Verse. 4109 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

فَاَصَابَہُمْ سَـيِّاٰتُ مَا كَسَبُوْا۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ ظَلَمُوْا مِنْ ہٰۗؤُلَاۗءِ سَيُصِيْبُہُمْ سَـيِّاٰتُ مَا كَسَبُوْا۝۰ۙ وَمَا ہُمْ بِمُعْجِزِيْنَ۝۵۱
Faasabahum sayyiatu ma kasaboo waallatheena thalamoo min haolai sayuseebuhum sayyiatu ma kasaboo wama hum bimuAAjizeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأصابهم سيئات ما كسبوا» أي جزاؤها «والذين ظلموا من هؤلاء» أي قريش «سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين» بفائتين عذابنا فقحطوا سبع سنين ثم وسع عليهم.

51

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} جزاء سيئات أعمالهم أو جزاء أعمالهم، وسماه سيئة لأنه في مقابلة أعمالهم السيئة رمزاً إلى أن جميع أعمالهم كذلك. {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بالعتو. {مِنْ هَـؤُلاَءِ } المشركين و {مِنْ } للبيان أو للتبعيض. {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُواْ } كما أصاب أولئك، وقد أصابهم فإنهم قحطوا سبع سنين وقتل ببدر صناديدهم. {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين. {أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } حيث حبس عنهم الرزق سبعاً ثم بسط لهم سبعاً. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بأن الحوادث كلها من الله بوسط أو غيره. {قُلْ يَا&#1648 عِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } أفرطوا في الجناية عليها بالإِسراف في المعاصي، وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن. {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } لا تيأسوا من مغفرته أولاً وتفضله ثانياً. {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } عفواً ولو بَعْدَ بُعْدٍ، تقييده بالتوبة خلاف الظاهر ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الآية، والتعليل بقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } على المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة، وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في {عِبَادِى } من الدلالة على الذلة، والإِختصاص المقتضيين للترحم، وتخصيص ضرر الإِسراف بأنفسهم والنهي عن القنوط مطلقاً عن الرحمة فضلاً عن المغفرة، وإطلاقها وتعليله بأن الله يغفر الذنوب جميعاً، ووضع اسم {ٱللَّهِ } موضع الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإِطلاق والتأكيد بالجميع. وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال «حديث : ما أحب أن تكون لي الدنيا وما فيها بها، فقال رجل يا رسول الله ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات»تفسير : وما روي أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الوثن وقتل النفس بغير حق لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس فنزلت. وقيل في عياش والوليد بن الوليد في جماعة افتتنوا أو في الوحشي لا ينفي عمومها وكذا قوله: {وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} بأنها لا تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب لتغني عن التوبة والإِخلاص في العمل وتنافي الوعيد بالعذاب. {وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ } القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه، والعزائم دون الرخص أو الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة. {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } بمجيئه فتتداركوا. {أَن تَقُولَ نَفْسٌ } كراهة أن تقول وتنكير {نَفْسٌ } لأن القائل بعض الأنفس أو للتكثير كقول الأعشى:شعر : وَرُبَّ بَقِيعَ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّه أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضبا تفسير : {يَا حَسْرَتِىٰ} وقرىء بالياء على الأصل. {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ} بما قصرت. {فِى جَنبِ ٱللَّهِ } في جانبه أي في حقه وهو طاعته. قال سابق البربري:شعر : أَمَا تَتَّقِينَ الله فِي جَنْبٍ وَامِق لَهُ كبدٌ حَرّى عَلَيْكَ تَقَطَّع تفسير : وهو كناية فيها مبالغة كقوله:شعر : إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالمُرُوءَةَ وَالنَّدَى فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الحَشْرَجِ تفسير : وقيل ذاته على تقدير مضاف كالطاعة وقيل في قربه من قوله تعالى:{والصَّاحِب بالجنب} وقرىء «في ذكر الله». {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ } المستهزئين بأهله ومحل {إِن كُنتَ } نصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } أي جزاؤها {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَٱؤُلاَءِ } أي قريش {سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين عذابنا فقحطوا سبعَ سنين ثم وسع عَليهم.

