر {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} والجواب لا فإنها جماد لا تقدر على إعطاء ولا على إمساك إذاً فقل حسبي الله أعبده وأتوكل عليه إذ هو الذي يضر وينفع ويجلب الخير ويدفع السوء والشر. وقوله {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} أي على الله وحده يتوكل المتوكلون فيثقون في كفايته لهم فيفوضون أمورهم إليه ويتعلقون به. وينفضون أيديهم من غيره. وقوله تعالى: {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ} أي لما أبيتم إلا العناد مصرين على الشرك بعد ما قامت الحجج والأدلة القاطعة على بطلانه فاعملوا على مكانتكم أي حالتكم التي عليها من الشرك والعناد {إِنِّي عَامِلٌ} أنا على حالتي من الإِيمان والتوحيد والانقياد. والنتيجة ستظهر فيما بعد لا محالة ويعلم المحق من المبطل، والمُهتدي من الضال وهي قوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي يذله ويكسر أنفه بالقتل والأسر والجوع والقحط وقد أصاب المشركين هذا في مكة وبدر. وقوله: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} وهو عذاب النَّار في الآخرة نعوذ بالله من العذابين عذاب الخزي في الحياة الدنيا وعذاب النار في الدار الآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير كفاية الله وولايته لعباده المؤمنين وخاصة ساداتهم من الأنبياء والأولياء. 2- تقرير مقتضى الولاية وهو النقمة من أعدائه تعالى لأوليائه وإن طال الزمن. 3- تقرير التوحيد وإبطال التنديد. 4- مظاهر ربوبية الله الموجبة لألوهيته. 5- وجوب التوكل على الله واعتقاد كفايته لأوليائه. 6- تقرير إنجاز الله وعده لرسوله والمؤمنين.

د. أسعد حومد

تفسير : (36) - واللهُ تَعَالى يَكْفي الذِي يَعْبُدُهُ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيهِ فَيُؤَمِّنُ الرِّزْقَ لَهُ، وَيصْرِفُ عَنْهُ البَلاَءَ، وَيَنْصُرُهُ عَلَى الأَعْدَاءِ. وَيُخَوِّفُكَ المُشْرِكُونَ بِغيرِ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْدادِ التِي يَعْبُدُونَها جَهَلاً وَضَلاَلاً، فَهَذِهِ الأَصْنَامُ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وَكُلُّ نَفْعٍ وَضُرٍّ لا يَصِلُ إِلا بِإِرَادَةِ اللهِ تَعَالى. وَمَنْ أَضَلَّهُ اللهُ فَلا هَادِيَ لَهُ يَهدِيهِ إِلى الرَّشَادِ، وَيُنْقِذُهُ مِنَ الضَّلالَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: يا محمد، لا تهتم بهذا الهراء فالله حَسْبك وكافيك، والذي يدل على ذلك أن رسول الله كان يحرسه القوم من المؤمنين مخافة أن يناله المشركون بسوء، ففوجئوا في يوم أن رسول الله يسرحهم ويُنهي هذه الحراسة ويصرفها. ولو لم يكُنْ رسول الله واثقاً أن الذي أمره بصرف الحراس كفيلٌ بحفظه وحمايته لما فعل ذلك في نفسه؛ لذلك رأينا المرأة الدنماركية وهي تقرأ في سيرته صلى الله عليه وسلم، أنه أعظم العظماء الذين تركوا بصمة واضحة في التاريخ، وقلبوا ميزان الدنيا، فلما جاءت عند هذه الحادثة وقرأت {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] وقرأت: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] قالت: والله ما فعل محمد ذلك إلا وهو واثقٌ من حماية ربه له، ولو خدع الناسَ جميعاً ما خدع نفسه، وآمنتْ بسبب هذه المسألة. قوله سبحانه: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] يحلو للبعض أن يقول المعنى: أليس الله كافياً عبده، ويعتبرون الباء زائدة، وهذا غير صحيح، فليس في كلام الله تعالى حرف زائد, فالهمزة هنا استفهام إنكاري، والإنكار يفيد النفي، بعدها ليس للنفي ونفي النفي إثبات. يعني: ننكر أن الله ليس بكافٍ عبده، وما دُمْنا ننكر أن الله ليس بكافٍ عبده، فالنتيجة أن الله تعالى كافٍ عبده. والحق سبحانه وتعالى: له اسم هو الله، وله صفات هي التي عرفناها بالأسماء الحسنى، ومن أسمائه الحسنى الكافي، فالمعنى إذن: أليس الله موصوفاً بكاف عبده، فكيف إذن نقول: إن الباء زائدة؟ إن القول بزيادة الباء هنا يناقضُ بلاغةَ القرآن، ولا يصح أن نقول: إن في القرآن حرفاً زائداً، البعض يتأدّبون مع كلام الله ويقولون: بل هو حرف صلة، وآخرون يقولون: حرف لربط الوجود، ولسنا في حاجة إلى كل هذه التأويلات. وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة، فلو قلنا مثلاً: ما عندي مال، (ما) هنا تنفي وجود المال الذي يُعتد به، ولا تمنع أنْ يكون معي جنيه أو جنيهان مثلاً، لكن لو قلتَ: ما عندي من مال أي: من بداية ما يُقال له مال ولا حتى مليم واحد إذن: حرف الجر هنا ليس زائداً في الكلام، إنما تأسيسي في المعنى. أما الذين قالوا بزيادة الباء في {بِكَافٍ} [الزمر: 36] فقد اعتبروا (ليس) من أخوات كان التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، فلفظ الجلالة اسمها مرفوع وكافٍ خبرها، فالتقدير: أليس الله كافياً عبده، وهذا ينافي جلال القرآن وبلاغته. وقوله: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} [الزمر: 36] أي: بالأصنام {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ} [الزمر: 36] يعني: دعهم يقولون ما يقولون فقد أَضلهم الله فمَنْ يهديهم؟ {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} [الزمر: 37] هذا هو المقابل إذا هدانا الله الطريق، فلن يُضِلنا أحد {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ} [الزمر: 37] يعني: أليس اللهُ موصوفاً بالعزّة، فالباء هنا كسابقتها. والعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، وما دام هو سبحانه غالباً لا يغلب فاحذروا انتقامه لأنه {ذِي ٱنتِقَامٍ} [الزمر: 37] فمهما صنعتم بالفكر الفاسد والتبييت والائتمار فلن تغلبوه. وعجيبٌ من الكفار أنْ يُخوِّفوا رسول الله بالأصنام، وهم يعلمون حقيقتها وقولهم فيها: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] كلام باطل لغة، لأن العبادة طاعة العابد للمعبود في أمره ونهيه، وأي أمر أو نَهْي للأصنام؟ إذن: هذا الكلام منهم هراء وباطل. لذلك سيدنا خالد بن الوليد لما ألانَ الله قلبه للإسلام أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يبعثه ليهدم العُزَّى، فلما ذهب إليها خالد وأمسك بفأسه ليكسرها قال لها: شعر : يا عُزّى كُفْرانَكِ لاَ سُبْحَانَكِ إنِّي رأيْتُ اللهَ قَدْ أهَانَكْ تفسير : ولو كانتْ هذه آلهة لخوَّفته ومنعتْ نفسها. وقف بعضُ المستشرقين عند هذه الآية {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} [الزمر: 36] أي: بالأصنام، وقالوا الأصنام: اللات والعُزَّى ومناة كلها أسماء مؤنثة، فكيف يقول القرآن (بالذين) وهي للمذكر ولم يَقُلْ باللاتي؟ ونقول: هناك فَرْقٌ بين اسم للصنم ومُسمَّاه، يعني: اسمه صنم. وهذا الصنم سُمِّيَ باللاَّت أو العُزَّى، فمن حيث هو صنم يكون الجمع مذكراً، ومن حيث المسمَّى مؤنثاً، فالذين للاسم أي: للأصنام، واللاتي للمسمَّى. ونقف هنا عند هذه المقابلة في قوله تعالى: {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ} [الزمر: 36-37] الضَّالُّ هو الذي لا يهتدي لغايته، كالذي ضَلَّ الطريق لا يدري أين يتجه، هذا ضَالٌّ عن غير قصد للضلال لأنه لا يعرف. وجاء ضَالّ بمعنى متردد حائر، في قوله تعالى مُخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7] لأن النبي رأى أمته تفعل أشياء لا تعجبه، وهو ما يزال لا يعرف الصواب الذي ينبغي فِعْله، أي: لا يعرف الحقيقة، لا أنه يعرف ومنصرف عنها، وفَرْقٌ بين الحالتين. إذن: الضلال هنا غير مقصود. ويأتي الضلال بمعنى النسيان، كما في قوله تعالى: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} [البقرة: 