٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَٰتِى } القرآن وهو سبب الهداية {فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ } تكبّرت عن الإِيمان بها {وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
الخازن
تفسير : {بلى قد جاءتك آياتي} يعني القرآن {فكذبت بها} أي قلت ليست من الله {واستكبرت} أي تكبرت عن الإيمان بها {وكنت من الكافرين ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله} أي زعموا أن له ولداً وشريكاً وقيل هم الذين يقولون الأشياء إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل {وجوههم مسودة} قيل هو سواد مخالف لسائر أنواع السواد {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} أي عن الإيمان. قوله تعالى: {وينجي الله الذين اتقوا} أي الشرك {بمفازتهم} أي الطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة وقرئ بمفازاتهم أن ينجيهم بفوزهم بالأعمال الحسنة من النار {لا يمسهم السوء} أي لا يصيبهم المكروه {ولا هم يحزنون الله خالق كل شيء} أي مما هو كائن أو يكون في الدنيا والآخرة {وهو على كل شيء وكيل} أي إن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها {له مقاليد السموات والأرض} أي مفاتيح خزائن السموات والأرض واحدها مقلاد مثل مفتاح وقيل إقليد على غير قياس قيل هو فارسي معرب قال الراجز: شعر : لم يؤذها الديك بصوت تغريد ولم يعالج غلقها بإقليد تفسير : والمعنى أن الله تعالى مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الله الذي يملك مقاليدها، وقيل مقاليد السموات خزائن الرحمة والرزق والمطر ومقاليد الأرض النبات {والذين كفروا بآيات الله} أي جحدوا بآياته الظاهرة الباهرة {أولئك هم الخاسرون} قوله عز وجل: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه فوصفهم بالجهل لأن الدليل القاطع قد قام بأنه هو المستحق للعبادة فمن عبد غيره فهو جاهل {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} أي الذي عملته قبل الشرك، وهذا خطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره لأن الله عز وجل عصم نبيه صلى الله عليه وسلم من الشرك وفيه تهديد لغيره {ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} أي لإنعامه عليك.
اسماعيل حقي
تفسير : {بلى} يعنى [ترا ارشاد كردند]. ان قلت كلمة بلى مختصة بايجاب النفى ولا نفى فى واحدة من تلك المقالات. قلت انها رد للثانية وكلمة لو تتضمن النفى لانها لامتناع الثانى لامتناع الاول اى لو ان الله هدانى لكنت من المتقين ولكن ما هدانى فقال تعالى بلى قد هديتك و{قد جاءتك آياتى} آيات القرآن وهى سبب الهداية وفصله عن قوله {أية : لو ان الله هدانى} تفسير : لما ان تقديمه على الثالث يفرق القرائن الثلاث التى دخلها او وتأخير لو ان الله هدانى الخ يخل بالترتيب الوجودى لانه يتحسر بالتفريط عند تطاير الكتب ثم يتعلل بفقد الهداية عند مشاهدة احوال المتقين واغتباطهم ثم يتمنى الرجعة عند الاطلاع على النار ورؤية العذاب وتذكير الخطاب باعتبار المعنى وهو الانسان. وروى ان النبى عليه السلام قرأ قد جاءتك بالتأنيث وكذا ما بعدها خطابا للنفس {فكذبت بها} قلت انها ليست من الله {واستكبرت} تعظمت عن الايمان بها {وكنت من الكافرين} بها. وفى التأويلات النجمية {بلى قد جاءتك آياتى} من الانبياء ومعجزاتهم والكتب وحكها ومواعظها واسرارها وحقائقها ودقائقها واشاراتها {فكذبت بها واستكبرت} عن اتباعها والقيام بشرائطها {وكنت من الكافرين} اى كافرى النعمة بما انعم الله به عليك من نعمة وجود الانبياء وانزال الكتب واظهار المعجزات. قالت المعتزلة هذه الآيات الثلاث تدل على ان العبد مستقل بفعله من وجوه. الاول ان المرأ لا يتحسر بما سبق منه الا اذا كان يقدر على ان يفعل. والثانى ان من لا يكون الايمان بفعله لا يكون مفرطا فيه. والثالث انه لا يستحق الذم بما ليس من فعله. والجواب ان هذه الآيات لا تمنع تأثير قدرة الله تعالى فى فعل العبد ولا ما فيه اسناد الفعل الى العبد حيث قال {بلى قد جاءتك} الخ ونحو قوله تعالى {أية : يضل من يشاء ويهدى من يشاء} تفسير : يدل على بطلان مذهبهم
الجنابذي
تفسير : {بَلَىٰ} جوابٌ للنّفى المستفاد من قولها: لو انّ الله هدانى واثباتٌ لما نفت وردّ عليها كأنّه قيل: ما يقال لها حين تقول ذلك؟ فقال تعالى: يقول الله بلى ردّاً على قولها ما هدانى الله {قَدْ جَآءَتْكَ} قرئ بتذكير ضمير الخطاب اعتباراً للمعنى وقرئ بتأنيثه {آيَاتِي} نقل انّ المراد بالآيات الائمّة وعلى ما ذكرنا من اشارات الاخبار جاز ان تفسّر الآيات بعلىٍّ (ع) والائمّة (ع) من بعده {فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ} عن الانقياد لها {وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} بالله بكفرك بالآيات من حيث انّها آيات لانّها مظاهر لله وبكفرك بالولاية فانّ الايمان بالله لا يحصل الاّ بالايمان بالولاية، وبكفرك بنعم الله فانّ الولاية من اعظم نعم الله على خلقه، والكافر بها كافر باعظم النّعم بل بجميع النّعم لانّ النّعمة ليست نعمة الاّ بالولاية.
