Verse. 4105 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَلَوْ اَنَّ لِلَّذِيْنَ ظَلَمُوْا مَا فِي الْاَرْضِ جَمِيْعًا وَّمِثْلَہٗ مَعَہٗ لَافْتَدَوْا بِہٖ مِنْ سُوْۗءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۭ وَبَدَا لَہُمْ مِّنَ اللہِ مَالَمْ يَكُوْنُوْا يَحْتَسِبُوْنَ۝۴۷
Walaw anna lillatheena thalamoo ma fee alardi jameeAAan wamithlahu maAAahu laiftadaw bihi min sooi alAAathabi yawma alqiyamati wabada lahum mina Allahi ma lam yakoonoo yahtasiboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا» ظهر «لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» يظنون.

47

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَبَدَا } ظهر {لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } يظنون.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} [الآية: 47]. قال سهل: أثبتوا لأنفسهم أعمالاً فلما بلغو إلى المشهد الأعلى رأوها هباءًا منثورًا فمن اعتمد الفضل نجى ومن اعتمد أفعاله بدا له منها الهلاك.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} هذه الأية خبر من الله للذين فرحوا بما وجدوا فى اوائل البدايات مما يغتر به المغترون وقاموا به وظنوا ان لا مقام فوق مقامهم فلما رأوا ما بخلان ظنونهم لاهل معارفه واحبائه وعشاقه من درجات المعرفة وحقائق التوحيد ولطائف المكاشفات وغرائب المشاهدات ماتوا حسرة وايضا سكن قوم الى الانوار وظهور صنيع الحق واطمأنو اليه وظنوا انها هو وهم اهل الغلطات فلما بدا لهم من الله جلال عزته وعزائم قدرته علموا انهم لبسوا على شئ من معرفة الله وظاهر الأية يتعلق باهل الرياء والسمعة الذين يعجبون قبول الخلق ------ظواهرهم من الزى والعبادة واغتروا بمراعاتهم وظنوا انهم على شئ عند الله من ذلك فاذا بدا لهم من الله بيان يوم القيامة انهم مشركون بالرياء والسمعة افتضحوا هنالك عند العارفين والصديقين وافهم ايها الناظر فى هذا الكتاب ان لنا من العلوم المجهولة ذوقيا وذلك الذوق لا يليق بفهم اهل الطيلسان والطرق من ذلك ان الكفر والايمان طريقان من القهر واللطف الى عرفان وحدانيته فبلغ المؤمن اليه بطريق الايمان واللطف ويبلغ الكافر الى رؤية قهرياته بالحقيقة عند المعائنات فاذا عرف انه هالك فيها وافتخر فى ظلماتها يبدو له فى احانين من الله سبحانه كشوف جلاله وجماله وعلومه الازلية والطاف الابدية ما يضمحل فيها نيران جميع جهلهم وهو لا يحتسب ذلك منه ومن انت من العبد والرب قوله صدق ورعده حق واشارته حقيقة فاول الأية واضحة وأخر الأية اشارة قال سهل فى قوله وبدا لهم اثبتوا الانفسهم اعمالا فاعتمدوها فلما بلغوا الى المشهد الا على رأوها هباء منثورا فمن اعتمد الفضل نجا ومن اعتمد افعاله بدا له منها الهلاك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو ان للذين ظلموا ما فى الارض جميعا} حال من ما اى لو ان لهم جميع ما فى الدنيا من الاموال والذخائر {ومثله معه} [ومانند آن همه مالهابآن] {لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيمة} يقال افتدى اذا بذل المال عن نفسه فان الفداء حفظ الانسان من النائبة بما يبذله عنه اى لجعلوا كل ذلك فدية لانفسهم من العذاب الشديد لكن لا مال يوم القيامة ولو كان لا يقبل الافتداء به وهذا وعيد شديد واقناطا لهم من الخلاص. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان هذه الجملة لا يقبل يوم القيامة لدفع العذاب واليوم ههنا تقبل ذرة من الخير ولقمة من الصدقة وكلمة من التوبة والاستغفار كما انهم لو تابوا وبكوا فى الآخرة بالدماء لا يرحم بكاؤهم وبدمعة واحدة اليوم يمحى كثير من ذنوبهم: وفى المثنوى شعر : آخر هركريه آخر خنده ايست مردآخر بين مبارك بنده ايست اشك كان ازبهر او بارند خلق كوهراست واشك بندارندخلق تفسير : ألا ترى الى دموع آدم وحواء عليهما السلام حيث صارت جواهر فى الدنيا فكيف فى العقبى {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} يقال بدا الشىء بدوّا وبداء اى ظهر ظهورا