Verse. 4111 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

قُلْ يٰعِبَادِيَ الَّذِيْنَ اَسْرَفُوْا عَلٰۗي اَنْفُسِہِمْ لَا تَقْنَطُوْا مِنْ رَّحْمَۃِ اؘ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ جَمِيْعًا۝۰ۭ اِنَّہٗ ہُوَالْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ۝۵۳
Qul ya AAibadiya allatheena asrafoo AAala anfusihim la taqnatoo min rahmati Allahi inna Allaha yaghfiru alththunooba jameeAAan innahu huwa alghafooru alrraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا» بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها تيأسوا «من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا» لمن تاب من الشرك «إنه هو الغفور الرحيم».

53

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله وإحسانه في حق العبيد وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر، فقالوا: إنا بينا في هذا الكتاب أن عرف القرآن جار بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان:63] وقال: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } تفسير : [الإنسان: 6] ولأن لفظ العباد مذكور في معرض التعظيم، فوجب أن لا يقع إلا على المؤمنين، إذا ثبت هذا ظهر أن قوله {يا عِبَادِى } مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله، أما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد اللات والعزى وعبد المسيح، فثبت أن قوله {يا عِبَادِى } لا يليق إلا بالمؤمنين، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قال: {ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } وهذا عام في حق جميع المسرفين. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين، وذلك هو المقصود فإن قيل هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، وإلا لزم القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً، وأنتم لا تقولون به، فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به، والذي تقولون به لا تدل عليه هذه الآية، فسقط الاستدلال، وأيضاً إنه تعالى قال عقيب هذه الآية {وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } إلى قوله {بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } ولو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر جميع الذنوب قطعاً لما أمر عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون، وأيضاً قال: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } ولو كانت الذنوب كلها مغفورة، فأي حاجة به إلى أن يقول: {يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ }؟ وأيضاً فلو كان المراد ما يدل عليه ظاهر لفظ الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها، وذلك لا يليق بحكمة الله، وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن يقال المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب ألبتة، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله، إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } أي بالتوبة والإنابة والجواب قوله الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به، قلنا بل نحن نقول به ونذهب إليه، وذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع، وهي للاستقبال، وعندنا أن الله تعالى يخرج من النار من قال لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله، وعلى هذا التقدير فصاحب الكبيرة مغفور له قطعاً، إما قبل الدخول في نار جهنم، وإما بعد الدخول فيها، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية فهو عين مذهبنا. أما قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة، فالجواب أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم، فإنا لا نقطع بإزالة العقاب بالكلية، بل نقول لعله يعفو مطلقاً، ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك، وبهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه: الأول: أنه سمى المذنب بالعبد والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج. الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: {يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ } وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب الثالث: أنه تعالى قال: {أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ما عاد إليه بل هو عائد إليهم، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم، ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم الرابع: أنه قال: {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } نهاهم عن القنوط فيكون هذا أمراً بالرجاء والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم الخامس: أنه تعالى قال أولاً: {يا عِبَادِى } وكان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحمتي لكنه ترك هذا اللفظ وقال: {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } لأن قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل السادس: أنه لما قال: {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعاً ولكنه لم يقل ذلك، بل أعاد اسم الله وقرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد، وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمن السابع: أنه لو قال: {يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ } لكان المقصود حاصلاً لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعاً وهذا أيضاً من المؤكدات الثامن: أنه وصف نفسه بكونه غفوراً، ولفظ الغفور يفيد المبالغة التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيماً والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ } إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، وقوله {ٱلرَّحِيمِ } إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب العاشر: أن قوله {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } يفيد الحصر، ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران، ونسأل الله تعالى الفوز بها والنجاة من العقاب بفضله ورحمته. المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوهاً، قيل إنها نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له، وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم؟ وقيل نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته، فلما نزلت الآية أسلم، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال بل للمسلمين عامة وقيل نزلت في أناس أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا لا يقبل الله توبتهم، وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتتنوا وكان المسلمون يقولون فيهم لا يقبل الله منهم توبتهم فنزلت هذه الآيات فكتبها عمر، وبعث بها إليهم فأسلموا وهاجروا، واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات في هذه الوقائع لا يمنع من عمومها. المسألة الرابعة: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم {يا عِبَادِى } بفتح الياء والباقون وعاصم في بعض الروايات بغير فتح وكلهم يقفون عليه بإثبات الياء لأنها ثابتة في المصحف، إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء، وقرأ أبو عمرو والكسائي تقنطوا بكسر النون والباقون بفتحها وهما لغتان، قال صاحب «الكشاف»، وفي قراءة ابن عباس، وابن مسعود {يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً لِمَن يَشَاء }. ثم قال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم} قال صاحب «الكشاف» أي وتوبوا إليه وأسلموا له أي وأخصلوا له العمل، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه، وأقول هذا الكلام ضعيف جداً لأن عندنا التوبة عن المعاصي واجبة فلم يلزم من ورود الأمر بها طعن في الوعد بالمغفرة، فإن قالوا لو كان الوعد بالمغفرة حاصلاً قطعاً لما احتيج إلى التوبة، لأن التوبة إنما تراد لإسقاط العقاب، فإذا سقط العقاب بعفو الله عنه فلا حاجة إلى التوبة، فنقول هذا ضعيف لأن مذهبنا أنه تعالى وإن كان يغفر الذنوب قطعاً ويعفو عنها قطعاً إلا أن هذا العفو والغفران يقع على وجهين تارة يقع ابتداء وتارة يعذب مدة في النار ثم يخرجه من النار ويعفو عنه، ففائدة التوبة إزالة هذا العقاب، فثبت أن الذي قاله صاحب «الكشاف» ضعيف ولا فائدة فيه. ثم قال: {وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ } واعلم أنه تعالى لما وعد بالمغفرة أمر بعد هذا الوعد بأشياء فالأول: أمر بالإنابة وهو قوله تعالى: {وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبّكُمْ } والثاني: أمر بمتابعة الأحسن، وفي المراد بهذا الأحسن وجوه الأول: أنه القرآن ومعناه واتبعوا القرآن والدليل عليه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً } تفسير : [الزمر: 23] الثاني: قال الحسن معناه، والتزموا طاعة الله واجتنبوا معصية الله، فإن الذي أنزل على ثلاثة أوجه، ذكر القبيح ليجتنب عنه، والأدون لئلا يرغب فيه، والأحسن ليتقوى به ويتبع الثالث: المراد بالأحسن الناسخ دون المنسوخ لأن الناسخ أحسن من المنسوخ، لقوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } تفسير : [البقرة: 106] ولأن الله تعالى لما نسخ حكماً وأثبت حكماً آخر كان اعتمادنا على المنسوخ. ثم قال: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } والمراد منه التهديد والتخويف والمعنى أنه يفجأ العذاب وأنتم غافلون عنه، واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بيّن تعالى أن بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلمات فالأول: قوله تعالى: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله {أَن تَقُولَ } مفعول له أي كراهة أن تقول: {يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } وأما تنكير لفظ النفس ففيه وجهان الأول: يجوز أن تراد نفس ممتازة عن سائر النفوس لأجل اختصاصها بمزيد إضرار بما لا ينفي رغبتها في المعاصي والثاني: يجوز أن يراد به الكثرة، وذلك لأنه ثبت في علم أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يفيد الظن بأن ذلك الحكم معلل بذلك الوصف، فقوله {يا حسرتا} يدل على غاية الأسف ونهاية الحزن وأنه مذكور عقيب قوله تعالى: {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } والتفريط في طاعة الله تعالى يناسب شدة الحسرة وهذا يقتضي حصول تلك الحسرة عند حصول هذا التفريط، وذلك يفيد العموم بهذا الطريق. المسألة الثانية: القائلون بإثبات الأعضاء لله تعالى استدلوا على إثبات الجنب بهذه الآية، واعلم أن دلائلنا على نفي الأعضاء قد كثرت، فلا فائدة في الإعادة، ونقول بتقدير أن يكون المراد من هذا الجنب عضواً مخصوصاً لله تعالى، فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه، فثبت أنه لا بد من المصير إلى التأويل وللمفسرين فيه عبارات، قال ابن عباس يريد ضيعت من ثواب الله، وقال مقاتل ضيعت من ذكر الله، وقال مجاهد في أمر الله، وقال الحسن في طاعة الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، واعلم أن الإكثار من هذه العبارات لا يفيد شرح الصدور وشفاء الغليل، فنقول: الجنب سمي جنباً لأنه جانب من جوانب ذلك الشيء والشيء الذي يكون من لوازم الشيء وتوابعه يكون كأنه جند من جنوده وجانب من جوانبه فلما حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحق والأمر والطاعة قال الشاعر: شعر : أما تتقين الله جنب وامق له كبد حرا عليك تقطع تفسير : المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء {يا حسرتي} على الأصل و {يا حسرتاي} على الجمع بين العوض والمعوض عنه. أما قوله تعالى: {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ } أي أنه ما كان مكتفياً بذلك التقصير بل كان من المستهزئين بالدين، قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل {وَإِن كُنتُ } نصب على الحالة كأنه قال: فرطت في جنب الله وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي. النوع الثاني: من الكلمات التي حكاها الله تعالى عن أهل العذاب أنهم يذكرونه بعد نزول العذاب عليهم قوله {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ }. النوع الثالث: قوله {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } وحاصل الكلام أن هذا المقصر أتى بثلاثة أشياء أولها: الحسرة على التفريط في الطاعة وثانيها: التعلل بفقد الهداية وثالثها: بتمني الرجعة، ثم أجاب الله تعالى عن كلامهم بأن قال بفقد الهداية باطل، لأن الهداية كانت حاصرة والأعذار زائلة، وهو المراد بقوله {بَلَىٰ قَدْ جَاءتْكَ ءايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج بلى جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي، لأن معنى قوله {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى } أنه ما هداني، فلا جرم حسن ذكر لفظة {بَلَىٰ } بعده. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: القراءة المشهورة واقعة على التذكير في قوله {بَلَىٰ قَدْ جَاءتْكَ ءايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } لأن النفس تقع على الذكر والأنثى فخوطب بالذكر، وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ على التأنيث، قال أبو عبيد لو صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان حجة لا يجوز لأحد تركها ولكنه ليس بمسند، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة، وأما وجه التأنيث فهو أنه ذكر النفس ولفظ النفس ورد في القرآن في أكثر الأمر على التأنيث بقوله {أية : سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى } تفسير : [طه: 96] و {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوء } تفسير : [يوسف: 53] و {أية : يا أيتها النفس المطمئنة} تفسير : [الفجر: 27]. المسألة الثالثة: قال القاضي هذه الآيات دالة على صحة القول بالقدر من وجوه الأول: أنه لا يقال: فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون من قبله، وذلك يدل على أن أفعال العباد تحصل من قبلهم لا من قبل الله تعالى، وثانيها: أن طلب الغفران والرجاء في ذلك أو اليأس لا يحسن إلا إذا كان الفعل فعل العبد، وثالثها: إضافة الإنابة والإسلام إليه من قبل أن يأتيه العذاب وذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما مع نزول العذاب، ومذهبهم أن الكافر لم يتمكن قط من ذلك ورابعها: قوله تعالى: {وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ } وذلك لا يتم إلا بما هو المختار للاتباع وخامسها: ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب وذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل، وسادسها: قولهم {يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } ولا يتحسر المرء على أمر سبق منه إلا وكان يصح منه أن يفعله، وسابعها: قوله تعالى: {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } ومن لا يقدر على الإيمان كما يقول القوم ولا يكون الإيمان من فعله لا يكون مفرطاً، وثامنها: ذمه لهم بأنهم من الساخرين، وذلك لا يتم إلا أن تكون السخرية فعلهم وكان يصح منهم أن لا يفعلوه، وتاسعها: قوله {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى } أي مكنني {لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } وعلى هذا قولهم إذا لم يقدر على التقوى فكيف يصح ذلك منه، وعاشرها: قوله {لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } وعلى قولهم لو رده الله أبداً كرة بعد كرة، وليس فيه إلا قدرة الكفر لم يصح أن يكون محسناً، والحادي عشر: قوله تعالى موبخاً لهم {بَلَىٰ قَدْ جَاءتْكَ ءايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فبيّن تعالى أن الحجة عليهم لله لأن الحجة لهم على الله، ولو أن الأمر كما قالوا لكان لهم أن يقولوا: قد جاءتنا الآيات ولكنك خلقت فينا التكذيب بها ولم تقدرنا على التصديق بها. والثاني عشر: أنه تعالى وصفهم بالتكذيب والاستكبار والكفر على وجه الذم ولو لم تكن هذه الأشياء أفعالاً لهم لما صح الكلام، والجواب عنه أن هذه الوجوه معارضة، بما أن القرآن مملوء من أن الله تعالى يضل ويمنع ويصدر منه اللين والقسوة والاستدراج، ولما كان هذا التفسير مملوءاً منه لم يكن إلى الإعادة حاجة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} وإن شئت حذفت الياء؛ لأن النداء موضع حذف. النحاس: ومن أجلّ ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة، اتّعدتُ أنا وهشام بن العاصي بن وائل السَّهْمي، وعَيَّاش بن أبي ربيعة بن عُتْبة، فقلنا: الموعد أضاة بني غفار، وقلنا: من تأخر منا فقد حُبِس فليمض صاحبه، فأصبحت أنا وعياش بن عتبة وحُبس عنا هشام، وإذا به قد فُتن فافتتن، فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم، ثم افتتنوا لبلاءٍ لحقهم لا نرى لهم توبة، وكانوا هم أيضاً يقولون هذا في أنفسهم، فأنزل الله عز وجل في كتابه: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} إلى قوله تعالى: {أية : أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} تفسير : [الزمر: 60] قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت عليّ خرجت بها إلى ذي طُوًى فقلت: اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قوم من المشركين قَتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو بعثوا إليه: إن ما تدعو إليه لحسن أوَ تخبرنا أن لنا توبة؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} ذكره البخاري بمعناه. وقد مضى في آخر «الفرقان». وعن ابن عباس أيضاً نزلت في أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، وكيف نهاجر ونُسْلم وقد عبدنا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التي حرم الله! فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في العبادة، وخافوا ألاّ يتقبل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية. وقال ابن عباس أيضاً وعطاء: نزلت في وحشِيّ قاتل حمزة؛ لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه: وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: حديث : أتَى وَحْشيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا محمد أتيتك مستجيراً فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد كنت أحبّ أن أراك على غير جوار فأما إذ أتيتني مستجيراً فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله» قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] إلى آخر الآية فتلاها عليه؛ فقال أرى شرطاً فلعلي لا أعمل صالحاً، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] فدعا به فتلا عليه؛ قال: فلعلي ممن لا يشاء أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} فقال: نعم الآن لا أرى شرطاً. فأسلمتفسير : . وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شَهْر بن حَوْشَب عن أسماء: أنها سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }. وفي مصحف ابن مسعود {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لِمَنْ يَشَاءُ}. قال أبو جعفر النحاس: وهاتان القراءتان على التفسير، أي يغفر الله لمن يشاء. وقد عرف الله عز وجل من شاء أن يغفر له، وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة، ودلّ على أنه يريد التائب ما بعده {وَأَنيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} فالتائب مغفور له ذنوبه جميعاً، يدل على ذلك {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ}تفسير : [طه: 82] فهذا لا إشكال فيه. وقال عليّ بن أبي طالب: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} وقد مضى هذا في «سبحان». وقال عبد الله بن عمر: وهذه أرجى آية في القرآن فردّ عليهم ابن عباس وقال أرجى آية في القرآن قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}تفسير : [الرعد: 6] وقد مضى في «الرعد». وقرىء «وَلاَ تَقْنِطُوا» بكسر النون وفتحها. وقد مضى في «الحجر» بيانه. قوله تعالى: {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي ارجعوا إليه بالطاعة. لما بين أن من تاب من الشرك يغفر له أمر بالتوبة والرجوع إليه، والإنابة الرجوع إلى الله بالإخلاص. {وَأَسْلِمُواْ لَهُ} أي اخضعوا له وأطيعوا {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ} في الدنيا {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي لا تمنعون من عذابه. وروي من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : من السعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة ويرزقه الإنابة، وإن من الشقاوة أن يعمل المرء ويعجب بعمله»تفسير : . قوله تعالى: {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } {أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ} هو القرآن وكله حسن، والمعنى ما قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته. وقال السدّي: الأحسن ما أمر الله به في كتابه. وقال ابن زيد: يعني المحكمات، وكِلوا علم المتشابه إلى عالمه. وقال: أنزل الله كتباً التوراة والإنجيل والزبور، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز. وقيل: هذا أحسن لأنه ناسخ قاض على جميع الكتب وجميع الكتب منسوخة. وقيل: يعني العفو؛ لأن الله تعالى خيّر نبيه عليه السلام بين العفو والقصاص. وقيل: ما علّم الله النبيّ عليه السلام وليس بقرآن فهو حسن؛ وما أوحى إليه من القرآن فهو الأحسن. وقيل: أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية. قوله تعالى: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا} {أَنْ} في موضع نصب أي كراهة {أَنْ تَقُولَ} وعند الكوفيين لئلا تقول وعند البصريين حذر {أَنْ تَقُولَ}. وقيل: أي من قبل {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ} لأنه قال قبل هذا: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ}. الزمخشري: فإن قلت لم نكّرت؟ قلت: لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر. ويجوز أن يريد نفساً متميزة من الأنفس، إمّا بلجاج في الكفر شديد، أو بعقاب عظيم. ويجوز أن يراد التكثير كما قال الأعشى:شعر : ورُبَّ بَقيع لو هَتَفْتُ بِجَوِّهِ أتاني كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرأْسَ مُغْضَبَا تفسير : وهو يريد أفواجاً من الكرام ينصرونه لا كريماً واحداً، ونظيره: رُبَّ بلدٍ قطعت، ورُبَّ بطلٍ قارعت، ولا يقصد إلا التكثير. «يَا حَسْرَتَا» والأصل «يَا حَسْرَتِي» فأبدل من الياء ألف؛ لأنها أخف وأمكن في الاستغاثة بمد الصوت، وربما ألحقوا بها الهاء؛ أنشد الفراء:شعر : يا مَرْحَباهُ بحمارٍ ناجِيَهْ إذا أَتَى قَرَّبْتُه للسَّانِيَهْ تفسير : وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف؛ لتدل على الإضافة. وكذلك قرأها أبو جعفر: «يَا حَسْرَتَايَ» والحسرة الندامة. {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} قال الحسن: في طاعة الله. وقال الضحاك: أي في ذكر الله عز وجل. قال: يعني القرآن والعمل به. وقال أبو عبيدة: «في جنب الله» أي في ثواب الله. وقال الفراء: الجنب القرب والجوار؛ يقال فلان يعيش في جنب فلان أي في جواره؛ ومنه {أية : وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ}تفسير : [النساء: 36] أي على ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة. وقال الزجاج: أي على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه. والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جنباً؛ تقول: تجرعت في جنبك غصصاً؛ أي لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك. وقيل: «في جَنْبِ اللَّهِ» أي في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله عز وجل وثوابه، والعرب تسمي الجانب جنباً، قال الشاعر:شعر : قُسِمَ مَجْهُوداً لِذاكَ الْقَلْبُ النَّاسُ جَنْبٌ والأَمِيرُ جَنْبُ تفسير : يعني الناس من جانب والأمير من جانب. وقال ابن عرفة: أي تركت من أمر الله؛ يقال ما فعلت ذلك في جنب حاجتي؛ قال كُثَيِّر:شعر : أَلاَ تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبِ عاشِقٍ له كَبِدٌ حرَّى عليك تَقَطَّعُ تفسير : وكذا قال مجاهد؛ أي ضيعت من أمر الله. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله عز وجل فيه إلا كان عليه تِرَةً يوم القيامة»تفسير : أي حسرة؛ خرجه أبو داود بمعناه. وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه الله في الدنيا يوم القيامة في ميزان غيره، قد ورثه وعمل فيه بالحق، كان له أجره وعلى الآخر وزره، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوّله الله إياه في الدنيا أقرب منزلة من الله عز وجل، أو يرى رجلاً يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ } أي وما كنت إلا من المستهزئين بالقرآن وبالرسول في الدنيا وبأولياء الله (تعالى): قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. ومحل «إِن كنت» النصب على الحال؛ كأنه قال: فرطت وأنا ساخر؛ أي فرطت في حال سخريتي. وقيل وما كنت إلا في سخرية ولعب وباطل؛ أي ما كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى. قوله تعالى: {أَوْ تَقُولَ} هذه النفس {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي} أي أرشدني إلى دينه {لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي الشرك والمعاصي. وهذا القول لو أن الله هداني لاهتديت قول صدق. وهو قريب من احتجاج المشركين فيما أخبر الرب جل وعز عنهم في قوله: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا} تفسير : [الأنعام: 148] فهي كلمة حق أريد بها باطل؛ كما قال عليّ رضي الله عنه لما قال قائل من الخوارج لا حكم إلا لله. {أَوْ تَقُولَ} يعني هذه النفس {حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً} أي رجعة. {فَأَكُونَ} نصب على جواب التمني، وإن شئت كان معطوفاً على {كَرَّةً} لأن معناها أن أكر؛ كما قال الشاعر:شعر : لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي أَحبُّ إِليَّ مِنْ لُبْسِ الشُفُوفِ تفسير : وأنشد الفراء:شعر : فمَالكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍ وتَسْألَ عن رُكْبَانِها أَيْنَ يَمَّمُوا تفسير : فنصب و(تسأل) على موضع الذكرى؛ لأن معنى الكلام فمالك منها إلا أن تذكر. ومنه للبس عباءة وتقرّ؛ أي لأن ألبس عباءة وتقرّ. وقال أبو صالح: كان رجل عالم في بني إسرائيل وجد رقعة: إن العبد ليعمل الزمان الطويل بطاعة الله فيختم له عمله بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بمعصية الله ثم يختم له عمله بعمل رجل من أهل الجنة فيدخل الجنة؛ فقال: ولأي شيء أتعب نفسي فترك عمله وأخذ في الفسوق والمعصية، وقال له إبليس: لك عمر طويل فتمتع في الدنيا ثم تتوب، فأخذ في الفسوق وأنفق ماله في الفجور، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان، فقال: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله؛ ذهب عمري في طاعة الشيطان، فندم حين لا ينفعه الندم؛ فأنزل الله خبره في القرآن. وقال قتادة: هؤلاء أصناف؛ صنف منهم قال: {يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ}. وصنف منهم قال: {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}. وقال آخر: {لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} فقال الله تعالى ردّاً لكلامهم: {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي} قال الزجاج: «بَلَى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي، ولكن معنى {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي} ما هداني، وكأن هذ القائل قال ما هدِيت؛ فقيل؛ بلى قد بيّن لك طريق الهدى فكنت بحيث لو أردت أن تؤمن أمكنك أن تؤمن. «آيَاتِي» أي القرآن. وقيل: عنى بالآيات المعجزات؛ أي وضح الدليل فأنكرته وكذبته. {وَٱسْتَكْبَرْتَ} أي تكبرت عن الإيمان {وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. وقال: «اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» وهو خطاب الذكر؛ لأن النفس تقع على الذكر والأنثى. يقال: ثلاثة أنفس. وقال المبرد؛ تقول العرب نفس واحد أي إنسان واحد. وروى الربيع بن أنس عن أم سَلَمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ{قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. وقرأ الأعمش {بَلَى قَدْ جَاءَتْهُ آيَاتِي} وهذا يدل على التذكير. والربيع بن أنس لم يلحق أمّ سَلَمة إلا أن القراءة جائزة؛ لأن النفس تقع للمذكر والمؤنث. وقد أنكر هذه القراءة بعضهم وقال: يجب إذا كسر التاء أن تقول وكنت من الكوافر أو من الكافرات. قال النحاس: وهذا لا يلزم؛ ألا ترى أن قبله {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ} ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} ولم يقل من السواخر ولا من الساخرات. والتقدير في العربية على كسر التاء {وَاسْتَكْبَرْتِ وَكُنْتِ} من الجمع الساخرين أو من الناس الساخرين أو من القوم الساخرين.

