٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة، وذلك لأنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى، ويرون أن دفع ذلك لا يكون إلا منه، ثم إنه تعالى إذا خولهم النعمة، وهي إما السعة في المال أو العافية في النفس، زعم أنه إنما حصل ذلك بكسبه وبسبب جهده وجده، فإن كان مالاً قال إنما حصل بكسبـي، وإن كان صحة قال إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني، وهذا تناقض عظيم، لأنه كان في حال العجز والحاجة أضاف الكل إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله، وأسنده إلى كسب نفسه، وهذا تناقض قبيح، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة، فقال {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } يعني النعمة التي خولها هذا الكافر فتنة، لأن عند حصولها يجب الشكر، وعند فواتها يجب الصبر، ومن هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة، كما يقال فتنت الذهب بالنار، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } والمعنى ما قدمنا أن هذا التخويل إنما كان لأجل الاختبار. وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض السؤال والجواب. السؤال الأول: ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء ههنا، وعطف مثلها في أول السورة بالواو؟ والجواب: أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى الله تعالى وحده، كان الفعل الأول مناقضاً للفعل الثاني، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب ههنا. فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال، فلا جرم ذكر الله بحرف الواو لا بحرف الفاء. السؤال الثاني: ما معنى التخويل؟ الجواب: التخويل هو التفضل، يعني نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق. السؤال الثالث: ما المراد من قوله: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ }؟ الجواب: يحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علم الله بكوني مستحقاً لذلك، ويحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقاً له، ويحتمل أن يكون المراد، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضاً فيعالج نفسه، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب. السؤال الرابع: النعمة مؤنثة، والضمير في قوله: {أُوتِيتُهُ } عائد على النعمة، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث، بل قال بعده: {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } فجعل الضمير مؤنثاً فما السبب فيه؟ والجواب: أن التقدير حتى إذا خولناه شيئاً من النعمة، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر، فلا جرم جاز الأمران. ثم قال تعالى: {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ} الضمير في {قالها} راجح إلى قوله: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } عندي لأنها كلمة أو جملة من المقول {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } هم قارون وقومه حيث قال: {أية : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عندي } تفسير : [القصص: 78] وقومه راضون به فكأنهم قالوها، ويجوز أيضاً أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها. ثم قال تعالى: {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي ما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل والقول الفاسد الذي اكتسبوه من عذاب الله شيئاً بل أصابهم سيئات ما كسبوا، ولما بين في أولئك المتقدمين فإنهم أصابهم سيئات ما كسبوا أي عذاب عقائدهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة قال: {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } أي لا يعجزونني في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: {أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } يعني: أو لم يعلموا أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة، ويقبض تارة أخرى، وقوله: {وَيَقْدِرُ } أي ويقتر ويضيق، والدليل عليه أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ولا بد من سبب، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق، ونرى الجاهل المريض الضعيف في أعظم السعة، وليس ذلك أيضاً لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر، قد ولد فيه أيضاً عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان، ويولد أيضاً في تلك الساعة عالم من النبات، فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة، علمنا أنه ليس المؤثر في السعادة والشقاوة هو الطالع، ولما بطلت هذه الأقسام، علمنا أن المؤثر فيه هو الله سبحانه، وصح بهذا البرهان العقلي القاطع على صحة قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ }. قال الشاعر: شعر : فلا السعد يقضي به المشترى ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السما ء وقاضي القضاة تعالى وجل
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا} قيل: إنها نزلت في حُذَيفة بن المغيرة. {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} قال قتادة: {عَلى عِلْمٍ} عندي بوجوه المكاسب، وعنه أيضاً {عَلَى عِلْمٍ} على خير عندي. وقيل: {عَلَى عِلْمٍ} أي على علم من الله بفضلي. وقال الحسن: {عَلَى عِلْمٍ} أي بعلم علمني الله إياه. وقيل: المعنى أنه قال قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله منزلة؛ فقال الله: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} أي بل النعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها. قال الفراء: أنث «هي» لتأنيث الفتنة، ولو كان بل هو فتنة لجاز. النحاس: التقدير بل أعطيته فتنة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار. قوله تعالى: {قَدْ قَالَهَا} أنث على تأنيث الكلمة. {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني الكفار قبلهم كقارون وغيره حيث قال: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي». {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} «ما» للجحد أي لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً. وقيل: أي فما الذي أغنى أموالهم؟ فـ«ـما» استفهام. {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي جزاء سيئات أعمالهم. وقد يسمى جزاء السيئة سيئة. {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي أشركوا {مِنْ هَـٰؤُلاَءِ} الأمة {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي بالجوع والسيف. {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين الله ولا سابقيه. وقد تقدّم. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خص المؤمن بالذكر؛ لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع بها. ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكراً واستدراجاً، وتقتيره رفعة وإعظاماً.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى مخبراً عن الإنسان: أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله عز وجل، وينيب إليه، ويدعوه، وإذا خوله نعمة منه، بغى وطغى، وقال: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} أي: لما يعلم الله تعالى من استحقاقي له، ولولا أني عند الله خصيص، لما خولني هذا، قال قتادة: على علم عندي: على خبر عندي. قال الله عز وجل: {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ} أي: ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه؛ أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك، فهي فتنة، أي: اختبار، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} فلهذا يقولون ما يقولون، ويدعون ما يدعون {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: قد قال هذه المقالة، وزعم هذا الزعم، وادعى هذه الدعوى، كثير ممن سلف من الأمم، { فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: فما صح قولهم، ولا منعهم جمعهم وما كانوا يكسبون، {فَأَصَـٰبَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ} أي: من المخاطبين {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي: كما أصاب أولئك، {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} كما قال تبارك وتعالى مخبراً عن قارون أنه قال له قومه: {أية : لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلاَْرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىۤ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [القصص: 76 ــــ 78] وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَٰلاً وَأَوْلَـٰداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} تفسير : [سبأ: 35] وقوله تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي: يوسعه على قوم، ويضيقه على آخرين، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: لعبراً وحججاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَٰنَ } الجنس {ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَٰهُ } أعطيناه {نِعْمَةً} إنعاماً {مّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } من الله بأني له أهل {بَلْ هِىَ } أي القولة {فِتْنَةٌ } بلية يبتلى بها العبد {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن التخويل استدراج وامتحان.