النسفي

تفسير : {فَأَصَـٰبَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } أي جزاء سيئات كسبهم، أو سمى جزاء السيئة سيئة للازدواج كقوله: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40]. {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } كفروا {مِنْ هَـؤُلآءِ} أي من مشركي قومك {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } أي سيصيبهم مثل ما أصاب أولئك، فقتل صناديدهم ببدر وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين من عذاب الله، ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم {أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ } ويضيق. وقيل: يجعله على قدر القوت {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بأنه لا قابض ولا باسط إلا الله عز وجل. {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ } وبسكون الياء: بصري وحمزة وعلي {أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلو فيها {لاَ تَقْنَطُواْ } لا تيأسوا، وبكسر النون: علي وبصري {مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } بالعفو عنها إلا الشرك، وفي قراءة النبي عليه السلام يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله {أية : وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا }تفسير : [الشمس: 16]. قيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية»تفسير : {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ } بستر عظائم الذنوب {ٱلرَّحِيمُ} بكشف فظائع الكروب {وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ } وتوبوا إليه {وَأَسْلِمُواْ لَهُ } وأخلصوا له العمل {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب {وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ } مثل قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ }تفسير : وقوله {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } أي يفجؤكم وأنتم غافلون كأنكم لا تخشون شيئاً لفرط غفلتكم. {أَن تَقُولَ } لئلا تقول {نَفْسٌ } إنما نكرت لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم، ويجوز أن يراد التكثير {يٰحَسْرَتَىٰ } الألف بدل من ياء المتكلم، وقرىء: {يا حسرتي} على الأصل و{يا حسرتاي} على الجمع بين العوض والمعوض منه {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ} قصرت و«ما» مصدرية مثلها في {أية : بِمَا رَحُبَتْ }تفسير : [التوبة: 25] {فِى جَنبِ ٱللَّهِ } في أمر الله أو في طاعة الله أو في ذاته، وفي حرف عبد الله في ذكر الله والجنب الجانب يقال: أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته، وفلان لين الجانب والجنب، ثم قالوا: فرط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه، وهذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه، ومنه الحديث: «حديث : من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل»تفسير : أي لأجله، وقال الزجاج: معناه فرط في طريق الله وهو توحيده والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ } المستهزئين. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. ومحل {وَإِن كُنتُ } النصب على الحال كأنه قال: فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى } أي أعطاني الهداية {لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } من الذين يتقون الشرك، قال الشيخ الإمام أبو منصور رحمه الله تعالى: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم: {أية : لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ }تفسير : [إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا، والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا. والحاصل أن عند الله لطفاً من أعطى ذلك اهتدى، وهو التوفيق والعصمة ومن لم يعطه ضل وغوى، وكان استحبابه العذاب وتضييعه الحق بعدما مكن من تحصيله لذلك {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً } رجعة إلى الدنيا {فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } من الموحدين {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } «بلى» رد من الله عليه كأنه يقول: بلى قد جاءتك آياتي وبينت لك الهداية من الغواية وسبيل الحق من الباطل ومكنتك من اختيار الهداية على الغواية واختيار الحق على الباطل، ولكن تركت ذلك وضيعته واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك، و{بَلَىٰ } جواب لنفي تقديري لأن المعنى: لو أن الله هداني ما هديت وإنما لم يقرن الجواب به، لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس على ترتيبها ثم الجواب من بينها عما اقتضى الجواب.

