Verse. 4125 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَمَا قَدَرُوا اللہَ حَقَّ قَدْرِہٖ۝۰ۤۖ وَالْاَرْضُ جَمِيْعًا قَبْضَتُہٗ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ وَالسَّمٰوٰتُ مَطْوِيّٰتٌۢ بِيَمِيْنِہٖ۝۰ۭ سُبْحٰنَہٗ وَتَعٰلٰى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ۝۶۷
Wama qadaroo Allaha haqqa qadrihi waalardu jameeAAan qabdatuhu yawma alqiyamati waalssamawatu matwiyyatun biyameenihi subhanahu wataAAala AAamma yushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما قدروا الله حق قدره» ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره «والأرض جميعا» حال: أي السبع «قبضته» أي مقبوضة له: أي في ملكه وتصرفه «يوم القيامة والسماوات مطويات» مجموعات «بيمينه» بقدرته «سبحانه وتعالى عما يشركون» معه.

67

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد شيئاً آخر سواه، بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له المعبودية، فقال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون حقيقة الله، قالوا لأن قوله {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا الله حق قدره وصف المؤمنين بذلك، فسقط هذا الكلام. المسألة الثانية: قوله {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عظموه حق تعظيمه، وهذه الآية مذكورة في سور ثلاث، في سورة الأنعام، وفي سورة الحج، وفي هذه السورة. واعلم أنه تعالى لما بين أنهم ما عظموه تعظيماً لائقاً به أردفه بما يدل على كمال عظمته ونهاية جلالته، فقال: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } قال القفال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } كقول القائل وما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت كذا وكذا، أي لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت، فوجب أن لا تحطني عن قدري ومنزلتي، ونظيره قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] أي كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه فكذا ههنا، والمعنى {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } إذ زعموا أن له شركاء وأنه لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض والسموات في قبضته وقدرته، قال صاحب «الكشاف» الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، وكذلك ما روي أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً مما قال، قال صاحب «الكشاف» وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه، قال ولا نرى باباً في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، فيقال له هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع، فحينئذ يجب حمله على المجاز، فإن أنكر هذا الأصل فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يقول المقصود من الآية الفلانية كذا وكذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود، ولا ألتفت إلى الظواهر، مثاله من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار، قال المقصود بيان سعادات المطيعين وشقاوة المذنبين، وأنا أحمل هذه الآيات على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية، ومن تمسك بالآيات الواردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر الله، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال المخصوصة، وإذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية والفروعية، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية والفروعية، وذلك باطل قطعاً، وأما إن سلم أن الأصل في علم القرآن أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته، فإن قام دليل منفصل على أنه يتعذر حمله على حقيقته، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين، فنقول ههنا لفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات، ثم تبين بالدليل أن المعنى الفلاني يصح جعله مجازاً عن تلك الحقيقة، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره، وإذا ثبتت هذه المقدمات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب بطريقة جديدة وكلام غريب، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق، فثبت أن الفرح الذي أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد، دال على قلة وقوفه على المعاني، ولنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره. قال تعالى: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المعارج: 30] والمراد منه كونه مملوكاً له، ويقال هذه الدار في يد فلان، وفلان صاحب اليد، والمراد من الكل القدرة، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته، ولا يريدون إلا خلوص ملكه، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صوناً لهذه النصوص عن التعطيل، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب، ولنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان، سميناه بتأسيس التقديس، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه. المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية قوله {وٱلأَرْضِ } المراد منه الأرضون السبع، ويدل عليه وجوه الأول: قوله {جَمِيعاً } فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ }تفسير : [آل عمران: 93] وقوله تعالى: {أية : أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاء }تفسير : [النور: 31] وقوله تعالى: {أية : وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ }تفسير : [ق: 10] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ }تفسير : [العصر: 2، 3] فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا ههنا والثاني: أنه قال بعده {وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ } فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون الثالث: أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة، وأما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض، قال تعالى: {أية : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ } تفسير : [طه: 96] والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف، ويقال أيضاً أعطني قبضة من كذا، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، والمعنى والأرضون جميعاً قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته، أما إذا أُريد معنى القبضة، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب، قلنا جعل القبضة ظرفاً وقوله {مَطْوِيَّـٰتٌ } من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء كَطَىّ ٱلسّجِلّ } تفسير : [الأنبياء: 104] وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، ثم قال صاحب الكشاف: وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجوه ركيكة، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جداً، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفل، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره؟ مع أنه وقع في التأويلات العسر والكلمات الركيكة، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد، بل نفوض علمه إلى الله تعالى، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء، فأما تعيين المراد، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلاً، والله أعلم. واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب في وصف عظمته تنزّه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه الأول: أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع، ثم إنه قال في صفة العرش {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17] وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم، فكيف يجوز تقدير عظمة الله بكونه حاملاً للسموات والأرض؟ السؤال الثاني: أن قوله {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة، والقوم ما شاهدوا ذلك، فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء الله تعالى، فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم، وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوّة وهم ينكرون قوله {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ السؤال الثالث: حاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة، وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة الله فكذلك الآن، فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ الجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. الجواب عن الثاني: أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السموات والأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت، وهو المتولي بتخريبها وإفنائها في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام، وتنبيه أيضاً على كونه غنياً على الإطلاق، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها، وذلك يدل على كمال الاستغناء. الجواب عن الثالث: أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا، والله أعلم. واعلم أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضاً على كمال قدرته وعظمته، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } واختلفوا في الصعقة، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام {أية : وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } تفسير : [الأعراف: 143] مع أنه لم يمت، فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد، وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد، وهو المذكور في سورة النمل في قوله {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. والقول الثاني: أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها: نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النمل والثانية: نفخة الصعق والثالثة: نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة. وأما قوله {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } ففيه وجوه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: عند نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يميت الله ميكائيل وإسرافيل ويبقي جبريل وملك الموت ثم يميت جبريل. والقول الثاني: أنهم هم الشهداء لقوله تعالى: {أية : بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران: 169] وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش». تفسير : القول الثالث: قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانياً. القول الرابع: أنهم الحور العين وسكان العرش والكرسي. والقول الخامس: قال قتادة الله أعلم بأنهم من هم، وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } وفيه أبحاث: الأول: لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى، لأن لفظ {ثُمَّ } يفيد التراخي، قال الحسن رحمه الله القرآن دل على أن هذه النفخة الأولى، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن بينهما أربعين» تفسير : ولا أدري أربعون يوماً أو شهراً أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة. الثاني: قوله {أُخْرَىٰ } تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى، وإنما حسن الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة. الثالث: قوله {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ } يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله {فَإِذَا هُم } تدل على التعقيب. الرابع: قوله {يُنظَرُونَ } وفيه وجهان الأول: ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم والثاني: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والخمود في مكان لأجل استيلاء الحيرة والدهشة عليهم. ولما بين الله تعالى هاتين النفختين قال: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن بدليل قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [إبراهيم: 48] وبدليل قوله تعالى: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وٰحِدَةً } تفسير : [الحاقة: 14] بل هي أرض أخرى يخلقها الله تعالى لمحفل يوم القيامة. المسألة الثانية: قالت المجسمة: إن الله تعالى نور محض، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله، وأكدوا هذا بقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النور: 35]. واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه الأول: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نوراً بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور ههنا على العدل، فنحتاج ههنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور ههنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك، وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة» تفسير : وأما بيان أن المراد من النور ههنا العدل فقط أنه قال: {وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء } ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، وأيضاً قال في آخر الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم والوجه الثاني: في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا } يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور الله، كقوله: بيت الله، وناقة الله وهذا الجواب أقوى من الأول، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز. والوجه الثالث: أنه قد قال فلان رب هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكاً من الملوك، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نوراً. المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء: أولها: قوله {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا } وقد سبق الكلام فيه وثانيها: قوله {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ } وفي المراد بالكتاب وجوه الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا إلى وقت قيام القيامة الثاني: المراد كتب الأعمال كما قال تعالى في سورة سبحان {أية : وَكُلَّ إِنْسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُوراً } تفسير : [الإسراء: 13] وقال أيضاً في آية أخرى {أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49] وثالثها: قوله {وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ } والمراد أن يكونوا شهداء على الناس، قال تعالى: {أية : فكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } تفسير : [المائدة: 109] ورابعها: قوله {وَٱلشُّهَدَاء } والمراد ما قاله في {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 143] أو أراد بالشهداء المؤمنين، وقال مقاتل: يعني الحفظة، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } تفسير : [ق: 21] وقيل أراد بالشهداء المستشهدين في سبيل الله، ولما بين الله تعالى أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الحكومات وقطع الخصومات، بيّـن تعالى أنه يوصل إلى كل أحد حقه، وعبّـر تعالى عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها: قوله تعالى: {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقّ } وثانيها: قوله {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } وثالثها: قوله {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } أي وفيت كل نفس جزاء ما عملت، ورابعها: قوله: {وَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } يعني أنه تعالى إذا لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي بالحق لأجل عدم العلم، أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ في ذلك الحكم، فثبت أنه تعالى عبّـر عن هذا المقصود بهذه العبارات المختلفة، والمقصود المبالغة في تقرير أن كل مكلف فإنه يصل إلى حقه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قال المبرد: ما عظّموه حقّ عظمته من قولك فلان عظيم القدر. قال النحاس: والمعنى على هذا وما عظموه حق عظمته إذ عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها. ثم أخبر عن قدرته وعظمته فقال: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}. ثم نزّه نفسه عن أن يكون ذلك بجارحة فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وفي الترمذي عن عبد الله قال: حديث : جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض»تفسير : . وفي الترمذي حديث : عن عائشة: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} قالت قلت فأين الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «على جسر جهنم»تفسير : في رواية «حديث : على الصراط يا عائشة»تفسير : قال: حديث حسن صحيح. وقوله: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} «ويقبض الله الأرض» عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته؛ يقال: ما فلان إلا في قبضتي، بمعنى ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون الأشياء في قبضته يريدون في ملكه وقدرته. وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشيء وإذهابه فقوله جل وعز: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعاً ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد بالأرض الأرضون السبع؛ يشهد لذلك شاهدان: قوله: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً} ولأن الموضع موضع تفخيم وهو مقتضٍ للمبالغة. وقوله: {وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} ليس يريد به طيًّا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب؛ يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره. وانطوى عنا دهر بمعنى المضي والذهاب. واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والملك؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}تفسير : [النساء: 3] يريد به الملك؛ وقال {أية : لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ }تفسير : [الحاقة: 45] أي بالقوّة والقدرة أي لأخذنا قوته وقدرته. قال الفرّاء والمبرد: اليمين القوّة والقدرة. وأنشدا:شعر : إِذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرابةُ بِالْيَمِينِ تفسير : وقال آخر:شعر : ولمّا رَأَيْتُ الشَّمْسَ أَشْرَق نورُها تَناولتُ مِنها حاجتِي بِيَمينِ قتلتُ شُنَيْفاً ثم فارانَ بَعده وكان على الآيات غيرَ أمينِ تفسير : وإنما خص يوم القيامة بالذكر وإن كانت قدرته شاملة لكل شيء أيضاً؛ لأن الدعاوى تنقطع ذلك اليوم؛ كما قال: {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}تفسير : [الانفطار: 91] وقال: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } تفسير : [الفاتحة: 4] حسب ما تقدّم في «الفاتحة» ولذلك قال في الحديث: «حديث : ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض»تفسير : وقد زدنا هذا الباب في «التذكرة» بياناً، وتكلمنا على ذكر الشمال في حديث ابن عمر قوله: «ثم يطوي الأرض بشماله». قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } بين ما يكون بعد قبض الأرض وطيّ السماء وهو النفخ في الصور، وإنما هما نفختان؛ يموت الخلق في الأولى منهما ويحيون في الثانية وقد مضى الكلام في هذا في «النمل» و«الأنعام» أيضاً. والذي ينفخ في الصور هو إسرافيل عليه السلام. وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن صاحبي الصور بأيديهما ـ أو في أيديهما ـ قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران» تفسير : خرجه ابن ماجه في السنن. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الصُّور، وقال: «عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل»تفسير : . واختلف في المستثنى من هم؟ فقيل: هم الشهداء متقلّدين أسيافهم حول العرش. روي مرفوعاً من حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري، ومن حديث عبد الله بن عمر فيما ذكر الثعلبي. وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام. وروي من حديث أنس: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} فقالوا: يا نبيّ الله من هم الذين استثنى الله تعالى؟ قال: «هم جبريل وميكائيل وإسرافيل ومَلَك الموت فيقول الله تعالى لمَلَك الموت يا مَلَك الموت من بقي من خلقي وهو أعلم فيقول يا رب بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف مَلَك الموت فيقول الله تعالى خذ نفس إسرافيل وميكائيل فيخران ميتين كالطودين العظيمين فيقول متّ يا مَلَك الموت فيموت فيقول الله تعالى لجبريل يا جبريل من بقي فيقول تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإِكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني فيقول الله تعالى يا جبريل لا بدّ من موتك فيقع ساجداً يخفق بجناحيه يقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام»تفسير : فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطَّود العظيم على الظَّرِب من الظِّراب»تفسير : ذكره الثعلبي. وذكره النحاس أيضاً من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله جل وعز: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} قال: «جبريل وميكائيل وحملة العرش ومَلَك الموت وإسرافيل» تفسير : وفي هذا الحديث: «حديث : إن آخرهم موتاً جبريل عليه وعليهم السلام» تفسير : وحديث أبي هريرة في الشهداء أصح على ما تقدّم في «النمل». وقال الضحاك: هو رضوان والحور ومالك والزَّبانية. وقيل: عقارب أهل النار وحياتها. وقال الحسن: هو الله الواحد القهار وما يدع أحداً من أهل السماء والأرض إلا أذاقه الموت. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه. وقيل: الاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} يرجع إلى من مات قبل النفخة الأولى؛ أي فيموت من في السموات والأرض إلا من سبق موته؛ لأنهم كانوا قد ماتوا. وفي الصحيحين وابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر؛ فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه؛ قال: تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : قال الله عز وجل: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } فأكون أوّل من رفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمةٍ من قوائم العرش فلا أدري أرَفَع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب»تفسير : وخرجه الترمذي أيضاً وقال فيه: حديث حسن صحيح. قال القشيري: ومن حمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاءِ قد ماتوا غير أنهم أحياء عند الله. فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زوال الحياة، ويجوز أن تكون بالموت، ولا يبعد أن يكون الموت والحياة فكل ذلك مما يجوّزه العقل، والأمر في وقوعه موقوف على خبر صدق. قلت: جاء في بعض طرق أبي هريرة أنه عليه السلام قال: «حديث : لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أوّل من يفِيق فإذا موسى باطِشٌ بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعِق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله»تفسير : خرجه مسلم. ونحوه عن أبي سعيد الخدري؛ والإفاقة إنما تكون عن غشية وزوال عقل لا عن موت بردّ الحياة. والله أعلم. قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} أي فإذا الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء بعثوا من قبورهم، وأعيدت إليهم أبدانهم وأرواحهم، فقاموا ينظرون ماذا يؤمرون. وقيل: قيام على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وعِدوا به. وقيل: هذا النظر بمعنى الانتظار؛ أي ينتظرون ما يفعل بهم. وأجاز الكسائي قياماً بالنصب؛ كما تقول: خرجت فإذا زيد جالساً.