الشوكاني
تفسير : قوله: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ } المراد بالإنسان هنا: الجنس باعتبار بعض أفراده، أو غالبها. وقيل: المراد به الكفار فقط، والأوّل أولى، ولا يمنع من حمله على الجنس خصوص سببه، لأن الاعتبار بعموم اللفظ، وفاء بحقّ النظم القرآني، ووفاء بمدلوله، والمعنى: أن شأن غالب نوع الإنسان أنه إذا مسه ضرّ من مرض، أو فقر، أو غيرهما دعا الله، وتضرع إليه في رفعه، ودفعه {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مّنَّا } أي: أعطيناه نعمة كائنة من عندنا {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } مني بوجوه المكاسب، أو على خير عندي، أو على علم من الله بفضلي. وقال الحسن: على علم علمني الله إياه. وقيل: قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله منزلة، وجاء بالضمير في أوتيته مذكراً مع كونه راجعاً إلى النعمة؛ لأنها بمعنى: الإنعام. وقيل: إن الضمير عائد إلى ما، وهي: موصولة، والأوّل أولى {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } هذا ردّ لما قاله، أي: ليس ذلك الذي أعطيناك لما ذكرت، بل هو محنة لك، واختبار لحالك أتشكر أم تكفر؟ قال الفراء: أنث الضمير في قوله: «هي» لتأنيث الفتنة، ولو قال: بل هو فتنة لجاز. وقال النحاس: بل عطيته فتنة. وقيل: تأنيث الضمير باعتبار لفظ الفتنة، وتذكير الأوّل في قوله: {أُوتِيتُهُ } باعتبار معناها: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك استدراج لهم من الله، وامتحان لما عندهم من الشكر، أو الكفر. {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: قال هذه الكلمة التي قالوها، وهي قولهم: إنما أوتيته على علم الذين من قبلهم كقارون، وغيره، فإن قارون قال: {أية : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِى } تفسير : [القصص: 78] {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يجوز أن تكون "ما" هذه نافية، أي: لم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئاً، وأن تكون استفهامية، أي: أيّ شيء أغنى عنهم ذلك {فَأَصَـٰبَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } أي: جزاء سيئات كسبهم، أو أصابهم سيئات هي جزاء كسبهم، وسمي الجزاء سيئات لوقوعها في مقابلة سيئاتهم، فيكون ذلك من باب المشاكلة كقوله: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40]. ثم أوعد سبحانه الكفار في عصره، فقال: {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـؤُلاَء } الموجودين من الكفار {سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } كما أصاب من قبلهم، وقد أصابهم في الدنيا ما أصابهم من القحط، والقتل، والأسر، والقهر {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } أي: بفائتين على الله بل مرجعهم إليه يصنع بهم ما شاء من العقوبة. {أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء } أي: يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه له {وَيَقْدِرُ } أي: يقبضه لمن يشاء أن يقبضه، ويضيقه عليه. قال مقاتل: وعظهم الله، ليعتبروا في توحيده، وذلك حين مطروا بعد سبع سنين، فقال: أو لم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء، ويقتر على من يشاء {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ } أي: في ذلك المذكور لدلالات عظيمة، وعلامات جليلة {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وخصّ المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بالآيات المتفكرون فيها. ثم لما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد عقبه بذكر سعة رحمته، وعظيم مغفرته، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يبشرهم بذلك، فقال: {قُلْ ياعِبَادِي ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } المراد بالإسراف: الإفراط في المعاصي، والاستكثار منها، ومعنى لا تقنطوا: لا تيأسوا من رحمة الله من مغفرته. ثم لما نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك، ويرفعه، ويجعل الرجاء مكان القنوط، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً }. واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أوّلاً أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى، وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقي بعده شك، ولا يتخالج القلب عند سماعه ظنّ، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ }، فالألف، واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده، فهو في قوّة إن الله يغفر كلّ ذنب كائناً ما كان، إلا ما أخرجه النصّ القرآني، وهو: الشرك {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48، 116]، ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله: {جَمِيعاً } فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه، الخالعين لثياب القنوط الرافضين لسوء الظنّ بمن لا يتعاظمه ذنب،ولا يبخل بمغفرته، ورحمته على عباده المتوجهين إليه في طلب العفو الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم، وما أحسن ما علل سبحانه به هذا الكلام قائلاً: إنه هو الغفور الرحيم، أي: كثير المغفرة، والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما، فمن أبى هذا التفضل العظيم، والعطاء الجسيم، وظنّ أن تقنيط عباد الله، وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم الله به، فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير، وعدم التقنيط الذي جاءت به مواعيد الله في كتابه العزيز، والمسلك الذي سلكه رسوله صلى الله عليه وسلم كما صح عنه من قوله: «حديث : يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا»تفسير : وإذا تقرّر لك هذا، فاعلم أن الجمع بين هذه الآية، وبين قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48، 116] هو: أن كلّ ذنب كائناً ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال: إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعاً يدل على أنه يشاء غفرانها جميعاً، وذلك يستلزم: أنه يشاء المغفرة لكلّ المذنبين من المسلمين، فلم يبق بين الآيتين تعارض من هذه الحيثية. وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين من تقييد هذه الآية بالتوبة، وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين، وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات. فهو: جمع بين الضب، والنون، وبين الملاح، والحادي، وعلى نفسها براقش تجني، ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، وقد قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48، 116]، فلو كانت التوبة قيداً في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة، وقد قال سبحانه: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } تفسير : [الرعد: 6] قال الواحدي: المفسرون كلهم قالوا: إن هذه الآية في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام، كالشرك، وقتل النفس، ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: هب أنها في هؤلاء القوم، فكان ماذا؟، فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم لا بخصوص السبب كما هو متفق عليه بين أهل العلم، ولو كانت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها لارتفعت أكثر التكاليف عن الأمة إن لم ترتفع كلها، واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله. وفي السنة المطهرة من الأحاديث الثابتة في الصحيحين، وغيرهما في هذا الباب ما إن عرفه المطلع عليه حقّ معرفته، وقدره حقّ قدره علم صحة ما ذكرناه، وعرف حقية ما حررناه. قرأ الجمهور: {يا عبادي} بإثبات الياء، وصلا، ووقفا، وروى أبو بكر عن عاصم: أنه يقف بغير ياء. وقرأ الجمهور: {تقنطوا} بفتح النون. وقرأ أبو عمرو، والكسائي بكسرها. {وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } أي: ارجعوا إليه بالطاعة لما بشرهم سبحانه بأنه يغفر الذنوب جميعاً، أمرهم بالرجوع إليه بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي، وليس في هذا ما يدلّ على تقييد الآية الأولى بالتوبة لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، بل غاية ما فيها: أنه بشّرهم بتلك البشارة العظمى، ثم دعاهم إلى الخير، وخوّفهم من الشرّ على أنه يمكن أن يقال: إن هذه الجملة مستأنفة خطاباً للكفار الذين لم يسلموا بدليل قوله: {وَأَسْلِمُواْ لَهُ } جاء بها لتحذير الكفار، وإنذارهم بعد ترغيب المسلمين بالآية الأولى، وتبشيرهم، وهذا، وإن كان بعيداً، ولكنه يمكن أن يقال به، والمعنى على ما هو الظاهر: أن الله جمع لعباده بين التبشير العظيم، والأمر بالإنابة إليه، والإخلاص له، والاستسلام لأمره، والخضوع لحكمه. وقوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ } أي: عذاب الدنيا كما يفيده قوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ }، فليس في ذلك ما يدلّ على ما زعمه الزاعمون، وتمسك به القانطون المقنطون، والحمد لله رب العالمين. {وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ } يعني: القرآن، يقول: أحلوا حلاله، وحرموا حرامه، والقرآن كله حسن. قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معاصيه. وقال السدّي: الأحسن ما أمر الله به في كتابه. وقال ابن زيد: يعني: المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه. وقيل: الناسخ دون المنسوخ. وقيل: العفو دون الانتقام بما يحق فيه الانتقام. وقيل: أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } أي: من قبل أن يفاجئكم العذاب، وأنتم غافلون عنه لا تشعرون به. وقيل: أراد أنهم يموتون بغتة، فيقعون في العذاب. والأوّل أولى، لأن الذي يأتيهم بغتة هو: العذاب في الدنيا بالقتل، والأسر، والقهر، والخوف، والجدب، لا عذاب الآخرة، ولا الموت، لأنه لم يسند الإتيان إليه. {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } قال البصريون: أي حذراً أن تقول. وقال الكوفيون: لئلا تقول. قال المبرد: بادروا خوف أن تقول، أو حذراً من أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها: يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله. قيل: والمراد بالنفس هنا: النفس الكافرة. وقيل: المراد به التكثير كما في قوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } تفسير : [التكوير: 14] قرأ الجمهور: {يا حسرتا} بالألف بدلاً من الياء المضاف إليها، والأصل: يا حسرتي، وقرأ ابن كثير: (يا حسرتاه) بهاء السكت وقفا، وقرأ أبو جعفر: (يا حسرتي) بالياء على الأصل. والحسرة: الندامة، ومعنى {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ }: على ما فرّطت في طاعة الله، قاله الحسن. وقال الضحاك: على ما فرّطت في ذكر الله، ويعني به: القرآن، والعمل به. وقال أبو عبيدة: {فِى جَنبِ ٱللَّهِ } أي: في ثواب الله. وقال الفراء: الجنب القرب، والجوار، أي: في قرب الله، وجواره، ومنه قوله: {أية : وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } تفسير : [النساء: 36]، والمعنى على هذا القول، على ما فرّطت في طلب جنب الله، أي: في طلب جواره، وقربه، وهو: الجنة، وبه قال ابن الأعرابي، وقال الزجاج: أي فرّطت في الطريق الذي هو: طريق الله من توحيده، والإقرار بنبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا، فالجنب بمعنى: الجانب، أي: قصرت في الجانب الذي يؤدّي إلى رضا الله، ومنه قول الشاعر:شعر : للناس جنب والأمير جنب تفسير : أي: الناس من جانب، والأمير من جانب {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ } أي: وما كنت إلا من المستهزئين بدين الله في الدنيا، ومحل الجملة النصب على الحال. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } أي: لو أن الله أرشدني إلى دينه لكنت ممن يتقي الشرك، والمعاصي، وهذا من جملة ما يحتج به المشركون من الحجج الزائفة، ويتعللون به من العلل الباطلة كما في قوله: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } تفسير : [الأنعام: 148]، فهي: كلمة حقّ يريدون بها باطلاً. ثم ذكر سبحانه مقالة أخرى مما قالوا، فقال: {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً } أي: رجعة إلى الدنيا {فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } المؤمنين بالله الموحدين له، المحسنين في أعمالهم، وانتصاب أكون إما لكونه معطوفاً على كرّة، فإنها مصدر، وأكون في تأويل المصدر كما في قول الشاعر:شعر : للبس عباءة وتقرّ عيني أحبّ إليّ من لبس الشفوف تفسير : وأنشد الفرّاء على هذا:شعر : فما لك منها غير ذكرى وخشية وتسأل عن ركبانها أين يمموا تفسير : وإما لكونه جواب التمني المفهوم من قوله: {لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً }. ثم ذكر سبحانه جوابه على هذه النفس المتمنية المتعللة بغير علة، فقال: {بَلَىٰ قَدْ جَاءتْكَ ءايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ }. المراد بالآيات هي: الآيات التنزيلية، وهو: القرآن، ومعنى التكذيب بها قوله: إنها ليس من عند الله، وتكبر عن الإيمان بها، وكان مع ذلك التكذيب، والاستكبار من الكافرين بالله. وجاء سبحانه بخطاب المذكر في قوله: جاءتك، وكذّبت، واستكبرت، وكنت، لأن النفس تطلق على المذكر، والمؤنث. قال المبرد: تقول العرب نفس واحد، أي: إنسان واحد، وبفتح التاء في هذه المواضع قرأ الجمهور. وقرأ الجحدري، وأبو حيوة، ويحيـى بن يعمر بكسرها في جميعها، وهي قراءة أبي بكر، وابنته عائشة، وأمّ سلمة، ورويت عن ابن كثير {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ }، أي: ترى الذين كذبوا على الله بأن له شركاء، وصاحبة، وولدا وجوههم مسودّة لما أحاط بهم من العذاب، وشاهدوه من غضب الله، ونقمته، وجملة: {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } في محل نصب على الحال. قال الأخفش: ترى غير عامل في وجوههم مسودّة، إنما هو: مبتدأ وخبر، والأولى أن ترى إن كانت من الرؤية البصرية، فجملة: {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } حالية، وإن كانت قلبية، فهي في محل نصب على أنها المفعول الثاني لترى، والاستفهام في قوله: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْمُتَكَبّرِينَ } للتقرير، أي: أليس فيها مقام للمتكبرين عن طاعة الله، والكبر هو: بطر الحقّ، وغمط الناس كما ثبت في الحديث الصحيح. {وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } أي: اتقوا الشرك، ومعاصي الله، والباء في: {بِمَفَازَتِهِمْ } متعلقة بمحذوف هو: حال من الموصول، أي: ملتبسين بمفازتهم. قرأ الجمهور {بمفازتهم} بالإفراد على أنها مصدر ميميّ. والفوز: الظفر بالخير، والنجاة من الشرّ. قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، وهو: السعادة، وإن جمع، فحسن كقولك: السعادة، والسعادات. والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم، أي: بنجاتهم من النار، وفوزهم بالجنة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: "بمفازاتهم" جمع مفازة، وجمعها مع كونها مصدراً لاختلاف الأنواع، وجملة: {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوء } في محل نصب على الحال من الموصول، وكذلك جملة: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في محل نصب على الحال، أي: ينفي السوء، والحزن عنهم، ويجوز أن تكون الباء في بمفازتهم للسببية، أي: بسبب فوزهم مع انتفاء مساس السوء لهم، وعدم وصول الحزن إلى قلوبهم؛ لأنهم رضوا بثواب الله، وأمنوا من عقابه. وقد أخرج ابن أبي حاتم - قال السيوطي بسند صحيح، وابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت: {قُلْ ياعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ } الآية في مشركي أهل مكة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: كنا نقول ليس لمفتتن توبة، وما الله بقابل منه شيئاً، عرفوا الله، وآمنوا به، وصدقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم، وكانوا يقولونه لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ } الآيات؛ قال ابن عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاصي وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي سعد قال: لما أسلم وحشي أنزل الله: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الفرقان: 68] قال وحشيّ، وأصحابه: فنحن قد ارتكبنا هذا كله، فأنزل الله {قُلْ ياعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ } الآية. وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه، وهم يضحكون، ويتحدّثون، فقال: حديث : والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً»تفسير : ثم انصرف، وأبكى القوم، وأوحى الله إليه: يا محمد لم تقنط عبادي فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : أبشروا، وسدّدوا، وقاربوا»تفسير : وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت، فيمن أفتن. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس: أنها نزلت في مشركي مكة لما قالوا: إن الله لا يغفر لهم ما قد اقترفوه من الشرك، وقتل الأنفس، وغير ذلك. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ثوبان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما أحبّ أن لي الدنيا، وما فيها بهذه الآية: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ }» تفسير : إلى آخر الآية، فقال رجل: ومن أشرك؟، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حديث : ألا، ومن أشرك ثلاث مرات». تفسير : وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم، وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: "حديث : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله: إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم"تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود: أنه مرّ على قاض يذكر الناس، فقال: يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ: {يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ } الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال: قال عليّ: أيّ آية أوسع؟، فجعلوا يذكرون آيات من القرآن {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } تفسير : [النساء: 11] الآية، ونحوها، فقال علي: ما في القرآن أوسع آية من {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } الآية قال: قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول لهؤلاء: {أية : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [المائدة: 74] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولاً من هؤلاء من قال {أية : أَنَا رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النازعات: 24]، وقال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } تفسير : [القصص: 38] قال ابن عباس: ومن آيس العباد من التوبة بعد هذا، فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ } قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وعلمهم قبل أن يعلموا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فإذا مسّ الإنسان ضرٌّ دعانا} قيل إنها نزلت في أبي حذيفة. ابن المعيرة. {ثم إذا خوّلناه نعمة منا قال إنما أوتيتُه على عِلمٍ} فيه خسمة أوجه: أحدها: على علم برضاه عني، قاله ابن عيسى. الثاني: بعلمي، قاله مجاهد. الثالث: بعلم علمني الله إياه، قاله الحسن. الرابع: علمت أني سوف أصيبه: حكاه النقاش. الخامس: على خبر عندي، قاله قتادة. {بل هي فتنة} فيه وجهان: أحدهما: النعمة لأنه يمتحن بها. الثاني: المقالة التي اعتقدها لأنه يعاقب عليها. {ولكن أكثرهم لا يعلمون} البلوى من النعمى.
ابن عطية
تفسير : هذه حجة تلزم عباد الأوثان التناقض في أعمالهم، وذلك أنهم يعبدون الأوثان ويعتقدون تعظيمها، فإذا أزفت آزفة ونالت شدة نبذوها ونسوها ودعوا الخالق المخترع رب السماوات والأرض. و: {الإنسان} في هذه الآية للجنس. و: {خولناه} معناه: ملكناه. قال الزجاج وغيره:التخويل: العطاء عن غير مجازاة. والنعمة هنا: عامة في جميع ما يسديه الله إلى العبد، فمن ذلك إزالة الضر المذكور، ومن ذلك الصحة والأمن والمال، وتقوى الإشارة إليه في الآية بقوله: {إنما أوتيته على علم} وبقوله آخراً {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}، وبذكر الكسب، وكذلك الضمير في: {أوتيته} وذلك يحتمل وجوهاً، منها: أن يريد بالنعمة المال كما قدمناه، ومنها أن يعيد الضمير على المذكور، إذ اسم النعمة يعم ما هو مذكر وما هو مؤنث، ومنها: أن يكون "ما" في قوله: {إنما} بمعنى الذي، وعلى الوجهين الأولين كافة. وقوله: {على علم} في موضع نصب على الحال مع أن تكون "ما" كافة، وأما إذا كانت بمعنى الذي، فـ {على علم} في موضع خبر "إن" ودال على الخبر المحذوف، كأنه قال: هو على علم، يحتمل أن يريد على علم مني بوجه المكاسب والتجارات وغير ذلك، قاله قتادة. ففي هذا التأويل إعجاب بالنفس وتعاط مفرط ونحو هذا، ويحتمل أن يريد على علم من الله في، وشيء سبق لي، واستحقاق حزته عند الله لا يضرني معه شيء، ففي هذا التأويل اغترار بالله تعالى وعجز وتمن على الله. ثم قال تعالى: {بل هو فتنة} أي ليس الأمر كما قال، بل هذه الفعلة به فتنة له وابتلاء. ثم أخبر تعالى عمن سلف من الكفرة أنهم قالوا هذه المقالة كقارون وغيره، وأنهم ما أغنى عنهم كسبهم واحتجانهم للأموال، فكذلك لا يغني عن هؤلاء. ثم ذكر تعالى على جهة التوعد لهؤلاء في نفس المثال أن أولئك أصابهم {سيئات ما كسبوا} وأن الذين ظلموا بالكفر من هؤلاء المعاصرين لك {سيصيبهم سيئات ما كسبوا} (وأن الذين ظلموا بالكفر ما أصاب المتقدمين) وهذا خبر من الله تعالى أبرزه الوجود في يوم بدر وغيره. و: {معجزين} معناه مفلتين وناجين بأنفسهم. ثم قرر على الحقيقة في أمر الكسب وسعة النعم فقال: {أولم يعلموا أن الله} هو الذي {يبسط الرزق} لقوم ويضيقه على قوم بمشيئته وسابق علمه، وليس ذلك لكيس أحد ولا لعجزه. {ويقدر} معناه: يضيق كما قال: {أية : ومن قدر عليه رزقه} تفسير : [الطلاق: 7].
