Verse. 4104 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

قُلِ اللّٰہُمَّ فَاطِرَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ عٰلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّہَادَۃِ اَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيْ مَا كَانُوْا فِيْہِ يَخْتَلِفُوْنَ۝۴۶
Quli allahumma fatira alssamawati waalardi AAalima alghaybi waalshshahadati anta tahkumu bayna AAibadika fee ma kanoo feehi yakhtalifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل اللهم» بمعنى يا الله «فاطر السماوات والأرض» مبدعهما «عالم الغيب والشهادة» ما غاب وما شوهد «أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون» من أمر الدين اهدني لما اختلفوا فيه من الحق.

46

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} نصب لأنه نداء مضاف وكذا {عَالِمَ ٱلْغَيْبِ} ولا يجوز عند سيبويه أن يكون نعتاً. {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وفي صحيح مسلم حديث : عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» تفسير : ولما بلغ الربيع بن خَيْثم قتل الحسين بن علي رضي الله عنهم قرأ: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. وقال سعيد بن جبير: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }. قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي كذبوا وأشركوا {مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ} أي من سوء عذاب ذلك اليوم. وقد مضى هذا في سورة «آل عمران» و«الرعد». {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} من أجلِّ ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات. وقاله السدي. وقيل: عملوا أعمالاً توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة. ويجوز أن يكونوا توهموا أنه يغفر لهم من غير توبة فـ{وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} من دخول النار. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعاً شديداً، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. {وَبَدَا لَهُمْ} أي ظهر لهم {سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي عقاب ما كسبوا من الكفر والمعاصي. {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم ونزل {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تبارك وتعالى بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة لهم في حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي: ادع أنت الله وحده لا شريك له، الذي خلق السموات والأرض وفطرها، أي: جعلها على غير مثال سبق {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي: السر والعلانية {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: في دنياهم، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم. قال مسلم في صحيحه: حدثنا عبد بن حميد، حدثناعمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل، افتتح صلاته: «حديث : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا سهيل عن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خثيم عن عون عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك؛ فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال عز وجل لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهداً، فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة» تفسير : قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن: أن عوناً أخبر بكذا وكذا، فقال: ما فينا جارية إلا وهي تقول هذا في خدرها. انفرد به الإمام أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله: أن أبا عبد الرحمن حدثه قال: أخرج لنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قرطاساً، وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا يقول: «حديث : اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت رب كل شيء وإله كل شيء، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، والملائكة يشهدون، أعوذ بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك من أن أقترف على نفسي إثماً، أو أجره إلى مسلم» تفسير : قال أبو عبد الرحمن رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن يقول ذلك حين يريد أن ينام، تفرد به أحمد أيضاً. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى بين يدي صحيفة فقال:هذا ما كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت فيها، فإذا فيها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، أو أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم» تفسير : ورواه الترمذي عن الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن عياش به، وقال: حسن غريب من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا شيبان عن ليث عن مجاهد قال: قال أبو بكر الصديق: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي من الليل: اللهم فاطر السموات والأرض إلخ. وقوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهم المشركون {مَّا فِى ٱلاَْرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} أي: ولو أن جميع ما في الأرض وضعفه معه، {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ} أي: الذي أوجبه الله تعالى لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يقبل منهم الفداء، ولو كان ملء الأرض ذهباً؛ كما قال في الآية الأخرى: {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} أي: وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم، ولا في حسابهم، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي: وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم، {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلِ ٱللَّهُمَّ } بمعنى يا الله {فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ } مبدعهما {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ } ما غاب وما شوهد {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين: اهدني لما اختلفوا فيه من الحق.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قل اللهم فاطر السموات والأرض} أي خالقهما. {عالمَ الغيب والشهادة} يحتمل وجهين: أحدهما: السر والعلانية. الثاني: الدنيا والآخرة. {أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون} من الهدى والضلالة. ويحتمل ثانياً: من التحاكم إليه في الحقوق والمظالم. قال ابن جبير، اني لأعرف موضع آية ما قرأها أحدٌ فسأل الله شيئاً إلا أعطاه، قوله {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون}.

ابن عطية

تفسير : أمر الله تعالى نبيه بالدعاء ورد الحكم إلى عدله، ومعنى هذا الأمر تضمن الإجابة، و {اللهم} عند سيبويه منادى، وكذلك عند الكوفيين، إلا أنه خالفهم في هذه الميم المشددة. فقال سيبويه: هي عوض من حرف النداء المحذوف إيجازاً، وهي دلالة على أن ثم ما حذف. وقال الكوفيون: بل هو فعل اتصل بالمكتوبة وهو: أم، ثم حذفت الهمزة تخفيفاً، فكأن معنى {اللهم}: بالله أم بفضلك ورحمتك. و: {فاطر} منادى مضاف، أي {فاطر السماوات}. و {الغيب}: ما غاب عن البشر. و {الشهادة}: ما شاهدوه: ثم أخبر تعالى عن سوء حال الكفرة يوم القيامة، وأن ما ينزل بهم لو قدروا على الافتداء منه بضعف الدنيا بأسرها لفعلوا. وقوله: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} أي كانت ظنونهم في الدنيا متفرقة متنوعة حسب ضلالتهم وتخيلاتهم فيما يعتقدونه، فإذا عاينوا العذاب يوم القيامة وقصرت به حالاتهم ظهر لكل واحد ما كان يظن. وقال سفيان الثوري: ويل لأهل الرياء من هذه الآية. وقال عكرمة بن عمار جزع ابن المنكدر عند الموت فقيل له ما هذا؟ فقال أخاف هذه الآية {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}. {وحاق} معناه: نزل وثبت ولزم. وقوله: {ما كانوا} هو على حذف مضاف تقديره: {وحاق بهم} جزاء {ما كانوا به يستهزئون}.

