٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ } يوسِّعه {لِمَن يَشَاءُ } امتحاناً {وَيَقْدِرُ } يضيقه لمن يشاء ابتلاء {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } به.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} [الآية: 52]. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: رزق الله عباده وقلبهم فى بسط العزة وتقدير القدرة فقال: {أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ}.
القشيري
تفسير : أو لم يَرَوْ كيف خالف بين أحوال الناس في الرزق: فَمِنْ مُوَسَّعِ عليه رِزقُه. ومِنْ مُضَيَّقٍ عليه، وليس لواحدٍ منهم شيءٌ مِمَّا خُصَّ به من التقليل أو التكثير.
اسماعيل حقي
تفسير : {أولم يعلموا} اقالوا ذلك ولم يعلموا او اغفلوا ولم يعلموا {ان الله يبسط الرزق لمن يشاء} ان يبسط له اى يوسعه فان بسط الشىء نشره وتوسيعه: يعنى [نه براى رفعت قدراوبلكه بمحض مشيت] {ويقدر} لمن يشاء ان يقدره له اى يقتر ويضيق له من غير ان يكون لاحد مدخل ما فى ذلك حيث حبس عنهم الرزق سبعا ثم بسط لهم سبعا. وقال الكاشفى [وننك ميكند برهركه ميخواهدنه براى خوارى وبى مقدارى اوبلكه از روى حكمت] ـ روى ـ انهم اكلوا فى سنى القحط الجيف والجلود والعظام والعلهز وهو الوبر بان يخلط الدم باوبار الابل ويشوى على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع فلم ينفعهم ذلك حيث اصروا على الكفر والعناد {ان فى ذلك} الذى ذكر من القبض والبسط {لآيات} دالة على ان الحوادث كافة من الله تعالى بوسط عادى او غيره {لقوم يؤمنون} اذهم المستدلون بتلك الآيات على مدلولاتها. وفى الآيات فوائد. منها ان من خصوصية نفس الانسان ان تضطرّ الى الله تعالى بالدعاء والتضرع فى الشدة والضر والبلاء فلا عبرة بهذا الرجوع بالاضطرار الى الله تعالى لانه اذا انعم الله عليه بالخلاص والعافية من تلك الشدة والبلاء اعرض عن الله ويكفر بالنعمة ويقول ان ما اوتيته على علم عندى وانما العبرة بالرجوع الى الله والتعرف اليه فى الرخاء كما قال عليه السلام "حديث : تعرّف الى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " تفسير : ومنها ان المدعين يقولون نحن اهل الله فاذا وصل اليهم بلاؤه فزعوا اليه ليرفع عنهم البلاء طلبا لراحة انفسهم ولا يرون المبلى فى البلاء وهم مشركون فى طريق المعرفة فاذا وصل اليهم نعمة ظاهرة احتجبوا بها فاذا هم اهل الحجاب من كلا الطرفين احتجبوا بالبلاء عن المبلى وبالنعمة عن المنعم. قال الجنيد رضى الله عنه من يرى البلاء ضرا فليس بعارف فان العارف من يرى الضر على نفسه رحمة والضر على الحقيقة ما يصيب القلوب من القسوة والرين والنعمة اقبال القلوب على الله تعالى ومن رأى النعمة على نفسه من حيث الاستحقاق فقد جحد النعمة. ومنها ان اكثر اهل النعمة لا يعلمون فتنة النعمة وسوء عاقبتها وببطر النعمة والاغترار بها تقسو قلوبهم وتستولى عليهم الغفلة وتطمئن نفوسهم بها وتنسى الآخرة والمولى. ومنها ان نعمة الدنيا والآخرة وسعادتهما وكذا نقمتهما وشقاوتهما مبنية على مشيئة الله تعالى لا على مشيئة العباد فالاوجب للمؤمنين ان يخرجوا عن مشيئتهم ويستسلموا لمشيئة الله وحكمه وقضائه شعر : كليد قدر نيست دردست كس تواناى مطلق خدايست وبس تفسير : قال بعضهم شعر : هرجه بايد بهر كه ميشايد تودهى آنجنانكه مى بايد توشناسى صلاح كار همه كه تويى آفريد كار همه تفسير : ومنها ان ضيق حال اللبيب وسعة حال الابله دليل على الرزاق وتقديره. ويرد بهذه الآية على من يرى الغنى من الكيس والفقر من العجز اوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام أتدرى لم رزقت الاحمق قال يا رب لا قال ليعلم العاقل ان طلب الرزق ليس بالاحتيال فالكل بيد الله ألا الى الله تصير الامور وبه ظهر فساد قول ابن الراوندى شعر : كم عاقل عاقل اعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذى ترك الاوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا تفسير : اى كافرا نافيا للصانع العدل الحكيم قائلا لو كان له الوجود لما كان الامر كذلك ولقد احسن من قال شعر : كم من اديب فهم عقله مستكمل العقل مقل عديم ومن جهول مكثر ماله ذلك تقدير العزيز العليم تفسير : يعنى ان من نظر الى التقدير علم ان الامور الجارية على اهل العالم كلها على وفق الحكمة وعلى مقتضى المصلحة ففيه ارشاد الى اثبات الصانع الحكيم لا الى نفى وجوده