ابن كثير

تفسير : يقول تبارك وتعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته، قال مجاهد: نزلت في قريش، وقال السدي: ما عظموه حق تعظيمه، وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره، ما كذبوا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم. فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حق قدره. وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف. قال البخاري قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} حدثنا آدم حدثنا شيبان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنا نجد الله عز وجل يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} الآيةـ ورواه البخاري أيضاً في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما، كلهم من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن ابن مسعود رضي الله عنه بنحوه، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع؟ قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، قال: وأنزل الله عز وجل: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} إلى آخر الآيةـ وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش به، وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله سبحانه وتعالى السماء على ذه ــــ وأشار بالسبابة ــــ والأرض على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه ــــ كل ذلك يشير بأصابعه ــــ؟ قال: فأنزل الله عز وجل: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الآية، وكذا رواه الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن محمد بن الصلت أبي جعفر عن أبي كدينة يحيى بن المهلب عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به، وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يقبض الله تعالى الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» تفسير : تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر. وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن محمد، حدثنا عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تبارك وتعالى يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع، وتكون السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك» تفسير : تفرد به أيضاً من هذا الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى أبسط من هذا السياق وأطول فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها، يقبل بها ويدبر «حديث : يمجد الرب نفسه؛ أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم» تفسير : فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، حتى قلنا: ليخرنّ به. وقد رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم. زاد مسلم ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما: عن أبي حازم عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر رضي الله عنهما به نحوه. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كيف يحكي النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأخذ الله تبارك وتعالى سمواته وأرضيه بيده، ويقول: أنا الملك، ويقبض أصابعه ويبسطها، أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال البزار: حدثنا سليمان بن سيف، حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا عباد المنقري، حدثني محمد بن المنكدر قال: حدثنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ــــ حتى بلغ ــــ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فقال: المنبر هكذا، فجاء وذهب ثلاث مرات، والله أعلم، ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال: صحيح. وقال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي، حدثنا حيان بن نافع عن صخر بن جويرية، حدثنا سعيد بن سالم القداح عن معمر بن الحسن عن بكر بن خنيس عن أبي شيبة عن عبد الملك بن عمير عن جرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من أصحابه رضي الله عنهم: «إني قارىء عليكم آيات من آخر سورة الزمر، فمن بكى منكم، وجبت له الجنة» فقرأها صلى الله عليه وسلم من عند: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} إلى آخر السورة فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : إني سأقرؤها عليكم، فمن لم يبك فليتباك» تفسير : هذا حديث غريب جداً، وأغرب منه ما رواه في "المعجم الكبير" أيضاً: حدثنا هاشم بن زيد، حدثنا محمد ابن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله تعالى يقول: ثلاث خلال غيبتهن عن عبادي، لو رآهن رجل، ما عمل بسوء أبداً: لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرضين، ثم قلت: أنا الملك، من ذا الذي له الملك دوني؟ فأريهم الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها، وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر، فيستيقنوها، ولكن عمداً غيبت ذلك عنهم، لأعلم كيف يعملون وقد بينته لهم» تفسير : وهذا إسناد متقارب، وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره {وَٱلأَرْضُ جَمِيعاً } حال: أي السبع {قَبْضَتُهُ } أي مقبوضة له: أي في ملكه وتصرفه {يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوٰتُ مَطْوِيَّٰتٌ } مجموعات {بِيَمِينِهِ } بقدرته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } معه.

الماوردي

تفسير : {وما قدروا الله حق قدرِه} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما عظموه حق عظمته إذ عبدوا الأوثان من دونه، قاله الحسن. الثاني: وما عظموه حق عظمته إذ دعوا إلى عبادة غيره، قاله السدي. الثالث: ما وصفوه حق صفته، قاله قطرب. {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} فيه وجهان: أحدهما: أن قبضه استبدالها بغيرها لقوله {أية : يوم تبدل الأرض} تفسير : [إبراهيم: 48] وهو محتمل. الثاني: أي هي في مقدوره كالذي يقبض عليه القابض في قبضته. {والسموات مطويات بيمينه} فيه وجهان: أحدهما: بقوته لأن اليمين القوة. الثاني: في ملكه كقوله {أية : وماملكت أيمانكم} تفسير : [النساء: 36]. ويحتمل طيها بيمينه وجهين: أحدهما: طيها يوم القيامة. لقوله يوم نطوي السماء. الثاني: أنها في قبضته مع بقاء الدنيا كالشيء المطوي لاستيلائه عليها. {سبحانه وتعالى عما يشركون} روى صفوان بن سليم أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا القاسم إن الله أنزل عليك {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} فأين يكون الخلق؟ قال "حديث : يكونون في الظلمة عند الجسر حتى ينجي الله من يشاء." تفسير : قال: والذي أنزل التوراة على موسى ما على الأرض أحد يعلم هذا غيرى وغيرك.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ} ما عظموه حق عظمته إذ عبدوا الأوثان دونه، أو دعوك إلى عبادة غيره، أو ما وصفوه حق صفته {قَبْضَتُهُ} أي هي في مقدروه كالذي يقبض القابض عليه في قبضته {بِيَمِينِهِ} بقوته لأن اليمين القوة، أو في ملكه لقوله {أية : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}تفسير : [النساء: 3].

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} أي ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره ثم أخبر عن عظمته فقال {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} (ق) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال "جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا محمد إن الله يضع السماء على أصبع والأرض على أصبع والجبال على أصبع والشجر والأنهار على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال {وما قدروا الله حق قدره} وفي رواية "والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه تعجباً وتصديقاً له ثم قرأ {وما قدروا الله حق قدره} الآية (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وفي رواية يقول: أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وفي رواية يقول: أنا الله ويقبض أصابعه أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أني أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم"تفسير : لفظ مسلم وللبخاري "حديث : أن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه ويقول أنا الملك" تفسير : (خ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" تفسير : قال أبو سليمان الخطابي ليس فيما يضاف إلى الله عز وجل من صفة اليدين شمال لأن الشمال محمل النقص والضعف وقد روى كلتا يديه يمين وليس عندنا معنى اليد الجارحة إنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة وهذا مذهب أهل السنة والجماعة وقال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه. قوله عز وجل: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض} أي ماتوا من الفزع وهي النفخة الأولى {إلا من شاء الله} تقدم في سورة النمل تفسير هذا الاستثناء وقال الحسن إلا من يشاء الله يعني الله وحده {ثم نفخ فيه} أي في الصور {أخرى} مرة أخرى وهي النفخة الثانية {فإذا هم قيام} أي من قبورهم {ينظرون} أي ينتظرون أمر الله فيهم (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما بين النفختين أربعون قالوا أربعون يوماً، قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهراً، قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون سنة قال: أبيت، ثم ينزل الله عز وجل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة ".

