Verse. 4123 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَلَقَدْ اُوْحِيَ اِلَيْكَ وَاِلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكَ۝۰ۚ لَىِٕنْ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُوْنَنَّ مِنَ الْخٰسِرِيْنَ۝۶۵
Walaqad oohiya ilayka waila allatheena min qablika lain ashrakta layahbatanna AAamaluka walatakoonanna mina alkhasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أوحيَ إليك وإلى الذين من قبلك» والله «لئن أشركت» يا محمد فرضا «ليحبطن عملك ولتكوننَّ من الخاسرين».

65

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ} قيل: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً؛ والتقدير: لقد أوحي إليك لئن أشركت وأوحي إلى الذين من قبلك كذلك. وقيل: هو على بابه؛ قال مقاتل: أي أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد والتوحيد محذوف. ثم قال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} يا محمد {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقيل: الخطاب له والمراد أمته؛ إذ قد علم الله أنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك. والإحباط الإبطال والفساد؛ قال القشيري: فمن ارتد لم تنفعه طاعاته السابقة ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر؛ ولهذا قال: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}تفسير : [البقرة: 217] فالمطلق هاهنا محمول على المقيد؛ ولهذا قلنا: من حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج. قلت: هذا مذهب الشافعي. وعند مالك تجب عليه الإعادة وقد مضى في «البقرة» بيان هذا مستوفى. قوله تعالى: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ} النحاس: في كتابي عن أبي إسحاق لفظ اسم الله عز وجل منصوب بـ{ـاعْبُدْ} قال: ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين. قال النحاس: وقال الفراء يكون منصوباً بإضمار فعل. وحكاه المهدوي عن الكسائي. فأما الفاء فقال الزجاج: إنها للمجازاة. وقال الأخفش: هي زائدة. وقال ابن عباس؛ «فاعْبُدْ» أي فوحِّد. وقال غيره: {بَلِ الله} فأطع {وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} لنعمه بخلاف المشركين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ } والله {لَئِنْ أَشْرَكْتَ } يا محمد فرضاً {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ }.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ...} [الآية: 65]. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول فى قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} قال: من طالعت؟ لئن طالعت بسرك غيرى لتحرمن حظك من قربى. قال ابن عطاء: هذا شرك الملاحظة والالتفات إلى غيره. قال جعفر: إن نظرت إلى سواه لتحرمن فى الآخرة لقاؤه. وقال سهل فى قوله: {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} قال: لئن طالعت بسرك غيرى لن تنال قربى. وقال أيضًا: لئن أشركت فى الأعمال الظاهرة وهى الرياء ليحبطن عملك ولئن أشركت باطنًا وهو الهم ليحبطن إيمانك.

القشيري

تفسير : لَئِنْ لاحظْتَ غيري، وأثْبَتَّ معي في الإبداع سِوَايَ أحْبَطْتَ عَمَلكَ، وأبطلْتَ سعَيكَ، بل اللَّهَ - يا محمد - فاعْبُدْ، وكُنْ من جملة عبادي الشاكرين.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} هذا من اوائل احوال النبى صلى الله عليه وسلم حين دخل فرسان اسراره فى ميادين الازل الأباد وراى جبروتا فى جبروت وملكوتا فى ملكوت وعزا فى عز وبحرا فى بحر وسلطانا فى كبرياء وكبرياء فى عظمة فما راى للقديم الازلى اهلا من الحدثان وما راى اثر من نفسه فى جناب الربوبية فكاد ان يخطر بقلبه انه معطل قال الله كلا {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ} يعنى الرسالة والنبوة والانباء العجيبة ولا يشك فى مالك فانك مكرم بسابق عنايتى واصطفائيتى الازلية ولك اخوان حل بهم ما حل بك من الاحوال السنية وغرايبات انوار العزة انظر الىَّ مما وهبت لك من تلك الكرامات ولا تنظر اليها متى فان الالتفات الى المقامات فى المكاشفات والمشاهدات شرك واذا وقفت عنى على حظك منى ليحبطن احوالك فان الكل قائم بى قال ابو العباس بن عطا اى لئن طالعت بسرك الى غيرى لتخر من حظك من قربى وقال ابن عطا هذا شرك الملاحظة والتفات الى غيره وقال جعفر لئن نظرت الى سواه لتحرمن فى الأخرة لقائه ثم اكد الامر عليه الحق سبحانه فى افراده عن غيره واقباله بنعت ترك ما سواه قال {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} اى كن خالصا لله لا لغيره فيك نصيب وكن شاكراً له بنعت ان لا ترى صنيعك فى البين شيئا واظهر عجزك فى معرفة المشكور فانه الشكر لا غير واسكن عن الشوق الى ادراك كل القديم فانه لا يدخل تحت ادراك الحوادث وهو اجل عن ان تدركه بنعته بمعنى الاحاطة وخدما أتيتك وكن من الشاكرين فان الخلق لا يصلون الى كنه الازليات والابديات وذلك قوله {وَمَا قَدَرُواْ} كيف يقدرون حق قدره ونعوته الازلية جلت من ان تحويها الحوادث تحيط بها الاماكن وتدركها الابصار وتفطنها الافهام والافكار والارواح محترقة فى اول بوادى انوار قدرته والعقول فانية فى لمعان بديع صنائعه والقلوب مضمحلة فى لزوم واردات تقلب قضائه وقدره علم سبحانه عجز الخليقة عن وصف جلاله وادراك كماله فانهم لا يحتملون ذرة من انوار ذاته وصفاته عند ظهور كشفها بنعت غلبة قهره على الاكوان والحدثان فاجمل القول بقوله وما قدر الله حق قدره حيث وصفوه بنعت الانداد والاضداد ثم فصل بن بطون الافعال ولوائح انوار بعض الصفات فقال {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} لو