الخازن

تفسير : {فأصابهم سيئات ما كسبوا} أي جزاؤها وهو العذاب ثم أوعد كفار مكة فقال تعالى {والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين} أي بفائتين لأن مرجعهم إلى الله تعالى: {أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء} أي يوسع الرزق لمن يشاء {ويقدر} أي يقتر ويقبض على من يشاء {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي يصدقون. قوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآية "حديث : أن ناساً من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا وانتهكوا الحرمات فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا بأن لما عملنا كفارة فنزلت والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر إلى قوله فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات قال يبدل شركهم إيماناً وزناهم إحصاناً ونزلت {قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}"تفسير : أخرجه النسائي. وعن ابن عباس أيضاً قال "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثاماً يضاعف له العذاب وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله تعالى {أية : إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} تفسير : [الفرقان: 70] فقال: وحشي هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله تعالى {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48] فقال وحشي أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} فقال وحشي نعم هذا فجاء فأسلم" وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا به فأنزل الله تعالى هذه الآية فكتبها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا جميعاً وهاجروا. وعن ابن عمر أيضاً قال كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت {أية : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} تفسير : [محمد: 33]، فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقلنا الكبائر والفواحش قال فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا هلك فنزلت هذه الآية فكففنا عن القول في ذلك وكنا إذا رأينا من أصحابنا من أصاب شيئاً من ذلك خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له وقوله {أسرفوا على أنفسهم} أي تجاوزوا الحد في كل فعل مذموم قيل هو ارتكاب الكبائر وغيرها من الفواحش {لا تقنطوا من رحمة الله} أي لا تيأسوا من رحمة الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله من الكبائر {إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} فإن قلت حمل هذه الآية على ظاهرها يكون إغراء بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يمكن. قلت المراد منها التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب، فإن اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله إذ لا أحد من العصاة إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة فمعنى قوله {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} أي إذا تاب وصحت التوبة غفرت ذنوبه ومن مات قبل أن يتوب فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى فإن شاء غفر له وعفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته فالتوبة واجبة على كل أحد وخوف العقاب مطلوب فلعل الله تعالى يغفر مطلقاً ولعله يعذب ثم يعفو بعد ذلك والله أعلم. (فصل في ذكر أحاديث تتعلق بالآية) روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل المسجد فإذا قاصّ يقص وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال لم تقنط الناس ثم قرأ {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} حديث : عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} ولا يبالي تفسير : أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب (ق). عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنساناً ثم خرج يسأل هل له توبة فأتى راهباً فسأله فقال هل لي من توبة قال لا فقتله وجعل يسأل فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فضرب صدره تخوفاً فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينها فوجد أقرب إلى هذه بشبر فغفر له"تفسير : لفظ البخاري ولمسلم قال "فدل على راهب فأتاه فقال له إن رجلاً قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة فقال لا فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدلَّ على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة قال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وإلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض الذي أراد فقبضته ملائكة الرحمة" (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل أسرف على نفسه وفي رواية لم يعمل خيراً قط وفي رواية لم يعمل حسنة قط فلما حضره الموت قال لبنيه إذا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر على ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً فلما مات فعل به ذلك فأمر الله تعالى الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت قال خشيتك يا رب أو قال مخافتك فغفر له بذلك"تفسير : وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : كان في بني إسرائيل رجلان متحابان أحدهما مذنب والآخر في العبادة مجتهد فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول له أقصر فوجده يوماً على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت عليّ رقيباً فقال والله لا يغفر لك الله أو قال لا يدخلك الجنة فقبض الله أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال الرب تبارك وتعالى للمجتهد أكنت على ما في يدي قادراً وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار"تفسير : قال أبو هريرة "تكلم والله بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" أخرجه أبو داود عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : قال الله عز وجل يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" تفسير : أخرجه الترمذي، قوله عنان السماء العنان السحاب وقيل هو ما عن لك منها وقراب الأرض بضم القاف هو ما يقارب ملأها.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاصابهم} [بس رسيد ايشانرا] {سيئات ما كسبوا} جزاء سيآت اعمالهم واجزية ما كسبوا وتسميتها سيآت لانها فى مقابلة سيآتهم وجزاء سيئة سيئة مثلها. ففيه رمز الى ان جميع اعمالهم من قبيل السيآت والمعنى انهم ظنوا ان ما آتيناهم لكرامتهم علينا ولم يكن كذلك لانهم وقعوا فى العذاب ولم تنفعهم اموالهم وهذا كما قال اليهود {أية : نحن ابناء الله واحباؤه} تفسير : فقال تعالى خطابا لحبيبه عليه السلام {أية : قل فلم يعذبكم بذنوبكم} تفسير : يعنى ان المكرم المقرب عند الله لا يعذبه الله وانما يعذب الخائن المهين المهان. ثم اوعد كفار مكة فقال {والذين ظلموا من هؤلاء} المشركين المعاصرين لك يا محمد ومن للبيان او للتبعيض اى افرطوا فى الظلم والعتوّ {سيصيبهم سيئات ما كسبوا} من الكفر والمعاصى كما اصاب اولئك والسين للتأكيد وقد اصابهم اى اصابهم حيث قحطوا سبع سنين وقتل اكابرهم يوم بدر {وما هم بمعجزين} الله تعالى عن تخلى ذاتهم بحسب اعمالهم واخلاقهم. وقال الكاشفى [عاجز كنند كان مارا از تعذيب يابيشى كيرندكان برعذاب] يعنى يدركهم العذاب ولا ينجون منه بالهرب

