Verse. 4119 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَيُنَجِّي اللہُ الَّذِيْنَ اتَّــقَوْا بِمَفَازَتِہِمْ۝۰ۡلَا يَمَسُّہُمُ السُّوْۗءُ وَلَا ہُمْ يَحْزَنُوْنَ۝۶۱
Wayunajjee Allahu allatheena ittaqaw bimafazatihim la yamassuhumu alssooo wala hum yahzanoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وينجَّي الله» من جهنم «الذين اتقوْا» الشرك «بمفازتهم» أي بمكان فوزهم من الجنة بأن يجعلوا فيه «لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون».

61

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيُنَجّى ٱللَّهُ } من جهنم {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } الشرك {بِمَفَازَتِهِمْ } أي بمكان فوزهم من الجنة بأن يجعلوا فيه {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.

ابن عطية

تفسير : ذكر الله تعالى المتقين ونجاتهم ليعادل بذلك ما تقدم من ذكر الكفرة، وفي ذلك ترغيب في حالة المتقين، لأن الأشياء تتبين بأضدادها. وقرأ جمهور القراء: "بمفازتهم" وذلك على اسم الجنس، وهو مصدر من الفوز. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: "بمفازاتهم" على الجمع من حيث النجاة أنواع، الأسباب مختلفة وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن والأعمش، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وينجي الله الذين اتقوا بأسباب أو بدواعي مفازاتهم. قال السدي: {بمفازتهم} بفضائلهم. وقال ابن زيد بأعمالهم. وقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} كلام مستأنف دال على الوحدانية، وهو عموم معناه الخصوص. والوكيل: القائم على الأمر، الزعيم بإكماله وتتميمه. والمقاليد: المفاتيح، قاله ابن عباس، واحدها مقلاد، مثل مفتاح، وفي كتاب الزهراوي: واحد المقاليد: إقليد، وهذه استعارة كما تقول بيدك يا فلان مفتاح هذا الأمر، إذا كان قديراً على السعي فيه. وقال السدي: المقاليد الخزائن، وهذه عبارة غير جيدة، ويشبه أن يقول قائل: المقاليد إشارة إلى الخزائن أو دالة عليها فيسوغ هذا القول، كما أن الخزائن أيضاً في جهة الله إنما تجيء استعارة، بمعنى اتساع قدرته، وأنه يبتدع ويخترع، ويشبه أن يقال فيما قد أوجد من المخلوقات كالريح والماء وغير ذلك إنها في خزائنه، وهذا كله بتجوز على جهة التقريب والتفهيم للسامعين، وقد ورد القرآن بذكر الخزائن، ووقعت في الحديث الصحيح في قوله عليه السلام: "حديث : وما فتح الليلة من الخزائن" تفسير : والحقيقة في هذا غير بعيدة، لكنه ليس باختزان حاجة ولا قلة قدرة كما هو اختزان البشر. حديث : وقال عثمان رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {مقاليد السماوات والأرض} فقال: "لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير" . تفسير : وقوله: {أفغير} منصوب بـ {أعبد}، كأنه قال: أفغير الله أعبد فيما تأمروني؟ ويجوز أن يكون نصبه بـ{تأمروني} على إسقاط أن، تقديره أفغير الله تأمروني أن أعبد. وقرأت فرقة: "تأمرونني" بنونين، وهذا هوا الأصل. وقرأ ابن كثير: "تأمرونِّيَ" بنون مشددة مكسورة وياء مفتوحة. وقرأ ابن عامر: "تأمروني" بياء ساكنة ونون مكسورة خفيفة، وهذا على حذف النون الواحدة وهي الموطئة لياء المتكلم، ولا يجوز حذف النون الأولى وهو لحن لأنها علامة رفع الفعل، وفتح نافع الياء على الحذف فقرأ: "تأمروني" وقرأ الباقون بشد النون وبسكون الياء. وقوله تعالى: {ولقد أوحي إليك} الآية، قالت فرقة: في الآية تقديم وتأخير كأنه قال: "لقد أوحي إليك لئن اشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك"، وقالت فرقة: الآية على وجهها، المعنى: "ولقد أوحي إلى كل نبي لئن أشركت ليحبطن عملك". وحبط: معناه: بطل وسقط، وبهذه الآية بطلت أعمال المرتد من صلاته وحجه وغير ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِمَفَازَتِهِمْ} بنجاتهم من النار، أو بما فازوا به من الطاعة، أو بما ظفروا به من الإرادة {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما فاتهم من لذات الدنيا أو لا يخافون سوء العذاب.