ابن عبد السلام
تفسير : {فَإِذَا مّسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ} نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة {عَلَى عِلْمٍ} عندي: على خبر عندي، أو بعلمي، أو علمت أن سوف أصيبه أو علم يرضاه عني، أو بعلم علمنيه الله إياه "ح" {بَلْ هِىَ} النعمة، أو مقالته: أوتيته على علم {فِتْنَةٌ} بلاء، أو اختبار {لا يَعْلَمُونَ} البلاء من النعماء.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ثم إذا خوّلناه نعمة منا} قال: أعطيناه {قال إنما أوتيته على علم} أي على شرف أعطانيه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ثم إذا خوّلناه نعمة منا} قال: أعطيناه. وعن قتادة في قوله {إنما أوتيته على علم} قال: على خبر عندي {بل هي فتنة} قال: بلاء. وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله {قد قالها الذين من قبلهم} الأمم الماضية {والذين ظلموا من هؤلاء} قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
السلمي
تفسير : قال الجنيد - رحمة الله عليه -: من يرَ البلاء ضرًا فليس بعارف فإن العارف من يرى الضر على نفسه رحمةً والضُرُّ على الحقيقة ما يصيب القلوب من القسوة والران والنعمة هى إقبال القلوب على الله ومن يرى النعمة على نفسه من حيث الاستحقاق فقد جحد النعمة.
القشيري
تفسير : في حال الضُّرِّ يتبرَّؤون من الاستحقاق والحوْلِ والقوة، فإذا كَشَفَ عنهم البلاَءَ وقعوا في مغاليطهم، وقالوا: إنما أوتينا هذا باستحقاقٍ مِنَّا، قال تعالى: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} ولكنهم لم يعلموا، ثم أخبر أن الذين مِنْ قَبْلِهم مثلَ هذا قالوا وحسبوا، ولم يحصلوا إلا على مغاليطهم، فأصابهم شؤمُ ما قالوا، وهؤلاء سيصيبهم أيضاً مِثْلُ ما أصاب أولئك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا} شكر الله سبحانه عن المدعين الذين يقولون نحن اهله فاذا وصل اليهم بلاؤه فزعوا اليه ليرفع عنهم البلاء ولا يفزعون اليه من وجدان ذوق رؤية المبلى فى بلائه ليستزيد وامنه الذوق بل يطلبون منه راحة انفسهم وهم مشركون فى طريق المعرفة واذا وصل اليهم نعمة الظاهر تركوه واحتجبوا بها فاذا هم الحجاب من كلا الطريقين احتجبوا بالبلاء من المبلى بالنعمة من المنعم قال الجنيد من يرى البلاء ضرا فليس بعارف فان العارف من يرى الضر على نفسه رحمة والضر على الحقيقة ما يطيب القلوب من القسوة والران والنعمة هى اقبال القلوب على الله ومن راى النعمة على نفسه من حيث الاستحقاق فقد حجد النعمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا مس الانسان ضر دعانا} اخبار عن الجنس بما يفعله غالب افراده والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها اى ان المشركين ليشمئزون عن ذكر الله وحده ويستبشرون بذكر الآلهة فاذا مسهم ضر اى اصابهم سوء حال من مرض وفقر ونحوهما دعوا لدفعه من اشمأزوا عن ذكره وهو الله تعالى لمناقضتهم وتعكيسهم في التسبب حيث جعلوا الكفر سببا فى الالتجاء الى الله بان اقاموه مقام الايمان مع ان الواجب ان يجعل الايمان سببا فيه {ثم اذا خولناه نعمة منا} اعطيناه اياها تفضلا فان التخويل مختص بما كان بطريق التفضل لا يطلق على ما اعطى بطريق الجزاء {قال انما اوتيته على علم} اى على علم منى بوجوه كسبه: يعنى [وجوه كسب وتحصيل آنرا دانستم وبكياست وكفايت من حاصل شد] او بانى ساعطاه لمالى من الفضل والاستحقاق او على علم من الله باستحقاقى: يعنى [خدا دانست كه من مستحق اين نعمتم] والهاء لما ان جعلت موصولة بمعنى ان الذى اوتيته وللنعمة ان جاءت كافة والتذكير لما ان المراد شىء من النعمة وقسم منها ثم قال تعالى ردا لما قاله {بل} [نه جنين است ميكويد] {هى} اى النعمة ويجوز ان يكون تأنيث الضمير باعتبار الخبر وهو قوله {فتنة} للانسان اى محنة وابتلاء له أيشكر ام يكفر تقول فتنت الذهب اذا ادخلته النار لتنظر ما جودته وتختبره {ولكن اكثرهم} اى اكثر الناس {لا يعلمون} ان التخويل استدارج وامتحان
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا مَسَّ الإِنسانَ} أي: جنسه {ضُرٌّ}: فقر أو غيره {دعانا} معرضاً عما سوانا. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من ذكر حالتي أهل الشرك القبيحتين، وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم، أي: إنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسّهم الضر دعوا مَن اشمأزوا عن ذكره، دون مَن استبشروا بذكره، فناقضوا فعلهم. فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكّد المعترَض بينه وبينه؟ قلت: ما في الاعتراض من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، بأمر من الله، وقوله: {أنت تحكم بين عبادك}، ثم ما عقّبه من الوعد العظيم، تأكيد لإنكار اشمئزازهم، واستبشارهم، ورجوعهم إلى الله في الشدائد، دون آلهتهم، كأنه قيل: قل: يا ربّ لا يحكم بيني وبين هؤلاء، الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة، إلا أنت، ثم هددهم بقوله: ولو أن لهؤلاء الظلمة ما في الأرض جميعاً لافتدوا به. انظر النسفي. {ثم إِذا خوَّلناه نعمةً منا}: أعطيناه إياها، تفضُّلاً؛ فإن التخويل مختص به، لا يطلق على ما أعطى جزاء، فإذا أعطيناه ذلك {قال إِنما أُوتيته} أي: ذلك التخويل أو الإنعام {على عِلْم} مني بوجوه كسبه، كما قال قارون: {أية : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى}تفسير : [القصص: 78] أو: على علم مني بأني سأُعطاه، لِما فيّ من فضل واستحقاق، أو: على علم من الله تعالى باستحقاقي لذلك المال، فتذكير الضمير إما لعوده على التخويل المأخوذ من {خولناه}، أو: بتأويل النعمة بمعنى الإنعام، أو: المراد بشيء من النعمة، أو: يعود على "ما" إذا قلنا: موصولة، لا كافة، أي: إن الذي أوتيته على علم مني. قال تعالى: {بل هي فتنةٌ} أي: ليس ما خوَّلناه نعمة؛ بل هي محنة وابتلاء له؛ ليظهر كفره أو شكره. ولما كان الخبر مؤنثاً ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقرىء: "بل هو فتنة". {ولكنَّ أكْثَرَهُم لا يعلمون} أنَّ الأمر كذلك، وأنَّ التخويل إنما كان فتنة، وفيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس. {قد قالها الذين مِن قبلهم} أي: قد قال هذه المقالة، وهي: {إنما أوتيته على علم} من قبلهم، كقارون وقومه، قال قارون: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} تفسير : [القصص:78] وقومه راضون بمقالته، فكأنهم قالوها معه. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها. {فما أَغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من متاع الدنيا، وما جمعوا منها شيئاً حتى ينزل بهم العذاب، {فأصابهم سيئاتُ ما كَسَبُوا} أي: جزاء سيئات ما كسبوا، وهو العذاب في الدنيا والآخرة، أو: سمّي جزاء السيئة سيئة؛ للازدواج، كقوله: {أية : وَجَزآؤُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] أي: فأصابهم وبال ما كسبوا، {والذين ظلموا من هؤلاء}: المشركين، يعني قريشاً، {سيُصِيبهُم سيئاتُ ما كسبوا} من الكفر والمعاصي، كما أصاب أولئك. والسين للتأكيد. وقد أصابهم ذلك، حيث قحطوا سبع سنين، وقتل صناديدهم يوم بدر. {وما هم بمُعْجزين}: بفائتين من عذاب الله. الإشارة: هذه الخصال الذميمة تُوجد في كثير من هذه الأمة، إذا أصابت العبد شدة أو قهرية رجع إلى الله، فإذا فرّج عنه بسب عادي كما هو دأب عالم الحكمة، أسند الفرج إلى ذلك السبب، فيقول: فلان فرّج عني، أو الدواء الفلاني شفاني، وهو شرك، كاد أن يكون جليّاً. والواجب: النظر إلى فعل الله وقدرته، وإسقاط الوسائط من نظره، ولو وجدت حكمةً، فالكمال فعلها وجوداً، والغيبة عنها شهوداً. وبالله التوفيق. ثم ذكر ما جرت به عادته في خلقه، من تعاقب العسر واليسر، والقبض والبسط، فقال: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ}.