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن حال هؤلاء الكفار في الآخرة وما يصيرون اليه فقال {فأصابهم سيئآت ما كسبوا} قيل في معناه قولان: احدهما - فاصابهم عقاب سيئآت ما كسبوا وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه لدلالة الكلام عليه. الثاني - انه اراد فأصابهم عقاب ما كسبوا من المعاصي وسماه سيئآت لازدواج الكلام، كما قال {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}. تفسير : ثم قال {والذين ظلموا من هؤلاء} يعني من كفار قوم النبي صلى الله عليه وآله {سيصيبهم} أيضاً {سيئآت ما كسبوا وما هم بمعجزين} أي ليس يفوتون الله، ثم قال على وجه التنبيه لهم على معرفته {أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء} أي يوسعه على من يشاء من عباده بحسب ما يعلم من مصلحته {ويقدر} أي ويضيق على من يشاء منهم بمثل ذلك {إن في تلك لآيات} أي دلالات واضحات {لقوم يؤمنون} أي يصدقون بتوحيد الله ويقرون بأنبيائه. وأضاف الآيات إلى المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا بها، ثم قال {قل} لهم يا محمد {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} بارتكاب المعاصي {لا تقنطوا من رحمة الله} أي لا تيأسوا من رحمة الله يقال: قنط يقنط قنوطاً إذا يئس {إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} وفى ذلك دلالة واضحة على انه يجوز ان يغفر الله بلا توبة تفضلا منه وبشفاعة النبى صلى الله عليه وآله لانه لم يشرط التوبة بل أطلقها. وروي عن فاطمة عليها السلام أنها قالت: إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي. وروي عن علي عليه السلام وابن عباس: أنهما قالا: إن لأرجى آية في كتاب الله قوله {أية : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} تفسير : فقال عبد الله بن عمرو بن العاص بل أرجى آية في كتاب الله قوله {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} وهو المروي عن علي ايضاً. وقوله {وأنيبوا إلى ربكم} امر مستأنف من الله لخلقه بالرجوع إلى الله والتوبة من معاصيهم. والانابة هي الرجوع {وأسلموا له} معناه آمنوا به وسلموا لاوامره {من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} عند نزول العذاب بكم {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} إنما قال {أحسن ما أنزل} لأنه اراد بذلك الواجبات والنفل التي هي الطاعات دون المباحات والمقبحات التي لا يأمر بها. وقال السدي {أحسن} أي ما أمر الله تعالى به في الكتاب، وقال قوم {أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} يريد به الناسخ دون المنسوخ، وهذا خطأ، لان المنسوخ لا يجوز العمل به بعد النسخ وهو قبيح، ولا يكون الحسن أحسن من قبيح، وقال الحسن احسنه ان يأخذوا بما أمرهم الله به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة} أي فجأة في وقت لا تتوقعونه {وأنتم لا تشعرون} أي لا تعرفون وقت نزوله بكم.

الجنابذي

تفسير : {فَأَصَابَهُمْ} عطف عطف التّفصيل على الاجمال {سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} بـأنفسها على تجسّم الاعمال او جزاء تلك السّيّئات {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ} اى ظلموا آل محمّد (ص) او ظلموا ولايتهم التّكوينيّة الّتى هى ولاية آل محمّد (ص) بعدم ضمّها الى الولاية التّكليفيّة فانّ الظّلم ليس مراداً مطلقاً فيكون المراد هو الفرد المعهود منه {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} استفهام توبيخىّ يعنى لولا يعلمون ذلك مع وضوح برهانه وظهور آثاره {أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ} اى فى بسط الرّزق لبعضٍ من دون مداخلة كسبه وتدبيره فى ذلك وقدره لبعضٍ مع كمال سعيه وتدبيره {لآيَاتٍ} عديدة دالّة على علمه تعالى وقدرته وحكمته ومراقبته لعباده {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يذعنون بالله وصفاته، او يسلمون بالبيعة العامّة، او يؤمنون بالبيعة الخاصّة الولويّة.