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ...} الآية، ذَكَر تعالَىٰ حَالَةَ المُتَّقينَ ونجاتهم؛ لِيُعَادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ من شَقَاوَةِ الكَافِرِينَ، وفي ذلك تَرْغِيبٌ في حالةِ المتقين؛ لأن الأشياء تَتَبَيَّنُ بِأضْدَادِها، و«مفازتهم» مصدَرٌ مِن الفَوْزِ، وفي الكلام حَذْفُ مضافٍ، تقديرُهُ: ويُنَجِّي اللَّهُ الذين ٱتَّقَوْا بأسْبَابِ مفازَتِهِمْ، والـ{مَقَالِيدُ}: المفاتيح؛ وقاله ابن عباس واحدها «مِقْلاَدُ» كـ«مِفْتَاحٍ»، وقال عثمان بن عَفَّان: «سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن {مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فقال: «حديث : هِيَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» تفسير : . وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} قالت فرقة: المعنَىٰ: ولقد أوحِي إَلى كُلِّ نبيٍّ؛ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، * ت *: قد تقدَّمَ غيرُ مَا مَرَّةٍ، بأنَّ ما وَرَدَ مِن مِثْلِ هذا، فهو محمولٌ على إرادةِ الأمَّةِ لعِصْمَة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ مِنْهُ، وخُوطِبَ هو صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمْرِ، قال * ص *: {لَيَحْبَطَنَّ} جوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ محدوفٌ؛ لِدَلاَلَةِ جَوابِ القسمِ عليه، انتهى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ...} [الآية: 61]. قال أبو عثمان: التقوى فيه النجاة من المهالك قال الله تعالى: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ}. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: ينجيهم بما سبق لهم من الفوز لا يمسهم السوء بزوال النعمة ولا هم يحزنون على الفوت. قال القاسم: سعادتهم السابقة وقضيته فيهم الماضية لهم وعليهم لا بنفوسهم المتعبة فى العبادات.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. كما وَقَاهم - اليومَ - عن المخالفات، حماهم - غداً - من العقوبات، فالمتقون فازوا بسعادة الدارين؛ اليومَ عصمة، وغداً نعمة. اليومَ عناية وغداً حماية وكفاية. قوله جلّ ذكره: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ}. تدخل أكسابُ العباد في هذه الجملة، ولا يَدْخُل كلامُه فيه؛ لأن المخاطِبَ لا يدخل تحت الخطاب ولا صفاته.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ} اى ينجى الله الذين تقدس سر اسرارهم من الالتفات الى الحدثان فى محبة الرحمن عن الحجاب والحرمان يوم الكشف والعيان بمفازتهم بما كان لهم فى الله فى ازل ازله من محبتهم وقبولهم بمعرفته وحسن وصاله ودوام شهود جماله لا يمسهم السواء اى لا يلحق بهم فى منازل الامتحان تفرقة عن مقام الوصلة وحجاب عن جمال المشاهدة ولا هم يحزنون بفوت المراد فى المعاد قال الواسطى ينجيهم بما سبق لهم من الفوز لا يسمهم السوء زوال النعمة ولا هم يحزنون على الفوات وقال القاسم بسعادتهم السابقة وقضية فيهم الماضية لهم وعليهم لا بنفوسهم المتعبة فى العبادات وعن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر بن محمد قال بسعادتهم القديمة صدق اكابر القوم فى هذه الأية بان نجاة الصديقين بالسعادة الكبرى مما يحل يوم القيامة على اهل الدعوى الذين ما شتموا رائحة المقامات وما سلكوا مسالك المجاهدات وما ادركوا من روائح انوار المشاهدات ذرة فيفتحون يوم القيامة عند وجوه الصادقين بقوله سبحانه ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة بل هم يفتضحون فى الدنيا عند اهل معرفة الله قال يوسف بن الحسين اشد الناس عذابا يوم القيامة من ادعى فى الله ما لم يكن له بذلك واظهر من احواله ما هو خال عنها قال الله ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة وقال النورى فى هذه الأية هو الذين ادعوا محبة الله ولم يكونوا فيها صادقين.