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أَوَلَمْ يعلموا} أي: أقالوا ذلك ولم يعلموا، أو أَغفلوا ولم يعلموا {أَنَّ الله يبسُطُ الرِّزقَ} أي: يوسعه {لمَن يشاءُ ويقدرُ} أي: يضيق لمَن يشاء بلا سبب ولا علة، أو: يجعله على قدر القوت من غير زيادة ولا نقصان، وهو من إتمام النعمة. وفي الحِكَم: "حديث : من تمام النعمة عليك أن يعطيك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك"تفسير : . {إِن في ذلك}: البسط والقبض {لآياتٍ} دالة على أن الحوادث كلها من الله بلا واسطة، {لقوم يؤمنون}، إذ هم المستدلُّون بها على أن القابض والباسط هو الله، دون غيره. الإشارة: قد يبسط الله الرزق لمَن لا خلاق له عنده، ويقبضه عن أحب الخلق إليه، وهو الغالب، فرزق المتقين كفاف، ورزق المترفين جزاف. ولما وبَّخ المشركين، وأطنب الكلام فيه، وأبرقَ وأرعد، رغّب في التوبة للكافة، استعطافاً وترغيباً بعد الترهيب، فقال: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ}.
الهواري
تفسير : قال: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} أي: بلى، قد علموا ذلك، أي: إن الله هو الذي يخلقهم وهو الذي يرزقهم. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. قال: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} بالشرك والكبائر الموبقة. {لاَ تَقْنَطُوا} أي: لا تيأسوا {مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} على التوبة {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: لما نزل في قاتل المؤمن وفي السارق والزاني وغير ذلك ما نزل تخوَّف قوم أن يؤاخذوا بما عملوا في الجاهلية فقالوا: أينا لم يفعل، فأنزل الله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} أي: لمن تاب وآمن وعمل صالحاً، {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} وأنزل (أية : وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ...) تفسير : إلى قوله: (أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً) تفسير : [الفرقان:68-70] أي: لمن تاب إليه إذ جعل له بعد ذنوبه متاباً ومرجعاً.
الالوسي
تفسير : {أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء } أن يبسطه له {وَيَقْدِرُ } لمن يشاء أن يقدر له من غير أن يكون لأحد ما مدخل في ذلك حيث حبس عنهم الرزق سبعاً ثم بسطه لهم سبعاً {إِنَّ فِى ذَلِكَ } الذي ذكر {لأَيَاتٍ } دالة على أن الحوادث كافة من الله تعالى شأنه والأسباب في الحقيقة ملغاة {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } إذ هم المستدلون بها على مدلولاتها.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : ولٰكن أكثرهم لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 49] فبعد أن وصف أكثرهم بانتفاء العلم بأن الرحمة لهم فتنةٌ وابتلاء، عُطف عليه إنكار علمهم انتفاء علمهم بذلك وإهمالهم النظر في الأدلّة المفيدة للعلم وصمهم آذانهم عن الآيات التي تذكّرهم بذلك حتى بَقُوا في جهالة مركَّبة وكان الشأن أن يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي يعطي الخيْر من يشاء، ويمنع من يشاء. فالاستفهام إنكار عليهم في انتفاء علمهم بذلك لأنهم تسببوا في انتفاء العلم، فالإِنكار عليهم يتضمن توبيخاً. واقتصر في الإِنكار على إنكار انتفاء العلم بأن بسط الرزقِ وقدْرَه من فعل الله تعالى لأنه أدنى لمشاهدتهم أحوال قومهم فكم من كادَ غير مرزوق وكم من آخر يجيئه الرزق من حيث لا يحتسب. وجُعل في ذلك آيات كثيرة لأن اختلاف أحوال الرزق الدالة على أن التصرف بيد الله تعالى ينبىء عن بقية الأحوال فتحصُلُ في ذلك آيات كثيرة دالة على انفراد الله تعالى بالتصرف في نفس الأمر. وجعلت الآيات لقوم يؤمنون لأن المؤمنين قد علموا ذلك وتخلقوا به ولم تكن فيه آيات للمشركين الغافلين عنه.
