٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من تقرير الوعيد والوعد، أما الوعيد فقوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } وفيه بحثان: أحدهما: أن هذا التكذيب كيف هو؟ والثاني: أن هذا السواد كيف هو؟. البحث الأول: عن حقيقة هذا التكذيب، فنقول: المشهور أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، ومنهم من قال هذا القدر لا يكون كذباً بل الشرط في كونه كذباً أن يقصد الإتيان بخبر يخالف المخبر عنه، إذا عرفت هذا الأصل فنذكر أقوال الناس في هذه الآية: قال الكعبي: ويرد الجبر بأن هذه الآية وردت عقيب قوله {أية : لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى } تفسير : [الزمر: 58] يعني أنه ما هداني بل أضلني، فلما حكى الله عن الكفار ثم ذكر عقيبه {تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } وجب أن يكون هذا عائداً إلى ذلك الكلام المتقدم، ثم روي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ما بال أقوام يصلون ويقرأون القرآن، يزعمون أن الله كتب الذنوب على العباد، وهم كذبة على الله، والله مسود وجوههم" تفسير : واعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا التأويل لأنه تعالى قال في آخر الآية: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْمُتَكَبّرِينَ } وهذا يدل على أن أولئك الذين صارت وجوههم مسودة أقوام متكبرون، والتكبر لا يليق بمن يقول أنا لا أقدر على الخلق والإعادة والإيجاد، وإنما القادر عليه هو الله سبحانه وتعالى، أما الذين يقولون إن الله يريد شيئاً وأنا أريد بضده، فيحصل مرادي ولا يحصل مراد الله، فالتكبر بهذا القائل أليق، فثبت أن هذا التأويل الذي ذكروه فاسد، ومن الناس من قال إن هذا الوعيد مختص باليهود والنصارى، ومنهم من قال إنه مختص بمشركي العرب، قال القاضي يجب حمل الآية على الكل من المشبهة والمجبرة وكذلك كل من وصف الله بما لا يليق به نفياً وإثباتاً، فأضاف إليه ما يجب تنزيهه عنه أو نزهه عما يجب أن يضاف إليه، فالكل منهم داخلون تحت هذه الآية، لأنهم كذبوا على الله، فتخصيص الآية بالمجبرة والمشبهة أو اليهود والنصارى لا يجوز، واعلم أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضي/ لزمه تكفير الأمة، لأنك لا ترى فرقة من فرق الأمة إلا وقد حصل بينهم اختلاف شديد في صفات الله تعالى، ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبي هاشم وأهل السنة في مسائل كثيرة من صفات الله تعالى، ويلزم على قانون قول القاضي تكفير أحدهما، فثبت أنه يجب أن يحمل الكذب المذكور في الآية على ما إذا قصد الإخبار عن الشيء، مع أنه يعلم أنه كاذب فيما يقول، ومثال هذا كفار قريش فإنهم كانوا يصفون تلك الأصنام بالإلٰهية مع أنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنها جمادات، وكانوا يقولون إن الله تعالى حرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، مع أنهم كانوا ينكرون القول بأن الله حرم كذا وأباح كذا، وكان قائله عالماً بأنه كذب وإذا كان كذلك فإلحاق مثل هذا الوعيد بهذا الجاهل الكذاب الضال المضل (يكون) مناسباً، أما من لم يقصد إلا الحق والصدق لكنه أخطأ يبعد إلحاق هذا الوعيد به. البحث الثاني: الكلام في كيفية السواد الحاصل في وجوههم، والأقرب أنه سواد مخالف لسائر أنواع السواد، وهو سواد يدل على الجهل بالله والكذب على الله، وأقول إن الجهل ظلمة، والظلمة تتخيل كأنها يواد فسواد قلوبهم أوجب سواد وجوههم، وتحت هذا الكلام أسرار عميقة من مباحث أحوال القيامة، فلما ذكر الله هذا الوعيد أردفه بالوعد فقال: {وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ } الآية، قال القاضي المراد به من اتقى كل الكبائر إذ لا يوصف بالاتقاء المطلق إلا من كان هذا حاله، فيقال له: أمرك عجيب جداً فإنك قلت لما تقدم قوله تعالى: {أية : لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزمر: 57] وجب أن يحمل قوله (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} على الذين قالوا {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى } فعلى هذا القانون لما تقدم قوله {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ }. ثم قال تعالى بعده: {وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ } وجب أن يكون المراد هم الذين اتقوا ذلك الكذب، فهذا يقتضي أن كل من لم يتصف بذلك الكذب أنه يدخل تحت ذلك الوعد المذكور بقوله {وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ } وأن يكون قولك {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } المراد منه من اتقى كل الكبائر فاسداً، فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة، بل الحق أن تقول المتقي هو الآتي بالاتقاء والآتي بالاتقاء في صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء، وبهذا الحرف قلنا الأمر المطلق لا يفيد التكرار، ثم ذلك الاتقاء غير مذكور بعينه في هذه اللفظة فوجب حمله على الاتقاء عن الشيء الذي سبق ذكره وهذا هو الكذب على الله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية يقتضي أن من اتقى عن تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم. ثم قال تعالى: {بِمَفَازَتِهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على الجمع، والباقون بمفازتهم على التوحيد، وحكى الواحدي عن الفرّاء أنه قال: كلاهما صواب، إذ يقال في الكلام قد تبين أمر القوم وأمور القوم، قال أبو علي الفارسي: الإفراد للمصدر ووجه الجمع أن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى: {أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } تفسير : [الأحزاب: 10] ولا شك أن لكل متق نوعاً آخر عن المفازة. المسألة الثانية: المفازة مفعلة من الفوز وهو السعادة، فكأن المعنى أن النجاة في القيامة حصلت بسبب فوزهم في الدنيا بالطاعات والخيرات، فعبر عن الفوز بأوقاتها ومواضعها. ثم قال: {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والمراد أنه كالتفسير لتلك النجاة، كأنه قيل كيف ينجيهم؟ فقيل: {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وهذه كلمة جامعة لأنه إذا علم أنه لا يمسه السوء كان فارغ البال بحسب الحال عما وقع في قله بسبب فوات الماضي، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات، ونسأل الله الفوز بهذه الدرجات بمنه وكرمه. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب في القيامة، وتأكد هذا بقوله {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} أي مما حاط بهم من غضب الله ونقمته. وقال الأخفش: {تَرَى} غير عامل في قوله: {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} إنما هو ابتداء وخبر. الزمخشري: جملة في موضع الحال إن كان «تَرَى» من رؤية البصر، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} وبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الكبر فقال عليه السلام: «حديث : سفَهُ الحقِّ وغَمْصُ الناس»تفسير : أي احتقارهم. وقد مضى في «البقرة» وغيرها. وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذرّ يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن جهنم».تفسير : قوله تعالى: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} وقرىء: «ويُنْجي» أي من الشرك والمعاصي. {بِمَفَازَتِهِمْ} على التوحيد قراءة العامة لأنها مصدر. وقرأ الكوفيون: «بمَفَازَاتهِمْ» وهو جائز كما تقول بسعاداتهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة، قال: «حديث : يحشر الله مع كل امرىء عمله فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح فكلما كان رُعْب أو خَوْف قال له لا تُرَع فما أنت بالمراد به ولا أنت بالمعنيّ به فإذا كثر ذلك عليه قال فما أحسنك فمن أنت فيقول أما تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك ولأدفعن عنك فهي التي قال الله: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }»تفسير : . {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } أي حافظ وقائم به. وقد تقدّم. قوله تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} واحدها مِقليد. وقيل: مقلاد وأكثر ما يستعمل فيه إقليد. والمقاليد المفاتيح عن ابن عباس وغيره. وقال السدي: خزائن السموات والأرض. وقال غيره: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات. وفيه لغة أخرى أقاليد وعليها يكون واحدها إقليد. قال الجوهري: والإقليد المفتاح، والمِقلد مفتاح كالمِنجل ربما يقلد به الكلأ كما يقلد القَتُّ إذا جعل حِبالاً؛ أي يفتل والجمع المقاليد. وأقلد البحرُ على خلقٍ كثير أي غرّقهم كأنه أغلق عليهم. وخرج البيهقي عن ابن عمر حديث : أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما سألني عنها أحد، لا إلٰه إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده استغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن يحيـي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير»تفسير : ذكره الثعلبي في تفسيره، وزاد من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه الله ست خصال: أولها يحرس من إبليس، والثانية يحضره اثنا عشر ألف ملك، والثالثة يعطى قنطاراً من الأجر، والرابعة ترفع له درجة، والخامسة يزوجه الله من الحور العين، والسادسة يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وله أيضاً من الأجر كمن حج واعتمر فقبلت حجته وعمرته، فإن مات من ليلته مات شهيداً. وروى الحارث حديث : عن عليّ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير المقاليد فقال: «يا عليّ لقد سألت عن عظيم المقاليد هو أن تقول عشراً إذا أصبحت وعشراً إذا أمسيت لا إلٰه إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وأستغفر الله ولا قوّة إلا بالله الأوّل والآخر والظاهر والباطن له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير»تفسير : من قالها عشراً إذا أصبح، وعشراً إذا أمسى أعطاه الله خصالاً ستاً: أولها يحرسه من الشيطان وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية يعطى قنطاراً في الجنة هو أثقل في ميزانه من جبل أحد، والثالثة ترفع له درجة لا ينالها إلا الأبرار، والرابعة يزوجه الله من الحور العين، والخامسة يشهده اثنا عشر ألف مَلَك يكتبونها له في رق منشور ويشهدون له بها يوم القيامة، والسادسة يكون له من الأجر كأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكمن حج واعتمر فقبل الله حجته وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طبع بطابع الشهداء. وقيل: المقاليد الطاعة يقال ألقى إلي فلان بالمقاليد أي أطاعه فيما يأمره؛ فمعنى الآية له طاعة من في السموات والأرض. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ} أي بالقرآن والحجج والدلالات. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تقدم. قوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} وذلك حين دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام وقالوا هو دين آبائك. و«غير» نصب بـ«ـأَعْبُدُ» على تقدير أعبد غير الله فيما تأمرونني. ويجوز أن ينتصب بـ«ـتَأْمُرُونِّي» على حذف حرف الجرّ؛ التقدير: أتأمرونّي بغير الله أن أعبده، لأنّ أن مقدرة وأن والفعل مصدر، وهي بدل من غير؛ التقدير: أتأمرونّي بعبادة غير الله. وقرأ نافع: «تَأْمُرُونِي» بنون واحدة مخففة وفتح الياء. وقرأ ابن عامر: «تَأْمُرُونَنِي» بنونين مخففتين على الأصل. الباقون بنون واحدة مشددة على الإدغام، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنها وقعت في مصحف عثمان بنون واحدة. وقرأ نافع على حذف النون الثانية وإنما كانت المحذوفة الثانية؛ لأن التكرير والتثقيل يقع بها، وأيضاً حذف الأولى لا يجوز؛ لأنها دلالة الرفع. وقد مضى في «الأنعام» بيانه عند قوله تعالى: {أية : أَتُحَاجُّوۤنِّي}تفسير : [الأنعام: 80]. {أَعْبُدُ} أي أن أعبد فلما حذف «أن» رفع؛ قاله الكسائي. ومنه قول الشاعر:شعر : أَلاَ أَيُّـهَـذَا الـزاجِـرِي أَحْـضُـرُ الـوَغَــى تفسير : والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أَعْبُدَ» بالنصب.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه، وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة. قال تعالى ههنا: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: في دعواهم له شريكاً وولداً {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} أي: بكذبهم وافترائهم وقوله تعالى: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} أي: أليست جهنم كافية لهم سجناً وموئلاً، لهم فيها الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق؟ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجناً من النار في واد يقال له: بولس من نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار، ومن طينة الخبال»تفسير : . وقوله تبارك وتعالى: {وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ} أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ} أي: يوم القيامة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فزع، مزحزحون عن كل شر، نائلون كل خير.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ } بنسبة الشريك والولد إليه {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى } مأوى {لّلْمُتَكَبّرِينَ } عن الإِيمان؟ بلى.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بنجاتهم من النار. الثاني: بما فازوا به من الطاعة. الثالث: بما ظفروا من الإدارة. ويحتمل رابعاً: بما سلكوا فيه مفاز، الطاعات الشاقة، مأخوذ من مفازة السفر. {لا يمسهم السُّوءُ} لبراءتهم منه. {ولا هم يحزنون} فيه وجهان: أحدهما: لا يحزنون، بألا يخافوا سوء العذاب. الثاني: لا يحزنون على ما فاتهم من ثواب الدنيا.
النسفي
تفسير : {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ } وصفوه بما لا يجوز عليه من إضافة الشريك والولد إليه، ونفى الصفات عنه {وُجُوهُهُمْ } مبتدأ {مُّسْوَدَّةٌ } خبر والجملة في محل النصب على الحال إن كان ترى من رؤية البصر، وإن كان من رؤية القلب فمفعول ثانٍ {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى } منزل {لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} هو إشارة إلى قوله {وَٱسْتَكْبَرْتَ } {وَيُنَجِّى ٱللَّهُ } {وَيُنَجّى }: روح {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } من الشرك {بِمَفَازَتِهِمْ } بفلاحهم يقال: فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده منه وتفسيره المفازة {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوءُ } النار {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } كأنه قيل: وما مفازتهم؟ قيل: لا يمسهم السوء أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. أي لا يمس أبدانهم أذى ولا قلوبهم خزي، أو بسبب منجاتهم من قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ }تفسير : [آل عمران: 188]. أي بمنجاة منه؛ لأن النجاة من أعظم الفلاح وسبب منجاتهم العمل الصالح، ولهذا فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة ويجوز بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة، ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها، ولا محل لـ {لاَ يَمَسُّهُمُ } على التفسير الأول لأنه كلام مستأنف، ومحله النصب على الحال على الثاني. {بمفازاتهم} كوفي غير حفص. {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ} رد على المعتزلة والثنوية {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ} حافظ. {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو مالك أمرها وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي المفاتيح واحدها مقليد، وقيل: لا واحد لها من لفظها، والكلمة أصلها فارسية {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } هو متصل بقوله {وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } أي ينجي الله المتقين بمفازاتهم والذين كفروا هم الخاسرون. واعترض بينهما بأنه خالق كل شيء، فهو مهيمن عليه، فلا يخفى عليه شيء من أعمال المكلفين فيها وما يجزون عليها، أو بما يليه على أن كل شيء في السماوات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه، والذين كفروا وجحدوا أن يكون الأمر كذلك أولئك هم الخاسرون، وقيل: سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} فقال:«حديث : يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير»تفسير : وتأويله على هذا أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السماوات والأرض من تكلم بها من المتقين أصابه، والذين كفروا بآيات الله وكلمات توحيده وتمجيده أولئك هم الخاسرون. {قُلْ } لمن دعاك إلى دين آبائك {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّى أَعْبُدُ } {تَأْمُرُونِّىَّ } مكي، {تأمرونني} على الأصل: شامي، { تَأْمُرُونِىَ} مدني، وانتصب. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ } بـ {أَعْبُدُ } و{تَأْمُرُونّى } اعتراض، ومعناه أفغير الله أعبد بأمركم بعد هذا البيان {أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } بتوحيد الله {وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ } من الأنبياء عليهم السلام {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } الذي علمت قبل الشرك {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وإنما قال {لَئِنْ أَشْرَكْتَ } على التوحيد والموحى إليهم جماعة لأن معناه أوحي إليك لئن أشركت ليحبطنّ عملك وإلى الذين من قبلك مثله، واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف، والثانية لام الجواب، وهذا الجواب ساد مسد الجوابين أعني جوابي القسم والشرط. وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون لأن الخطاب للنبي عليه السلام والمراد به غيره، ولأنه على سبيل الفرض، والمحالات يصح فرضها. وقيل: لئن طالعت غيري في السر ليحبطن ما بيني وبينك من السر {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ } رد لما أمروه من عبادة آلهتهم كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إن عبدت فاعبد الله؛ فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضاً عنه {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد آدم {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } وما عظموه حق عظمته إذ دعوك إلى عبادة غيره، ولما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تعظيمه قيل: وما قدروا الله حق قدره. ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريق التخييل فقال: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } والمراد بهذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية أو جهة مجاز. والمراد بالأرض الأرضون السبع يشهد لذلك قوله {جَمِيعاً }، وقوله {وَٱلسَّمَـٰوٰتِ } ولأن الموضع موضع تعظيم فهو مقتضٍ للمبالغة، و{ٱلأَرْضِ} مبتدأ و{قَبْضَـتُهُ } الخبر و{جَمِيعاً } منصوب على الحال أي: والأرض إذا كانت مجتمعة قبضته يوم القيامة، والقَبضة: المرة من القبضة. والقُبضة: المقدار المقبوض بالكف، ويقال: أعطني قبضة من كذا تريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، وكلا المعنين محتمل، والمعنى والأرضون جميعاً قبضته أي ذوات قبضته بقبضهن قبضة واحدة يعني أن الأرضين مع عظمهن وبسطهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة كما تقول: الجزور أكلة لقمان أي لا تفي إلا بأكلة فذة من أكلاته. وإذا أريد معنى القبضة فظاهر، لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة. والمطويات من الطي الذي هو ضد النشر كما قال: {أية : يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء كَطَىّ ٱلسّجِلّ لِلْكُتُبِ }تفسير : [الأنبياء: 104]. وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، وقيل: قبضته ملكه بلا مدافع ولا منازع وبيمينه بقدرته. وقيل: مطويات بيمينه مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يفنيها {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ما أبعد من هذه قدرته وعظمته وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء. {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ } مات {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ } أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل: هم حملة العرش أو رضوان والحور العين ومالك والزبانية {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ } هي في محل الرفع لأن المعنى ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى، وإنما حذفت لدلالة {أُخْرَىٰ } عليها، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب أو ينظرون أمر الله فيهم، ودلت الآية على أن النفخة اثنتان: الأولى للموت والثانية للبعث، والجمهور على أنها ثلاث: الأولى للفزع، كما قال: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ }تفسير : [النمل: 87]، والثانية للموت والثالثة للإعادة. {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ} أضاءت {بِنُورِ رَبِّهَا} أي بعدله بطريق الاستعارة. يقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك. كما يقال أظلمت البلاد بجور فلان، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة»تفسير : وإضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل ولا أعمر لها منه، وقال الإمام أبو منصور رحمه الله: يجوز أن يخلق الله نوراً فينور به أرض الموقف، وإضافته إليه تعالى للتخصيص كبيت الله وناقة الله {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ } أي صحائف الأعمال، ولكنه اكتفى باسم الجنس أو اللوح المحفوظ {وَجَايئَ بِٱلنَّبِيّيْنَ } ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة وما أجابهم قومهم {وَٱلشُّهَدَاءِ} الحفظة. وقيل: هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل ذلك الزمان {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } بين العباد {بِٱلْحَقِّ} بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ختم الآية بنفي الظلم كما افتتحها بإثبات العدل {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } أي جزاءه {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } من غير كتاب ولا شاهد، وقيل: هذه الآية تفسير قوله {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }. أي ووفيت كل نفس ما عملت من خير وشر لا يزاد في شر ولا ينقص من خير. {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } سوقاً عنيفاً، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل {زُمَراً } حال أي أفواجاً متفرقة بعضها في أثر بعض {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ } بالتخفيف فيهما: كوفي {أَبْوٰبُهَا} وهي سبعة {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } أي حفظة جهنم وهم الملائكة الموكلون بتعذيب أهلها {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ } من بني آدم {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أي وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة {قَالُواْ بَلَىٰ } أتونا وتلوا علينا {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي ولكن وجبت علينا كلمة الله {أية : لأملأن جهنم}تفسير : [الأعراف: 18] بسوء أعمالنا كما قالوا: {أية : غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } تفسير : [المؤمنون: 106]، فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال. {قِيلَ ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال مقدرة أي مقدرين الخلود {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ } اللام فيه للجنس لأن {مَثْوَى ٱلْمُتَكَبّرِينَ } فاعل «بئس» و«بئس» فاعلها اسم معرف بلام الجنس أو مضاف إلى مثله، والمخصوص بالذم محذوف تقديره فبئس مثوى المتكبرين جهنم. {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَراً } المراد سوق مراكبهم، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم ويشرف من الوافدين على بعض الملوك {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا} هي التي تحكى بعدها الجمل والجملة المحكية بعدها هي الشرطية إلا أن جزاءها محذوف، وإنما حذف لأنه في صفة ثواب أهل الجنة فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف، وقال الزجاج: تقديره حتى إذا جاءوها {وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } دخلوها فحذف دخولها؛ لأن في الكلام دليلاً عليه. وقال قوم: حتى إذا جاءوها وجاءوها وفتحت أبوابها فعندهم جاءوها محذوف، والمعنى: حتى إذا جاءوها وقع مجيئهم مع فتح أبوابها، وقيل: أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله تعالى: {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأبْوَابُ }تفسير : [ص: 50]. فلذلك جيء بالواو كأنه قال: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها طبتم من دنس المعاصي، وطهرتم من خبث الخطايا، وقال الزجاج: أي كنتم طيبين في الدنيا ولم تكونوا خبيثين أي لم تكونوا أصحاب خبائث، وقال ابن عباس: طاب لكم المقام، وجعل دخول الجنة سببا عن الطيب والطهارة لأنها دار الطيبين ومثوى الطاهرين قد طهر من كل دنس وطيبها من كل قذر، فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب والترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان. يساقون إلى سجن في جهنم. يشربون من عصارة أهل النار طينة الخبال ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن المتكبرين يوم القيامة يجعلون في توابيت من نار، يطبق عليهم ويجعلون في الدرك الأسفل من النار ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: يحشر المتكبرون يوم القيامة رجالاً في صور الذر. يغشاهم الذل من كل مكان. يسلكون في نار الأنيار. يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يجاء بالجبارين والمتكبرين رجالاً في صور الذر يطؤهم الناس من هوانهم على الله حتى يقضى بين الناس، ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار. قيل يا رسول الله وما نار الأنيار؟ قال: عصارة أهل النار ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} قال: باعمالهم.
