٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه لما أطال الكلام في شرح الوعد والوعيد عاد إلى دلائل الإلهية والتوحيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: {أية : خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 102] على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وأطنبنا هناك في الأسئلة والأجوبة، فلا فائدة ههنا في الإعادة، إلا أن الكعبي ذكر ههنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها، فقال إن الله تعالى مدح نفسه بقوله {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به، وأيضاً فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه، وأيضاً لفظة {كُلٌّ } قد لا توجب العموم لقوله تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23] {أية : تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء } تفسير : [الأحقاف: 25] وأيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما ضافها إليهم بقوله {أية : كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } تفسير : [البقرة: 109] ولما صح قوله {أية : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 78] ولما صح قوله {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } تفسير : [ص: 27] فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره، وقال الجبائي: {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب، ولو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجداً له. واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى وكيلاً عليه، وذلك ينافي عموم الآية. ثم قال تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح، قال صاحب «الكشاف»: ولا واحد لها من لفظها، وقيل مقليد ومقاليد، وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح، وقيل إقليد وأقاليد، قال صاحب «الكشاف»: والكلمة أصلها فارسية، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية. واعلم أن الكلام في تفسير قوله {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قريب من الكلام في قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } تفسير : [الأنعام: 59] وقد سبق الاستقصاء هناك، قيل سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فقال: «حديث : يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله وبحمده، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير، يحيي ويميت هو على كل شيء قدير» تفسير : هكذا نقله صاحب «الكشاف». ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر، وهذا يدل على أن كل من لم يكن كافراً فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله. المسألة الثانية: أورد صاحب «الكشاف» سؤالاً، وهو أنه بم اتصل قوله {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }؟ وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى: {أية : وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } تفسير : [الزمر: 61] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها، وأن له مقاليد السموات والأرض. وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين الأول: أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني: أن قوله {وَيُنَجّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ } جملة فعلية، وقوله {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } جملة اسمية، وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف الله تعالى نفسه بالصفات الإلهية والجلالية، وهو كونه خالقاً للأشياء كلها، وكونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها، قال بعده: والذين كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون. ثم قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء وكذلك هي في مصاحف الشام، قال الواحدي وهو الأصل، وقرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى وإدغامها في الثانية، وقرأ نافع تأمروني بنون واحدة خفيفة، على حذف إحدى النونين والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة. المسألة الثانية: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ } منصوب بأعبد وتأمروني اعتراض، ومعناه: أفغير الله أعبد بأمركم؟ وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، وأقول نظير هذه الآية، قوله تعالى: {أية : قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 14] وقد ذكرنا في تلك الآية وجه الحكمة في تقديم الفعل. المسألة الثالثة: إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء وبكونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة، فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيد عليه، فلهذا السبب قال: {أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } ولا شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } واعلم أن الكلام التام مع الدلائل القوية، والجواب عن الشبهات في مسألة الإحباط قد ذكرناه في سورة البقرة فلا نعيده، قال صاحب «الكشاف» قرىء {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } على البناء للمفعول وقرىء بالياء والنون أي: ليحبطن الله أو الشرك وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟ والجواب تقدير الآية: أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله أو أوحي إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت، كما تقول كسانا حلة أي كل واحد منا. السؤال الثاني: ما الفرق بين اللامين؟ الجواب الأولى: موطئة للقسم المحذوف والثانية: لام الجواب. السؤال الثالث: كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟ والجواب أن قوله {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها ألا ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال الله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما قد فسدتا. السؤال الرابع: ما معنى قوله {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }؟ والجواب كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم، فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: {أية : إِذًا لأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ } تفسير : [الإسراء: 75] فكان المعنى ضعف الشرك الحاصل منه، وبتقدير حصوله منه يكون تأثيره في جانب غضب الله أقوى وأعظم. واعلم أنه تعالى لما قدم هذه المقدمات ذكر ما هو المقصود فقال: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ }، والمقصود منه ما أمروه به من الإسلام ببعض آلهتهم، كأنه قال إنكم تأمرونني بأن لا أعبد إلا غير الله لأن قوله {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ } يفيد أنهم عينوا عليه عبادة غير الله، فقال الله إنهم بئسما قالوا ولكن أنت على الضد مما قالوا، فلا تعبد إلا الله، وذلك لأن قوله {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ } يفيد الحصر. ثم قال: {وَكُنْ مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } على ما هداك إلى أنه لا يجوز إلا عبادة الإله القادر عن الإطلاق العليم الحكيم، وعلى ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل ما سوى الله.