ابن عبد السلام

تفسير : {فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الهدى والضلال.

الخازن

تفسير : {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة} وصف نفسه بكمال القدرة وكمال العلم {أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} أي من أمر الدنيا (م) حديث : عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال "سألت عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" . تفسير : قوله عز وجل: {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} يعني ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا أنه نازل بهم في الآخرة، وقيل ظنوا أن لهم حسنات فبدت لهم سيئات والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا، وروي أن محمد بن المنكدر جزع عند الموت فقيل له في ذلك فقال أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب {وبدا لهم سيئات ما كسبوا} يعني مساوي أعمالهم من الشرك والظلم أولياء الله تعالى: {وحاق} يعني نزل {بهم ما كانوا به يستهزئون فإذا مس الإنسان ضر} يعني شدة {دعانا ثم إذا خولناه} يعني أعطيناه {نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} يعني من الله تعالى علم أني له أهل وقيل على خير علمه الله عنده {بل هي فتنة} يعني تلك النعمة استدراج من الله تعالى وامتحان وبلية {ولكن أكثرهم لا يعلمون} يعني أنها استدراج من الله تعالى: {قد قالها الذين من قبلهم} يعني قارون فإنه قال إنما أوتيته على علم عندي {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} يعني فما أغنى الكفر من العذاب شيئاً.

ابن عادل

تفسير : ولما حَكَى هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة العقل بفساده أردفه بذكر الدعاء العظيم فقال: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} روى أبو سلمة قال سألت عائشة بم كان يفتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته بالليل؟ قالت: كان يقول: "حديث : اللَّهُمَّ رَبِّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنِي لم اختلف فيه الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم ". تفسير : ولَمَّا حكى عنهم هذا المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء: أولها: أن هؤلاء الكفار لو ملكوا كل ما في الأرض من الأمور وملكوا مثله معه جعلوا الكل فِدْية لأنفسهم من العذاب الشديد. وثانيها: قوله: {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} أي ظهرت لهم أنواع من العذاب لم يكن في حسابهم، وهذا كقوله - عليه (الصلاة و) السلام - في صفة الثواب في الجنة : "حديث : فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر" تفسير : فكذلك حصل في العقاب مثله وهو قوله: {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} وقال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتبسوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. وقال السدي: ظنوا أن أعمالهم حسنات فبدت لهم سيئات والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا. وثالثها: قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي مساوىء أعمالهم من الشرك وظلم أولياء الله "وَحَاق بهِمْ" أي أحاط بهم من جميع الجوانب {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فنبه تعالى بهذه الوجوه على عظم عقابهم. قوله: {سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} يجوز أن يكون "ما" مصدرية أي سيئات كَسْبِهم أو بمعنى الذي أي سيئات أعمالهم التي اكتسبوها. قوله: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا...} الآية. وهذه حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة وهي أنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفَقْر والمَرَضُ يفزعون إلى الله تعالى ويرون أن دفع ذلك البلاء لا يكون إلا منه، ثم إنه تعالى إذا خَوَّله أعطاه نعمة يقول: إنما أوتيته على علم أي علم من الله أني أهل له. وقيل: إنْ كان ذلك سعادة في الحال أو عافية في النفس يقول إنما حصل له ذلك بجدِّه واجتهاده، وإن كان مالاً يقول: إنما أوتيته بكسبي وإن كان صحة قال: إنما حصل بسبب العلاج الفلاني، وهذا تناقض عظيم، لأنه لما كان عاجزاً محتاجاً أضاف الكل إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه من الله وأسنده إلى كسب نفسه وهذا تناقض قبيح. قوله: "إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ" يجوز أن تكون (ما) مهيئة زائدة على نحو: إنما قام زيدٌ، وأن تكون موصولة، والضمير عائد عليها من "أوتيته" أي إن الذي أوتيته على علم مني، أو على علم من الله في أني أستحق ذلك. قوله: "بَلْ هِيَ" الضمير للنعمة ذكرها أولاً في قوله: "إنما أوتيته" لأنها بمعنى الإنعام، وقيل: تقديره "شيئاً". وأنَّث هنا اعتباراً بلفظها، وقيل: بل الحالة أو الإتيانة، وإنما عظمت هذه الجملة وهي قوله: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ} بالفاء والتي في أول السورة بالواو لأن هذه مسببة عن قوله: "وَإذَا ذُكِرَ" أي يشمئزون من ذكر الله ويستبشرون بذكر آلهتهم فإذا مس أحدهم بخلاف الأولى حيث لا تسبب فيها، فجيء بالواو التي لمطلق العطف وعلى هذا فما بين السبب والمسبب جمل اعتراضية. قال معناه الزمخشري. واستبعده أبو حيان من حيث إن أبا عليّ يمنع الاعتراض بجملتين فيكف بهذه الجمل الكثيرة؟. ثم قال: "والذي يظهر في الربْط أنه لما قال: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ....} الآية كان ذلك إشعاراً بما ينال الظالمين من شدة العذاب وأنه يظهر لهم القيامة من العذاب أتبع ذلك بما يدل على ظلمة وبغيه إذ كان إذا مسه ضر دعا الله فإذا أحسن إليه لم ينسب ذلك إليه". وقال ابن الخطيب: إن السبب في عطف هذه الآية بالفاء أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الاية أنهم يَشمَئِزُّون من سماع التوحيد، ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء، ثم ذكر "بفاء" التعقيب أنهم إذا وَقَعُوا في الضرر والبلاء التَجأُوا إلى الله وحده، فكان الفعل الأول مناقضاً للفعل الثاني، فذكر بفاء التَّعْقِيب ليدل به على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال وأنه ليس بين الأول والثاني: فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني، فهذا فائدةُ ذكرِ فاء التعقيب ههنا وأما الآية الأولى فليس المقصودُ منها بيانَ وقوعهم في التناقض في الحال فلا جرم ذكره تعالى بحرف الواو لا بحرف الفاء. ومعنى قوله: "فِتْنَةً" استدراجٌ من الله تعالى وامتحان. قوله: "قَدْ قَالَهَا" أي قال القولة المذكورة وهي قوله: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} لأنها كلمة أو جملة من القول. وقرىء: قَدْ قَالَهُ أي هذا القول أو الكلام. والمراد بالذين من قبلهم قارون وقومه، حيث قال: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} تفسير : [القصص:78] وقومه راضُون به فكأنهم قالوها، ويجوز أن يكون في الأمم الماضية قائلون مثلها. قوله: "فَمَآ أَغْنَىٰ" يجوز أن يكون "ما" هذه نافية أو استفهامية مؤولة بالنفي. وإذا احتجنا إلى تأويلها بالنفي فلنجعلها نافيةً استراحةً من المجاز. ومعنى الآية ما أغنى عنهم الكفر من العذاب شيئاً. قوله: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي جزاؤها يعني العذاب، ثم أوعد كفار مكة فقال: {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} ثم قال: {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي بفائتين لأن مرجعهم إلى الله - عز وجل -. قوله: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} يعني أو لم يعلموا أن الله هو الذي يبسط الرزق تارة ويقبض أخرى، ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه فلا بد لذلك من سبب وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ونرى الجاهل الضعيف في أعظم السّعة وليس ذلك أيضاً لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكريم والسّلْطَان القاهر قد ولد فيها أيضاً عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان ويولد أيضاً في تلك الساعة عَالم من النبات، فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة علمنا أن الفاعل لذلك هو الله تعالى فصح بهذا البرهان (العقلي) القاطع صحة قوله تعالى: {ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} وقال الشاعر: شعر : 4303- فَلاَ السَّعْدُ يَقْضِي بِهِ المُشْتَرِي وَلاَ النَّحْسُ يَقْضِي عَلَيْنَا زُحَلْ وَلَكِنَّهُ حُكْمُ رَبِّ السَّمَا وَقَاضِي القُضَاةِ تَعَالى وَجَلْ

