Verse. 4113 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَاتَّبِعُوْۗا اَحْسَنَ مَاۗ اُنْزِلَ اِلَيْكُمْ مِّنْ رَّبِّكُمْ مِّنْ قَبْلِ اَنْ يَّاْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَۃً وَّاَنْتُمْ لَا تَشْعُرُوْنَ۝۵۵ۙ
WaittabiAAoo ahsana ma onzila ilaykum min rabbikum min qabli an yatiyakumu alAAathabu baghtatan waantum la tashAAuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم» هو القرآن «من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون» قبل إتيانه بوقته.

55

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبِّكُمْ } هو القرآن {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } قبل إتيانه بوقته.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ} تأدية الفرائض، أو طاعة الله ـ تعالى ـ في الحلال والحرام، أو الناسخ دون المنسوخ، أو الأخذ بما أمروا به والكف عما نهوا عنه أو ما أمرهم به في كتابه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ} معناه: أن القرآن العزيزَ تضمَّنَ عقائدَ نيرةً وأوامرَ ونواهيَ مَنْجِيَةً وَعِدَاتٍ على الطاعاتِ، والبِرِّ، وتضمَّن أيضاً حدوداً على المعاصِي وَوَعِيداً على بَعْضِها فالأحسنُ للمرءِ أنْ يسلك طَريق الطاعةِ والانتهاءِ عن المعصيةِ والعفوِ في الأمورِ ونحوِ ذلك مِنْ أنْ يسلكَ طريقَ الغَفْلَةِ والمعصيةِ؛ فَيُحَدُّ أو يَقَعَ تَحْتَ الوعيدِ، فهذا المعنَىٰ هو المقصود بـــ{أَحْسَنَ}، وليس المعنى: أنَّ بعضَ القرآن أحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ منْ حيثُ هو قرآن، * ت *: وَرَوَىٰ أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: في قولِ اللَّهِ ـــ عزَّ وجَلَّ ـــ: {يَا حَسْرَتَىٰ} قال: الحسرةُ أن يرى أهلُ النارِ منازِلَهُمْ من الجنة، قال: فهي الحسرةُ، انتهى. وقوله: {فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ} أي: في جِهَةِ طاعتهِ وتضييعِ شريعتِه والإيمانِ به، وقال مجاهدٌ: {فِى جَنبِ ٱللَّهِ} أي: في أمر اللَّه، وقولُ الكافِر: {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ} نَدَامَةً على ٱستهزائِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ ـــ تَعَالَىٰ ـــ، و«كرة» مصدرٌ مِنْ كَرّ يَكُرُّ، وهذا الكونُ في هذه الآيةِ داخلٌ في التَّمَنِّي، وباقي الآيةِ أنوارُهُ لائحةٌ، وحُجَجُهُ واضحةٌ، ثم خاطبَ تعالَىٰ نبيَّه بِخَبَرِ مَا يَرَاهُ يومَ القيامةِ من حالَةِ الكُفّار، وفي ضِمْنِ هذَا الخبرِ وَعِيدٌ بَيِّنٌ لمعاصريه ـــ عليه السلام ـــ فقال: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} {تَرَىٰ } من رؤيةِ العينِ، وظاهرُ الآية أنَّ وجوههم تَسْوَدُّ حقيقةً.

اسماعيل حقي

تفسير : {واتبعوا احسن ما انزل اليكم من ربكم} اى القرآن كقوله تعالى {أية : الله نزل أحسن الحديث} تفسير : او العزائم دون الرخص. قال البيضاوى ومن تبعه ولعله ما هو انجى واسلم كالانابة والمواظبة على الطاعة. وقال الحسن الزموا طاعته واجتنبوا معصيته فان الذى انزل عليكم من ثلاثة اوجه ذكر القبيح لتجتنبوه وذكر الاحسن لتؤثروه وذكر الاوسط لئلا يكون عليكم جناح فى الاقبال عليه او الاعراض عنه وهو المباحات. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان ما انزل الله منه ما يكون حسنا وهو ما يدعو به الى الله قال الله تعالى {أية : وداعيا الى الله باذنه} تفسير : {من قبل ان يأتيكم العذاب} اى البلاء والعقوبة {بغتة} [ناكهان]. قال الراغب البغتة مفاجأة الشىء من حيث لا يحتسب ويجوز ان يكون المراد بالعذاب الآتى بغتة هو الموت لانه مفتاح العذاب الاخروى وطريقه ومتصل به {وانتم} لغفلتكم {لا تشعرون} لا تدركون بالحواس مجيئه لتتداركوا وتتأهبوا: وبالفارسية [وشما نمىدانيد آمدن اوراتادرمقام تدارك وتأهب آييد]