اسماعيل حقي

تفسير : {وينجى الله الذين اتقوا} الشرك والمعاصى اى من جهنم {بمفازتهم} مصدر ميمى بمعنى الفوز من فاز بالمطلوب اى ظفر به. قال الراغب الفوز الظفر مع حصول السلامة والباء متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول مفيدة لمفازة تنجيتهم من العذاب لنيل الثواب اى ينجيهم الله من مثوى المتكبرين حال كونهم ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم الذى هو الجنة {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} حال اخرى من الموصول مفيدة لكون نجاتهم وفوزهم بالجنة غير مسبوقة بمساس العذاب والحزن. قال فى كشف الاسرار لا يمس ابدانهم اذى وقلوبهم حزن ويجوز ان تكون المفازة من فاز منه اى نجا منه والباء للملابسة وقوله تعالى {لا يمسهم} الخ تفسير وبيان لمفازتهم اى ينجيهم بسبب مفازتهم التى هى تقواهم كما يشعر به ايراده فى حيز الصلة واما على اطلاق المفازة على سببها الذى هو التقوى فليس المراد نفى دوام المساس والحزن بل دوام نفيهما. وفى الآية اشارة الى ان الذين اتقوا بالله عما سوى الله لا يمسهم سوء القطيعة والهجران ولا هم يحزنون على ما فاتهم من نعيم الدنيا والآخرة اذ فازوا بقربة المولى وهو فوز فوق كل فوز فالمتقون فازوا بسعادة الدارين اليوم عصمة وغدا رؤية واليوم عناية وغدا كفاية وولاية نسأل الله سبحانه ان يعصمنا مما يؤدى الى الحجاب ويجعلنا فى حمايته فى كل باب. وفى الآية ترغيب للتقوى فانها سبب للنجاة وبها تقول جهنم جز يا مؤمن فان نورك اطفأ نارى وبها يخاف الخلائق من المتقى ألا ترى ان رسول الروم لما دخل على امير المؤمنين عمر رضى الله عنه اخذته الرعدة والخوف: قال فى المثنوى شعر : هيبت حقست اين ازخلق نيست هيبت اين مرد صاحب دلق نيست هركه ترسيد ازحق وتقوى كزيد ترسد ازوى جن وانس وهركه ديد تفسير : وفى البستان شعر : توهم كردن از حكم داور مبيج كه كردن نبيجد زحكم توهيج محالست جون دوست داردترا كه دردست دشمن كذاردترا تفسير : وجاء الى ذى النون المصرى رحمه الله بعض الوزراء وطلب الهمة واظهر الخشية من السلطان فقال له لو خشيت انا من الله كما تخشى انت من السلطان لكنت من جملة الصديقين شعر : كرنبودى اميد راحت ورنج باى درويش بر فلك بودى ور وزير از خدا بترسيدى همجنان كز ملك ملك بودى تفسير : نسأل الله سبحانه ان يجعلنا مخلصين