282]. ومن الضلال أنْ ننسى العهد الفطري القديم الذي أخذه الله علينا في قوله سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]. ومقابل الضلال الهداية، وهي أيضاً تأتي بمعَانٍ متعددة، لكن الذين يتوركون على كلام الله، ويريدون أنْ يعترضوا عليه يأخذونها على معنى واحد، يديرونه على كل موضوعاتها، لكن هذا لا يصح. فالهداية تُطلَق على الدلالة المطلقة، يعني يدلك وأنت حُرٌّ تطيعه أو تعرض عنه. وضربنا مثلاً لذلك برجل المرور الذي يُرشدك ويدلّك على الطريق، بعدها أنت حر تسلك أو لا تسلك، فإنْ سلكتَ الطريق الذي دلّك عليه وشكرته على معروفه، وقلت له: كثر الله خيرك لولاك لَضللتُ الطريق، فإنه ينظر إليك نظرة أخرى، ويراك أهلاً للمزيد من الخير. فيقول لك: والله أنت رجل طيب، وسوف أسير معك حتى تمرّ من هذه المنطقة لأن فيها أخطاراً، وهذه تُسمَّى المعونة، فالذي يؤمن بمَنْ هدى ودلَّ أهلٌ لأنْ يُعان، وأنْ يُوفق للمزيد من الهداية. وهذا معنى قول الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] يعني: زادهم بمعونتهم وتخفيف مشاقّ الطاعة عليهم، وصَرْف أسباب الشر عنهم. إذن: فالأُولَى: هداية دلالة مطلقة. والثانية: هداية إعانة وتوفيق. وهاتان الهدايتان أوضحهما الحق سبحانه في خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقال في الأولى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] وقال في الأخرى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [القصص: 56] فكيف يثبت الهدايةَ لرسول الله في آية وينفيها في آية أخرى، والحديث واحد، والفاعل واحد؟ قالوا: لأن الجهة مُنفكة فالهداية المنفية غير الهداية المثبتة، فالحق يقول لنبيه محمد: أنت مُبلِّغ ومُرشد ودَالٌّ فحسب، لستَ واضعَ مناهجَ وليست لك قدرة على أنْ ترغم الناس أنْ يؤمنوا، إنما عليك أن تبلغ لأن بلاغك هو هداية الله للناس، لكن ليستْ مهمتك أن تُدْخِل الإيمانَ في القلوب. ومثلها قوله تعالى في آية واحدة: {أية : .. وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [الروم: 6-7]. هكذا أثبت لهم العلم ونفاه عنهم في نفس الآية، لماذا؟ لأن الجهة منفكَّة، فالعلم المنفيّ غير العلم المثبت. وقوله تعالى: {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ} [الزمر: 36] يضلل الله يعني: ينسبه للضلال يقول: هذا ضال. يعني: خارج عن الطريق الذي رسمته له، هذا الذي حكم الله بأنه ضَالٌّ لا يمكن أنْ يصفه صاحب عقل بأنه مُهْتدٍ. لأنه حين يعرض مطلوب الله منه وما يفعله يصل بالعقل الفطري إلى أنه ضال، ليس بمهتدٍ. فالحق سبحانه مثلاً قال لنا: اصدقوا في حديثكم. ونهانا عن الكذب، فماذا يقول العاقل حين يقارن بين الصدق والكذب؟ لا بد أنْ يقول: الصدق هداية، والكذب ضلال لا يستطيع أنْ يقول غير ذلك، خاصة إذا جعل الأمر في نفسه هو: أتحب أنْ يصدُقَ الناسُ معك، أم أنْ يكذبوا عليك؟ إذن: فمَنْ يُضلل الله ويحكم بأنه ضَالٌّ بعد أنْ بيَّن له الطريق لا يقدر أحد أنْ يصفه بالهدى، لأن هداية الله أمرٌ تتفق فيه كل العقول الفطرية، خصوصاً إذا مسَّك أنت عاقبة هذا الضلال واكتويتَ بناره. لذلك تجد الكذاب يحب الصادق، والشرير يحب الخيِّر الشريف وضربنا مثلاً لذلك بثلاثة من الشباب بالمراهقين الذين يسيرون في الحياة على (حَلٍّ شعرهم)، ويسلكون الطريق البطال، واحد منهم تاب الله عليه واعتزلهم، فراحوا يسخرون منه ويصفونه بالجردل والقفل .. الخ. ثم أراد واحد منهما أنْ يزوج أخته، لمن يُزوجها لزميله الذي يوافقه على الشر والفساد، أم للآخر الذي تاب واعتزل شرهم؟ إذن: قد يُغريك الباطلِ، لكن لا بُدَّ في النهاية أنْ يغلب الحق، وأنْ يظهر ويعلو، {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ} [الزمر: 37] فاصبر على طريقه.