اطفيش

تفسير : {فَأصابَهُم سيئات ما كَسَبُوا} أى جزاء سيئات أو سمى الجزاء سيئة، لأنها سببه، أو سماه سيئة مشاكلة على ملاحظة ذكر السيئة معه بمعنى العمل السيىء، كأنه قيل فأصابهم سيئات السيئات التى كسبوها، أى جزاء السيئات، كالمشاكلة الظاهرة فى قوله: " أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها " تفسير : [الشورى: 40] {والَّذينَ ظَلمُوا مِن هؤلاء} الكفرة ومن للبيان، أى وهم هؤلاء، أو للتبعيض على أن الذين ظلموا المصرون، أو الاشارة لقريش والتبعيض ظاهر {سَيُصيبُهم سيِّئات ما كَسَبُوا} مثل ما مر، كما أصاب من قبلهم، وقد أصابهم القحط سبع سنين، وقتل صناديدهم ببدر، فالمراد عذاب الدنيا، وهو أنسب بما قبل، وقيل عذاب الدنيا والآخرة {وما هم بمعجزين} بفائتين عذابنا فقحطوا سبع سنين، ثم وسَّع عليهم {أو لَم يعْلمُوا} أتجاهلوا، أو أتعاموا، أو أبالغوا فى الانكار ولم يعلموا، واذا جعلنا الهمزة فى مثل هذا مما بعد العاطف، فالعطف على ما قبل، ولو عطف قصة على أخرى، مثل أن يعطف هنا على {ما هم بمعجزين} عطف انشاء على اخبار {أن الله يَبْسُط الرزِّقَ لمَن يشاءُ} البسط له {ويقْدِرُ} يضيق الرزق لمن يشاء، ولقدرته على ذلك قَدر لهم سبعا، وبسط لهم سبعا، كما فعل لقوم يوسف، وتناسب الآية السبع أنه حين بسط لهم، قد قدر لغيرهم، وبسط أيضا، وحين قدر عليهم قد بسط لغيرهم، وقدر أيضا، وأيضا قد بسط لمن لم يحضر القدر {إنّ فى ذلكَ} الذى ذكر {لآياتٍ} على أن الحوادث كلها من الله سبحانه، والأسباب أشياء خلقها الله مع تلك الحوادث، ولو شاء خلق غيرها، ولو شاء لكانت بلا سبب {لقَوم يُؤمنُون} وغيرهم، لكنهم المنتفعون، أو أراد آيات مؤثرات فيهم.

الالوسي

تفسير : {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي أصابهم جزاء سيئات كسبهم أو الذي كسبوه على أن الكلام بتقدير مضاف أو أنه تجوز بالسيئات عما تسبب عنها وقد يقال لجزاء السيئة سيئة مشاكلة نحو قوله تعالى: {أية : وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40] فيكون ما هنا من المشاكلة التقديرية، وإذا كان المعنى على جعل جزاء جميع ما كسبوا سيئاً دل الكلام على أن جميع ما كسبوا سيء إذ لو كان فيه حسن جوزي عليه جزاءً حسناً. وفيه من ذمهم ما فيه. {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـؤُلاَء } المشركين، و {مِنْ } للبيان فإنهم كلهم كانوا ظالمين إذ الشرك ظلم عظيم، أو للتبعيض فالمراد بالذين ظلموا من أصر على الظلم حتى تصيبهم قارعة وهم بعض منهم {سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } كما أصاب الذين من قبلهم، والمراد به العذاب الدنيوي وقد قحطوا لسبع سنين، وقتل: ببدر صناديدهم وقيل العذاب الأخروي، وقيل: الأعم، ورجح الأول بأنه الأوفق للسياق. وأشير بقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } أي بفائتين على ما قيل إلى العذاب الأخروي.