السيوطي

تفسير : أخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاتهحديث : ‏اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ‏{‏فاطر السماوات والأرض‏}‏ {عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون‏}‏ اهدني لما اختلفت من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ".

ابو السعود

تفسير : {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي التجىءْ إليه تعالى بالدُّعاءِ لما تحيَّرتَ في أمر الدَّعوةِ وضجرت من شدَّةِ شكيمتهم في المُكابرة والعناد فإنَّه القادرُ على الأشياء بجُملتها والعالمُ بالأحوال بُرمَّتِها. {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ * فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي حُكماً يُسلِّمه كلُّ مكابرٍ معاند، ويخضعُ له كلُّ عاتٍ مارد وهو العذابُ الدنيويُّ أو الأخرويُّ. وقولُه تعالى {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} الخ كلامٌ مستأنف مسوقٌ لبـيان آثارِ الحُكمِ الذي استدعاه النبـيُّ صلى الله عليه وسلم وغايةِ شدَّتِه وفظاعتِه أي لو أنَّ لهم جميعَ ما في الدُّنيا من الأموال والذَّخائرِ. {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي لجعلُوا كلَّ ذلك فديةً لأنفسهم من العذاب الشَّديدِ وهيهاتَ ولاتَ حينَ مناصٍ. وهذا كما ترى وعيدٌ شديدٌ وإقناطٌ كليٌّ لهم من الخلاصِ. {وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} أي ظهرَ لهم من فُنون العقوباتِ ما لم يكن في حسابهم. وهذه غاية من الوعيد لا غاية وراءها ونظيره في الوعد قولُه تعالى: { أية : فَلاَ تَعْلَمُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [سورة السجدة: الآية 17]{وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} سيئات أعمالِهم أو كسبِهم حين تُعرض عليهم صحائفهم {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} أي أحاطَ بهم جزاؤُه {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا} إخبارٌ عن الجنسِ بما يفعله غالبُ أفرادِه. والفاءُ لترتيب ما بعدها من المناقضةِ. والتَّعكيسُ على ما مرَّ من حالتيهم القبـيحتينِ وما بـينهما اعتراضٌ مؤكِّدٌ للإنكار عليهم أي أنَّهم يشمئزُّون عن ذكرِ الله تعالى وحدَهْ ويستبشرون بذكرِ الآلهةِ فإذا مسَّهم ضُرٌّ دَعَوا مَن اشمأزُّوا عن ذكره دون مَن استبشرُوا بذكرِه {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مّنَّا} أعطيناهُ إيَّاها تفضُّلاً، فإنَّ التَّخويل مختصٌ به لا يُطلق على ما أُعطي جزاءً {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} أي على علم منِّي بوجوهِ كسبِه أو بأنِّي سأعطاه لَما لِي من الاستحقاقِ أو على علمٍ من الله تعالى بـي وباستحقاقي. والهاءُ لما، أنْ جُعلتْ موصولةً، وإلاَّ فلِنعمةً والتَّذكيرُ لما أنَّ المرادَ شيء من النعمةِ {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ} أي محنةٌ وابتلاءٌ له أيشكرُ أم يكفرُ وهو ردٌّ لما قاله. وتغيـيرُ السَّبكِ للمبالغة فيهِ والإيذانِ بأنَّ ذلك ليس من بابِ الإيتاءِ المُنبىء عن الكرامةِ وإنَّما هو أمرٌ مباين بالكُلِّيةِ. وتأنيثُ الضَّميرِ باعتبار لفظ النِّعمةِ أو باعتبار الخبرِ وقُرىء بالتَّذكيرِ. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنَّ الأمرَ كذلك وفيه دلالةٌ على أنَّ المراد بالإنسانِ هو الجنسُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل اللهم} الميم بدل من حرف النداء والمعنى قل يا محمد يا الله {فاطر السموات والارض} نصب بالنداء اى يا خالق السموات والارض على أسلوب بديع {عالم الغيب والشهادة} يا عالم كل ما غاب عن العباد وكل ما شهدوه اى التجىء يا محمد اليه تعالى بالدعاء لما تحيرت فى امر الدعوة وضجرت من شدة شكيمتهم فى المكابرة والعنادة فانه القادر على الاشياء بجملتها والعالم باحوالها برمّتها {انت} وحدك {تحكم بين عبادك} اى بينى وبين قومى وكذا بين سائر العباد {فيما كانوا فيه يختلفون} اى يختلفون فيه من امر الدين اى تحكم حكما يسلمه كل مكابر ويخضع له كل معاند وهو العذاب الدنيوى او الاخروى والثانى انسب بما بعد الآية. وفيه اشارة الى اختلاف بين الموحدين والمشركين فان الموحدين باشروا الامور بالشرع على ما اقتضاه الامر والمشركين بالطبع على ما استدعاه الشهوة والهوى والله تعالى يحكم بينهم فى الدنيا والآخرة. اما فى الدنيا فالبعفو والفضل والكرم وتوفيق التوبة والانابة واصلاح ذات البين. واما فى الآخرة فالبعدل والنصفة وانتقام بعضهم من بعض ـ كان الربيع ـ بكسر الباء من المحدثين لا يتكلم الا فيما يعنيه فلما قتل الحسين رضى الله عنه قيل الآن يتكلم فقرأ قل اللهم الى قوله يختلفون وروى انه قال قتل من كان يجلسه النبى عليه السلام فى حجره ويضع فاه على فيه. وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا افتتح صلاته من الليل يقول "حديث : اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنى لما اختلفت فيه من الحق بامرك انك تهدى من شئت الى صراط مستقيم " تفسير : وفى الآية اشارة الى ان الحاكم الحقيقى هو الله تعالى وكل حكمه وقضائه عدل محض وحكمة بخلاف حكم غيره تعالى وفى الحديث "حديث : ليس احد يحكم بين الناس الا جيىء يوم القيامة مغلولة يداه الى عنقه فكفه العدل واسلمه الجور " تفسير : وقال فى روضة الاخيار كان عمر بن هبيرة امير العراق وخراسان فى ايام مروان بن محمد فدعا ابا حنيفة الى القضاء ثلاث مرات فابى فحلف ليضربنه بالسياط وليسجننه وفعل حتى انتفخ وجه ابى حنيفة ورأسه من الضرب فقال الضرب بالسياط فى الدنيا اهون علىّ من مقامع الحديد فى الآخرة ونعم ما قال من قال شعر : بوحنيفة قضانكرد وبمرد توبميرى اكرقضانكنى

الطوسي

تفسير : هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين ان يدعوه بهذا الدعاء فيقولوا {اللهم فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما ومنشئهما ومبتدئهما {عالم الغيب والشهادة} أي عالم ما غاب علمه عن جميع الخلائق وعالم ما شهدوه وعملوه، لا يخفى عليك شيء من الاشياء {أنت تحكم بين عبادك} يوم القيامة {في ما كانوا فيه يختلفون} في دار الدنيا من أمر دينهم ودنياهم وتفصل بينهم بالحق. و {فاطر السماوات} عند سيبويه لا يجوز أن يكون صفة {اللهم} قال لأنه غير الاسم في النداء، ولأنه لا يذكر بهذا الذكر إلا بعد ما عرف كما لا يضمر الاسم إلا بعد ما عرف، فكما لا توصف المضمرات، فكذلك هذا الاسم، وليس يجب مثل ذلك في قولنا: (الله) لانه قد يذكره العارف لمن لا يعرفه فيعرفه إياه بصفته، فيقول: الله فاطر السموات والارض وخالق الخلق ورب العالمين ومالك يوم الدين. وقال ابو العباس: يجوز أن يكون صفة (اللهم) حملا له على (يا الله فاطر السماوات والأرض). ثم اخبر تعالى على وجه المبالغة في وقوع عقاب الكفار وعظمه بأنه لو كان لهم ملك جميع ما في الارض، ومثله معه، زيادة عليه وأراد الظالم لنفسه بارتكاب المعاصي أن يفتدي نفسه من شدة ذلك العذاب يوم القيامة لما قبل منه، ولما فودي به، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. ثم قال {وبدا لهم} يعني الكفار ما لم يكونوا يحتسبونه ولا يظنونه واصلا اليهم، والاحتساب الاعتداد بالشيء من جهة دخوله في ما يحسبه، فلما كان أهل النار لم يكونوا يدرون ما ينزل بهم من العذاب صح ان يقال {بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} ولا قدروا أنهم يصيرون اليه. ثم قال {وبدا لهم} أي ظهر لهم ايضاً {سيئآت ما كسبوا} أي جزاء سيئآت ما كسبوا من اعمالهم {وحاق بهم} أي نزل بهم {ما كانوا به يستهزؤن} في الدنيا من قول الله ووعده ووعيده. ثم اخبر تعالى عن شدة تقلب الانسان وتحوله من حال إلى حال بأنه إذا مسه ضر من مرض ومصيبة وبلاء {دعانا} وفزع الينا {ثم} بعد ذلك {إذا خولناه} أي أعطيناه {نعمة منا} والتخويل العطاء بلا مكافات ولا مجازات بل تفضلا محضاً {قال إنما أوتيته على علم} قال الحسن معناه أني اوتيته بحيلتي وعملي وقال غيره: معناه على علم برضاه عني فلذلك اعطاني ما أولاني من النعمة. وقال آخرون: معناه على علم بأن تسببت به للعافية وكشف البلية وانه لم ينلها من قبل ربه. ثم قال ليس الامر على ما يقوله {بل هي فتنة} أي بلية واختبار يبتليه الله به فيظهر كيف شكره في مقابلتها، فيجازيه بحسبها، لأنه وإن كان عالماً بحاله لم يجز ان يجازيه على علمه، وإنما يجازيه على فعله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} صحة ما قلناه من ان ذلك محنة واختبار لقلة معرفتهم بالله وبصفاته. ثم قال {قد قالها الذين من قبلهم} يعني قد قال كلمة مثل ما قال هؤلاء {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من الأموال ويجمعونه بل صارت وبالاً عليهم.