الطوسي

تفسير : قرأ روح {وينجي الله} بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وقرأ ابن كثير {تأمروني أعبد} مشددة النون مفتوح الياء. وقرأ نافع وابن عامر في رواية الداجوني خفيفة النون. وفتح الياء نافع، ولم يفتحها ابن عامر. وقرأ ابن عامر في غير رواية الداجوني {تأمرونني} بنونين. الباقون مشددة النون ساكنة الياء. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصاً {بمفازاتهم} جماعة. الباقون {بمفازتهم} على واحدة. فمن وحده قال: هو بمنزلة السعادة والنجاة، كما قال الله تعالى {أية : بمفازة من العذاب} تفسير : وقال قوم المفازة الصحراء، فهي مهلكة وتسمى مفازة تفاؤلا، كما قالوا - لمعوج الرجلين - احنف، وللحبشي ابو البيضاء. وقال ابن الاعرابي: ليست مقلوبة بل المفازة المهلكة، يقولون: فوز الرجل إذا هلك ومات. ومن قرأ {تأمرونني} فلأنه الأصل. ومن شدد أدغم احدى النونين في الأخرى. ومن خفف حذف احدى النونين، كما قال الشاعر: شعر : تراه كالثغام يعل مسكا بسوء الغانيا إذا قليني تفسير : أراد قلينني فحذف. لما اخبر الله تعالى عن حال الكفار وأن الله يحشرهم يوم القيامة مسودة وجوههم، وأن مقامهم في جهنم، اخبر انه ينجي الذين اتقوا معاصي الله خوفاً من عقابه، ويخلصهم. وقوله {بمفازتهم} بمنجاتهم من النار بطاعاتهم التي أطاعوا الله بها. واصل المفازة المنجاة، وبه سميت الفلاة مفازة على وجه التفاؤل بالنجاة منها، كما سموا اللديغ سليما. ومن وحد فلأنه اسم جنس او مصدر يقع على القليل والكثير. ومن جمع أراد تخلصهم من مواضع كثيرة فيها هلاك الكفار وانواع عذابهم. وقوله {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} معناه إن هؤلاء المؤمنين الذين يخلصهم الله من عقاب الآخرة وأهوالها لا يمسهم عذاب أصلا، ولا هم يغتمون على وجه. وقوله {لا يمسهم السوء} معناه نفياً عاماً لسائر انواع العذاب، والعموم في قوله {ولا هم يحزنون} فيه تأكيد له، وقيل: لئلا يظن ظان انه لما لم يمسهم العذاب جاز أن يمسهم بعض الغم، ففي ذلك تفصيل واضح يزيل الشبهة. ثم اخبر تعالى انه خلق كل شيء، ومعناه انه يقدر على كل شيء، {وهو على كل شيء وكيل} أي له التصرف في ما يريد حافظ له، وإن حملنا معنى الخلق على الاحداث، فالمراد به {خالق كل شيء} من مقدوراته من الأجسام والاعراض. وقوله {له مقاليد السماوات والأرض} والمقاليد المفاتيح واحده (مقليد) كقولك: منديل ومناديل، ويقال فى واحده ايضاً (إقليد) وجمعه (أقاليد) وهو من التقليد، والمعنى له مفاتيح خزائن السموات والارض يفتح الرزق على من يشاء ويغلقه عمن يشاء. وقوله {والذين كفروا بآيات الله} يعني كفروا بآياته من مقاليد السموات والارض وغيرها وقوله {أولئك هم الخاسرون} يعني هؤلاء الذين كفروا بأدلة الله وحججه {هم الخاسرون}، لانهم يخسرون الجنة ونعيمها ويحصلون في النار وسعيرها. وقوله {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} أمر للنبي صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار تأمروني أيها الكفار ان اعبد الاصنام من دون الله ايها الجاهلون بالله وبآياته؟! والعامل في قوله {أفغير} على احد وجهين: احدهما - ان يكون {تأمروني} اعتراضاً، فيكون التقدير: أفغير الله اعبد ايها الجاهلون في ما تأمروني. الثاني - ان لا يكون اعتراضاً ويكون تقديره: اتأمروني اعبد غير الله ايها الجاهلون في ما تأمروني فاذا جعلت {تأمروني} اعتراضاً، فلا موضع لقوله {أعبد} من الاعراب، لانه على تقدير اعبد ايها الجاهلون، وإذا لم تجعله اعتراضاً يكون موضعه نصباً على الحال، وتقديره اتأمروني عابداً غير الله، فمخرجه مخرج الحال ومعناه ان اعبد، كما قال طرفة: شعر : ألا ايهذا الزاجري احضر الوغا وأن اشهد اللذات هل انت مخلد تفسير : أي الزاجر أن احضر، وحذف (أن) ثم جعل الفعل على طريقة الحال. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {ولقد أوحي إليك} يا محمد {وإلى الذين من قبلك} من الأنبياء والرسل {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} لثواب الله. وقال قوم: فيه تقديم وتأخير وتقديره: ولقد أوحي اليك لئن اشركت ليحبط عملك، وإلى الذين من قبلك مثل ذلك. وقال آخرون: هذا مما اجتزىء بأحد الخبرين عن الآخر، كما يقول القائل: لقد قيل لزيد وعمرو ليذهبن، ومعناه لقد قيل لزيد: ليذهبن وعمرو ليذهبن فاستغني بقوله وعمرو عن ان يقال ليذهبن بما صار لزيد. وليس في ذلك ما يدل على صحة الاحباط على ما يقوله اصحاب الوعيد، لان المعنى في ذلك لئن اشركت بعبادة الله غيره من الاصنام لوقعت عبادتك على وجه لا يستحق عليها الثواب، ولو كانت العبادة خالصة لوجهه لاستحق عليها الثواب، فلذلك وصفها بأنها محبطة، وبين ذلك بقوله {بل الله فاعبد} أي وجه عبادتك اليه تعالى وحده دون الأصنام ودون كل وثن {تكن من الشاكرين} الذين يشكرون الله على نعمه ويخلصون العبادة له. ونصب قوله {بل الله} بفعل فسره قوله {فاعبد} وتقديره اعبد الله فاعبد وقال الزجاج: هو نصب بقوله {فاعبد} وتقديره قد بلغت فاعبد الله وقال المبرد: ومعنى {ليحبطن} ليفسدن يقولون: حبط بطنه إذا فسد من داء معروف.