ابن كثير

تفسير : هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها، ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف: أن ابن جريج أخبرهم: قال يعلى: إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} تفسير : [الفرقان: 68] ونزل: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج عن يعلى بن مسلم المكي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما به. والمراد من الآية الأولى قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً} تفسير : [الفرقان: 7] الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: سمعت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} إلى آخر الآية» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : ألا ومن أشرك» تفسير : ثلاث مرات، تفرد به الإمام أحمد. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا نوح بن قيس عن أشعث بن جابر الحداني عن مكحول عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير يدعم على عصا له، فقال: يا رسول الله لي غدرات وفجرات، فهل يغفر لي؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟» تفسير : قال: بلى، وأشهد أنك رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : قد غفر لك غدراتك وفجراتك» تفسير : تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} تفسير : [هود: 46] وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} ولا يبالي. ورواه أبو داود والترمذي من حديث ثابت به. فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة. ولا يقنطن عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة واسع، قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} تفسير : [التوبة: 104]؟ وقال عز وجل: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 110] وقال جل وعلا في حق المنافقين: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ} تفسير : [النساء: 145 ــــ 146] وقال جل جلاله: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلآ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [المائدة: 73] ثم قال جلت عظمته: {أية : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [المائدة: 74] وقال تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} تفسير : [البروج: 10] قال الحسن البصري رحمة الله عليه: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. والآيات في هذا كثيرة جداً. وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، ثم ندم وسأل عابداً من عباد بني إسرائيل: هل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله وأكمل به مئة، ثم سأل عالماً من علمائهم: هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها، فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله عز وجل أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها، فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نأى بصدره عند الموت، وأن الله تبارك وتعالى أمر البلدة الخيرة أن تقترب، وأمر تلك البلدة أن تتباعد، هذا معنى الحديث، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} إلى آخر الآية، قال: قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء: {أية : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [المائدة: 74] ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولاً من هؤلاء، من قال: أنا ربكم الأعلى، وقال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى} تفسير : [القصص: 38]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا، فقد جحد كتاب الله عز وجل، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه. وروى الطبراني من طريق الشعبي عن شتير بن شكل: أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أعظم آية في كتاب الله {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : [البقرة: 255] وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ} تفسير : [النحل: 90]، وإن أكثر آية في القرآن فرجاً في سورة الزمر: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}، وإن أشد آية في كتاب الله تفويضاً: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2 ــــ 3] فقال له مسروق: صدقت. وقال الأعمش عن أبي سعيد عن أبي الكنود قال: مر عبد الله، يعني: ابن مسعود رضي الله عنه على قاص، وهو يذكر الناس، فقال: يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله؟ ثم قرأ: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} رواه ابن أبي حاتم رحمه الله. (ذكر أحاديث فيها نفي القنوط) قال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله، حدثني أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله تعالى، لغفر لكم، والذي نفس محمد - صلى الله عليه وسلم - بيده لو لم تخطئوا، لجاء الله عز وجل بقوم يخطئون، ثم يستغفرون الله، فيغفر لهم» تفسير : تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني الليث، حدثني محمد بن قيس قاص عمر بن عبد العزيز عن أبي صرمة عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت منكم شيئاَ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لولا أنكم تذنبون، لخلق الله عز وجل قوماً يذنبون، فيغفر لهم» تفسير : هكذا رواه الإمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه والترمذي جميعاً عن قتيبة عن الليث بن سعد به. ورواه مسلم من وجه آخر به عن محمد بن كعب القرظي عن أبي صرمة، وهو الأنصاري صحابي، عن أبي أيوب رضي الله عنهما به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدثنا يحيى ابن عمرو بن مالك النكري قال: سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كفارة الذنب الندامة» تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو لم تذنبوا، لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم» تفسير : تفرد به أحمد. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي، حدثنا داود بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عبد الله مسلمة بن عبد الله الرازي عن أبي عمرو البجلي عن عبد الملك بن سفيان الثقفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله تعالى يحب العبد المفتن التواب» تفسير : ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت وحميد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: إن إبليس لعنه الله تعالى قال: يا رب إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك؟ قال: فأنت مسلط، قال: يا رب زدني، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله، قال: يا رب زدني، قال: أجعل صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم، قال: يا رب زدني، قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، فقال آدم عليه الصلاة والسلام: يا رب قد سلطته علي، وإني لا أمتنع إلا بك، قال تبارك وتعالى: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال: يا رب زدني، قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة، أو أمحوها، قال: يا رب زدني، قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد، قال: يا رب زدني، قال: {يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. وقال محمد بن إسحاق: قال نافع: عن عبد الله بن عمر عن عمر رضي الله عنهما في حديثه، قال: وكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر؛ لبلاء أصابهم، قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أنزل الله تعالى فيهم، وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: {يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } قال عمر رضي الله عنه: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص رضي الله عنه، قال: فقال هشام: لما أتتني، جعلت أقرؤها بذي طوى، أصعد بها فيه وأصوت، ولا أفهمها حتى قلت: اللهم أفهمنيها، فألقى الله عز وجل في قلبي أنها إنما نزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري، فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينةـ ثم استحث تبارك وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة فقال: {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ} إلخ، أي: ارجعوا إلى الله، واستسلموا له {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي: بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} وهو القرآن العظيم {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي: من حيث لا تعلمون ولا تشعرون. ثم قال عز وجل: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ} أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله عز وجل، وقوله تبارك وتعالى: {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ} أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزىء غير موقن مصدق، { أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبر الله سبحانه وتعالى ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. وقال تعالى: {أية : وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} تفسير : [فاطر: 14] {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } فأخبر الله عز وجل أن لو ردوا لما قدروا على الهدى، فقال: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ}. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن الله هداني، فتكون عليه حسرة ــــ قال: ــــ وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن الله هداني ــــ قال: ــــ فيكون له الشكر» تفسير : ورواه النسائي من حديث أبي بكر بن عياش به. ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا، وتحسروا على تصديق آيات الله، واتباع رسله، قال الله سبحانه وتعالى: { بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها، واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِى * ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ } بكسر النون وفتحها، وقرىء بضمها تيأسوا {مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } لمن تاب من الشرك {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} أي أسرفوا على أنفسهم في الشرك. ويحتمل ثانياً: أسرفوا على أنفسهم في ارتكاب الذنوب مع ثبوت الإيمان والتزامه {لا تقنطوا من رحمة الله} أي لا تيأسوا من رحمته. {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يغفرها بالتوبة منها، قاله الحسن. الثاني: يغفرها بالعفو عنها إلا الشرك. الثالث: يغفر الصغائر باجتناب الكبائر. {إنه هو الغفور الرحيم} قيل نزلت هذه الآية والتي بعدها في وحشي قاتل حمزة، قاله الحسن والكلبي، وقال علي عليه السلام: ما في القرآن آية أوسع منها. وروى ثوبان قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما أحب أن لي الدنيا وما عليها بهذه الآية ". تفسير : قوله عز وجل: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} فيه خمسة تأويلات: أحدها: هو ما أمرهم الله به في الكتاب، قاله السدي. الثاني: أن يأخذوا ما أمر وينتهوا عما نهوا عنه، قاله الحسن. الثالث: هو الناسخ دون المنسوخ، حكاه ابن عيسى. الرابع: هو طاعة الله تعالى في الحرام والحلال قاله ابن زياد. الخامس: تأدية الفرائض، قاله زيد بن علي، ومعاني أكثرها متقاربة. ويحتمل سادساً: أنه الأخذ بالعزيمة دون الرخصة. وجعله منزلاً عليهم لأنه منزل إليهم على نبيهم صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: {أن تقول نفس يا حَسْرتَا} فيه وجهان: أحدهما: معناه لئلا تقول نفس. الثاني: أن لا تقول نفس، والألف التي في يا حسرتا بدل من ياء الإضافة ففعل ذلك في الاستغاثة لمدة الصوت بها. {على ما فرطت في جنب الله} فيه ستة تأويلات: أحدها: في مجانبة أمر الله، قاله مجاهد والسدي. الثاني: في ذات الله، قاله الحسن. الثالث: في ذكر الله، قاله السدي، وذكر الله هنا القرآن. الرابع: في ثواب الله من الجنة حكاه النقاش. الخامس: في الجانب المؤدي إلى رضا الله، والجنب والجانب سواء. السادس: في طلب القرب من الله ومنه قوله تعالى {والصاحب بالجنب} أي بالقرب. {وإن كنت لمن الساخرين} فيه وجهان: أحدهما: من المستهزئين في الدنيا بالقرآن، قاله النقاش. الثاني: بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، قاله يحيى بن سلام.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية عامة في جميع الناس إلى يوم القيامة في كافر ومؤمن، أي إن توبة الكافر تمحو ذنوبه، وتوبة العاصي تمحو ذنبه. واختلف هل يكون في المشيئة أو هو مغفور له ولا بد؟ فقالت فرقة من أهل السنة: هو مغفور له ولا بد، وهذا مقتضى ظواهر القرآن، وقالت فرقة: التائب في المشيئة، لكن يغلب الرجاء في ناحيته، والعاصي في المشيئة، لكن يغلب الخوف في ناحيته. واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال عطاء بن يسار: نزلت في وحشي قاتل حمزة. وقال قتادة والسدي وابن أبي إسحاق: نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا وفتنهم قريش فافتتنوا، ثم ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم فنزلت الآية فيهم، منهم الوليد بن الوليد، وهشام بن العاصي، وهذا قول عمر بن الخطاب وأنه كتبها بيده إلى هشام بن العاصي الحديث. وقالت فرقة: نزلت في قوم كفار من أهل الجاهلية، قالوا: وما ينفعنا الإسلام ونحن قد زنينا وقتلنا الناس وأتينا كل كبيرة فنزلت الآية فيهم. وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: حديث : ما أحب أن لي الدنيا بما فيها بهذه الآية تفسير : ، {يا عبادي} و: {أسرفوا} معناه: أفرطوا وتعدوا الطور. والقنط. أعظم اليأس. وقرأ نافع وجمهور الناس: "تقَنطوا" بفتح النون. قال أبو حاتم: يلزمهم أن يقرؤوا: {أية : من بعد ما قنطوا} تفسير : [الشورى: 28] بالكسر، ولم يقرأ به أحد. وقرأ الأشهب العقيلي بضم النون. وقرأ أبوعمرو وابن وثاب بكسرها، وهي لغات. وقوله: {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} عموم بمعنى الخصوص، لأن الشرك ليس بداخل في الآية إجماعاً، وهي أيضاً في المعاصي مقيدة بالمشيئة. و {جميعاً} نصب هلى الحال. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي". وقرأ ابن مسعود: "إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء". {وأنيبوا} معناه: ارجعوا وميلوا بنفوسكم، والإنابة: الرجوع بالنفس إلى الشيء. وقوله: {من قبل أن يأتيكم العذاب} توعد بعذاب الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: {واتبعوا أحسن} معناه: أن القرآن العزيز تضمن عقائد نيرة وأوامر ونواهي منجية وعدات على الطاعات والبر وحدوداً على المعاصي ووعيداً على بعضها، فالأحسن أن يسلك الإنسان طريق التفهم والتحصيل، وطريق الطاعة والانتهاء والعفو في الأمور ونحو ذلك، فهو أحسن من أن يسلك طريق الغفلة والمعصية فيجد أو يقع تحت الوعيد، فهذا المعنى هو المقصود بـ {أحسن}، وليس المعنى أن بعض القرآن أحسن من بعض من حيث هو قرآن، وإنما هو أحسن كله بالإضافة إلى أفعال الإنسان وما يلقى من عواقبها. قال السدي: الأحسن هو ما أمر الله تعالى به في كتابه. و: {بغتة} معناه: فجأة وعلى غير موعد. و: {تشعرون} مشتق من الشعار.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَسْرَفُواْ} بالشرك {تَقْنَطُواْ} تيأسوا {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} بالتوبة منها "ح"، أو بالعفو عنها إلا الشرك، أو يغفر الصغائر باجتناب الكبائر نزلت والتي بعدها في وحشي قاتل حمزة قال علي: ما في القرآن آية أوسع منها. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحب أن لي الدنيا وما عليها بهذه الآية ".

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ يَٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ...} الآية، هذه الآيةُ عامَّةٌ في جميع النَّاسِ إلى يوم القيامةِ، فتَوْبَةُ الكَافِرِ تَمْحُو ذَنْبَهُ، وتوبة العاصي تمحو ذنبَهُ؛ علَىٰ ما تقدَّم تفصيلُهُ، واختُلِفَ في سبب نزولِ هذه الآية، فقال عطاءُ بن يَسَارٍ: نزلَتْ في وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حمزة، وقال ابن إسحاق وغيره: نزلَتْ في قومٍ بمكَّةَ آمنوا، ولم يُهَاجِرُوا وفَتَنَتْهُمْ قُرَيْشٌ، فَٱفْتَتَنُوا، ثم نَدِمُوا وَظَنُّوا أنهم لا تَوْبَةَ لَهم، [فنزلَتِ] الآيةُ فِيهِم، منهم الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وَهِشَامُ بْنُ العَاصي؛ وهذا قولُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وأنه كَتَبَهَا بِيدِهِ إلَىٰ هشامِ بْنِ العَاصِي، الحديثَ، وقالتْ فرقةٌ: نزلَتْ في قومٍ كُفَّارٍ مِنْ أهْلِ الجاهليَّةِ، قالوا: وَمَا يَنْفَعُنَا الإسْلاَمُ، وَنَحْنُ قد زَنَيْنَا وَقَتَلْنَا النَّفْسَ، وأَتَيْنَا كُلَّ كبيرةٍ، فَنَزَلَتِ الآيةُ فِيهمْ، وقالَ عليُّ بْنُ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ: هذِهِ أرْجَى آية في القرآن، ورَوَى ثَوْبَانُ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَا أُحِبُّ أَنَّ لي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الآيةِ {قُلْ يٰعِبَادِى... » تفسير : و{أَسْرَفُواْ} معناه أَفْرَطُوا، والقَنَطُ أعْظَمُ اليَأْسِ، وقرأ نافعٌ والجمهورُ «تَقْنَطُوا» بفتح النون، قال أبو حاتم: فيلزمهم أن يقرؤوا{أية : مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ}تفسير : [الشورى:28] ـــ بكسرها ـــ ولم يقرأْ بهِ أحَدٌ، وقرأ أبو عمرو «تَقْنِطُوا» ـــ بالكسر ـــ. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} عمومٌ بمعنى الخصوصِ؛ لأن الشِّرْكَ لَيْسَ بداخلٍ في الآيةِ إجماعاً، وهي أيضاً في المعاصِي مقيَّدةٌ بالمشيئةِ، ورُوِيَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ: «حديث : إن اللَّه يغفرُ الذنوبَ جَميعاً ولاَ يُبَالِي»تفسير : وقَرَأَ ابنُ مَسْعُودٍ: «إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لِمَنْ يَشَاءُ» {وَأَنِـيبُوۤاْ} معناه: ٱرْجِعُوا.