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {واتَّبِعُوا أحسنَ ما أُنزل إليكم من ربكم} أي: القرآن، فإنه أحسن الحديث، ولا أحسن منه لفظاً ومعنى، أو:المأمور به دون المنهي، أو: العزائم دون الرُخص، كقوله: {أية : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} تفسير : [الزمر: 18]، أو: الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أعم، فيصدق بكل ما يقرب إلى الله، كالإنابة، والطاعة، ونحوهما، {من قبل أن يأتيكم العذابُ بغتةً}: فجأة، {وأنتم لا تشعرون} بمجيئه؛ لتداركوا وتتأهبوا. أمرتكم بذلك كراهة {أن تقول نفس}، والتنكير للتكثير، كما في قوله: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} تفسير : [التكوير: 14]، أو: يراد به بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، أو: يُراد نفس متميزة إما بلجاج في الكفر شديد أو بعقاب عظيم: {يا حسرتا}، بألف بدل من ياء الإضافة؛ لأن العرب تقلب ياء المتكلم ألفاً في الاستغاثة، فيقولون: يا ويلتا، يا ندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما ألحَقوا بها الهاء، فيقال: يا رباهُ، يا مولاهُ، وربما ألحقوا ياء المتكلم، جمعاً بين العوض والمعوض، وبذلك قرأ أبو جعفر: "يا حسرتاي" أي: يا ندامتاه ويا حزناه. {على ما فَرَّطتُ}: قصَّرت. و "ما": مصدرية، أي: على تقصيري وتفريطي {في جَنبِ اللهِ} أي: جانبه وحقه وطاعته، أو: في ذاته، أي: معرفة ذاته، أو في قربه، من قوله: {أية : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ} تفسير : [النساء: 36]، أو: في سبيل الله ودينه، والعرب تسمي السبب الموصل إلى الشيء جنباً، تقول: تجرّعت في جنبك غُصَصاً، أي: لأجلك، أو: في الجانب الذي يؤدي إلى رضوانه، وهو توحيده والإقرار بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء "في ذكر الله". {وإِن كُنتُ لمن الساخرين} أي: المستهزئين بدين الله. قال قتادة: لم يكفهِ أن ضيّع طاعة الله حتى سخر بأهلها. و "إن": مخففة، والجملة: حالية، أي: فرطت وأنا ساخر. {أَوْ تقولَ لو أنَّ الله هداني}: أعطاني الهداية، {لكنتُ من المتقين}: من الذين يتقون الشرك. قال الإمام أبو منصور: هذا الكافر أعرفُ بهداية الله من المعتزلة. وكذلك أولئك الكفرة، الذين قالوا لأتباعهم: {أية : لَّوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 21] يقولون: لو وفقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن عَلِمَ منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا. والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق؛ لكنهم لم يهتدوا. انظر النسفي. {أو تقولَ حين ترى العذابَ لو أن لي كرةً} أي: رجعة للدنيا، {فأكونَ من المحسنين}: الموحِّدين الطائعين. و "أو" للدلالة على أنها لا تخلو من هذه الأقوال، تحيُّراً وتحسُّراً، وتعليلاً بما لا طائل تحته. فردَّ الله عليهم بقوله: {بلى قد جاءتك آياتي فكذَّبتَ بها واستكبرتَ وكنتَ من الكافرين} أي: قد جاءتك آياتي، وبيّنت لك الهدايةَ من الغواية، وسبيلَ الحق من الباطل، فتركت ذلك، وضيعت، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، وإنما جاء التضييع من قِبلك، فلا عذر لك. و "بلى": جواب لنفي مقدر، وهو نتيجة القياس الاستثنائي، أي: لو أن الله هداني لاهتديتُ وكنت متقياً، لكنه لم يهدني، وإنما أخّره؛ لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس عى ترتيبها، ثم يذكر الجواب في الجملة. والله تعالى أعلم. الإشارة: واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم، أي: خذوا في الجد والاجتهاد في اتباع الأحسن والأرجح، في الأفعال، والأقوال، والعقائد، من قبل أن ينزل بكم العذاب. ولا عذاب أشد من الحجاب، والتخلُّف عن مقامات الأحباب، في وقت لا ينفع التأسُّف ولا التحسُّر. قال القشيري: هذا في أقوامٍ يَرَوْن أمثالَهم وأشكالهم، تقدّموا عليهم في أحوالهم، فشكوا ما سَلَفَ من تقصيرهم، ويَرَوْن ما وُفِّقَ أولئك إليه من أعالي الرتب، فيعضُّون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة. هـ. وفي ذلك قيل وأنشد: شعر : السِّباق السِّبَاقَ قَوْلاً وفِعلاً حَذِرِ النفسَ حَسْرَةَ المسْبُوقِ تفسير : وهو معنى قوله: {أن تقول نفس} كانت مُقصِّرة في الدنيا: {يا حسرتا على ما فرطتُ في جنب الله} أي: في السير إلى معرفة ذاته، {وإِن كنت لمن الساخرين} ممن يتعاطى ذلك، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه، فكنت أسخر منه وأضحك عليه، أو تحتج بالقدر، فتقول: لو أن الله هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين الكاملين في التقوى. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان الطريق. أو تقول حين ترى العذاب، وهو فراق الأحباب والتخلُّف عنهم: لو أن لي كرة إلى الدنيا، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان، الذين يعبدون الله على العيان، بلى قد جاءتك آياتي، وهم الدعاة إليَّ في كل زمان {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}، فكذَّبتَ بها، واستكبرتَ عن الخضوع لهم، وكنت من الجاحدين لطريق التربية. ثم ذكر مآل أهل التذكيب والصدق، فقال: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم} قد سبق بيان اتّباع احسن القول فى اوائل هذه السّورة، وقد مضى انّ احسن القول هو الولاية {مِّن رَّبِّكُـمْ} ولا شكّ انّ احسن ما انزل الى العباد من ربّ العباد من جملة اركان الاسلام واحكامه الولاية فانّها اسناها وازكاها وانماها واشرفها والدّليل عليها، واحسن ما انزل اليهم من جملة قواهم وفعليّاتهم هو الولاية التّكوينيّة الّتى هى حبل الله، والولاية التّكليفيّة الّتى هى حبل النّاس، وهى الايمان الدّاخل فى القلب، وهى الفعليّة الاخيرة الّتى بها شيئيّته وهى ما يصحّح نسبة البنوّة والابوّة بينه وبين ولىّ امره، ونسبة الاخوّة بينه وبين سائر المؤمنين {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ} عذاب حال الاحتضار او القيامة {بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} بمجيئه حتّى تتهيّؤا لدفعه او لوروده ليكون ايسر ايلاماً.