الجنابذي

تفسير : {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ} عطف على قوله تعالى اليس فى جهنّم فانّه فى معنى يكون فى جهنّم مثوىً للكافرين وينجّى الله {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} قد مضى فى اوّل البقرة بيان التّقوى وتفاصيلها {بِمَفَازَتِهِمْ} بنجاتهم يعنى باستعدادهم للنّجاة او فى محلّ نجاتهم والمفازة المَنجاة والمهلكة ضدّ والفلاة الّتى لا ماء بها {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل او منقطع عن سابقه لفظاً ومعنًى {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} بالحفظ والابقاء على ما هو خير له.

الهواري

تفسير : قوله: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ} أي: بمنجاتهم {لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ} أي: العذاب. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. وتفسير الحسن: لا يسمّهم السوء، أي: النار. قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي: لا خالق سواه {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي: حفيظ. قوله: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: مفاتيح السماوات والأرض، في تفسير مجاهد، وهي لغة بالفارسية، وتفسير الحسن: المقاليد: المفاتيح والخزائن. وذكروا عن أبي المتوكل الناجي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فنزل منزلاً... قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم فصاروا إلى النار. قوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} يعني المشركين دعوه إلى عبادة الأوثان. قوله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} من الأنبياء كما أوحينا إليك {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. قال الله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ} والله يعلم أنه لا يشرك ولا يحبط عمله. قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظّموا الله حق عظمته [إذ عبدوا الأوثان من دونه] { وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: بقدرته {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أي: بملكه وسلطانه {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه {وَتَعَالَى} أي ارتفع {عَمَّا يُشْرِكُونَ}. فإن زعم زاعم أن الله يقبض كما يقبض الخلق، أو له يمين أو شمال كما للخلق فقد كفر بالله. حدث أبو عبدالرحمن عن أبي الفضل عن مروان عن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن عائشة أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة قوماً يضاهون الربّ. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كيف يضاهون الرّب؟ قال: يشبّهون الله بأنفسهم يضاهون بذلك قول اليهود حيث زعموا أن الله على صورة آدم.

اطفيش

تفسير : {وَيُنَجِّى اللهُ} وقرئ (ننجى) بالنون واسقاط لفظ الجلالة* {الَّذِينَ اتَّقَوْا} الله أي أطاعوه أو الشرك والمعاصي أي حذروها أي ينجيهم من جهنم واسوداد الوجوه ذكر حالة المتقين ونجاتهم ليعادل حالة الكفار وشقاوتهم وذلك ترغيب فيها وترغيب عن تلك والاشياء تبين بأضدادها فوجوه المتقين مبيضة بل كلهم كالكافر مسود وخص الوجه لانه معطفه وموضع الزينة {بِمَفَازَتِهِمْ} مصدر ميمي أي بسبب فوزهم أي فلاحهم وظفرهم والمصدر يصلح للقليل والكثير وقيل مصدر ميمي بمعنى النجاة تخصيصاً بأنهم أقسامها وقيل العمل الصالح وعليه ابن عباس وسماها بمفازة أي فوز لانها سببه وقيل اسم مكان أي موضع الفوز أي بالطريق التى تؤدي بهم الى الفلاح أو النجاة وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائى والكوفيون (بمفازاتهم) جمع مؤنث سالم مطابقة لجمع المضاف اليه وتصريحاً بأن لكل متق مفازة وجعل الباء للسببية يغنى عن قول بعضهم بتقدير مضاف وان الأصل بسبب مفازتهم وهي متعلقة بـ (ينجّي) ولا تعلق بـ (يمس) الا على القول انه للا صدر بلا وجملة {لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ} حال مطلقاً من (الذين) أو استئناف لبيان (المفازة) ان لم تعلق الباء به أي لا يصيبهم مكروه* {ولا هم يحزنون} وذلك هو فوزهم بمكانهم من الجنة لا يصيبهم سوء ولا حزن وهذه الاسمية معطوفة على الفعلية (فلا) زائدة أو مستأنفة فلا نافية وذكر (لا) قبلها مغن عن تكرارها ولو كان هذه مستأنفة لان المعنى متصل