ابن عادل

تفسير : قوله (تعالى): {قُلْ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ....} الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: {مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: "إنَّ الله"، ومنها: إبراز الجملة من قوله "إنَّه هُو الغَفُور الرحيم" مؤكدة بـ "إنّ"، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَتَين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا {أية : يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} تفسير : [الفرقان: 68،69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} تفسير : [الفرقان: 70] فقال وَحْشِيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عز وجل -: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء:116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: {قُلْ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُوا وكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان: 63] وقال: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان:6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: "يَا عِبَادِي" مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد اللات وعبد العُزى (وعبد المسيح). وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: {يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} عام في جميع المسرفين، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قال عقيب هذه الآية {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ...} الآية؛ ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} الآية؛ وأيضاً لو كان المراد ما دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة "يَغْفر" للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفور له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: {أية : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} تفسير : [محمد: 33] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر. (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}. وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: حديث : يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي)تفسير : ، وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: حديث : قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَرَ لَهُتفسير : . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَـ(ـب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعَالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال: فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: حديث : إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابَّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النارتفسير : ، قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده لـ (ـقد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. قوله: "يَا عِبَادِيَ" قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: "لاَ تَقْنَطُواْ" قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَانِ، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ}. قوله: {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ} قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه "وأسْلِمُوا لَهُ" أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} تفسير : [البقرة:106]. ثم قال: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} وهذا تهديد وتخويف. والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: "أَنْ تَقُولَ") مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود "أَنِيبُوا". وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: شعر : 4304- وَرُبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا تفسير : يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: "يَا حَسْرَتَى" العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل، وعنه أيضاً: يَا حَسْرَتَايَ بالألف والياء. وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّض مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية "حَسْرَة" مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله: {عَلَى مَا فَرَّطت} ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: شعر : 4305- النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ تفسير : وقال آخر: شعر : 4306- أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى تفسير : ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: شعر : 4307- أَمَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ تفسير : (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل:15] و[لقمان:10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتنا، والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: يَا وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: "يَا حَسْرَتَا" أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ. {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ}. قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تسمي الجنب جانباً. ثم قال: {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ} المستهزئين بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل "وَإنْ كُنْتُ" النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات التي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}. النوع الثالث: {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ} عياناً {لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً} رجعه إلى الدنيا {فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: "فَأَكُونَ" في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على "كَرَّةً" فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: شعر : 4308- لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيْنِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف تفسير : وقول الآخر: شعر : 4309- فما لك منها غير ذكرى وحسرة وتسال عن ركبانها أين يمموا تفسير : والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: {لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً} والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر "أن" وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنًّي ويجب أن تضمر "أن". قوله: "بَلَى" حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق "بلى" أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر، قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: "بلى" جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: "لو أن الله هداني" أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر "بلى" بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن الله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلو إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله:{جَآءَتْكَ} قرأ العامة بفتح الكاف "فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رضي الله عنهما- بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ "جَأتْكَ" بوزن "جَعَتْكَ" بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل {أية : أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن "فكذبت" وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} العامة على رفع "وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ" وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منه عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهو بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرىء: "وُجُوهَهُمْ مُسْوَدَّةً" بنصبهما على أن "وجوهم" بدل بعض من "كل"، و"مسودة" على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرىء وجوههم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرىء به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: {أية : أُقِّتَتْ} تفسير : [المرسلات:11] وبابه، وقوله: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} عن الإيمان. قوله: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ} قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختلفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: {أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} تفسير : [الأحزاب:10]، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، إذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ} يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: "لا يمسهم السوء" فلا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من "الَّذِينَ اتَّقوا". ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏}‏ في مشركي أهل مكة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر رضي الله عنهما‏ فكتبتها بيدي ثم بعثت إلى هشام بن العاصي‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند لين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"حديث : ‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي بن حرب قاتل حمزة يدعوه إلى الإِسلام، فأرسل إليه‏:‏ يا محمد كيف تدعوني وأنت تزعم أن من قتل، أو أشرك، أو زنى، {يلقَ أثاما‏ً} ‏{‏يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً} ‏[‏الفرقان: 69‏]‏ وأنا صنعت ذلك فهل تجد لي من رخصة‏؟‏ فأنزل الله ‏{إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما‏ً} ‏[‏الفرقان: 70‏]‏ فقال وحشي‏:‏ هذا شرط شديد {إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحا‏ً}‏ ‏[‏الفرقان: 70‏]‏ فلعلي لا أقدر على هذا‏.‏ فأنزل الله {‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏} ‏[‏النساء: 48‏]‏ فقال وحشي‏:‏ هذا أرى بعد مشيئة فلا يدري يغفر لي أم لا فهل غير هذا‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية قال وحشي‏:‏ هذا فهم‏.‏ فأسلم، فقال الناس‏:‏ يا رسول الله‏:‏ إنا أصبنا ما أصاب وحشي قال‏: بلى للمسلمين عامة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال‏:‏ لما أسلم وحشي أنزل الله ‏{أية : ‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق‏}‏تفسير : ‏[‏الفرقان: 68‏]‏ قال وحشي وأصحابه‏:‏ فنحن قد ارتكبنا هذا كله‏.‏ فأنزل الله ‏{‏قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.حديث : وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن وحشي قال‏:‏ لما كان في أمر حمزة ما كان ألقى الله خوف محمد صلى الله عليه وسلم في قلبي خرجت هارباً أكمن النهار، وأسير الليل، حتى صرت إلى أقاويل حمير، فنزلت فيهم، فاقمت حتى أتاني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني إلى الإِسلام؟‏ قال‏:‏ تؤمن بالله، ورسوله، وتترك الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر، والزنا، والفواحش كلها، وتستحم من الجنابة، وتصلي الخمس‏. قال‏:‏ إن الله قد أنزل هذه الآية ‏{‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏}‏ فقلت‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فصافحني وكناني بأبي حرب ‏. تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال‏:‏ خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه يضحكون فقال‏:‏ ‏"‏حديث : والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرا‏ً.‏ ثم انصرف وبكى القوم، فأوحى الله إليه‏:‏ يا محمد لم تقنط عبادي‏؟‏ فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏: أبشروا، وقربوا، وسددوا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ اتفقت أنا، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي بن وائل أن نهاجر إلى المدينة‏.‏ فخرجت أنا وعياش وفتن هشام فافتتن، فقدم على عياش أخوه أبو جهل، والحارث بن هشام، فقالا‏:‏ إن أمك قد نذرت أن لا يظلها ظل، ولا يمس رأسها غسل حتى تراك‏.‏ فقلت‏:‏ والله إن يريداك إلا أن يفتناك عن دينك وخرجا به‏.‏ وفتنوه فافتتن قال‏:‏ فنزلت ‏ {‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله‏} ‏ قال‏ عمر رضي الله عنه‏:‏ فكتبت إلى هشام فقدم‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله‏}‏ وذلك أن أهل مكة قالوا‏ يزعم محمد أن من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له. فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس، ونحن أهل الشرك‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً‏} ‏ وقال ‏"وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له‏"‏ وإنما يعاتب الله أولي الألباب، وإنما الحلال والحرام لأهل الإِيمان، فإياهم عاتب، وإياهم أمر إذا أسرف أحدهم على نفسه أن لا يقنط من رحمة الله وأن يتوب، ولا يضن بالتوبة على ذلك الإِسراف والذنب الذي عمل، وقد ذكر الله تعالى في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا المغفرة فقالوا‏:‏ ‏{أية : ‏ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا‏}‏تفسير : ‏[‏آل عمران: 147‏]‏ فينبغي أن يعلم أنهم كانوا يصيبون الأمرين فأمرهم بالتوبة‏. وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال‏:‏ نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشي وأصحابه ‏{‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏}‏ إلى قوله ‏{أية : ‏وأنتم لا تشعرون‏}‏ تفسير : ‏[الزمر: 55]‏‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال‏:‏ نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا فكنا نقول‏:‏ لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبدا‏ً.‏ أقوام أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوه، فنزلت هؤلاء الآيات وكان عمر بن الخطاب كاتباً فكتبها بيده، ثم كتب بها إلى عياش، والوليد، وإلى أولئك النفر‏.‏ فاسلموا وهاجروا‏. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ثوبان قال‏:‏ سمعت رسول الله، يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ‏{‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} إلى آخر الآية‏.‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله فمن أشرك‏؟‏ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: إلا‏‏ ومن أشرك ثلاث مرات ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏{‏يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً‏}‏ ولا يبالي أنه هو الغفور الرحيم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في حسن الظن وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود أنه مر على قاصٍّ يذكر الناس فقال‏:‏ يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ ‏{‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله‏}‏. وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال‏:‏ قال علي أي آية أوسع‏؟‏ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن‏{أية : ‏من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه‏}‏تفسير : ‏[‏النساء: 110‏]‏‏ ونحوها‏.‏ فقال علي رضي الله عنه‏:‏ ما في القرآن أوسع آية من ‏ {‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة‏.‏ يقول الله تعالى لهؤلاء ‏{أية : ‏أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم‏}‏تفسير : ‏[‏المائدة: 74]‏ ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولاً من هؤلاء‏.‏ من قال ‏{أية : ‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ تفسير : ‏[‏النازعات: 24‏]‏ وقال ‏{أية : ‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏تفسير : [‏القصص: 38‏]‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ من آيس العباد من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال‏:‏ إن إبليس قال‏:‏ يا رب زدني قال‏:‏ صدوركم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم قال‏:‏ يا رب زدني‏.‏ قال‏:‏ ‏{أية : وأَجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً‏}‏تفسير : ‏[‏الإسراء: 64‏]‏ فقال آدم عليه السلام‏:‏ يا رب قد سلطته عليَّ وأني لا أمتنع منه إلا بك فقال‏:‏ لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء‏.‏ قال‏:‏ يا رب زدني‏.‏ قال‏:‏ الحسنة عشراً أو ازيد، والسيئة واحدة أو امحوها قال‏:‏ يا رب زدني قال‏:‏ باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد‏.‏ قال‏:‏ يا رب زدني قال ‏{‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم‏}‏‏ . وأخرج أحمد وأبو يعلى والضياء عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم لغفر لكم‏.‏ والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون فيغفر لهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه‏، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:"حديث : ‏لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيغفر لهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الخطيب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ أوحى الله إلى داود عليه السلام‏:‏ يا داود إن العبد من عبيدي ليأتيني بالحسنة فاحكمه فيّ‏ قال داود عليه السلام‏.‏ وما تلك الحسنة‏؟‏ قال‏:‏ كربة فرجها عن مؤمن قال داود عليه السلام‏:‏ اللهم حقيق على من عرفك حق معرفتك أن لا يقنط منك‏. وأخرج الحكيم الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏قال لي جبريل عليه السلام‏:‏ يا محمد إن الله يخاطبني يوم القيامة، فيقول‏:‏ يا جبريل ما لي أرى فلان ابن فلان في صفوف أهل النار‏؟‏ فأقول‏‏ يا رب إنا لم نجد له حسنة يعود عليه خيرها اليوم‏.‏ فيقول الله‏:‏ إني سمعته في دار الدنيا يقول‏:‏ يا حنان يا منان، فأته فاسأله فيقول وهل من حنان ومنان غيري‏؟‏ فآخذ بيده من صفوف أهل النار، فادخله في صفوف أهل الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن الضريس وأبو القسام بن بشير في اماليه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ إن الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى، ولم يرخص لهم في معاصيه، ولم يؤمنهم عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة منه إلى غيره. إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال‏:‏ إن للمقنطين جسراً يطأ الناس يوم القيامة على أعناقهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ ألم أحدث أنك تعظ الناس‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قالت‏:‏ فإياك واهلاك الناس وتقنيطهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه أن رجلاً كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة، ويشدد على نفسه، ويقنط الناس من رحمة الله تعالى، ثم مات فقال‏:‏ أي رب ما لي عندك‏؟‏ قال‏:‏ النار قال‏:‏ فأين عبادتي واجتهادي‏؟‏ فقيل له كنت تقنط الناس من رحمتي، وأنا اقنطك اليوم من رحمتي‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ ذكر لنا أن ناساً أصابوا في الشرك عظاماً فكانوا يخافون أن لا يغفر لهم، فدعاهم الله بهذه الآية ‏ {‏يا عبادي الذين أسرفوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏. حديث : وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز لاحق بن حميد السدوسي قال‏:‏ ‏"‏لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ‏ {‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً.‏.‏‏.‏‏} إلى آخر الآية قام نبي الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، وتلا عليهم‏.‏ فقام رجل فقال‏:‏ يا رسول الله والشرك بالله‏؟‏ فسكت فأعاد ذلك ما شاء الله، فأنزل الله {أية : ‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 48‏]. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ‏{‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏} ‏ إلى قوله ‏{أية : ‏وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}‏ تفسير : ‏[‏الزمر: 54‏]‏ قال عكرمة رضي الله عنه‏:‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما فيها علقة ‏{‏وأنيبوا إلى ربكم‏}‏.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي أفرطُوا في الجنايةِ عليها بالإسرافِ في المعَاصي. وإضافةُ العبادِ تخصصه بالمؤمنين على ما عرف القرآن الكريم. {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} أي لا تيأسُوا من مغفرته أولاً ولا تفضُّلِه ثانياً {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} عفواً لمن يشاءُ ولو بعد حينٍ بتعذيب في الجملة بغيره حسبما يشاء. وتقيـيده بالتَّوبةِ خلاف الظَّاهرِ كيف لا وقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} تفسير : [سورة النساء: الآية 116] ظاهرٌ في الإطلاقِ فيما عدا الشِّركَ. وممَّا يدلُّ عليه التَّعليلُ بقوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} على المبالغة وإفادةِ الحصرِ والوعد بالرَّحمةِ بعد المغفرة وتقديمُ ما يستدعي عمومَ المغفرة مَّما في عبادي من الدِّلالةِ على الذِّلَّةِ والاختصاص المقتضيـينِ للتَّرحم، وتخصيصُ ضررِ الإسرافِ بأنفسهم والنَّهيُ عن القُنوطِ مطلقاً عن الرَّحمةِ فضلاً عن المغفرة وإطلاقِها وتعليلهُ بأنَّ الله يغفرُ الذُّنوبَ ووضعُ الاسمِ الجليلِ موضعَ الضَّميرِ لدلالتهِ على أنَّه المستغنِي والمنعمُ على الإطلاقِ. والتأكيد بالجميعِ وما رُوي من أسبابِ النُّزولِ الدَّالَّةِ على ورود الآيةِ فيمن تابَ لا يقتضِي اختصاصَ الحكم بهم ووجوبُ حملِ المطلقِ على المقيِّد في كلامِ واحدٍ مثل أكرمِ الكاملينَ غيرُ مسلَّمٍ فكيف فيما هو بمنزلةِ كلامٍ واحدٍ ولا يخلُّ بذلك الأمرُ بالتَّوبةِ، والإخلاصِ في قوله تعالى: {وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} إذْا ليسَ المدَّعَى أنَّ الآيةَ تدلُّ على حصولِ المغفرةِ لكل أحدٍ من غير توبةٍ وسبقِ تعذيبٍ لتُغنيَ عن الأمرِ بهما وتُنافي الوعيدَ بالعذابِ {وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ} أي القرآنَ أو المأمورَ به دون المنهيِّ عنه أو العزائمَ دون الرُّخصِ أو النَّاسخَ دون المنسوخِ ولعلَّه ما هو أنجى وأسلم كالإنابةِ والمواظبةِ على الطَّاعةِ {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} بمجيئِه لتتداركوا وتتأهَّبوا له {أَن تَقُولَ نَفْسٌ} أي كراهةَ أنْ تقولَ. والتَّنكيرُ للَّتكثيرِ كما في قولِه تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } تفسير : [سورة التكوير: الآية 14] فإنَّه مسلكٌ ربَّما يسلك عند إرادة التكثيرِ والتَّعميمِ، وقد مرَّ تحقيقُه في مطلع سورة الحجرِ {يٰحَسْرَتَىٰ} بالألفِ بدلاً من ياءِ الإضافةِ وقُرىء يا حسرتَاه بهاء السَّكتِ وقفاً. وقُرىء يا حسرتَاي بالجمعِ بـين العوضينِ. وقُرىء با حسرتِي على الأصلِ أي احضُرِي فهذا أوانُ حُضورِك. {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ} أي على تفريطي وتقصيرِي {فِى جَنبِ ٱللَّهِ} أي حانبِه وفي حقَّه وطاعتِه وعليه قولُ مَن قال شعر : أَمَا تتَّقينَ الله في جنبِ وامق لَه كَبدٌ حَرَّى وَعَينٌ ترقرقُ تفسير : وهو كنايةٌ فيها مبالغة وقيل: في ذاتِ الله على تقديرِ مضافٍ كالطَّاعة وقيل: في قُربِه من قوله تعالى: {أية : وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } تفسير : [سورة النساء: الآية 36] وقُرىء. في ذكرِ الله {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ} أي المُستهزئين بدينِ الله تعالى وأهلِه. ومحلُّ الجملةِ النَّصبِ على الحالِ أي فرَّطتُ وأنا ساخرٌ {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى} بالإرشاد إلى الحقِّ {لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} الشِّركَ والمعاصيَ {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ كَرَّةٌ} رجعةً إلى الدُّنيا {فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} في العقيدةِ والعملِ وأو للدِّلالةِ على أنَّها لا تخلُو عن هذه الأقوالِ تحسُّراً وتحيُّراً وتعلُّلاً بما لا طائل تحته. وقولُه تعالى: {بَلَىٰ قَدْ جَاءتْكَ ءايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} ردُّ من الله تعالى عليه لما تضمَّنه قولُه لو أنَّ الله هداني من معنى النَّفيِ وفصله عنه لما أنَّ تقديمَه يفرقُ القرائنَ وتأخيرُ المردودِ يخلُّ بالتَّرتيب الوجوديِّ لأنَّه يتحسَّرُ بالتَّفريطِ ثم يتعلَّلُ بفقدِ الهدايةِ ثم يتمنَّى الرَّجعةَ وهو لا يمنعُ تأثيرَ قُدرةِ الله تعالى في فعلِ العبدِ ولا ما فيه من إسنادِ الفعلِ إليه كما عرفتَ، وتذكيرُ الخطابِ باعتبار المَعنْى وقُرىء بالتَّأنيثِ.

التستري

تفسير : قوله: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}[53] قال: أمهل الله تعالى عباده تفضلاً منه إلى آخر نفس، فقال لهم: "حديث : لا تقنطوا من رحمتي فلو رجعتم إلي في آخر نفسٍ قبلتكم"تفسير : . قال: وهذه أبلغ آية في الإشفاق من الله تعالى إلى عباده، لعلمه بأنه ما حرمهم ما تفضل به على غيرهم، فرحمهم حتى أدخلهم في عين الكرم بالذكر القديم لهم. وقد حكي عن جبريل عليه الصلاة والسلام أنه سمع إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول: يا كريم العفو. فقال له جبريل عليه السلام: يا إبراهيم، أتدري ما كرم عفوه؟ قال: لا يا جبريل. قال: إذا عفا عن سيئة جعلها حسنة. ثم قال سهل: اشهدوا علي أني من ديني أن لا أتبرأ من فساق أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفجارهم وقاتلهم وزانيهم وسارقهم، فإن الله تعالى لا يُدْرَك غاية كرمه وفضله وإحسانه بأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ...} [الآية: 53]. قال سهل: أمهل الله عباده تفضلاً منه إلى آخر نفس فقال لهم: لا تقنطوا من رحمة الله فلو رجعتم إلى بابى فى آخر نفس لقبلتكم. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: وقد سئل ما العبودية؟ فقال: الإعراض عما يشغله من عبادة ربه. وقال الجريرى: أمر الله عباده أن لا يعتمدوا العبادة والأعمال ولا يقنطوا من التقصير فيها فإن العناية والرعاية سبقت العبادة ألا تراه يقول: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}. قال يحيى بن معاذ: فى كتاب الله كنوز موجبة للعفو عن جميع المؤمنين منها قوله: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}.

القشيري

تفسير : التسمية "بيا عبادي" مَدْحٌ، والوصفُ بأنهم "أسرفوا" ذَمٌ. فلمَّا قال: {يٰعِبَادِيَ} طمع المطيعون في أن يكونوا هم المقصودين بالآية، فرفعوا رؤوسَهم، ونكَّسَ العُصَاةُ رؤوسَهم وقالوا: مَنْ نحن... حتى يقول لنا هذا؟! فقال تعالى: {ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} فانقلب الحالُ؛ فهؤلاء الذين نكَّسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت ذِلَّتُهُم، والذين رفعوا رؤوسَهم أطرقوا وزالت صَوْلَتُهم. ثم أزال الأُعجوبةَ عن القسمة بما قَوي رجاءَهم بقوله: {عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} يعني إنْ أَسْرَفْتَ فعلى نَفْسِكَ أسرفت. {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}: بعد ما قطعْتَ اختلافَك إلى بابنا فلا ترفَعْ قلبك عَنَّا. {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} الألف واللام في "الذنوب" للاستغراق والعموم، والذنوب جمع ذنب، وجاءت "جميعاً" للتأكيد؛ فكأنه قال: أَغْفِرُ ولا أترك، وأعفوا ولا أُبْقِي. ويقال إنْ كانت لكم جِناية كثيرة عميمة فلي بشأنكم عناية قديمة.