اطفيش

تفسير : {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} أي مبدعهما {عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} ما غاب وما حضر وصف نفسه بكمال القدرة بابداع السموات والأرض وبكمال العلم بعلم الغيب والشهادة {أَنتَ} وحدك* {تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين ولا حيلة لغيرك فيه اهدني يا الله لما اختلف فيه من الحق وأنت القادر لكمال قدرتك على الحكم بينهم لكمال عفوك؛ أمر نبيه بالدعاء بأسماء عظام ورد الحكم الى عدله وذلك الأمر يتضمن الاجاب واعذار نبيه صلى الله عليه وسلم وتسليته ووعيدهم ولما أخبر الربيع بن خيثم وكان قليل الكلام جداً بقتل الحسين لعن الله قاتله لقتله ظلماً وقالوا الآن يتكلم قال آه أي أتوجع أو قد فعلوا وقرأ قل اللهم.. الخ وما زاد وقيل زاد على أثره قتل من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه. وسأل أبو سلمة بن عبد الرحمن عائشة رضي الله عنها بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته اذا قام الليل قالت: بقوله "حديث : اللهم رب جبريل ومكاييل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم "

اطفيش

تفسير : {قُل اللَّهمَّ فاطر السَّماوات والأرض عَالمَ الغَيْب والشهادة أنْتَ تَحْكم بيْن عِبادِك} بين النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمشركين {فيما كانُوا فيه يخْتَلفون} أمر الله الرحمن الرحيم نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوه بالتجاء وتضرع، فى تعسر قومه وتصلبهم عليه، وذلك وعيد عليهم، وتسلية له صلى الله عليه وسلم:" حديث : اللهم باسمك الأعظم ونبيك الأكرم، كن بنا أرحم"تفسير : لما سئل الربيع ابن خيثم عن قتل الحسين تأوه وتلى هذه الآية، وكان لا يتكلم، وتكلم حينئذ، أعنى أنه قليل الكلام، وعن سعيد بن المسيب: لا أعرف آيه قُرئت فدعى عندها إلا أجيب سواها.

الالوسي

تفسير : أمر بالدعاء والالتجاء إلى الله تعالى لما قاساه في أمر دعوتهم وناله من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد فإنه تعالى القادر على الأشياء بجملتها والعالم بالأحوال برمتها، والمقصود من الأمر بذلك بيان حالهم ووعيدهم وتسلية حبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم وأن جده وسعيه معلوم مشكور عنده عز وجل وتعليم العباد الالتجاء إلى الله تعالى والدعاء بأسمائه العظمى. ولله تعالى در الربيع بن خيثم فإنه لما سئل عن قتل الحسين رضي الله تعالى عنه تأوه وتلا هذه الآية، فإذا ذكر لك شيء مما جرى بين الصحابة قل: {ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الخ فإنه من الآداب التي ينبغي أن تحفظ. وتقديم المسند إليه في {أَنتَ تَحْكُمُ } للحصر أي أنت تحكم وحدك بين العباد فيما استمر اختلافهم فيه حكماً يسلمه كل مكابر معاند ويخضع له كل عات مارد وهو العذاب الدنيوي أو الأخروي، والمقصود من الحكم بين العباد الحكم بينه عليه الصلاة والسلام وبين هؤلاء الكفرة.