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} معناهُ وما عَظَّمُوا اللَّه حقَّ عظَمتهِ، ولا وَصَفُوهُ بصفاتِهِ، ولا نَفَوْا عَنْهُ مَا لاَ يليقُ به، قال ابن عبَّاسٍ: نزلتْ هذه الآيةُ في كُفَّارِ قُرَيْشٍ الذينَ كَانَتْ هذهِ الآياتُ كلُّها محاورةً لهم، وردًّا عليهم، وقالت فرقة: نزلتْ في قومٍ من اليهودِ تَكَلَّمُوا في صفاتِ اللَّه تعالى، فَأَلْحَدُوا وَجَسَّمُوا وَأَتَوْا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ. وقوله تعالى: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} معناه: في قَبْضَتِهِ، واليمينُ هنا، والقبضةُ عِبارةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما ٱخْتَلَجَ في الصُّدُورِ من غَيْرِ ذَلِكَ بَاطِلٌ و{فَصَعِقَ} في هذه الآية، معناه: خَرَّ مَيِّتاً، والصُّورُ: القَرنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هنا غَيْرُ هذا، ومَنْ يَقُولُ: {ٱلصُّورِ} جمع صُورَةٍ، فإنما يَتَوجَّهُ قولهُ فِي نَفْخَةِ البَعْثِ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُ نَظِيرِ هٰذِهِ الآيةِ في غَيْرِ هذا المَوْضِعِ. وقوله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} هي نفخةُ البَعْثِ، وفي الحديث: «حديث : أَنَّ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أربعين»تفسير : لاَ يَدْرِي أبو هريرةَ سَنَةً أو شَهْراً أَوْ يَوْماً أَوْ سَاعَةً * ت *: ولفظُ مُسْلِمٍ: عن أبي هريرةَ قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم حديث : ومَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبا هُرَيْرَةَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَربَعُونَ يَوماً؟ قالَ: أَبَيْتُ تفسير : الحَدِيثَ، قال صَاحِبُ «التَّذْكِرَةِ»: فقيل: معنى قوله: «أَبَيْتُ» أي: ٱمتنعتُ من بَيَانِ ذلك؛ إذْ ليس هو مِمَّا تَدْعُو إليه حاجةٌ، وعلَىٰ هذا كانَ عِنده عِلْمُ ذلك، وقيل: المعنى: أَبَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذٰلِكَ، وعَلَىٰ هذا: فلاَ عِلْمَ عِنْدَهُ، والأَوَّلُ أظْهَرُ، وقد جاء أَنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعِينَ عَاماً، انتهى، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصحيحَ في المستثنَىٰ في الآيةِ أَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ قَال الشيخُ أبو محمَّدِ بْنُ بُزَيزَةَ في «شرح الأحكام الصغرَىٰ» لعبد الحَقِّ: الذي تلقيناه من شيوخنا المحققين أن العَوالِمَ التي لاَ تَفْنَىٰ سَبْعَةٌ: العَرْشُ، والكُرْسِيُّ، واللَّوْحُ، وٱلقَلَمُ، والجَنَّةُ، والنَّارُ، والأَرْوَاحُ. انْتَهَىٰ. {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} معناه: أضاءت وعَظُمَ نُورُهَا، و{ٱلأَرْضُ} في هذه الآية: الأرض المُبَدَّلَةُ من الأرْضِ المَعْرُوفَةِ. وقوله: {بِنُورِ رَبِّهَا} إضَافَةُ مُخلوق إلى خَالقٍ، و{ٱلْكِتَـٰبُ} كتابُ حِسَابِ الخلائِقِ، وَوَحَّدَهُ على ٱسْمِ الجِنْسِ؛ لأنَّ كلَّ أحَدٍ له كتابٌ عَلى حِدَةٍ، {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ} أي: لِيَشْهَدُوا عَلَىٰ أممهم، و{ٱلشُّهَدَاءِ} قيل: هو جمع «شَاهِد» وقيل: هو جمع «شَهِيدٍ» في سبِيلِ اللَّهِ، والأولُ أبْيَنُ في معنى التَّوَعُّدِ، والضميرُ في قوله {بَيْنَهُمْ} عائدٌ على العالم بِأجْمَعِهِ، إذِ الآيةُ تدلُّ عليهم، و{زُمَراً} مَعْنَاهُ: جماعاتٍ متفرقةً، واحدتها: زُمْرَة. وقوله: {فُتِحَتْ} جوابُ «إذَا»، والكَلاَمُ هنا يَقْتَضِي أن فَتْحَها إنما يكُونَ بَعْدَ مجِيئِهم، وفي وُقوفِهِم قَبْل فَتْحِها مَذَلَّةٌ لهُمْ، وهَكَذا هي حالُ السُّجُونِ ومَواضِعِ الثِّقَافِ والعَذَابِ؛ بِخلافِ قولِهِ في أَهْلِ الجَنَّةِ {وَفُتِحَتْ}، فالواو مؤذِنَةٌ بأنهم يَجِدُونَها مَفْتُوحَةً كَمَنَازِلِ الأَفْرَاحِ والسُّرُورِ. وقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ...} الآية، في قوله: {مِّنكُمْ} أعْظَمُ في الحُجَّةِ، أي: رُسُلٌ مِنْ جِنْسِكُمْ؛ لا يَصْعُبُ عليكم مَرَامُهم، ولا فَهْمُ أقوالِهِم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من "قَدَرِهِ" والمعنى وما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا. و"جميعاً" حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع. قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [آل عمران: 93] وقوله: {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ} تفسير : [النور:31] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} تفسير : [العصر:2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها. (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه "قَبْضَتُهُ"، (ولا يجوز أن يعمل فيها "قَبْضَتُهُ") سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار. قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع "يعني في الأرض" فإنه أرِيدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و"جَمِيعاً" حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في "إذا" المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحجة: التقدير: "ذَاتُ قَبْضَتِهِ". وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى. وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في "إِذ" التي لم يلفظ بها. وقوله: "قَبْضَـتُهُ" إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع "مفعول" وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد، وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد). والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: {أية : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} تفسير : [طه:96]. والعامة على رفع "قبضته". والحسن ينصبها، وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي "(في) قَبْضَتِهِ". ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود "في". وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: "وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ" العامة على رفع "مَطْوِيَّات" خبراً، و"بِيَميِنِهِ" فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق "بمطويات". الثاني: أنه حال من الضمير في "مَطْوِيَّاتٍ". الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً. واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار. وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون "السموات" نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون "مطويات" حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و "بيمينه" متعلق "بمَطْوِيَاتٍ". والثاني: أن يكون "مطويات" منصوباً بفعل مقدر و"بِيَمِيِنِهِ" الخبر، و"مَطْوِيَّات" وعامله جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}، وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: {وَمَا قَدَرُوا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبع وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله. وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَةَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون" تفسير : . ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}). فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة:17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فكيف يجوز تقرير عظمة الله عز وجل بكونه حاملاً للسموات والأرض؟!. السؤال الثاني: قوله تعالى: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟. السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟. والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفظَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكونه قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع "صُورَة". وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة. وقرىء: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَهُ الله فَصُعِقَ. قوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارىء تعالى، قاله الحسن، وفيه نظر من حيث قوله {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} يجوز أن يكون "أخرى" هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} تفسير : [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و"أُخْرَى"، منصوبة على ما تقدم. قوله: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} العامة على رفع "قيام" خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ نصبه حالاً، وفيه حينئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر "ينظرون" وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في "إذا" الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما "ينظرون"، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ...} الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام -: {أية : وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} تفسير : [الأعراف:143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزع الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل:87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النَّمل، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل جبريل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران:169] وروى أبو هريرة عن - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ" تفسير : ، وقال جابر: هو موسى - صلى الله عليه وسلم - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة "ثم" للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : "مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون"، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة . تفسير : وقوله: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: "فإذا هم" يدلّ على التعقيب، وقوله "يَنْظُرون" أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ} العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَيْر، على بنائه للمفعول. وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ، وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ} تفسير : [إبراهيم: 48] وقوله: "بِنُورِ رَبِّهَا" أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ" تفسير : وقال: "حديث : كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو" تفسير : ، وقوله: "وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ" أي كتاب الأعمال لقوله: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} تفسير : [الإسراء: 13] وقوله: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف:49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} قال ابن عباس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق:21]، وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} أي بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم {ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ} أن ثَوَابَ مَا عَمِلَتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ}. وثانيها: قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. وثالثها: قوله تعالى: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ}. واربعها: قوله تعالى: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرِير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} تفسير : [الطور:13] أي يدفعون دفعاً، وقوله: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم:86]. قوله: "زُمَراً" حال، و "زُمَرٌ" جمع "زُمْرة" وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و"تَزَمَّرُوا" تجمعوا قال: شعر : 4311- حَتَّى احْزَأَلَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ تفسير : هذا قول أبي عبيد(ة)، والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زِمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: "حَتَّىٰ إِذَا" تقدم الكلام في "حتى" الداخلة على "إذا" مِرَاراً، وجواب "إذا" قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ} قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و "مِنْكُمْ" صفة "لرسل" أو متعلق بالإِتْيان و "يَتْلُونَ" صفة أُخْرى، و "خَالِدينَ" في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟. فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أوقات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار "بَلَى" أتونا وتَلَوْا علينا {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ} أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة: 13]. وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ الملائكة إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قالت المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقوله الملائكة: {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} فائدةٌ)، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً}. فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حاجة فيه إلى السَّوْق؟!. فالجواب: من وجوه: الأول: أن المحبة و الصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف:67]. فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : أكثر أهل الجنة البُلْهُ" تفسير : فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهل الجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْنِ. قوله: {حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ} في جواب "إذا" ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: "وَفُتِحَتْ" والواو زائدة. وهو رأي الكوفيين والأخفش. وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: {أية : جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} تفسير : [ص:50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعد: "خَالِدين" انتهى يعني لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا، وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: "وَفُتِحَتْ" في محل نصب على الحال. وقال البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين "دخلوها". فحذف "دَخَلُوهَا" لدلالة الكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله "وفتحت" واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: {أية : وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف:22]. وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) وفتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا} يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} تفسير : [الأنبياء:105]. قوله: "نَتَبَوَّأُ" جملة حالية و "حَيْثُ" مفعول به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} تفسير : [البقرة:35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْرَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟. فالجواب: يكون لكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }. قوله: {وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} حَافّين جمع حَافٍّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَفْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: شعر : 4312- يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ تفسير : وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: شعر : 4313- لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ حِفَافَيْ سَرِيرِهِ إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ تفسير : وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون "حَافًّا" إذ الحفوف هو الإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: {حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} أي محدقين محيطين بالعرش بحفافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: "مِنْ حَوْلِ" في "من" وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} "يسبحون" حال من الضمير في "حافين"، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم. وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد(ة)، وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل. {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم): "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ" تفسير : . وعن عاشئة - رضي الله عنها - قالت: حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَرتفسير : . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والدارقطني في الأسماء والصفات عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد إنا نجد أن الله يحمل السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع‏.‏ فيقول‏:‏ أنا الملك‏.‏ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة‏}‏ ‏. وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس قال‏:‏ كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه، وأشار بالسبابة، والأرضين على ذه، والجبال على ذه. وسائر الخلق على ذه‏.‏ كل ذلك يشير باصابعه‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏وما قدروا الله حق قدره‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ تكلمت اليهود في صفة الرب فقالوا ما لم يعلموه، وما لم يروا‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏وما قدروا الله حق قدره‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ اليهود نظروا في خلق السموات، والأرض، والملائكة، فلما زاغوا أخذوا يقدرونه‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏وما قدروا الله حق قدره‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏وسع كرسيه السماوات والأرض‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 255‏]‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله هذا الكرسي هكذا فكيف بالعرش‏؟‏ فأنزل الله {‏وما قدروا الله حق قدره‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه‏، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض‏؟‏ ‏"‏‏.‏ حديث : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر رضي الله عنه ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر ‏{‏وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه‏}‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده، ويحركها يقبل بها ويدبر يمجد الرب نفسه أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا الكريم‏.‏ فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا ليخرنَّ به‏"‏. حديث : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏‏"حدثتني عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ‏ {‏وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه‏} ‏ قال‏:‏ "يقول أنا الجبار، أنا أنا‏.‏‏.‏‏.‏. ويمجد نفسه، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى أن قلنا ليخرن به قالوا‏:‏ فأين الناس يومئذ يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ على جسر جهنم" ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البزار وابن عدي وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر ‏ {‏وما قدروا الله حق قدره‏}‏ حتى بلغ ‏ {‏عما يشركون‏}‏ فقال‏:‏ المنبر هكذا‏.‏ فذهب وجاء ثلاث مرات‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : إذا كان يوم القيامة جمع الله السموات السبع والأرضين السبع في قبضته، ثم يقول ‏"‏أنا الله، أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئاً، أنا الذي أعيدها اين الملوك‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ أين الجبارون‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن جرير رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من أصحابه‏:‏ ‏"حديث : ‏أنا قارىء عليكم آيات من آخر الزمر فمن بكى منكم وجبت له الجنة‏. فقرأها من عند ‏{‏وما قدروا الله حق قدره‏}‏ إلى آخر السورة فمنا من بكى ومنا من لم يبك فقال الذين لم يبكوا‏:‏ يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك فقال‏: إني سأقرأها عليكم فمن لم يبكِ فليتباكَ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني بسند مقارب وأبو الشيخ في العظمة عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله يقول‏ ثلاث خلال غيبتهن عن عبادي لو رآهن رجل ما عمل سوء أبدا‏ً.‏ لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن ويعلم كيف أعمل بخلقي إذا أمتهم‏.‏ وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرضين، ثم قلت‏ أنا الملك من ذا الذي له الملك دوني‏.‏ ثم أريهم الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير فيستيقنوا بها، وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوا بها‏.‏ ولكن عمداً غيبت عنهم ذلك لأعلم كيف يعملون، وقد بينته لهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن مسروق رضي الله عنه‏، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ليهودي: "حديث : إذ ذكر من عظمة ربنا فقال‏:‏ السموات على الخنصر، والأرضون البنصر، والجبال على الوسطى، والماء على السبابة، وسائر الخلق على الابهام‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏{‏وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ يطوي الله السموات بما فيها من الخليقة، والأرضين السبع بما فيها من الخليقة‏.‏ يطوي كله بيمينه يكون ذلك في يده بمنزلة خردلة‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏والسماوات مطويات بيمينه‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه‏} ‏ قال‏:‏ كلهن في يمينه‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن شيبان النحوي رضي الله عنه ‏ {‏وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة‏}‏ قال‏:‏ لم يفسرها قتادة‏.‏ وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال‏:‏ كل ما وصف الله من نفسه في كتابه‏،‏ فتفسيره تلاوته والسكوت عليه‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أتدري ما الكرسي‏؟ قلت‏:‏ لا‏. ‏قال: ما في السموات وما في الأرض وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ألقاها ملق في الأرض، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقاها الملق في الأرض، وما الماء في الريح إلا كحلقة ألقاها ملق في ارض فلاة، وما جميع ذلك في قبضة الله عز وجل إلا كحبة وأصغر من الحبة في كف أحدكم. وذلك قوله ‏{‏والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ما في السموات السبع، والأرضين السبع، في يد الله عز وجل إلا كخردلة في يد أحدكم.‏ وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ‏"‏حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله ‏ {‏والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة‏}‏ فأين الناس يومئذ‏؟‏ قال‏:‏ "على الصراط" ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال‏:‏ ‏ حديث : ‏أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حبر من اليهود فقال‏:‏ أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه ‏ {‏والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه‏} ‏ فأين الخلق عند ذلك‏؟‏ قال‏:‏ هم كرتم الكتاب ‏"‏‏.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}[67] أي ما عرفوه حق معرفته في الأصل والفرع.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الآية: 67]. قال سهل: ما عرفوه حق معرفته فى الأصل ولا فى الفرع. قال الحسين: كيف يعرف قدر من لا يقدر سواه. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: لو طالعوا حق حقه فى محبتهم لعلموا العجز عن ذلك بالكلية فلم يعرف قدره من ادّعى لنفسه معه مقامًا قال الله: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. قوله عز وعلا: {وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الآية: 67]. سئل الجنيد - رحمة الله عليه - عن ذلك فقال: متى كانت منشورة حتى صارت مطوية سبحانه نفى عن نفسه ما يقع على العقول من طيّها ونشرها إذ كل الكون كخردلة أو كجناح بعوضة أو أقل منها، كذلك قوله قائم على كل نفس كيف لا يستحيل قيامه على هذا الكون الذى لا يزن عنده ذرّة بل قيامه بنفسه لنفسه.