ابو السعود
تفسير : {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ} بأنْ وصفُوه بما لا يليقُ بشأنِه كاتِّخاذ الولدِ {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} بما ينالهم من الشِّدَّةِ أو بما يتخيَّلُ عليها من ظُلمة الجهل. والجملةُ حالٌ قد اكتفُي فيها بالضَّميرِ عن الواوِ على أنَّ الرُّؤيةَ بصريةٌ أو مفعولٌ ثانٍ لها على أنَّها عِرفانيةٌ {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى} أي مقامٌ {لّلْمُتَكَبّرِينَ} عن الإيمانِ والطَّاعةِ، وهو تقريرٌ لما قبله من رُؤيتهم كذلك {وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} الشِّركَ والمعاصيَ أي من جهنَّم. وقُرىء يُنْجِي من الإنجاء. {بِمَفَازَتِهِمْ} مصدرٌ ميميٌّ إما من فاز بالمطلوب أي ظفر به، والباءُ متعلقة بمحذوفٍ هو حالٌ من الموصول مفيدةٌ لمقارنة تنجيتهم من العذاب لنيلِ الثَّواب أي ينجَّيهم الله تعالى من مَثْوى المتكبِّرينَ ملتبسين بفوزِهم بمطلوبِهم الذي هو الجنَّةُ. وقوله تعالى {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} إمَّا حالٌ أخرى من الموصول أو من ضميرِ مفازتِهم مفيدةٌ لكون نجاتِهم أو فوزِهم بالجنة غيرَ مسبوقةٍ بمساس العذاب والحزن. وإمَّا من فازَ منه أي نجا منه، والباءُ للملابسة. قولُه تعالى: {لاَ يَمَسُّهُمُ} إلى آخرِه تفسيرٌ وبـيانٌ لمفازتِهم أي ينجَّيهم الله تعالى ملتبسين بنجاتِهم الخاصَّةِ بهم أي بنفي السُّوءِ والحُزنِ عنهم أو للسَّببـيةِ إمَّا على حذفِ المضافِ أي ينجيِّهم بسبب مفازتهم التي هي تقواهم كما يُشعر به إيراده في حيِّزِ الصِّلةِ، وإمَّا على إطلاقِ المفازةِ على سببها الذي هو التَّقوى وليس المرادُ نفيَ دوام المساسِ والحزن بل دوامَ نفيهما كما مرَّ مراراً. {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء} من خيرٍ وشرَ وإيمان وكفر لكن لا بالجَبْرِ بل بمباشرة الكاسب لأسبابِها. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ} يتولَّى التَّصرُّفَ فيه كيفما يشاء {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} لا يملك أمرَها ولا يتمكَّن من التَّصرُّفَ فيها غيرُه وهو عبارة عن قُدرته تعالى وحفظِه لها. وفيها مزيدُ دلالةٍ على الاستقلالِ والاستبداد لأنَّ الخزائن لا يدخُلها ولا يتصرَّفُ فيها إلا من بـيده مفاتيحُها. وهو جمعُ مِقْليدٍ أو مِقلادٍ من قلَّدتُه إذا ألزمتُه، وقيل: جمعُ إقليدٍ معرَّبُ كَلِيدٍ على الشُّذوذِ كالمذاكيرِ. « حديث : وعن عثمانَ رضي الله عنه أنَّه سألَ النبـيَّ صلى الله عليه وسلم عن المقاليدِ فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "تفسيرُها لا إلَه إلاَّ الله والله أكبرُ وسبحانَ الله وبحمدِه وأستغفرُ الله ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله العليَّ العظيمِ هو الأوَّلُ والآخرُ والظَّاهرُ والباطنُ بـيدِه الخيرُ يُحيـي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ" » تفسير : والمعنى على هذا أنَّ لله هذه الكلمات يُوحد بها ويُمجّد وهي مفاتيحُ خيرِ السَّمواتِ والأرضِ من تكلَّم بها أصابَه {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} متَّصلٌ بما قبله والمعنى أنَّ الله تعالى خالقٌ لجميعِ الأشياءِ ومتصرِّفٌ فيها كيفما يشاءُ بالإحياء والإماتة بـيده مقاليدُ العالم العلويِّ والسُّفليِّ. والذي كفرُوا بآياته التَّكوينيَّةِ المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ والتَّنزيليةِ التي من جُملتها هاتيك الآيات النَّاطقةُ بذلك هم الخاسرون خُسراناً لا خسارَ وراءه، هذا وقيل: هو متَّصلٌ بقوله تعالى وينجِّي الله وما بـينهما اعتراضٌ فتدَّبر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ..} [الآية: 60]. قال يوسف بن الحسين: أشد الناس عذابًا يوم القيامة من ادّعى فى الله ما لم يكن له ذلك وأظهر من أحواله ما هو خالٍ عنها قال الله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}. وقال الثورى فى قوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} قال: هم الذين ادعوا محبة الله ولم يكونوا فيها صادقين.
القشيري
تفسير : هؤلاء الذين ادَّعوا أحوالاً ولم يَصْدُقُوا فيها، وأظهروا المحبةَ لله ولم يتحققوا بها، وكفاهم افتضاحاً بذلك! وأنشدوا: شعر : ولمَّا ادَّعَيْتُ الحُبَّ قالت كَذَبْتَنـي فما لي أرى الأعضاءَ منــك كواسيـا؟! فما الحُبُّ حتى تنزف العين بالـبكا وتخرس حتى لا تجيب المناديــا
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله} بان وصفوه بما لا يليق بشانه كاتخاذ الولد والصاحبة والشريك {وجوههم مسودة} مبتدأ وخبر والجملة حال قد اكتفى فيها بالضمير عن الواو على ان الرؤية بصرية او مفعول ثان لها على انها عرفانية. والمعنى تراهم حال كونهم او تراهم مسودة الوجوه بما ينالهم من الشدة او بما يتخيل من ظلمة الجهل: وبالفارسية [رويهاى ايشان سياه كرده شد بيش از دخول دوزخ وآن علامت دوزخيانست كه] {أية : يعرف المجرمون بسيماهم } تفسير : سئل الحسن عن هذه الآية {ويوم القيامة} الخ فقال هم الذين يقولون الاشياء الينا ان شئنا فعلنا وان شئنا لم نفعل. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان يوم القيامة تكون الوجوه بلون القلب فالقلوب الكاذبة لما كانت مسودة بسواد الكذب وظلمته تلونت وجوههم بلون القلوب. قال يوسف ابن الحسين رحمه الله اشد الناس عذابا يوم القيامة من ادعى فى الله ما لم يكن له ذلك او اظهر من احواله ما هو خال عنها {أليس فى جهنم} [آيانيست در دوزخ يعنى هست] {مثوى} مقام {للمتكبرين} عن الايمان والطاعة. وفى التأويلات النجمية اى الذين تكبروا على اولياء الله وامتنعوا عن قبول النصح والموعظة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ويومَ القيامة ترى الذين كَذَبوا على الله}، بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه، كاتخاذ الولد والشريك ونفي الصفات عنه، {وجُوهُهُم مسودةٌ} بما ينالهم من الشدة والكآبة. والجملة: حال، على أن الرؤية بصرية، أو: مفعول ثان لها، إن كانت علمية. {أليس في جهنم مَثْوىً} أي: مقام {للمتكبرين} عن الإيمان والطاعة، وهو إشارة إلى قوله: {واستكبرت}، ولا ينافي إشعاره بأن تكبرهم علة لاستحقاقهم النار أن يكون دخولهم فيها؛ لأجل أن كلمة العذاب حقَّتْ عليهم؛ لأن كبرهم مسبب عنها. {ويُنجِّي اللهُ الذين اتَّقَوا} الشرك والمعاصي، أي: من جهنم. {بمفازتهم}: بفوزهم، مصدر ميمي، يقال: فاز بالمطلوب: ظفر به، والباء متعلقة بمحذوف، حال من الموصول، مفيدة لمقارنة نجاتهم من العذاب بنيل الثواب، أي: ينجيهم الله من مثوى المتكبرين ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم أو: بسبب فوزهم بالإيمان والأعمال الحسنة في الدنيا، ولذا قرأ ابن عباس رضي الله عنه: "بمفازتهم بالأعمال الحسنة". قال القشيري: كما وَقَاهم اليومَ من المخالفات، وحماهم، فكذلك غداً عن العقوبة وقاهم، فالمتقون فازوا بسعادة الدارين، اليومَ عصمة، وغداً نعمة، واليومَ عناية، وغداً كفاية. هـ. {لا يمسُّهُم السوءُ ولا هم يحزنون}: إما حال أخرى من الموصول، أو: من مفازتهم وقيل: تفسير للمفازة، كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم السوء، أي: ينجيهم بنفي السوء والحُزن عنهم، فلا يمس أبدانَهم سوء، ولا قلوبَهم حزن. الإشارة: ويوم القيامة ترى الذين كَذَبوا على الله، بالدعاوى الباطلة، من القلوب الخاوية، فكل مَن ادعى حالاً ليست فيه، أو: مرتبة لم يتحققها، فالآية تجر ذيلها عليه، واسوداد وجوههم بافتضاحهم. قال القشيري: هؤلاء الذين ادَّعوا أحوالاً، ولم يَصْدُقُوا فيها، وأظهروا المحبةَ لله، ولم يتحققوا بها، وكفى بهم ذلك افتضاحاً، وأنشدوا: شعر : ولما ادَّعَيْتُ الحُبَّ قالت: كَذَبْتَني فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا؟ فما الحُبُّ حتى تنزفَ العينُ بالبكا وتخرسَ حتى لا تجيب المناديا تفسير : وينجي الله الذين اتقوا شهود السِّوى من كل مكروه، بسبب مفازتهم بمعرفة الله في الدنيا، لا يمسهم السوء، أي: غم الحجاب، لرفعه عنهم على الدوام، ولا هم يحزنون على فوات شيء؛ إذ لم يفتهم شيء؛ حيث فازوا بالله، "ماذا فَقَد من وجدك"؟ قال الورتجبي: بمفازتهم: ما كان لهم في الله في أزل أزله، من محبتهم، وقبولهم بمعرفته، وحسن وصاله، ودوام شهود كماله. لا يمسهم السوء: لا يلحقهم، فلا يلحق بهم في منازل الامتحان، تفرقة عن مقام الوصلة، وحجاب عن جمال المشاهدة، انظر تمامه. وحاصله: فازوا بإدراك السعادة الأزلية. وعن جعفر الصادق: بمفازتهم: بسعادتهم القديمة، يعني لقوله تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى} تفسير : [الأنبياء: 101].... الآية. قاله المحشي الفاسي. ثم برهن على البعث الموعود به قبلُ، فقال: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ}.