البقلي

تفسير : بسط الحق فى هذه الأية بساط عطايا وفجرا بحر كراماته لعطاش الرحمة ورفع سجوف الغيرة عن اطباق الاسرار راى ايش بكم عباد منى تخافون ومن رحمتى تقنطون لا تخافوا ولا تحزنوا فانى احببتكم فى الازل وحكمت باجراء الذنوب عليكم وانا عالم فى الازل بذنوبكم قبل وجودكم ولو كنت غضبان عليكم بذنوبكم ما احببتكم فى الازل اجربتها عليكم لافتقاركم الىّ وعجزكم بين يدى كيف يقدح ذنوب الاولين والأخرين على بحر رحمتى الواسعة وجميع الحدثان اقل من قطرة فى بحار رحمتى فاذا فتحت خزائن جورى يدخل عصيان جميع خلال يقى فى حاشية من حواشيها وهذه الأية من اعظم ترجيه العباد جميعا يسلى الله بها قلوب الخائفين الذين يحتشمون من دقائقه فيقول لا باس بكم فانى اغفر الصغائر والكبائر والاسرار والضمائر اطهركم عن الجميع والبسكم انوار رحمتى حتى تبقوا مع الله وتنظروا الى وجهى الكريم بلا حسبا ولا عتاب ولا حجاب ولا عذاب قال سهل امهل عباده تفضلا منه على أخر نفس فقال لهم لا تقنطوا من رحمتى ولو رجعتم الى بابى الى أخر نفسى لقبلتكم قال الجريرى امر الله عباده ان لا يعتمد واعمالهم ولا يقنطوا من التقصير فيها فان الرعاية والعناية سبقت بالعبادة الا تراه يقول قبل يا عبادى الأية وقال يحيى بن معاذ فى كتاب الله كنوز محبته للعفو عن جميع المؤمنين منها قوله تعالى قل يا عبادي الذين الأية.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل يا عبادى الذين اسرفوا على انفسهم}. قال الراغب السرف تجاوز الحد فى كل ما يفعله الانسان وان كان ذلك فى الانفاق اشهر وقوله تعالى {قل يا عبادى الذين اسرفوا على انفسهم} يتناول الاسراف فى الاموال وفى غيرها انتهى. وتعدية الاسراف بعلى لتضمين معنى الجناية والمعنى افرطوا فى الجناية عليها بالاسراف فى المعاصى وارتكاب الكبائر والفواحش. قال البيضاوى ومن تبعه اضافة العباد تخصصه بالمؤمن على ما هو عرف القرآن. يقول الفقير قوله تعالى {أية : فاذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولى بأس شديد} تفسير : ينادى على خلافه لان العباد فسر ههنا ببخت نصر وقومه وكانوا كفارا بالاتفاق الا ان يدعى الفرق بين الاضافة بالواسطة وبغيرها. وقال فى الوسيط المفسرون كلهم قالوا ان هذه الآية نزلت فى قوم خافوا ان اسلموا ان لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام كالشرك وقتل النفس والزنى ومعاداة النبى عليه السلام والقتال معه فانزل الله هذه الآية وفرح النبى عليه السلام بهذه الآية ورآها اصحابه من اوسع الآيات فى مغفرة الذنوب انتهى. وقال فى التكملة روى ان وحشيا قاتل حمزة رضى الله عنه كتب الى النبى عليه السلام يسأله هل له من توبة وكتب انه كان قد سمع فيما انزل الله بمكة من القرآن آيتين ايأستاه من كل خير وهما قوله تعالى {أية : والذين لا يدعون مع الله الها آخر} تفسير : الى قوله {أية : مهانا} تفسير : فنزلت {أية : الا من تاب} تفسير : الخ فكتب بها رسول الله عليه السلام فخاف وحشى وقال لعلى لا ابقى حتى اعمل عملا صالحا فانزل الله {أية : ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك} تفسير : الخ فقال وحشى انى اخاف ان لا اكون من مشيئة الله فانزل الله تعالى {قل يا عبادى الذين اسرفوا على انفسهم} الخ فاقبل وحشى واسلم انتهى وعلى كل تقدير فخصوص السبب لا ينافى عموم اللفظ فدخل فيه كل مسرف {لا تقنطوا من رحمة الله} القنوط اعظم اليأس. وفى المفردات اليأس من الخير: وبالفارسية [نوميدشدن ازخير] والرحمة من الله تعالى الانعام والاعطاء والتفضل: وبالفارسية [بخشايش] وهو لا يكون فى الترتيب الوجودى الا بعد المغفرة التى هى ان يصون الله عبده من ان يمسه العذاب دل عليه قوله {انه هو الغفور الرحيم} ولذا قالوا فى المعنى لا تيأسوا من مغفرته اولا وتفضله ثانيا شعر : نوميد مشوكه نااميدى كفراست تفسير : [درمعالم التنزيل آورده كه ابن مسعود رضى الله عنه درمسجد در آمد ديد كه واعظمى ذكر آتش دوزخ وسلاسل واغلال ميكند فرمودكه اى مذكرجرا نوميد مى كردانى مردمانرا مكر نخواندى آنراكه ميفرمايد] {قل يا عبادى الذين} الخ. واعلم ان القنوط من رحمة الله علامة زوال الاستعداد. والسقوط عن الفطرة بانقطاع الوصلة بين الحق والعبد اذ لو بقى شىء فى العبد من نوره الاصلى لادرك اثر رحمته الواسعة السابقة على غضبه فرجاء وصول ذلك الاثر اليه لاتصاله بعالم النور بتلك البقية وان اسرف وفرط فى جنب الله واما اليأس فدليل الاحتجاب الكلى واسوداد الوجه فالله تعالى يغفر الذنوب جميعا بشرط بقاء نور التوحيد فى القلب فاذا لم يبق دخل فى قوله {أية : ان الله لا يغفر ان يشرك به} تفسير : فالقنوط من اعظم المصائب وقد امهل تعالى عباده تفضلا منه الى وقت الغرغرة فلو رجع العبد الى الله قبل آخر نفس يتنفسه قبل {ان الله يغفر الذنوب} حال كونها {جميعا} كأنه قيل ما سبب النهى عن القنوط من الرحمة فاجيب بان سبب النهى هو {ان الله يغفر الذنوب جميعا} عفوا لمن يشاء ولو بعد حين بتعذيب فى الجملة وبغيره حسبما يشاء فهو وعد بغفران الذنوب وان كثرت وكانت صغائر او كبائر بعدد الرمال والاوراق والنجوم ونحوها. والعموم بمعنى الخصوص لان الشرك ليس بداخل فى الآية اجماعا وهى ايضا فى العاصى مقيدة بالمشيئة لان المطلق محمول على المقيد وسيجىء بقية الكلام على الآية قال عليه السلام "حديث : ان الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالى انه هو الغفور الرحيم" تفسير : وقال عليه السلام "حديث : ان تغفر اللهم فاغفر جما وأى عبد لك لا الما" تفسير : يعنى [جون آمرزى خداوندا همه بيامرز وآن كدام بنده است كه اوكناه نكرده است]. والفرق بين العفو والمغفرة هو ان حقيقة العفو هو المحو كما اشير اليه بقوله تعالى {أية : ان الحسنات يذهبن السيئات} تفسير : والتبديل الذى اشير اليه بقوله {أية : فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} تفسير : هو من مقام المغفرة قاله الشيخ الكبير رضى الله عنه فى شرح الاربعين حديثا ثم قال فى مقام التعليل {انه} تعالى {هو} وحده {الغفور الرحيم} الاول اشارة الى محو ما يوجب العقاب والثانى الى التفضل بالثواب وصيغة المبالغة راجعة الى كثرة الذنوب وكثرة المغفور والمرحوم. قال الاستاذ القشيرى قدس سره التسمية بيا عبادى مدح والوصف بانهم اسرفوا ذم فلما قال يا عبادى طمع المطيعون ان يكونوا هم المقصودين بالآية فرفعوا رؤسهم ونكس العاصى رأسه وقال من انا حتى يقول لى هذا فقال الله تعالى {الذين اسرفوا على انفسهم} فانقلب الحال فهؤلاء الذين نكسوا رؤسهم انتعشوا وزالت زلتهم والذين رفعوا رؤسهم اطرقوا وزالت صولتهم ثم قوى رجاؤهم بقوله على انفسهم يعنى ان اسرفت لا تقنط من رحمة الله بعدما قطعت اختلافك الى بابنا فلا ترفع قلبك عناء والالف واللام فى الذنوب للاستغراق والعموم وجميعا تأكيد له فكأنه قال اغفر ولا اترك واعفو ولا ابقى فان كانت لكم جناية كثيرة عميمة فلى بشأنكم عناية قديمة. وفى كشف الاسرار [بدانكه از آفريد كان حق تعالى كمال كرامت دوكروه راست يكى فرشتكان وديكر آدميان "ولهذا جعل الانبياء والرسل منهم دون غيرهم" وغايت شرف انسانى دردوجيزاست درعبوديت ودرمحبت عبوديت محض صفت فرشتكانست وعبوديت ومحبت هر دوصفت آدميان است فرشتكانرا عبوديت محض دادكه صفت خلق است وآدميانرا بعد ازعبوديت خلعت محبت داد كه صفت حق است تا از بهر اين امت ميكويد {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : ودرعبوديت نيز آدميانرا فضل داد برفرشتكانكه عبوديت فرشتكان بىاضافت كفت {أية : بل عباد مكرمون} تفسير : وعبوديت آدميان باضافت كفت {يا عبادى} آنكه برمقتضاى محبت فضل خود برايشان تمام كرد وعيبها ومعصيتهاى ايشان بانوار محبت بيوشيد وبرده ايشان ندريدنه بينى كه زلت برايشان قضا كرد وبآن همه زلات نام عبوديت ازايشان نيفكند وباذ كرزلت ومعصيت تشريف اضافت ازايشان باز نستد كفت {قل يا عبادى الذين اسرفوا على انفسهم} وآنكه برده ايشان نكاه داشت كه عين كناهان اظهار نكرد بلكه مجمل ياد كرد سربسته وعين آن بوشيده كفت {اسرفوا} اسراف كردند كزاف كردند ازبهر آنكه درارادت وى مغفرت ايشان بود نه برده دريد نه اسم عبوديت بيفكد "سبحانه ما ارافه بعباده" موسى عليه السلام كفت "الهى تريد المعصية من العباد وتبغضها" كفت "يا موسى ذاك تأسيس لعفوى" يعنى معصيت بندكان بارادت تست آنكه آنرا دشمن ميدارى وبنده را بمعصيت دشمن ميكيرى حق جل جلاله كفت آن بنياد عفو وكرم خويش است كه مى نهم خزينه رحمت ما براست اكر عاصيان نباشند ضايع ماند. قال الكاشفى بيمارستان جرم وعصيانرا شربت راحت جز درين دار الشفا حاصل نشود وسركردانان بيابان نفس وهوارا زاد طريق نجات جز بمدد آن آيت ميسر نكردد] شعر : ندارم هيج كونه توشه راه بجز لا تقنطوا من رحمة الله توفرمودى كه نوميدى مياريد زمن لطف وعنايت جشم داريد بدين معنى بسى اميد واريم ببخشا زانكه بس اميد داريم اميد دردمندانرا دوا كن دل اميد وارنرا روا كن تفسير : وقال المولى الجامى قدس سره شعر : بلى نبود درين ره نا اميدى سياهىرا بودرو در سفيدى زصد دردى كراميدت نيابد بنوميدى جكر خوردن نشايد درديكر ببايد زدكه ناكاه ازان درسوى مقصود آورى راه تفسير : قال عليه السلام "حديث : ما احب ان تكون لى الدنيا وما فيها بها" تفسير : اى ما احب ان املك الدنيا وما فيها بدل هذه الآية فالباء فى بها للبدلية والمقابلة: وبالفارسية [دوست نمى دارم كه دنيا ومافيها مراباشد بعوض اين آيت جه اين آيت ازدنيا وهرجه دردنيا باشد بهتراست] وذلك لان الله تعالى منّ على من اسرف من عباده ووعد لهم مغفرة ذنوبهم جميعا ونهاهم ان يقنطوا من رحمته الواسعة. واعلم ان الآية لا تدل على غفران جميع الذنوب لجميع الناس بل على غفران جميع ذنوب من شاء الله غفران ذنوبه فلا تنافى الامر بالتوبة وسبق تعذيب العصاة والامر بالاخلاص فى العمل والوعيد بالعذاب فالله تعالى لا يغفر الشرك الا بالتوبة والرجوع عنه ويغفر ما دون ذلك من الصغائر والكبائر بالتوبة وبدونها لمن يشاء لا لكل احد من اهل الذنوب ـ روى ـ ان ابن مسعود رضى الله عنه قرأ هذه الآية ان الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء فحمل المطلق على المقيد وذلك لانه لا يجرى فى ملكه الا ما يشاء. يقول الفقير ان اهل السنة لم يشترطوا التوبة فى غفران الذنوب مطلقا اى سواء كانت صغائر او كبائر سوى الشرك ودل عليه آثار كثيرة. روى ان الله تعالى يقول يوم القيامة لبعض عصاة المؤمنين سترتها عليك فى الدنيا اى الذنوب وانا اغفرها لك اليوم فهذا وامثاله يدل على المغفرة بلا توبة. والفرق بين الشرك وسائر المعصية هو ان الكافر لا يطلب العفو والمغفرة لمعاصيه وقوله تعالى {أية : انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} تفسير : انما هو بالنسبة الى حال الغرغرة فالشرك وسائر المعاصى لا يغفر فى تلك الحال وان وجدت التوبة وهذا لا ينافى المغفرة بدون التوبة بالنسبة الى المعاصى سوى الشرك فان مغفرته مخالفة للحكمة. وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : جعل الله الرحمة مائة جزء فامسك عنده تسعة وتسعين وانزل فى الارض جزأ واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها وهو يمص ان تصيبه" تفسير : فهذا مما يدل على كمال الرجاء والبشارة للمسلمين لانه حصل فى هذه الدار من رحمة واحدة ما حصل من النعم الظاهرة والباطنة فما ظنك بمائة رحمة فى الدار الآخرة. قال يحيى بن معاذ رحمه الله فى كتاب الله كنوز موجبة للعفو عن جميع المؤمنين. منها قوله تعالى {قل يا عبادى} الخ ولذا قال العلماء ارجى آية فى القرآن لاهل التوحيد هذه الآية وقوله تعالى {أية : ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : وقوله {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى} تفسير : وذلك ان كل نبى مرسل مظهر لبعض احكام الرحمة ولذا كانت رسالته مقيدة ومقصورة على طائفة مخصوصة ولما كان نبينا عليه السلام مظهر حقيقة الرحمة كانت بعثته عامة وقيل فيه {أية : وما ارسلناك الا رحمة للعالمين} تفسير : وتم ظهور حكم رحمانيته بالشفاعة التى بها تظهر سيادته على جميع الناس حتى ان من يكون له درجة الشفاعة من الملائكة والانبياء والمؤمنين لا يشفعون الا بعده فلا تقنطوا ايتها الامة المرحومة من رحمة الله المطلقة ان الله يغفر الذنوب جميعا بشفاعة من هو مظهر تلك الرحمة قال الجامى شعر : زمهجورى برآمد جان عالم ترحم يا نبى الله ترحم اكرجه غرق درياى كناهم فتاده خشك لب برخاك راهيم توابر رحمتى آن به كه كناهى كنى درحال لب خشكان نكاهى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قل} يا محمد {يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم} أي: أفرطوا في الجناية عليها، بالإسراف في المعاصي، والغلو فيها، {لا تقنطوا من رحمة الله}: لا تيأسوا من مغفرته أولاً، وتفضُّله بالرحمة ثانياً، {إِن الله يغفرُ الذنوبَ جميعاً}، بالعفو عنها، إلا الشرك. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يغفر الذنوب جميعاً ولا يُبالي" تفسير : لكنها لم تتواتر عنه. والمغفرة تصدق بعد التعذيب وقبله، وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر، كيف، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] ظاهر في الإطلاق مما عدا الشرك؟ وَلِمَا يدل عليه التعليل بقوله: {إِنه هو الغفور الرحيم} على المبالغة، وإفادة الحصر، والوعد بالرحمة بعد المغفرة. وما في {عبادي} من الدلالة على الذلة والاختصاص، المقتضييْن للترحُّم. {إِنه هو الغفورُ}؛ يستر عظام الذنوب {الرحيمُ} يكشف فظائع الكروب. والآية، وإن نزلت في "وحشي"، قاتل "حمزة"، أو في غيره، لا تقتضي التخصيص بهم، فإن أسباب النزول لا تخصص. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ". تفسير : ولما نزلت في شأن وحشي، وأسلم، قال المسلمون: هذه له خاصة، أو للمسلمين عامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل هي للمسلمين عامة"تفسير : . وقال قتادة إن ناساً أصابوا ذنوباً عظاماً، فلما جاء الإسلام أشفقوا ألا يتاب عليهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية. وقال ابن عمر: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر كانوا قد أسلموا ثم فُتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً، فنزلت الآية، وكان عمر بن الخطاب كاتباً، فكتبها بيده، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد، وإلى أولئك النفر، فأسلموا، وهاجروا. قال علي رضي الله عنه: "ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية". فما يُقنط الناس ويشدد عليهم بعد هذه الآية إلا جهول، أو جامد، قال زيد بن أسلم: إنَّ رجلاً كان في الأمم الماضية مجتهداً في العبادة، فيشدد على نفسه، ويقنط الناس من رحمة الله، فمات، فقال: أيّ ربّ؛ ما لي عندك؟ فقال: النار. فقال: يا رب؛ أين عبادتي؟ فقال: إنك كنت تُقنط الناس من رحمتي في الدنيا، فاليوم أقنطك من رحمتي. وعن عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ قال: الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من عذاب الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله. هـ. ثم حضَّ على التوبة لتتحقق المغفرة، فقال: {وأَنِيبوا إِلى ربكم} أي: ارجعوا إليه بالتوبة والإخلاص. فالإنابة أخص من التوبة؛ لأن التوبة: مطلق الندم على الزلة، والإنابة: تحقيق التوبة والنهوض إلى الله بإخلاص التوجه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من السعادة أن يطول عمر الرجل ويرزقه الله الإنابة"تفسير : . قال القشيري: وقيل الفرق بين الإنابة والتوبة: أن التائب يرجع خوفاً من العقوبة، والمنيب يرجع حياءً منه تعالى. هـ. والأمر بالتوبة لا يدل على تقييد المغفرة في الآية بها، كما تقدّم؛ إذ ليس المدعَى: أن الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبْق تعذيب، حتى يغني عن الأمر بها، وإنما المراد: الإخبار بسعة غفرانه، سواء كان مع التوبة أم لا. قال ابن عرفة: واعلم أن التوبة من الكفر مقطوع بها، ومن المعاصي، قيل: مظنونة، وقيل: مقطوع بها، هذا في الجملة، وأما في التعيين، كتوبة زيد بن عَمْرو، فلا خلاف أنها مظنونة. هـ. قلت: قد اقترن بتوبة زيد من الأخبار ما يقطع بصحتها. ثم قال: وأما العاصي إذا لم يتب فهو في المشيئة، مع تغليب جانب الخوف والعقوبة، واعتقاد أن العذاب أرجح، وأما العصيان بالقتل، ففيه خلاف بين أهل السُّنة، فقيل: يخلد في النار، وقيل: في المشيئة. هـ. وقال أبو الحجاج الضرير رحمه الله: شعر : وتوبةُ الكافرِ تمحُو اِثْمَه لا خلافَ فيه بين الأُمَّهْ وتوبةُ العاصي على الإِرجاءِ وقيلَ كالأول بالسواءِ إذ لا يكونُ دونه في الحالِ وَهُوَ عندي أحسنُ الأقوالِ دليلُه: تتابعُ الظواهِرْ شاملةٌ مسلمٌ وكافرْ تفسير : {وأَسْلِمُوا له} أي: اخضعوا له، وانقادوا لأمره. قال القشيري: أي: أَخلصوا في طاعتكم، والإسلامُ ـ الذي هو الإخلاص بعد الإنابة ـ: هو أن يعلم نجاته بفضلِه، لا بإنابته؛ فبفضله يصل إلى إثابته، لا بإنابته يصل إلى فضله. هـ. {من قبل أن يأتيكم العذابُ} في الدنيا، أو في الآخرة، إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب. قال القشيري: العذاب هنا، قيل: الفراق، وقيل: هو أن يفوتَه وقت الرجوعِ بسوء الإياس. هـ. {ثم لا تُنصرون}: لا تُمنعون منه أبداً. الإشارة: لا يعظم عندك الذنب عظمة تصدك عن حسن الظن بالله، فإن مَن استحضر عظمة ربه صغر في عينه كل شيء. وتذكر قضية الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، ثم سأل راهباً: هل له توبة؟ فقال: لا، فكمل به المائة، ثم سأل عارفاً، فقال له: ومَن يحول بينك وبينها؟ لكن اخرج من القرية التي كنت تعصي فيها، واذهب إلى قوم يعبدون الله في مكان، فذهب، فأدركه الموت في الطريق، فلما أحسّ بالموت انحاز بصدره إلى القرية التي قصدها، ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة فقال لهم الحق تعالى: قيسوا من القرية التي خرج منها، إلى القرية التي قصدها، فإلى أيهما هو أقرب هو منها؟ فوجدوه أقرب إلى القرية التي قصدها بشبر، فأخذته ملائكة الرحمة. إلى غير ذلك من الحكايات التي لا تحصى في هذا المعنى. وتأمل قضية الشاب الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال: حديث : ما يبكيك؟ قال: ذنوبي. فقال له عليه السلام: إن الله يغفر ذنوبك، ولو كانت مثل السماوات السبع، والأرضين السبع، والجبال الرواسي، فقال: يا رسول الله، ذنب من ذنوبي أعظم من السماوات السبع والأرضين السبع، فقال له: ذنوبك أعظم أو العرش؟ قال: ذنوبي، فقال له: ذنوبك أعظم أو الكرسي؟ قال: ذنوبي، فقال: ذنوبك أعظم أو إلهك؟ فقال: الله أعظم، فقال: فأخبرني عن ذنبك. قال: إني أستحيي، فقال: فأخبرني، فقال: إني كنت نبّاشاً أنبش القبور منذ سبع سنين، حتى ماتت جارية من بنات الأنصار، فنبشتها، وأخرجتها من كفنها، فمضيت، ثم غلبني الشيطان، فرجعت، فجامعتها، فقامت الجارية، وقالت: الويل لك يا شاب من دَيّان يوم الدين، يوم يضع كرسيه للقضاء، يأخذ من الظالم للمظلوم، تركتني عريانة في عساكر الموتى، وأوقفتني جُنباً بين يدي الله، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب في قفاه، وهو يقول: يا فاسق، اخرج، ما أقربك من النار، فخرج الشاب تائباً إلى الله تعالى، حتى أتى عليه ما شاء الله، ثم قال: يا إله محمد وآدم وحواء، إن كنت غفرت لي فأَعْلِم محمداً وأصحابه، وإلا فأرسل عليَّ ناراً من السماء فأحرقني بها، ونجِّني من عذاب الآخرة، فجاء جبريل: فقال: السلام يقرئك السلام، فقال: هو السلام وإليه يعود السلام، قال: يقول أأنت خلقت خلقي؟ قال: بل هو الذي خلقهم. قال: يقول: ترزقهم؟ قال: بل هو الذي يرزقهم، قال: يقول: أأنت تتوب عليهم؟ قال: بل هو الذي يتوب عليهم. قال: فتب على عبدي، فإني تبتُ عليه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الشاب، وتاب عليه، وقال: إن الله هو التوّاب الرحيمتفسير : . هـ. ذكره السمرقندي والثعلبي. ثم أمر باتباع القرآن بعد الإنابة، فقال: {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ}.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِيَ} قد مضى انّ الخطاب للعباد من محمّد (ص) بياعبادى فى محلّه فانّ عباد الله كما انّهم عبادٌ لله عبد عبوديّة عباد لمظاهره عبد طاعةٍ، على انّ حكم الظّاهر قد ينسب الى المظهر اذا انسلخ المظهر من انانيّته وظهر فيه انانيّة الظّاهر كما انّ حكم المظهر قد ينسب الى الظّاهر ويشهد لذلك قوله تعالى: {أية : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال:17] وقوله {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة:14] وقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة:111] وقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح:10] وقوله {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة:104] فانّ الاشتراء والبيعة وقبول التّوبة واخذ الصّدقات ليست الاّ بتوسّط المظاهر والخلفاء {ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} بالافراط فى حقوقها الدّنيويّة والتّفريط فى حقوقها الاخرويّة {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} وهذا لمن كان له سمة العبوديّة بالنّسبة الى مظاهره وخلفائه ولا يكون سمة العبوديّة الاّ لمن باع معهم البيعة العامّة او البيعة الخاصّة، بل نقول: لا يكون سمة العبوديّة الاّ لمن باع البيعة الخاصّة فانّ الايمان الّذى هو سمة العبوديّة لا يدخل فى القلب الاّ بالبيعة الخاصّة، وامّا المسلمون فدخولهم فى الاسلام ليس الاّ كدخول من دخل تحت حكم السّلاطين الصّوريّة ولذلك لا يكون الاجر والثّواب الاّ على الايمان دون الاسلام، او نقول هو عامّ لكلّ من لم ينسلخ من عبودية الله تكويناً سواء صار عبداً له تكليفاً او لم يصر، وانسلاخه من عبوديّته التّكوينيّة لا يكون الاّ بالتّمكّن فى اتّباع الهوى والشّيطان فانّ المتمكّن فى اتّباعهما لا يغفر له لانّه الشّرك الّذى قال الله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} تفسير : [النساء:48] فالمراد بالذّنوب ههنا غير الشّرك الّذى لا يغفره الله، وغير المتمكّن فى اتّباع الشّيطان هو الباقى على ولاية آل محمّدٍ (ص) تكويناً وان لم يبايع بالولاية معهم تكليفاً فلا منافاة بين هذا التّعميم، وما ورد فى الاخبار من اختصاص الآية بشيعة آل - محمّدٍ (ص) فانّه قال القمىّ: نزلت فى شيعة علىّ بن ابى طالبٍ (ع) خاصّةً، وعن الصّادق (ع) لقد ذكركم الله فى كتابه اذ يقول: {يٰعِبَادِيَ} (الآية) قال (ع): والله ما اراد بهذا غيركم، وعن الباقر (ع): وفى شيعة ولد فاطمة (ع) انزل الله عزّ وجلّ هذه الآية خاصّةً، وعن الصّادق (ع): ما على ملّة ابراهيم (ع) غيركم، وما يقبل الاّ منكم، ولا يغفر الذّنوب الاّ لكم، وعن امير المؤمنين (ع): ما فى القرآن آيةٌ اوسع من {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} (الآية)، وعن النّبىّ (ص): "حديث : ما احبّ انّ لى الدّنيا وما فيها بهذه الآية"تفسير : ، واذا جمع ما ورد فى شيعة علىٍّ (ع) مع هذه الآية علم ان ليس المراد بعبادى الاّ شيعته، مثل حبّ علىٍّ (ع) حسنةٌ لا يضرّ معها سيّئةٌ ومثل: دينكم دينكم فانّ السّيّئة فيه مغفورة، والحسنة فى غيره غير مقبولة، ومثل: اذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، ومثل: ولىّ علىٍّ (ع) لا يأكل الاّ الحلال، ومثل: انّ الله عزّ وجلّ فرض على خلقه خمساً فرخّص فى اربعٍ ولم يرخّص فى واحدةٍ، وغير ذلك ممّا يدلّ على انّ الرّجل ان وصل الى الاحتضار بالولاية غفر الله له جميع ذنوبه {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ} المضاف الّذى هو علىّ بن ابى طالبٍ (ع) وولىّ امركم، والانابة اليه بعد البيعة ليست الاّ بالحضور لديه بمعرفته بالنّورانيّة الّذى هو الحضور عند الله والمعرفة بالله {وَأَسْلِمُواْ لَهُ} اى انقادوا له بالخروج من جميع نيّاتكم وقصودكم وليس الاّ بالحضور عنده {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ} اى عذاب الاحتضار او عذاب القيامة {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} اذا لم تكونوا تسلمون له.