اطفيش

تفسير : {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} أي اتبعوا الأحسن وهو ما أنزل وهو القرآن أو أحسنه ما أمر به دون ما نهى عنه أو الغرائم دون الرخص أو الناسخ دون المنسوخ أو ما هو أنجى وأسلم كالانابة والمواظبة على الطاعة واختاره القاضي (ومثله فيتبعون أحسنه) وذلك أن القرآن كله حسن وكله أحسن من غيره. قال الحسن: الزموا الطاعة طاعة الله واجتنبوا معصيته فانه أنزل في القرآن ذكر القبيح ليجتنب وذكر الأدون لئلا ترغب فيه والأحسن لتؤثره وتختاره وتأخذ به وليس القرآن من حيث ما يدل بعضه أحسن من بعض وانما الأحسنية بالنظر لمصالح العبد وفي الأحاديث هو قرآن على أن بعضاً أحسن من بعض* {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً} بسرعة وفجأة* {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} لا تعلمون بمجيئه فتصلحوا ما أفسدتم ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في ذمهم فانهم لشدة غفلتهم يفاجئهم كانهم جماد لا يحس واحذروا

اطفيش

تفسير : {واتَّبعُوا} أيها الناس المؤمنون والكافرون {أحسَنَ ما أنْزل إليْكُم مِن ربِّكم} هو القرآن، وأحسنه ما فيه الارشاد الى الديانة من واجب ومستحب ووعظ، وقيل: الواجب دون القصص وقيل: الواجب الذى على الفور، فان ذلك كله أحسن مما يقابله، وزعم بعض أن المراد الناسخ، وقيل: ما أنزل هو كتب الله كلها، وأحسنه القرآن، وما ذكرته أولا أولى، وكتب الله كلها أنزلت الى الكافرين، كما أنزلت الى المؤمنين، بمعنى أنهم خوطبوا بالعمل بها {مِنْ قَبْل أن يأتيكُم العذابُ بَغْتةً} فجأة {وأنْتُم لا تَشْعُرون} وأنتم لا تشعرون بمجيئه،وذلك أشد عليهم، ولو علموا لم يجدوا ما يدفعونه به، وانما يدفع بالتوبة قبل مجيئه.

الالوسي

تفسير : {وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ } الظاهر أنه خطاب للعباد المخاطبين فيما تقدم سواء أريد بهم المؤمنون أو ما يعمهم والكافرين. والمراد بما أنزل القرآن وهو كما أنزل إلى المؤمنين أنزل إلى الكافرين ضرورة أنه أنزل عليه صلى الله عليه وسلم لدعوة الناس كافة، والمراد بأحسنه ما تضمن الإرشاد إلى خير الدارين دون القصص ونحوها أو المأمور به أو العزائم أو الناسخ، وأفعل على الأول والثالث على ظاهره وعلى الثاني والرابع فيه احتمالان؛ وقيل: لعل الأحسن ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة وأفعل فيه على ظاهره أيضاً. وجوز أن يكون الخطاب للجنس، والمراد بما أنزل الكتب السماوية وبأحسنه القرآن، وفيه ارتكاب خلاف الظاهر. وفي ذكر الرب ترغيب في الاتباع {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً } أي فجأة {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } لا تعلمون أصلاً بمجيئه فتتداركون ما يدفعه.

ابن عاشور

تفسير : {أحسن ما أُنزِلَ} هو القرآن وهو معنى قوله: {أية : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}تفسير : [الزمر: 18]. والحظ للمشركين في هذه الآية لأن المسلمين قد اتّبعوا القرآن كما قال تعالى:{أية : فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللَّه}تفسير : [الزمر: 17، 18]. و {أحْسَنَ} اسم تفضيل مستعمل في معنى كامل الحسن، وليس في معنى تفضيل بعضه على بعض لأن جميع ما في القرآن حسن فهو من باب قوله تعالى: {أية : قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه}تفسير : [يوسف: 33]. وإضافة {أحْسَنَ} إلى {مَا أُنْزِل} من إضافة الصفة إلى الموصوف. والعذاب المذكور في هذه هو العذاب المذكور قبلُ بنوعيه وكله بغتة إذ لا يتقدمه إشعار، فعذاب الدنيا يحلّ بغتة وعذاب الآخرة كذلك لأنه تظهر بوارقه عند البعث وقد أتاهم عذاب السيف يوم بدر ويأتيهم عذاب الآخرة يوم البعث.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في قوله تعالى {أية : فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} تفسير : [الزمر: 17ـ18] وقدمنا طرفاً منه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 97].