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ} بادّعاء منصبٍ دينىٍّ ليس باذنٍ من الله وخلفائه كادّعاء الامامة والخلافة من الرّسول، وادّعاء القضاء والفتيا، وادّعاء الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر، وادّعاء الوعظ والامامة للجمعة والجماعة، والتّصرّف فى الاوقاف واموال الايتام والغيّاب، واجراء الحدود والتّعزيرات، واخذ الفئ والانفال والصّدقات؛ وغير ذلك من المناصب الدّينيّة المحتاجة الى الاذن والاجازة من الله عموماً او خصاصاً، وروى بطرقٍ عديدةٍ انّ المراد: من ادّعى انّه امام وليس بامامٍ، قيل: وان كان علويًّا فاطميّاً؟ - قال: وان كان علويّاً فاطميّاً {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حالهم ومقامهم؟ فقال: حالهم انّهم فى جهنّم لكنّه ادّاه بصورة الاستفهام تأكيداً لهذا المعنى.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن القاسم بن عوف قال: سمعت عبد الله بن محمد يقول: إنا نحدث الناس حديثاً على أصناف شتى فمن حديثنا لا نبالي أن نتكلم به على المنابر وهو زين لنا وشين لعدونا، ومن حديثنا حديث لا نحدث به إلا لشيعتنا فعليه يجتمعون وعليه يتزاورون، ومن حديثنا حديث لا نحدث به إلا رجلاً أو اثنين فما زاد على الثلاثة فليس بشيء، ومن حديثنا حديث لا نضعه إلا في حصون حصينة وقلوب أمينة وأحلام ثخينة وعقول رصينة فيكونون له وعاة ورعاة ودعاة وحفظةً شهوداً، إنه ليس أحد من الناس يحدث عنا حديثاً إلا نحن سائلوه عنه يوماً، فإن يك كاذباً كذبناه فصار كذاباً وإن يك صادقاً صدقناه فصار صادقاً، لا تطعنوا في عين مقبل يقبل إليكم فتنبذوه [ظ] بمقالة يشمأز منها قلبه، ولا في قفاء مدبر حين يدبر عنكم فيزداد إدباراً ونفاراً واستكباراً، [و. أ، ب] قولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وكونوا إخواناً كما أمركم الله، إنه ليس أحدٌ من هذه الفرق إلا وقد رضي الشيطان بالذي أعطوه من أنفسهم، لا أهل وثن يعبدونه ولا أهل نار ولا أهل هذه الأهواء الخبيثة لا و. ب] قد ثنى عليهم رجله، وإِنه قد نصب [ظ] لكم أيها [ب: أيتها] الشيعة فرضي منكم بأن يفرق بينكم فبينما أنت تلقى الرجل ينظر إليك بوجه تعرفه ويكلمك بلسان تعرفه؛ إذ لقيك من الغد فكلمك بغير ذلك اللسان وينظر إليك بغير ذلك الوجه، لا تحقبن راحلتك كذباً علينا فإنه بئس الحقيبة تحقب راحلتك، إنه من كذب علينا كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذب على الله [وقال الله. أ، ر. تعالى. ر]: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين}.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللهِ} بأن قالوا ان الله ولداً وشريكاً أو قالوا الاشياء لنا ان شئنا فعلنا وان شئنا لم نفعل* {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} مبتدأ وخبر والجملة حال من (الذين) والرؤية بصرية أو مفعول ثان والرؤية علمية وفي الكل يقين لانه اذا رآهم تيقن كما في الدنيا أو يقيناً زائداً والبصرية أولى بالمقام مع أن العلم أيضاً يكون بالبصر في ذلك اليوم زيادة على كونه بتصديق الغيب قبله والرابط بين الحال وصاحبه أو بين المفعول الأول والثاني الهاء واسوداد وجوههم بما يتخيل عليها من ظلمة الجهل أو بما ينالهم من الشدة فان الظاهر ان الاسوداد حقيقة قيل وهو مخالف لسائر أنواع السواد* {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى} أي موضوع ثوءه ورجوع أو اقامة* {لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} عن الايمان والطاعة والاستفهام انكار أو تقرير على ما مر
اطفيش
تفسير : {ويَوْم القيامَة} متعلق بقوله تعالى: {تَرَى} قدم على طريق الاهتمام بذكر البعث {الَّذين كَذبُوا عَلى الله} بنسبة الشركة اليه، والولادة، وعدم البعث، وغير ذلك {وُجُوهَهُم مُسْودَّةٌ} الجملة حال من الذين، والسواد على ظاهره، وهو أشد فضيحة، ولا حاجة الى جعله مجازا فى الذم، أو الى توهم السواد فيها لجهلهم بالله، وذلك مجاز، والمجاز لا بد له من قرينة، ولا قرينة هنا ولا داعى الى أن تجعل الرؤية علمية، والجملة مفعولا ثانيا، لأن المشاهدة أولى فيها علم وزيادة، وأما قراءة نصبهما بوجوه فيها بدل من الذين، ومسودَّة حال من وجوه، ومقتضى الظاهر هم وجوههم مسودة، ووضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالكذب على الله سبحانه. {أليْسَ في جهنَّم مَثْوىً} مقام {للمُتكبِّرين} عن قبول الايمان وتوابعه، وهم من ذكر، أظهر ليصفهم بالكبر، وقيل المراد أهل الكتاب اذ تكبروا عن رسالته صلى الله عليه وسلم وعن القرآن بالانكار، وقيل: المراد القدرية لقولهم: ان شئنا فعلنا، ولو لم يشأ الله تعالى، وان شئنا لم نفعل ولو شاء، وليس فى هذين القولين وضع الظاهر موضع المضمر، وأولى من ذلك كله الحمل على عموم كل من كذب على الله تعالى، فلا يكون من وضع الظاهر موضع المضمير، فيكون وعظ بهذا العموم، من عهد قبل.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } بما ينالهم من الشدة التي تغير ألوانهم حقيقة، ولا مانع من أن يجعل سواد الوجوه حقيقة علامة لهم غير مترتب على ما ينالهم، وجوز أن يكون ذلك من باب المجاز لا أنها تكون مسودة حقيقة بأن يقال: إنهم لما يلحقهم من الكآبة ويظهر عليهم من آثار الجهل بالله عز وجل يتوهم فيهم ذلك. والظاهر أن الرؤية بصرية. والخطاب إما لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام، وإما لكل من تتأتى منه الرؤية، وجملة {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } في موضع الحال على ما استظهره أبو حيان، وكون المقصود رؤية سواد وجوههم لا ينافي الحالية كما توهم لأن القيد مصب الفائدة، ولا بأس بترك الواو والاكتفاء بالضمير فيها لا سيما وفي ذكرها هٰهنا اجتماع واوين وهو مستثقل. وزعم الفراء شذوذ ذلك، ومن سلمه جعل الجملة هنا بدلاً من {ٱلَّذِينَ } كما ذهب إليه الزجاج، وهم جوزوا إبدال الجملة من المفرد، أو مستأنفة كالبيان لما أشعرت به الجملة قبلها وأدركه الذوق السليم منها من سوء حالهم، أو جعل الرؤية علمية والجملة في موضع الثاني، وأيد بأنه قرىء {وجوههم مسودة } بنصبهما على أن {وجوههم } مفعول ثان و {مسودة } حال منه. وأنت تعلم أن اعتبار الرؤية بصرية أبلغ في تفضيحهم وتشهير فظاعة حالهم لا سيما مع عموم الخطاب، والنصب في القراءة الشاذة يجوز أن يكون على الإبدال. والمراد بالذين ظلموا أولئك القائلون المتحسرون