اطفيش
تفسير : {بَلَى} اثبات لما نفاه بقوله: {أية : لو أن الله هداني}تفسير : [الزمر: 57] اذ عذر نفسه بأنه لم يهد هداية توفيق، وجعل هذا البيان كلا هدى، فقال الله عز وجل: " بلى " قد هديناك هدى بيان، وفيه كفاية وأهلكت نفسك بعدم اتباعه، وان فسرنا قوله: {أية : لو أن الله هداني}تفسير : [الزمر: 57] بهدى البيان انكارا لوقوعه، فهو نفى صريح، وبلى لاثبات ما نفى {قَدْ جاءتْكَ} ذكر النفس هنا بكاف مفتوحة لأنها فى معنى الشخص، وكذا فيما بعد بتاء مفتوحة، وأنها فيما مر على الأصل فيها {آياتي فكذَّبتَ بهَا واسْتَكبَرتَ} عنها {وكُنتَ من الكافرين} ولا عذر لك، وأو بمعنى الواو فى الموضعين، لأنها تقول ذلك، أو لمنع الخلو للتنبيه على أن كل واحد يكفى صارفا عن اختيار الكفر على الايمان.
الالوسي
تفسير : جواب من الله عز وجل لما تضمنه قول القائل {أية : لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي}تفسير : [الزمر: 57] من نفي أن يكون الله تعالى هداه ورد عليه، ولا يشترط في الجواب ببلى تقدم النفي صريحاً وقد وقع في موقعه اللائق به لأنه لو قدم على القرينة الأخيرة أعني {أية : أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ }تفسير : [الزمر: 58] الخ وأوقع بعده غير مفصول بنيهما بها لم يحسن لتبتير النظم الجليل، فإن القرائن الثلاث متناسبة متناسقة متلاصقة، والتناسب بينهن أتم من التناسب بين القرينة الثانية وجوابها، ولو أخرت القرينة الثانية وجعلت الثالثة ثانية لم يحسن أيضا لأن رعاية الترتيب المعنوي وهي أهم تفوت إذ ذاك، وذلك لأن التحسر على التفريط عند تطاير الصحف على ما يدل عليه مواضع من القرآن العظيم، والتعلل بعدم الهداية إنما يكون بعد مشاهدة حال المتقين واغتباطهم، ولأنه للتسلي عن بعض التحسر أو من باب تمسك الغريق فهو لا حق وتمني الرجوع بعد ذوق النار، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ }تفسير : [الأنعام: 27] وكذلك لو حمل الوقوف على الحبس على شفيرها أو مشاهدتها، وكل بعد مشاهدة حال المتقين وما لقوا من خفة الحساب والتكريم في الموقف، ولأن اللجأ إلى التمني بعد تحقق أن لا جدوى للتعليل. وقال الطيبـي: إن النفس عند رؤية أهوال يوم القيامة يرى الناس مجزيين بأعمالهم فيتحسر على تفويت الأعمال عليها ثم قد يتعلل بأن التقصير لم يكن مني فإذا نظر وعلم أن التقصير كان منه تمنى الرجوع، ثم الظاهر من السياق أن النفوس جمعت بين الأقوال الثلاثة ـ فأو ـ لمنع الخلو، وجيء بها تنبيهاً على أن كل واحد يكفي صارفاً عن إيثار الكفر وداعياً إلى الإنابة واتباع أحسن ما أنزل وتذكير الخطاب في {جَاءتْكَ } الخ على المعنى / لأن المراد بالنفس الشخص وإن كان لفظها مؤنثاً سماعياً. وقرأ ابن يعمر والجحدري وأبو حيوة والزعفراني وابن مقسم ومسعود بن صالح والشافعي عن ابن كثير ومحمد بن عيسى في اختياره والعبسي {جاءتك} الخ بكسر الكاف والتاء، وهي قراءة أبـي بكر الصديق وابنته عائشة رضي الله تعالى عنهما، وروتها أم سلمة عن النبـي صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن. والأعمش. والأعرج (جأتك) بالهمز من غير مد بوزن فعتك، وهو على ما قال أبو حيان: مقلوب من جاءتك قدمت لام الكلمة وأخرت العين فسقطت الألف. واستدل المعتزلة بالآية على أن العبد خالق لأفعال. وأجاب الأشاعرة بأن إسناد الأفعال إلى العبد باعتبار قدرته الكاسبة. وحقق الكوراني أنه باعتبار قدرته المؤثرة بإذن الله عز وجل لا كما ذهب إليه المعتزلة من أنه باعتبار قدرته المؤثرة أذن الله تعالى أم لم يأذن.