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها، والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته، وقوله عز وجل: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قال مجاهد: المقاليد: هي المفاتيح بالفارسية، وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينه، وقال السدي: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: خزائن السموات والأرض، والمعنى على كلا القولين أن أزمة الأمور بيده تبارك وتعالى، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولهذا قال جل وعلا: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ} أي: حججه وبراهينه {أُولَـٰۤئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}. وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثا غريباً جداً، وفي صحته نظر، ولكن نحن نذكره كما ذكره؛ فإنه قال: حدثنا يزيد بن سنان البصري بمصر، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا الأغلب بن تميم عن مخلد بن هذيل العبدي عن عبدالرحمن المدني عن عبد الله بن عمر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فقال: «حديث : ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان» تفسير : قال صلى الله عليه وسلم «حديث : تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا قوة إلا بالله، الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. من قالها يا عثمان إذا أصبح عشر مرار، أعطي خصالاً ستاً: أما أولاهن، فيحرس من إبليس وجنوده، وأما الثانية فيعطى قنطاراً من الأجر، وأما الثالثة فترفع له درجة في الجنة، وأما الرابعة فيتزوج من الحور العين، وأما الخامسة فيحضره اثنا عشر ملكاً، وأما السادسة فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وله مع هذا يا عثمان من الأجر، كمن حج وتقبلت حجته، واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه، طبع عليه بطابع الشهداء» تفسير : ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد به مثله، وهو غريب، وفيه نكارة شديدة، والله أعلم. وقوله تبارك وتعالى: { قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوۤنِّىۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ} ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنزلت: { قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّىۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وهذه كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنعام: 88]. وقوله عز وجل: { بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي: أخلص العبادة لله وحده لا شريك له، أنت ومن اتبعك وصدقك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ } متصرف فيه كيف يشاء.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } من الأشياء الموجودة في الدنيا، والآخرة كائناً ما كان من غير فرق بين شيء، وشيء وقد تقدّم تفسير هذه الآية في الأنعام {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } أي: الأشياء كلها موكولة إليه، فهو: القائم بحفظها، وتدبيرها من غير مشارك له. {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } المقاليد، واحدها مقليد، ومقلاد، أو لا واحد له من لفظه كأساطير، وهي: مفاتيح السماوات، والأرض، والرزق، والرحمة. قاله مقاتل، وقتادة، وغيرهما. وقال الليث: المقلاد الخزانة، ومعنى الآية: له خزائن السماوات، والأرض، وبه قال الضحاك، والسدّي. وقيل: خزائن السماوات المطر، وخزائن الأرض النبات. وقيل: هي عبارة عن قدرته سبحانه، وحفظه لها، والأوّل أولى. قال الجوهري: الإقليد المفتاح، ثم قال: والجمع المقاليد. وقيل: هي لا إلٰه إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وقيل غير ذلك. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي: بالقرآن، وسائر الآيات الدالة على الله سبحانه، وتوحيده، ومعنى الخاسرون: الكاملون في الخسران؛ لأنهم صاروا بهذا الكفر إلى النار. {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } الاستفهام للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على مقدّر كنظائره، و{غير} منصوب بـ {أعبد}، وأعبد معمول؛ لـ {تأمروني} على تقدير أن المصدرية، فلما حذفت بطل عملها، والأصل: أفتأمروني أن أعبد غير الله. قاله الكسائي، وغيره. ويجوز أن يكون غير منصوباً بتأمروني، وأعبد بدل منه بدل اشتمال، وأن مضمرة معه أيضاً. ويجوز أن يكون غير منصوبة بفعل مقدر، أي: أفتلزموني غير الله، أي: عبادة غير الله، أو أعبد غير الله أعبد. أمره الله سبحانه أن يقول هذا للكفار لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دين آبائك. قرأ الجمهور: {تأمروني} بإدغام نون الرفع في نون الوقاية على خلاف بينهم في فتح الياء، وتسكينها. وقرأ نافع: (تأمروني) بنون خفيفة، وفتح الياء، وقرأ ابن عامر: (تأمرونني) بالفك، وسكون الياء. {وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ } أي: من الرسل {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } هذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل، لأن الله سبحانه قد عصمهم عن الشرك، ووجه إيراده على هذا الوجه التحذير، والإنذار للعباد من الشرك، لأنه إذا كان موجباً لإحباط عمل الأنبياء على الفرض، والتقدير، فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى. قيل: وفي الكلام تقديم، وتأخير، والتقدير: ولقد أوحي إليك لئن أشركت، وأوحي إلى الذين من قبلك كذلك. قال مقاتل: أي أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد والتوحيد محذوف، ثم قال: لئن أشركت يا محمد؛ ليحبطن عملك، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقيل: إفراد الخطاب في قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ } باعتبار كل واحد من الأنبياء كأنه قيل: أوحي إليك، وإلى كل واحد من الأنبياء هذا الكلام، وهو: لئن أشركت، وهذه الآية مقيدة بالموت على الشرك كما في الآية الأخرى {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } تفسير : [البقرة: 217] وقيل: هذا خاص بالأنبياء؛ لأن الشرك منهم أعظم ذنباً من الشرك من غيرهم، والأوّل أولى، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بتوحيده، فقال: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ }، وفي هذا ردّ على المشركين حيث أمروه: بعبادة الأصنام. ووجه الردّ ما يفيده التقديم من القصر. قال الزجاج: لفظ اسم الله منصوب بـ {اعبد} قال: ولا اختلاف في هذا بين البصريين، والكوفيين. وقال الفراء: هو منصوب بإضمار فعل، وروي مثله عن الكسائي، والأوّل أولى. قال الزجاج: والفاء في: {فاعبد} للمجازاة. وقال الأخفش: زائدة. قال عطاء، ومقاتل: معنى {فاعبد}: وحد، لأن عبادته لا تصح إلا بتوحيده {وَكُنْ مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } لإنعامه عليك بما هداك إليه من التوحيد، والدعاء إلى دينه، واختصك به من الرسالة. {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } قال المبرد: أي ما عظموه حق عظمته، من قولك فلان عظيم القدر، وإنما وصفهم بهذا؛ لأنهم عبدوا غير الله، وأمروا رسوله بأن يكون مثلهم في الشرك. وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر: "قدّروا" بالتشديد {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك، فأخبر سبحانه: عن عظيم قدرته بأن الأرض كلها مع عظمها، وكثافتها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه كما يقولون: هو في يد فلان، وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرّف فيه، وإن لم يقبض عليه، وكذا قوله: {وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ }، فإن ذكر اليمين للمبالغة في كمال القدرة كما يطوي الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه، واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى: القدرة، والملك. قال الأخفش: بيمينه يقول: في قدرته، نحو قوله: {أية : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } تفسير : [النساء: 3] أي: ما كانت لكم قدرة عليه، وليس الملك لليمين دون الشمال، وسائر الجسد، ومنه له سبحانه: {أية : لأخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } تفسير : [الحاقة: 45] أي: بالقوّة، والقدرة، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا ما راية نصبت لمجد تلقاها عرابة باليمين تفسير : وقول الآخر:شعر : ولما رأيت الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيمين تفسير : وقول الآخر:شعر : عطست بأنف شامخ وتناولت يداي الثريا قاعداً غير قائم تفسير : وجملة: {وَٱلاْرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ } في محل نصب على الحال، أي: ما عظموه حق تعظيمه، والحال أنه متصف بهذه الصفة الدالة على كمال القدرة. قرأ الجمهور برفع: {قبضته} على أنها خبر المبتدأ، وقرأ الحسن بنصبها، ووجهه ابن خالويه بأنه على الظرفية، أي: في قبضته. وقرأ الجمهور: {مطويات} بالرفع على أنها خبر المبتدأ، والجملة في محل نصب على الحال كالتي قبلها، و{بيمينه} متعلق بـ {مطويات}، أو حال من الضمير في {مطويات}، أو خبر ثانٍ، وقرأ عيسى، والجحدري بنصب: (مطويات)، ووجه ذلك: أن {السمٰوات} معطوفة على {الأرض}، وتكون {قبضته} خبراً عن الأرض، والسمٰوات، وتكون {مطويات} حالاً، أو تكون {مطويات} منصوبة بفعل مقدّر، و{بيمينه} الخبر، وخصّ يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته شاملة، لأن الدعاوي تنقطع فيه كما قال سبحانه: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ } تفسير : [الحج: 56]، وقال: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة: 4]، ثم نزّه سبحانه نفسه، فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له مع هذه القدرة العظيمة، والحكمة الباهرة. {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلاْرْضِ } هذه هي: النفخة الأولى، والصور هو: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وقد تقدّم غير مرة، ومعنى صعق: زالت عقولهم، فخرّوا مغشياً عليهم. وقيل: ماتوا. قال الواحدي: قال المفسرون: مات من الفزع، وشدة الصوت أهل السمٰوات، والأرض. قرأ الجمهور: {الصور} بسكون الواو، وقرأ قتادة، وزيد بن علي بفتحها جمع صورة، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } متصل، والمستثنى جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وقيل: رضوان، وحملة العرش، وخزنة الجنة، والنار {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ } يجوز أن يكون {أخرى} في محل رفع على النيابة، وهي صفة لمصدر محذوف، أي: نفخة أخرى، ويجوز أن يكون في محل نصب، والقائم مقام الفاعل فيه {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } يعني: الخلق كلهم قيام على أرجلهم ينظرون ما يقال لهم، أو ينتظرون ذلك. قرأ الجمهور: {قيام} بالرفع على أنه خبر، و{ينظرون} في محل نصب على الحال، وقرأ زيد بن عليّ بالنصب على أنه حال، والخبر: {ينظرون}، والعامل في الحال ما عمل في إذا الفجائية. قال الكسائي: كما تقول خرجت، فإذا زيد جالساً. {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا } الإشراق الإضاءة، يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت، وشرقت: إذا طلعت، ومعنى {بنور ربها}: بعدل ربها، قاله الحسن، وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربها، والمعنى: أن الأرض أضاءت، وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وما قضى به من الحق فيهم، فالعدل نور، والظلم ظلمات. وقيل: إن الله يخلق نوراً يوم القيامة يلبسه وجه الأرض، فتشرق به غير نور الشمس، والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي، فإن الله سبحانه هو: نور السماوات، والأرض. قرأ الجمهور: {أشرقت} مبنياً للفاعل، وقرأ ابن عباس، وأبو الجوزاء، وعبيد بن عمير على البناء للمفعول {ووضع الكتاب} قيل: هو: اللوح المحفوظ. وقال قتادة: يعني: الكتب، والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، وكذا قال مقاتل. وقيل: هو من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه، أي: وضع الكتاب للحساب {وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ } أي: جيء بهم إلى الموقف، فسئلوا عما أجابتهم به أممهم {وَٱلشُّهَدَاء } الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما في قوله: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 143]، وقيل: المراد بالشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذبّ عن دين الله. وقيل: هم الحفظة كما قال تعالى: {أية : وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } تفسير : [قۤ: 21] {وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي: وقضي بين العباد بالعدل، والصدق، والحال أنهم لا يظلمون، أي: لا ينقصون من ثوابهم، ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } من خير، وشرّ {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } في الدنيا لا يحتاج إلى كاتب، ولا حاسب، ولا شاهد، وإنما وضع الكتاب، وجيء بالنبيين، والشهداء لتكميل الحجة، وقطع المعذرة. ثم ذكر سبحانه تفصيل ما ذكره من توفية كل نفس ما كسبت، فقال: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً } أي: سيق الكافرون إلى النار حال كونهم زمراً، أي: جماعات متفرّقة بعضها يتلو بعضاً. قال أبو عبيدة، والأخفش: زمراً جماعات متفرّقة بعضها إثر بعض، ومنه قول الشاعر:شعر : وترى الناس إلى أبوابه زمراً تنتابه بعد زمر تفسير : واشتقاقه من الزمر، وهو: الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه {حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } أي: فتحت أبواب النار، ليدخلوها، وهي: سبعة أبواب، وقد مضى بيان ذلك في سورة الحجر {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } جمع خازن نحو سدنة، وسادن {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } أي: من أنفسكم {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِ رَبّكُمْ } التي أنزلها عليهم {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أي: يخوّفونكم لقاء هذا اليوم الذي صرتم فيه، قالوا لهم هذا القول تقريعاً، وتوبيخاً، فأجابوا بالاعتراف، ولم يقدروا عل الجدل الذي كانوا يتعللون به في الدنيا لانكشاف الأمر، وظهوره، ولهذا قالوا {بَلَىٰ } أي: قد أتتنا الرسل بآيات الله، وأنذرونا بما سنلقاه {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }، وهي: {أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } تفسير : [السجدة:13] فلما اعترفوا هذا الاعتراف قيل {ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ } التي قد فتحت لكم؛ لتدخلوها. وانتصاب {خَـٰلِدِينَ } على الحال، أي: مقدّرين الخلود {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبّرِينَ } المخصوص بالذمّ محذوف، أي: بئس مثواهم جهنم، وقد تقدّم تحقيق المثوى في غير موضع. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قال: مفاتيحها. وأخرج أبو يعلى، ويوسف القاضي في سننه، وأبو الحسن القطان، وابن السني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عثمان بن عفان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ }، فقال لي: «حديث : يا عثمان لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، مقاليد السمٰوات، والأرض: لا إلٰه إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وأستغفر الله الذي لا إلٰه إلاّ هو، الأوّل، والآخر، والظاهر، والباطن، يحيـي، ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيءٍ قدير»تفسير : ، ثم ذكر فضل هذه الكلمات. وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، عن عثمان قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أخبرني عن مقاليد السماوات، والأرض، فذكره. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة، وابن مردويه عن أبي هريرة، عن عثمان. وأخرجه العقيلي، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر، عن عثمان. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، ويطأون عقبه، فقالوا له: هذا لك يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء. قال: حديث : حتى أنظر ما يأتيني من ربيتفسير : فجاء بالوحي: {أية : قُلْ ياأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [الكافرون: 1] إلى آخر السورة، وأنزل الله عليه: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } إلى قوله: {مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟»تفسير : وفي الباب أحاديث، وآثار تقتضي حمل الآية على ظاهرها من دون تكلف لتأويل، ولا تعسف لقال وقيل. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من الأنصار يده، فلطمه، فقال: أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : قال الله: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }، فأكون أوّل من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله»تفسير : وأخرج أبو يعلى، والدارقطني في الإفراد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } قال: «حديث : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة»تفسير : الحديث. وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من أقوال أبي هريرة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وابن مردويه عن أنس: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ }، فقال: «حديث : جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، وحملة العرش»تفسير : وأخرج ابن المنذر عن جابر في قوله: {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } قال: موسى، لأنه كان صعق قبل. والأحاديث الواردة في كيفية نفخ الصور كثيرة. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس في قوله: {وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء } قال: النبيين الرسل، والشهداء الذين يشهدون لهم بالبلاغ ليس فيهم طعان، ولا لعان. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه في الآية قال: يشهدون بتبليغ الرسالة، وتكذيب الأمم إياهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ...} الآية تقدم الكلام على هذه الآية في الأنعام وأنها تدل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وقال الكعبي هنا: إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح احتجاج المخالف به، وأيضاً فلفظة "كل" قد لا توجب العمم لقوله تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل:23] يريد كل شيء يحتاج الملك إليه أيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما أضافها إليهم بقوله: {أية : كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [البقرة:109] ولما صح قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:78]. وقال الجبائي الله خالق كل شيء سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً لله لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل فصح أن يقال: إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجداً له، والجواب عن هذه الوجوه تقدم في سورة الأنعام، وأما قوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن فعل العبد لو وقع بخلق العبد لكان الفعل غير موكول إلى الله تعالى فلم يكن الله وكيلاً عليه ينافي عموم الآية. قوله: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} "له مقاليد" جملة مستأنفة، والمقاليد جمع مِقْلاَد أو مقْليد، ولا واحد له من لفظه كأساطير وإخوته، ويقال أيضاً إقليد وهي المفاتيح، والكلمة فارسية معربة. وفي هذا الكلام استعارة بديعة نحو قولك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر، وليس ثم مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. قال الزمخشري: قيل سأل عثمانُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن تفسير قوله: {له مقاليد السموات والأرض} فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله وبحمده (و) أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة، وقال الكلبي خزائن المطر والنبات. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} وهذا يقتضي أنه لا خاسر إلا الكافر وأن من لم يكن كافراً فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله. قال الزمخشري: فإن قلت: بِمَ اتصل قوله {والذين كفروا بآيات الله} بقوله {له مقاليد السموات والأرض}؟ قلت: إنه اتصل بقوله: {أية : وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} تفسير : [الزمر:16] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخَاسِرون واعترض ما بينهما أنه خالق الأشياء كلها وأنه له مقاليد السموات والأرض. قال ابن الخطيب: وهذا عندي ضعيف من وجهين: الأول: أن قوع الفصل الكثير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد. الثاني: أن قوله: {أية : وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} تفسير : [الزمر:61] (جملة فعلية)، وقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} جملة اسمية وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز. قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض معترض إذ لا مانع من ذلك. ثم قال ابن الخطيب: بل الأقرب عند أن يقال: إنه لما وصف الله تعالى بصفات الإليهة والجلالة وهو كونه خالقاً للأشياء كلها وكونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: {والذين كفروا بآيات الله} الظاهرة الباهرة هم الخاسرون. قوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ} فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن "غير" منصوب "بأعبد" و "أعبد" معمول "لتأمروني" على إضمار "أنْ" المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وهو أحد الوجهين والأصل أفَتَأمُرُوني بأن أعْبُدَ غير الله ثم قدم مفعول "أعبد" على "تأمروني" العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول، وذلك أن "غير" منصوب "بأعبد" و"أعبد" صلة "لأن" وهذا لا يجوز. وهذا الرد ليس بشيء لأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل إنما يراعى معناه لتصحيح الكلام. قال أبو البقاء: لو حكمناه بذلك لأفضى إلى حذف الموصول وإبقاء صلته وذلك لا يجوز إلاَّ في ضروة شعر. وهذا الذي ذكر فيه نَظَرٌ من حيث إنَّ هذا مختصٌّ "بأَنْ" دون سائر الموصولات وهو أنها تحذف ويبقى صلتها وهو منقاس عند البصريين في مواضع تحذف ويبقى عملها وفي غيرها إذا حذفت لا يبقى عملها إلى في ضرورة أو قليل، وينشد بالوجهين (قوله): شعر : 4310- أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَغَى وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي تفسير : ويدل على إرادة "أن" في الأصل قراءة بعضهم: "أَعْبُدَ" بنصب الفعل اعتداداً بأن. الثاني: أن "غَيْر" منصوب "بتَأْمُرُونِّي" و "أَعْبُد" بدل منه بدل اشتمال، و "أَنْ" مضمرة معه أيضاً. والتقدير: أفغَيْر اللَّه تأمرونِّي في عبادته، والمعنى: أفتأمرون بعبادة غير الله. الثالث: أنها منصوبة بفعل مقدر (تقديره) أفتُلْزِمُوني غير الله أي عبادة غير الله، وقدره الزمخشري تعبدونـ(ـي) وتقولون لي أعبده، والأصل: تأمُرُونَني أن أعبد (فحذفت) أن، ورفع الفعل، ألا ترى أنك تقول: أفغير الله تَقُولُون لي أعْبُدُهُ، وأفغير الله تقولون لي أعبد، فكذلك، أفغير الله تقولون لي أن أعبُدَهُ، وأفغير الله تَأْمُرُونِّي أَنْ أَعْبُدَ. والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ "أَعْبُدَ" بالنصب، وأما "أعبد" ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه مع "أن" المضمرة في محصل نصب على البدل من "غير"، وقد تقدم. الثاني: أنه في محل نصب على الحال. الثالث: أنه لا محل له ألبتة. قوله: "تَأْمُرُونِّيۤ" قرأ الجمهور "تَأمُرونِّي" بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وفتح الياءَ ابن كثير، وأرسلها الباقون، وقرأ نافع "تأمُرُونِيَ" بنون خفيفة وفتح الياء وابنُ عامر تأمرونَنِي بالفك وسكون الياء، وقد تقدم في سورة الأنعام، والحِجْر، وغيرهما أنه متى اجتمع نون الرفع مع نون الوقاية جاز ذلك أوجه وتقدم تحقيق الخلاف في أيتهما المحذوفة. قال مقاتل: وذلك حين قاله له المشركون: دَعْ دينك واتبع دين آبائك ونؤمن بإلَهك، ونظير هذه الآية: {أية : قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} تفسير : [الأنعام: 14]، وتقدم في تلك الآية وجه الحكمة في تقدم المفعول ووصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء كلها وبكونه له مقاليد السموات والأرض وكون هذه الأصنام جمادات لا تَضُرُّ ولا تنفع فمن أعْرَض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات المقدسة الشريقة واشتغل بعبادة الأصنام الخَسيسَة فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيد عليه، فلهذا قال: "أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ". قوله: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} الذي عملت قبل الشرك، واعلم أن الظاهر (أن) قوله "لَئِنْ أَشْرَكْتَ" هذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل لأنها هي الموحاة وأصول البصريين تأبى ذلك، ويقدرون أن القائم مقامه ضمير المصدر لأن الجملة لا تكون فاعلاً عندهم والقائم هنا مقام الفاعل الجار والمجرور وهو "إليكَ". وقرىء ليُحْبِطنَّ - بضم الياء وكسر الباء - أي الله ولَنُحْبطَنَّ بنون العظمة (وليُحْبَطَنّ) على البناء للمفعول و"عملك" مفعول به على القراءتين الأوليين ومرفوع على الثالثة لقيامه مقام الفاعل. قال ابن الخطيب: واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب. فإن قيل: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟. فالجواب: تقرير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله أي أوحي (إليك) وإلى كل أحد منهم لئن أشركت كما تقول: كَسَانَا حُلّة: أي كل واحد منا. فإن قيل: كيف صَحَّ هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا يحبط أعمالهم؟. فالجواب: أن قوله: {لَئن أشركت ليحبطن عملك} قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم (من) صدقها صدق جزئيها ألا ترى قولك: لَوْ كَانت الخَمْسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد مِنْ جزئيها غير صادق. قال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء:22] ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا، قال المفسرون: هذا خطاب مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمراد منه غيره، وقيل: هذا أدب من الله لنبيه وتهديده لغيره، لأن الله تعالى - عز وجل - عصمه من الشرك، وقوله: {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} قال ابن الخطيب: كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: {أية : إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} تفسير : [الإسراء:75] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في غضب الله تعالى أقوى وأعظم. قوله: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ} الجلالة منصوبة بـ "اعْبُدْ". وتقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كنت عاقلاً فاعْبُدِ اللَّهِ، فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عِوَضاً منه، وردّ ابو حيان عليه بأنه يجوز أن يجيء "زَيْداً فَعَمْراً اضْرِبْ"، فلو كان التقديم عوضاً لجمع بين العِوض والمُعَوَّض عنه. وقرأ عيسى بَل اللَّهُ - رفعاً - على الابتداء، والعائد محذوف أي فَاعْبُدْهُ. فصل لما قال الله تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد} يفيد أنهم أمروه بعبادة غير الله فقال الله تعالى له لا تعبد إلا الله، فإن قوله (بَل اللَّهَ فَاعْبُدْ) يفيد الحصر {وَكُنْ مِن الشَّاكِرِينَ} لإنعامه عليك بالهِدَايَةِ.
السيوطي
تفسير : أخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يسألوكم هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ فإن سئلتم فقولوا: الله كان قبل كل شيء، وهو خالق كل شيء، وهو كائن بعد كل شيء.تفسير : والله أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الآية: 62]. قال الحسين: كل شىء أراد الله به الإهانة والتذليل ألبسه لبسة المخلوقية ألا ترى كيف نزَّه عن ذلك صفاته وكلامه فالله خالق كل شىء والمخلوقات ليس لها عز إلاَّ بالنسبة إلى خالقها وأنها مخلوقة فبنسبته إليها أعزَّها.
البقلي
تفسير : فهم مبارك سرّ هذه الأية فان الله سبحانه اخبر فيها من سر نفسه كان فى ازل الازل بحار الالوهية متلاطمة قهارة زاخرة ولم يكن لمكان قهره مقهور وغرقه ذليل فغلب عزة قهر الجلال سلطانه ونور مشيته وارادته فاوجد الكون فجاء الكون من العدم مقهور ذليلا لقهره وعزته قهر المخلوقات اذ لم يكن فى القدم مكان القهر المقهورية فاذا تصاغر الاكوان فى قدم الرحمن وسطوات كبريائه وكاد ان تضمحل امسكها بلطفه من قهره وهذا معنى قوله وعلى كل شئ وكيل وقال الحسين كل شئ اراد الله به الاهانة والتذليل البسه لباس المخلوقية الا ترى كيف نزه عن ذلك صفاته وكلامه قال الله خالق كل شئ المخلوقات ليس لها عز الا بالنسبة الى خالقه وانها مخلوقة ----اليها اغرها.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله خالق كل شىء} من خير وشر وايمان وكفر لكن لا بالجبر بل بمباشرة الكاسب لاسبابها. قال فى التأويلات النجمية دخل افعال العباد واكسابهم فى هذه الجملة ولا يدخل هو وكلامه فيها لان المخاطب لا يدخل تحت الخطاب ولانه تعالى يخلق الاشياء بكلامه وهو كلمة كن {وهو على كل شىء وكيل} يتولى التصرف فيه كيفما يشاء. والوكيل القائم على الامر الزعيم باكماله والله تعالى هو المتكفل بمصالح عباده والكافى لهم فى كل امر ومن عرف انه الوكيل اكتفى به فى كل امره فلم يدبر معه ولم يعتمد الا عليه. وخاصية هذا الاسم نفى الحوائج والمصائب فمن خاف ريحا او صاعقة او نحوهما فليكثر منه فانه يصرف عنه ويفتح له ابواب الخير والرزق
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {اللهُ خالقُ كُلّ شيءٍ}: جامد أو حي، خير أو شر، إيمان أو كفر، لا بالجبر، بل بمباشرة الكاسب في عالَم الحكمة، وفيه إثبات القدرة والعلم، وهما مصححان للبعث والجزاء بالخير والشر، لمحسن أو مسيء. قال القشيري: ويدخل تحت قوله: {كل شيء} كسبُ العباد، ولا يدخل كلامُه؛ لأن المخاطِبَ لا يدخل تحت خطابه ولا صفاته. هـ. والمراد بالكلام: المعاني القديمة، وأما الألفاظ والحروف فهي مخلوقة، كما هو مقرر في محله. {وهو على كل شيءٍ وكيل} أي: حافظ يتولى التصرُّف فيه كيف يشاء. {له مقاليدُ السماواتِ والأرضِ} أي: مفاتح خزائنها، واحدها "مِقْليد"، أو: إقليد، أو: لا واحد لها، وأصلها فارسية، والمراد: أنه مالكها وحافظها، وهو من باب الكناية؛ لأن حافظ الخزائن ومدبّر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيتْ إليه مقاليد الملك، أي: مفاتح التصرف قد سُلّمت إليه، وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد؛ لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا مَن بيده مفاتحها. وعن عثمان: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاليد، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يُحيي ويُميت وهو على كل شيء قدير"تفسير : . ومعناه: أن لله هذه الكلمات، يُوحّد بها ويُمجّد، وهي مفاتحُ خير السماوات والأرض، ومَن تكلّم بها أدرك ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ومرجعها إلى التحقق بالعبودية في الظاهر، ومعرفة الذات في الباطن، وهما السبب في كل خير، وبهما يدرك العبد التصرُّف في الوجود بأسره، فتأمله. {والذين كفروا بآيات الله} أي: كفروا به بعد كونه خالق كل شيء، ومتصرفاً في ملكه كيف يشاء، بيده مقاليد العالم العلوي والسفلي، فكفروا بعد هذا بآياته التكوينية، المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس، والتنزيلية، التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بذلك، {أولئك هم الخاسرون} خسراناً لا خسرَ وراءه، وقيل: هو متصل بقوله: {ويُنجي الله الذين اتقوا}، وما بينهما اعتراض. {قُلْ أفغير الله تأمروني أعبدُ أيها الجاهلون} به، وكانوا يقولون له: أسلِم لبعض آلهتنا نؤمن بإلهك؛ لفرط جهالتهم. {وغير}: منصوب بـ "أعبد"، و {تأمروني}: اعتراض، أي: أتأمروني أعبد غير الله بعد هذا البيان التام؟ وحذفُ نون الوقاية وإثباتها مدغمة وغير مدغمة، كُلٌّ قُرىء به. {ولقد أُوحيَ إِليك وإِلى الذين من قبِلكَ}: من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ: {لئن أشركتَ لَيَحْبَطنَّ عَمَلُكَ ولَتكُونَنَّ من الخاسرين}، كلام وراد على طريق الفرض، لتهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية بشاعة الإشراك وقُبحه، وكونه بحيث يُنهي عنه مَن لا يكاد يمكن أن يباشره بمَن عداه أو: الخطاب له، والمراد غيره. وإفراد الخطاب مع كون الموحَى إليهم جماعة، باعتبار خطاب كل واحد في عصره، واللام موطئة لقسم محذوف، والثانية لام الجواب، وهو سادّ مسدّ جواب الشرط، وإطلاق الإحباط لاحتمال أن يكون من خصائصهم؛ لأن الإشراك منهم أشد، وأن يكون مقيداً بالموت، كما صرح به في آية البقرة، وهو مذهب الشافعي، وذهب مالك إلى أن الشرك يُحبط العمل قبل الردة، مات عليها، أو رجع إلى الإسلام، فينتقض وضوؤه وصومُه. وما قاله الشافعي أظهر. {بل اللهَ فاعبُدْ}، رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته؛ بل إذا عبدت فاعبد الله، فحذف الشرط، وأقيم تقديم المفعول مقامه. {وكن من الشاكرين} على ما أنعم به عليك؛ حيث جعلك رأس الموحدين وسيد المرسلين. الإشارة: الله مُظهر كل شيء؛ حيث تجلّى بها، وهو قائم بكل شيء. له مفاتيح غيوب السماوات والأرض، لا يطلعَ عليها إلا مَن خضع لأوليائه، الذين هم آيات من آياته. والذين كفروا بآيات الله، الدالة على الله، وهم أولياء الله، أولئك هم الخاسرون، فلا خسران أعظم من خيبة الوصول؛ إذ لا يخلو المفروق عن الله من الشرك الخفي، فإذا أُمر المريد بإظهار شيء من سره، أو مداهنة غيره، قال: {أفغير الله تأمروني أعبدُ أيها الجاهلون}. {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت} بأن طالعت غيري في سرك، أو تشوّفت أن يعلم الناس بخصوصيتك {ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد} واكتفِ به، واقنع بعلمه، واغتنِ بشهوده. {وكن من الشاكرين} على ما أولاك من سر خصوصيته. ثم ردَّ على أهل الشرك، فقال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}.