الجيلاني

تفسير : {أَلَيْسَ ٱللَّهُ} القديم العليم {بِكَافٍ عَبْدَهُ} المتوكل عليه، المفوض أمره إليه ليكفيه ما ينفعه، ويكف عنه ما يضره {وَ} هم من جهلهم بالله وكمال علمه وقدرته {يُخَوِّفُونَكَ} يا أكمل الرسل؛ يعني: قريشاً {بِٱلَّذِينَ} أي: بأصنامهم الذين يدعونهم آلهة {مِن دُونِهِ} سبحانه جهلاً وعناداً، ويقولون لك على سبيل النصيحة: لا تذكرهم بسوء، فإنَّا نخاف عليك أن يخبلوك، ويفسدوا عقلك، وما ذلك إلا من نهاية جهلهم بالله، وغوايتهم عن طريق توحيده {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ} بمقضتى قهره وجلاله {فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ} [الزمر: 36]. {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} إذ هو فاعل على الإطلاق بالختيار والاستحقاق لا يجرى في ملكه إلا ما يشاء {أَلَيْسَ ٱللَّهُ} العليم القدير {بِعَزِيزٍ} منيع غالب على أمره {ذِي ٱنتِقَامٍ} [الزمر: 37] شديد على من أراد انتقامه من أعدائه. ثم أشار سبحانه إلى توضيح توحيده تعريضاً على المشركين، وتسجيلاً على غوايتهم وغباوتهم، فقال مخاطباً لحيبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} يا أكمل الرسل؛ يعني: كفار قريش {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: العلويات والسفليات، وما بينهما من الممتزجات، ومن أوجدها وأحدثها وأظهر ما فيها من العجائب والغرائب {لَيَقُولُنَّ} ألبتة: {ٱللَّهُ} المتفرد بالخلق والإيجاد، المتوحد بالألوهية والربوبية؛ إذ لا يسع لهم العدول عنه لظهوره. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما سمعت منهم قولهم هذا، إلزاماً لهم وتبكيتاً: {أَفَرَأَيْتُم} عياناً أو سمعتم بياناً من {مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من هؤلاء المعبودات الباطلة، وتدعونها آلهة شركاء مع الله قوة المقاومة وقدرة المخاصمة معه سبحانه مثلاً {إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ} وجرى حكمه على أن يمسني {بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ} أي: آلهتكم {كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} سبحانه عني على سبيل المعارضة {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} فائضة من عنده علي {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} يمنعونها عني، ويدفعون وصولها إلي؟!. وبعدما بهتوا وسكتوا عند سماع هذه المقالة نادمين {قُلْ} يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض التوحيد واليقين، خالياً عن أمارات الريب واليقين والتخمين {حَسْبِيَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد الكافي لمهام عموم عباده، الرقيب عليهم في جميع حجالاتهم ؛ إذ {عَلَيْهِ} لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية {يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} المفوضون أمورهم كلها إليه، حيث يتخذونه وكيلاً، ويعتقدونه كافياً وحسيباً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم، فإن اللّه تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء. { وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } من الأصنام والأنداد أن تنالك بسوء، وهذا من غيهم وضلالهم. { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ } لأنه تعالى الذي بيده الهداية والإضلال، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. { أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ } له العزة الكاملة التي قهر بها كل شيء، وبعزته يكفي عبده ويدفع عنه مكرهم. { ذِي انْتِقَامٍ } ممن عصاه، فاحذروا موجبات نقمته.

همام الصنعاني

تفسير : 2634- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}: [الآية: 36]، قال: قال لي رجل: إنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لتكُفَّنَّ عنْ شتم آلهتنا، أو لنأمرنها فلتخبلنّك.