ابن عاشور
تفسير : {بلى} حرفٌ لإِبطال منفي أو فيه رائحة النفي، لقصد إثبات ما نفي قبله، فتعين أن تكون هنا جواباً لقول النفس {أية : لو أنَّ الله هداني لكنت من المتقين} تفسير : [الزمر: 57]، لما تقتضيه {لو} التي استعملت للتمنّي من انتفاء مَا تمناه وهو أن يكون الله هداه ليكون من المتقين، أي لم يهدني الله فلم أتق. وجملة {قَدْ جاءَتك ءاياتي} تفصيل للإبطال وبيان له، وهو مِثل الجواب بالتسليم بعد المَنع، أي هداك الله. وقد قوبل كلام النفس بجواب يقابله على عدد قرائنه الثلاث، وذلك بقوله: {قد جاءتك آياتي فكذبت بها} وهذا مقابل {أية : لو أنَّ الله هداني}تفسير : [الزمر: 57] ثم بقوله: {واستكبرت} وهو مقابل قولها: {أية : على ما فرطتُ في جنبِ الله} تفسير : [الزمر: 56]، أي ليستْ نهايةُ أمرك التفريط بل أعظم منه وهو الاستكبار، ثم بقوله: {وكنت مِنَ الكافرين} وهذا مقابل قولِ النفس {أية : لَكُنتُ مِن المُتقين}تفسير : [الزمر: 57] فهذه قرائن ثلاث. والمعنى: أن الله هداك في الدنيا بالإرشاد بآيات القرآن فقابلتَ الإِرشاد بالتكذيب والاستكبار والكفر بها فلا عذر لك. وكان الجواب على طريقة النشر المشوش بعد اللّف رعياً لمقتضى ذلك التشويش وهو أن يقع ابتداءُ النشر بإبطال الأهم مما اشتمل عليه اللّف وهو ما ساقوه على معنى التنصل والاعتذار من قولهم: {أية : لو أنَّ الله هداني}تفسير : [الزمر: 57] لقصد المبادرة بإعلامهم بما يدحض معذرتهم، ثم عاد إلى إبطال قولهم: {أية : على ما فرطتُ في جَنب الله}تفسير : [الزمر: 56] فأبطل بقوله: {فكذَّبتَ بِها}، ثم أكمل بإبطال قولهم: {أية : لو أنَّ لي كرَّةً فأكونَ من المُحسنين} تفسير : [الزمر: 58] بقوله: {وكُنت من الكافرين}. ولم يُورَد جواب عن قول النفس {أية : وإن كُنتُ لَمِنَ الساخِرين} تفسير : [الزمر: 56] لأنه إقرار. ولو لم يسلك هذا الأسلوب في النشر لهذا اللف لفات التعجيل بدحض المعذرة، ولَفاتَتْ مقابلة القرائن الثلاث المجاب عنها بقرائنَ أَمثالِها لِما علمت من أن الإِبطال روعي فيه قرائن ثلاث على وزان أقوال النفس، وأن ترتيب أقوال النفس كان جارياً على الترتيب الطبيعي، فلو لم يشوش النشر لوجب أن يقتصر فيه على أقلَّ من عدد قرائن اللف فتفوت نكتة المقابلة التي هي شأنُ الجدال؛ مع ما فيه من التورك. وتركيب قوله: {وكُنت من الكافرين} مثلُ ما تقدم آنفاً في نظائره من قوله: {أية : وإن كنتُ لَمِن الساخرين}تفسير : [الزمر: 56] وما بعده مما أقحم فيه فعل {كُنت}. واتفق القراء على فتح التاءات الثلاث في قوله: {فكذَّبتَ بها واستكبرت وكنت من الكافرين} وكذلك فتح الكاف من قوله: {جَاءَتك} راجعةً إلى النفس بمعنى الذات المغلبة في أن يراد بها الذكور ويعلم أن النساء مثلهم، مثل تغليب صيغة جمع المذكر في قوله: {أية : من السَّاخرين}تفسير : [الزمر: 56].
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِي} {ٱلْكَافِرِينَ} (59) - وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ المُتَبَاطِئِينَ فِي التَّوْبَةِ: إِنَّ رَدَّهُ تَعَالَى عَلَى تِلْكَ الأَنْفُسِ التِي تَتَمَنَّى المُنَى يَوْمَ القِيَامَةِ، وَتَتَحَسَّرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ قُصُورٍ، هُوَ أَنَّهُ لاَ فَائِدَةَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ اليَومَ، فَقَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فِي الدُّنْيَا عَلَى لِسَانِ رُسُلِي تُذَكِّرُكَ وَتَدْعُوكَ وَتُنذِرُكَ فَكَذَّبْتَ بِهَا، وَاسْتَكْبَرْتَ عَنْ قَبُولِهَا، وَكُنْتَ مِنَ الثَّابِتِينَ عَلَى الكُفْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (بَلَى) حرف جواب لا يأتي إلا بعد نفي، فيفيد إثباتَ المعنى المنفي قبله، كما في قوله تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] فيأتي الجواب {أية : قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] يعني: لا، أنت ربنا، والقاعدة أن نفي النفي إثبات، ومثله: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [التين: 8] على مَنْ يسمعها أن يقول: بلى يا رب، يعني: لا .. أنت أحكم الحاكمين. إذن: فأين النفي السابق على قوله هنا {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي} [الزمر: 59] قالوا: كَوْنه نفي الهداية في قوله: {أية : لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي} تفسير : [الزمر: 57] لذلك جاء الجواب (بلى) يعني: لا بل هديناك {قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا} [الزمر: 59] والآيات جمع آية، وهي الشيء العجيب الملفت للنظر الداعي إلى التأمل والتفكر للعقل وللبصيرة. والآيات كما ذكرنا على ثلاثة أنواع: آيات كونية تدل على قدرة المكوِّن سبحانه كقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : [فصلت: 37]. {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ} تفسير : [الروم: 23]. وهذه الآيات الكونية التي تلفتنا إلى المكوِّن الأعلى هي الوسيلة الأولى للإيمان بالله، لذلك كلنا استنبط العلماء في الكون شيئاً جديداً أو اكتشفوا جديداً وجدنا له أصلاً في كتاب الله، قالها الحق سبحانه منذ أربعة عشر قرناً من الزمان. هذه الآيات الكونية يُظهرها الحق سبحانه حتى على أيدي الكافرين به، لذلك حذَّرنا أن يتدخل علماء الشرع والفقهاء في علوم الدنيا والكونيات؛ لأن الكونيات لها علماء اختصُّوا بها، وسوف يخدم هؤلاء الدين وقضية الإيمان بالله، وسيُظهرون لكم الأسانيد والأدلة على وجوب الإيمان بالله صاحب هذا الكون ومُكوِّنه. إذن: فهؤلاء العلماء يتعبون ويفكرون ويبحثون في الكونيات لخدمة المؤمن بالله وخدمة الدين، فهم - وإن كانوا كافرين بالله - جند من جنود الحق، وصدق الله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. والعجيب أنهم سيُحرمون الأجر على هذا الجهد المبذول، لأنهم فعلوا ذلك وتوصَّلوا إلى ما توصَّلوا إليه، وليس في بالهم الحق سبحانه، إنما في بالهم خدمة الإنسانية، فليأخذوا أجورهم من الإنسانية، وفعلاً كرَّمتهم الإنسانية وصنعت لهم التماثيل، واحتفلت بهم؛ لذلك ليس لهم نصيب في الآخرة. وينطبق عليهم قوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. يعني: فوجئ بأن للكون إلهاً خالقاً، فوجئ بالحساب والجزاء، وهذه أمور لم تكُنْ على باله في الدنيا. النوع الثاني من الآيات هي المعجزات التي تصاحب الرسالات، لتدلَّ على صدق الرسول في البلاغ عن ربه، ومنها قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ ..} تفسير : [الإسراء: 101]. أما النوع الأخير فهي الآيات القرآنية التي تحمل أحكام الدين، والتي قال الله فيها هنا: {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} [الزمر: 59]. وقوله تعالى: {وَٱسْتَكْبَرْتَ} [الزمر: 59] استكبر يعني: طلب أنْ يكون كبيراً، يعني: لم يتكبر فحسب، إنما طلب ذلك وسعى إليه لكنه لم يُجِب لذلك؛ لأن الذي يستكبر لا بدَّ أن يكون في غنىً عمَّنْ استكبر عليه، وإذا كنتَ في مُلْك الله وتحت سلطانه وتأكل من رزقه وتعيش في خيره، فكيف تتكبر عليه؟ ثم إن المتكبر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا يسلب منه؛ لذلك الذين يتكبرون في الدنيا إنما ينازعون الله صفته؛ لأنهم يتكبّرون بلا رصيد، ومَنْ من الخلق عنده ذاتية لا تُسلب منه، لذلك نرى مَنْ يتكبر بعزٍّ يُذله الله، ومَنْ يتكبر بغنىً يُفقره الله، ومَنْ يتكبر بصحته وعافيته يُمرضه الله. إذن: التكبّر الحق أنْ تتكبر بشيء تملكه لا يُسلب منك، وشرُّ المتكبرين مَنْ يتكبر على ربه وخالقه والقادر على أن يسلب منه كل شيء، أما الذي يتكبر على الخلق فغافلٌ عن عظمة ربه وكبريائه؛ لأنه لو عرف عظمة ربه وكبرياءه لاستحى أن يتكبر وأنْ ينازع الله صفة من صفاته.
الجيلاني
تفسير : ثم قيل لها من قِبل الحق رداً لقولها: {بَلَىٰ} هداك الله؛ إذ {قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي} لهدايتك وإرشادك على ألسنة رسلي {فَكَذَّبْتَ بِهَا} وبهم {وَٱسْتَكْبَرْتَ} عليها وعليهم {وَكُنتَ} حيئنذ بتكذيبك واستكبارك {مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} [الزمر: 59] الذين ستروا الحق الحقيق بالإطاعة والاتباع، وأظهروا الباطل الزائغ الزاهق الزائل، فاتخذوه معبوداً، وعبدوا له ظلماً وزوراً، عناداً واستكباراً. {وَ} لا تبالوا أيها الموحدون بعتوهم واستكبارهم في هذه النشأة؛ إذ {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} التي تُبلى السرائر فيها {تَرَى} فيها أيها الرائي {ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ} بإثبات الولد والشريك له، افتراء ومراء {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} أي: تراهم حال كونهم مسودة الوجوه؛ لأنهم حينئذ ملازموا النار وملاصقوها، تستبعد وتستغرب أيها المعتبر الرائي حالتهم هذه {أَلَيْسَ} يبقى {فِي جَهَنَّمَ} البعد والخذلان، وجحيم الطرد والحرمان {مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60] الذين يتكبرون على الله وعلى أوليائه بأنواع الفسق والعصان والكذب والطغيان، مع أنه ما هي إلا معدة لهؤلاء البغاة الطغاة الهالكين في تيه الكبر والعناد. {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ} المفضل المحسن بمقتضى لطفه وجماله من أهوال يوم القيامة وأفزاعها {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} عن محارم الله {بِمَفَازَتِهِمْ} أي: بفوزهم وفلاحهم المورث لهم فتح أبواب السعادات وأنواع الخير والبركات {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ} أي: ينجيهم؛ بحيث لا يعرضهم شيء يسؤهم في النشأة الأخرى {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 61] فيها أصلاً. وكيف لا ينجي سبحانه أولياءه؛ إذ {ٱللَّهُ} المحيط بجميع ما ظهر وبطن {خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} ومظهره من العدم بامتداد أظلال أسمائه وصفاته عليه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مظاهره ومصنوعاته {وَكِيلٌ} [الزمر: 62] يولي أمره، ويحفظه عما يضره. إذ {لَّهُ} وفي قبضة قدرته {مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: مفاتيح العلويات والسفليات، وما يتولى بينهما، ويتصرف فيهما بالإرادة والاختيار، ما شاء بلا منازع ومخاصم {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ} وأنكروا دلائل توحيده واستقلاله في الآثار الصادرة منه سبحانه باختياره {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء الضالون عن طريق التوحيد، المنحرفون عن جادة العدالة {هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الزمر: 63] المقصورون على الخسران والحرمان، لا يُرجى نجاتهم منه أصلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):