بينا. والاحتساب الاعتداد بالشىء من جهة دخوله فيما يحسبه اى ظهر لهم يوم القيامة من فنون العقوبات ما لم يكن فى حسابهم فى الدنيا وفى ظنهم انه نازل بهم يومئذ. قال الكاشفى [بنداشت ايشان آن بودكه بوسيله شفاعت بتان رتبه قرب يابند]{وبدا لهم سيئات ما كسبوا} سيآت اعمالهم او كسبهم حين تعرض عليهم صحائفهم {وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن} اى نزل واصاب واحاط بهم وبال استهزائهم وجزاء مكرهم وكانوا يستهزؤن بالكتاب والمسلمين والبعث والعذاب ونحو ذلك وهذه الآية اى قوله {وبدا لهم من الله} الخ غاية فى الوعيد لا غاية وراءها ونظيره فى الوعد قوله تعالى {أية : فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين } تفسير : وفى التأويلات النجمية وفى سماع هذه الآية حسرة لاصحاب الانتباه وفى بعض الاخبار ان قوما من المسلمين من اصحاب الذنوب يؤمر بهم الى النار فاذا وافوها يقول لهم مالك من انتم فان الذين جاؤا قبلم من اهل النار وجوههم مسودة وعيونهم زرق وانكم لستم بتلك الصفة فيقولون نحن لم نتوقع ان نلقاك وانما انتظرنا شيئا آخر قال الله تعالى وبدا لهم من الله الى يستهزؤن. وقال ابو الليث يعملون اعمالا يظنون ان لهم ثوابا فيها فلم تنفعهم مع شركهم فظهرت لهم العقوبة مكان الثواب. وفى كشف الاسرار [از حضرت رسالت عليه السلام تفسير آيت {وبدا لهم من الله} الخ برسيدند فرمود] هى الاعمال حسبوها حسنات فوجدوها فى كفة السيآت. وقال بعضهم ظاهر الآية يتعلق باهل الرياء والسمعة افتضحوا يوم القيامة عند المخلصين. وعن سفيان الثورى رحمه الله انه قرأها فقال ويل لاهل الرياء ثلاثا شعر : بنداشت مرايىكه عملهاى نكوست مغزىكه بود خلاصه كار زدوست جون برده زروى كار برداشته كشت برخلق عيان شدكه نبود الابوست تفسير : [يكى ازمشايخ يعنى محمد بن المنكدر بوقت حلول اجل جزع ميكرد برسيدندكه سبب جيست فرمودكه مى ترسم جيزى ظاهر كرددكه من آنرا درحساب نمىداشتم]. قال سهل اثبتوا لانفسهم اعمالا فاعتمدوا عليها فلما بلغوا الى المشهد الاعلى رأوها هباء منثورا فمن اعتمد على الفضل نجا ومن اعتمد على افعاله بدا له منها الهلاك. وفى عرائس البقلى رحمه الله هذه الآية خير من الله للذين فرحوا بما وجدوا فى البدايات مما يغترّ به المغترون وقاموا به وظنوا ان لا مقام فوق مقامهم فلما رأوا بخلاف ظنونهم ما لاهل معارفه واحبابه وعشاق من درجات المعرفة وحقائق التوحيد ولطائف المكاشفات وغرائب المشاهدات ماتوا حسرة. فانظر الى هذه المعانى الشريفة فى هذا المقام فان كلا منها يحتمله الكلام بل وازيد منها على ما لا يخفى على ذوى الافهام واجتهد فى ان يبدو لك من الثواب ما لم يكن يخطر ببالك ان تكون مثابا به وذلك بالاخلاص والفناء التام حتى يكون الله عندك عوضا عن كل شئ

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولو أنّ للذين ظلموا} بالشرك، {ما في الأرض جميعاً}: من الأموال والذخائر، {ومِثْلَهُ معه} زائد عليه، {لافْتَدوا به من سوءِ العذاب} أي: شدته، {يومَ القيامةِ} أي: لو أن لهم جميع ما في الدنيا لجعلوا ذلك فدية لأنفسهم من العذاب الشديد، وهيهات هيهات، ولات حين مناص. وهذا كما ترى وعيد شديد لأهل الشرك، وإقناط كلي لهم. {وَبَدَا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} أي: ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في ظنهم وحسبانهم، ولم يُحدِّثوا به نفوسهم. وهذا غاية من الوعيد، لا غاية وراءها، ونظيره في الوعد: قوله تعالى: {أية : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} تفسير : [السجدة: 17]. {وبدا لهم سيئاتُ ما كسبوا} أي: ظهر لهم سيئات أعمالهم التي كسبوها، أو سيئات كسبهم حين تُعرض عليهم صحائفُهم، وكانت خافية عليهم، أو: عقاب ذلك. {وحاقَ بهم} أي: نزل بهم وأحاط، {ما كانوا به يستهزئون} أي: جزاء هزئهم بالإسلام، ومَن جاء به، ومَن تبعه. الإشارة: الآية تجرّ ذيلها على كل ظالم لم يتب، فيتمنى الفداء بجميع ما في الأرض، فلا يُمكّن منه. وقوله تعالى: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}، هذه