اطفيش
تفسير : {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ} من ايمان وكفر وخير وشر وكل ما هو كائن دنيا وأخرى* {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ} أي أن الاشياء كلها موكولة اليه في القيام بحفظها ولو لم يعتقد ذلكم الكفار لانه القادر على الحفظ أو معنى (وكيل) متولى التصرف فيها.
اطفيش
تفسير : {الله خالقُ كُلِّ شَيء} من أجسام وأعراض، وطاعة ومعصية، وغيرهما من الأفعال، أفعال الجوارح، وأفعال القلوب، وكيف يخلق الفاعل فعله، مع أنه ذاهل، ومع أنه لا شعور له بأجزائه كلها {والله عَلى كُل شيءٍ وكيلٌ} حفيظ بابقائه ولو أهمله لفنى، كما أنه لو لم يخلقه لم يوجد، فالأشياء تحتاج الى ايجاده وابقائه، أو وكيل متولى التصرف فيها.
الالوسي
تفسير : {قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } من خير وشر وإيمان وكفر لكن لا بالجبر بل بمباشرة المتصف بهما لأسبابهما فالآية رادة على المعتزلة رداً ظاهراً {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } يتولى التصرف فيه كيفما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة، وكأن ذكر ذلك للدلالة على أنه سبحانه الغني المطلق وان المنافع والمضار راجعة إلى العباد، ولك أن تقول: المعنى أنه تعالى حفيظ على كل شيء كما قيل نحو ذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } تفسير : [الزمر: 41] وحاصله أنه تعالى يتولى حفظ كل شيء بعد خلقه فيكون إشارة إلى احتياج الأشياء إليه تعالى في بقائها كما أنها محتاجة إليه عز وجل في وجودها.
سيد قطب
تفسير : هذا القطاع الأخير في السورة، يعرض حقيقة التوحيد من جانب وحدانية الخالق الذي خلق كل شيء، المالك المتصرف في كل شيء. فتبدو دعوة المشركين للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل أن يشاركوه عبادة إلهه! تبدو هذه الدعوة مستغربة، والله هو خالق كل شيء، وهو المتصرف في ملكوت السماوات والأرض بلا شريك. فأنى يعبد معه غيره، وله وحده مقاليد السماوات والأرض؟! {وما قدروا الله حق قدره} وهم يشركون به وهو وحده المعبود القادر القاهر {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}.. وبمناسبة تصوير هذه الحقيقة على هذا النحو يوم القيامة يعرض مشهداً فريداً من مشاهد القيامة، ينتهي بموقف الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وينطق الوجود كله بحمده: {وقيل الحمد لله رب العالمين}.. فتكون هذه هي كلمة الفصل في حقيقة التوحيد. {الله خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل. له مقاليد السماوات والأرض. والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون}.. إنها الحقيقة التي ينطق بها كل شيء. فما يملك أحد أن يدعي أنه خلق شيئاً. وما يملك عقل أن يزعم أن هذا الوجود وجد من غير مبدع. وكل ما فيه ينطق بالقصد والتدبير؛ وليس أمر من أموره متروكاً لقى أو للمصادفة من الصغير إلى الكبير: {وهو على كل شيء وكيل}.. وإلى الله قياد السماوات والأرض. فهو يصرفها وفق ما يريد؛ وهي تسير وفق نظامه الذي قدره؛ وما تتدخل إرادة غير إرادته في تصريفها، على ما تشهد الفطرة، وينطق الواقع، ويقر العقل والضمير. {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون}.. خسروا الإدراك الذي يجعل حياتهم في الأرض متسقة مع حياة الكون كله؛ وخسروا راحة الهدى وجمال الإيمان وطمأنينة الاعتقاد وحلاوة اليقين. وخسروا في الآخرة أنفسهم وأهليهم. فهم الخاسرون الذين ينطبق عليهم لفظ {الخاسرون}! وعلى ضوء هذه الحقيقة التي تنطق بها السماوات والأرض، ويشهد بها كل شيء في الوجود، يلقن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ استنكار ما يعرضونه عليه من مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل أن يعبدوا معه إلهه. كأن الأمر أمر صفقة يساوم عليها في السوق! {قل: أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون؟}.. وهو الاستنكار الذي تصرخ به الفطرة في وجه هذا العرض السخيف الذي ينبئ عن الجهل المطلق المطبق المطموس. ويعقب عليه بتحذير من الشرك. يبدأ أول ما يبدأ بالأنبياء والمرسلين. وهم ـ صلوات الله عليهم ـ لا يتطرق إلى قلوبهم طائف الشرك أبداً. ولكن التحذير هنا ينبه سواهم من أقوامهم إلى تفرد ذات الله سبحانه في مقام العبادة، وتوحد البشر في مقام العبودية، بما فيهم الأنبياء والمرسلون: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك: لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين}.. ويختم هذا التحذير من الشرك بالأمر بالتوحيد. توحيد العبادة والشكر على الهدى واليقين، وعلى آلاء الله التي تغمر عباده، ويعجزون عن إحصائها، وهم فيها مغمورون: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين}.. {وما قدروا الله حق قدره}.. نعم. ما قدروا الله حق قدره، وهم يشركون به بعض خلقه. وهم لا يعبدونه حق عبادته. وهم لا يدركون وحدانيته وعظمته. وهم لا يستشعرون جلاله وقوته. ثم يكشف لهم عن جانب من عظمة الله وقوته. على طريقة التصوير القرآنية، التي تقرب للبشر الحقائق الكلية في صورة جزئية، يتصورها إدراكهم المحدود: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة. والسماوات مطويات بيمينه. سبحانه وتعالى عما يشركون}.. وكل ما يرد في القرآن وفي الحديث من هذه الصور والمشاهد إنما هو تقريب للحقائق التي لا يملك البشر إدراكها بغير أن توضع لهم في تعبير يدركونه، وفي صورة يتصورونها. ومنه هذا التصوير لجانب من حقيقة القدرة المطلقة، التي لا تتقيد بشكل، ولا تتحيز في حيز، ولا تتحدد بحدود. ثم يأخذ في مشهد من مشاهد القيامة يبدأ بالنفخة الأولى، وينتهي بانتهاء الموقف، وسوق أهل النار إلى النار. وأهل الجنة إلى الجنة. وتفرد الله ذي الجلال. وتوجه الوجود لذاته بالتسبيح والتحميد. وهو مشهد رائع حافل، يبدأ متحركاً، ثم يسير وئيداً، حتى تهدأ كل حركة، وتسكن كل نأمة، ويخيم على ساحة العرض جلال الصمت، ورهبة الخشوع، بين يدي الله الواحد القهار! ها هي ذي الصيحة الأولى تنبعث، فيصعق من يكون باقياً على ظهر الأرض من الأحياء، ومن في السماوات كذلك ـ إلا من شاء الله ـ ولا نعلم كم يمضي من الوقت حتى تنبعث الصيحة الثانية: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}.. ولا تذكر الصيحة الثالثة هنا. صيحة الحشر والتجميع. ولا تصور ضجة الحشر وعجيج الزحام. لأن هذا المشهد يرسم هنا في هدوء، ويتحرك في سكون. {وأشرقت الأرض بنور ربها}.. أرض الساحة التي يتم فيها الاستعراض. ونور ربها الذي لا نور غيره في هذا المقام.. {ووضع الكتاب}.. الحافظ لأعمال العباد.. {وجيء بالنبيين والشهداء}.. ليقولوا كلمة الحق التي يعلمون.. وطوي كل خصام وجدال ـ في هذا المشهد ـ تنسيقاً لجوه مع الجلال والخشوع الذي يسود الموقف العام: {وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون. ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون}.. فلا حاجة إلى كلمة تقال، ولا إلى صوت واحد يرتفع. ومن ثم تجمل وتطوى عملية الحساب والسؤال والجواب التي تعرض في مشاهد أخرى. لأن المقام هنا مقام روعة وجلال. {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً}. {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها}.. واستقبلهم خزنتها يسجلون استحقاقهم لها ويذكرونهم بأسباب مجيئهم إليها: {وقال لهم خزنتها: ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا}؟ {قالوا: بلى. ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين}.. فالموقف موقف إذعان وتسليم. لا موقف مخاصمة ولا مجادلة. وهم مقرون مستسلمون! {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها. فبئس مثوى المتكبرين}! ذلك ركب جهنم ركب المتكبرين. فكيف ركب الجنة؟ ركب المتقين؟ {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً. حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها. وقال لهم خزنتها: سلام عليكم. طبتم. فادخلوها خالدين}.. فهو الاستقبال الطيب. والثناء المستحب. وبيان السبب. {طبتم} وتطهرتم. كنتم طيبين. وجئتم طيبين. فما يكون فيها إلا الطيب. وما يدخلها إلا الطيبون. وهو الخلود في ذلك النعيم.. هنا تهينم أصوات أهل الجنة بالتسبيح والتحميد: {وقالوا: الحمد لله. الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض، نتبوأ من الجنة حيث نشاء}. فهذه هي الأرض التي تستحق أن تورث. وهم يسكنون فيها حيث شاءوا، وينالون منها الذي يريدون. {فنعم أجر العاملين}.. ثم يختم المشهد بما يغمر النفس بالروعة والرهبة والجلال، وما يتسق مع جو المشهد كله وظله، وما يختم سورة التوحيد أنسب ختام؛ والوجود كله يتجه إلى ربه بالحمد؛ في خشوع واستسلام. وكلمة الحمد ينطق بها كل حي وكل موجود في استسلام: {وترى الملائكة حافين من حول العرش، يسبحون بحمد ربهم، وقضي بينهم بالحق، وقيل: الحمد لله رب العالمين}..