اطفيش

تفسير : {ويُنجِّي الله} من جهنم {الَّذين اتَّقَوا} اجتنبوا ما اتصف به المتكبرون {بمَفَازتهِم} مصدر ميمى بمعنى الفوز، قرن بالتاء على القلة لا اسم مصدر، كما قيل، وقيل: أخص من الفوز، وأنه الفوز بالمراد على أتم وجه، والباء للملابسة متعلقة بمحذوف، حال من الذين، فلهم النجاة من النار، والفوز مقاما لهم، كما أن للمتكبرين النار، والحرمان من الجنة، ويجوز أن يكون اسم مكان، أى موضع الفوز وهو الجنة، أى ينجيهم بدخول المفازة أى الجنة، أو المفازة العمل الصالح أى ينجيهم بالعمل الصالح، والمفازة عليه اسم مكان بالتجوز، أو مصدر ميمى على تسمية السبب باسم المسبب {لا يَمسُّهم السوء} خروج من الجنة، أو مرض أو ملل أو مكروه ما {ولا هُم يحزنُون} بشىء لعدم الأشياء المحزنة، وذلك مستأنف ومعطوف عليه أو حال من هاء مفازتهم مقدرة.

الالوسي

تفسير : {وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } ما اتصف به أولئك المتكبرون من جهنم. وقرىء {ينجي} بالتخفيف من الإنجاء {بِمَفَازَتِهِمْ } اسم مصدر كالفلاح على ما في «الكشف» أو مصدر ميمي على ما في غيره من فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده منه، وقال الراغب: هي مصدر فاز أو اسم الفوز ويراد بها الظفر بالبغية على أتم وجه كالفلاح وبه فسرها السدي. والباء للملابسة متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول مفيدة لمقارنة تنجيتهم من العذاب لنيل الثواب أي ينجيهم الله تعالى من جهنم مثوى المتكبرين لتقواهم مما اتصف المتكبرون به ملتبسين بفلاحهم وظفرهم بالبغية وهي الجنة، ومآله ينجيهم من النار ويدخلهم الجنة، وكون الجنة بغية المتقي كائناً من كان مما لا شبهة فيه. نعم هي بغية لبعض المتقين من حيث إنها محل رؤية محبوبهم التي هي غاية مطلوبهم ولك أن تعمم البغية. وقوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في موضع الحال أيضاً إما من الموصول أو من ضمير {مَفَازَتِهِمْ} مفيدة لكونهم مع التنجية أو الفوز منفياً عنهم على الدوام مساس جنس السوء والحزن، والظاهر أن هذه الحال مقدرة، وقيل: إنها مقارنة مفيدة لكون تنجيتهم أو مفازتهم بالجنة غير مسبوقة بمساس العذاب والحزن، ولا يخفى أنه لا يتسنى بالنسبة إلى جميع المتقين إذ منهم من يمسه العذاب ويحزن لا محالة، وَعَدُّ وجود ذلك لقلته وانقطاعه كلا وجود تكلف بعيد. وجوز أن يراد بالمفازة الفلاح ويجعل قوله تعالى: {لاَ يَمَسُّهُمُ } الخ استئنافاً لبيانها كأنة قيل: ما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم الخ. والباء حينئذ على ما في «الكشف» سببية متعلقة بينجي أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. وتعقب بأن في جعل عدم الحزن وعدم السوء سبب النجاة تكلفاً فهما من النجاة، والظاهر أنه لو جعلت الباء على هذا الوجه أيضاً للملابسة لا يرد ذلك. وجوز كون المفازة اسم مكان أي محل الفوز، وفسرت بالمنجاة مكان النجاة، وصح ذلك لأن النجاة فوز وفلاح، وجعلت الباء عليه للسببية وهناك مضاف محذوف بقرينة باء السببية وإن المنجاة لا تصلح سبباً أي ينجيهم بسبب منجاتهم وهو الإيمان، وهو كالتصريح بما اقتضاه تعليق الفعل بالموصول السابق، وفسره الزمخشري بالأعمال الصالحة، وقواه بما حكاه عن ابن عباس ليتم مذهبه؛ أو لا مضاف بل هناك مجاز بتلك القرينة من إطلاق اسم المسبب على السبب، والجملة بعد على الاحتمالين في هذا الوجه حال ولا يخفى أن المفازة بمعنى المنجاة مكان النجاة هي الجنة والإيمان أو العمل الصالح ليس سبباً لها نفسها وإنما هو سبب دخولها فلا بد من اعتباره فلا تغفل. وجوز أن تكون المفازة مصدراً ميمياً من فاز منه أي نجا منه يقال: طوبى لمن فاز بالثواب وفاز من العقاب أي ظفر به ونجا، والباء إما للملابسة والجملة بيان للمفازة أي ينجيهم الله تعالى ملتبسين بنجاتهم الخاصة لهم أي بنفي السوء والحزن عنهم، ولا يخفى ركاكة هذا المعنى، وإما للسببية إما على حذف المضاف أو التجوز نظير ما مر آنفاً، ولا يحتاج هنا إلى اعتبار الدخول كما لا يخفى، والجملة في موضع الحال