الآية عامة، لا يُفلت منها إلا الفرد النادر، الذي وصل إلى غاية المعرفة العيانية، ومَن لم يصل إلى هذا المقام فهو مقصِّر، يظن أنه في عليين، وهو في أسفل سافلين، ولذلك عظم خوف السلف منها، فقد جزع محمد بن المنكدر عند الموت، فقيل له في ذلك، فقال: أخشى آيةً من كتاب الله: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} فأنا أخشى أن يبدو لِي من الله ما لم أحتسب. وعن سفيان أنه قرأها، فقال: ويلٌ لأهل الرياء، ويلٌ لأهل الرياء. هـ. وفي الإحياء: مَن اعتقد في ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف الحق، وخلاف ما هو عليه؛ إما برأيه أو معقوله ونظره، الذي به يجادل، وعليه يعول، وبه يغتر، وإما بالتقليد، فمَن هذا حاله ربما ينكشف له حال الموت بطلان ما اعتقده جهلاً، فيتطرّق له أن كل ما اعتقده لا أصل له، فيكون ذلك سبباً في شكه عند خروج روحه، فيختم له بسوء الخاتمة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {وبَدَا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} وبقوله: {أية : هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً}تفسير : [الكهف: 103]... الآية. انظر عبارته في كتاب الخوف، وقريباً منه في القوت، عصمنا الله من سوء القضاء، وختم لنا بالسعادة التامة بمنِّه وكرمه. ثم ذكر حالة أخرى من قبائح أهل الشرك، فقال: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} عطف على اللّهمّ ومن جملة ما أمره الله تعالى ان يقول تسليةً لنفسه، او عطف على جملة اذا ذكر الله او حال من احد اجزائها، او حال من اجزاء قل اللّهمّ (الى آخر الآية) ولفظة لو للشّرط فى الاستقبال او للشّرط فى الماضى لانتفاء الثّانى لانتفاء الاوّل بادّعاء مضىّ يوم القيامة لتحقّق وقوعه، والمراد بالظّلم ظلم آل محمّدٍ (ص) لعدم ارادة مطلق الظّلم لانّ اكثر اصنافه مغفور فليخصّص بما هو المعهود من ظلم آل محمّد (ص) {مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} وهذا تهديدٌ بليغ لهم {وَبَدَا لَهُمْ} عطف على افتدوا او حال {مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} اى العمل الّذى كانوا به يستهزؤن، او العذاب الّذى كانوا به يستهزؤن.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} أي: من الذهب والفضة {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ} أي: من شدة العذاب {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لم يقبل منهم {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } أي: لم يكونوا يحتسبون أنهم مبعوثون ومعذبون. قال: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أي: ما عملوا {وَحَاقَ بِهِم} أي: وجب عليهم {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} أي: يسخرون في دار الدنيا بالنبي والمؤمنين فحاق بهم، أي: فأخذهم جزاء ذلك الاستهزاء، وهي جهنم بعد عذاب الدنيا. قوله: {فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ} أي: مرض. {دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا} أي أعطيناه عافية. فهذا الكافر {قَالَ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} [تفسير مجاهد: يقول: هذا بعملي] كقوله: (أية : وَلَئِن أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي) تفسير : [فصلت:50] أي: أنا محقوق بهذا. قال الله: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} أي: بلية {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني جماعة الكافرين. قال: {قَدْ قَالَهَا} يعني هذه الكلمة {الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل مشركي العرب {فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: من أموالهم وجنودهم إذا نزل بهم عذاب الله، أي: إنهم لم تغن عنهم شيئاً. قال: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أي: نزل بهم جزاء أعمالهم. يعني الذين أهلك من الأمم. {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا {مِنْ هَؤُلاَء} يعني من هذه الأمة {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} يعني الذين تقوم عليهم الساعة من كفار آخر هذه الأمة؛ وقد أهلك أوائلهم أبا جهل وأصحابه بالسيف يوم بدر. قال: {وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} أي: وما هم بالذين يسبقوننا حتى لا نقدر عليهم فنبعثهم ثم نعذبهم.