فرات الكوفي

تفسير : [تقدم في الحديث 496 من هذه السورة عن الصادق عليه السلام وسيأتي في سورة الضحى من حديث الإمام الباقر ما يرتبط بالآية].

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد حكاية عن الله* {يَا عِبَادِيَ} سكن ياءه وجعلوا حذفها وصلاً أبو عمرو وحمزة والكسائى وفتحها الباقون والأصل (يا عباد الله) وعبر بالياء ففيه الالتفات (السكاكي) والاصل؛ قل: قال الله لكم يا عبادي والمراد بالعباد العموم، وقيل: اضافتهم لضمير الله الذي هو الياء مخصصة بالمؤمنين في عرف القرآن* {الَّذِينَ أَسْرَفُواْ} أي أفرطوا في المعاصي وأكثروا منها وجنوا* {عَلَى أَنفُسِهِمْ} وأثقلوا عليها* {لاَ تَقْنَطُواْ} لا تيأسوا وقيل القنوط أعظم من اليأس. قرأ نافع والجمهور بفتح النون قال أبو حاتم فيلزمهم أن يقرأوا من بعد ما قنطوا بكسرها ولم يقرأ بها أحد قلت فتحوا في المضارع نظراً للغة ما يكسر الماضى ونطقوا بالماضى مفتوحاً على لغة وقرأ أبو عمرو (ولا تقنطوا) بكسر النون وكذا الكسائى على قياس قنط بفتحها وقرئ (لا تقنطوا) بضم النون مضارع قنط بالفتح* {مِن رَّحْمَةِ اللهِ} أي مغفرته المستلزمة لرحمته أي انعامه فانه لا يغفر لأحد الا وينعم اذ لا واسطة للمكلفين بين الرحمة والعذاب وفي ذلك اشعار بعظم الجود فانه مع عظم ذنوبهم نقلهم الى الدرجة الثانية وهي الرحمة وطوى عن ذكر الأولى وهي نحو الذنب وعدم المؤاخذة به* {إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} عفواً بشرط التوبة منها بدليل التقييد بها في مواضع من القرآن والسنة والمطلق يحمل على المقيد وقد ذكرت في القرآن مراراً شرطاً للغفران فذكرها فيما ذكرت ذكر لها فيما لم تذكر وانما تحذف لدليل والقرآن في حكم كلام واحد لا يتناقض حاشاه وأيضاً لا يليق أن يذكر لهم انه يغفر الكبائر بلا توبة مع انه ناه عنها لان ذلك يؤدي بهم الى الاجتراء عليها كيف وقد أخفي الصغائر لئلا يجترئ عليها من حيث أنه غفرها ويدلل ذلك تعقيب الآية بقوله {وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ}

اطفيش

تفسير : {قُلٌ} عنى ليقوى الطمع، ويزول الإياس {يا عبادي الَّذينَ أسرَفُوا على أنْفسِهِم} أفرطوا فى المعاصى كائنة ما كانت، فلا معصية تخرج عن الآية فتقبل توبة الزانى وآكل الربا، وقاتل النفس المؤمنة، ولو كانت سعيدة عند الله وغيرهم اذا تابوا، والمرائى اذا تاب فيرجع عمله كأنه لم يراء، ومن الاسراف الاصرار على صغيرة واحدة، والاسراف الأفراط فى شىء مال أو غير مال حقيقة ولو كثر فى المال، ولما كان مضرة عدى بعلى، أو ضمن معنى الجناية، والعباد على العموم، والاضافة الاجنس، وقيل المؤمنون، فالاضافة للتشريف، وعموم المؤمنين، أو للعهد فى قوله المتقدم يا عبادى {لا تقْنطُوا} لا تيأسوا {مِن رحْمَة الله} من مغفرته فانها رحمة أو مغفرة، وادخال الجنة أو رحمته الجنة لأن المذنب يقنط من الجنة بدخول النار، وداخل الجنة مغفور له، لا يدخلها بلا غفران. ويروى أن أخوين أحدهما مجتهد فى الطاعة، والآخر مسرف فى المعاصى واجتهد المطيع لله تعالى فى نهيه حتى قال له: والله انك من أهل النار، وماتا، وقال الله تعالى للمطيع: ادخل النار، لأنك أقنطت عبدى من رحمتى الواسعة، وقال للمسرف ادخل الجنة، ومعى ذلك أن العابد لم يقل للعاصى تدخل النار ان شاء الله عز وجل، أو أن لم تتب، صغائر وكبائر {جَميعاً إنَّه هُو الغَفُور الرَّحيمُ} المغفرة الستر، فاذا غفر الذنب فقد ستر اذ لم ير عقابه، فكأنه لم يكن، وكأنه غير ذنب، أو المغفرة محوه من صحيفة المذنب، والتوبة شرط، كما شرطت فى مواضع من القرآن، والمطلق يحمل على المقيد، ولو لم يحمل على المقيد لرجعت هذه الآية الى كل ما شرط فيه التوبة، فيبطل اشتراط التوبة، فيتناقض الكلام، والقرآن ككلام واحد. روى أبو داود والترمذى، عن اسماء بنت يزيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالى انه هو الغفور الرحيم، قال قوم: يا محمد ان ما تقول حق، لكن أشركنا وزنينا وقتلنا، فلو أخبرنا بكفارة لذلك، فنزل: " أية : والذين لا يدعون" تفسير : [الفرقان: 68] الى قوله تعالى: " أية : يبدل الله سيئاتهم حسنات" تفسير : [الفرقان: 70] ونزل: " قل يا عبادي الذين أسرفوا" ويروى سمعوا الآية الى قوله: " أية : مهانا" تفسير : [الفرقان: 69] فأيسوا، فنزل: "أية : إلا من تاب" تفسير : [الفرقان: 70] الخ يبدل الله اشراكهم توحيدا، وزناهم احصانا. ويروى أنهم قالوا: هذا شرط وهو العمل الصالح، فنزل: " أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به " تفسير : [النساء: 48، 116] الخ ونزل: " قل يا عبادى" كأنهم توهموا أنه لا يغفر لمن أسلم وتاب وعمل صالحا، وعصى بعد فأخبرهم أن التوبة تقبل أيضا بعد هذا العصيان لقوله: " أية : ويغفر ما دون ذلك" تفسير : [النساء: 48، 116] وقوله: " قل يا عبادي" الخ ورجع بهذه الآية قوم ارتدوا فأسلموا، وكان الصحابة يقولون: إن حسناتهم مقبولة لا يبطلها شىء، فنزل: " أية : ولا تبطلوا أعمالكم" تفسير : [محمد: 33] فكانوا يخافون ولا يرجون لمن فعل كبيرة، فنزل: "لا تقنطوا من رحمة الله" فخافوا ورجوا، ومعنى لا يبالى أنه يكتفى بالتوبة ولو كثرت الذنوب، وعظمت ولم يرد به أنه يغفرها ولو بلا توبة، بدليل دلائل اشتراط التوبة، ويوجد اشتراطها قوله تعالى: {وأنيبوا إلى ربِّكُم وأَسْلمُوا لَه مِنْ قبْل أنْ يأتِيكُم العذابَ ثمَّ لا تُنْصرُونَ} عطفا على {لا تقنطوا} ومعنى {أنيبوا إلى ربكم} ارجعوا الى ربكم بالاعراض عن المعاصى، والتوبة عما صدر منها، وقيل: بالانقطاع اليه بالعبادة، فهو أخص من التوبة على هذا القول، وقيل: التوبة من خوف العقاب، والانابة استحياء لكرمه تعالى، والاسلام له اخلاص العبادة له تعالى، قال عطاء: نزلت الآية فى وحشى، رواه ابن جرير، وروى أيضا عن ابن عباس رضى الله عنهما، أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من قتل النفس وعبد غير الله لا يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد فعلنا ذلك؟ فنزلت، وأيضا ارتد عياش بن ربيعة، والوليد، ونفر لما عذبهم المشركون، فكان المسلمون يقولون لا تقبل توبتهم، فنزلت، فكتبها عمر رضى الله عنه اليهم، فأسلموا وهاجروا.

الالوسي

تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } أي أفرطوا في المعاصي جانين عليها. وأصل الإسراف الإفراط في صرف المال ثم استعمل فيما ذكر مجازاً بمرتبتين على ما قيل، وقال الراغب: ((هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر)) وهذا ظاهر في أنه حقيقة فيما ذكرنا وهو حسن. وضمن معنى الجناية ليصح تعديه بعلى والمضمن لا يلزم فيه أن يكون معناه حقيقياً، وقيل: هو مضمن معنى الحمل، وحمل غير واحد الإضافة في {عِبَادِي} على العهد أو على التشريف، وذهبوا إلى أن المراد بالعباد المؤمنون وقد غلب استعماله فيهم مضافاً إليه عز وجل في القرآن العظيم فكأنه قيل: أيها المؤمنون المذنبون {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } أي لا تيأسوا من مغفرته سبحانه وتفضله عز وجل على أن المغفرة مدرجة في الرحمة أو أن الرحمة مستلزمة لها لأنه لا يتصور الرحمة لمن لم يغفر له، وتعليل النهي بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } يقتضي دخولها في المعلل، والتذييل بقوله سبحانه: {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } كالصريح في ذلك. وجوز أن يكون في الكلام صنعة الاحتباك كأنه قيل: لا تقنطوا من رحمة الله ومغفرته إن الله يغفر الذنوب جميعاً ويرحم، وفيه بعد، وقالوا: المراد بمغفرة الذنوب التجافي عنها وعدم المؤاخذة بها في الظاهر والباطن وهو المراد بسترها، وقيل: المراد بها محوها من الصحائف بالكلية مع التجافي عنها وأن الظاهر إطلاق الحكم وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر كيف لا وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء }تفسير : [النساء: 48] ظاهر في الإطلاق فيما عدا الشرك، ويشهد للإطلاق أيضاً أمور، الأول: نداؤهم بعنوان العبودية فإنها تقتضي المذلة وهي أنسب بحال العاصي إذا لم يتب واقتضاؤها للترحم ظاهر. الثاني: الاختصاص الذي تشعر به الإضافة إلى ضميره تعالى فإن السيد من شأنه أن يرحم عبده ويشفق عليه. الثالث: تخصيص ضرر الإسراف المشعرة به {عَلَىٰ} بأنفسهم فكأنه قيل: ضرر الذنوب عائد عليهم لا علي فيكفي ذلك من غير ضرر آخر كما في المثل أحسن إلى من أساء كفى المسيء إساءته، فالعبد إذا أساء ووقف بين يدي سيده ذليلاً خائفاً عالماً بسخط سيده عليه ناظراً لإكرام غيره ممن أطاع لحقه ضرر إذ استحقاق العقاب عقاب عند ذوي الألباب. الرابع: النهي عن القنوط مطلقاً عن الرحمة فضلاً عن المغفرة وإطلاقها. الخامس: إضافة الرحمة إلى الاسم الجليل المحتوي على جميع معاني الأسماء على طريق الالتفات فإن ذلك ظاهر في سعتها وهو ظاهر في شمولها التائب وغيره. السادس: التعليل بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ } الخ فإن التعليل يحسن مع الاستبعاد وترك القنوط من الرحمة مع عدم التوبة أكثر استبعاداً من تركه مع التوبة. السابع: وضع الاسم الجليل فيه موضع الضمير لإشعاره بأن المغفرة من مقتضيات ذاته لا لشيء آخر من توبة أو غيرها. الثامن: تعريف الذنوب فإنه في مقام التمدح ظاهر في الاستغراق فتشمل الذنب الذي يعقبه التوبة والذي لا تعقبه. التاسع: التأكيد بالجميع. العاشر: التعليل بأنه هو الخ. الحادي عشر: التعبير بالغفور فإنه صيغة مبالغة وهي إن كانت باعتبار الكم شملت المغفرة جميع الذنوب أو باعتبار الكيف شملت الكبائر بدون توبة. الثاني عشر: حذف معمول {ٱلْغَفُورُ } فإن حذف المعمول يفيد العموم. الثالث عشر: إفادة الجملة الحصر فإن من المعلوم أن الغفران قد يوصف به غيره تعالى فالمحصور فيه سبحانه إنما هو الكامل العظيم وهو ما يكون بلا توبة. الرابع عشر: المبالغة في ذلك الحصر. الخامس عشر: الوعد بالرحمة بعد المغفرة فإنه مشعر بأن العبد غير مستحق للمغفرة لولا رحمته وهو ظاهر فيما إذا لم يتب. السادس عشر: التعبير بصيغة المبالغة فيها. السابع عشر: إطلاقها. ومنع المعتزلة مغفرة الكبائر والعفو عنها من غير توبة وقالوا: إنها وردت في غير موضع من القرآن الكريم مقيدة بالتوبة فإطلاقها هنا يحمل على التقييد لاتحاد الواقعة وعدم احتمال النسخ، وكون القرآن في حكم كلام واحد، وأيدوا ذلك بقوله تعالى: {وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ... }

سيد قطب

تفسير : ولما صور الله الحال المفزعة التي يكون عليها الظالمون يوم القيامة في قوله: {أية : ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.. تفسير : عاد يفتح أبواب رحمته على مصاريعها بالتوبة. ويطمع في رحمته ومغفرته أهل المعاصي مهما يكونوا قد أسرفوا في المعصية. ويدعوهم إلى الأوبة إليه غير قانطين ولا يائسين. ومع الدعوة إلى الرحمة والمغفرة صورة ما ينتظرهم لو لم يئوبوا ويتوبوا، ولو لم ينتهزوا هذه الفرصة المتاحة قبل إفلاتها وفوات الأوان.. {قل: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعاً. إنه هو الغفور الرحيم}.. إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصية. كائنة ما كانت وإنها الدعوة للأوبة. دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال. دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله. إن الله رحيم بعباده. وهو يعلم ضعفهم وعجزهم. ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه. ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد. ويأخذ عليهم كل طريق. ويجلب عليهم بخيله ورجله. وأنه جاد كل الجد في عمله الخبيث! ويعلم أن بناء هذا المخلوق الإنساني بناء واه. وأنه مسكين سرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده. وأن ما ركب في كيانه من وظائف ومن ميول ومن شهوات سرعان ما ينحرف عن التوازن فيشط به هنا أو هناك؛ ويوقعه في المعصية وهو ضعيف عن الاحتفاظ بالتوازن السليم.. يعلم الله ـ سبحانه ـ عن هذا المخلوق كل هذا فيمد له في العون؛ ويوسع له في الرحمة؛ ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيء له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط. وبعد أن يلج في المعصية، ويسرف في الذنب، ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره، ولم يعد يقبل ولا يستقبل. في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط، يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعاً. إنه هو الغفور الرحيم}.. وليس بينه ـ وقد أسرف في المعصية، ولج في الذنب، وأبق عن الحمى، وشرد عن الطريق ـ ليس بينه وبين الرحمة الندية الرخية، وظلالها السمحة المحيية. ليس بينه وبين هذا كله إلا التوبة. التوبة وحدها. الأوبة إلى الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع، والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون}.. الإنابة. والإسلام. والعودة إلى أفياء الطاعة وظلال الاستسلام.. هذا هو كل شيء. بلا طقوس ولا مراسم ولا حواجز ولا وسطاء ولا شفعاء! إنه حساب مباشر بين العبد والرب. وصلة مباشرة بين المخلوق والخالق. من أراد الأوبة من الشاردين فليؤب. ومن أراد الإنابة من الضالين، فلينب. ومن أراد الاستسلام من العصاة فليستسلم. وليأت.. ليأت وليدخل فالباب مفتوح. والفيء والظل والندى والرخاء: كله وراء الباب لا حاجب دونه ولا حسيب! وهيا. هيا قبل فوات الأوان. هيا {من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون}.. فما هنالك من نصير. هيا فالوقت غير مضمون. وقد يفصل في الأمر وتغلق الأبواب في أية لحظة من لحظات الليل والنهار. هيا. {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم}.. وهو هذا القرآن بين أيديكم.. {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون}.. هيا قبل أن تتحسروا على فوات الفرصة، وعلى التفريط في حق الله، وعلى السخرية بوعد الله: {أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله. وإن كنت لمن الساخرين}.. أو تقول إن الله كتب عليَّ الضلال ولو كتب عليَّ الهدى لاهتديت واتقيت: {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين}.. وهي علالة لا أصل لها. فالفرصة ها هي ذي سانحة، ووسائل الهدى ما تزال حاضرة. وباب التوبة ها هو ذا مفتوح! {أو تقول حين ترى العذاب: لو أن لي كرة فأكون من المحسنين}.. وهي أمنية لا تنال. فإذا انتهت هذه الحياة فلا كرة ولا رجوع. وها أنتم أولاء في دار العمل. وهي فرصة واحدة إذا انقضت لا تعود. وستسألون عنها مع التبكيت والترذيل: {بلى. قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين}! ثم يمضي السياق وقد وصل بالقلوب والمشاعر إلى ساحة الآخرة.. يمضي في عرض مشهد المكذبين والمتقين، في ذلك الموقف العظيم: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة. أليس في جهنم مثوى للمتكبرين؟ وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم، ولا يمسهم السوء ولا هم يحزنون}.. وهذا هو المصير الأخير. فريق مسود الوجوه من الخزي، ومن الكمد، ومن لفح الجحيم. هو فريق المتكبرين في هذه الأرض، الذين دعوا إلى الله، وظلت الدعوة قائمة حتى بعد الإسراف في المعصية، فلم يلبوا هاتف النجاة. فهم اليوم في خزي تسود له الوجوه. وفريق ناج فائز لا يمسه السوء ولا يخالطه الحزن. هو فريق المتقين، الذين عاشوا في حذر من الآخرة، وفي طمع في رحمة الله. فهم اليوم يجدون النجاة والفوز والأمن والسلامة: {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون}.. ومن شاء بعد هذا فليلب النداء إلى الرحمة الندية الظليلة وراء الباب المفتوح. ومن شاء فليبق في إسرافه وفي شروره حتى يأخذهم العذاب وهم لا يشعرون!