القشيري

تفسير : ما عرفوه حَقَّ معرفته، وما وصفوه حقَّ وصفه، وما عظّموه حَقَّ تعظيمه؛ فَمَن اتصف بتمثيل، أو جَنَحَ إلى تعطيل حَادَ عن السُّنَّةِ المُثْلَى وانحرف عن الطريقة الحسنى. وصفوا الحقَّ بالأعضاء، وتَوَهَّموا في نَعْتِه الأجزاء، فما قدروه حَقَّ قَدْرِه؛ فالَخَلْقُ في قبضة قدرته، والسماوات مطويات بيمينه، ويمينهُ قـُدْرَتُه. ولأنه أقسم أن يُفْنِيَ السماواتِ ويطويَها فها قادر على ذلك. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ} تنزيهاً له عما أشركوا في وصفه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما قدروا الله حق قدره} القدر بمعنى التعظيم كما فى القاموس فالمعنى ما عظموا الله حق تعظيمه حيث جعلوا له شريكا بما لا يليق بشأنه العظيم ويقال قدر الشىء قدره من التقدير كما فى المختار. فالمعنى ما قدروا عظمته تعالى فى انفسهم حق عظمته. وقال الراغب فى المفردات ما عرفوا كنهه. يقول الفقير هذا ليس فى محلة فان الله تعالى وان كان لا يعرف حق المعرفة بحسب كنهه ولكن تتعلق به تلك المعرفة بحسبنا فالمعنى ههنا ما عرفوا الله حق معرفته بحسبهم لا بحسب الله اذ لو عرفوه بحسبهم ما اضافوا اليه الشريك ونحوه فافهم. وفى التأويلات النجمية ما عرفوا الله حق معرفته وما وصفوه حق وصفه وما عظموه حق تعظيمه فمن اتصف بتمثيل او جنح الى تعطيل حاد عن ألسنة المثلى وانحرف عن الطريقة الحسنى وصفوا الحق بالاعضاء وتوهموا فى نعته الاجزاء فما قدروا الله حق قدره انتهى {والارض جميعا} حال لفظا وتأكيد معنى ولذا قال اهل التفسير تأكيد الارض بالجميع لان المراد بها الارضون السبع او جميع ابعاضها البادية والغائرة اى الظاهرة وغير الظاهرة من باطنها وظاهرها ووسطها قوله والارض مبتدأ خبره قوله {قبضته يوم القيمة} القبضة المرة من القبض اطلقت بمعنى القبضة وهى المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر او بتقدير ذات قبضته. وفى المفردات القبض التناول بجمع الكف نحو قبض السيف وغيره ويستعار القبض لتحصيل الشىء وان لم يكن فيه مراعاة الكف كقولك قبضت الدار من فلان اى حزتها قال الله تعالى {والارض جميعا قبضته} اى فى حوزه حيث لا تمليك للعبد انتهى تقول للرجل هذا فى يدك وفى قبضتك اى فى ملكك وان لم يقبض عليه بيده. والمعنى والارض جميعا مقبوضة يوم القيامة اى فى ملكه وتصرفه من غير منازع يتصرف فيها تصرف الملاك فى ملكهم وانها اى جميع الارضين وان عظمن فما هن بالنسبة الى قدرته تعالى الا قبضة واحدة. ففيه تنبيه على غاية عظمته وكمال قدرته وحقارة الافعال العظام بالنسبة الى قدرته ودلالة على ان تخريب العالم اهون شىء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة حقيقة ولا مجازا على ما فى الارشاد ونحوه وعلى هذه الطريقة قوله تعالى {والسموات} مبتدأ {مطويات} خبره {بيمينه} متعلق بمطويات اى مجموعات ومدرجات من طويت الشىء طيا اى ادرجته ادراجا او مهلكات من الطى بمعنى مضى العمر يقال طوى الله عمره. وقوله بيمينه اى بقوته واقتداره فانه يعبر بها عن المبالغة فى الاقتدار لانها اقوى من الشمال فى عادة الناس كما فى الاسئلة المقحمة. قال ابن عباس رضى الله عنهما ما السموات السبع والارضون السبع فى يد الله الا كخردلة فى يد احدكم. قال بعضهم الآية من المتشابهات فلا مساغ لتأويلها وتفسيرها غير الايمان بها كما قال تعالى {أية : والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } تفسير : وقال اهل الحقيقة المراد بهذه القبضة هى قبضة الشمال المضاف اليها القهر والغضب ولوازمهما وعالم العناصر وما يتركب ويتولد منها ومن جملة ذلك صورة آدم العنصرية واما روحانيته فمضافة الى القبضة المسماة باليمين ودل على ما ذكر ذكر اليمين فى مقابل الارض وصح عن النبى عليه السلام اطلاق الشمال على احدى اليدين اللتين خلق الله بهما آدم عليه السلام كما فى شرح الاربعين حديثا للشيخ الكبير قدس سره الخطير وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : يقبض الله السموات بيمينه والارضين بيده الاخرى ثم يهزهنّ ويقول انا الملك اين ملوك الارض" تفسير : كما فى كشف الاسرار. وفيه اشعار باطلاق الشمال على اليد الاخرى فالشمال فى حديثه عليه السلام والقبضة فى هذه الآية واحدة. فان قلت كيف التوفيق بينه وبين قوله عليه السلام "حديث : كلتا يدى ربى يمين مباركة" تفسير : وقول الشاعر شعر : له يمينان عدلا لا شمال له وفى يمينيه آجال وارزاق تفسير : قلت كون كل من اليدين يمينا مباركة بالاضافة اليه تعالى ومن حيث الآثار فيمين وشمال اذ لا تخلو الدنيا والآخرة من اللطف والقهر والجمال والجلال والبسط والقبض والروح والجسم والطبيعة والعنصر ونحو ذلك وظهر مما ذكرنا كون السموات خارجة عن حد الدنيا لاضافتها الى اليمين وان كانت من عالم الكون والفساد اللهم الا ان يقال العناصر مطلقا مضافة الى الارض المقبوضة بالشمال واما ملكوتها وهو باطنها كباطن آدم وباطن السموات كالارواح العلوية فمضاف الى السموات المقبوضة باليمين فالسموات من حيث عناصرها داخلة فى حد الدنيا {سبحانه وتعالى عما يشركون} ما ابعد وما اعلى من هذه قدرته وعظمته عن اشراكهم ما يشركونه من الشركاء فما على الاول مصدرية وعلى الثانى موصولة. سئل الجنبد قدس سره عن قوله {والسموات مطويات} فقال متى كانت منشورة حتى صارت مطوية سبحانه نفى عن نفسه ما يقع فى العقول من طيها ونشرها اذ كل الكون عنده كالخردلة او كجناح بعوضة او اقل منها. قال الزروقى رحمه الله اذا اردت استعمال حزب البحر للسلامة من عطبه فقدم عند ركوبه {أية : بسم الله مجريها ومرساها ان ربى لغفور رحيم} تفسير : {وما قدروا الله حق قدره} الى قوله {عما يشركون} اذ قد جاء فى الحديث انه امان من الغرق ومن الله الخلاص. يقول الفقير التخصيص هو ان من عرف الله حق معرفته قد لا يحتاج الى ركوب السفينة بل يمشى على الماء كما وقع لكثير من اهل التصرف ففيه تنبيه على العجز وتعريف للقصور. وايضا ان الارض اذا كانت فى قبضته فالبحر الذى فوقها متصلا بها يكون ايضا فى قبضته فينبغى ان يخاف من سطوته فى كل مكان ويشتغل بذكره فى كل آن بخلوص الجنان وصدق الايقان. يقال ان الشرك جلى وخفى فالجلى من العوام الكفر والخفى منهم التوحيد باللسان مع اشتغال القلب بغير الله تعالى وهو شرك جلى من الخواص والخفى منهم الالتفات الى الدنيا واسبابها وهو جلى من اخص الخواص والخفى منهم الالتفات الى الآخرة. يقال ان السبب لانشقاق زكريا عليه السلام فى الشجرة كان التفاته الى الشجرة حيث قال اكتمينى ايتها الشجرة كما ان يوسف عليه السلام قال لساقى الملك اذكرنى عند ربك فلبث فى السجن بضع سنين فاقطع نظرك عما سوى الله وانظر الى حال الخليل عليه السلام فانه لما القى فى النار اتاه جبرائيل وقال ألك حاجة يا ابراهيم فقال اما اليك فلا فجعل الله له النار بردا وسلاما وكان قطبا واماما شعر : نكر تاقضا از كجا سير كرد كه كورى بود تكيه برغير كرد تفسير : قال عبد الواحد بن زيد لابى عاصم البصرى رحمه الله كيف صنعت حين طلبك الحجاج قال كنت فى غرفتى فدقوا على الباب ودخلوا فدفعت بى دفعة فاذا انا على ابى قبيس بمكة فقال عبد الواحد من اين كنت تأكل قال كانت تأتى الىّ عجوز وقت افطارى بالرغيفين الذين كنت آكلهما بالبصرة قال عبد الواحد تلك الدنيا امرها الله ان تخدم ابا عاصم هكذا حال من توكل على الله وانقطع اليه عما سواه فالله لا يخيب عبدا لا يرجو الا اياه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما قَدرُوا اللهَ حقَّ قَدْرِه} أي: ما عظَّموه حق تعظيمه؛ حيث جعلوا له شريكاً، أو وصفوه بما لا يليق بشؤونه الجليلة، أو: حيث دعوك إلى عبادة غيره تعالى، أو: ما عرفوه حق معرفته، حيث لم يؤمنوا بقدرة الله تعالى. قال ابن عباس: فمَن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره. يقال: قدرت الشيء: إذا حزرته لتعرف مبْلغه، والقدر: المقدار. والضمير، إما لقريش، المحدث عنهم، وقيل: لليهود، حيث تكلّموا في صفات الله تعالى، فألحدوا وجسّموا. ثم بيَّن لهم شيئاً من عظمته تعالى، فقال: {والأرضُ جميعاً قبضَتُه يومَ القيامةِ والسماواتُ مطويات بيمينهِ}: فـ "جميعاً": حال من الأرض؛ لأنه بمعنى الأرضين، أي: والأرضون جميعاً مقبوضة له بقدرته يوم القيامة. {والسماوات مطويات بيمينه} أي: بقدرته. والقبضة: المرة من القبض، والقُبْضة: المقدار المقبوض بالكف، والمراد من الكلام: تصوير عظمته تعالى، والتوقيف على كنه جلاله، وأن تخريب هذا العالم هو عليه شيء هين، على طريقة التمثيل والتخييل، من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة، ولا مجازاً، هكذا قال جمهور المفسرين. قلت: لا يبعد أن تحمل الآية على ظاهرها، فإن الله تعالى يُبدل الأرض ويجمعها بأجمعها، فتكون كخبزة النقي، ويطوي السماء كطي الكتاب، حتى يبرز العرش، كما في الحديث، ففي حديث البخاري، عن أبي سعيد الخدري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تكون الأرضُ يومَ القيامة خبزةً واحدةً، يتكفؤُها الجبارُ بيده، كما يتكفؤُ أحدُكم خُبْزَته في السفر، نُزُلاً لأهل الجنة"تفسير : . وفي حديث أبي هريرة: "حديث : إن الله يقبض الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض ". تفسير : وقال ابن عمر: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وهو يحكي عن ربه تعالى، فقال: "حديث : إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة، جمع السماوات والأرضين السبع في قبضته، ثم قال هكذا، وشدّ قبضته، ثم بسطها، ثم يقول: أنا الله، أنا الرحمن..." تفسير : الحديث. وفي لفظ آخر: "حديث : يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون أين المتكبرون؟"