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالكفر أو ظلم العباد* {مَا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ} شدته* {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} والمراد لو أن لواحد من الظلمة ما في الأرض ومثله لهان عليه وفدى به نفسه ولكن لا تقبل الفدية هنالك وما ذلك الا تمثيل فانهم لو ثبت لهم أضعاف ذلك الى ما لا يحصى فانه يهون ويفتدون به ولات حين قبول فداء فلا يخفي ما في ذلك من الوعيد الشديد والاقناط الكلي لهم من النجاة* {وَبَدَا} أي ظهر حين بعثوا ونوقشوا في الحساب أو حين قرأوا صحائفهم.* {لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} أي يعالجون ويكتسبون ظنه أي ما بعد حتى لا ينالوه باكتساب الظن وذلك وعيد شديد آخر لهم أي بعد أن يظنوه واقعاً بهم من العذاب. وقال السدي: ظنوا حسنات عملوها فاذا هي سيئات ومنها انهم تقربوا الى الله بعبادة الأصنام فظهرت عبادتها معصية لله والتقرب معصية. وعن سفيان الثوري انه قرأ الآية فقال: ويل للمرائين ويل للمرائين من هذه الآية وذلك انهم يرجون ثواب أعمالهم ولا ثواب لهم عند الله. وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته، فقيل له: لمَ؟ فقال: أخشى آية من كتاب الله {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} ويحتمل أن يريد (بما لم يكونوا يحتسبون) ما نووه من المعاصي ونيلة الكافر شر من عمله* {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} مساوئ أعمالهم من الشرك والظلم في صحائفهم بعد خفائها عنهم احصاء أحصاه الله ونسوه أو أراد بالسيئات أنواع العذاب التى يجازون بها على ما كسبوا وعبر عنها بالسيئات لانها جزاء السيئات أو لانها كريهة قبيحة وجزاء سيئة سيئة* {وَحَاقَ} أي نزل وأحاط* {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} من العذاب ويكذبون به أو جزاء عملهم القبيح الذي يلعبون ويسخرون به

اطفيش

تفسير : {ولَو أنَّ} ولو ثبت أن {للَّذينَ ظلمُوا} أشركوا، والاشراك أعظم ظلم لنفس، وأعظم جور {ما في الأرض جَمِيعاً} من الأموال أصول وعروض ما بين أيدى الناس والخزائن المدفونة، ولم يشعروا بها، وأنواع الجواهر التى لم تستخرج من معادنها {ومثْلَه مَعَه} ذلك تمثيل لأنهم لو ملكوا ما رد العرش الى الأرض السابعة ذهبا. وأكثر من ذلك لهان عليهم الافتداء به، لأن العذاب لا يُطاق {لافْتَدوا بهِ} لم يبخلوا به أن يفسدوا أنفسهم، ولكن لا يقبل منهم {من سُوء العَذاب} من العذاب السوء {يَوم القيامة وبَدا} ظهر {لَهُم من الله ما لم يكونُوا يحتَسبُون} لم يكن فى حسابهم من عدم، اختلاف الوعيد، ومن كتابة ما فعلوا، ومن عدم الاهمال والنسيان، أو ما لم يكونوا يحتسبون من فنون العقاب.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } الخ قيل مستأنف مسوق لبيان آثار الحكم الذي استدعاه النبـي صلى الله عليه وسلم وغاية شدته وفظاعته أي لو أن لهم جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي لجعلوا كل ذلك فدية لأنفسهم من العذاب السيء الشديد. وقيل الجملة معطوفة على مقدر والتقدير فأنا أحكم بينهم وأعذبهم ولو علموا ذلك ما فعلوا ما فعلوا، والأول أظهر. وليس المراد إثبات الشرطية بل التمثيل لحالهم بحال من يحاول التخلص والفداء مما هو فيه بما ذكر فلا يتقبل منه، وحاصله أن العذاب لازم لهم لا يخلصون منه ولو فرض هذا المحال ففيه من الوعيد والإقناط ما لا يخفى. وقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } أي ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في حسابهم زيادة مبالغة في الوعيد، ونظير ذلك في الوعد قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }تفسير : [السجدة: 17] والجملة قيل: الظاهر أنها