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ} اى اذا مسّهم ووضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بانّ هذا فى فطرة الانسان، والفاء لسببيّة ما بعدها لما قبلها، او عاطفة على جملة اذا ذكر الله (الى آخرها)، او على جملة لو انّ للّذين ظلموا {الى آخرها) ودالّة على التّرتيب فى الاخبار {ضُرٌّ دَعَانَا} لظهور فطرته حينئذٍ وعدم احتجابها بحجب الوهم والخيال واقتضائها التّعلّق بالله والتّضرّع اليه {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا} وظهر الخيال بانانيّته ونسى حال تضرّعه ودعائه {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} منّى بطرق كسبه او على علمٍ باتيانه لانّى علمت انّ الله يعطينى ذلك لمكانى عنده {بَلْ} ليس اتيانه بكسبه ولا بشعورٍ منه باتيانه انّما {هِيَ فِتْنَةٌ} من الله وفسادٌ له او امتحان له لئلاّ يبقى عليه شوبٌ من العلّيّين حتّى يدخل النّار من غير شوبٍ من العلّيّين {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ليس لهم مقام علمٍ حتّى يعلموا انّ ذلك ينافى مقام علمهم او لا يعلمون انّ ذلك فتنة لهم واستدراج.
الأعقم
تفسير : {فإذا مسّ الانسان ضر دعانا ثم إذا خوّلناه} أعطيناه {نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} برضاه عني فلذلك أعطاني ما أولاني من النعم، وقيل: على علم من الله بأني له أهلٌ {بل هي فتنة} أي امتحان من حيث يوجب الشكر، وقيل: هذه الكلمة التي قالها، وقيل: للنعم فتنة أي عذابٌ لهم إذا أضافوها إلى أنفسهم {ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} مواضع النعمة وما يجب فيه من الشكر، وقيل: لا يعقلون عواقب أمرهم {قد قالها الذين من قبلهم} يعني هذه الكلمة، الذين من قبلهم يعني الكفار، وقيل: أراد قارون {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} يعني لم يغني عنهم اكتسابهم شيئاً من العذاب {فأصابهم سيئات ما كسبوا} يعني جزاء ذلك {والذين ظلموا من هؤلاء} الذين كانوا في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وما هم بمعجزين} الله، يعني لا يعجزون الله بالخروج عن قدرته، وقيل: لا يفوتون الله {أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء} أي يوسع على من يشاء من عباده {ويقدر} أي يضيق بحسب المصلحة {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا} الآية نزلت في أهل مكة لما قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر الله له فكيف ولم يهاجروا وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرم الله فنزلت، وقيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة (رضي الله عنه)، حديث : وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أحب أن لي في الدنيا وما فيها بهذه الآية"، فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: "ألا ومن أشرك ثلاث مرات"تفسير : ، وقيل: في قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفاطمة (رضي الله عنها) اغفر الذنوب جميعاً ولا أبالي {انه هو الغفور الرحيم}، وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود: يغفر الذنوب جميعاً، لمن يشاء من تاب لأن مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله، ومعنى اسرفوا جاوزوا الحد في العصيان {لا تقنطوا من رحمة الله} أي لا تيأسوا من رحمته {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} بشرط التوبة {إنه هو الغفور الرحيم} {وأنيبوا إلى ربكم} أي ارجعوا إليه بالطاعة {وأسلموا له} وأخلصوا له العمل وانقادوا في جميع ما آتاكم {من قبل أن يأتيكم العذاب}، قيل: عذاب الاستئصال، وقيل: في وقت النزع {ثم لا تنصرون} أي لا ينصركم {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} مثل قوله: {الذين يتبعون القول فيتبعون أحسنه}، وقيل: اتبعوا القرآن فإنه أحسن شيء أنزل، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، وقيل: الأحسن أن يفعل ما أمر الله به وينهى عمَّا نهى الله عنه {من قبل أن يأتيكم العذاب}، قيل: وقت النزع {بغتة وأنتم لا تشعرون} أي يفاجئكم وأنتم غافلون.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا مَسَّ} الفاء عاطفة على قوله اذا ذكر الله وحده الخ وهى خالية عن السببية وهو خلاف الغالب في الفاء العاطفة للجملة أو فيها معنى السببية كأنه جعل اشمئزازه عن الله سبباً لدعائه الله على وجه التهكم وعكس الأمر والانكار والتعجب حيث أقام الاشمئزاز سبباً للالتجاء وذلك أن الحق أن يؤمن بالله ويلتجئ اليه فتكون ذلك سبباً للدعاية وترك ذلك وجعل مكان الكفر كما تقول مستهزئاً: (أنت قتلت أبا زيد فيكرمك زيد) وكأنه قيل يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر آلهتهم فاذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز عنه دون من استبشر بذكره وما بين ذلك معترض مؤكد لانكار ذلك عليهم كأنه قيل يا محمد لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك هذا الجزاء ونحوها ينقبضون عن ذكرك وحدك ويستبشرون بذكر آلهتهم ولو وحدهن ويدعونك اذا مسهم ضر دونها الا أنت والذين ظلموا عام أو خاص بهم* {الإِنسَانَ} (ال) فيه للجنس بدليل ولكن أكثرهم لا يعلمون* {ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ} أعطيناه تفضيلاً منا عليه لا مكافأة لما فعل ولا لكونه أهلاً. قال الزجاج: التخويل العطاء عن غير مجازاة واعلم أن المعطوف اذا دخل العاطف على (إذا) هوجوا بها وكذا يتسلط العامل عليه فقولهم جواب اذ لا محل له ليس على اطلاقه فحينئذ معنى صدريتها ان عاملها لا يسبقها وكذا مثلها وكنت أعتقد ذلك مدة ثم رأيته للصبان {نِعْمَةً} واحدة وفي هذا تشنيع لأمره بأن يخرج عن العهد بواحدة أو المراد الجمع أو الجنس الصادق على الواحدة وغيرها والمراد بالنعمة المال وغيره* {مِّنَّا} لا من غيرنا ولا مكافأة لصنيع له حسن بل ابتداء منا ففيه التوكيل لمعنى التخويل {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ} الفاء ضمير عايد لما ان جعلت اسماً موصولاً وان جعلت حرفاً كافاً فعائد الى النعمة لتأويلها بالمال كأنه قيل ما أعطيت ذلك المال الا {عَلَى عِلْمٍ} أي لعلم مني بوجوه كسبه كقول قارون على علم عندي أو لعلم من الله بأني أهل له أو كائناً على علم باني سأعطاه لاني أهل له أو لتأويل النعمة بالشيء أو بالقسم أو السهم من النعم أو تأويلها بهذا الحاضر أو المنعم به وفي ذلك اعجاب بالنفس الا قولك لعلم من الله فانه اعجاب بها واعتزاز بالله وليس كما يقول بل هي الضمير للنعمة أو لما نظر لمعنى (ما) فانها واقعة على النعمة أو اللفظ (ما) وأنث للاخبار عنه بالمؤنث كقولهم ما جاءت حاجتك بنصب الحاجة على الخبرية لجاءت واسمه مستتر مؤنث للاخبار عنه بحاجة عائد لمذكر وهو ما الواقعة مبتدأ أو قرئ بل هو للتذكير اعتبارا للفظ (ما) أو لتأويل النعمة بالمذكر كما مر فتنة ابتلاء أيكفر أم يشكر {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ان ذلك ابتلاء واستدراج قيل هذا اشارة الى قارون لقوله انما أوتيته أو هذه الكلمة لاطلاق الكلمة على الجملة كثيراً وقرئ قد قاله بالتذكير على معنى القول والكلام وذلك المذكور