تفسير : . وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: "كل ذلك في يمينه، وليس في يده الأخرى شيء، وإنما يستعين بشماله المشغولُ بيمينه، وما السماوات السبع، والأرضون السبع، في يد الله تعالى، إلا كخردلة في يد أحدكم، ولهذا قال: {مطويات بيَمينِهِ}: يعني السماوات والأرضين كلها بيمينه" قلت: من كَحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص، لا تصعب عليه هذه الأمور؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر، فيمكن أن يتجلى من نور جبروته بنور يشاكل الآدمي في الأعضاء كلها، فيكون له ذات لها يدان وقدمان، وبه ورد أن الله يضع قدمه على النار، فتقول: قط قط، ويكشف عن ساقه لأهل الموقف، ويتقدمهم للجنة، إلى غير ذلك مما ورد في الحديث. ولا يلزم من ذلك حصر ولا تجسيم، إنما هي تجليات للذات الكلية المطلقة، ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء والبقاء من العارفين، فسلِّم تسلَم. {سبحانه وتعالى عما يشركون} أي: تنزيهاً عظيماً لمَن هذه قدرته وشأنه عما يضاف إليه من الشركاء، أي: ما أبعد من هذا شأنه عن إشراكهم! الإشارة: ما عرف لله حق معرفته مَن أثبت الكائنات معه، وهي ممحوة بأحدية ذاته، لا وجود لها معه على التحقيق، فالأرض قبضة أسرار ذاته، والسماوات محيطاتُ أفلاك أنواره، وبحر الذات مطبق على الجميع، ماحٍ للكل، وأنشدوا: شعر : فالكلُّ دونَ اللهِ إِنْ حققتَه عدمٌ على التفصيل والإجمالِ واعلمْ بأنك والعوالِمَ كلَّها لولاه في محوٍ وفي اضمحلالِ مَن لا وجودَ لذاتِه من ذاتِه فوجودُه لولاه عينُ مُحالِ تفسير : وقال آخر: شعر : مَن أَبْصَرَ الخلقَ كالسَّراب فقد تَرَقَّى عن الحِجَابِ إِلى وُجودٍ تراه رَتْقاً بلا ابتعادٍ ولا اقْترابِ ثم تمّم أحوال القيامة، فقال: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن حال الكفار أنهم ما عظموه حق عظمته إذ دعوك إلى عبادة غيره. وقال الحسن: معناه إذ عبدوا الأوثان من دونه. والأول أقوى - وهو قول السدي - قال محمد بن كعب القرطي {ما قدروا الله حق قدره} معناه ما علموا كيف حق الله. قال المبرد إشتقاقه من قولك: فلان عظيم القدر يريد بذلك جلالته. والقدر اختصاص الشيء بعظم حجم او صغر أو مساواة. وقوله {والأرض جميعاً قبضته}. قال الفراء: كان بجوز في (قبضته) النصب. وقال الزجاج لا يجوز ان يقال: زيد دارك أي فى دارك على حذف (فى) كقولهم شهر رمضان انسلاخ شعبان أي في انسلاخه. قال المبرد: الناصب لـ (جميعاً) محذوفة تقديره والأرض إذا كانت جميعاً قبضته، وخبر الابتداء (قبضته) كأنه قال: والارض قبضته إذا كانت جميعاً. ومثله: هذا بسر الطيب منه تمراً أي إذا كان. ومذهب سيبويه أي ثبتت جميعاً في قبضته كقولك هنيئاً مريئاً أي ثبت ذلك، لانه دعاء في موضع المصدر، كما قلت سقياً ومثل الآية قول الشاعر: شعر : إذا المرؤ اعيته المروءة ناشئاً فمطلبها كهلا عليه شديد تفسير : أي إذا كان كهلا. وقال الزجاج: هو نصب على الحال. والمعنى {والأرض} في حال اجتماعها {قبضته يوم القيامة. والسماوات مطويات بيمينه} على الابتداء والخبر. ومعنى الآية أن الارض باجمعها في مقدوره كما يقبض عليه القابض، فيكون في قبضته وكذلك قوله {والسماوات مطويات بيمينه} معناه أي في مقدوره طيها، وذكرت اليمين مبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك. وقيل اليمين القوة قال الشاعر: شعر : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين تفسير : ثم نزه نفسه تعالى عن أن يكون له شريك في العبادة او معين في خلق شيء من الاشياء. وقال سبحانه وتعالى عما يشركون يعني ما يضيفه اليه الكفار من الأصنام والاوثان. وقوله {ونفخ في الصور} قال قتادة هو جمع صورة، فكأنه ينفخ في صور الخلق وروي في الخبر ان الصور قرن ينفخ فيه الصور. ووجه الحكمة في ذلك انه علامة جعلها الله تعالى ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف. ثم تجديد الخلق، فشبه بما يتعارفونه من بوق الرحيل والنزول، ولا يتصور ذلك للنفس بأحسن من هذه الطريقة. وقوله {فصعق من في السماوات ومن في الأرض} قيل: معناه يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السموات والارض، ومنه الصواعق التي تأتي عند شدة الرعد، وصعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة الشديدة. وقوله {إلا من شاء الله} استثنى من جملة الذين يهلكون قوماً من الملائكة، لأن الملك الذي ينفخ فيه يبقى بعده، ويجوز أن يبقى غيره من الملائكة. وقال السدي: المستثنى جبرائيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت - وهو المروي في حديث مرفوع - وقال سعيد بن جبير: هم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله. وقوله {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} فهذه النفخة الثانية للحشر. وقال قتادة: وروي أيضاً ان صاحب الصور إسرافيل عليه السلام وقيل: يُفني الله تعالى بعد الصعق وموت الخلق الاجسام كلها ثم يعيدها ومعنى فاذاهم قيام ينظرون إخبار عن سرعة إيجادهم، لأنه إذا نفخ النفخة الثانية اعادهم عقيب ذلك فيقومون من قبورهم احياء ينظرون ما يراد ويفعل بهم. وقوله {وأشرقت الأرض بنور ربها} قيل: معناه أضاءت بعدل ربها والحكم بالحق فيها. وقال الحسن: معناه بعدل ربها {ووضع الكتاب} يعني الكتب التي أعمالهم فيها مكتوبة {وجيء بالنبيين والشهداء} لانهم يؤتى بهم. والشهداء هم الذين يشهدون على الأمم للانبياء بأنهم قد بلغوا، وانهم كذبتهم اممهم، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير {وقضي بينهم بالحق} أي يفصل بينهم بالحق ولا ينقص احد منهم شيئاً مما يستحقه من الثواب ولا يفعل به ما لا يستحقه من العقاب، وقوله {ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون} معناه انه يعطي كل نفس عاملة بالطاعات جزاء ما عملته على الكمال دون النقصان والله تعالى أعلم من كل احد بما يفعلون من طاعة أو معصية لا يخفى عليه شيء منها.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ما قدروا عليّاً (ع) او ما قدروا الولاية حقّ قدره، ولمّا كان المقصود التّعريض بالامّة عطف بيان حالهم على اشراكه كأنّه قال: لكن ما قدروا الله حقّ قدره لانّه كما لا يمكن قدر الذّات الاحديّة لاحدٍ من مخلوقه لا يمكن قدر الولاية حقّ قدرها لاحدٍ سوى صاحب الولاية المطلقة، وقال القمىّ: نزلت فى الخوارج، والسّرّ فى انّهم لا يقدرون الله قدره انّهم محدودون بحدودٍ لا فرق فى ذلك بين الانبياء (ص) والاوصياء (ع) الجزئيّين وبين سائر الخلق غاية الامر انّ الانبياء (ع) قد خرجوا من بعض الحدود البشريّة والانسانيّة وغيرهم ما خرجوا والذّات الاحديّة وكذلك المشيّة الّتى يعبّر عنها بالولاية الّتى هى علويّة علىٍّ (ع) مطلقة من الحدود، والمحدود لا يقدر على ادراك المطلق فلا يقدر قدره لانّ قدر القدر مسبوق بادراكه، وامّا النّبىّ الخاتم (ص) والولىّ الخاتم (ع) فيقدران قدر الولاية ولا يقدران قدر الله، والله تعالى شأنه هو الّذى يقدر قدر الكلّ {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} القبضة المرّة من القبض وفيه تفخيم لعظمته من حيث انّ الارض بعظمتها كانت قبضة واحدة له والمراد بالارض كما مرّ مراراً اعمّ من عالم المثال السّفلىّ وعالم المثال العلوىّ وعالم الطّبع بجميع سماواته وارضيه {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} اطلاق القبضة فى الارض عن اليمين وعن الطّىّ واستعمال الطّىّ فى السّماوات وتقييده باليمين للاشارة الى حقارة الارض بالنّسبة الى السّماوات ورفعة السّماوات وعظمتها وشرافتها بالنّسبة الى الارض يعنى انّ له تعالى تلك العظمة ومع ذلك يشركون به جماداً منحوتاً لهم او مخلوقاً ضعيفاً له {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} من الاصنام والكواكب وانواع المخلوقات من العناصر ومواليدها وعمّا يشركون به فى الولاية وعمّا يشركون به فى العبادة من الاغراض والاهوية.