أيضاً. وجوز على بعض الأوجه تعلق {بِمَفَازَتِهِمْ } بما بعده ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وبالجملة الاحتمالات العقلية في الآية كثيرة لأن المفازة إما اسم مصدر أو مصدر ميمي أو اسم مكان من فاز به ظفر أو من فاز منه نجا والباء إما / للملابسة أو للسببية أو للاستعانة، وهي إما متعلقة بما قبلها أو بما بعدها وهذه ستة وثلاثون احتمالاً وإذا ضممت إليها احتمال حذف المضاف في {بِمَفَازَتِهِمْ} بمعنى منجاتهم أو نجاتهم واحتمال التجوز فيه كذلك وكذا احتمال كون جملة {لاَ يَمَسُّهُمُ } الخ حالاً من الموصول واحتمال كونها حالاً من ضمير ـ مفازتهم ـ واحتمال كون الحال مقدرة وكونها مقارنة زادت كثيراً، ولا يخفى أن فيها المقبول ودونه بل فيها ما لا يتسنى أصلاً فأمعن النظر ولا تجمد. وقرأ السلمي والحسن والأعرج والأعمش وحمزة والكسائي وأبو بكر {بمفازاتهم} جمعاً لتكون على طبق المضاف إليه في الدلالة على التعدد صريحاً.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} تفسير : [الزمر: 60] إلى آخرها، أي وينجي الله الذين اتقوا من جهنم لأنهم ليسوا بمتكبرين. وهذا إيذان بأن التقوى تنافي التكبر لأن التقوى كمال الخُلق الشرعي وتقتضي اجتناب المنهيات وامتثال الأمر في الظاهر والباطن، والكبرَ مرض قلبي باطني فإذا كان الكبر ملقياً صاحبه في النار بحكم قوله: {أية : أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} تفسير : [الزمر: 60] فضد أولئك ناجون منها وهم المتقون إذ التقوى تحول دون أسباب العقاب التي منها الكبر، فالذين اتقوا هم أهل التقوى وهي معروفة، ولذلك ففعل {اتَّقوا} منزل منزلة اللازم لا يقدَّر له مفعول. والمفازة يجوز أن تكون مصدراً ميمياً للفوز وهو الفلاح، مثل المتاب وقوله تعالى: {أية : إن للمتقين مفازاً}تفسير : [النبأ: 31]، ولحاق التاء به من قبيل لحاق هاء التأنيث بالمصدر في نحو قوله تعالى: {أية : ليس لوقعتها كاذبة} تفسير : [الواقعة: 2]. وتقدم ذلك في اسم سورة الفاتحة وعند قوله تعالى: {أية : فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب}تفسير : في [آل عمران: 188]، والباء للملابسة، أي متلبسين بالفوز أو الباء للسببية، أي بسبب ما حصلوا عليه من الفوز. ويجوز أن تكون المفازة اسماً للفلاة، كما في قول لبيد:شعر : لِوِرْدٍ تقلص الغيطان عنه يبذ مفازة الخِمس الكمال تفسير : سميت مفازة باسم مكان الفوز، أي النجاة وتأنيثها بتأويل البقعة، وسموها مفازة باعتبار أن من حل بها سلم من أن يلحقه عدوّه، كما قال العُديل:شعر : ودون يد الحجاج من أن تنالني بساطٌ بأيدي أنا عجات عريض تفسير : وقول النابغة:شعر : تدافع الناس عنا حين نركبها من المظالم تدعى أمّ صبار تفسير : وعلى هذا المعنى فالباء بمعنى (في). والمفازة: الجنة. وإضافة مفازة إلى ضميرهم كناية عن شدة تلبسهم بالفوز حتى عُرف بهم كما يقال: فاز فوز فلان. وقرأ الجمهور {بمفازتهم} بصيغة المفرد. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف {بمَفَازاتهم} بصيغة الجمع وهي تجري على المعنيين في المفازة لأن المصدر قد يجمع باعتبار تعدد الصادر منه، أو باعتبار تعدد أنواعه، وكذلك تعدد أمكنة الفوز بتعدد الطوائف، وعلى هذا فإضافة المفازة إلى ضمير {الذين اتقوا} لتعريفها بهم، أي المفازة التي علمتم أنها لهم وهي الجنة، وقد عُلم ذلك من آيات وأخبار منها قوله تعالى: {أية : إن للمتقين مفازاً * حدائق وأعناباً * وكواعب أتراباً}تفسير : [النبأ: 31- 33]. وجملة {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} مبيِّنة لجملة {وينجّي الله الذين اتقوا بمفازتهم} لأن نفي مسّ السوء هو إنجاؤهم ونفي الحزن عنهم نفي لأثر المس السوء. وجيء في جانب نفي السوء بالجملة الفعلية لأن ذلك لنفي حالة أهل النار عنهم، وأهل النار في مسَ من السوء متجددٍ. وجيء في نفي الحزن عنهم بالجملة الاسمية لأن أهل النار أيضاً في حزن وغم ثابت لازم لهم. ومن لطيف التعبير هذا التفنن، فإن شأن الأسواء الجسدية تجدد آلامها وشأن الأكدار القلبية دوام الإحساس بها.