حال من فاعل {افْتَدَوْاْ}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : قل اللهم فاطر السماوات والأرض}تفسير : [الزمر: 46] الخ لأنها تشير إلى أن الحق في جانب النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي دعا ربه للمحاكمة، وأن الحكم سيكون على المشركين، فأعقب ذلك بتهويل ما سيكون به الحكم بأنه لو وجَد المشركون فديةً منه بالغةً ما بلغت لافتدوا بها. و {ما في الأرض} يشمل كل عزيز عليهم من أهليهم وأموالهم بل وأنفسهم فهو أهون من سوء العذاب يوم القيامة. والمعنى: لو أن ذلك ملك لهم يوم القيامة لافتدوا به يومئذٍ. ووجه التهويل في ذلك هو ما يستلزمه مِلك هذه الأشياء من الشح بها في متعارف النفوس، فالكلام تمثيل لحالهم في شدة الدرك والشقاء بحال من لو كان له ما ذكر لبذله فدية من ذلك العذاب، وتقدم نظير هذا في سورة العقود. وتضمن حرف الشرط أن كون ما في الأرض لهم منتف، فأفاد أن لا فِداء لهم من سوء العذاب وهو تأييس لهم. و {مِن} في قوله: {مِن سُوء العذاب} بمعنى لام التعليل، أي لافتدوا به لأجل العذاب السيّىء الذي شاهدوه. ويجوز أن تكون للبدل، أي بدلاً عن {سُوءِ العذاب}. وعطف على هذا التأييس تهويل آخر في عظم ما ينالهم من العذاب وهو ما في الموصول من قوله: {ما لم يكونوا يحتسِبُون} من الإِيهام الذي تذهب فيه نفس السامع إلى كل تصوير من الشدة. ويجوز جعل الواو للحال، أي لافتدوا به في حال ظهور ما لم يكونوا يحتسبون. و {مِنَ الله} متعلق بــــ {بدا}. و {من} ابتدائية، أي ظهر لهم مما أعد الله لهم الذي لم يكونوا يظنونه. والاحتساب: مبالغة في الحِساب بمعنى الظن مثل: اقترب بمعنى قرب. والمعنى: ما لم يكونوا يظنونه وذلك كناية عن كونه مُتجاوزاً أقصَى ما يتخيله المتخيل حين يسمع أوصافه، فلا التفات في هذه الكناية إلى كونهم كانوا مكذبين بالبعث فلم يكُنْ يخطر ببالهم، ونظير هذا في الوعد بالخبر قوله تعالى: {أية : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} تفسير : [السجدة: 17]. و {سَيِئَات} جمع سيئة، وهو وصف أضيف إلى موصوفه وهو الموصول {ما كَسَبُوا} أي مكسوباتِهم السيئاتِ. وتأنيثها باعتبار شهرة إطلاق السيئة على الفعلة وإن كان فيما كسبوه ما هو من فاسد الاعتقاد كاعتقاد الشركاء لله وإضمار البغض للرسول والصالحين والأحقادِ والتحاسد فجرى تأنيث الوصف على تغليب السيئات العملية مثل الغصْب والقتل والفواحش تغليباً لفظياً لكثرة الاستعمال. وأوثر فعل {كَسَبُوا} على فعل: عملوا، لِقطع تبرمهم من العذاب بتسجيل أنهم اكتسبوا أسبابه بأنفسهم، كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون} تفسير : [الزمر: 24] دون: تعملون. والحَوْق: الإِحاطة، أي أحاط بهم فلم ينفلتوا منه، وتقدم الخلاف في اشتقاقه في قوله تعالى: {أية : ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم}تفسير : في سورة [الأنعام:10]. وما {كانوا به يستهزءون} هو عذاب الآخرة، أي يستهزئون بذكره تنزيلاً للعقاب منزلة مُستهَزَء به فيكون الضمير المجرور استعارة مكنية. ولك أن تجعل الباء للسببية وتجعل متعلق {يستهزوءن} محذوفاً، أي يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذِكره العذاب. وتقديم {بِهِ} على {يستهزوءن} للاهتمام به وللرعاية على الفاصلة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين ظلموا وهم الكفار، لو كان لهم في الآخرة ما في الأرض جميعاً ومثله معه، لفدوا أنفسهم به من سوء العذاب الذي عاينوه يوم القيامة، وبين هذا المعنى في مواضع أخر وصرح فيها بأنه لا فداء ألبتة يوم القيامة كقوله تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 91]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} تفسير : [المائدة: 36ـ37] وقوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الحديد: 15]. وقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُون} تفسير : [الأنعام: 70]. فقوله {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} أي وأن تفتد كل فداء، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة: 