الأعقم

تفسير : {وما قدروا الله حق قدره} أي ما عظموه حق تعظيمه ولا عرفوه حق معرفته إذ وصفوه بما لا يجوز عليه وعبدوا معه غيره {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} يعني الأرض مقدورة فيتصرف كيف يشاء كالذي يقبض عليه القابض، وقيل: خص يوم القيامة لأنه المالك خاصة وقد يملك في الدنيا غيره {والسماوات مطويّات بيمينه} مجموعات مطويات مع كبرها يعني بيمينه قيل: بقدرته {ونفخ في الصور}، قيل: هو بأن ينفخ فيه اسرافيل نفختان نفخةٌ يغشى عليهم ثم يموتون ويفني الله الأجسام ثم يحييهم {فصعق من في السماوات ومن في الأرض}، قيل: مات، وقيل: غشي عليه، ثم يموتون بعد ذلك {إلا من شاء الله} فإنه لا يموت حتى يميته، واختلفوا في الاستثناء قيل: صاحب الصور وجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل: هم الشهداء، وقيل: حملة العرش {ثم نفخ فيه أخرى} يعني نفخ في الصور نفخة أخرى {فإذا هم قيام} الخلق {ينظرون} من قبورهم إلى ما يروا أما المؤمن إلى النعم والمسار والعاصي إلى أنواع المضار {وأشرقت الأرض بنور ربّها} قال جار الله: قد استعار الله النور للخلق والقرآن والبرهان في مواضع من التنزيل، وهذا من ذلك، والمعنى {وأشرقت الأرض} بما يقيمه فيها من الحق والعدل فلا يبقى هناك ظلم، وقيل: أضاءت بنور يخلقه الله لا يكون بنور شمس ولا قمر، وأضاف النور إليه لأنه خلقه، وقيل: المراد كثرة رحمته كما يقال: فلان نور هذه البلدة إذا كان منافع أهلها ومحاسنهم {ووضع الكتاب} يعني صحائف الأعمال كتبها الحفظة، وقيل: اللوح المحفوظ {وجيء بالنبيين والشهداء} الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار، وقيل: المستشهدون في سبيل الله {وقضي بينهم بالحق} بالثواب للمؤمنين والعقاب للكافرين والانتصار للمظلوم من الظالم {وهم لا يُظلمون} {ووفيت كل نفسٍ} تمام حقها {وهو أعلم بما يفعلون} الحفظة والشهود وإنما أحضر الشهود ليظهر لأهل الجمع أحوالهم ويزداد سرور المؤمنين وحسرة الكافرين والأخبار عنه لطف للمكلفين، ثم بيَّن تعالى جزاء الفريقين فقد فصل القضاء فقال سبحانه: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً} يساقون سوقاً عنيفاً ويسحبون على وجوههم في النار زمراً قيل: جماعات {حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها} ليدخلوها {وقال لهم خزنتها} على سبيل التوبيخ {ألم يأتكم رسل منكم} هو استفهام، والمراد التقرير، أي قد أتاكم رسل منكم {يتلون عليكم آيات ربكم} حججه ودليله على توحيده وعدله وسائر أحكامه وشرائعه {وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى} قد جاءنا الرسل {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} أي آيات الوعيد على من كفر بالله ونحن كفرنا فحق وعده علينا، فيقول لهم الخزنة: {ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} متفرقين على قدر الاستحقاق، قال الحسن: سبعة أبواب لسبعة أصناف، وقد قدمنا ما قالوا فيه {فبئس مثوى المتكبرين} يعني الذين تكبروا عن قبول الحق.

اطفيش

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه حق عظمته حيث أشركوا به غيره وما عظموه في قلوبهم حيث وصفوه بما لا يليق وقرئ بتشديد الدال الأولى. قال ابن عباس: نزلت في قريش مع الآيات قبلها، وقال في قوم من اليهود تكلموا في صفات الله فألحدوا وجسموا وأتوا بكل تحليط، وقيل في رجل من أهل الكتاب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم بلغك أن الله سبحانه يحمل الخلايق على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فنزل ذلك رداً عليهم حيث اعتقدوا ذلك على ظاهره ونزل {وَالأَرْضُ جِمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أي قادر على ذلك كقدرة أحدنا على ما يحمل بأصبعه فخاطبنا بما نتخاطب به لنفهم وقيل قال جبريل يا أبا القسام ان الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والشجر والأنهار على أصبع والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهم فيقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجب مما قال وقرأ تصديقاً لما قال {وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أما ضحكه ففرح باطلاعه على أن المقصود التمثيل للقدرة القاهرة وانه لا أصبع ولا كف وهذا كما تقول: (شابت لمة الليل) كناية عن ظهور الصبح لبياضه كالشيب ولا رأس لليل ولا شعر ولا لمة وانما ذلك تخييل وكثير من كلام الله ورسله على هذا فينزل به الجاهلون بعلم الاستعارة والكناية أو ضحك استهزاء بمن فهم ذلك على ظاهره بأن قد سمع ذلك قبل وفي رواية (ضحك حتى بدت نواجذه). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهم بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك الجبار أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الارضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ وفي رواية يقول أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون وفي رواية يقول: "أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك" وفي رواية يقبض الأرضين يوم القيامة وتكون السموات بيمينه ويقول أنا الملك وفي رواية يقبض الارض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ولقد عظم عندي جهل بعض قومنا القائلين أنه يجب علينا أن نقف في ذلك بلا تكييف ونؤمن به مجملاً. والحق عندنا معشر الاباضية أنه يجب تأويل ذلك بالقدرة على من خطر له وصفه بذلك أو سئل ولم يدر التأويل ويقول: {أية : ليس كمثله شيء} تفسير : ومن وصفه بذلك لظاهر القرآن وحمله على الحقيقة نافق؛ وقيل أشرك فان اليمين والشمال والجهة من صفات الخلق ولا سيما ما في الشمال من النقص والضعف بل ذلك كله كناية عن القدرة والهون كما يقدر أحدنا على قبض شيء بأصبعه أو يده ويهون عليه والكناية من باب المجاز؛ وقيل: لا حقيقة ولا مجاز وبسطتها في شرحي على شرح عصام الدين والمراد بالأرض الأرضون لان المقام للتفخيم ولمقابلتها بالسموات وللتقوية بجميعها ولو احتمل أن يكون تقوية لادخال أجزاء هذه الارض ما بدا وما خفي و (جميعاً) حال من (قبضته) أو من ضمير مستتر لانها بمعنى مقبوضة والقبضة مرة من القبض أما تسميته بالمصدر أو بمعنى المقبوضة كالقبضة بضم القاف أو تقدير مضاف أي ذات قبضة وجاء الحال منه على هذا الحذف الاضافة أو لان يعني أن الأرضين يبلغن قبضة واحدة من قبضاته أي قدراً قليلاً عنده كما تقول: (الجزور أكلة لقمان والقلة جرعته) و (يوم) متعلق بقبضته و (بيمينه) متعلق (بمطويات) وقرئ بنصب (قبضة) على الظرفية المكانية ولو كان محدوداً تشبيهاً بالمبهم فصاحب الحال ضمير الاستقرار في يمينه فان ذلك الظرف متعلق بمحذوف خبر وقرأ الحسن البصري (مطويات) بالنصب على الحال من ضمير الاستقرار فان يمينه حينئذ خبر وهذا قول الاخفش والفراء وابن مالك في التسهيل وشرحه، ومن منع تقديم الحال على عاملها الظرفي وهو جمهور البصريين عطف السموات على المستتر في (القبضة) لانها بمعنى المقبوضة والفضل موجود على الأرض ومطويات عندهم حال من السموات فلا تعطف على الارض لان الحال لا يجيء من المبتدأ فان عطف عليه فالحال من ضمير قبضته واختار ابن هشام مذهبهم والطي ضد النشر وخص اليمين لان طي الكتاب بها وقيل قبضته ملكه بلا مدافع ولا منازع وبيمينه قدرته وقيل مطويات بيمينه مغنيات بقسمه لأنه أقسم أن يغنيها وهذا القول الاخير ضعيف* {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى} بعيداً بعداً شديداً* {عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي عن الاشراك فما مصدرية أو عما يجعلونه له شريكاً فما اسم

اطفيش

تفسير : {وما قَدَرُوا الله حقَّ قدْره} ما أعطوه حق شأنه، وهو القدر الذى يستحقه قاله المبرد بالمعنى كما تقول مقدار فلان، ورتبة فلان، ونصيب فلان، الا أن الله سبحانه لا يوصف بالمقدار، والارتبة والنصيب، وليس قول المبرد خارجا عن قولك: ما عظموا الله حق عظمته، وقولك: ما وصفوا الله حق وصفه، وذلك أنهم طلبوا شركة آلهتهم بالعبادة بالمسح، وقالوا: هو عاجز عن البعث، وقالوا: خلق الخلق لا لحكمة، ولا ليعبدوه وحده، وهم قريش، لأن الكلام فيهم، وقيل: المراد اليهود اذ وصفوا الله بالجسم والأعضاء والحلول. {والأرْضُ جَميعاً} حال من المبتدأ على جوازه وعلى المنع يقدر له ناصب من جملة معترضة أى أثبتها جميعا، فجميعاً حال من ضمير النصب فى أثبتها، أو حال من ضمير فى نعت مقدر، أى والأرض المعتبرة جميعا، أو المقصودة جميعا، أو حال من المستتر فى قبضته، لأنه مصدر مراد به اسم المفعول، أى مقبوضته، ولا مانع من تقديم معموله،لأنه ليس على معنى انحلاله الى الفعل، وان المصدرية، ولأنه بمعنى مفعول، ويجوز أن يراد بالأرض الأرضون، والاعراب واحد، وجاء الأرضون فى الحديث تفسيرا لقبض الأرض، فتعين التفسير بهن. {قبْضَتهُ} أى ذات قبضة له، أو مقدار الأرض قبضته، أو بمعنى مقبوضة أى مطوية، كما جاء فى الحديث، ويجعل الله بدلها إذا طويت أرضا بيضاء خبزة فى حق المؤمن، يأكل منها لا فى حق الكافر كذا قيل، وذلك قبض طى واختلاف تحقيقا لقوله تعالى: {يَوْم القيامة} وفيه مع ذلك التصريح بقدرته، وليس المراد بيان القدرة فقط، وإلا لم يذكر يوم القيامة، لأنه قادر قبل وبعد، ويجوز أن يراد الملك، وذكر اليوم لأنه وقت الهول، بمعنى لاتصرف لأحد فيه كما قال: " أية : الملك يومئذ لله" تفسير : [الحج: 56]. {والسَّماوات مَطوياتٌ} تطوى وتفنى على حد ما مر فى الأرض {بيمينِه} بقدرته، وقيل: بقسمه لأنه سبحانه وتعالى أقسم أن يفنيها، وهو قول ضعيف، والصواب أن الطى على ظاهره لا بيان لقدرته وملكه فقط، دون طى حقيق، ففى الطى الحقيق جرى على الظاهر، واظهار للقدرة، وذكر القبضة واليمين مراد بهما القدرة خطابا لنا بما نفهم، لأن أفعالنا بالأيدى، ولما كانت السماوات أفضل من حيث اعتبار الوسع والعلو، ذكرها باليمين لأنها أقوى فى العمل، ولأنها المستعملة فيما يكرم، وكأنه قال الأرض قبضته باليمين سبحانه عن صفات الخلق، وطى السماوات قبل طيه الأرض ففى مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : يطوى الله تعالى السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوى الأرضين بشماله ثم يقول: أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " تفسير : والمراد القدرة، وفى مسلم عن ابن عمر حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريك يديه، لأخذ الله السماوات والأرض بيديه وأصابعه، يقبض الله أصابعه ويبسطها، وهو موضوع، وإن صح فتمثيل للقدرة، ومثل ذلك فى البخارى والنسائى، وابن ماجه، وذكرت اليهود ذلك على ظاهره من التجسيم، فنزلت الآية فيهم {وما قدروا الله حق قدره} أو نزلت فى غيرهم كما مر لا بهذا المعنى. ولما قال اليهود ذلك، قل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وما قدروا الله حق قدرة} قالوا يحمل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، وفى الترمذى والبيهقى: مر يهودى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تقول يا أبا القاسم اذا وضع الله السماوات على ذه، وأشار بالسبابة، والأرضين على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، يشير بأصابعه؟ يعنى عن الترتيب من السباتة، فأنزل الله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره}. {سُبحانه وتعالى عمَّا يُشْركُون} عن اشراكهم، أو عما يشركونه من الآلهة، والأول أولى، لأنه أعم يدخل فيه الاشراك بغير الآلهة كالوصف له تعالى بالأصابع واليدين، والجنب تحقيقا لا مجازا.