ابن عاشور

تفسير : لما كان أكثر ما تقدم من السورة مشعراً بالاختلاف بين المشركين والمؤمنين، وبأن المشركين مصممون على باطلهم على ما غمرهم من حجج الحق دون إغناء الآيات والتدبر عنهم أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بأن يقول هذا القول تنفيساً عنه من كدر الأسى على قومه، وإعذاراً لهم بالنذارة، وإشعاراً لهم بأن الحق في جانبهم مضاع، وأن الأجدر بالرسول صلى الله عليه وسلم متاركتهم وأن يفوّض الحكم في خلافهم إلى الله. وفي هذا التفويض إشارة إلى أن الذي فوّض أمره إلى الله هو الواثق بحقّيه دينه المطمئن بأن التحكيم يُظهر حقه وباطل خصمه. وابتدىء خطابُ الرسول صلى الله عليه وسلم ربَّه بالنداء لأن المقام مقام توجيه وتحاكم. وإجراء الوصفين على اسم الجلالة لما فيهما من المناسبة بخضوع الخلق كلهم لحكمه وشمول علمه لدخائلهم من مُحقّ ومُبطل. وَالفاطر: الخالق، وفاطر السماوات والأرض فاطر لما تحتوي عليه. ووصف {فاطِرَ السموات والأرض} مشعر بصفة القدرة، وتقديمُه قبل وصف العِلم لأن شعور الناس بقدرته سابق على شعورهم بعلمه، ولأن القدرة أشدّ مناسبة لطلب الحكم لأن الحكم إلزام وقهر فهو من آثار القدرة مباشرةً. والغيب: ما خفي وغاب عن علم الناس، والشهادة: ما يَعلمه الناس مما يدخل تحت الإِحساس الذي هو أصل العلوم. والعدول عن الإِضمار إلى الاسم الظاهر في قوله: {بَيْنَ عبادِكَ} دون أن يقول: بيننا، لما في {عِبَادِك} من العموم لأنه جمع مضاف فيشمل الحكم بينهم في قضيتهم هذه والحكمَ بين كل مختلِفين لأن التعميم أنسب بالدعاء والمباهلة. وجملة {أنت تحكم بين عبادك} خبر مستعمل في الدعاء. والمعنى: احكم بيننا. وفي تلقين هذا الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أنه الفاعل الحق. وتقديم المسند إليه على الخبر الفِعْلي في قوله: {أنت تحكم} لإِفادة الاختصاص، أي أنت لا غيرك. وإذ لم يكن في الفريقين من يعتقد أن غير الله يحكم بين الناس في مثل هذا الاختلاف فيكونَ الرد عليه بمفاد القصر، تعين أن القصر مستعمل كناية تلويحية عن شدة شكيمتهم في العناد وعدم الإِنصاف والانصياع إلى قواطع الحجج، بحيث إن من يتطلب حاكماً فيهم لا يجد حاكماً فيهم إلا الله تعالى. وهذا أيضاً يؤمىء إلى العذر للرسول صلى الله عليه وسلم في قيامه بأقصى ما كُلّف به لأن هذا القول إنما يصدر عمن بذل وُسعه فيما وجب عليه، فلما لَقَّنه ربه أن يقوله كان ذلك في معنى: أنك أبلغتَ وأديتَ الرسالة فلم يبق إلا ما يدخل تحت قدرة الله تعالى التي لا يعجزها الألدَّاء أمثال قومك، وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه وعيد للمعاندين. والحكم يصدق بحكم الآخرة وهو المحقق الذي لا يخلف، ويشمل حكم الدنيا بنصر المحق على المبطل إذا شاء الله أن يعجل بعض حكمه بأن يُعجل لهم العذاب في الدنيا. والإِتيان بفعل الكون صلة لــــ {مَا} الموصولة ليدُل على تحقق الاختلاف، وكونُ خبر (كان) مضارعاً تعريض بأنه اختلاف متجدد إذ لا طماعية في ارعواء المشركين عن باطلهم. وتقديم {فِيهِ} على {يَخْتلفون} للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بالأمر المختلَف فيه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قل اللهم فاطر السماوات والأرض: قل يا نبينا: يا الله يا خالق السماوات والأرض. عالم الغيب والشهادة: أي يا عالم الغيب وهو كل ما غاب عن الأبصار والحواس والشهادة خلاف الغيب. فيما كانوا فيه يختلفون: أي من أمور الدين عقائد وعبادات. ولو أن للذين ظلموا: أي ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي. وبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون: أي وظهر لهم من عذاب الله ما لم يكونوا يظنونه. وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون: وأحاط بهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزئون به. معنى الآيات: قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ} هذا إرشاد من الله تعالى لرسوله أن يفزع إليه بالدعاء والضراعة إذ استحكم الخلاف بينه وبين خصومه وضاق الصدر اي قل يا رسولنا يا الله {فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقها، {عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي ما غاب عن الأبصار والحواس فلم يُدركْ، والشهادة وهو ما رؤي بالأبصار وأدرك بالحواس {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ} مؤمنهم وكافرهم {فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الإِيمان بك وبلقائك وصفاتك وعبادتك ووعدك ووعيدك اهدني لما اختلفوا فيه من الحق باذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي أنفسهم بالشرك وهو الظلم العظيم وبغشيان المعاصي والذنوب لو أن لهم عند معاينة العذاب يوم القيامة {مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} من أموال ونفائسها ومثله معه وقبل منهم الفداء {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ} ولما تردَّدوا أبداً وهذا دالٌّ على شدَّة العذاب وأنه لا يطاق ولا يُحْتَمَل مع حرمانهم من الجنة ونعيمها. وقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} أي وظهر لهم أي لأولئك الذين إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم وإذا ذكرت الأصنام فرحوا بذلك واستبشروا وبدا لهم من ألوان العذاب ما لم يكونوا يظنون ولا يحتسبون. وقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي من الشرك والكفر والفسق والعصيان أي ظهر لهم وتجلى أمامهم فاشتد كربهم وعظم الأمر عندهم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون أي أحاط بهم وحدق عليهم العذاب الذي كانوا إذا ذكر لهم وعيداً وتخويفاً استهزأوا به وسخروا منه وممن يذكرهم به ويخوفهم منه كالرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية اللجوء إلى الله تعالى عند اشتداد الكرب وعظم الخلاف والدعاء بهذا الدعاء وهو "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإِذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" إذ ثبتت السنة به. والآية ذكرت أصله. 2- بيان عظم العذاب وشدته يوم القيامة وأن المرء لو يقبل منه فداء لافتدى منه بما في الأرض من أموال ومثله معه. 3- التحذير من الاستهزاء بأخبار الله تعالى ووعده ووعيده.