ابن عاشور

تفسير : أُطنبتْ آيات الوعيد بأفنانها السابقة إطناباً يبلغ من نفوس سامعيها أيَّ مبلغ من الرعب والخوف، على رغْمِ تظاهرهم بقلة الاهتمام بها. وقد يبلغ بهم وقعها مبلغَ اليأس من سَعيٍ ينجيهم من وعيدها، فأعقبها الله ببعث الرجاء في نفوسهم للخروج إلى ساحل النجاة إذا أرادوها على عادة هذا الكتاب المجيد من مداواة النفوس بمزيج الترغيب والترهيب. والكلام استئناف بياني لأن الزواجر السابقة تثير في نفوس المواجَهين بها خاطر التساؤل عن مسالك النجاة فتتلاحم فيها الخواطر الملَكية والخواطر الشيطانية إلى أن يُرسي التلاحم على انتصار إحدى الطائفتين، فكان في إنارة السبيل لها ما يسهل خطو الحائرين في ظلمات الشك ويرتفق بها ويواسيها بعد أن أثخنتها جروح التوبيخ والزجر والوعيد ويضمد تلك الجراحة، والحليمُ يزجُر ويلين، وتثير في نفس النبي صلى الله عليه وسلم خشيةَ أن يحيط غضب الله بالذين دعاهم إليه فأعرضوا، أو حببهم في الحق فأبغضوا، فلعله لا يَفتح لهم باب التوبة، ولا تقبل منهم بعد إعراضهم أوْبَة، ولاسيما بعد أن أمره بتفويض الأمر إلى حكمه، المشتَمِّ منه ترقبُ قطع الجدال وفصمِه، فكان أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم، بأن يناديهم بهذه الدعوة تنفيساً عليه، وتفتيحاً لباب الأوْبة إليه، فهذا كلام ينحل إلى استئنافين فجملة {قُل} استئناف لبيان ما ترقَّبَه أفضلُ النبيئين صلى الله عليه وسلم أي بلغ عني هذا القول. وجملةُ {يٰعِبَادي} استئناف ابتدائي من خطاب الله لهم. وابتداء الخطاب بالنداء وعنوانِ العباد مؤذن بأن ما بعده إعداد للقبول وإطماع في النجاة. والخطاب بعنوان {يٰعِبَادي} مراد به المشركون ابتداءً بدليل قوله: {أية : وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب}تفسير : [الزمر: 54] وقوله: {أية : وإن كنت لمن السٰخرين}تفسير : [الزمر: 56] وقوله: {أية : بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} تفسير : [الزمر: 59]. فهذا الخطاب جرى على غير الغالب في مثله في عادة القرآن عند ذكر {عبادي} بالإِضافة إلى ضمير المتكلم تعالى. وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس «أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قَتلوا وأَكثروا، وزنَوا وأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرُنا أَن لما عملنا كفارة (يعني وقد سمعوا آيات الوعيد لمن يعمل تلك الأعمال وإلا فمن أين علموا أن تلك الأعمال جرائم وهم في جاهلية) فنزل: {أية : والذين لا يدعون مع الله إلاهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق ولا يزنون} تفسير : [الفرقان: 68] يعني إلى قوله: {أية : إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً}تفسير : [الفرقان: 70] ونزل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه}. وقد رويت أحاديث عدة في سبب نزول هذه الآية غير حديث البخاري وهي بين ضعيف ومجهول ويستخلص من مجموعها أنها جزئيات لعموم الآية وأن الآية عامة لخطاب جميع المشركين وقد أشرنا إليها في ديباجة تفسير السورة. ومن أجمل الأخبار المروية فيها ما رواه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: «لما اجتمعنا على الهجرة اتَّعدتُ أنا وهشامُ بن العاص السهمي، وعيّاش بن أبي ربيعة ابن عتبة. فقلنا: الموعد أَضَاةُ بني غِفَار، وقلنا: من تأخّرَ منّا فقد حُبس فليمضِ صاحباه. فأصبحتُ أنا وعياش بن عتبة وحُبس عنا هشام وإذا هو قد فُتِن فافتَتَنَ فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عَرفوا الله ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة. وكانوا هم يقولون هذا في أنفسهم، فأنزل الله: {قل يٰعبادي الذين أسرفوا} إلى قوله: {أية : مَثْوى للمتكبرين}تفسير : [الزمر: 60] قال عمر فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمتْ عليَّ خرجتُ بها إلى ذي طوَى فقلت: اللهم فهِّمنيها فعرفت أنها نزلت فينا فرجعتُ فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ا هــ. فقول عمر: فأنزل الله يريد أنه سمعه بعد أن هاجر وأنه مما نزل بمكة فلم يسمعه عمر إذ كان في شاغل تهيئة الهجرة فما سمعها إلا وهو بالمدينة فإن عمر هاجر إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم. فالخطاب بقوله: {يٰعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} تمهيد بإجمال يأتي بيانه في الآيات بعده من قوله: {أية : وأنيبوا إلى ربكم}تفسير : [الزمر: 54]. وبعد هذا فعموم {عبادي} وعموم صلة {الذين أسرفوا} يشمل أهل المعاصي من المسلمين وإن كان المقصود الأصلي من الخطاب المشركين على عادة الكلام البليغ من كثرة المقاصد والمعاني التي تفرغ في قوالب تسعُها. وقرأ الجمهور {يٰعبادي الذين أسرفوا} بفتح ياء المتكلم، وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب بإسكان الياء. ولعل وجه ثبوت الياء في هذه الآية دون نظيرها وهو قوله تعالى: {أية : قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم}تفسير : [الزمر: 10]، أن الخطاب هنا للذين أسرفوا وفي مقدمتهم المشركون وكلهم مظنة تطرق اليأس من رحمة الله إلى نفوسهم، فكان إثبات (يا) المتكلم في خطابهم زيادة تصريح بعلامة التكلُّم تقوية لنسبة عبوديتهم إلى الله تعالى إيماء إلى أن شأن الرب الرحمة بعباده. والإِسراف: الإِكثار. والمراد به هنا الإِسراف في الذنوب والمعاصي، وتقدم ذكر الإِسراف في قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوها إسرافاً}تفسير : في سورة [النساء: 6] وقوله: {أية : فلا يسرف في القتل}تفسير : في سورة [الإسراء: 33]. والأكثر أن يعدّى إلى متعلِّقه بحرف {مِن}، وتعديتُه هنا بــــ (على) لأن الإِكثار هنا من أعمالٍ تتحملها النفس وتثقل بها وذلك متعارف في التبِعات والعدوان تقول: أكثرت على فلان، فمعنى {أسرفوا على أنفسهم}: أنهم جلبوا لأنفسهم ما تثقلهم تبعته ليشمل ما اقترفوه من شرك وسيئات. والقنوط: اليأس، وتقدم في قوله: {أية : فلا تكن من القانطين}تفسير : في سورة [الحِجر: 55]. وجملة {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} تعليل للنهي عن اليأس من رحمة الله. ومادة الغفر ترجع إلى الستر، وهو يقتضي وجود المستور واحتياجَه للستر فدل {يغْفِرُ الذُّنوب} على أن الذنوب ثابتة، أي المؤاخذة بها ثابتة والله يغفرها، أي يزيل المؤاخذة بها، وهذه المغفرة تقتضي أسباباً أُجملت هنا وفصلت في دلائل أخرى من الكتاب والسنة منها قوله تعالى: {أية : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} تفسير : [طه: 82]، وتلك الدلائل يجمعها أن للغفران أسباباً تطرأ على المذنب ولولا ذلك لكانت المؤاخذة بالذنوب عبثاً ينزه عنه الحكيم تعالى، كيف وقد سماها ذنوباً وتوعد عليها فكان قوله: {إن الله يغفر الذنوب} دعوةً إلى تطلب أسباب هذه المغفرة فإذا طلبها المذنب عرف تفصيلها. و {جميعاً} حال من {الذنوب}، أي حال جميعها، أي عمومها، فيغفر كل ذنب منها إن حصلت من المذنب أسباب ذلك. وسيأتي الكلام على كلمة (جميع) عند قوله تعالى: {أية : والأرض جميعاً قبضته}تفسير : في هذه السورة [67]. وجملة {إنه هو الغفور الرحيم} تعليل لجملة {يغفر الذنوب جميعاً} أي لا يُعجزه أن يغفر جميع الذنوب ما بلغ جميعها من الكثرة لأنه شديد الغفران شديد الرحمة. فبطل بهذه الآية قول المرجئة إنه لا يضر مع الإِيمان شيء.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 53- قل يا محمد - مبلغاً عن ربك: يا عبادى الذين أكثروا على أنفسهم من المعاصى، لا تيأسوا من رحمة الله، إن الله يتجاوز عن الذنوب جميعاً، إنه هو - وحده - العظيم فى مغفرته ورحمته. 54- وارجعوا - أيها المسرفون على أنفسهم - إلى مالك أمركم ومربيكم، وانقادوا له من قبل أن يجيئكم العذاب ثم لا ينصركم أحد من الله ويدفع عنكم عذابه. 55- واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم - وهو القرآن الكريم - من قبل أن يجيئكم العذاب فجأة وعلى غير استعداد، وأنتم لا تعلمون بمجيئه. 56- ارجعوا إلى ربكم، وأسلموا له، واتبعوا تعاليمه، لئلا تقول نفس مذنبة حينما ترى العذاب: يا أسفى على ما فرَّطت فى جنب الله وحقه، وإنى كنت فى الدنيا لمن المستهزئين بدينه. 57- أو تقول تلك النفس المذنبة - متحملة للعذر -: لو أن الله وفقنى للهدى لكنت فى الدنيا من الذين وقوا أنفسهم من عذاب الله بالإيمان والعمل الصالح. 58- أو تقول تلك النفس المذنبة - حين تشاهد العذاب -: ليت لى رجعة إلى الدنيا، فأكون فيها ممن يحسنون العقيدة والعمل. 59- بلى - أيها النادم - قد جاءتك تعاليمى على لسان الرسل، فكذبت بها وتعاليت عن اتباعها، وكنت فى دنياك من الثابتين على الكفر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم: أي أفرطوا في الجناية عليها بالإِسراف في المعاصي. لا تقنطوا من رحمة الله: أي لا تيأسوا من المغفرة لكم ودخول الجنة. إن الله يغفر الذنوب جميعا: أي ذنوب من أشرك وفسق إن هو تاب توبة نصوحا. وأنيبوا إلى ربكم: أي ارجعوا إليه بالإِيمان والطاعة. وأسلموا له: أي أخلصوا له أعمالكم. واتبعوا أحسن من أنزل إليكم من ربكم: أي القرآن الكريم فأحلوا حلاله وحرموا حرامه. أن تقول نفس يا حسرتى: أي نفس الكافر والمجرم يا حسرتى أي يا ندامتي. على ما فرطت في جنب الله: أي في جانب حق الله فلم أطعه كما أطاعه غيري. وإن كنت لمن الساخرين: أي المستهزئين بدين الله تعالى وعباده المؤمنين. لو أن لي كرة فأكون من المحسنين: أي لو أن لي رجعة إلى الدنيا فأكون إذاً من المؤمنين الذين أحسنوا القصد والعمل. بلى قد جاءتك آياتي: أي ليس الأمر كما تزعم أنك تتمنَّى الهداية بل قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت. معنى الآيات: لقد صح أن أناسا كانوا قد أشركوا وقتلوا وزنوا فكبر عليهم ذلك وقالوا نبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسأله لنا هل لنا من توبة فإن قال: نعم، وإلا بقينا على ما نحن عليه وقبل أن يصل رسولهم نزلت هذه الآية {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي أفرطوا في ارتكاب الجرائم فكانوا بذلك مسرفين على أنفسهم {لاَ تَقْنَطُواْ} أي لا تيأسوا {مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} في أن يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم الجنة، إن أنتم تبتم إليه وأنبتم {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} لمن تاب منها فإنه تعالى لا يستعصي عليه ذنب فلا يقدر على مغفرته وعدم المؤاخذة عليه إنه هو الغفور الرحيم. وقوله تعالى: {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي أيها المذنبون المسرفون أنيبوا إلى ربكم أي ارجعوا إلى طاعته بفعل المأمور وترك المنهي وأسلموا له أي أخلصوا أعمالكم ظاهراً وباطناً له مبادرين بذلك حلول العذاب قبل أن يحل بكم ثم لا تنصرون أي لا تقدرون على منعه منكم ولا دفعه عنكم. {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} في هذا القرآن العظيم فامتثلوا الأمر واجتنبوا النهي وخذوا بالعزائم واتركوا الرخص مبادرين بذلك أيضا حلول العذاب قبل أن يحل بكم بغتة أي فجأة وأنتم لا تشعرون به، بادروا بالتوبة والإِنابة والإِسلام الصادق ظرفاً تقول فيه النفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله أي يا حسرتي يا ندامتى الحاملة لي الغم والحزن احضري هذا وقت حضورك على تفريطي في جانب حق الله تعالى حيث ما عبدته حق عبادته فلا ذكرته ولا شكرت له {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ} أي المستهزئين بدينه وعباده المؤمنين يا له من اعتراف يودي بصاحبه في سواء الجحيم، بادروا يا عباد الله هذا وذاك {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً} أي رجعة إلى الحياة الدنيا {فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي المؤمنين الذين أحسنوا النية والقصد والعمل. قال تعالى: راداً على تمنياتهم الكاذبة {بَلَىٰ} أي ليس الأمر كما زعمت أيها المتمني بقولك {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} للشرك والمعاصي التي وقعت بها في جهنم بل جاءتك آياتي هادية لك مرشدة فكذبت بها واستكبرت عن العمل بما جاء فيها وكنت من الكافرين بذلك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان فضل الله ورحمته على عباده بقبول توبة العبد إن تاب مهما كانت ذنوبه. 2- دعوة الله الرحيم إلى عباده المذنبين - بالإنابة إليه والإِسلام الخالص له. 3- تقرير البعث والجزاء بذكر ما يحدث فيه وما يجرى في ساحته من أهوال. 4- وجوب تعجيل التوبة والمبادرة بها قبل حلول العذاب في الدنيا أو الموت والموت أدهى وأمر حيث لا تقبل توبة بعد الموت أبداً. 5- الترغيب في الأخذ بالعزائم وترك الرخص لغير ضرورة. 6- إبطال مذهب الجبرية الذين يرون أنهم مجبورون على فعل المعاصي وغشيان الذنوب، كقول أحدهم لو أن الله هداني لفعلت كذا أو تركت كذا. 7- فضل التقوى والإِحسان وفضل المتقين والمحسنين.