اطفيش
تفسير : {فإذا مَسَّ الإنسان} جنس الكفرة، وان نزلت فى حذيفة بن المغيرة، فمثله كذلك، والعطف على محذوف أى لا صبر للمشركين ولا شكر، أو لا يعرفنا المشركون إلا حال الضراء، فاذا مس الانسان منهم أو العطف على إذا ذكر الله وحده الخ نسبة الى الحمق، اذا أصابهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره، دون من يستبشرون بذكره، كقوله: فلان يسىء الى فلان، واذا احتاج سأله فيعطيه، فيكون ترتيب دعائه تعالى الى كشف الضر مترتبا على اشمئزازهم بذكر الله وحده تعالى، ففى الفاء استعارة تبعية مبنية على جعل الاشمئزاز يترتب عليه الدعاء، والآية بالمعنى فى الموحد أيضا اذا قال مثل ما قال المشركون: " انما أوتيته" الخ كقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب دخلتموه" تفسير : الخ لا باللفظ والنزول، لأن الكلام فى المشركين، ولقوله تعالى: " أية : قد قالها الذين من قبلهم" تفسير : [الزمر: 50] فانه ظاهر فى المشركين. {ضُر} فقرأ أو مرض أو غيرهما مما يكره {دَعَانا} لكشفه، {ثم إذا خوَّلناه} أعطيناه تفضلا، فالتخويل يختص بذلك، ولا يستعمل فيما هو قضاء دين ونحوه أو جزاء {نِعمة منَّا} كمال وصحة وغيرهما، مما هو محبوب {قالَ إنَّما أُوتِيتُه عَلى عِلْمٍ} منى بوجوده التجر والمكاسب والحيل، أو معرفة الأدوية والطب، وهكذا أو على علم منى بأنى سأعطاه، لأنى أهل له، أو على علم من الله بى، والهاء للنعمة والتذكير للتأويل بالشىء المنعم به أو بالمحبوب أو بالمطلوب، أو بتأويل ما ذكر، أو الهاء لما على أنها اسم إن وصلت فى الحظ شذوذاً، أى أن الذى أوتيته ثابت على علم، والأصل خلاف هذا، وهو أن ما حرف كاف اتصل بأن للحصر. {بلْ هِي فِتْنةً} الضمير للنعمة لجواز اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى، ولو كان الأكثر عكس ذلك، أو هى عائد الى المذكر فى قوله: {أوتيته} ولكن أنث لتأنيث الخبر، أو عائد الى الايتاء المعلوم من أوتيت، وأنث لتأنيث الخبر، أو الى الايتاءة كالكرامة، وبل للاضراب الابطالى الى أنه أوتيه امتحانا له، أيكفر أم يشكر، والاخبار بالفتنة مبالغة، لأن تلك الأشياء ليست فتنة بل ألة لها، إلا إذا رجع الضمير الى الايتاء أو الايتاءة، فلا مبالغة فانهما نفس الامتحان {ولكنَّ أكْثَرَهم لا يعْلَمون} إن الأمر كذلك، وهذا يدل على أن الانسان الجنس، وإلا قال لكنه لا يعلم، لا العهد وإلا قال لكنهم لا يعلمون.
الالوسي
تفسير : {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا } إخبار عن الجنس بما يغلب فيه، وقيل: المراد بالإنسان حذيفة بن المغيرة، وقيل: الكفرة {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةً مّنَّا } أي أعطيناه إياها تفضلاً فإن التخويل على ما قيل مختص به لا يطلق على ما أعطى جزاء {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } أي على علم مني بوجوه كسبه أو بأني سأعطاه لما لي من الاستحقاق أو على علم من الله تعالى بـي وباستيجابـي. و(إنما) للحصر أي ما أوتيته لشيء من الأشياء إلا لأجل علم، والهاء للنعمة، والتذكير لتأويلها بشيء من النعم، والقرينة على ذلك التنكير، وقيل: لأنها بمعنى الإنعام، وقيل: لأن المراد بها المال، وقيل: لأنها تشتمل على مذكر ومؤنث فغلب المذكر، وجوز أن يكون لما في {إِنَّمَا } على أنها موصولة أي إن الذي أوتيته كائن على علم ويبعد موصوليتها كتابتها متصلة في المصاحف. {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } رد لقوله ذلك، والضمير للنعمة باعتبار لفظها كما أن الأول لها باعتبار معناها، واعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى جائز وإن كان الأكثر العكس، وجوز أن يكون التأنيث باعتبار الخبر، وقيل: هو ضمير الإتيانة وقرىء بالتذكير فهو للنعمة أيضاً كالذي مر أو للإتيان أي ليس الأمر كما يقول بل ما أوتيه امتحان له أيشكر أم يكفر؟ وأخبر عنه بالفتنة مع أنه آلة لها لقصد المبالغة، ونحو هذا يقال على تقدير عود الضمير للإتيانة أو الإتيان. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن الأمر كذلك وهذا ظاهر في أن المراد بالإنسان الجنس إذ لو أريد العهد لقيل لكنه لا يعلم أو لكنهم لا يعلمون وإرادة العهد هناك وإرجاع الضمير للمطلق هنا على أنه استخدام نظير عندي درهم ونصفه تكلف. والفاء للعطف وما بعدها عطف على قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ }تفسير : [الزمر: 45] الخ وهي لترتيبه عليه والغرض منه التهكم والتحميق، وفيه ذمهم بالمناقضة والتعكيس حيث إنهم يشمئزون عن ذكر الله تعالى وحده ويستبشرون بذكر الآلهة فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره دون من استبشروا بذكره، وهذا كما تقول: فلان يسىء إلى فلان فإذا احتاج سأله فأحسن إليه، ففي الفاء استعارة تبعية تهكمية، وقيل: يجوز أن تكون للسببية داخلة على السبب لأن ذكر المسبب يقتضي ذكر سببه لأن ظهور{أية : مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ}تفسير : [الزمر: 47] الخ مسبب عما بعد الفاء إلا أنه يتكرر مع قوله تعالى الآتي: {أية : وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هؤلاء}تفسير : [الزمر: 51] إلى آخره إن لم يتغايرا بكون أحدهما في الدنيا والآخر في الأخرى، وإلى ما قدمنا ذهب الزمخشري، والجمل الواقعة في البين عليه أعني قوله سبحانه: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ} تفسير : [الزمر: 46] إلى {أية : يَسْتَهْزِئُونَ }تفسير : [الزمر: 48] اعتراض مؤكد للإنكار عليهم، وزعم أبو حيان أن في ذلك تكلفاً واعتراضاً بأكثر من جملتين وأبو علي الفارسي لا يجيز الاعتراض بجملتين فكيف يجيزه بالأكثر؟ وأنا أقول: لا بأس بذلك لا سيما وقد تضمن معنى دقيقاً لطيفاً، والفارسي محجوج بما ورد في كلام العرب من ذلك.