فهو من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، وينطبق على ذلك أشد الانطباق قوله تعالى: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى } أي مقام {لّلْمُتَكَبّرِينَ } الذين جاءتهم آيات الله فكذبوا بها واستكبروا عن قبولها والانقياد لها، وهو تقرير لرؤيتهم كذلك، وينطبق عليه أيضاً قوله الآتي: {أية : وَيُنَجّي } تفسير : [الزمر: 61] الخ. وكذبهم على الله تعالى لوصفهم له سبحانه بأن له شريكاً ونحو ذلك تعالى عما يصفون علواً كبيراً، وقيل: لوصفهم له تعالى بما لا يليق في الدنيا وقولهم في الأخرى: {أية : لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي }تفسير : [الزمر: 57] المتضمن دعوى أن الله سبحانه لم يهدهم ولم يرشدهم، وقيل: هم أهل الكتابين، وعن الحسن أنهم القدرية القائلون إن شئنا فعلنا وإن لم يشأ الله تعالى وإن شئنا لم نفعل وإن شاء الله سبحانه؛ وقيل: المراد كل من كذب على الله تعالى ووصفه بما لا يليق به سبحانه نفياً وإثباتاً فأضاف إليه ما يجب تنزيهه تعالى عنه أو نزهه سبحانه عما يجب أن يضاف إليه، وحكي ذلك عن القاضي وظاهره يتقضي تكفير كثير من أهل القبلة، وفيه ما فيه، والأوفق لنظم الآية / الكرمية ما قدمنا، ولا يبعد أن يكون حكم كل من كذب على الله تعالى عالماً بأنه كذب عليه سبحانه أو غير عالم لكنه مستند إلى شبهة واهية كذلك؛ وكلام الحسن إن صح لا أظنه إلا من باب التمثيل، وتعريض الزمخشري بأهل الحق بما عرض خارج عن دائرة العدل فما ذهبوا إليه ليس من الكذب على الله تعالى في شيء، والكذب فيه وفي أصحابه ظاهر جداً. وقرأ أبـي {أجوههم} بإبدال الواو همزة.
ابن عاشور
تفسير : عطف على إحدى الجمل المتقدمة المتعلقة بعذاب المشركين في الدنيا والآخرة، والأحسن أن يكون عطفاً على جملة {أية : والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا}تفسير : [الزمر: 51]، أي في الدنيا كما أصاب الذين من قبلهم ويوم القيامة تَسودّ وجوههم. فيجوز أن يكون اسوداد الوجوه حقيقة جعله الله علامة لهم وجعل بقية الناس بخلافهم. وقد جعل الله اسوداد الوجوه يوم القيامة علامة على سوء المصير كما جعل بياضها علامة على حسن المصير قال تعالى: {أية : يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة اللَّه هم فيها خالدون}تفسير : في سورة آل عمران (106، 107). ويجوز أن يكون ابيضاض الوجوه مستعملاً في النضرة والبهجة قال تعالى: {أية : وجوه يومئذ ناضرة}تفسير : [القيامة: 22]، وقال حسان بن ثابت:شعر : بِيض الوجوه كريمةٌ أحسابهم تفسير : ويقولون في الذي يخصل خصلة يفتخر بها قومُه: بيَّضْتَ وجوهنا. والخطاب في قوله: {تَرَى} لغير معين. وجملة {وجوههم مُسْوَدة} مبتدأٌ وخبر، وموقع الجملة موقع الحال من {الذين كذبوا على الله}، لأن الرؤية هنا بصرية لا ينصب فعلها مفعولين. ولا يلزم اقتران جملة الحال الاسمية بالواو. و {الذين كذبوا على الله}: هم الذين نسبوا إليه ما هو منزه عنه من الشريك وغير ذلك من تكاذيب الشرك، فالذين كذبوا على الله هم الذين ظلموا الذين ذُكروا في قوله: {أية : والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا}تفسير : [الزمر: 51]، وصفوا أولاً بالظلم ثم وصفوا بالكذب على الله في حكاية أخرى فليس قوله: {الذين كذبوا على الله} إظهاراً في مقام الإِضمار. ويدخل في {الذين كذبوا على الله} كل من نسَب إلى الله صفة لا دليل له فيها، ومن شرع شيئاً فزعم أن الله شرعه متعمداً قاصداً ترويجه للقبول بدون دليل، فيدخل أهل الضلال الذين اختلقوا صفات لله أو نسبوا إليه تشريعاً، ولا يدخل أهل الاجتهاد المُخطِئون في الأدلة سواء في الفروع بالاتفاق وفي الأصول على ما نختاره إذا استفرغوا الجهود. ونسبة شيءٍ إلى الله أمرها خطير، ولذلك قال أيمتنا: إن الحكم المقيس غيرَ المنصوص يجوز أن يقال هُو دينُ الله ولا يجوز أن يقال: قاله الله. ولذلك فجملة {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} واقعة موقع الاستئناف البياني لجملة {ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} على كلا المعنيين لأن السامع يسأل عن سبب اسوداد الوجوه فيجاب بأن في جهنم مثواهم يعني لأن السواد يناسب ما سيلفح وجوههم من مسّ النار فأجيب بطريقة الاستفهام التقريري بتنزيل السائل المقدَّرِ منزلة من يعلم أن مثواهم جهنم فلا يليق به أن يغفل عن مناسبة سواد وجوههم، لمصيرهم إلى النار، فإن للدخائل عَنَاوينَها، وهذا الاستفهام كما في قوله تعالى: { أية : ليقولوا أهؤلاء من اللَّه عليهم من بيننا أليس اللَّه بأعلم بالشاكرين}تفسير : [الأنعام: 53]، وكقول أبي مسعود الأنصاري للمغيرة بن شعبة حين كان أمير الكوفة وقد أخر الصلاة يوماً «ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلّى فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم". وكقول الحجاج في خطبته في أهل الكوفة «ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر» الخ. والتكبر: شدة الكبر، ومن أوصاف الله تعالى المتكبر، والكِبر: إظهار المرء التعاظم على غيره لأنه يُعدّ نفسه عظيماً. وتعريف المتكبرين هنا للاستغراق، وأصحاب التكبر مراتب أقواها الشرك، قال تعالى: {أية : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}تفسير : [غافر: 60] وهو المعني بقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه حبة خردل من إيمان»تفسير : أخرجه مسلم عن ابن مسعود، ألا ترى أنه قابله بالإِيمان، ودونه مراتب كثيرة متفاوتة في قوة حقيقة ماهية التكبر، وكلها مذمومة. وما يدور على الألسن: أن الكبر على أهل الكبر عبادة، فليس بصحيح. وفي وصفهم بالمتكبرين إيماء إلى أن عقابهم بتسويد وجوههم كان مناسباً لكبريائهم لأن المتكبر إذا كان سيّىء الوجه انكسرت كبرياؤه لأن الكبرياء تضعف بمقدار شعور صاحبها بمعرفة الناس نقائصه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}. قد قدمنا الكلام عليه وعلى ما يماثله من الآيات في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران: 106] الآية. قوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}. تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، مع بيان جملة من آثار الكِبَر السيئة، في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 13].