د. أسعد حومد
تفسير : {لآيَاتٍ} (52) - أَلاَ يَعْلَمُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُوَسِّعُ الرِّزْقَ عَلَى قَومٍ، وَيُضَيِّقُهُ عَلَى قَوْم، وَلَيْسَ ذَلِكَ جَهْلاً مِنَ المُقِلِّ بِمَعْرِفَةِ طَلَبِ الرِّزْقِ، وَلاَ عِلْماً بِالمُوَسَّعِ عَلَيهِ فِي طَلَبِهِ وَسَعْيِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ العَاقِلُ القَادِرُ ضَيِّقَ الرِّزْقِ، والجَاهِلُ الأَحْمَقُ ذَا بَسْطَةٍ فِي المَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ اللهُ تَعَالَى يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، لِحِكَمٍ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ، وَفِي ذَلِكَ دَلاَلاَتٌ وَعِبَرٌ وَعِظَاتٌ لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَيُوقِنُونَ أَنَّ الذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ هُوَ اللهُ. يَقْدِرُ - يُضَيِّقُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لأن قارون اغترَّ بماله وجاهه، وما كان فيه من غنى وزَهْوة في قومه، حتى قال {أية : قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} تفسير : [القصص: 78] فأراد الحق سبحانه أنْ يُصحح له المسألة ولمَنْ كان على شاكلته، فقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} [الزمر: 52] يبسط يعني: يُوسِّع على مَنْ يشاء، ويقدر يعني: يُضيق على مَنْ يشاء ويقبض، وكما نقول: يعطي مَنْ لا حيلَةَ له ليتعجب مَنْ له حيلة. إذن: المسألة في الرزق والعطاء ليست شطارة ومهارة في تناول الأشياء، إنما هي قدر قدَّره الرازق سبحانه. وقد ورد في الحديث القدسي قوله تعالى: "حديث : يا ابن آدم .. خلقتُك للعبادة فلا تلعب، وقسمتُ لك رِزقك فلا تتعب، فإنْ أنت رضيتَ بما قسمتُه لك أرحتُ قلبك وبدنك وكنتَ عندي محموداً، وإنْ لم ترْضَ بما قسمتُه لك فوعزّتي وجلالي لأُسلِطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركْضَ الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمتُه لك وكنتَ عندي مذموماً ". تفسير : فالرزق قسمه الرازق سبحانه، ولا يُشترط له مهارة ولا رجاحة عقل وحُسْن تفكير، لذلك قال أبو العتاهية: شعر : يُرزَقُ الأحْمَقُ رزْقاً واسعاً وَتَرى ذَا اللُّبِّ محرُوماً نَكِد تفسير : والحق سبحانه وتعالى يرزق الإنسان من حيث لا يحتسب، لذلك يُحكى أن رجلاً راعياً وهو يسير في الطريق إذ عثرتَ رِجْله بحجر، فوجد عنده بئراً فجعل يتحسَّس ما في البئر، فوجد شيئاً له صوت (شخشخة) كصوت الذهب والفضة، فبحث عنه فوجدها غرارة مملوءة بالذهب والفضة فأخذ منها ما يملأ جيوبه وما يستطيع حمله، وترك الباقي في مكان يعلمه ليعود إليه حين الحاجة. وبعد فترة نفد ما معه من المال، فجاء إلى نفس المكان ليأخذ من هذا المال فوجد شخصاً آخر قد سبقه إليه وأخذ ما تبقّى منه، فلما رآه يحمله على ظهره نظر إليه. فقال الرجل: رزقني الله ما ظننته أنه لك، لكن هو لي. لكن نلحظ في مسألة الرزق أن الناس يُخطئون حين يظنون ويُحجِّمون الرزق في المال وحده، فالرزق عندهم هو الغِنَى وكثرة المال، لكن الصواب أن نقول: الرزق هو كل شيء يُنتفع به وتستفيد منه، وعليه فالعلم رزق، والحلم رزق، والأمانة رزق، والصحة رزق .. إلخ. لذلك ينبغي على الغني الذي رُزِق المال الوفير أنْ يسأل نفسه حين يرى فقيراً: يا ترَى ما رزق هذا الفقير؟ وبم تميَّز عني؟ ربما كان رزقه في عقله أو في أدبه أو في حلمه أو في سمعته الطيبة بين الناس أو في عافيته. وسبق أنْ قلنا: إن مجموع المواهب عند أيِّ إنسان تساوي مجموع المواهب عند الآخر، فهذا عنده المال بنسبة عشرة على عشرة، لكنه حُرِم نعمة الولد بنسبة صفر على عشرة وهكذا؛ لأن الخَلْق جميعاً عيال الله، ولا يوجد منهم مَنْ هو ابن الله أو بينه وبين الله نسب. إذن: علام يوجد التمييز بين واحد وآخر؟ نقول: الرزق يحتاج إلى جهات متعددة؛ لذلك يوزع الرازق سبحانه الأسباب فلا تستقيم الحياة إنْ كان الناس جميعاً أغنياء، أو كان الناسُ جميعاً عقلاء أو علماء؛ لأن العقل الواحد مثلاً يحتاج إلى أكثر من جارحة من الجوارح تخدم تفكيره، فالمهندس مثلاً حين يرسم تصميماً لعمارة سكنية، هو مهندس واحد لكن يحتاج إلى كم عامل لتنفيذ هذا العمل، ولخدمة هذه الفكرة الهندسية، فالعامل البسيط الذي يحفر الأرض لوضْع الأساس عنده من المواهب ما ليس عند المهندس، وهكذا تُوزَّع المواهب وتُوزَّع الأرزاق. والرزق قد يكون بزيادة الدخل، وقد يكون سلباً بنقص المنصرف، فنجد مثلاً رجلاً راتبه الشهري مائة جنيه ويتعجب الناس كيف يعيش بهذا المبلغ، ونسوا أن المهم في الرزق أن يكون من الحلال، فالله يبارك في القليل منه، حتى يحلّ محل الكثير، فتجد هذا الرجل مثلاً إذا مرض ولده يكفيه قرص أسبرين والأم تعد له كوب شاي ويُشفى الولد بإذن الله. بينما نجد آخر يحصل على أضعاف هذا المبلغ، لكنه لا يتحرَّى الحلال في كسبه، فإذا مرض ولده ذهب به إلى الطبيب، وأجرى التحاليل وأوهم نفسه أن المرض خطير، حتى يصرف على الولد مبالغ كبيرة. لذلك ورد في الحديث الشريف: "مَنْ أصاب مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر". إذن: رزق الإيجاب أنْ يزيد المورد، ورزق السلب أنْ يقلَّ المنصرف، لذلك نلحظ مثلاً موظفاً من أصحاب الرواتب العالية وزميله له راتب متواضع يذهبان إلى السوق، الأول يشتري الرومي أو السمك الكيلو بعشرة جنيهات، أما الآخر فيشتري السمك العادي الكيلو مثلا بأربعة جنيهات، ذهب كل منهما إلى بيته وأكل كل منهما سمكاً، لكن الأول صرف أضعاف أضعاف الآخر، وربما النتيجة واحدة، وكل منهما راضٍ بما أخذ وبما أكل، هذا نسميه رزق السلب. والمؤمن ينبغي له دائماً أنْ يضع مسألة الاقتصاد في النفقات في باله، وأنْ يعلم أن رزق السلب أوسع من رزق الإيجاب، لأن رزق السلب منع ألماً، أمَّا رزق الإيجاب فقد يأتي بالألم. وقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الزمر: 52] أي: يؤمنون بالرازق الذي سمَّى نفسه الباسط، وسمى نفسه القابض، وما دام الحق سبحانه سمَّى نفسه الباسط وسمى نفسه القابض فلا بدَّ أنْ يكون لكل صفة متعلق، ولا بدَّ أنْ يوجد في الخَلْق مَنْ يبسط الله له الرزقَ، ومَنْ يقبض عنه ويُضيِّق عليه، وهذا وذاك بحكمته تعالى وقدره سبحانه. فمَنْ وسَّع الله له رزقه، وبسط له عليه أنْ يشكر، ومن قُدِر عليه رزقه وضُيِّق عليه يجب أن يصبر وأنْ يرضى، وأنْ يسير في حركة حياته على قدر رزقه، ولا يفتح على نفسه أبواب المسألة، فمَنْ رضي بقدره أعطاه الله على قدره سبحانه؛ لذلك تجد عظماء العالم وأصحاب الكلمة والصِّيت لو نظرت إليهم في أوليات حياتهم لوجدتهم رَضُوا بقدر الله فيهم وعاشوا في مستوى دخولهم، فتحقق فيهم قوله: "مَنْ رضي بقَدَري أعطيته على قَدْري". ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):