د. أسعد حومد

تفسير : (55) - ثُمَّ يَأَمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ (وَهُوَ أَحْسَنُ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَى عِبَادِهِ)، وَبِاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، مِنْ قَبلِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِم العَذَاب فَجْأَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، وَلاَ يَنْتَظِرُونَ وُقُوعَهُ حِينَ يَغْشَاهُمْ. بَغْتَةً - فَجْأَةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة (أحسن) أفعل تفضيل يدلّ على المبالغة، ونفهم منه أن الأقل في الخير حسن، نقول: هذا حسن وهذا أحسن منه. والأمر هنا باتباع الأحسن، فمثلاً الحق سبحانه يُنزِّل من الأحكام ما يرضي النفس البشرية كي لا تمتلئ غيظاً وكرهاً للناس، فيقول سبحانه: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل: 126]. يعني: إياك أنْ تتجاوز المثلية إنْ أردتَ أن تعاقب، فإنْ قدرتَ على هذه المثلية دون أن تتجاوزها فهذا حسن، لكن الأحسن منه أنْ تعفو كما قال سبحانه في آية أخرى: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ..} تفسير : [البقرة: 178]. وقال: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. هذا هو الأحسن ومن ذلك قوله تعالى في مسألة التبني: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 5] تعرفون قصة تبنِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة، وأن زيداً خُيِّر بين أهله وبين رسول الله فاختار البقاء مع رسول الله، وقال: ما كنتُ لأختار على رسول الله أحداً؛ لذلك كافأه رسول الله ونسبه إلى نفسه، فقال: زيد بن محمد. فلما أراد الحق سبحانه أن يحرم التبني وأنزل {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 5] أنصف سيدنا رسول الله وجعل فعله حسناً، لكن مراد الله أحسن وفعل رسول الله قِسْط، واختيار الله أقسط {أية : هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 5] والحكمة من {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 5] حتى لا تهدروا سبب الوجود وهو الأب، لأن إهدار سبب الوجود المباشر وهو الأب يُجرِّئك أن تنكر سببَ الوجود الأعلى سبحانه. أو نقول: معنى {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} [الزمر: 55] أن القرآن نزل وفي القوم ديانتان اليهودية وكتابها التوراة، والنصرانية وكتابها الإنجيل، ولما نزلتْ هذه الكتب وغيرها كان لها أناس آمنوا بها، وآخرون كفروا وأشركوا، بل ومنهم ملاحدة. فالأمر في (وَاتَّبِعُوا) أمر للجميع يعني: يا مَنْ آمن بموسى، ويا مَنْ آمن بعيسى، لقد كان هذا الدين في وقته حسناً، أما الآن فقد جاء الإسلام الدين الخاتم المهيمن على كل الأديان، وأصبح هو الأحسن الواجب عليكم اتباعه. ومرة يكون أفعل التفضيل يعطي للواقع، لكنه لا ينظر إلى المقابل وهو الأقبح، إنما ينظر إلى المساوي في الصفة بالقلة، إلا في شيء واحد لاحظناه فيما يتعلق بالحق سبحانه وتعالى. فمن أسمائه الكبير وليس من أسمائه الأكبر، مع أنه كان المفروض حسب القاعدة أن نقول الأكبر لأنها مبالغة من الكبير, فلماذا إذن؟ نقول: كلمة أكبر وردتْ على أنها صفة للحق سبحانه نسمعها كل يوم في كل أذان وفي كل إقامة للصلاة، والصلاة عبادة لها خصوصيتها ومنزلتها في الدين، فهي العبادة التي تتكرر خمس مرات كل يوم، وهي العبادة التي لا تسقط بحال عن المؤمن ما دام فيه نفَسٌ يتردّد، وهي العبادة التي لم تُشرع بالوحي كباقي العبادات، إنما شُرعت بالمباشرة في رحلة المعراج، هذه العبادة حين ننادي لها نقول: الله أكبر ولم يقل: الله كبير. وهنا موضع العظمة مع أن أكبر أبلغ في المعنى من كبير، لأن التكاليف من الحق سبحانه لا تريد منك مجرد الصلاة والصيام والحج .. إلخ إنما تريد منك أنْ تؤدي كل حركة نافعة في الحياة مُعينة للتدين؛ لذلك قالوا في القواعد الشرعية: ما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجب. ولك أنْ تتأمل مثلاً فريضة الصلاة، كم من الأعمال لا بدّ منها لتؤدي هذه الفريضة؟ خُذْ مثلاً ستر العورة وهي واجب لا تتم الصلاة إلا به، لكي تستر عورتك لتصلي تحتاج إلى ثوب تلبسه، كيف يتوفر لك هذا الثوب؟ إنه يحتاج إلى خياط يخيطه، ويحتاج لتاجر التجزئة الذي تشتري منه القماش، ثم تاجر الجملة، ثم مصنع النسيج والغزل والصباغة والمحلج، ثم الفلاح الذي يزرع القطن ويجمعه. كل هذه العملية تحتاج إلى عُدَد وماكينات وآلات وأيدٍ عاملة، كذلك الحال في الطعام، الذي لا بُدَّ لك منه لتقوى على أداء الفرائض، كل هذه الحركة من أجلك، تخدمك وتعينك، فهذه الأعمال الدنيوية التي لا تقوم الديانة إلا بها هي واجبة لا يُستهان بها، بل ينبغي المحافظة عليها وتقديسها، لأنها في منزلة الواجب. وحين يأخذك ربك من هذه الأعمال إلى الصلاة مثلاً لا يأخذك من عمل تافه هيِّن لا قيمة له، إنما يأخذك من عمل هو في حَدِّ ذاته عبادة، لذلك جعله كبيراً أما الذي يناديك للصلاة فأكبر من هذا كله، لذلك لم يُنادِ الحق سبحانه المؤمن في صلاة إلا في صلاة الجمعة، حيث قال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..} تفسير : [الجمعة: 9]. وخَصَّ البيع دون سائر الأعمال، لأنه ثمرة باقي الأعمال من تجارة وزراعة وصناعة، والإنسان أحرص على البيع منه على الشراء، لأن البيع هو الصفقة عاجلة الربح؛ لذلك نجد الإنسان حريصاً أن يبيع على خلاف المشتري، فالمشتري مثلاً حين لا يجد السلعة التي يريدها يقول (بركة يا جامع) لأنه سيدفع من جيبه، أما البائع فيأخذ ويربح. فإذا ما انتهتْ الصلاة ردَّك ربك إلى العمل الذي استدعاك منه وأعادك إلى دنياك: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الجمعة: 10]. إذن: لا تستهنْ بعمل الدنيا ولا تظنه بعيداً عن الدين، بل هو جزء منه، وما لا يتم الواجب الديني إلا به فهو واجب، والذي يعصي في هذا مثل الذي يعصي في هذا، فحين نقول في النداء للصلاة: الله أكبر تذكَّر أن غيره كبيرٌ لا يُستهان به، لكن الذي يعطيك الطاقة أكبر من هذا الكبير، فلا تنشغل بالكبير عن الأكبر. والآن تتضح الحكمة من أن الله تعالى سمَّى نفسه الكبير لا الأكبر، فحين نقول: الله كبير هذا يعني أن ما عداه صغير، لكن لو قلنا أكبر فما عداه كبير. إذن: فحين تقف في أحكامه تعالى أمام (حسن) و (أحسن) فاتبع الأحسن مما أنزل: {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ ..} [الزمر: 55]. وقول الحق سبحانه وتعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الزمر: 55]. كلمة (بغتة) يعني فجأة، والعذاب لا يفاجىء إلا الغافلَ اللاهي الذي يعيش، وليس في باله هذه المسألة، وإلا لو كان في باله لاتقاه وتجنَّب أسبابه، وحين يأتي لا يكون بغتة. لكن كيف يفاجئه العذاب؟ نقول: ما الفارق بين أن يعيش الإنسانُ في حياته الدنيا وبين أنْ يلاقي العذاب؟ الفارق بينهما أن يموت، مجرد أن يموت وتخرج روحه ينتقل من سعة الدنيا إلى عذاب الآخرة إنْ كان من أهل العذاب والعياذ بالله. ومعلوم أن خروج الروح ليس له ميعاد ولا يعلمه أحد، لأن النفس ربما في أيِّ لحظة يدخل ولا يخرج، هذه المسألة ينبغي أن تكون على بال المؤمن لا يغفل عنها أبداً.