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 60- ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله - فنسبوا إليه ما ليس له - وجوههم مسودة من الحزن والكآبة، إن فى جهنم مقراً للمتكبرين المتعالين عن الحق. 61- ويُنجِّى الله الذين جعلوا لهم وقاية من عذاب الله - بما سبق فى علمه من فوزهم - لاختيارهم الهدى على الضلال، لا يصيبهم فى هذا اليوم السوء، ولا هم يحزنون على فوت نعيم كانوا يؤملونه. 62- الله خالق كل شئ، وهو - وحده - على كل شئ وكيل، يتولى أمره بمقتضى حكمته. 63- لله - وحده - تصاريف أمور السموات والأرض، فلا يتصرف فيهن سواه، والكافرون بحجج الله وبراهينه هم وحدهم - الخاسرون أتم خسران. 64- قل - يا محمد - أفبعد وضوح الآيات على وجوب توحيد الله بالعبادة تأمرونى أن أخص غيره بالعبادة أيها الجاهلون؟! 65- وأقسم: لقد أوحى إليك - يا محمد - وإلى الرسل من قبلك: لئن أشركت بالله شيئاً ما، ليبطلن الله عملك، ولتكونن من القوم الخاسرين أتم خسران. 66- لا تجبهم - أيها الرسول - إلى ما طلبوه منك، بل اعبد الله - وحده - وكن من القوم الشاكرين له على نعمه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويوم القيامة: أي بأن يبعث الناس من قبورهم. ترى الذين كذبوا على الله: أي باتخاذ أولياء من دونه وبالقول الكاذب عليه سبحانه وتعالى. وجوههم مسودة: أي سوداء من الكرب والحزن وعلامة على أنهم من أهل النار وأنهم ممن كذبوا على ربهم. أليس في جهنم مثوى للمتكبرين: أي أليس في جهنم مأوى ومستقر للمتكبرين؟ بلى إن لهم فيها لمثوى بئس هو من مثوى للمتكبرين عن عبادة الله تعالى. وينجي الله الذين اتقوا: أي ينجيهم من النار بسبب تقواهم للشرك والمعاصي. بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون: أي بفوزهم بالجنة ونزولهم فيها لا يمسهم السوء أي العذاب ولا هم يحزنون لما نالهم من النعيم. له مقاليد السماوات والأرض: أي مفاتيح خزائن السماوات والأرض. أولئك هم الخاسرون: أي الخاسرون لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة. قل أفغير الله تأمروني أعبد: قل يا رسولنا للذين طلبوا منك أن تعبد معهم آلهتهم أتأمروني بعبادة غير الله، فهل تصلح العبادة لغيره وهو رب كل شيء وإلهه فما أسوأ فهمكم أيها الجاهلون. لئن أشركت: أي من باب الفرض لو أشركت بالله غيره في عبادته لحبط عملك ولكنت من الخاسرين. بل الله فاعبد وكن من الشاكرين: أي بل أعبد الله وحده، إذ لا يستحق العبادة إلاَّ هو وكن من الشاكرين له على إنعامه عليك بالنبوة والرسالة والعصمة والهداية. معنى الآيات: لقد تقدم في السياق الأمر بتعجيل التوبة قبل الموت فيحصل الفوت، وذلك لأن يوم القيامة يوم أهوال وتغير أحوال وفي الآيتين الآتيتين بيان ذلك قال تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ} بأن نسبوا إليه الولد والشريك والتحليل والتحريم وهو من ذلك براء هؤلاء {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} علامة أنهم كفروا وكذبوا وأنهم من أهل النار. وقوله تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} أي بلى في جهنم مأوى ومستقر للمتكبرين الذين تكبروا عن الإِيمان والعبادة. وقوله تعالى: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ} أي تلك حال وهذه أخرى وهي أن الله تعالى ينجي يوم القيامة الذين اتقوا الشرك والمعاصي بالإِيمان والطاعة هؤلاء بفوزهم بالجنة لا يمسهُّم السوء في عرصات القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم في الدنيا لأن ما نالهم من نعيم الجنة أنساهم ما تركوا وراءهم وقوله تعالى: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} أي ما من كائن سوى الله تعالى إلا وهو مخلوق والله خالقه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي قيم حافظ، فسبحانه ما أعظم قدرته وما أوسع علمه فلذا وجبت له العبادة ولم تجز فضلا عن أن تجب لسواه. وقوله تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي له ملكا حقاً مفاتيح خزائن الرحمات والخيرات والبركات فهو يفتح ما يشاء ويمسك ما يشاء فلا يصح الطلب إلا منه ولا تجوز الرغبة إلا فيه وما عبد الناس الأوثان والأصنام إلا رغبة ورهبة فلو علموا أن رهبتهم لا تكون إلا من الذي يقدر على كل شيء وأن رغبتهم لا تكون إلا في الذي بيده كل شيء لو علموا هذا ما عبدوا غير الله تعالى بحال. وقوله تعالى {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ} الحاوية لإِيمانه وصفاته وبيان محابه ومكارهه وحدوده وشرائعه ولذا من كفر بآيات الله فلم يؤمن بها ولم يعمل بما فيها خسر خسراناً مبيناً بحيث يخسر يوم القيامة نفسه وأهله، وذلك هو الخسران المبين. وقوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ} الآية هذا ردَّ على المشركين الذين طلبوا من الرسول أن يعترف بآلهتهم ويرضى بها مقابل أن يعترفوا له بما جاء به ويدعو إليه فأمر تعالى أن يفاصلهم بقوله: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ} لن يكون هذا مني أبداً كيف أعبد غير الله وهو ربي ومالك أمري وهو الذي كرمني بالعلم به وأوحى إليَّ شرائعه. فلتياسوا فإن مثل هذا لن يكون أبداً، ووصفهم بالجهل لأن جهلهم بالله وعظمته هو الذي سول لهم عبادة غيره والتعصب لها. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ} أي أوحى الله إليك كما أوحى إلى الأنبياء من قبلك بالتالي وهو وعزة الله وجلاله {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} بنا غير نافي في عبادتنا ليحبطن عملك أي يبطل كله ولا تثاب على شيء منه وإن قل، ولتكونن بعد ذلك من جملة الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين. ثم أمر تعالى رسوله مقرراً التوحيد مبطلاً الشرك بقوله: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي الله وحده فاعبده وكن من الشاكرين له على إنعامه وأفضاله عليك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إسوداد الوجه يوم القيامة علامة الكفر والخلود في جهنم. 2- ابيضاض الوجوه يوم القيامة علامة الإِيمان والخلود في الجنة. 3- تقرير البعث والجزاء بوصف أحواله وما يدور فيه. 4- بيد الله كل شيء فلا يصح أن يطلب شيء من غيره أبداً، ومن طلب شيئاً من غير الله فهو من أجهل الخلق. 5- التنديد بالشرك وبيان خطورته إذْ هو محبط للأعمال بالكلية. 6- وجوب عبادة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه ووجوب حمده وشكره إذ كل إنعام منه وكل إفضال له. فلله الحمد والمنة.