القطان

تفسير : اسرفوا على انفسهم: تجاوزا الحد فيما فعلوه من المعاصي. لا تقنطوا: لا تيأسوا. أنيبوا: ارجعوا إلى ربكم. وأسلموا: أخلصوا له. احسن ما انزل اليكم: القرآن. قرّطت: اهملت وقصرت. في جنب الله: في حقه وطاعته. لو ان لي كرّة: لو ان لي رجعة. {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ.... } ان هذه الآية الكريمة اعظم بشرى لنا نحن المؤمنين، فهي دعوة صريحة من الله لنا الى التوبة، ووعدٌ بالعفو والصفح عن كل ذنبٍ مهما كبر وعظم. وقد ترك الله تعالى بابه مفتوحا للرجوع اليه امام من يريد ان يكفّر عن سيئاته، ويصلح ما أفسد من نفسه. روى الامام احمد عن ثوبان مولى رسول الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحبّ أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ.... } فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك؟ فسكت الرسول الكريم، ثم قال: أَلا ومن الشرك - ثلاث مرات"تفسير : . الى احاديث كثيرة كلها تبشر بسعة رحمة الله، والبشرى بالمغفرة مهما جل الذنب وكبر، ويا لها من بشرى. {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} صدق الله العظيم. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} فمن أبى هذا التفضل العظيم، والعطاء الجسيم، وجعل يقنّط الناس، وتزمّتَ مثل كثير من وعّاظ زماننا، وبعض فئات المتدينين على جَهل - فقد ركب أعظم الشطط، فبشّروا يا ايها الناس ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، يرحمكم الله. ثم امر سبحانه بشيئين: فقال: 1 - {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ.... } اغتنموا هذه الفرصة ولا تضيعوها ايها الناس، وتوبوا الى بارئكم. 2 - {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ.... }. ثم بين بعد ذلك ان عاقبة من أهل التوبةَ هو ما يحل به من الندامة يوم القيامة فقال: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ}. بادروا الى العمل الصالح والتوبة واحذَروا ان تفوتكم الفرصة، فتقول بعض الانفس يوم القيامة: يا حسرتا على تقصيري وتفريطي في طاعة الله، وكثرة سخريتي واستهزائي بدين الله وكتابه ورسوله. او تقول: لو ان الله هداني الى دينه وطاعته لكنتُ من الفائزين. او تقول حين ترى العذاب: ليس لي رجعةً الى الدنيا فأكون من المهتدين. فيقال له: {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا....} ليس الأمر كما زعمتَ، ولا فائدة من ذلك، فقد جاءتك آياتي في الدنيا على لسان رسولي فكذّبته وكذّبت بآتي، واستكبرت عن قبولها {وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰعِبَادِيَ} (53) - يَدْعُو اللهُ تَعَالَى العُصَاةَ والكَفَرَةَ والمُسْرِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَجَاوَزِ حُدُودِ مَا شَرَعَ اللهُ، إِلَى التَّوْبَةِ والإِنَابَةِ إِلَيهِ تَعَالَى، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لِمَنْ تَابَ وَأَنَابَ، وَرَجَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيَانِ والإِسْرَافِ فِي الأَمْرِ، إِلَى الإِيْمَانِ والطَّاعَةِ لأَِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الغَفُورُ وَهُوَ الرَّحِيمُ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : كَفَّارَةُ الذُّنُوبِ النَّدَامَةُتفسير : ) (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:حديث : لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللهُ تَعَالَى بِقَومٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْتفسير : ). (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه). أَسْرَفُوا - تَجَاوَزُوا الحَدَّ فِي المَعَاصِي. لاَ تَقْنَطُوا - لاَ تَيْأَسُوا. الذُنُوبَ جَمِيعاً - إِلاَّ الشِّرْكَ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} الآية. اختلف المفسرون في المعنيّين بهذه الآية. فقال بعضهم: عنى بها قوماً من المشركين. قال ابن عبّاس: نزلت في أهل مكة قالوا يزعم محمّد انه من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله الهاً آخر وقتلنا النفس التي حرم الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. أنبأني عبد الله بن حامد بن محمّد الأصفهاني أخبرني إبراهيم بن محمّد بن عبد الله البغدادي حدثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان الجبلي حدثنا أبو إسماعيل حدثنا إسحاق بن سعيد أبو سلمة الدمشقي حدثنا أنس بن سفيان عن غالب بن عبد الله عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، أرسل إليه: يامحمّد كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أنه من قتل أو شرك أو زنى يلق أثاماً ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، وأنا قد فعلت ذلك كله، فهل تجد لي رخصة؟ فأنزل الله تعالى {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً}تفسير : [مريم: 60] الآية. قال وحشي: هذا شرط شديد فلعلي لا أقدر على هذا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48]. فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أم لا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}. فقال وحشي: نعم هذه، فجاء فأسلم. فقال المسلمون: هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: "حديث : بل للمسلمين عامة ". تفسير : وقال قتادة: ذكر لنا أن ناساً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لن يتاب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. وقال ابن عمر: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين، كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول: لايقبل الله تعالى من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به، فنزلت على هؤلاء الآيات فكان عمر بن الخطاب كاتباً فكتبها بيده، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى اولئك النفر فأسلموا وهاجروا. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا أبو بكر بن خرجة حدثنا محمّد بن عبد الله بن سلمان الحضرمي حدثنا محمّد بن العلاء حدثنا يونس بن بكير حدثنا ابن إسحاق حدثنا نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لما اجتمعنا إلى الهجرة ابعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل وقلنا: الميعاد بيننا المناصف ميقات بني غفار، فمن حبس منكم لم يأبها فقد حبس فليمض صاحبه، فأصبحت عندها أنا وعياش وحبس عنا هشام وفتن فافتتن، فقدمنا المدينة فكنا نقول: هل يقبل الله من هؤلاء توبة قوم عرفوا الله ورسوله ثم رجعوا عن ذلك لما أصابهم من الدُّنيا؟ فأنزل الله تعالى {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} إلى قوله {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}. قال عمر: فكتبتها بيدي كتاباً ثم بعثت بها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت عليَّ خرجت بها إلى ذي طوى فقلت اللهم فهمنيها، فعرفت أنها أُنزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل هشام شهيداً بأجنادين في ولاية أبي بكر رضي الله عنه. وقال بعضهم: نزلت في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، أعلمهم الله تعالى أنه يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء. وروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله نرى أو نقول: أنه ليس شيء من حسناتنا إلاّ وهي مقبولة حتّى نزلت هذه الآية {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ}تفسير : [محمد: 33] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقيل لنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك، فنزلت هذه الآية، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر، والآية عامة للناس أجمعين {لاَ تَقْنَطُواْ}. قرأ أبو عمرو والأعمش ويحيى بن وثاب وعيسى والكسائي ويعقوب (لا تقنِطوا) بكسر النون. وقرأ أشهب العقيلي: بضمه. وقرأ الآخرون: بفتحه. روى الأعمش عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود قال: دخل عبد الله بن مسعود المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال، فجاء حتّى قام على رأسه وقال: يا مذكّر لِمَ تقنط الناس ثم قرأ {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} الآية. أخبرنا ابن فنجويه حدثنا أبو حبش المقريء حدثنا ابن فنجويه حدثنا سلمة حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم: أن رجلاً كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة فيشدد على نفسه ويقنّط الناس من رحمة الله ثم مات فقال: أي رب ما لي عندك؟ قال: النار. قال: أي رب وأين عبادتي واجتهادي؟ فيقول: إنك كنت تقنط الناس من رحمتي في الدُّنيا، فأنا اليوم أقنطك من رحمتي. {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً}. أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا حامد بن محمّد بن عبد الله حدثنا محمّد بن صالح الأشج حدثنا داود بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت بن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي ". تفسير : وفي مصحف عبد الله: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء). {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. أخبرنا ابن فنجويه حدثنا محمّد بن المظفر حدثنا عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: ما علمت أحداً من أهل العلم ولا من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم يقول لذنب: إن الله لايغفر هذا. أخبرنا عقيل بن محمّد بن أحمد: أن المعافا بن زكريا أخبرهم عن محمّد بن جرير حدثنا زكريا بن يحيى وهداد بن أبي زائدة حدثنا حجاج حدثنا ابن لهيعة عن أبي قنبل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: حدثني أبو عبد الرحمن الجيلاني أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله (عليه السلام): "حديث : يقول ما أحب أن لي الدُّنيا وما فيها بهذه الآية {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} ". تفسير : فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟ فسكت النبي (عليه السلام) ثم قال: "حديث : ألا ومن أشرك ألا ومن أشرك ألا ومن أشرك ". تفسير : وبإسناده عن محمّد بن جرير حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا يونس عن ابن سيرين قال: قال علي رضي الله عنه: مافي القرآن آية أوسع من {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} الآية. وبه عن ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن منصور عن الشعبي عن شتير بن شكل قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} الآية. أخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي حدثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي حدثنا علي بن محمّد بن ماهان حدثنا سلمة بن شبيب قال: قريء على عبد الرزاق وأنا أسمع عن معمر عن الزهري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبييّ صلى الله عليه وسلم هو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : "ما يبكيك ياعمر؟". قال: يارسول الله إن بالباب شاباً قد أخرق فؤادي وهو يبكي. فقال له رسول الله: "أدخله عليَّ". فدخل وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما شأنك ياشاب؟". قال: يارسول الله أبكاني ذنوب كثيرة وخفت من جبار غضبان عليَّ. قال: "أشركت بالله يا شاب؟". قال: لا. قال: "أقتلت نفساً بغير حقها؟". قال: لا. قال: "فإن الله يغفر لك ذنبك ولو مثل السماوات السبع والأرضين السبع والجبال الرواسي". قال: يا رسول الله ذنب من ذنوبي أعظم من السماوات السبع ومن الأرضين السبع. قال: "ذنبك أعظم أم العرش؟" قال: ذنبي. قال: "ذنبك أعظم أم الكرسي؟". قال: ذنبي. قال: "ذنبك أعظم أم إلهك؟". قال: بل الله أجلّ وأعظم. فقال: "إن ربّنا لعظيم ولايغفر الذنب العظيم إلاّ الإله العظيم". قال: "أخبرني عن ذنبك". قال: إني مستحيي من وجهك يارسول الله. قال: "أخبرني ما ذنبك؟". قال: إني كنت رجلاً نباشاً أنبش القبور منذ سبع سنين، حتّى ماتت جارية من بنات الأنصار فنبشت قبرها فأخرجتها من كفنها، ومضيت غير بعيد إذ غلبني الشيطان على نفسي، فرجعت فجامعتها ومضيت غير بعيد إذ قامت الجارية فقالت: الويل لك يا شاب من ديّان يوم الدين يوم يضع كرسيّه للقضاء، يأخذ للمظلوم من الظالم تركتني عريانة في عسكر الموتى ووقفتني جنباً بين يدي الله تعالى. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضرب في قفاه ويقول: "يا فاسق أخرج ما أقربك من النار". قال: فخرج الشاب تائباً إلى الله تعالى حتّى أتى عليه ما شاء الله ثم قال: يا إله محمّد وآدم وحواء إن كنت غفرت لي فاعلم محمداً وأصحابه وإلاّ فأرسل ناراً من السماء فأحرقني بها ونجني من عذاب الآخرة. قال: فجاء جبرئيل وله جناحان جناح بالمشرق وجناح بالمغرب قال: السلام يقرؤك السلام. قال: "هو السلام وإليه يعود السلام". قال: يقول: أنت خلقت خلقي؟. قال: "لا، بل هو الذي خلقني". قال: يقول: أنت ترزقهم؟ قال: "لا، بل هو يرزقني". قال: أنت تتوب عليهم؟ قال: "لا، بل هو الذي يتوب عليَّ". قال: فتب على عبدي. قال: فدعا النبييّ صلى الله عليه وسلم الشاب فتاب عليه وقال: "إن الله هو التوّاب الرحيم" ". تفسير : {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي واقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة. {وَأَسْلِمُواْ لَهُ} واخضعوا له {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الحافظ حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السنّي حدثنا أبو يعلى الموصلي حدثنا أبو خيثمة حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا كثير بن زيد عن الحرث بن أبي يزيد قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله تعالى الإنابة ". تفسير : {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} والقرآن كله حسن وانما معنى الآية ما قال الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن الذي أُنزل على ثلاثة أوجه: ذكر القبيح لنجتنبه، وذكر الأدون لئلا نرغب فيه، وذكر الحسن لنؤثره. وكذلك قال السدي: الأحسن ما أمر الله به في الكتاب. وقال ابن زيد: (واتبعوا أحسن ما أُنزل اليكم من ربّكم) يعني المحكمات وكلوا علم المتشابهات إلى عالمها. {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ} يعني لأن لا تقول كقوله: {أية : أَن تَمِيدَ بِكُمْ}تفسير : [النحل: 15] {أية : وَأَن تَصُومُواْ}تفسير : [البقرة: 184] ونحوهما. {يٰحَسْرَتَا} ياندامتا وحزني، والتحسر الإغتمام على ما فات،سُمّي بذلك لانحساره عن صاحبه بما يمنع عليه استدراكه وتلا في الأمر فيه، والألف في قوله: (ياحسرتا) هي بالكناية للمتكلم وإنما أُريد ياحسرتي على الاضافة، ولكن العرب تحوّل الياء التي هي كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفاً فتقول: ياويلتا وياندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربّما لحقوا بها الهاء. أنشد الفراء: شعر : يا مرحباه بحمار ناجية إذا أتى قربته للسانية تفسير : وربّما الحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة. وكذلك قرأ أبو جعفر: يا حسرتاي. {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ} قصّرت {فِي جَنبِ ٱللَّهِ} قال الحسن: في طاعة الله. سعيد بن جبير: في حق الله في أمر الله. قاله مجاهد. قال أهل المعاني: هذا كما يقال هذا صغير في جنب ذلك الماضي، أي في أمره. وقيل: في سبيل الله ودينه. والعرب تسمّي السبب والطريق الى الشيء جنباً تقول: تجرعت في جنبك غُصصاً وبلاءاً، أي بسببك ولأجلك. قال الشاعر: شعر : أفي جنب بكر قطعتني ملامة لعمري لقد كانت ملامتها ثنى تفسير : وقال في الجانب الذي يؤدي إلى رضى الله تعالى وثوابه، والعرب تسمّي الجانب جنباً. قال الشاعر: شعر : الناس جنب والأمير جنب تفسير : يعني الناس من جانب والأمير من جانب. {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ} المستهزئين بدين الله تعالى وكتابه ورسوله والمؤمنين. قال قتادة: في هذه الآية لم يكفه ان ضيع طاعة الله تعالى، حتّى جعل يسخر بأهل طاعة الله. أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه حدثنا هارون بن محمّد حدثنا محمّد بن عبد العزيز حدثنا سلمة حدثنا أبو الورد الوزان عن إسماعيل عن أبي صالح: (يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله) قال: كان رجل عالم في بني إسرائيل ترك علمه وأخذ في الفسق، أتاه ابليس فقال له: لك عمر طويل فتمتع من الدُّنيا ثم تب. فأخذ في الفسق، وكان عنده مال فأنفق ماله في الفجور، فأتاه مالك الموت في ألذّ ما كان. فقال: من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت جئت لأقبض روحك. فقال: ياحسرتي على مافرطت في جنب الله، ذهب عمري في طاعة الشيطان وأسخطت ربّي. فندم حين لم تنفعه الندامة، قال: فأنزل الله سبحانه وتعالى خبره في القرآن. {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً} رجعة إلى الدُّنيا {فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} وفي نصب قوله: (فأكون) وجهان: أحدهما: على جواب لو. والثاني: على الرد على موضع الكرّة، وتوجيه الكرّة في المعنى لو أنّ لي أنْ أكر. كقول الشاعر: أنشده الفراء: شعر : فمالك منها غير ذكرى وحسرة وتسأل عن ركبانها أين يمموا تفسير : فنصب تسأل عطفاً على موضع الذكرى، لأن معنى الكلام: فمالك منها إلاّ أن يذكر، ومنه قول الله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} عطف يرسل على موضع الوحي في قوله تعالى: {إِلاَّ وَحْياً}. {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. قرأ العامة: بفتح الكاف والتاء. وقرأت عائشة: بكسرها أجمع، ردتها إلى النفس. وروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا ابن فنجويه حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا عبد الله بن الفضل أخبرنا سعيد بن نصير قال: سمعت إسحاق بن سلمة الرازي قال: سمعت أبا جعفر الرازي يذكر عن الربيع بن أنس أنبأني عبد الله بن حامد أخبرتنا سعيدة بنت حفص بن المهتدي ببخارى قالت: حدثنا صالح بن محمّد البغدادي حدثنا عبد الله بن يونس بن بكر حدثنا أبي حدثنا عيسى بن عبد الله بن ماهان أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله(عليه السلام) يقول: "حديث : بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين"تفسير : على مخاطبة النفس. قال المروزي: وهي رواية السريحي عن الكسائي. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ} فزعم أن له ولداً وشريكاً {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}. قال الأخفش: ترى غير عاملة في قوله: (وجوههم مسودة) إنما ابتداء وخبر. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ}. قرأ أهل الكوفة: بالألف على الجمع. وقرأ الباقون: بغير ألف على الواحد، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم والأخفش، لأن المفازة هاهنا الفوز، ومعنى الآية: بنجاتهم من العذاب بأعمالهم الحسنة. {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ} لايصيبهم المكروه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أيّ مفاتيح خزائن السماوات والأرض، واحدها مقلاد مثل مفتاح ومفاتيح، ومقليد مثل منديل ومناديل وفيه لغة أُخرى أقاليد. واحدها أقليد، وقيل: هي فارسية معربة اكليل. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري بقرائتي عليه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه حدثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي حدثنا عمر بن أحمد بن شنبه حدثنا إسماعيل بن سعيد الخدري حدثنا أغلب بن تميم عن مخلد أبي الهذيل عن عبد الرحمن أخيه قال ابن عيينة: عن عبد الله بن عمر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه انه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير هذه الآية (مقاليد السماوات والأرض). فقال: "حديث : يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلاّ الله والله اكبر وسبحان الله وبحمده واستغفر الله لا قوة إلاّ بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، ياعثمان من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه الله تعالى ست خصال: أما أولها: فيحرس من إبليس وجنده، والثانية: يحضره إثنا عشر ملكاً، والثالثة: يعطى قنطاران من الجنّة، والرابعة: يرفع له درجة، والخامسة: يزوجه الله تعالى زوجة من الحور العين، والسادسة: يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل، وله أيضاً من الأجر كمن حج أو اعتمر فقبلت حجته وعمرته، فإن مات من ليلته مات شهيداً ". تفسير : أخبرنا أبو اسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد بن العدل بقرائتي عليه حدثنا أحمد بن محمّد بن يحيى أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن زكريا الجرجاني الفقيه حدثنا أحمد بن جعفر بن نصر الرازي حدثنا محمّد بن يزيد النوفلي حدثنا حماد بن محمّد المرزوي حدثنا أبو عصمة نوح بن أبي مريم عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي رضي الله عنه قال: سألت النبييّ صلى الله عليه وسلم عن تفسير المقاليد. فقال:" حديث : يا عليّ سألت عظيماً، المقاليد هو أن تقول عشراً إذا اصبحت وعشراً إذا أمسيت: لا إله إلاّ الله والله أكبر سبحان الله والحمد لله واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، من قالها عشراً إذا أصبح وعشراً إذا امسى أعطاه الله تعالى خصالاً ستاً؛ أولهن: يحرسه من إبليس وجنده فلا يكون لهم عليهم سلطان،والثانية: يعطى قنطاراً في الجنّة أثقل في ميزانه من جبل أُحد، والثالثة: يرفع الله له درجة لاينالها إلاّ الأبرار، والرابعة: يزوجه الله من الحور العين، والخامسة: يشهده إثنا عشر ألف ملك يكتبونها في رقّ منشور يشهدون له بها يوم القيامة، والسادسة: كمن قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكان كمن حج واعتمر فقبل الله حجة وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طبع بطابع الشهداء، فهذا تفسير المقاليد ". تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَِ} وذلك حين دعا إلى دين آبائه. واختلف القرّاء في قوله: {تَأْمُرُونِّيۤ} فقرأ أهل المدينة: بنون واحدة مخففة على الحذف والتحقيق. وقرأ أهل الشام: بنونين على الأصل. وقرأ الآخرون: بنون واحدة مشددة على الإدغام.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الإسراف هو تجاوز الحدّ، نقول: فلان مسرف يعني: يتجاوز الحدَّ في الإنفاق بما لا يتناسب مع دخله، وهؤلاء أسرفوا على أنفسهم ولم يقل: أسرفوا لأنفسهم. إنما أسرفوا عليها. مما يدلّ على أن هذا الإسراف يجر عليهم الوبال، فهو إسراف في المعاصي والذنوب والعياذ بالله. قلنا: الإسراف تجاوز الحدّ، الحد إنْ كان بعد أمر فلا تتجاوزه، وإنْ كان بعد نهي فقال لا تقربه مجرد القرب منه؛ لذلك يقول تعالى في الأوامر: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} تفسير : [البقرة: 229] يعني: قفْ عندها. أما في النواهي فيقول سبحانه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} تفسير : [البقرة: 187] لأن قربك من الشيء يغريك به. وكما ورد في الحديث الشريف: "حديث : مَنْ حام حول الحِمَى يوشك أنْ يُواقعه ". تفسير : لذلك حينما نهى الحق سبحانه سيدنا آدم عن الأكل من الشجرة لم يقل له: لا تأكل منها، إنما قال سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} تفسير : [الأعراف: 19]. لذلك تجد أن لفظ الاجتناب أقوى من لفظ التحريم وأشدّ، وعجيبٌ أنْ نسمع من الذين يسرفون على أنفسهم يقولون: لم يردْ لفظ يحرم الخمر في كتاب الله، نقول: كيف وقد ورد ما هو أشدّ من التحريم وهو الاجتناب في قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91]. لأن معنى (فَاجْتَنِبُوهُ) يعني: ابتعدوا عنها بالكلية فجانبوا مجلسها، وجانبوا شاربها، وجانبوا بائعها، وجانبوا ناقلها .. إلخ فهذا أبلغ في التحريم من قولنا لا تشرب الخمر، بدليل أن القرآن استخدم لفظ الاجتناب في قمة الإيمان العقدي، فقال سبحانه: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} تفسير : [الحج: 30]. فإذا تناولنا الإسراف في الإنفاق نجد أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن تسير حركة الحياة في المجتمع الإيماني حركة متوازنة متساوية تتوسط في الأمور، بمعنى أنك تعرف دخلك ورزقك الذي يسوقه الله إليك، والله لا يريد منك أن تقبض هذا الرزق وتمسكه فلا تنفق منه، ولا يريد منك أن تنفقه كله أو تسرف فيه بل يريد الوسطية، كما بيَّن سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} تفسير : [الفرقان: 67] فالإسراف والتقتير كلاهما مذموم منهيٌّ عنه، فمَن اتخذ سبيلاً غير سبيل الوسط أضرَّ بنفسه وبالمجتمع، لأنه إنْ أمسك المال قلَّتْ قوة الشراء وقوة البيع في الأسواق، ويترتب على ذلك ركود في الحركة التجارية والصناعية وبوار للسلع وكساد في السوق. وإنْ أسرف وبذَّر فأنفق كل دَخْله لم يجد شيئاً يدخره لينمي به حياته ويُحسِّن من مستواه ويرتقي بحياته، وعندها يلوم نفسه لأنه يرى غيره يرتقي ويُرفّه حياته وهو لا يستطيع. وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} تفسير : [الإسراء: 29]. والمعنى: ملوماً حين تمسك وتضنّ، محسوراً حين تسرف وتبذر، لأنه سيجد أهل الوسطية يعيشون عيشة السعداء، لا لومَ ولا حسرة. والعاقل هو الذي يُخضِع مصرفه لدخله، لا أنْ يُخضع دخله لمصرفه، لأنك حين تخضع دخلك لمصرفك فلابدَّ أنْ تمتدَّ يدك للاقتراض من الناس، وهذا سيتعبك ويشقّ عليك، وسوف تُعييك الحيل، ويقبض الناس عنك نفوسهم، وتهون في أعينهم حتى تعيشَ بسبب ذلك في كرب. إذن: نقول: الإسراف تجاوز الحدّ فيما يعود عليك بالشر والضرر، لذلك قال تعالى: {أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} [الزمر: 53] أما الإسراف الذي يعود عليك بالخير فهو إسراف لك لا عليك كالذي يدفع زكاة ماله عشرة بالمائة بدلاً من 2.5 بالمائة، لأنه أيقن أن هذا هو الباقي له والمدَّخر عند الله، فواحد يعمل لأمر دنياه فحسب، وواحد يعمل للدنيا وللآخرة. لذلك لما سُئِل الإمام علي رضي الله عنه: يا إمام أريد أنْ أعرف أنا من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة؟ قال: ليس عندي جواب هذا السؤال، إنما جوابه عندك أنت، قال: كيف؟ قال: إذا دخل عليك اثنان: واحد بهدية، والآخر يريد صدقة أو معونة، فانظر إلى أيِّهما تبشّ، وبأيهما ترحب، فإنْ رحبتَ بصاحب الهدية فأنت من أهل الدنيا، لأنك تحب مَنْ يعمر لك دنياك، وإن كانت الأخرى فأنت من أهل الآخرة، لأنك تحب مَنْ يعمر لك آخرتك. وتعرفون قصة الشاة التي حديث : أهديتْ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصدقت بها السيدة عائشة ولم تبْق منها إلا كتفها، فلما سألها رسول الله: "ماذا صنعتِ بالشاة"؟ قالت: كلها ذهب إلا كتفها - وكان صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة الكتف - فقال صلى الله عليه وسلم: "بل بقيت كلها إلا كتفها ". تفسير : إذن: الباقي هو ما تصدَّقنا به، والذاهب ما أكلناه، ويؤيد هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "حديث : يا ابن آدم، ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأبقيتَ ". تفسير : ثم يفتح الحق سبحانه طاقةَ الأمل لمنْ أسرف على نفسه، فيقول لهم: {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّه} [الزمر: 53] القنوط هو اليأس من رحمة الله، لكن لماذا نيأس من رحمة الله؟ قالوا: لأنهم أسرفوا على أنفسهم وبالغوا في المعصية وتمادَوْا فيها، وحين يعود المسرف ويرجع يلوم نفسه ويؤنبها وتعظم ذنوبه في نظره، ولا يرى نفسه أهلاً للمغفرة ولا للرحمة فيداخله اليأس والعياذ بالله. والمتأمل يجد هذا اللوم للنفس وهذا اليأس من الرحمة هو من جهة أخرى ظاهرة صحية في الإيمان، لأن استعظامَ الذنوب وكوْن المسرف لا يرى نفسه أهْلاً للرحمة، هذا يدل على سلامة إيمانه وعلى خوفه من ربه. قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الزمر: 53]. قال عنها ابن عباس أنها أرْجَى آية في كتاب الله لأنها تعطي الأمل لكل مذنب مهما كانت ذنوبه. ولولا أن الله تعالى أعقبها بقوله: {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ} [الزمر: 54] لأورثتْ الناسَ التهاون وأطمعتهم في رحمة الله طمعاً يُنسيهم عذابه ونقمته، فالمؤمن يتقلًّب في حركة حياته بين الخوف والرجاء، ولا بدَّ له منهما معاً. نعم ربك غفور رحيم، لكن لا بدَّ لكي تكون موضعاً لهذه الرحمة ومُتعلِّقاً لهذه المغفرة، لا بُدَّ أنْ تنيب إلى الله، وأنْ ترجع إليه رجوعاً صادقاً مخلصاً، لأن الذي يذنب ويتوب، ثم يذنب ويتوب كالمستهزئ بربه، نعوذ بالله من هذا. لما قال ابن عباس عن هذه الآية أنها أرجى آية في كتاب الله قال أحد جلسائه: وأنا أرى أن أرجى آية في كتاب الله هي قوله تعالى {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} تفسير : [الرعد: 6] وأنا أنتقد العلماء الذين يفسرون {أية : عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} تفسير : [الرعد: 6] بمعنى: مع ظلمهم، وهذا لا يستقيم، ومعنى الآية بحيث نقول عنها أنها أرجى آية في كتاب الله، ونلاحظ هنا أن (مع) حرفان أما (على) فثلاثة حروف، فلا بدّ أن المعنى الذي تؤديه على لا تؤديه مع، لأنه ما دامت هنا مغفرة للذنب، والذنب يتطلب صفة القهار والجبار والمنتقم، لكن مغفرة الله تعلو على الذنب فتمحوه، وهذا المعنى لا تؤديه مع. وهنا وقفة للمستشرقين الذين يحاولون النَّيْل من أسلوب القرآن، وقد رأوْا تعارضاً بين قوله تعالى هنا: {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الزمر: 53] وبين قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} تفسير : [النساء: 48]. ونقول لهؤلاء: جهلكم بلغة القرآن ومعطيات الأسلوب أوقعتكم في هذا الخطأ، لأن الذنب يعني ارتكاب جُرم جرَّمه الله وجعل له عقوبة، والشرك بالله ليس ذنباً بهذا المعنى، لأن الشرك يُخرِج صاحبه من الملة أصلاً، وعليه فليس بين الآيتين تعارض كما تظنون. قالوا: نزلت هذه الآية: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ..} [الزمر: 53] نزلتْ في شأن وحشي قاتل سيدنا حمزة في أُحُد لما أخذت هندٌ كبد سيدنا حمزة ولاكتْها. ونقول: لقد قُتِل حمزة في أُحُد ولم يُسلم وحشي بعدها، إنما أسلم بعد فترة طويلة، لذلك قال الذين يريدون أنْ يُوفِّقوا بين الأقوال: لعل وحشياً لما قتل حمزة وتذكر مكانته في الإسلام، وأنه أسد الله قنطَ من رحمة الله، وهذا القنوط قد يدعوه إلى المزيد من الشر والفجور، وقابله أحد الصالحين وقال له: لا تقنط من رحمة الله، فقد قال الله تعالى: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الزمر: 53]. لما سمع وحشيٌّ هذا الكلام أسلم، فما منعه من الإسلام إلا الخوفُ مما فعل، فإذا كان أمر المغفرة على هذا النحو فلماذا لم يسلم، وقد ضمن له ربه المغفرة؟ إذن: الآية سابقة على هذه القصة، ولم تنزل في شأنه خاصة إنما نزلتْ قبله، لكنها قيلتْ له وقَرئت عليه، فكانت سبباً في إسلامه. وكلمة {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الزمر: 53] قصرت المغفرة والرحمة عليه سبحانه وتعالى، لأن كل ذنب من الذنوب حَقٌّ لله تعالى، وما دام الذنب حقاً من حقوق الله فهو وحده الذي يملك أن يغفره وأن يرحم صاحبه، وله سبحانه أنْ يُؤاخذ ويعاقب، لأن له سبحانه طلاقة القدرة، وليس معه سبحانه إله آخر يعترض عليه. وهذا المعنى واضح في قصة سيدنا عيسى عليه السلام في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 116-118]. نلحظ هنا في تذييل هذه الآية أنه لم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم فهو المناسب للمغفرة إنما قال: {أية : فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118] فقوله (العزيز الحكيم) دلَّ على أن عيسى عليه السلام يرى أنهم يجب أن يجازوا في هذه الفرية، ولكن الحق سبحانه له طلاقة القدرة في أنْ يغفر أو يُعذب، ولو كان له سبحانه شريك في هذه المسألة ما قال ذلك، إنما هو سبحانه عزيز حكيم لا يُعقِّب أحدٌ على ما تصرَّف فيه، فهو سبحانه الذي يغفر لهم لا لأنه غفور رحيم، إنما هم يستحقون العقوبة، وإذا غفر الله لهم فلأنه عزيز حكيم.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال الفجرة المشركين، وذكر ما يكونون عليه في الآخرة من الذل والهوان، دعا المؤمنين إلى الإِنابة والتوبة قبل فوات الأوان، وختم السورة بذكر عظمة الله وجلاله يوم الحشر الأكبر، حيث يكون العدل الإِلهي والقسطاسُ المستقيم، ويساق السعداء إلى الجنة زمراً، والأشقياء إلى النار زمراً {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً..} الآية. اللغَة: {بَغْتَةً} فجأة {مَثْوَى} مكان إقامة يقال: ثوى بالمكان أقام فيه {مَقَالِيدُ} خزائن ومفاتيح {زُمَراً} جماعات جماعات جمع زُمرة وهي الجماعة {خَزَنَتُهَا} حُرَّاسها الموكلون عليها {نَتَبَوَّأُ} تبوأ المكانَ حلَّ ونزل فيه {حَآفِّينَ} محيطين به من أطرافه وجهاته. التفسِير: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أخبر يا محمد عبادي المؤمنين الذين أفرطوا في الجناية على أنفسهم بالمعاصي والآثام {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} أي لا تيأسوا من مغفرة الله ورحمته {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} أي إنه تعالى يعفو عن جميع الذنوب لمن شاء، وإِن كانت مثل زبد البحر {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي عظيم المغفرة واسع الرحمة، وظاهر الآية أنها دعوة للمؤمنين إلى عدم اليأس من رحمة الله لقوله {يٰعِبَادِيَ} وقال ابن كثير: هي دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإِنابة، وإِخبارٌ بأن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها مهما كثرت {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ} أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له بالطاعة والخضوع والعمل الصالح {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ} من قبل حلول نقمته تعالى بكم {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي ثم لا تجدون من يمنعكم من عذابه {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} أي اتبعوا القرآن العظيم، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والزموا أحسن كتاب أنزل إليكم فيه سعادتكم وفلاحكم {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي من قبل أن ينزل بكم العذاب فجأة وأنتم غافلون، لا تدرون بمجيئه لتتداركوا وتتأهبوا {أَن تَقُولَ نَفْسٌ} أي لئلا تقول بعض النفوس التي أسرفت في العصيان {يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} أي يا حسرتي وندامتي على تفريطي وتقصيري في طاعة الله وفي حقه قال مجاهد: يا حسرتا على ما ضيعت من أمر الله {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ} أي وإِنَّ الحال والشأن أنني كنت من المستهزئين بشريعة الله ودينه قال قتادة: لم يكفه أن ضيَّع طاعة الله حتى سخر من أهلها {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} "أو" للتنويع أي يقول الكافر والفاجر هذا أو هذا والمعنى لو أن الله هداني لاهتديت إلى الحق، وأطعت الله، وكنت من عباده الصالحين قال ابن كثير: يتحسر المجرم ويودُّ لو كان من المحسنين المخلصين، المطيعين لله عزَّ وجل {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي أو تقول تلك النفس الفاجرة حين مشاهدتها العذاب لو أنَّ لي رجعةً إلى الدنيا لأعمل بطاعة الله، وأُحسن سيرتي وعملي {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي} هو جواب قوله {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي} والمعنى بلى قد جاءك الهدى من الله بإرساله الرسل، وإِنزاله الكتب {فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} أي فكذبت بالآيات، وتكبرت عن الإِيمان، وكنت من الجاحدين قال الصاوي: إن الكافر أولاً يتسحر، ثم يحتج بحجج واهية، ثم يتمنى الرجوع إلى الدنيا، ولو رُدَّ لعاد إلى ضلاله كما قال تعالى {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [الأنعام: 28] {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} أي ويوم القيامة ترى أيها المخاطب الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك له والولد وجوههم سوداء مظلمة بكذبهم وافترائهم {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} استفهام تقريري أي أليس في جهنم مقام ومأوى للمستكبرين عن الإِيمان، وعن طاعة الرحمن؟ بلى إنَّ لهم منزلاً ومأوى في دار الجحيم.. ولما ذكر حال الكاذبين على الله، ذكر حال المتقين لله فقال {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ} أي وينجي الله المتقين بسبب سعادتهم وفوزهم بمطلوبهم وهو الجنة دار الأبرار {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي لا ينالهم هلعٌ ولا جزع، ولا هم يحزنون في الآخرة، بل هم آمنون {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55] ثم عاد إلى دلائل الألوهية والتوحيد، بعد أن أفاض في الوعد والوعيد فقال {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} أي الله جل وعلا خالق جميع الأشياء وموجد جميع المخلوقات، والمتصرف فيها كيف يشاء، لا إله غيره ولا ربَّ سواه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي هو القائم بتدبير كل شيء {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي بيده جل وعلا مفاتيح خزائن كل الأشياء، لا يملك أمرها ولا يتصرف فيها غيره قال ابن عباس: "مقاليد" مفاتيح، وقال السدي: خزائن السماواتِ والأرض بيده {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي والذين كذَّبوا بآيات القرآن الظاهرة، والمعجزات الباهرة، أولئك هم الخاسرون أشدَّ الخسران {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ}؟ أي قل يا محمد أتأمرونني أن أعبد غير الله بعد سطوع الآيات والدلائل على وحدانيته يا أيها الجاهلون؟ قال ابن كثير: إن المشركين من جهلهم دعوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهَه فنزلت الآية {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} اللام موطئة للقسم أي واللهِ لقد أوحي إليك وإِلى الأنبياء قبلك {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} أي لئن أشركت يا محمد ليبطلنَّ ويفسدنَّ عملك الصالح {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي ولتكونَنَّ في الآخرة من جملة الخاسرين بسبب ذلك.. وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وإِلاّ فالرسول صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله، وحاشا له أن يشرك بالله، وهو الذي جاء لإِقامة صرح الإِيمان والتوحيد قال أبو السعود: والكلام واردٌ على طريقة الفرض لتهييج الرسل، وإِقناط الكفرة، والإِيذان بغاية شناعة الإِشراك وقبحه {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ} أي أخلص العبادة لله وحده، ولا تعبد أحداً سواه. {وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي وكن من الشاكرين لإِنعام ربك {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي وما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظّموه حقَّ تعظيمه قال أبو حيان: أي ما عظّموه حقَّ تعظيمه، وما قدروه في أنفسهم حقَّ تقديره، إذ أشركوا معه غيره، وساووا بينه وبين الحجر والخشب في العبادة.. ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه فقال {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} الجملة حالية والمعنى ما عظَّموه حقَّ تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، التي هي غاية العظمة والجلال، فالأرضُ مع سعتها وبسطتها يوم القيامة تحت قبضته وسلطانه {وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أي والسماوات مضمومات ومجموعات بقدرته تعالى قال الزمخشري: والغرضُ من هذا الكلام تصويرُ عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهابٍ بالقبضة واليمين إلى جهة وفي الحديث "حديث : يقبضُ اللهُ تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملكُ أين ملوكُ الأرض؟"تفسير : {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزَّه الله وتقدس عما يصفه به المشركون من صفاتِ العجز والنقص، ثم ذكر تعالى أهوال الآخرة فقال {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} هو قرنٌ ينفخ فيه إِسرافيل عليه السلام بأمر الله، والمراد بالنفخة هنا "نفخة الصَّعق" التي تكون بعد نفخة الفزع قال ابن كثير: وهي النفخة الثانية التي يموت بها الأحياء من أهل السماواتِ والأرض {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي فخَّر ميتاً كل من في السماوات والأرض {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} أي إلاَّ من شاء الله بقاءه كحملة العرش، والحور العين والولدان {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} أي نُفخ فيه نفخةٌ أخرى وهي نفخةُ الإِحياء {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} أي فإِذا جميع الخلائق الأموات يقومون من القبور ينظرون ماذا يُؤمرون {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} أي وأضاءت أرض المحشر بنور الله يوم القيامة، حين تجلى الباري جل وعلا لفصل القضاء بين العباد {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} أي أحضرت صحائف أعمال الخلائق للحساب {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} أي وجيء بالأنبياء ليسألهم رب العزة عما أجابتهم به أممهم، وبالشهداء وهم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وقال السدي: هم الذين استشهدوا في سبيل الله {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} أي وقُضي بين العباد جميعاً بالقسط والعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي وهم في الآخرة لا يظلمون شيئاً من أعمالهم، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب قال ابن جبير: لا يُنقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي جوزي كل إنسانٍ بما عمل من خير أو شر {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} أي هو تعالى أعلم بما عمل كل إنسان، ولا حاجة به إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك تشهد الكتب إلزاماً للحجة.. ثم فصَّل تعالى مآل كلٍ من الأشقياء والسعداء فقال {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} أي وسيق الكفرة المجرمون إلى نار جهنم جماعاتٍ جماعات، كما يساق الأشقياء في الدنيا إلى السجون {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} أي حتى إِذا وصلوا إليها فتحت أبواب جهنم فجأة لتستقبلهم {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ}؟ أي وقال لهم خزنة جهنم تقريعاً وتوبيخاً: ألم يأتكم رسلٌ من البشر يتلون عليكم الكتب المنزلة من السماء؟ {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا}؟ أي ويخوفونكم من شر هذا اليوم العصيب؟ {قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي قالوا بلى قد جاءونا وأنذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، ولكننا كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا من الشقاوة قال القرطبي: وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم، والمراد بكلمة العذاب قوله تعالى {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119] {قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي قيل لهم ادخلوا جهنَّم لتصلوا سعيرها ماكثين فيها أبداً، بلا زوال ولا انتقال {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} أي فبئس المقام والمأوى جهنم للمتكبرين عن الإِيمان بالله وتصديق رسله {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} أي وسيق الأبرار المتقون لله إلى الجنة جماعاتٍ جماعات راكبين على النجائب قال القرطبي: سوقُ أهل النار طردُهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالمجرمين الخارجين على السلطان، وسوقُ أهل الجنان سوقُ مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان، لأنه لا يُذهب بهم إلا راكبين، كما يفعل بالوافدين على الملوك، فشتَّان ما بين السوقين {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} أي حتى إِذا جاءوها وقد فتحت أبوابُها كقوله تعالى أية : {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ}تفسير : [ص: 50] قال الصاوي: والحكمةُ في زيادة الواو هنا "وفُتحت" دون التي قبلها، أن أبواب السجون تكون مغلقة إلى أن يجيئها أصحاب الجرائم، فتفتح لهم ثم تُغلق عليهم، بخلاف أبواب السرور والفرح فإِنها تفتح انتظاراً لمن يدخلها فناسب دخول الواو هنا دون التي قبلها {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} أي وقال لهم حراس الجنة: سلامٌ عليكم أيها المتقون الأبرار {طِبْتُمْ} أي طهرتم من دنس المعاصي والذنوب، فادخلوا الجنة دار الخلود، قال البيضاوي: وجواب "إذا" محذوف، للدلالة على أنَّ لهم من الكرامة والتعظيم، ما لا يحيط به الوصف والبيان قال ابن كثير: وتقديره إِذا كان هذا سُعِدوا، وطابوا، وسُرّوا وفرحوا بقدر ما يكون لهم من النعيم {وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} أي وقالوا عند دخولهم الجنة واستقرارهم فيها: الحمد لله الذي حقَّق لنا ما وعدنا به من دخول الجنة قال المفسرون: والإِشارة إلى وعده تعالى لهم بقوله {أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً}تفسير : [مريم: 63] {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} أي وملَّكنا أرض الجنة نتصرف فيها تصرف المالك في ملكه وننزل فيها حيث نشاء، ولا ينازعنا فيها أحد {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} أي فنعم أجر العاملين بطاعة الله الجنة {وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} أي وترى يا محمد الملائكة محيطين بعرش الرحمن، محدقين به من كل جانب {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي يسبحون الله ويمجدونه تلذذاً لا تعبداً {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} أي وقُضي بين العباد بالعدل {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي وقيل الحمد لله على عدله وقضائه قال المفسرون: القائل هم المؤمنون والكافرون، المؤمنون يحمدون الله على فضله، والكافرون يحمدونه على عدله قال ابن كثير: نطق الكون أجمعه، ناطقه وبهيمه، لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل، بل أطلقه فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين (تَكْفُرُوۤاْ ..و.. تَشْكُرُواْ) وبين {يَرْجُواْ.. ويَحْذَرُ} وبين {فَوْقِهِمْ.. وتَحْتِهِمْ} وبين {ضُرٍّ.. ورَحْمَةٍ} وبين {ٱلْغَيْبِ.. وَٱلشَّهَادَةِ} وبين {يَبْسُطُ.. وَيَقْدِرُ} وبين {ٱهْتَـدَىٰ.. وضَـلَّ} الخ. 2- جناس الاشتقاق {أية : يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}تفسير : [الزمر: 38] وكذلك في قوله {أية : أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ}تفسير : [الزمر: 10]. 3- الأسلوب التهكمي {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [الزمر: 16] إطلاق الظلة عليها تهكم لأنها محرقة، والظلة تقي من الحر. 4- المقابلة الرائعة {أية : وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ..}تفسير : [الزمر: 45] الآية فقد قابل بين الله والأصنام، وبين السرور والاشمئزاز، وكذلك توجد مقابلة بين آيتي السعداء والأشقياء {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} وقابل ذلك بقوله {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً..} والمقابلةُ أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يُؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب وهو من المحسنات البديعية. 5- الإِيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}تفسير : [الزمر: 22] حذف خبره وتقديره كمن طبع الله على قلبه؟ ومثله {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ}تفسير : [الزمر: 9] أي كمن هو كافرٌ جاحدٌ لربه؟ 6- الأمر الذي يراد منه التهديد {أية : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ}تفسير : [الزمر: 8] ومثله {أية : ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ}تفسير : [الزمر: 39] للمبالغة في الوعيد. 7- المجاز المرسل {أية : أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [الزمر: 19] أطلق المسبب وأراد السبب، لأن الضلال سبب لدخول النار. 8- الاستعارة {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي مفاتيح خيراتهما، ومعادن بركاتهما فشبَّه الخيرات والبركات بخزائن واستعار لها لفظ المقاليد، بمعنى المفاتيح، ومعنى الآية خزائن رحمته وفضله بيده تعالى. 9- الاستعارة التمثيلية {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} مثَّل لعظمته وكمال قدرته، وحقارة الأجرام العظام التي تتحير فيها الأوهام بالنسبة لقدرته تعالى بمن قبض شيئاً عظيماً بكفه، وطوى السماوات بيمينه بطريق الاستعارة التمثيلية، قال في تلخيص البيان: وفي الآية استعارة ومعنى ذلك أن الأرض في مقدوره كالذي يقبض عليه القابض، فتستولي عليه كفه، ويحوزه ملكه، ولا يشاركه غيره، والسماوات مجموعات في ملكه ومضمومات بقدرته وقال الزمخشري: والآية لتصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله، من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة، لأن الغرض الدلالة على القدرة الباهرة، ولا ترى باباً في علم البيان أدق ولا أرقَّ ولا ألطف من هذا الباب. 10- الكناية {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} جنبُ الله كنايةٌ عن حقِّ الله وطاعته، وهذا من لطيف الكنايات. 11- الالتفات من التكلم إلى الغيبة {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} والأصل: لا تقنطوا من رحمتي قال علماء البيان: وفي الآية الكريمة {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ...} الآية من أنواع المعاني والبيان أمور حسان: منها إقباله تعالى على خلقه ونداؤه لهم، ومنها إضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها الالتفات من المتكلم إلى الغيبة {مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} ومنها إضافة الرحمة للفظ الجلالة الجامع لجميع الأسماء والصفات، ومنها الإِتيان بالجملة المعرَّفة الطرفين المؤكدة بإِن وضمير الفصل {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. 12- توافق الفواصل في الحرف الأخير، وهو نهاية في الروعة والجمال اقرأ مثلاً قوله تعالى {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} ألا تأخذك روعة هذا البيان، برونقه، وجماله، وأدائه، فينطلق لسانك بذكر الرحمن؟!