وصف حقيقة نفسه بغير ذكر الاكوان والافعال لغابوا فى مهمة الاوهام وما تخلصوا ابدا من تراكم الافكار فى طلب الاسرار بل احالهم الى رؤية الفعل المحيط به صفاته اى كيف تدركون من كان قهره وعظمته فى مباشرة فناء العالم هكذا من حيث عقولكم وان السماوات والارضين اقل من كرة فى ميادين قهر صفاته وعندكم ان العظيم يكون من يقلع جبلة من الجبال فذكر فعله على حد عقولهم فلما علم ترددهم فى مماثلة افعاله ووقعوع قولهم فى اودية الاشكال ومخائيل الابعاض نزه نفسه عن ذلك فى أخر الآية كما نزه نفسه اولها فقال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} اى تقدس عن يقيسه المتقابسون او يشير اليه المشيرون اول الاية ذكر قدم القدم لاهل الفناء فى التوحيد الذاتى واوسط الأية ذكر ظهور جلاله وجماله بنعت الالتباس فى أياته الافعال للعاشقين واخر الأية ذكر حقيقة السر الصفاتى بنعت التقديس والتنزيه وصف افراد قدمه عن الحدوث فرويه الذات لاهل الفناء ورؤية الصفات لاهل البقاء ورؤية الجمال والجلال فى الافعال لاهل العشق وكلهم مغرولون عن ساحة الكبرياء بقوله سبحانه وتعالى عما يشركون قال سهل فى قوله وما قدروا الله حق دره ما عرفوه حق معرفته فى الاصل ولا فى الفرع وقال الحسين كيف يعرف قدر من لا يقدر قدره سواه قال الواسطى لوطا لعوا حق حقه فى محبتهم لعلموا العجز عن ذلك بالكلية فلم يعرف قدره من ادعى لنفسه معه مقاما قال الله وما قدروا الله حق قدره سئل الجنيد عن قوله والسماوات مطويات بيمينه فقال متى كانت منشورة حتى صارت مطوية سبحانه نفى ما يقع على العقول من طيها ونشرها اذ كل الكون كخردلة او كجناح بعوضة او اقل منها كذلك قال قوله قائم على كل نفس بالسبب كيف لا يستحيل قيامه على هذا الكون الذى لا يزن ذرة عنده بل قيامه بنفسه لنفسه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد اوحى اليك والى الذين من قبلك} اى من الرسل عليهم السلام {لئن اشركت} فرضا: وبالفارسية [اكر شرك آرى] وافراد الخطاب باعتبار كل واحد {ليحبطن عملك} اى ليبطلن ثواب عملك وان كنت كريما على {ولتكونن من الخاسرين} فى صفقتك بسبب حبوط عملك واللام الاولى موطئة للقسم والاخريان للجواب وهو كلام وارد على طريقة الفرض لتهييج الرسل واقناط الكفرة والايذان بغاية شناعة الاشراك وقبحه وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يمكن ان يباشره فكيف بمن عداه. قال التفتازانى فالمخاطب هو النبى عليه السلام وعدم اشراكه مقطوع به لكن جيىء بلفظ الماضى ابرازا للاشراك فى معرض الحاصل على سبيل الفرض والتقدير تعريضا لمن صدر عنهم الاشراك بانه قد حبطت اعمالهم وكانوا من الخاسرين. وقال فى كشف الاسرار هذا خطاب مع الرسول عليه السلام والمراد به غيره. وقال ابن عباس رضى الله عنهما هذا ادب من الله لنبيه عليه السلام وتهديد لغيره لان الله تعالى قد عصمه من الشرك ومداهنة الكفار. وقال الكاشفى [واصح آنست كه مخاطب بحسب ظاهر بيغمبرانند وازروى حقيقت افراد مسلمانان امت ايشان هريك را مىفرمايد كه اكر شرك آرى هر آينه تباه كردد كردار توكه دروقت ايمان واقع شده وهر آينه باشى از زيانكاران كه بعد ازوقت دولت دين بنكبت شرك مبتلى كردد]. قال ابن عطاء هذا شرك الملاحظة والالتفات الى غيره واطلاق الاحباط من غير تقييد بالموت على الكفر يحتمل ان يكون من خصائصهم لان الاشراك منهم اشد واقبح وان يكون مقيدا بالموت كما صرح به فى قوله تعالى {أية : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت اعمالهم} تفسير : فيكون حملا للمطلق على المقيد فمذهب الشافعى ان نفس الكفر غير محبط عنده بل المحبط الموت على الكفر واما عند غيره فنفس الكفر محبط سواء مات عليه ام لم يمت. وفى المفردات حبط العمل على اضرب. احدها ان تكون الاعمال دنيوية فلا تغنى فى الآخرة غناء كما اشار اليه تعالى بقوله {أية : وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}تفسير : . والثانى ان تكون اعمالا اخروية لكن لم يقصد صاحبها بها وجه الله تعالى كما روى "حديث : يؤتى برجل يوم القيامة فيقال له بم كان اشتغالك فيقول بقراءة القرآن فيقال له كنت تقرأ ليقال فلان قارىء وقد قيل ذلك فيؤمر به الى النار"تفسير : . والثالث ان تكون اعمالا صالحة لكن بازائها سيآت تربى عليها وذلك هو المشار اليه بخفة الميزان انتهى. وعطف الخسران على الحبوط من عطف المسبب على السبب. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الانسان ولو كان نبيا لئن وكل الى نفسه ليفتحن بمفتاح الشرك والرياء ابواب خزائن قهر الله على نفسه وليحبطن عمله بان يلاحظ غير الله بنظر المحبة ويثبت معه فى الابداع سواه

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ} ابتداء كلامٍ من الله ردّاً عليهم فى قولهم لمحمّدٍ (ص) استسلم بعض آلهتنا نؤمن بالهتك كما انّ قوله: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّي} كان ردّاً عليهم فى قولهم ذلك {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} يعنى هذا الوحى كان مستمرّاً من اوّل زمن النّبوّة ولم يكن له اختصاص بنبىٍّ دون نبىٍّ ووقتٍ دون وقتٍ لانّ البعثة لم تكن الاّ لنفى الشّرك خصوصاً اذا كان المراد بالشّرك الشّرك فى الولاية لانّها كانت مبدء للبعثة وغايةً لها {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} بالله فى العبادة او لئن اشركت بعلىٍّ (ع) والولاية {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تعريض بالامّة وباشراكهم بالولاية لكنّه خاطب النّبىّ (ص) بهذا الخطاب مبالغةً فى تهديد الامّة ودلالةً على انّه (ص) مع كمال عظمته ومقام نبوّته لو اشرك حبط عمله فكيف بغيره ممّن لا مقام له.