د. أسعد حومد

تفسير : (51) - فَحَلَّ بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ جَزَاءُ السَّيِئَاتِ التِي اكْتَسَبُوهَا، فَعُوجِلُوا بِالخِزْي فِي الدُّنْيَا، وَسَيُصِيبُهُم العَذَابُ الأَلِيمُ الدَّائِمُ فِي الآخِرَةِ. وَالذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ قُرَيشٍ (مِنْ هَؤُلاَءِ) سَيَنْزِلُ بِهِمْ عِقَابُ السَّيِئَاتِ التِي اكْتَسَبُوهَا، كَمَا نَزَلَ بِالذِّينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَسَيَرْجِعُونَ إِلَى اللهِ فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَنْ يُعْجِزُوا الله طَلَباً . بِمُعْجِزِينَ - بِفَائِتِينَ مِنْ العَذَابِ بِالهَرَبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} [الزمر: 51] أي: السابقون الذين قالوا هذه الكلمة من قبل، أصابهم ونزل بهم ما كسبوا من السيئات، يعني: هم فعلوه بأنفسهم، وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ} [الزمر: 51] أي: المعاصرين {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الزمر: 51]. والمعجز هو الذي يعمل عملاً يتحداك به، وتعجز أنت عن الإتيان بمثله؛ لذلك نسمي آية صدق الرسل في البلاغ عن الله معجزةً، لأنها أعجزتْ المكابر المكذِّب، أما الذي آمن بمجرد البلاغ وصدَّق به فلا يحتاج إلى معجزة، والمعجزة يُشترط لها أن تكون مقرونة بالتحدي، لماذا؟ قالوا: لأنك حين تتحدَّاه وتخبره أنك ستعمل عملاً لا يقدر هو عليه فإنك بذلك تشحن مواهبه ليستعدَّ للمواجهة، وعندها تستطيع أن تقيم عليه الحجة، أما إنْ فاجأته بالتحدي فله أنْ يقول لك: والله لو فكرت في المسألة، أو لو كانت في بالي لفعلتُ. إذن: معجز يعني يصيب الغير بالعجز عن مجاراته. وقلنا في المعجزة: إنها ينبغي أن تكون من جنس ما نبغ فيه القومُ، ومناسبة للعصر الذي نتحدى فيه، لأنك لو تحديتَ قوماً بشيء لا علمَ لهم به ولا دُرْبة لكان لهم أنْ يقولوا: لو كنا نعلم هذا لفعلناه، وإلا لما كان للتحدي موضع. وقد أعطانا القرآن الكريم نموذجاً للتحدي حينما تحدّى العرب وهم أهْلُ اللغة وأرباب الفصاحة والبيان، تحدَّاهم أنْ يأتوا بمثل هذا القرآن، وحين نتأمل هذا التحدي نجده يتدرج تنازلياً، وكلما تنازل في تحدّيه يعلو في إعجازه، لأنه لأول ما تحدَّاهم تحدَّاهم بمثل هذا القرآن، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة من مثله. ليس هذا وفقط، إنما يُخرِج التحدي من الإنس إلى الجن؛ لأن العرب وإنْ كانوا أمة كلام وفصاحة إلا أنهم نسبوا للجن قدرةً أعلى على الفصاحة والبلاغة، بدليل أنهم إذا نبغ منهم شاعر وأجاد قالوا: إن الجن يُوحى إليه بهذه المعاني، واعتقدوا أن هذا الجن يسكن وادي عبقر كما يقولون. لذلك أخرج القرآن التحدِّي من دائرة الإنس إلى دائرة الجن، فقال سبحانه: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} تفسير : [الإسراء: 88] أي: معيناً ومساعداً. لذلك كانت معجزة سيدنا موسى عليه السلام نوعاً من السحر، لأن قومه نبغوا فيه، وكانت معجزة سيدنا عيسى أنْ يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، لأن قومه نبغوا في الطب. وكلمة {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الزمر: 51] أي: في الهرب والإفلات من العقوبة، لأنهم فعلوا أشياء تستحق العقوبة، فإذا أخذناهم للعقاب فلن يُعجزونا. يعني: لن يفلتوا منا؛ لأن المسألة بالنسبة لنا قد يكون غريمك في يدك وفي نفس مكانك، وقد يهرب منك إلى مكان آخر، لكن بالنسبة للحق سبحانه فهو في كل مكان، وإلا فدلَّني على مكان ليس فيه الله سبحانه وتعالى، إذن: كيف الهرب؟ وإلى أين؟! فإنْ تواجدتم معه فلن يعجز عنكم، وإنْ هربتم فلن يعجز عن الإتيان بكم.