القطان

تفسير : اللهمّ: كلمة تستعمل للنداء، يا الله. حاق بهم: أصابهم، وأحاط بهم. خولناه: أعطيناه. فتنة: بليّة، مصيبة، لأن النعمة قد تكون فتنة احيانا. قل يا محمد متوجهاً الى مولاك: يا الله، أنت خالق السماوات والأرض، وعالم السر والعلَن، انت تحكم بين عبادك وتفصِل بينهم فيما كانوا يختلفون بشأنه في الدنيا. وبعد ان علّم الله تعالى رسوله الكريم هذا الدعاء يعرِض حال الظالمين المخيفة يوم القيامة، يوم يرجعون للحكم والفصل. ولو ان للذين ظلموا أنفسهم بالشِرك جميعَ ما في الارض وضعفه معه لقدّموه فداءً لأنفسهم من سوء العذاب يوم القيامة، يوم يرون بأعينهم ما لم يخطر لهم على بال من العذاب الأليم، وتظهر لهم سيئاتهم التي عملوها في الدنيا، ويحيط بهم ما كانوا به يستهزئون. ثم بين الله تعالى أن الانسان إذا اصابه ضر نادى الله متضرعاً، لكنه اذا اعطاه نعمة قال: ما أوتيتُ هذه النعم الا لعلمٍ عندي، وجميل تدبيري، وقد غاب عنه ان الأمر ليس كما قال، بل ان هذه النعمة التي تفضّل الله بها عليه هي اختبارٌ له وفتنةٌ ليظهر الطائع من العاصي، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. ثم بين الله ان هذه مقالة قديمة قد سبقهم بها كثير من الأمم قبلهم فقال: {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} فما دفع عنهم العذابَ كل ما اكتسبوه من مال ومتاع، فحلّ بالكفار السابقين جزاءُ سيئات أعمالهم، والذين كفروا من قومك وظلموا انفسهم ايها النبيّ، سيصيبهم ايضا وبالُ السيئات التي اكتسبوها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. انما خص المؤمنين بذلك، لأنهم هم الذين يفكرون وينتفعون بايمانهم. وقد تقدم مثل هذا المعنى في سورة الرعد 26، والاسراء 30، وغيرها من السور.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {عَالِمَ} {ٱلشَّهَادَةِ} (46) - فَادْعُ يَا مُحَمَّدُ اللهَ وَحْدَهُ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَمُبْدِعَهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، عَالِمَ السِّرِّ والعَلاَنِيةِ، وَقُلِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ، فَتَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بالحَقِّ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِي الدُّنْيَا، فَاحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ. فَاطِرَ - مُبْدِعَ وَمُخَتَرِعَ وَخَالِقَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الوعد لأهل الخير، والوعيد لأهل الشر، واستوفى الأمرين مع الجماعتين، قال لرسوله بعد أنْ بلغت الوعد والوعيد: ليس لك إلا أنْ تلتجئ إلى الله، فهو سبحانه وحده الذي يحكم بينك وبين هؤلاء، لأنك استنفدتَ معهم كل أوجه الدعوة الحسنة والبلاغ الجميل، وما داموا مُصرِّين فدَعْهُم إلى أنْ يحكم الله بينك وبينهم يوم القيامة. ولا تحزن يا محمد، لأن الله لا يحكم إلا بالحق، وثقْ أنه الذي اختارك للرسالة، وأنه ناصرك ومُظهر دينك، وسوف ترى هذه النُّصْرة في الدنيا قبل الآخرة، وفعلاً رآها الرسول قبل موته. واقرأ قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..} تفسير : [الرعد: 41]. أي: ننقص أرض الكفر ونقصان أرض الكفر زيادةٌ في أرض الإيمان، وهذه آية رأوْهَا بأعينهم {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ} تفسير : [الرعد: 41] فكان عليهم أنْ يأخذوا من ذلك عبرة، وأنْ ينتهوا عن عنادهم، ويعلموا أن الله ناصرُ دينه ومُتم أمره، فكلّ يوم يمرّ كانت أرض الإيمان تزداد، وأرض الكفر تنقص، ومحمد يأتيه الموالي والفقراء والمساكين، ثم أتاه بعد ذلك الكبراء والصناديد والأعيان. الحق سبحانه وتعالى يُعلِّم رسوله صلى الله عليه وسلم، ويُعلِّمنا كيف ندعوه، فقال: (قُلْ) أي: يا محمد (اللهُمَّ) يقول سيدنا سعيد بن المسيِّب: لا أجد في القرآن آية أَرْجَى للداعي من قوله سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الزمر: 46] وما علمه الله أن يدعو إلا لسبقه في القدر أنْ يجيب. إذن: الحق سبحانه لم يترك رسوله يدعوه بلفظ من عنده إنما علَّمه بِمَ يدعو، فلا بُدَّ أنْ يُكتبَ له القبول، كما لو أن شخصاً أعطاك المفتاح، هذا يعني أنه يقبلك أنْ تدخل المكان. وهنا يجب أن نقف على روعة الأداء البياني وعظمة الدعاء والنداء في (اللَّهُمَّ) وهي عبارة عن لفظ الجلالة (الله) أُلحقتْ به (ميم) مُشدَّدة للدعاء والنداء، ونحن نعرف أن النداء طلبُ إقبال المخاطب على المتكلم، وللنداء حروف معروفة حسب قرب المنادِي أو بُعْده من المنادَى، فنقول في نداء القريب: أمحمد. وفي نداء البعيد: يا محمد والأبعد: أيا محمد .. إلخ. إذن: فحرف النداء نفسه يحدد موقع المدعو، فهل يجوز استخدام هذه الحروف في نداء الحق سبحانه فنقول مثلاً: يا الله؟ إنه من الأدب في نداء الحق سبحانه ألاَّ نناديه سبحانه كما ننادي غيره لأنه سبحانه أقربُ إلينا من حبل الوريد، فلا يصح أنْ نقول: يا الله أو أيا الله، فهذه مراتب للبُعْد والله قريب. لذلك لا تجد القرآن يستخدم هذه الحروف أبداً في ندائه سبحانه، إنما استخدم اللهم للدعاء، وعلَّمنا أنْ ندعوه بها، وقد ألحق بها الميم المشدَّدة بدلاً من حروف النداء قبل الاسم المنادى، فالميم عِوَضٌ عن حرف النداء المحذوف فدلَّتْ الميم المشددة على النداء، وعلى ذِلَّة الطلب منك. وحين نستقرئ القرآن الكريم نجد أن كلمة الله وردت بالرفع 985 مرة ليس فيها دعاء إلا باللهم في خمسة مواضع هي: هذه الآية التي معنا، ثم قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ..} تفسير : [آل عمران: 26]. وقوله: {أية : قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تفسير : [المائدة: 114]. وقوله: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. وقوله: {أية : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10]. أما في نداء الربوبية فنقول: يا رب، وفَرْقٌ بين نداء لفظ الجلالة (الله) وبين نداء لفظ الربوبية (رب)، فالألوهية تكليف أما الربوبية فعطاءٌ ومنعم، فما دام الربُّ معطي نعمة. فنقول في ندائه: يا رب لأن الربوبية إيجادٌ من عدم وإمداد من عُدْم وتربية، إذن: أنت المستفيد في عطاء الربوبية، أما الألوهية فتكليف بافعل ولا تفعل. وكلمة {فَاطِرَ ..} [الزمر: 46] أي: خالق ومُبدع ومُوجد الوجود من العدم على غير مثال سابق يعني: أمر ابتكاري جديد فإنْ كان الإيجاد على مثال سابق يعني محاكاة فلا يسمى (فاطر). وقوله {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الزمر: 46] اختار السماوات والأرض، لأنها الكائن الذي لا يغيب عن الإنسان، فالأرض تُقِلُّه والسماء تظله فهو لا ينفكّ عنهما لحظة من حياته، وهناك نِعَم أخرى قد تغيب عن الإنسان في وقت كالماء مثلاً. {عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ..} [الزمر: 46] يمتنُّ الحق سبحانه بعلم الغيب. فكيف يمتنُّ بعلم الشهادة، وهي معلومة للناس مُشَاهدة؟ قالوا: لأن الله غيْبٌ، وقد نفهم أن هذا الغيبَ كالغيب بالنسبة لك، فأنت تشاهد مَنْ معك في البيت، لكن لا تشاهد مَنْ هو خارج البيت، فهو بالنسبة لك غَيْبٌ، لكن الحق سبحانه يعلم الغيب ويعلم المشَاهد ما غاب عنكم والمشهود لكم ولغيركم. وقوله: {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر: 46] هذا هو المرجع النهائي في الخلاف بين الحق والباطل، يوم الفتح الذي كان ينتظره هؤلاء ويستعجلونه، بل ويستهزئون به كما قال سبحانه حكايةً عنهم: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 70]. وقولوا: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [السجدة: 28] فيردّ عليهم الحق سبحانه: {أية : قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} تفسير : [السجدة: 29] يعني: لو جاءكم هذا اليوم فلن ترجعوا بعده مرة أخرى لتجدوا إيماناً ولا توبة. ونلحظ هنا أن القرآن استعمل كلمة (عباد) للدلالة على الفريقين: المؤمنين، والكافرين، والغالب أن تستخدم كلمة العباد في الطائعين الملتزمين بالمنهج كما في قوله سبحانه: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]. فهل يُقال للكافرين وللعاصين أيضاً عباد؟ قالوا: نعم: لأن الإنسان له وضعان بالنسبة لربه تعالى: وَضْع له فيه اختيار، وهي قوة الاختيار التي خلقها الله في الإنسان بحيث يفعل ما يشاء، حتى إنه يفعل لما لا يريده منه ربه سبحانه. وهناك وَضْع آخر ليس له فيه اختيار، وهي الأمور القهرية التي لا اختيارَ للعبد فيها. فالإنسان مثلاً قد يتمرد على منهج ربه، وقد يخالفه ويشذ عنه، فنقول له: ما دُمت قد ألفتَ التمرد فتمرد على كل شيء، تمرد على المرض تمرد على الموت .. إنه لا يستطيع، لأنها أمور قهرية لا اختيار له فيها. إذن: فهو في هذا الوضع محكوم بالعبودية قهراً، فهو لا يخرج عن عبوديته لله حتى لو كان كافراً، وحين نقول للكافرين (عباد) فلأنهم في شق من تصرفاتهم لا يتأبَّوْنَ فيه على الله، بل هم فيه مقهورون. لذلك قال تعالى عنهم في الآخرة: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الفرقان: 17]. هذا خطاب للمضلِّين فسمَّى الضالين عباداً، لماذا؟ لأن الكلام هنا في الآخرة حيث يستوي الجميع، فالكل هناك طائع صالح مؤمن، كلهم في الآخرة عباد وعبيد. أما في الدنيا فكلهم عبيد وبعضهم عباد.