فرات الكوفي

تفسير : {لئن أشركت ليحبطن عملك 65} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر [عليه السلام. أ] في قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} قال: لئن أشركت بولاية علي ليحبطن عملك.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي أوحيَ اليك والى الأنبياء قبلك هذا الكلام أي الى كل نبي ولذلك أفرد التاء وضميري عملك وتكون كما تقول (كسوت الزيدين جبة) أي كسوت كل واحد جبة غير جبة الآخر وكذلك قوله للنبي (لئن أشركت) غير قوله لآخر {لئن أشركت} أو المراد هذا الكلام كررته لهم أو متضمنة ولاتفاقه أعتبر واحداً كما تقول (كسوتهم جبة) وأنت تريد لبسها لواحد بعد واحد أو لئن أشركت الخ عائد الى قوله (اليك) ويقدر آخر لقوله الذين ويجمع أي (لئن أشركتم) الخ والخطاب للرسل لفظاً وللأمم معنى فهو تعريض بها لان الرسل لا يشركون وفائدة خطاب الرسل بذلك تهييجهم واقناط الكفار وتعظيم أمر الشرك والا فشركهم محال وكثيراً ما يفرض المحال لغرض. وقال الزمخشرى: (أية : يكون غير مبال كقوله: (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) تفسير : يعنى على سبيل الالجاء لكن وجد الصارف واطلاق الاحباط من خصائصهم لان شركهم أقبح وحاشاهم عن الكبائر فلو أمكن وصدر منهم حبط ما مضى عملهم فلا يمهلون بعد الردة ولو تابوا ومقيد بعدم التوبة فاذا تابوا قبل وكذا من جعل كبيرة فانه ان كان سعيداً يوفقه الله للتوبة ويقبل حسناته السابقات واللاحقات كلها ويثيبه على مافي حال فسقه أو قبله من الحسنات وفي المرتد زلة يعيد ما مضى من فرائضه بعد غسل ثيابه وجسده ولو رجع في حينه الى الاسلام وقيل يعيد الحج فقط وقيل ان كانت شروطه حين الرجوع وقيل لا يعيد شيئاً والراجح عندنا بطلان عمل المرتد فلا يثاب عليه ولو رجع بدليل الآية وأما من يرتد منكم عن دينه فالآية فالاحباط مرتب على الردة ودخول النار مرتب على الموت وجعل بعضنا المرتد عمداً والمرتد زلة سواء والبسط في غير السورة وعطف الكون من الخاسرين على احباط العمل عطف المسبب ولازم على سبب وملزوم واللام الأولى مشعرة بقسم محذوف والثانية للتأكيد واقعة في جوابه والثالثة مثلها لعطف جملتها على جملة الثانية و (يحبط) مفتوح الياء والباء وقرئ مضموم الياء مكسور الباء ونصب العمل أي ليحبطن الله والشرك وبضم الياء وفتح الباء و (العمل) نائب وبنون ونصب العمل.

اطفيش

تفسير : {ولَقَد أوحِيَ إليْك وإلى الَّذينَ} الأنبياء الذين {من قبْلكَ لَئن أشركْتَ} بالله شيئا ما ولوا بالتمسح على ضم {لَيَحْبطنَّ عَملُك ولتكونَنَّ مِن الخاسِرِين} المقصود هذا اللفظ وهو قولك: {لئن أشركْتَ} الخ وهو نائب فاعل أوحى، وذلك جائز اجماعا، وانما المختلف فيه نيابة الجملة باقية على معناها، لا مرادا بها اللفظ، ولم يقل: لئن أشركتم ليحبطن عملكم ولتكونن بضم هذه النون، لأنه أوحى الى كل نبى على حدة، لئن أشركت ليحبطن عملك الخ بالافراد، وهذا أولى من أن يجعل لئن أشركت ليحبطن عملك الخ، مختصا بالنبى صلى الله عليه وسلم، مرادا اللفظ، ويقدر لهم لئن أشركتم ليحبطن عملكم ولتكونن من الخاسرين بضم النون الأولى من تكونن مرادا به اللفظ. ويجوز أن يكون نائب الفاعل اليك أى وهذا أوحى اليك والى الذين من قبلك بالتوحيد، واستأنف له صلى الله عليه وسلم وحده قوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك} الخ فيكون مرادا به المعنى لا اللفظ، ويكون ما بعده حجة وبرهانا ولا ضعف فى ذلك كما قيل، والأنبياء لا يتصور منهم اشراك، وانما ذلك تهييج له صلى الله عليه وسلم، واقناط للكفرة من أن يتبعهم فى شىء من الكفر.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ } أي من الرسل عليهم السلام {لَئِنْ أَشْرَكْتَ } أي بالله تعالى شيئاً ما {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } الظاهر أن جملة {لَئِنْ } الخ نائب فاعل {أُوْحِيَ} لكن قيل في الكلام حذف والأصل أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك الخ، وإلى الذين من قبك مثل ذلك، وقيل: لا حذف. وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد منه صلى الله عليه وسلم والمرسلين الموحى إليهم فإنه أوحى لكل {لَئِنْ أَشْرَكْتَ } الخ بالإفراد، وذهب البصريون إلى أن الجمل لا تكون فاعلة فلا تقوم مقام الفاعل، ففي «البحر» أن {إِلَيْكَ } حينئذ نائب الفاعل، والمعنى كما قال مقاتل أوحي إليك وإلى الذين / من قبلك بالتوحيد، وقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ } الخ استئناف خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم خاصة وهو كما ترى. وأياً ما كان فهو كلام على سبيل الفرض لتهييج المخاطب المعصوم وإقناط الكفرة والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يباشره فكيف بمن عداه، فالاستدلال بالآية على جواز صدور الكبائر من الأنبياء عليهم السلام كما في «المواقف» ليس بشيء، فاحتمال الوقوع فرضاً كاف في الشرطية لكن ينبغي أن يعلم أن استحالة الوقوع شرعية. ولاما {لَقَدِ} و {لَئِنِ} موطئتان للقسم واللامان بعد للجواب. وفي عدم تقييد الإحباط بالاستمرار على الإشراك إلى الموت دليل للحنفية الذاهبين إلى أن الردة تحبط الأعمال التي قبلها مطلقاً. نعم قالوا: لا يقضي منها بعد الرجوع إلى الإسلام إلا الحج، ومذهب الشافعي أن الردة لا تحبط العمل السابق عليها ما لم يستمر المرتد على الكفر إلى الموت، وترك التقييد هنا اعتماداً على التصريح به في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ وَأُوْلٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا }تفسير : [البقرة: 217] ويكون ذلك من حمل المطلق على المقيد. وأجاب بعض الحنفية بأن في الآية المذكورة توزيعاً {فَأُوْلٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } ناظر إلى الارتداد عن الدين {وَأُوْلٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } الخ ناظر إلى الموت على الكفر فلا مقيد ليحمل المطلق عليه. ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في الصحابـي إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أو قبلها ولم يره هل يقال له: صحابـي أم لا؟ فمن ذهب إلى الإطلاق قال لا ومن ذهب إلى التقييد قال: نعم. وقيل: يجوز أن يكون الإحباط مطلقاً من خصائص النبـي عليه الصلاة والسلام إذ شركه وحاشاه أقبح، وفيه ضعف لأن الغرض تحذير أمته وتصوير فظاعة الكفر فتقدير أمر يختص به لا يتعدى من النبـي إلى الأمة لا اتجاه له مع أنه لا مستند له من نقل أو عقل. والمراد بالخسران على مذهب الحنفية ما لزم من حبط العمل فكأن الظاهر ـ فتكون ـ إلا أنه عدل إلى ما في النظم الجليل للإشعار بأن كلاً من الإحباط والخسران يستقل في الزجر عن الإشراك، وقيل: الخلود في النار فيلزم التقييد بالموت كما هو عند الشافعي عليه الرحمة. وقرىء {ليحبطن } من أحبط {عملك } بالنصب أي ليحبطن الله تعالى أو الإشراك عملك، وقرىء بالنون ونصب {عملك } أيضاً.