الالوسي

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عظموه جل جلاله حق عظمته إذ عبدوا غيره تعالى وطلبوا من نبيه صلى الله عليه وسلم عبادة غيره سبحانه قاله الحسن والسدي، وقال المبرد: أصله من قولهم: فلان عظيم القدر يريدون بذلك جلالته، وأصل القدر اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة، وقال الراغب: أي ما عرفوا كنهه عز وجل. وتعقب بأن معرفة كنهه تعالى أي حقيقته سبحانه لا يخص هؤلاء لتعذر الوقوف على الحقيقة، ومن هنا:شعر : العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث عن كنه ذات الله إشراك تفسير : ولا يخفى أن المسألة خلافية، وما ذكر على تقدير التسليم يمكن دفعه بالعناية. نعم أولى منه ما قيل: أي ما عرفوه كما يليق به سبحانه حيث جعلوا له سبحانه شريكاً، وظاهر كلام بعضهم أن الكلام على تقدير مضاف أي ما قدروا في أنفسهم وما تصوروا عظمة الله حق التصور فلم يعظموه كما هو حقه عز وجل حيث وصفوه بما لا يليق بشؤنه الجليلة من الشركة ونحوها، وأياً ما كان فهو متعلق بما قبله من حيث إن فيه تجهيلهم في الإشراك ودعائهم رسوله صلى الله عليه وسلم إليه، وقيل: المعنى ما وصفوا الله تعالى حق صفته إذ جحدوا البعث ووصفوه سبحانه بأنه خالق الخلق عبثاً وأنه سبحانه عاجز عن الإعادة والبعث وهو خلاف الظاهر، وعليه يكون للتمهيد لأمر النفخ في الصور، وضمير الجمع على جميع ما ذكر لكفار قريش كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: الضمير لليهود تكلموا في صفات الله تعالى وجلاله فألحدوا وجسموا وجاءوا بكل تخليط فنزلت. وقرأ الأعمش {حق قَدره } بفتح الدال، وقرأ الحسن وعيسى وأبو نوفل وأبو حيوة {وما قدروا} بتشديد الدال {حق قدره} بفتح الدال. {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } الجملة في موضع الحال من الاسم الجليل و {جَمِيعاً } حال من المبتدأ عند من يجوزه أو من يقدر كأثبتها جميعاً كما قيل، وهو جار مجرى الحال المؤكدة في أن العامل منتزع من مضمون الجملة، وفي «التقريب» هو حال من الضمير في {قَبْضَـتُهُ } لأنه بمعنى مقبوضة وكان الظاهر أن يؤخر عنه وإنما قدم عليه ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة أو بعض دون بعض ولكن عن الأرضين كلها أو عن جميع أبعاضها. وجاز هذا التقديم لأن المصدر لم يعمل من حيث كونه مصدراً بل لكونه بمعنى اسم المفعول، وقال الحوفي: العامل في الحال ما دل عليه {قَبْضَـتُهُ} لا هي، وهو كما ترى، و {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } معمول {قَبْضَـتُهُ } وهي في الأصل المرة الواحدة من القبض وتطلق على المقدار المقبوض كالقبضة بضم القاف وجعلت صفة مشبهة حينئذ، وجوز كل من إرادة المقبوضة والمعنى المصدري هنا، والكلام على الثاني على تقدير مضاف أي ذوات قبضته أي يقبضهن سبحانه قبضة واحدة. وقرأ الحسن {قبضته} بالنصب على أنه ظرف مختص مشبه بالمبهم ولذا لم يصرح بفي معه وهو مذهب الكوفيين، والبصريون يقولون: إن النصب في مثل ذلك خطأ غير جائز وإنه لا بد من التصريح بفي. / وقرأ عيسى والجحدري {مطويات } بالنصب على أن {ٱلسَّمَـٰوَاتِ } عطف على {ٱلأَرْض} مشاركة لها في الحكم أي والسماوات قبضته، و {مَطْوِيَّـٰتٌ } حال من {ٱلسَّمَـٰوَاتِ } عند من يجوز مجيء الحال من مثل ذلك أو من ضميرها المستتر في {قَبْضَـتُهُ } على أنها بمعنى مقبوضته أو من ضميرها محذوفاً أي أثبتها مطويات، و {بِيَمِينِهِ } متعلق بمطويات أو على أن {ٱلسَّمَـٰوَات} مبتدأ و {بِيَمِينِهِ } الخبر و {مَطْوِيَّـٰتٌ } حال أيضاً إما من المبتدأ أو من الضمير المحذوف أو من الضمير المستتر في الخبر بناء على مذهب الأخفش من جواز تقديم الحال في مثل ذلك. والكلام عند كثير من الخلف تمثيل لحال عظمته تعالى ونفاذ قدرته عز وجل وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إليها بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعاً ويمين بها يطوي السماوات أو بحال من يكون له قبضة فيها الأرض والسماوات ويمين بها يطوي السماوات من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز بالنسبة إلى المجرى عليه وهو الله عز شأنه. وقال بعضهم: المراد التنبيه على مزيد جلالته عز وجل وعظمته سبحانه بإفادة أن الأرض جميعاً تحت ملكه تعالى يوم القيامة فلا يتصرف فيها غيره تعالى شأنه بالكلية كما قال سبحانه: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ }تفسير : [الحج: 56] والسماوات مطويات طي السجل للكتب بقدرته التي لا يتعاصاها شيء. وفيه رمز إلى أن ما يشركونه معه عز وجل أرضياً كان أم سماوياً مقهور تحت سلطانه جل شأنه وعز سلطانه فالقبضة مجاز عن الملك أو التصرف كما يقال: بلد كذا في قبضة فلان، واليمين مجاز عن القدرة التامة، وقيل: القبضة مجاز عما ذكر ونحوه والمراد باليمين القسم أي والسماوات مفنيات بسبب قسمه تعالى لأنه عز وجل أقسم أن يفنيها، وهو ما يهزأ منه لا مما يهتز استحساناً له، والسلف يقولون أيضاً: إن الكلام تنبيه على مزيد جلالته تعالى وعظمته سبحانه ورمز إلى أن آلهتهم أرضية أم سماوية مقهورة تحت سلطانه عز وجل إلا أنهم لا يقولون: إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ولا اليمين مجاز عن القدرة بل ينزهون الله تعالى عن الأعضاء والجوارح ويؤمنون بما نسبه إلى ذاته بالمعنى الذي أراده سبحانه وكذا يفعلون في الأخبار الواردة في هذا المقام. فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن مسعود قال: حديث : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إنا نجد الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع فيقول: أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله عليه الصلاة والسلام {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } الآية تفسير : ، والمتأولون يتأولون الأصابع على الاقتدار وعدم الكلفة كما في قول القائل: أقتل زيداً بأصبعي، ويبعد ذلك ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس قال: مر يهودي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس قال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه وأشار بالسبابة والأرضين على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه؟ كل ذلك يشير بأصابعه فأنزل الله تعالى {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } وجعل بعض المتأولين الإشارة إعانة على التمثيل والتخييل. وزعم بعضهم أن الآية نزلت رداً لليهودي حيث شبه وذهب إلى التجسيم وإن ضحكه عليه الصلاة والسلام المحكي في الخبر السابق كان للرد أيضاً وأن «تصديقاً له» في الخبر من كلام الراوي على ما فهم، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر جداً، وجعلوا أيضاً من باب الإعانة على التمثيل وتخييل العظمة فعله عليه الصلاة والسلام حين قرأ هذه الآية، فقد أخرج الشيخان والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم المنبر {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده ويحركها يقبل بها ويدبر يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا ليخرن به» وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى ابن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : يأخذ الله تعالى سماواته وأرضيه بيديه ويقول: أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك»تفسير : . وفي «شرح الصحيح» للإمام النووي نقلاً عن المازري أن قبض النبـي صلى الله عليه وسلم أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وحكاية للمبسوط المقبوض وهو السماوات والأرضون لا إشارة إلى القبض والبسط الذي هو صفة للقابض والباسط سبحانه وتعالى ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة انتهى. ثم إن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن قبض الأرض بعد طي السماوات وأنه بيد أخرى. أخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطوي الله تعالى السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أين الجبارون أين المتكبرون؟، وفي «الشرح» نقلاً عن المازري أيضاً أن إطلاق اليدين لله تعالى متأول على القدرة، وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد في النفوس، وذكر اليمين والشمال حتى يتم التأول لأنا نتناول باليمين ما نكرمه وبالشمال ما دون ولأن اليمين في حقنا تقوى لما لا تقوى له الشمال، ومعلوم أن السماوات أعظم من الأرض فأضافها إلى اليمين وأضاف الأرضين إلى الشمال ليظهر التقريب في الاستعارة وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأن شيئاً أخف عليه من شيء ولا أثقل من شيء انتهى. والصوفية يقولون بالتجلي الصوري مع بقاء الإطلاق والتنزيه المدلول عليه بليس كمثله شيء، والأمر عليه سهل جداً. ثم إن التصرف في الأرض والسماوات يكون والناس على الصراط كما جاء في خبر رواه مسلم عن عائشة مرفوعاً، وروي أيضاً عن أبـي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة»تفسير : والكلام في هذا الخبر كالكلام في نظائره، وإياك من التشبيه والتجسيم، وكذا من نسبة ذلك إلى السلف ولا تك كالمعتزلة في التحامل عليهم والوقيعة فيهم، ويكفي دليلاً على جهل المعتزلة بربهم زعمهم أنه عز وجل فوض العباد فهم يفعلون ما لا يشاء ويشاء ما لا يفعلون. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي أبعد من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم أو عما يشركونه من الشركاء ـ فسبحان ـ للتعجب وتتعلق به {عَنْ } بالتأويل بما ذكر و{مَا } تحتمل المصدرية والموصولية.