ابن عاشور
تفسير : هذا استئناف ابتدائي تمهيد لقوله: {أية : قُل أفغير الله تأمروني أعبُد}تفسير : [الزمر: 64] في ذكر تمسك الرسول صلى الله عليه وسلم والرسل من قبله بالتوحيد ونبذِ الشرك والبراءةِ منه والتصلبِ في مقاومته والتصميمِ على قطع دابره، وجُعلت الجمل الثلاث من قوله: الله خالق كل شيء} إلى قوله: {السماوات والأرض} مقدمات تؤيد ما يجيء بعدها من قوله: {أية : قُل أفغير الله تأمروني أعبُد}تفسير : [الزمر: 64]. وقد اشتمل هذا الاستئناف ومعطوفاته على ثلاث جمل وجملة رابعة: فالجملة الأولى: {الله خالق كل شيء} وهذه الجملة أَدْخَلت كل موجود في أنه مخلوق لله تعالى، فهو وليّ التصرف فيه لا يخرج من ذلك إلاّ ذاتُ الله تعالى وصفاته فهي مخصوصة من هذا العموم بدليل العقل وهو أنه خالق كل شيء فلو كان خالقَ نفسه أو صفاتِه لزم توقف الشيء على ما يتوقف هُو عليه وهذا ما يسمى بالدَّوْر في الحكمة، واستحالتُه عقلية، فخُص هذا العموم العقل. والمقصود من هذا إثبات حقيقة، والزامُ الناس بتوحيده لأنه خالقهم، وليس في هذا قصد ثناء ولا تعاظم، والمقصود من هذه المقدمة تذكير الناس بأنهم جميعاً هم وما معهم عبيد لله وحده ليس لغيره منّة عليهم بالإِيجاد. الجملة الثانية: {وهو على كل شيء وكيل} وجيء بها معطوفة لأن مدلولها مغاير لمدلول التي قبلها. والوكيلُ المتصرف في شيء بدون تعقب ولما لم يعلّق بذلك الوصف شيءٌ علم أنه موكول إليه جِنس التصرف وحقيقتُه التي تعم جميع أفراد ما يتصرف فيه، فعم تصرفه أحوالَ جميع الموجودات من تقدير الأعمال والآجال والحركاتِ، وهذه المقدمة تقتضي الاحتياج إليه بالإِمداد فهم بعد أن أوجدهم لم يستغنوا عنه لَمحةً مّا. الجملة الثالثة: {لَهُ مقَاليدُ السماواتِ والأرض} وجيء بها مفصولة لأنها تفيد بيان الجملة التي قبلها فإن الوكيل على شيء يكون هو المتصرف في العطاء والمنع. والمقاليد: جمع إِقليد بكسر الهمزة وسكون القاف وهذا جمع على غير قياس، وإقليد قيل معرب عن الفارسية، وأصله (كليد) قيل من الرومية وأصله (اقليدس) وقيل كلمة يمانية وهو مما تقاربت فيه اللغات. وهي كناية عن حفظ ذخائرها، فذخائر الأرض عناصرها ومعادنها وكيفيات أجوائها وبحارها، وذخائرُ السماوات سَير كواكبها وتصرفات أرواحها في عوالمها وعوالمنا. وما لا يعلمه إلا الله تعالى. ولما كانت تلك العناصر والقُوى شديدة النفع للناس وكان الناس في حاجة إليها شبهت بنفائس المخزونات فصحّ أيضاً أن تكون المقاليد استعارة مكنية، وهي أيضاً استعارة مصرحة للأمر الإِلهي التكويني والتسخيري الذي يُفيض به على الناس من تلك الذخائر المدَّخَرة كقوله تعالى: {أية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}تفسير : [الحجر: 21]. وهذه المقدمة تشير إلى أن الله هو معطي ما يشاء لمن يشاء من خلقه، ومن أعظم ذلك النبوءة وهديُ الشريعة فإن جهل المشركين بذلك هو الذي جرَّأَهم على أن أنكروا اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة دونهم، واختصاص أتباعه بالهُدى فقالوا: {أية : أهؤلاء مَنَّ الله عليهم مِنْ بيننا}تفسير : [الأنعام: 53]. فهذه الجمل اشتملت على مقدمات ثلاث تقتضي كل واحدة منها دلالة على وحدانية الله بالخلق، ثم بالتصرف المطلق في مخلوقاته، ثم بوضع النظم والنواميس الفطرية والعقلية والتهذيبية في نظام العالم وفي نظام البشر. وكل ذلك موجب توحيده وتصديقَ رسوله صلى الله عليه وسلم والاستمساك بعروته كما رَشد بذلك أهل الإِيمان. فأما الجملة الرابعة وهي: {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} فتحتمل الاعتراض ولكن اقترانها بالواو بعد نظائرها يرجح أن تكون الواو فيها عاطفة وأنها مقصودة بالعطف على ما قبلها لأن فيها زيادة على مفاد الجملة قبلها، وتكون مقدمة رابعة للمقصود تجهيلاً للذين هم ضد المقصود من المقدمات فإن الاستدلال على الحق بإبطال ضده ضرب من ضروب الاستدلال. لأن الاستدلال يعود إلى ترغيب وتنفير فإذا كان الذين كفروا بآيات الله خاسرين لا جرم كان الذين آمنوا بآيات الله هم الفائزين، فهذه الجملة تقابل جملة {أية : وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} تفسير : [الزمر: 61] المنتقل منها إلى هؤلاء الآيات، وهي مع ذلك مفيدة إنذارهم وتأفين آرائهم، لأن موقعها بعدَ دلائل الوحدانية وهي آيات دالّة على أن الله واحد يقتضي التنديدَ عليهم في عدم الاهتداء بها. ووُصف {الذين كفروا بآيات الله} بأنهم الخاسرون لأنهم كفروا بآيات مَن له مقاليد خزائن الخير فعرَّضوا أنفسهم للحرمان مما في خزائنه وأعظمها خزائن خير الآخرة. وآيات الله هي دلائل وجوده ووحدانيتِه التي أشارت إليها الجمل الثلاث السابقة. والإِخبار عن الذين كفروا باسم الإِشارة للتنبيه على أن المشار إليهم خسروا لأجْلِ ما وصفوا به قبلَ اسمِ الإِشارة وهو الكفر بآيات الله. وتوسطُ ضمير الفصل لإِفادة حصر الخسارة فِيهم وهو قصر ادعائي بناء على عدم الاعتداد بخسارة غيرهم بالنسبة إلى خسارتهم فخسارتهم أعظم خسارة.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَالِقُ} (62) - اللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الخَالِقُ لِجَمِيعِ مَا فِي الوُجُودِ، وَهُوَ القَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ يَتَوَلَّى الوُجُودَ بِحِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ، فَالأَشْيَاءُ جَمِيعُهَا مُحْتَاجَةٌ إِلَى اللهِ فِي وُجُودِهَا وَفِي بَقَائِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن ذكر الحق سبحانه وعده ووعيده وبيَّن عاقبة الكافرين وعاقبة المؤمنين عاد إلى قضية عقدية أخرى {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] وكأنه يقول: ما الذي صرفهم عن أنْ يؤمنوا بالله الإله الحق، وهو سبحانه خالق كل شيء؟ بعضهم أخذ هذه الآية {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] ونسب كل الأفعال إلى الله، فالله في نظرهم خالق كل شيء، خالق الإيمان وخالق الكفر، وخالق الطاعة وخالق المعصية، وبالتالي قالوا: فلم يعذب صاحبها؟ نقول: هناك مَنْ يتعصب لقدرة الحق فيقول: كل شيء بقدرته تعالى، وهناك مَنْ يتعصب للعدالة فيقول: إن الإنسان هو الذي يفعل وهو الذي يسعى لنفسه، لذلك يُثاب على الطاعة ويُعاقب على المعصية، وهذا خلاف ما كان ينبغي أنْ يُوجد بين علماء؛ لأن الطاعة أو المعصية فعلٌ، والفعل ما هو؟ الفعل أداء جارحة من الجسم لمهمتها. فالعين ترى، لكن الخالق سبحانه وضع للرؤية قانوناً، وجعل لها حدوداً، فالعين ترى ما أُحلَّ لها وتغضّ عما حُرِّم عليها، كذلك الأذن واليد والرِّجْل واللسان .. إلخ فإن وافقتَ في الفعل أمر الشرع فهو طاعة، وإنْ خالفتَ أمر الشرع فهي معصية. فمثلاً الرجل الذي يرفع يده ويضرب غيره، بالله هل هو الذي جعل جارحته تفعل أم أنه وجَّه الجارحة لما تصلح له؟ إنه مجرد مُوجِّه للجارحة، وإلا فهو لم يخلق فيها الفعل، بدليل أنه لا يعرف العضلات التي تحركتْ فيه، والأعصاب التي شاركتْ في هذه الضربة. إذن: نقول إن الفعل شيء، وتوجيه الجارحة إلى الفعل شيء آخر، فالفعل كله مخلوق لله، فهو سبحانه الذي أقدر الأيدي أنْ تضرب، وهو الذي أقدرها أنْ تمتد بالخير للآخرين، الخالق سبحانه هو الذي أقدر لسان المؤمن أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقدر لسان الكافر أن ينطق بكلمة الكفر والعياذ بالله، العين في استطاعتك أنْ تنظر بها إلى الحلال، وفي استطاعتك أن تنظر بها إلى الحرام. إذن: أقدر الله كلَّ جارحة على المهمة التي تؤديها، فإنْ كانت هذه المهمة موافقة للشرع فهي طاعة، وإنْ كانت غير موافقة له فهي معصية، وعليه نقول: إن الله تعالى هو خالق الفعل على الحقيقة. إذن: ما فعل العبد في المعصية حتى يُعاقب عليها؟ وما فِعْله في الطاعة حتى يُثابَ عليها؟ إن فعل العبد ودوره هنا هو توجيه الطاقة التي خلقها الله فيه، هذه الطاقة التي جعلها الله صالحة لأنْ تفعل الشيء وضده، فالقدرة على الفعل ليستْ من عندك، إنما من عند الله، وعليك أنت توجيه الطاقة الفاعلة. فمَنْ نظر إلى الفعل فالفعل كله لله {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] ومَنْ نظر إلى التوجيه والاختيار فهو للعبد؛ لذلك نقول: إن العاصي لم يعْصِ غصْباً عن الله، والكافر لم يكفر بعيداً عن علم الله وإرادته، لأن الحق سبحانه لو شاء لجعل الناس جميعاً أمة واحدة على الطاعة والإيمان، لكن ترك لهم الاختيار وتوجيه الأفعال ليرى سبحانه - وهو أعلم بعباده - مَنْ يأتيه طواعية وباختياره. لذلك تأمل قوله سبحانه: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. فمن الخطأ أن نقول: إن الإنسان وحده هو المخيَّر، إنما الكون كله مُخيَّر أمام الحق سبحانه، لكن الفرق بين اختيار السماوات والأرض واختيار الإنسان أن السماوات والأرض لما خُيِّرت اختارت أن تتنازل عن مرادها لمراد خالقها سبحانه، فهي اختارتْ بالفعل، اختارت ألاَّ تكون مختارة، وأن تكون مقهورة لمراد ربها، أما الإنسان فقَبِلَ الأمانة واختار أن يكون مختاراً أمام خيارات متعددة. وسبق أن أوضحنا الفرق بين تحمُّل الأمانة وأداء الأمانة، وأن العبد قد يضمن نفسه عند التحمل، لكن لا يضمن نفسه عند الأداء، فهي إذن أمر ثقيل، لذلك وصف الحق سبحانه الإنسان في تحمله وتعرُّضه للأمانة بأنه ظلوم وجهول. إذن: إياك أن تدخل في متاهة فتفهم قوله تعالى: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] على غير وجهه، فتقول: خالق كفر الكافر وعصيان العاصي، فلماذا يعذبهم؟ لأن الكافر هو الذي اختار الكفر ووجَّه طاقة الله لغير ما أراد الله، والعاصي كذلك وجَّه طاقة الله إلى خلاف ما أمر به الله. وهناك مَنْ يقول في {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] أن الكلية هنا إضافية، كما في قوله تعالى في قصة بلقيس: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 23] يعني: لم تُؤْتَ بكل شيء فمن هنا للتبعيض، والمعنى: أنهم يريدون أنْ يُخرِجوا فعل العباد من هذه المسألة، وهذا لا يجوز. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] خبر أخبر به الحق سبحانه يحتمل ويحتمل، لكن أدلة صدْق هذا الخبر نشأتْ حتى من الكافرين بالله، كما قال سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87]. وقال سبحانه وتعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25]. إذن: فالظرف والمكان والمكين من خَلْق الله، والله قد أخبر هذا الخبر وبلَّغه رسول الله، وفي القوم مَنْ جحدوا الله وأنكروه وادَّعوْا له شركاء، ومع ذلك لم ينقض أحدٌ هذه الدعوى ولم يقُلْ أحد: إني خالق هذا الكون. والدعوى تَسْلم لصاحبها ما لم يقُمْ لها معارض، ومعلوم أن الإنسان يدَّعي ما ليس له، فلو كان له شيء من الخَلْق ما سكت عنه. ثم إن الإنسان طرأ على هذا الكون، فوجده كما هو الآن بسمائه وأرضه، فكيف يدَّعي أنه خالقه وهو أقدم منه، بل وخَلْقه أعظم من خلقه {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. فإذا ما جاءنا رسول نعلم صدقه يخبرنا بأن لهذا الكون خالقاً صفته كذا وكذا كان يجب علينا أنْ نرهف له الآذان لنسمع حَلَّ هذا اللغز، ومثَّلْنَا لذلك برجل انقطع في صحراء مُهلكة حتى شارف على الموت وفجأة وجد مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، بالله ماذا يفعل قبل أن تمتدَّ يده إلى الطعام؟ إنه لا بدَّ أنْ يسأل نفسه: من أين جاءت هذه المائدة؟ إذن: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] خبر عليه دليل من الوجود، ودليل من المعاندين للخالق سبحانه، والحقيقة أنهم لا يعاندون الحقَّ من أجل مسألة الخلق، إنما يعاندونه اعتراضاً على شرعه وأحكامه، لأن هذه الأحكام ستقيد نفوسهم فلا تنطلق في شهواتها، والإيمان له تبعات ووراءه حساب وعقاب وجزاء، وإلا لماذا عبدوا الأصنام؟ عبدوها لأنها آلهة لا منهجَ لها ولا تكاليف، فهي تُرضي فطرة التديُّن عندهم بأن يكون له معبود يعبده، وما أجملَ أن يكون هذا المعبود لا أمرَ له ولا نهيَ ولا تكاليف. إذن: قولهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] لفظ العبادة هنا لفظ خاطئ، لأن معنى العبادة: طاعة العابد لأمر معبوده ونَهْيه، وهذه الأصنام ليس لها أمر ولا نهي. وقوله سبحانه: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] الوكيل: هو الذي تُوكله أنت في العمل الذي لا تقدر عليه كما في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - لما قال له قومه: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] وهم ساعتها على حقٍّ لأن البحر من أمامهم، وفرعون وجنوده من خلفهم، فكل الدلائل تؤيد قولهم {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61]. لكن لموسى عليه السلام نظرة أخرى وشأن آخر، إنه موصولٌ بربه معتمد عليه ومتوكل عليه، يعلم علم اليقين أن الله وكيله فيما يعجز هو عنه؛ لذلك ردَّ عليهم وقال (كلا) لم يقلها من عندياته، إنما قالها برصيد من إيمانه بربه وثقته بنصره {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. ويقول تعالى في التوكل عليه: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ ..} تفسير : [النمل: 62]. وقال سبحانه: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} تفسير : [الإسراء: 67] فالله وكيل لعباده جميعاً حتى الكافر منهم؛ لذلك نرى مَنْ كفر بالله حين لا تسعفه أسبابه أو تضيق عليه أموره، يقول: يا رب لأنه لا يخدع نفسه ولا يغش نفسه. فكما صدق الحق سبحانه في الإخبار بأنه {خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] صدق في الإخبار بأنه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] ألا ترى الزرع مثلاً يزرعه الفلاح ويرعاه، فتراه نَضِراً جميلاً لكن قبل الحصاد تجتاحه جائحة أو تحل به آفة فتهلكه، بالله من عند مَنْ هذه الآفة؟ من عند خصومك وأعدائك؟! لا .. بل هي من عند الله. وما دام أن الله تعالى هو خالق كل شيء وهو وكيل على كل شيء، فلا بدَّ أن يكون له مُلْك السماوات والأرض؛ لذلك قال بعدها: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن عظمته وكماله، الموجب لخسران من كفر به فقال: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } هذه العبارة وما أشبهها، مما هو كثير في القرآن، تدل على أن جميع الأشياء - غير اللّه - مخلوقة، ففيها رد على كل من قال بقدم بعض المخلوقات، كالفلاسفة القائلين بقدم الأرض والسماوات، وكالقائلين بقدم الأرواح، ونحو ذلك من أقوال أهل الباطل، المتضمنة تعطيل الخالق عن خلقه. وليس كلام اللّه من الأشياء المخلوقة، لأن الكلام صفة المتكلم، واللّه تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء، فأخذ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها أنه مخلوق، من أعظم الجهل، فإنه تعالى لم يزل بأسمائه وصفاته، ولم يحدث له صفة من صفاته، ولم يكن معطلا عنها بوقت من الأوقات، والشاهد من هذا، أن اللّه تعالى أخبر عن نفسه الكريمة أنه خالق لجميع العالم العلوي والسفلي، وأنه على كل شيء وكيل، والوكالة التامة لا بد فيها من علم الوكيل، بما كان وكيلا عليه، وإحاطته بتفاصيله، ومن قدرة تامة على ما هو وكيل عليه، ليتمكن من التصرف فيه، ومن حفظ لما هو وكيل عليه، ومن حكمة، ومعرفة بوجوه التصرفات، ليصرفها ويدبرها على ما هو الأليق، فلا تتم الوكالة إلا بذلك كله، فما نقص من ذلك، فهو نقص فيها. ومن المعلوم المتقرر، أن اللّه تعالى منزه عن كل نقص في صفة من صفاته، فإخباره بأنه على كل شيء وكيل، يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء، وكمال قدرته على تدبيرها، وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها. { لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: مفاتيحها، علما وتدبيرا، فـ {أية : مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } تفسير : فلما بين من عظمته ما يقتضي أن تمتلئ القلوب له إجلالا وإكراما، ذكر حال من عكس القضية فلم يقدره حق قدره، فقال: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ } الدالة على الحق اليقين والصراط المستقيم. { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } خسروا ما به تصلح القلوب من التأله والإخلاص للّه، وما به تصلح الألسن من إشغالها بذكر اللّه، وما تصلح به الجوارح من طاعة اللّه، وتعوضوا عن ذلك كل مفسد للقلوب والأبدان، وخسروا جنات النعيم، وتعوضوا عنها بالعذاب الأليم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):