ابن عاشور

تفسير : تأييد لأمره بأن يقول للمشركين تلكَ المقالة مقالةً إنكار أن يطمعوا منه في عبادة الله، بأنه قول استحقوا أن يُرمَوا بغلظته لأنهم جاهلون بالأدلة وجاهلون بنفس الرسول وزكائها. وأعقب بأنهم جاهلون بأن التوحيد هو سنة الأنبياء وأنهم لا يتطرق الإِشراك حوالي قلوبهم، فالمقصود الأهم من هذا الخبر التعريض بالمشركين إذ حاولوا النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتراف بإلٰهية أصنامهم. والواو عاطفة على جملة {أية : قُلْ}تفسير : [الزمر: 64]. وتأكيدُ الخبر بلام القسم وبحرف (قد) تأكيد لما فيه من التعريض للمشركين. والوحي: الإِعلام من الله بواسطة الملَك. والذين من قبله هم الأنبياء والمرسلون. فالمراد القبلية في صفة النبوءة فـ {الذين من قبلك} مراد به الأنبياء. وجملة {لئن أشركت ليحبطن عملك} مبيّنة لمعنى أُوحي كقوله تعالى: {أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد}تفسير : [طه: 120]. والتاء في {أشْرَكت} تاء الخطاب لِكل من أوحي إليه بمضمون هذه الجملة من الأنبياء فتكون الجملة بياناً لما أوحي إليه وإلى الذين من قبله. ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فتكون الجملة بياناً لجملة {أُوحِي إليك}، ويكون {وإلى الذين من قبلِكَ} اعتراضاً لأن البيان تابع للمبين عمومه ونحوه. وأيًّا مَّا كان فالمقصود بالخطاب تعريض بقومِ الذي أوحى إليه لأن فرض إشراك النبي صلى الله عليه وسلم غير متوقَّع. واللام في {لَئِن أشركت} موطئة للقسم المحذوف دالة عليه، واللام في {لَيَحْبَطن} لام جواب القسم. والحَبط: البطلان والدحض، حَبِط عملُه: ذهب باطلاً. والمراد بالعمل هنا: العملَ الصالح الذي يرجى منه الجزاء الحسن الأبدي. ومعنى حَبطه: أن يكون لغواً غير مُجازى عليه. وتقدم حكم الإِشراك بعد الإِيمان، وحكم رجوع ثواب العمل لصاحبه إن عاد إلى الإِيمان بعد أن أَبطل إيمانه عند قوله تعالى: {أية : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمتْ وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم}تفسير : في سورة [البقرة: 217]. ثم عطف عليه أن صاحب الإشراك من الخاسرين، شبه حاله حينئذٍ بحال التاجر الذي أخرج مالاً ليربح فيه زيادةَ مال فعاد وقد ذهب ماله الذي كان بيده أو أكثرُه، فالكلامُ تمثيل لحال من أشرك بعد التوحيد فإن الإِشراك قد طلب به مبتكروه زيادة القرب من الله إذ قالوا: {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}تفسير : [الزمر: 3] {أية : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه}تفسير : [يونس: 18] فكان حالهم كحال التاجر الذي طلب الزيادة على ما عنده من المال ولكنه طلب الربح من غير بابه، فباء بخسرانه وتبابه. وفي تقدير فرض وقوع الإشراك من الرسول والذين مَن قبله مع تحقق عصمتهم التنبيهُ على عظم أمر التوحيد وخطر الإشراك ليعلم الناس أن أعلى الدرجات في الفضل لو فرض أن يأتي عليها الإِشراك لما أبقى منها أثراً ولدحضها دحضاً. و {بل} لإِبطال مضمون جملة {لئِن أشركت} أي بل لا تشرك، أو لإِبطال مضمون جملة {أفغير الله تأمروني أعبُدُ}. والفاء في قوله: {فاعبد} يظهر أنها تفريع على التحذير من حبط العملِ ومن الخسران فحصل باجتماع {بَل} والفاء، في صدر الجملة، أَنْ جمعت غرضين: غرضِ إبطال كلامهم، وغرضِ التحذير من أحوالهم، وهذا وجه رشيق. ومقتضى كلام سيبويه: أن الفاء مفرِّعة على فعل أمر محذوف يقدر بحسب المقام، وتقديره: تَنبَّه فاعْبُد الله (أي تنبه لمكرهم ولا تغترِرْ بما أمروك أن تعبد غير الله) فحذف فعل الأمر اختصاراً فلما حذف استنكر الابتداء بالفاء فقدموا مفعول الفعل الموالي لها فكانت الفاء متوسطة كما هو شأنها في نسج الكلام وحصل مع ذلك التقديمِ حصرٌ. وجعل الزمخشري والزجاج الفاء جزاءية دالة على شرط مقدر (أي يدل عليه السِياق، تقديره: إن كنت عاقلاً) مقابل قوله: {أية : أيها الجاهلون} تفسير : [الزمر: 64] فاعبد الله، فلما حذف الشرط (أي إيجازاً) عوض عنه تقديم المفعول وهو قريب من كلام سيبويه. وعن الكسائي والفراء الفاء مؤذنة بفعل قبلها يدل عليه الفعل الموالي لها، والتقدير: الله أعبُدْ فاعْبُد، فلما حذف الفعل الأول حذف مفعول الفعل الملفوظ به للاستغناء عنه بمفعول الفعل المحذوف. وتقديم المعمول على {فاعبد} لإِفادة القصر، كما تقدم في قوله: {أية : قل اللَّه أعبد}تفسير : في هذه السورة [14]، أي أعبد الله لا غيره، وهذا في مقام الرد على المشركين كما تضمنه قوله:{أية : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون}تفسير : [الزمر: 64]. والشكر هنا: العمل الصالح لأنه عطف على إفراد الله تعالى بالعبادة فقد تمحض معنى الشكر هنا للعمل الذي يُرضي الله تعالى والقول عموم الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ولمن قبله أو في خصوصه بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقاس عليه الأنبياء كالقول في {لئِن أشركت ليحبطن عملك}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} الآية. قد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنعام: 88]. وقد ذكرنا في سورة المائدة الآية المتضمنة للقيد الذي لم يذكر في هذه الآيات على قوله تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} تفسير : [المائدة: 5] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِنْ} {ٱلْخَاسِرِينَ} (65) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ مِنَ الشِّرْكِ عَلَى لِسَانِ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ، وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيم: لَقَدْ أَوْحَى اللهُ إِلَيكَ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ مِنْكَ إِشْرَاكٌ بِهِ بِعِبَادَةِ الأَصْنَامِ أَوِ الأَوْثَانِ لَيَبْطُلَنَّ عَمَلُكَ جَمِيعُهُ، وَكُلُّ مَا فَعَلْتَهُ مِنْ أَفْعَالِ الخَيْرِ والبِرِّ (كَصِلَةِ الرَّحمِ، وَبِرِّ الفُقَرَاءِ.. الخ)، وَلَتَكُونَّن مِنَ الخَاسِرِينَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَهَذَا مَا أَوْحَاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ والرُّسُلِ. لَيَحْبَطَنَّ - لَيَهْلِكَنَّ وَلَيَبْطُلَنَّ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} الذي عملته قبل الشرك. وقال أهل الإشارة: معناه لئن طالعت غيري في السر ليحبطن عملك. {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} ثم دَلّه على التوحيد فقال عز من قائل: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} لله تعالى على نعمة الايمان {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} حين أشركوا به غيره، ثم خبر عن عظمته فقال {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} أيّ ملكه {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بلا مانع ولا منازع ولا مدّع، وهي اليوم أيضاً ملكه، ونظيره قوله تعالى: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}تفسير : [الفاتحة: 4] و و{أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [غافر: 16]. قال الأخفش: هذا كما يقال خراسان في قبض فلان، ليس أنها في كفّه وإنما معناه ملكه. {وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} للطي معان منها: الإدراج كطي القرطاس والثوب بيانه يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب، ومنه الإخفاء كما تقول: طويت فلاناً عن الأعين، وأطو هذا الحديث عني أي استره. ومنه: الإعراض يقال: طويت عن فلان أو أعرضت عنه. ومنه: الافناء، تقول العرب: طويت فلاناً بسيفي، أي أفنيته. وقراءة العامة: مطويات بالرفع. وقرأ عيسى بن عمر: بالكسر ومحلها النصب على الحال والقطع، وإنما يذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار. وقيل: هو معنى القوة، كقول الشاعر: شعر : تلقاها عرابة باليمين تفسير : وقيل: اليمين بمعنى القسم، لأنه حلف أنه يطويها ويفنيها. وهو اختيار علي بن مهدي الطبري قال: معناه مضنيات بقسمه. حكى لي أُستاذنا أبو القاسم بن حبيب عنه ثم نزه نفسه، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم أتى ذاكر بعض ما ورد من الآثار في تفسير هذه الآية. أخبرنا عبد الله بن حامد بقرائتي عليه حدثنا محمّد بن جعفر المطري حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا ابن فضيل حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم ان الله يمسك السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول هكذا بيده. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: "وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ". وأنبأني عبد الله بن حامد أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا العبّاس بن الفضل الاسقاطي حدثنا أحمد بن يونس حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبيد الله قال: جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمّد أو يا أبا القاسم ان الله يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، يهززهن فيقول: أنا الملك أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجباً ممّا قال الحبر تصديقاً له، ثم قرأ {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَة}. أخبرنا أحمد بن محمّد بن يوسف القصري بها أخبرنا إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل ببغداد حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا محمّد بن صالح الواسطي عن سليمان بن محمّد عن عمر بن نافع عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على هذا المنبر يعني منبر رسول الله (عليه السلام) وهو يحكي عن ربّه تبارك وتعالى فقال: "حديث : إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السماوات والأرضين السبع في قبضته ثم قال هكذا وشد قبضته ثم بسطها ثم يقول: أنا الله، أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدُّنيا ولم يك شيئاً، أنا الذي اعدتها، أين الملوك أين الجبابرة ". تفسير : أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا عبد الله بن الفضل حدثنا هدية ابن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "حديث : فيمجّد الله نفسه، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا العزيز، أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون ". تفسير : قال: فرجف المنبر حتّى قلنا ليتحركنَّ به، وقيل: ليخرنَّ به. أخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا عمر عن عبد الله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أُسامة عن عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله حدثني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون ". تفسير : أخبرنا عبد الله بن حامد إجازة أخبرنا محمّد بن الحسين حدثنا محمّد بن جعونة أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني عن سعيد بن ثوبان الكلاعي عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم" حديث : أنه أتاه حبر من أحبار اليهود فقال: إني سائلك عن أشياء فخبّرني بها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اسأل ذلك". فقال الحبر: أرأيت قول الله تعالى في كتابه: (يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات) فأين الخلق عند ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هم أضياف الله تعالى فلن يعجزهم ما لديه". فقال الحبر: فقوله سبحانه وتعالى: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} فأين الخلق عند ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هم فيها كالرقيم في الكتاب ". تفسير : وقال ابن عبّاس: في هذه الآية كل ذلك يمينه، وليس في يده الأُخرى شيء، وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه، وما السماوات والأرضون السبع في يدي الله تعالى إلاّ كخردلة في يد أحدكم. أنبأني عقيل بن أحمد: أن المعافا بن زكريا أخبره عن محمّد بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة حدثني ابن إسحاق عن محمّد عن سعيد قال: اتى رهط من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمّد هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتّى انتقع لونه ثم ساورهم غضباً لربّه فجاءه جبرئيل(عليه السلام)فسكنه وقال: اخفض عليك جناحك وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه، قال يقول الله: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1-4]. فلما تلاها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: صف لنا ربك كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول ثم ساورهم فجاءه جبرئيل فقال: مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} الآية. وقال مجاهد: وكلتا يدي الرحمن يمين. أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد الأصبهاني أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق أخبرنا بشير بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرنا عمرو بن أوس الثقفي: أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من منابر النور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ". تفسير : وقال الحسين بن الفضل والأخفش معنى الآية {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً... وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ} أي مضبوطات مربوطات بيمينه، أي بقدرته وهي كلها في ملكه وقبضته، نحو قوله تعالى: {أية : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}تفسير : [النساء: 36] أي وما كانت لكم قدرة، وليس الملك لليمين دون سائر الجسد والله أعلم. {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}. أخبرنا أبو محمّد الحسين بن أحمد المخلدي إملاء وقراءة أخبرنا عبد الله بن محمّد بن مسلم حدثنا أحمد بن محمّد بن أبي رجاء المصيصي حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن سليمان التيمي عن أسلم العجلي عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور. فقال: "حديث : قرن ينفخ فيه ". تفسير : {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} أيّ ماتوا وهي النفخة الثانية {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} اختلفوا في الذين استثناهم الله تعالى. أخبرنا أبو علي الحسين بن محمّد بن محمّد الروذبادي حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمّد ابن عبد الرحيم الشروطي حدثنا عبدان بن عبد الله بن أحمد حدثنا محمّد بن مصفي حدثنا بقية عن محمّد عن عمرو بن محمّد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبرئيل عن هذه الآية {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}: "حديث : من أُولئك الذين لم يشاء الله أن يصعقهم؟». فقال: هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش ". تفسير : أخبرنا الحسين بن فنجويه بقرائتي عليه حدثنا أبو علي بن حبش المقريء قال: قرأ عليّ أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي وأنا أسمع حدثنا يحيى بن معين حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمّد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبرئيل (عليهما السلام) عن هذه الآية {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}:"حديث : من الذين لم يشاء الله تعالى أن يصعقهم؟. قال: هم الشهداء متقلدون حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت أزمتها الدرّ برحائل السندس والإستبرق نمارها ألين من الحرير، مدَّ خطاها مدَّ أبصار الرجال يسيرون في الجنّة يقولون عند طول البرهة: انطلقوا إلى ربنا لننظر كيف يقضي بين خلقه، فيضحك إليهم إلهي عزّ وجلّ، فإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه ". تفسير : أخبرنا ابن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الحسن بن يحيويه حدثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالاً: حدثنا محمّد بن يوسف الفربابي حدثنا سليمان بن حيان عن محمّد بن إسحاق عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: تلا رسول الله (عليه السلام) {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} قالوا: يارسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله تعالى؟ قال:" حديث : هو جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت قال: فيقول ياملك الموت خذ نفس اسرافيل. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربّي وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وميكائيل وملك الموت. فيقول: ياملك الموت خذ نفس ميكائيل. فياخذ نفس ميكائيل فيقع كالطود العظيم. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربّي تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وملك الموت. فيقول: مُت ياملك الموت فيموت. فيقول: ياجبرئيل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبرئيل الميت الفاني قال: فيقول: يا جبرئيل لابدّ من موتك، فيقع ساجداً يخفق بجناحيه فيقول: سبحانك ربّي تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الضرب من الضراب ". تفسير : أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن جعفر حدثنا حاجب بن أحمد بن يرحم حدثنا محمّد بن حماد حدثنا محمّد بن الفضيل عن سليمان التيمي عن أبي نصرة عن جابر في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} قال: موسى ممّن استثنى الله تعالى، وذلك بأنه قد صعق مرة. يدل عليه ما أخبرنا عقيل بن أحمد: أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمّد بن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمّد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال يهودي بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، قال: فرفع رجل من الأنصار يده فصك بها وجهه فقال: تقول هذا وفينا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} فاكون أنا أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممّن استثنى الله تعالى ". تفسير : وقال كعب الأحبار: هم إثنا عشر، حملت العرش وجبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. الضحاك: هم رضوان والحور ومالك والزبانية. قتادة: الله أعلم بثنياه. الحسن: (إلاّ من شاء الله) يعني الله وحده. وقيل: عقارب النار وحياتها، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ} أي في الصور {أُخْرَىٰ} مرة أُخرى {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} من قبورهم {يَنظُرُونَ} يعني ينظرون إلى البعث. وقيل: ينتظرون أمر الله تعالى فيهم. قالت العلماء: ووجه النفخ في الصور أنه علامة جعلها الله تعالى ليتصوّر بها العاقل وأخذ الأمر، ثم تجديد الخلق. {وَأَشْرَقَتِ} وأضاءت {ٱلأَرْضُ}. وقرأ عبيد بن عمير: (وأشرقت) على لفظ ما لم يُسم فاعله كأنها جعلت مضيئة. {بِنُورِ رَبِّهَا} قال أكثر المفسرين: بضوء ربّها، وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه فما يتضارون في نوره إلاّ كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه. وقال الضحاك: بحكم ربّها. وقال السدي: بعدل ربّها. ويقال: إن الله تعالى خلق في القيامة نوراً يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به، ويقال: ان الله يتجلى للملائكة فتشرق الأرض بنوره، وأراد بالأرض عرصات القيامة. {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ}. قال ابن عبّاس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة. وقال السدي: الذين استشهدوا في طاعة الله. وقيل: هم الحفظة، يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ}تفسير : [ق: 21]. {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ} سوقاً عنيفاً يسحبون على وجوههم {إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} أفواجاً بعضها على أثر بعض، كل أمة على حدة. وقال أبو عبيد والأخفش: يعني جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} السبعة وكانت قبل ذلك مغلقة. واختلف القراء في قوله: (فتِحت) و(فتّحت) فخففها أهل الكوفة، وشددهما الآخرون على التكثير. {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} توبيخاً وتقريعاً لهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ} وجبت {كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} وهي قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود : 119]. {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ * قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ * وَسِيقَ ٱلَّذِينَ} وحشر الذين {ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ} فأطاعوه ولم يشركوا به {إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} ركباناً {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ} الواو فيه واو الحال ومجازه وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو هاهنا لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها من الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، ويقال: زيدت الواو هاهنا، لأن أبواب الجنّة ثمانية وأبواب الجحيم سبعة، فزيدت الواو هاهنا فرقاً بينهما. حكى شيخنا عبد الله بن حامد عن أبي بكر بن عبدش أنها تُسمى واو ثمانية. قال: وذلك أن من عادة قريش أنهم يعدون العدد من الواحد إلى الثمانية، فإذا بلغوا الثمانية زادوا فيها واواً فيقولون: خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، يدل عليه قول الله تعالى: {أية : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً}تفسير : [الحاقة: 7] وقال سبحانه: {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ}تفسير : [التوبة: 112]، فلما بلغ الثامن من الأوصاف قال {أية : وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ}تفسير : [التوبة: 112]، وقال سبحانه وتعالى: {أية : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}تفسير : [الكهف: 22]، وقال تعالى: {أية : ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً}تفسير : [التحريم: 5]. وقيل: زيادة الواو في صفة الجنّة علامة لزيادة رحمة الله على غضبه وعقوبته. {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} قال قتادة فإذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنّة والنار، فيقتص بعضهم من بعض، حتّى إذا هدؤا واطمئنوا قال لهم رضوان وأصحابه: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. أخبرنا أبو صالح شعيب بن محمّد البيهقي أخبرنا أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر السليطي حدثنا روح بن عبادة القيسي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه: أنه سُئل عن هذه الآية {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} الآية. فقال: سيقودهم إلى أبواب الجنّة حتّى إذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة تخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى احديهما فتطهروا فيها فجرت عليهم بنضرة النعيم، فلن تغير أجسادهم بعدها أبداً ولن تشعث أشعارهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى الأُخرى فشربوا منها فأذهبت مافي بطونهم من أذىً أو قذىً، وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنّة: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، ويلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم إذا جاء من الغيبة يقولون: ابشر قد أعدّ الله لك كذا وكذا وأعد لك كذا وكذا، وينطلق غلام من غلمانه يسعى إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان باسمه في الدُّنيا قد قدم. فيقلنّ: أنت رأيته؟ فيقول: نعم. فيستخفهن الفرح حتّى يخرجن إلى أسكفة الباب ويجيء ويدخل، فإذا سرر موضونة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أُسس على جندل اللؤلؤ بين أخضر وأحمر وأبيض وأصفر من كل لون، ثم يتكيء على أريكة من أرائكه، ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله تعالى قدر له لألمّ أن يذهب بصره، أنه مثل البرق فيقول: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ}تفسير : [الأعراف: 43] قال: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف: 43]. واختلف أهل العربية في جواب قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا}. فقال بعضهم: جوابه: (فتحت) والواو فيه [مثبتة] مجازها حتّى إذا جاؤها فتحت أبوابها كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً}تفسير : [الأنبياء: 48] أي ضياء. وقيل: جوابه: قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} والواو فيه ملغاة تقديره: حتّى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها. كقول الشاعر: شعر : فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلاّ توهم حالم بخيالِ تفسير : أراد فإذا ذلك لم يكن. وقال بعضهم: جوابه مضمر ومعنى الكلام: حتّى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، فدخلوها. {وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ} قال أبو عبيدة: جوابه محذوف مكفوف عن خبره، والعرب تفعل هذا لدلالة الكلام عليه. قال الأخطل في آخر قصيدة له: شعر : خلا أن حياً من قريش تفضلوا على الناس أو ان الأكارم نهشلاً تفسير : وقال عبد مناف بن ربيع في آخر قصيدة: شعر : حتّى إذا أسلكوهم في قتائده شلاء كما تطرد الجمالة الشردا تفسير : {وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} يعني أرض الجنّة، وهو قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 105]. {نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} ثواب المطيعين {وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ} محدقين محيطين {مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} ودخول (من) للتوكيد {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} متلذذين بذلك لامتعبدين به، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} أي بين أهل الجنّة والنار بالحق {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. أخبرنا أبو صالح شعيب بن محمّد البيهقي الفقيه أخبرنا مكي بن عبدان أخبرنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر حدثنا روح بن عبادة حدثنا سعيد عن قتادة في هذه الآية قال: فتح أول الخلق بالحمد وقال {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمّد بن عبد الكريم الفزاري حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الرحمن بن عثمان عن عبادة بن ميسرة عن محمّد بن المنكدر عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر آخر سورة الزمر فتحرك المنبر مرتين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية تبين علة الاستفهام والتعجب في: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ}تفسير : [الزمر: 64] يعني: كيف تأمرونني بذلك، وأنا الرسول المؤتَمن على الدين والوحي، وقد أوحى الله إليَّ وإلى الذين من قبلي {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] هذه علَّة تجهيلهم في قولهم لرسول الله: نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة. ومعنى {وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} [الزمر: 65] أي: الرسل السابقين، لأن كل واحد منهم قُوبل بهذه القضية، لكن هل يُعقل من الرسل أنْ يشركوا بالله؟ قالوا: هذا فَرْض، يعني: لو فرضنا ذلك فسيكون هذا جزاءهم، فهي أشبه بقولهم: (إياك أعني واسمعي يا جارة) فإذا كان هذا الوعيد مُوجَّهاً إلى الرسل فهو مُوجَّه من باب أَوْلَى إلى العامة. قال بعض العلماء في هذه الآية {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} [الزمر: 65] أنت تتكلم هنا عن عصمة الرسل، لكن هذه العصمة بقدر الله، وقدر الله لا يملكه أحد، ألم يَقُلْ رسولٌ من الرسل: {أية : قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ..} تفسير : [الأعراف: 89]. فالمعنى أنه أعطى للقدرة طلاقة أنْ تفعل ما تريده، وإنْ كان هذا لا يحدث. ومضمون الوحي إليك وإلى الذين من قبلك: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] لكن الآية جعلت الموحَى إليهم في جانب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب، فخصَّ اللهُ رسوله بالخطاب في {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} [الزمر: 65] والخطاب لرسول الله دلَّ على أنه مُوجَّه أيضاً إلى الرسل السابقين. ومعنى {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] يفسد ويضيع بلا جدوى {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] نعرف في التجارة أن الخسارة هي أنْ يقلَّ رأس المال ذاته، فالتاجر حين لا يربح زيادة على رأس المال لا يُسمَّى خاسراً ما دام سَلِم له رأس ماله. كذلك المؤمن، رأس ماله في تجارته مع الله إيمانه وعمله الصالح، فربُّك خلقك من عَدَم وأمدَّك من عُدم، وأرسل لك رسلاً وأنزل لك كتباً، فجعل لك بذلك صفقة رابحة معه سبحانه، وعليك أنت أيها المؤمن أنْ تستغلَّ هذه الفرصة لتربح مع الله، لأن العمل الذي تعمله في الدنيا عملٌ موقوت بحياتك وعمرك في الدنيا. أما الجزاء على العمل ففي الآخرة وهي غير موقوتة، بل دائمة باقية، وهنا تكمن مَيْزة التجارة مع الله؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64].