القطان
تفسير : وجوههم مسودّة: كناية عن الذل والحسرة. مثوى: مقام. بمفازتهم: بفوزهم ونجاتهم. وكيل: قيم بالحفظ والحراسة. مقاليد السماوات والارض: مفرده مقلاد ومقلد: وتطلق على الخزانة والمفتاح. ليحبطن عملك: ليذهبن هباء. ما قدَروا الله حق قدره: ما عظّموه كما يليق به. والأرض جميعا قَبضتُه: في ملكه وتحت امره. بيمينه: بقدرته. ويوم القيامة أيها الرسول يدل على الذين كذبوا على الله ذلٌّ وحسْرة ظاهرة على وجوههم. ان في جهنم مقاما كبيرا للمتكبرين. وينجي الله من عذابه الذين اتقوا ربَّهم فلا يصيبهم سوء ولا هم يحزنون.. لقد أمِنوا من كل خوف وشر، والله وحده خالق هذا الكون {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} قائم بالحفظ، يتولى التصرف بحسب حكمته. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} لأنهم حُرموا من الرحمة يوم القيامة بخلودهم في النار. قل لهم يا محمد: أبعد وضوح الآيات على وحدانية الله تأمرونني ان أعبد غيره أيها الجاهلون!! ثم بين الله تعالى أنه قد أوحى الى الرسول الكريم والأنبياء من قبله ان يكونوا موحِّدين ولا يشركون بالله شيئاً، ومن يشركْ يذهبْ عملُه هباءً ويكون من الخاسرين. ثم بين لرسوله الكريم أن لا يجيب المشركين الى ما طلبوه من عبادة الاوثان، وان يعبد هو ومن اتبعه من المؤمنين الله وحده، وان يكون من الشاكرين لنعم الله التي لا تحصى. ثم بين الله تعالى جهل اولئك الجاحدين بقوله: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} اذ أشركوا معه غيره ودعوا الرسول الى الشرك به، واللهُ سبحانه هو مالك هذا الكون، وتكون السماوات مطوية بيمينه يوم القيامة {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. والغرض من هذا الكلام تصوير عظمة الله وجلاله، وكل ما يرد في القرآن الكريم من هذه الصورة والمشاهد انما هو من باب تقريب الحقائق الى أفهام الناس الذين لا يدركونها بغير ان توضع لهم في تعبير يدركونه. قراءات: قرأ الكوفيون غير حفص: بمفازاتهم بالجمع، والباقون: بمفازتهم. وقرأ ابن عامر: تأمرونني وقرأ ابن كثير: تأمرونّيَ بتشديد النون وفتح الياء. وقرأ نافع: تأمرنيَ بتخفيف النون وفتح الياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} (60) - وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ يَوْمَ القِيَامَةِ، الذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ، فَزَعَمُوا أَنْ لَهُ وَلَداً أَوْ صَاحِبَةً أَوْ شَرِيكاً، أَوْ عَبَدُوا مَعَ اللهِ شُرَكَاءَ.. الخ قَدْ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ مِنَ الخزْيِ والحُزْنِ والكَآبَةِ، ثُمَّ يَدخُلُونَ النَّارَ لِيَلْقَوا فِيهَا العَذَابَ الذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. أَوَ لَيْسَتْ جَهَنَّمُ كَافِيةً سِجْناًَ وَمَوْئِلاً لِلْمُتَكَبِّرينَ فَيَرَوْا فِيهَا الخِزْيَ والهَوَانَ بِسَبَبِ تَكَبُّرِهِمْ وَتَجَبُّرِهِمْ. وَاسْتِعْلاَئِهِمْ عَنِ الانْقِيَادِ لِلحَقِّ. مَثْوًى - مَأْوًى ومقَامٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ} [الزمر: 60] أي: في قولهم: {أية : لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي} تفسير : [الزمر: 57] وفي غيرها؛ لأن الله هداك ودلَّكَ وأرشدك حين بعث لك الرسل مُؤيَّدةً بالمعجزات، وأنزل لك الكتب وبيَّن لك الحلال والحرام، وكذبوا في غير ذلك كالذين قالوا: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181] وكالذين قالوا: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64] ومثلهم الذين ادعوا أن مع الله آلهة أخرى. كل هؤلاء كذبوا على الله؛ لذلك يأتون يوم القيامة {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60] نعم مسودة لأنهم الآن يواجهون الحق الذي كذبوا عليه، فلابدَّ أنْ تكون وجوههم مُسْودة عليها غبرة ترهقها قترة مما فعلوه. وهذا ليس ذماً للسواد في ذاته، لأن السواد خَلْق من خَلْق الله لا يُذَمُّ في ذاته، فقد ترى الرجل أبيض اللون، لكن تعلوه قتامة وقتر، فتجد وجهه مظلماً والعياذ بالله، وهذا أثر المعاصي والذنوب على الوجه في الدنيا قبل الآخرة. وترى العبد الزنجي كأن وجهه زبيبة، لكن يعلوه ضياء وإِشراق، وتجد على وجهه علامات الصلاح، وكأن وجهه يتلألأ نوراً ولا تزهد أبداً في النظر إليه؛ لذلك يقول سبحانه وتعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} تفسير : [عبس: 38-42]. إذن: الوصف لا يُمدح ولا يُذم لذاته، والسواد والبياض هنا ليس هو السواد كما نعرفه في الدنيا فهي عملية نسبية، وكنت أرى بعض الصالحين وكأن في وجهه كشافاً يُضيء، وتبدو الفرحة على وجهه وكأن نورَ اليقين وبشاشة الإيمان تعدَّتْ داخله ونضحَتْ على وجهه نوراً ونضارة، وهو صاحب بَشْرة سوداء مثل الأبنوس. ومثل هذا نجده في قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} تفسير : [لقمان: 19] فهل يُذمّ صوت الحمير إنْ صدر منها؟ لا لأن الخالق خلقه على هذه الصورة، وعُلو صوت الحمار لحكمة لأنه قد يختفي مثلاً وراء جبل أو تَلٍّ عالٍ، فلا يهتدي إليه صاحبه إلا من خلال صوته، لكن يُذمُّ عُلو الصوت في الإنسان، فهو أنكر الأصوات إنْ صدر منه ما يشبه صوت الحمار. كذلك في: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} تفسير : [الجمعة: 5] فليس هذا ذماً للحمار، لأن الحمار في الحمل يؤدي مهمة وهي الحمل فحسْب، فهو يحمل حمله دون تبرُّم ودون اعتراض، لكن يُذمُّ الإنسان إنْ تشبَّه بالحمار فارتضى لنفسه أنْ يحمل فقط دون أنْ يعي ما يحمله، ودون أنْ يفهم، وأنْ يُطبق ما علم. وقوله: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60] هذا استفهام منفي نجيب عليه فنقول: بلى يا رب، يعني: لا بل لهم مثوى في جهنم، والمعنى: ماذا يظنون؟ أيظنون أنه لا محلَّ لهم فيها ولا مكان، إن مكانهم جاهز ومُعَدٌّ بأسمائهم ينتظرهم ويشتاق إليهم، فليس في جهنم أزمة مساكن كما قلنا. فالحق سبحانه خلق أزلاً الخلق، وجعل لكل واحد منهم مكاناً في الجنة على اعتبار أن الخلق جميعاً سيؤمنون بالله، وجعل لكل واحد منهم مكاناً في النار على اعتبار أن الخلْق سيكفرون، فإذا ما دخل أهل الجنةِ الجنةَ، ودخل أهلُ النارِ النارَ وُزِّعَتْ أماكن أهل النار المعدة لهم لو آمنوا على أهل الجنة، كما قال سبحانه: {أية : وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 72]. ومعنى (مَثْوَى) أي: مكان إيواء وإقامة دائمة {لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن خزي الذين كذبوا عليه، وأن وجوههم يوم القيامة مسودة كأنها الليل البهيم، يعرفهم بذلك أهل الموقف، فالحق أبلج واضح كأنه الصبح، فكما سوَّدوا وجه الحق بالكذب، سود اللّه وجوههم، جزاء من جنس عملهم. فلهم سواد الوجوه، ولهم العذاب الشديد في جهنم، ولهذا قال: { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ } عن الحق، وعن عبادة ربهم، المفترين عليه؟ بلى واللّه، إن فيها لعقوبة وخزيا وسخطا، يبلغ من المتكبرين كل مبلغ، ويؤخذ الحق منهم بها. والكذب على اللّه يشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد والصاحبة، والإخبار عنه بما لا يليق بجلاله، أو ادعاء النبوة، أو القول في شرعه بما لم يقله، والإخبار بأنه قاله وشرعه. ولما ذكر حالة المتكبرين، ذكر حالة المتقين، فقال: { وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ } أي: بنجاتهم، وذلك لأن معهم آلة النجاة، وهي تقوى اللّه تعالى، التي هي العدة عند كل هول وشدة. { لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ } أي: العذاب الذي يسوؤهم { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } فنفى عنهم مباشرة العذاب وخوفه، وهذا غاية الأمان. فلهم الأمن التام، يصحبهم حتى يوصلهم إلى دار السلام، فحينئذ يأمنون من كل سوء ومكروه، وتجري عليهم نضرة النعيم، ويقولون {أية : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):