48] وقوله {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة: 123] الآية، والعدل الفداء وقوله تعالى {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} تفسير : [الرعد: 18]. وقد قدمنا طرفاً من هذا سورة آل عمران، في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} تفسير : [آل عمران: 91] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} (47) - وَلَوْ أَنَّ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ مَلَكُوا جَمِيعَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَمَلَكُوا مِثْلَهُ مَعَهُ، وَرَأَوا سُوءَ العَذَابِ الذِي يَنْتَظِرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَتَمَنَّوْا أَنْ يُقَدِّمُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فِدَاءً لَهُمْ مِنَ العَذَابِ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ اليَوم يَأْتُونَ رَبَّهُمْ فُرادَى لاَ يَمْلِكُونَ شَيئاً، وَلَوْ مَلَكُوا شَيئاً لمَا قُبِلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِدَاءٌ. وَفَي ذَلِكَ اليَومِ العَصِيبِ يَظْهَرُ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ عَذَابِ اللهِ الذِي أَعَدَّهُ لَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ، وَمَا لَمْ يُحَدِّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِهِ. يَحْتَسِبُونَ - يَظُنُّونَهُ وَيَتَوَقَّعُونَهُ وَيُدْخِلُونَهُ فِي حِسَابِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تذكرون أننا قلنا في الحديث عن الشفاعة أن المذْنب يُعرض على ربه عز وجل أن يدفع الفدية ليغفر له فلا يُقبل منه عدل، فيأتي بمَنْ يشفع له فتُردّ شفاعته، فلنفرض أن عنده الدنيا بحذافيرها يملكها ويقدمها عدلاً لسيئاته، بل أكثر من ذلك، عنده ما في الأرض جميعاً {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} [الزمر: 47] مع أن هذه الحالة لم تحدث لأحد، لكن على فرض أنها حدثت وقدَّم العاصي ذلك كله ليفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة فلن يُتقبل منه. وقوله سبحانه: {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الزمر: 47] يدل على أن الإنسان قبل أن يُؤمِّنَ لنفسه النعيم يريد أنْ ينجوَ من العذاب فهذا هو الأهم؛ لذلك الرجل المغرور صاحب الجنتين في سورة الكهف لما اغترَّ بعمله وظنَّه صالحاً قال: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36] يعني: سيعطيني أفضلَ مما كان عندي، وهذا غرور والعياذ بالله. لذلك تجد الغني حين يُصيبه مرض شديد والعياذ بالله يقول: خذوا كلَّ ما أملك وأعيدوا إليَّ عافيتي، يريد أن يتخلص مما هو فيه من المرض أولاً، كذلك حال أهل المعاصي في الآخرة. ومعنى {مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ} [الزمر: 47] أي: من العذاب السيء {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الزمر: 47] ثم يُفاجئهم ما لم يكُنْ في حسبانهم {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] بدا يعني: ظهر لهم؛ لأن الإنسان مهما تخيل في الدنيا فلن يتسع تخيُّله لما يأتي الله به في الآخرة. لذلك سيدنا محمد بن المنكدر قال: لقد خوَّفتني هذه الآية لأنني أخشى حين أموت أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب ذلك لأن الإنسان كثيراً ما يفعل سيئات دون أن يشعر بها، أو دون أن يعلمَ أنها سيئات، أو قد يفعلها وينساها، وهذه التي قال الله فيها {أية : أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ} تفسير : [المجادلة: 6]. وقد يُزيِّن لك الشيطانُ السوءَ فتراه حسناً وما هو بحسن، كل هذا ستُفاجأ به في الآخرة. وأول ما يفاجئ الكافرين يوم القيامة أنهم لن يجدوا الآلهة التي عبدوها من دون الله ولن تشفع لهم، حتى سادتُهم وقادتهم الذين أضلوهم سيتبرأون منهم: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} تفسير : [البقرة: 166]. بل إن السادة المضلين سيسبقون الأتباع إلى النار كما حكاه