د. أسعد حومد

تفسير : (61) - وَيُنَجِّي اللهُ تَعَالَى مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ الذِينَ اتَّقَوا الشِّرْكَ والمَعَاصِيَ بِمَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِ اللهِ مِنَ السَّعَادَةِ والفَوْزِ (بِمَفَازَتِهِم)، وَيُنِيلُهُمْ مَا يَبْتَغُونَهُ، وَيُعْطِيهِمْ فَوْقَ مَا كَانُوا يُؤَمِّلُونَ، وَلاَ يَمَسُّهُمْ أَذَى جَهَنَّمَ، وَلاَ يَحْزُنُهُم الفَزَعُ الأَكْبَرُ، بَلْ هُمْ آمِنُونَ مِنَ كُلِّ فَزَعٍ. المَفَازَةُ - الظَّفَرُ بِالبغْيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا هو المقابل، فالكافرون مثواهم وإقامتهم في جهنم، أما المؤمنون فينجيهم ربهم {بِمَفَازَتِهِمْ} [الزمر: 61] أي: بفوزهم ونَيْلهم لمرادهم. ونعيم الآخرة يُنال بشكلين: إما أنْ يدخل المؤمنُ الجنةَ بدايةَ، وإما أنْ يكون من أهل النار لكن تتداركه رحمة الله فيُزحزح عنها إلى الجنة. كما قال سبحانه: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [آل عمران: 185] نعم فاز الفوز الأكبر؛ لذلك يسمون الصحارى مفازةً مع أنها مُهلكة ينقطع فيها السائر، لكن سمَّوْهَا مفازة تيمناً أن ينجو سالكها، وكما يسمون اللديغ من الثعبان أو الحية يسمونه السليم، أملاً في أنْ يَسْلم من لدغتها. وإذا ما نجاهم الله وكتب لهم الفوز فقد سَلِموا من مجرد مَسِّ العذاب {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 61] لأن كل المشاهد التي يروْنها تفرحهم، ولا شيء يُحزنهم أبداً، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 103].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بِمَفَازَتِهِمْ} معناه مَنجاتُهُمْ.