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إسراف الأشراف بقوله تعالى: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} [الزمر: 53]، يشير إلى مدح وذم من التسمية بـ{يٰعِبَادِيَ} [الزمر: 53] مدح، والوصف بأنهم أسرفوا ذم، فلما قال: {قُلْ يٰعِبَادِيَ} [الزمر: 53] طمع المطيعون أن يكونوا هم المقصودين بالآية، فرفعوا رؤوسهم ونكس العاصي رأسه من أناجي يقول لي: هذا، فقال تعالى: {ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} [الزمر: 53] فانقلب الحال، فهؤلاء الذين نكسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت زلتهم، والذين رفعوا رؤوسهم أطرقوا وزالت حولتهم، ثم أزال الأعجوبة عن القصة بما قوى رجاهم بقوله: {عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} [الزمر: 53]؛ يعني: إن أسرفت فعلى نفسك أسرفت لا تقطعوا من رحمة الله بعد ما قطعت اختلافك إلى بابنا فلا ترفع قلبك عنا، {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} [الزمر: 53]، واللام للاستغراق والعموم، والذنوب جمع وجميعاً تأكيداً، فكأنه قال: أغفر ولا أترك، وأعفوا ولا أبقي، وفيه إشارة أخرى وهي أنه بـ{يٰعِبَادِيَ} [الزمر: 53] استخصهم بالمغفرة على الإسراف بالذنوب، فإنه تعالى في الأزل جعلهم من خواص عباده، وقبلهم بلا علة، فلا يردهم بالعلة، ومن كرمه يقول: "إن كانت لكم جناية كثيرة عميمة فلي بشأنكم عناية قديمة"، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ} [الزمر: 53] لكم في الأزل، وأنتم في كتم العدم، {ٱلرَّحِيمُ} [الزمر: 53] عليكم إلى الأبد. وبقوله: {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ} [الزمر: 54]، يشير إل عباده المختصين بالعناية وإن أسرفوا أن ارجعوا إلى ربكم بالكلية، فالتوبة لأهل البداية وهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والأوبة للمتوسط وهي الرجوع من الدنيا إلى الآخرة، والإنابة لأهل النهاية وهي الرجوع مما سوى الله إلى الله بالقناعة في الله وهو قوله: {وَأَسْلِمُواْ لَهُ} [الزمر: 54]، أي: أسلموا ببذل ليفنيكم به عنكم، {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ} [الزمر: 54] بأن تفسدوا الاستعداد الأصلي فتستوجبوا العذاب، {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [الزمر: 54] لعدم الاستعداد. وبقوله: {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} [الزمر: 55]، يشير إلى أن ما أنزل من الله منه: ما يكون حسناً، ومنه: ما يكون أحسن، فالذي أنزل وهو حسن فهو ما يدعونه إلى الجنة، والذي أنزل وهو أحسن فهو يدعو به إلى الله عز وجل وهو قوله: {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ}تفسير : [الأحزاب: 46]، فالمعنى اتبعوا داعي الله بالسير إلى الله، {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً} [الزمر: 55] عذاب الفرقة والقطيعة بإفساد الاستعداد فلا يمكنكم الإنابة والرجوع، {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الزمر: 55] إنكم منقطعون. {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} [الزمر: 56] بإفساد استعداد الوصول إلى الله، {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ} [الزمر: 56] المنكرين المستهزئين بأرباب الطلب، وأصحاب القلوب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال: { قُلْ } يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين اللّه، مخبرا للعباد عن ربهم: { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب. { لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. { إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، .ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم. ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال: { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ } بقلوبكم { وَأَسْلِمُوا لَهُ } بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا. وفي قوله { إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ } دليل على الإخلاص، وأنه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا. { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ } مجيئا لا يدفع { ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ } فكأنه قيل: ما هي الإنابة والإسلام؟ وما جزئياتها وأعمالها؟ فأجاب تعالى بقوله: { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } مما أمركم من الأعمال الباطنة، كمحبة اللّه، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والنصح لعباده، ومحبة الخير لهم، وترك ما يضاد ذلك. ومن الأعمال الظاهرة، كالصلاة، والزكاة والصيام، والحج، والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، مما أمر اللّه به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالمتبع لأوامر ربه في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ } وكل هذا حثٌّ على المبادرة وانتهاز الفرصة. ثم حذرهم { أَن } يستمروا على غفلتهم، حتى يأتيهم يوم يندمون فيه، ولا تنفع الندامة.و { تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } أي: في جانب حقه. { وَإِنْ كُنْت } في الدنيا { لَمِنَ السَّاخِرِينَ } في إتيان الجزاء، حتى رأيته عيانا. { أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } و"لو" في هذا الموضع للتمني،أي: ليت أن اللّه هداني فأكون متقيا له، فأسلم من العقاب وأستحق الثواب، وليست "لو" هنا شرطية، لأنها لو كانت شرطية، لكانوا محتجين بالقضاء والقدر على ضلالهم، وهو حجة باطلة، ويوم القيامة تضمحل كل حجة باطلة. { أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ } وتجزم بوروده { لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً } أي: رجعة إلى الدنيا لكنت { مِنَ الْمُحْسِنِينَ } قال تعالى: إن ذلك غير ممكن ولا مفيد، وإن هذه أماني باطلة لا حقيقة لها، إذ لا يتجدد للعبد لَوْ رُدَّ، بيان بعد البيان الأول. { بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي } الدالة دلالة لا يمترى فيها. على الحق { فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ } عن اتباعها { وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } فسؤال الرد إلى الدنيا، نوع عبث، {أية : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} [53] 469 - أخبرنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: حدثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني يعلى عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، أن ناساً من أهلِ الشرك قد/ قتلوا فأكثروا، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسنٌ لو تُخبرنا أن لما عملنا كفارةٌ. فنزلت {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ}تفسير : [الفرقان: 68] ونزلت {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}.

همام الصنعاني

تفسير : 2638- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: أصابَ قوْمٌ في الشرك ذنوباً عظاماً، فكانوا يتخوَّفونَ أن لا يُغْفَر لهم، فَدَعَاهم ا لله بهذه الآية: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}: [الآية: 53].