القرآن: {أية : هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ * قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ * قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 59-61]. ولو دخل التابع قبل سيده لتعلَّق فكره به وظنَّ أنه سيأتيه ويُخلِّصه، لكنه سيدخل فيجده قد سبقه، وعندها تنقطع منهم الآمال، وتكتمل الحسرة والندامة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه تسجيلاً على عدم قابليتهم واستعدادهم لقبول الحق وفيضان أسرار التوحيد {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: بعدما جبلوا على فطرة الشقاوة من عند الله الحكيم لو حقّ وثبت لهم ملك {مَا فِي ٱلأَرْضِ} من الزخارف الإمكانية {جَمِيعاً وَمِثْلَهُ} بل أضعافه وآلافه {مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} في سبيل الله، راجين النجاة {مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ} المعد لهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} جزاءً لأعمالهم لما حصل لهم هذا، ولا نجاة لهم منه أصلاً؛ إذ لا يبدل قولنا ولا نغير حكمنا، بل {وَبَدَا} أي: لاح وظهر {لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] من قِبله؛ إذ هم عند الإتيان بفواسد الأعمال والعبادات على معبوداتهم، زاعمين جزاء ترتب جزاء الخير عليها، وقد انعكس الأمر عليهم. {وَ} حين ظهر عليهم عكس المطلوب {بَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي: تحقق عندهم كون أعمالهم التي أتوا بها سيئات كلها {وَ} حينئذ {حَاقَ} وأحاط {بِهِم} خجالة {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزمر: 48] من الأمور الدينية والمعتقدات الأخروية الجارية على ألسن الرسل والكتب في النشأة الأولى، ولم ينفعهم الندم والخجالة حينئذ؛ لانقضاء التدارك والتلافي. ثم أشار سبحانه إلى تزلزل الإنسان، وعدم ثباته على العزيمة الخالصة نحو ربه فقال: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ} منَّا مؤلم مزعج إلى التوجه والتحنن إلينا {دَعَانَا} واستكشف عنَّا الضر على سبيل الإلحاح والاقتراح {ثُمَّ} بعد كشفنا عنه ضره {إِذَا خَوَّلْنَاهُ} أي: أعطيناه ووسعنا عليها {نِعْمَةً} تفضلاً {مِّنَّا} وتكريماً؛ لنختبر كيف يشكر على دفع الضر وحصول النعمة بعده {قَالَ} حينئذ على سبيل الكفران: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ} من النعم {عَلَىٰ عِلْمٍ} مني بوجوه كسبه وجمعه وأرباحه وأخذه. أو المعنى: ما أوتيت وأعطيت بما أوتيت إلا سبب علمي بوجوه جمعه وتحصيله، لا من حيث لا أحتسب، هكذا يقول من الهذيانات الدالة على الكفران والطغيان، مع أن نعمته ما هي إلى نعمة في نفسها {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} ابتلاس منَّا إياه، واختبار لننظر أيشكر أم يكفر؟ {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 49] ولا يفهمون فتنتنا واختبارنا، لذلك ينهمكون في بحر الكفران والطغيان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى أنه الحاكم بين عباده، وذكر مقالة المشركين وشناعتها، كأن النفوس تشوقت إلى ما يفعل اللّه بهم يوم القيامة، فأخبر أن لهم { سُوءَ الْعَذَابِ } أي: أشده وأفظعه، كما قالوا أشد الكفر وأشنعه، وأنهم على - الفرض والتقدير - لو كان لهم ما في الأرض جميعا، من ذهبها وفضتها ولؤلؤها وحيواناتها وأشجارها وزروعها وجميع أوانيها وأثاثها ومثله معه، ثم بذلوه يوم القيامة ليفتدوا به من العذاب وينجوا منه، ما قبل منهم، ولا أغنى عنهم من عذاب اللّه شيئا، {أية : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }. تفسير : { وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } أي: يظنون من السخط العظيم، والمقت الكبير، وقد كانوا يحكمون لأنفسهم بغير ذلك. { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا } أي: الأمور التي تسوؤهم، بسبب صنيعهم وكسبهم. { وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } من الوعيد والعذاب الذي نزل بهم، وما حل عليهم العقاب.