ابن عاشور
تفسير : الفاء لتفريع هذا الكلام على قوله: {أية : وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة}تفسير : [الزمر: 45] الآية وما بينهما اعتراض مسلسل بعضه مع بعض للمناسبات. وتفريع ما بعد الفاء على ما ذكرناه تفريع وصف بعض من غرائب أحوالهم على بعض، وهل أغرب من فزعهم إلى الله وحْده بالدعاء إذا مسهم الضر وقد كانوا يشمئزّون من ذكر اسمه وحده فهذا تناقض من أفعالهم وتعكيس، فإنه تسببُ حديثٍ على حديثٍ وليس تسبباً على الوجود. وهذه النكتة هي الفارقة بين العطف بالفاء هنا وعطف نظيرها بالواو في قوله أول السورة {أية : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه}تفسير : [الزمر: 8]. والمقصود بالتفريع هو قوله: {فإذا مَسَّ الإنسان ضُرٌ دعانا}، وأما ما بعده فتتميم واستطراد. وقد تقدم القول في نظير صدر هذه الآية في قوله: {أية : وإذا مسّ الإِنسان ضرّ دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوّله نعمة منه نسي}تفسير : [الزمر: 8] الآية. وأن المراد بالإِنسان كل مشرك فالتعريف تعريف الجنس، والمرادُ جماعةٌ من الناس وهم أهل الشرك فهو للاستغراق العرفي. والمخالفة بين الآيتين تفنن ولئلا تخلو إعادة الآية من فائدة زائدة كما هو عادة القرآن في القصص المكررة. وقوله: {إنما أوتيته على علم} {إنَّمَا} فيه هي الكلمة المركبة من (إنّ) الكافة التي تصير كلمة تدل على الحصر بمنزلة (مَا) النافية التي بعدها (إلاّ) الاستثنائية. والمعنى: ما أوتيت الذي أوتيتُه من نعمة إلا لعلم منيّ بطرق اكتسابه. وتركيز ضمير الغائب في قوله: {أوتيته} عائد إلى {نِعْمَة} على تأويل حكاية مقالتهم بأنها صادرة منهم في حال حضور ما بين أيديهم من أنواع النعم فهو من عود الضمير إلى ذات مشاهدة، فالضمير بمنزلة اسم الإِشارة كقوله تعالى: {أية : بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم}تفسير : [الأحقاف: 24]. ومعنى قال {إنما أوتيته على علم} اعتقَد ذلك فجرى في أقواله إذ القولُ على وفق الاعتقاد. و {عَلى} للتعليل، أي لأجل عِلمٍ، أي بسبب علم. وخولف بين هذه الآية وبين آية سورة [القصص: 78] في قوله: {أية : على علم عندي}تفسير : فلم يذكر هنا عندي لأن المراد بالعلم هنا مجرد الفطْنة والتدبير، وأريد هنالك علم صَوغ الذهب والفضة والكيمياء التي اكتسب بها قارون من معرفة تدابيرها مالاً عظيماً، وهو علم خاص به، وأما مَا هنا فهو العلم الذي يوجد في جميع أهل الرأي والتدبير. والمراد: العِلم بطرق الكسب ودفع الضرّ كمثل حِيَل النوتيّ في هول البحر. والمعنى: أنه يقول ذلك إذا ذكَّره بنعمة الله عليه الرسولُ صلى الله عليه وسلم أو أحدُ المؤمنين، وبذلك يظهر موقع صيغة الحصر لأنه قصد قلب كلام من يقول له إن ذلك من رحمة الله به. و {بل} للإِضراب الإِبطالي وهو إبطال لزعمهم أنهم أوتوا ذلك بسبب علمهم وتدبيرهم، أي بل إن الرحمة التي أوتوها إنما آتاهم الله إياها ليظهر للأمم مقدار شكرهم، أي هي دالّة على حالة فيهم تشبه حالة الاختبار لمقدار علمهم بالله وشكرهم إياه لأن الرحمة والنعمة بها أثر في المنع عليه إمّا شاكراً وإمّا كفوراً والله عالم بهم وغنيّ عن اختبارهم. وضمير {هِيَ}عائد إلى القول المستفاد من {قال} على طريقة إعادة الضمير على المصدر المأخوذ من فعل نحو {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]، وإنما أُنّث ضميره باعتبار الإِخبار عنه بلفظ {فتنة}، أو على تأويل القول بالكلمة كقوله تعالى: {أية : كلا إنها كلمة هو قائلها}تفسير : [المؤمنون: 100] بعد قوله:{أية : قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت}تفسير : [المؤمنون: 99، 100] والمراد: أن ذلك القول سبب فتنة أو مسبب عن فتنة في نفوسهم. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى {نِعْمَة}. والاستدراك بقوله تعالى: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ناشىء عن مضمون جملة {إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم}، أي لكن لا يعلم أكثر الناس ومنهم القائلون، أنهم في فتنة بما أُوتوا من نعمة إذا كانوا مثل هؤلاء القائلين الزاعمين أن ما هم فيه من خير نتيجةُ مساعيهم وحيلهم. وضمير {أكثرهم} عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور في الكلام إذ لم يتقدم ما يناسب أن يكون له معاداً، والمراد به الناس، أي لكن أكثر الناس لا يعلمون أن بعض ما أوتوه من النعمة في الدنيا يكون لهم فتنة بحسب ما يتلقونها به من قلة الشكر وما يفضي إلى الكفر، فدخل في هذا الأكثر جميع المشركين الذين يقول كل واحد منهم: إنما أوتيته على علم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ} تفسير : [يونس: 12] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فإذا مس الإِنسان ضر دعانا: أي أصاب الإِنسان الكافر ضُر أي مرض وغيره مما يضره دعانا أي سأل كشف ضره. ثم إذا خولناه نعمة منا: ثم إذا خولناه أي أعطيناه نعمة منا من صحة أو مال وغيرهما. قال إنما أوتيته على علم: قال أي ذلك الكافر إنما أوتيت ذلك العطاء على علم من الله بأني استحقه. بل هي فتنة: أي تلك النعمة لم يعطها لأهليته لها، وإنما أعطيها فتنةً واختباراً له. ولكن أكثرهم لا يعلمون: أي أن ما أعطوه من مال وصحة وعافية هو فتنة لهم وليس لرضا الله تعالى عنهم. قد قالها الذين من قبلهم: أي قال قولتهم من كان قبلهم كقارون فلم يلبثوا أن أخذوا فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم: أي والذين ظلموا بالشرك من هؤلاء أي من كفار قريش. سيئات ما كسبوا: أي كما أصاب من قبلهم وقد أصابهم قحط سبع سنين وقتلوا في بدر. وما هم بمعجزين: أي فائتين الله تعالى ولا غالبين له. أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق: أي أقالوا تلك المقالة ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق. لمن يشاء ويقدر: أي يوسعه لمن يشاء امتحاناً، ويضيقه ابتلاء. إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون: أي إن في ذلك المذكور من التوسعة امتحاناً والتضييق ابتلاء لآيات أي علامات على قدرة الله وكمال تدبيره لأمور خلقه. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان حيرة المشركين وفساد قلوبهم نتيجة كفرهم وجهلهم فقوله تعالى: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا} يعني ذاك الكافر الذي إذا ذكر الله وحده اشمأزَّت نفسه وإذا ذكرت الأوثان سُر وفرح واستبشر هذا الإِنسان إذا مسَّه ضرٌّ من مرض أو غيره مما يضر ولا يسر دعا ربَّه منيباً إليه ولم يشرك معه في هذه الحال أحداً لعلمه أن الأوثان لا تكشف ضراً ولا تعطي خيراً، وإذا خوله الله تعالى نعمة من فضله ابتلاء له قال إنَّما أوتيت الذي أوتيت على علم من الله بأني أهل لذلك، فأكذبه الله تعالى فقال بل هي فتنة، ولكن أكثرهم أي أكثر المشركين لا يعلمون أن الله تعالى إذا أعطاهم إنما أعطاهم ليفتنهم لا لحبه لهم ولا لرضاً عنهم. والدليل على أن ذلك العطاء للمشركين فتنة لا غير أن قولتهم هذه قد قالها الذين من قبلهم كقارون وغيره فلم يلبثوا حتى أخذهم الله بذنوبهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون من أموال طائلة، قال تعالى: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} فلم يؤخذوا بدون ذنب بل أخذوا بذنوبهم وهو قوله تعالى {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} وقوله تعالى {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ} أي من كفار قريش سيصيبهم أيضاً سيئات ما كسبوا من الشرك والعناد والظلم، وماهم بمعجزين لله فائتينه أبداً وكيف وقد أصابهم قحط سبع سنين وقتلوا وأسروا في بدر والفتح. وقوله تعالى {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي أقالوا مقالتهم تلك ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً له أيشكر أم يكفر ويقدر أي يضيق على من يشاء ابتلاء له أيصبر أم يضجر ويسخط فلم يكن بسطه الرزق حباً في المبسوط له، ولا التضييق كرهاً للمضيق عليه، وإنما البسط كالتضييق لحكمة التربية والتدبير، ولكن الكافرين لا يعلمون هذا فجهلهم بالحكم جعلهم يقولون الباطل ويعتقدونه أما المؤمنون فلا يقولون مقالتهم لعلمهم ونور قلوبهم فلذا هم يجدون الآيات في مثل هذا التدبير واضحة دالة على علم الله وحكمته وقدرته فيزدادون إيمانا ونوراً وبصيرة. هداية الآيات: 1- بيان تناقض أهل الكفر والجهل والضلال في كل حياتهم لأنهم يعيشون على ظلمة الجهل والكفر. 2- تقرير ما من مصيبة إلا بذنب جلي أو خفي كبير أو صغير. 3- بيان أن بسط الرزق وتضييقه على الأفراد أو الجماعات لا يعود إلى حُب الله للعبد أو كرهه له، وإنما يعود لسنن التربية الإِلهية وحكم التدبير لشؤون الخلق. 4- أهل الإِيمان هم الذين ينتفعون بالآيات والدلائل لأنهم أحياء يبصرون ويعقلون أما أهل الكفر فهم أموات لا يرون الآيات ولا يعقلونها. 5- تهديد الله تعالى للظالمين ووعيده الشديد بأنه سيصيبهم كما أصاب غيرهم جزاء ظلمهم وكسبهم الفاسد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانَ} {خَوَّلْنَاهُ} (49) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الإِنْسَانِ، وَهُوَ هُنَا يَقْصَدُ المُشْرِكِينَ، فَهُوَ إِذَا نَزَلَ بِهِ الضُرُّ وَالبَلاَءُ تَضَرَّعَ إِلَى اللهِ، وَأَنَابَ وَأَخْلَصَ إِلَيهِ الدُّعَاءَ، وَإِذَا كَشَفَ عَنْهُ الضُّرَّ، وَآتَاهُ النِّعْمَةَ، طَغَى وَبَغَى وَكَفَرَ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ آتَاهُ النِّعْمَةَ والمَالَ لأَِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَلَوْلاَ كَرَامَتُهُ عَلَى اللهِ لِمَا أَعْطَاهُ مَا أَعْطَاهُ، وَلَكِنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ هَذَا الإِنْسَانُ، فَإِنَّ اللهَ أَنْعَمَ عَلَيهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِيَخْتَبِرَهُ فِيمَا أَنْعَمَ عَلَيهِ لِيَرَى أَيطِيعُ وَيَشْكُرُ، أَمْ يَطْغَى وَيَكْفُرُ؟ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ مَا يَقُولُونَ، وَيَدَّعُونَ مَا يَدَّعُونَ. خَوّلْنَاه نِعْمَةً - أَعْطَيْنَاهُ إِيَّاهَا تَفَضُّلاً وَإِحْسَاناً. هِيَ فِتْنَةٌ - تِلْكَ النِّعْمَةُ امْتِحَانٌ وَابْتِلاَءٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : رأينا المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى وقالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زُلْفى .. إذا ما طرأ لهم طارئ أو جَدَّ في حياتهم شيء فوق طاقة أسبابهم لا يلجئون الأصنام، ولا إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله، إنما يلجئون إلى الله ويضرعون إليه سبحانه ليكشف عنهم ما هم فيه، وليرفع عنهم البلاء، لماذا؟ لأن هذه هي الفطرة السليمة التي فطر اللهُ الناسَ عليها، والعهد الذي أخذه الله علينا جميعاً ونحن في عالم الذرِّ حين قال سبحانه: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] والإنسان لا يخدع نفسه ولا يسلمها، فإذا أحاط به شر لا تنهض الأسباب لدفعه قال: يا رب وعندها ينسى كبرياءه، وينسى عناده، وينسى تكذيبه للرسل ولا يجد إلا ربه وخالقه وإلهه الحق. وصدق الله: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} تفسير : [الإسراء: 67]. ونلحظ أيضاً أن الإنسان حينما يقع في كرب لا يقدر على دفعه بنفسه ينادي مَنْ حوله، فإذا لم يُجِبْه أحدٌ يقول يا هوه، ومعناها: يا هو يا مَنْ ليس هناك غيره، والمراد الله سبحانه وتعالى. وقوله {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ} [الزمر: 49] أي: أعطيناه {نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} [الزمر: 49] يعني: إنْ أعطيناه نعمة بعد هذا الضر الذي مسَّه سرعان ما ينسى ويعود إلى صَلَفه وغروره الحياتي، لأنه يخاف أن مسألة رفع الضر عنه تُقربه من ربه الذي دعاه، وأن هذا الجميل الذي ساقه إليه ربُّه يعيده إلى الجادة وإلى الاستقامة. فالاستقامة تكاليف ومسئولية هو يكرهها، ولا يريد أنْ يُقيّد نفسه بها، لأن التكليف معناه مَنْع النفس عن شهواتها، وحملها على الطاعات فهو يخاف أن تأسره هذه المسألة، أو تقيد حريته في الشهوات، لذلك قال الحق سبحانه عن الصلاة: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45]. وقوله: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} [الزمر: 49] لها وجهان: إما على علم من الله أنِّي أستحق هذا الخير وإلا ما أعطاني - هذا إنْ كان يعتقد أن الله هو الذي يعطي - أو على علم مني، لأن عندي دقَّةً في التعامل ويقظة، وعندي تجربة ودراية بالأمور ودراسة للنتائج. وهنا يصحح له ربه {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ..} [الزمر: 49] يعني: هذه النعمة فتنة من الله، فلا هي لعلم الله أنك تستحق، ولا هي نتيجة لعلمك ومهارتك {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ..} [الزمر: 49] يعني: ابتلاء واختبار. كما قال سبحانه: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35] نبلو بالشر لنرى مَنْ يصبر، ونبلو بالخير لنرى مَنْ يشكر ومَنْ يطغى. وفي موضع آخر قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} تفسير : [الفرقان: 20]. يعني: كلُّ بعض منا فتنة للبعض الآخر، فالغني فتنةٌ للفقير، والقويُّ فتنة للضعيف، والعكس صحيح ليختبر الحق سبحانه خَلْقه: مَنْ يصبر ومَنْ يجزع، مَنْ يشكر ومَنْ يكفر، مَنْ يرضى ومَنْ ينقم. إذن: ينبغي على الإنسان أنْ يقوم في حركة حياته ما أقامه الله، فكل ما يُجْريه عليه خير، فإذا رأيتَ نعمة عند غيرك وليست عندك فاعلم أن الله ما فضّل هذا عليك، وأنت بصبرك على ما قُدِّر لك وعدم حقدك على أخيك تستطيع أنْ تكون أفضل منه. وتختم الآية بقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 49] أي: هذه الحقائق التي ذُكِرتْ لا يعلمها الكثيرون، وهذا يعني أن القلة تعلم. ثم يوضح الحق سبحانه أن هذه المسألة ليست كلمة نظرية، إنما هي حقيقة لها واقعٌ في تاريخ السابقين، فيقول: {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الزمر: 50] نعم قالها قارون {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} تفسير : [القصص: 78]. ونقول: ما دمتَ قد أوتيته على علم، سواء علم من الله أنك أهلٌ لهذا الخير أو علم عندك ومهارة في العمل والتناول، فها هي النعمة بين يديك، وما عليك إلا أنْ تحفظها، وحِفْظ الشيء الموجود بين يديك أيسَرُ من إيجاده من العدم، فهل تستطيع؟ والمعنى أنني لا أقول لكم كلاماً نظرياً، بل هو واقع يؤيده التاريخ، فقد قالها قارون واغترَّ بها، ثم خسفنا به وبداره الأرض وهنا نشأتْ قضية: إذا كنتَ قد أوتيته على علم فاحفظه أيضاً على علم، لكن ما دام الأمر قد تخلَّى عنك في الحفظ وهو يسير، فأنت في الإيجاد أشدّ تخيلاً. نعم {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الزمر: 50] لأن الله خسف بقارون وبداره أيضاً، فلم تذهب النعمة والثروة فحسب، بل طال الانتقام حتى الأرض والمكان الذي يعيش عليه ويبيت فيه ويستريح عليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضر، من مرض أو شدة أو كرب. { دَعَانَا } ملحا في تفريج ما نزل به { ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا } فكشفنا ضره وأزلنا مشقته، عاد بربه كافرا، ولمعروفه منكرا. و { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ } أي: علم من اللّه، أني له أهل، وأني مستحق له، لأني كريم عليه، أو على علم مني بطرق تحصيله. قال تعالى: { بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ } يبتلي اللّه به عباده، لينظر من يشكره ممن يكفره. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فلذلك يعدون الفتنة منحة، ويشتبه عليهم الخير المحض، بما قد يكون سببا للخير أو للشر. قال تعالى: { قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: قولهم { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ } فما زالت متوارثة عند المكذبين، لا يقرون بنعمة ربهم، ولا يرون له حقا، فلم يزل دأبهم حتى أهلكوا، ولم يغن { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } حين جاءهم العذاب. { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا } والسيئات في هذا الموضع: العقوبات، لأنها تسوء الإنسان وتحزنه. { وَالَّذِينَ ظَلَمُوا من هؤلاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا } فليسوا خيرا من أولئك، ولم يكتب لهم براءة في الزبر. ولما ذكر أنهم اغتروا بالمال، وزعموا - بجهلهم - أنه يدل على حسن حال صاحبه، أخبرهم تعالى، أن رزقه، لا يدل على ذلك، وأنه { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ } من عباده، سواء كان صالحا أو طالحا { وَيَقْدِرُ } الرزق، أي: يضيقه على من يشاء، صالحا أو طالحا، فرزقه مشترك بين البرية، والإيمان والعمل الصالح يخص به خير البرية. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي: بسط الرزق وقبضه، لعلمهم أن مرجع ذلك، عائد إلى الحكمة والرحمة، وأنه أعلم بحال عبيده، فقد يضيق عليهم الرزق لطفا بهم، لأنه لو بسطه لبغوا في الأرض، فيكون تعالى مراعيا في ذلك صلاح دينهم الذي هو مادة سعادتهم وفلاحهم، واللّه أعلم.
همام الصنعاني
تفسير : 2637- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: [{إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ}: عندي] [الآية: 49]، قال: على خيرٍ عندي؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):