ابن عاشور

تفسير : لما جرى الكلام على أن الله تعالى خلق كل شيء وأن له مقاليد السماوات والأرض وهو مُلك عوالم الدنيا، وذيل ذلك بأن الذين كفروا بدليل الوحدانية هم الخاسرون، وانتقلَ الكلام هنا إلى عظمة مُلك الله تعالى في العالم الأخروي الأبدي، وأن الذين كفروا بآيات الله الدالة على ملكوت الدنيا قد خسروا بترك النظر، فلو اطلعوا على عظيم ملك الله في الآخرة لقدّروه حقّ قدره فتكون الواو عاطفة جملة {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} على جملة {أية : له مقاليد السموات والأرض}تفسير : [الزمر: 63] ويكون قوله: {وما قدروا الله} الخ معترضاً بين الجملتين، اقتضاها التناسب مع جملة {أية : والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون}تفسير : [الزمر: 63]. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {أية : الله خالق كل شيء} تفسير : [الزمر: 62] فتكون جملة {وما قدروا الله حق قدره} وجملة {والأرض جميعاً قبضته} كلتاهما معطوفتين على جملة {أية : الله خالق كل شيء}تفسير : [الزمر: 62]. والمعنى: هو هو، إلا أن الحال أوضح إفصاحاً عنه. ويجوز أن تكون جملة {والأرض جميعاً قبضته} عطفَ غرض على غرض انتُقل به إلى وصف يوم القيامة وأحوال الفريقين فيه، وجملة {وما قدروا الله حق قدره} اعتراضاً، وهو تمثيل لحال الجاهل بعظمة شيء بحال من لم يحقق مقدار صُبرة فنقصها عن مقدارها، فصار معنى {ما قدروا الله}: ما عرفوا عظمته حيث لم ينزهوه عما لا يليق بجلاله من الشريك في إلٰهيته. و {حقَّ قدره} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي ما قدروا الله قدرَه الحقَّ، فانتصب {حَقَّ} على النيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع، وتقدم نظير هذا في سورة الأنعام. وجميع: أصله اسم مفعول مثل قتيل، قال لبيد:شعر : عريت وكان بها الجَميع فأبكروا منها وغودر نؤيها وثمامها تفسير : وبذلك استعمل توكيداً مثلَ (كلّ) و (أَجمَع) قال تعالى: {أية : يوم يبعثهم اللَّه جميعاً}تفسير : في سورة [المجادلة: 6]. وقد وقع {جميعاً} هنا حالاً من {الأرض} واسم {الأرض} مؤنث فكان تجريد (جميع) من علامة التأنيث جرياً على الوجه الغالب في جريان فعيل بمعنى مفعول على موصوفه، وقد تلحقه علامة التأنيث كقول امرىء القيس:شعر : فلو أنها نفس تموت جميعةٌ ولكنها نفس تَسَاقَطُ أنفسا تفسير : وانتصب {جميعاً} هنا على الحال من {الأرض} وتقدم نظيره آنفاً في قوله: {أية : قل لله الشفاعة جميعاً} تفسير : [الزمر: 44]. والقبضة بفتح القاف المرّة من القَبْض، وتقدم في قوله: {أية : فقبضت قبضة من أثر الرسول}تفسير : في سورة [طه: 96]. والإِخبار عن الأرض بهذا المصدر الذي هو بمعنى المفعول كالخَلق بمعنى المخلوق للمبالغة في الاتصاف بالمعنى المصدري وإنما صيغ لها وزن المرة تحقيراً لها في جانب عظمة ملك الله تعالى، وإنما لم يُجَأْ بها مضمومة القاف بمعنى الشيء المقبوض لئلا تفوت المبالغة في الاتصاف ولا الدلالة على التحقير فالقَبضة مستعارة للتناول استعارة تصريحية، والقبضة تدل على تمام التمكن من المقبوض وأن المقبوض لا تصرّف له ولا تحرّك. وهذا إيماء إلى تعطيل حركة الأرض وانقماع مظاهرها إذ تصبح في عالم الآخرة شيئاً موجوداً لا عمل له وذلك بزوال نظام الجاذبية وانقراض أسباب الحياة التي كانت تمد الموجودات الحية على سطح الأرض من حيوان ونبات. وطَيُّ السماوات: استعارة مكنية لتشويش تنسيقها واختلال أَبعاد أجرامها، فإن الطي ردّ ولفّ بعض شُقق الثوب أو الوَرق على بعض بعد أن كانت مبسوطة منتشرة على نسق مناسب للمقصود من نشره فإذا انتهى المقصود طوي المنشور، قال تعالى: {أية : يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده} تفسير : [الأنبياء: 104]. وإثبات الطي تخييل. والباء في {بِيَمِينِه} للآلة والسببية. واليمين: وصف لليد ولا يدَ هنا وإنما هي كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين قال الشاعر أنشده الفرّاء والمبرد، قال القرطبي: شعر : ولما رأيتُ الشمس أشرقَ نورها تَناولتُ منها حَاجتي بيمين تفسير : أي بقدرة. وضمير (منها) يعود على مذكور في أبيات قبله. والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ الأرض في قَبضته ومن كانت السماوات مطويةً أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيَّل وهي تمثيلية تنحل أجزاؤها إلى استعارتين، وفيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة ولكن نظامهما المعهود اعتراه تعطيل، وفي «الصحيح» عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أَنَا المَلِك أَين ملوك الأرض»تفسير : . وعن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنّا نجد أن الله يجعل السماوات على إِصبَع، والأرضينَ على إصبع، والشجَر على إصبع، والماءَ والثَّرى على إصبع، وسائر الخلق على اصبَع. فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون}. ومعنى قوله: ثم قرأ هذه الآية، نزلت قبل ذلك لأنها مما نزل بمكة. والحَبر من أحبار يهود المدينة، وقول الراوي: تصديقاً لقول الحَبر، مُدرَج في الحديث من فهم الراوي كما جزم به أبو العباس القرطبي في كتابه: «المفهم على صحيح مسلم»، وقال الخطّابي رَوى هذا الحديث غيرُ واحد عن عبد الله بن مسعود من طريق عَبِيدة فلم يذكروا قوله تصديقاً لقول الحَبر، ولعله من الراوي ظَنٌّ وحسبان، ا هـــ. أي فهو من إدراج إبراهيم النخعي رواية عن عَبِيدَة. وإنما كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء بالحَبر في ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يداً وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم ولذلك أعقبه بقراءة {وما قدروا الله حق قدره} لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحَبر ونظراؤه من الجسمية، وذلك معروف من اعتقادهم وقد ردّه القرآن عليهم غيرَ مرة مما هو معلوم فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى التصريح بإبطاله واكتفى بالإِشارة التي يفهمها المؤمنون، ثم أشار إلى أن ما توهمه اليهودي توزيعاً على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف. وفي بعض روايات الحديث فنزل قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} وهو وهَم من بعض رواته وكيف وهذه مكية وقصة الحبر مدنية. وجملة {سبحانه وتعالى عما يشركون} إنشاء تنزيه لله تعالى عن إشراك المشركين له آلهةً وهو يؤكد جملة {وما قدروا الله حق قدره}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 67-وما عظَّم المشركون الله حق عظمته، وما عرفوه حق معرفته إذ أشركوا معه غيره، ودعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الشرك به، والأرض جميعها مملوكة له يوم القيامة، والسموات قد طويت - كما تطوى الثياب - بيمينه، تنزه الله عن كل نقص، وتعالى علواً كبيراً عما يشركونه من دونه. 68- وسينفخ - حتماً - فى الصور، فيموت من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله أن يؤخرهم إلى وقت آخر، ثم نفخ فيه أخرى فإذا الجميع قائمون من قبورهم ينتظرون ما يُفعل بهم. 69- وأضاءت الأرض - يومئذ - بنور خالقها ومالكها، وأعد الكتاب الذى سجلت فيه أعمالهم، وأحضر الأنبياء والعدول ليشهدوا على الخلق، وفصل بين الخلق بالعدل، وهم لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب. 70- وأعطيت كل نفس جزاء عملها، والله أعلم بفعلهم. 71- وحُثَّ الكافرون على السير - بعنف - إلى جهنم جماعات جماعات، حتى إذا بلغوها فتحت أبوابها، وقال لهم حراسها - موبخين -: ألم يأتكم سفراء عن الله من نوعكم، يقرأون عليكم آيات ربكم، ويُخوِّفونكم لقاء يومكم هذا؟ قال الكافرون مقرين: بلى جاءتنا الرسل، ولكن وجبت كلمة العذاب على الكافرين، لاختيارهم الكفر على الإيمان.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما قدروا الله حق قدره: أي ما عظموا الله حق عظمته ولا عرفوه حق معرفته حين أشركوا في عبادته غيره من أوثانهم. والأرض جميعا قبضته: أي والأرض بجميع أجزائها قبضته. والسماوات مطويات: أي والسماوات السبع مطويات بيمينه. سبحانه وتعالى عما يشركون: أي تقدس وتنزه عما يشرك به المشركون من أوثان. ونفخ في الصور: أي نفخ إسرافيل نفخة الصعق. ثم نفخ فيه أخرى: أي مرة أخرى وهي نفخة القيام لرب العالمين. وأشرقت الأرض بنور ربها: أي أضاءت الأرض بنور الله تعالى حين يتجلى لفصل القضاء. ووضع الكتاب: أي كتاب الأعمال للحساب. وجيئ بالنبين والشهداء: أي بالنبيين ليشهدوا على أممهم، والشهداء محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته. وقضي بينهم بالحق: أي بالعدل وهم لا يظلمون لا بنقص حسناتهم ولا بزيادة سيئاتهم. وهو أعلم بما يفعلون: أي أعلم حتى من العاملين أنفسهم. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} إنه بعد أن قرر تعالى التوحيد وندد بالشرك والمشركين أخبر تعالى ناعياً على المشركين شركهم ودعوتهم نبيه للشرك بأنهم بفعلهم ذلك ما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق عظمته وذلك لجهلهم به تعالى حين عبدوا معه غيره ودعوا نبيه إلى ذلك، وقوله: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} فالذي يجعل الأرض بكل طبقاتها وأجزائها في قبضته والسماوات يطويها بيمينه فالسماوات والأرض جميعا في يده، ويقول أنا الملك أين الملوك. فصاحب هذه القدرة العظمى كيف يعبد معه آلهة أخرى هي أصنام وتماثيل أوثان. ولذا نزه تعالى نفسه بقوله {سُبْحَانَهُ} أي تنزه وتقدس عن الشريك والنظير والصاحبة والولد وعن صفات المحدثين، وتعالى عما يشركون أي ترفع عن أن يكون له شريك وهو رب كل شيء ومليكه. وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} الآية هذا عرض لمظاهر القدرة التي يتنافى معها عقلاً وجود من يستحق العبادة معه سبحانه وتعالى، والنافخ في الصور أي البوق إسرافيل قطعا إذْ هو الموكل بالنفخ في الصور فإذا نفخ هذه النفخة صعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فهذا استثناء دال على أن بعضا من المخلوقات لم يصعق في هذه النفخة، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ} أي في الصور نفخة {أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} هذه النفخة تسمى نفخة القيام لله رب العالمين لأجل الحساب وقوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} أي كتاب الأعمال للحساب {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ} ليشهدوا على أممهم وجيء بالشهداء وهم أمة محمد يشهدون على الأمم السابقة بأن رسلها قد بلغتهم دعوة الله، وشهادة أمة محمد قائمة على ما أخبرهم تعالى في كتابه القرآن الكريم أن الرسل قد بلغت رسالات ربها لأممها، ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}تفسير : [البقرة: 143] أي خياراً عدولا {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143] وقوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} أي وحكم الله تعالى بين العباد بالعدل، ووفي كل نفس ما عملت من خير أو شر، وهو تعالى أعلم بما يفعلون حتى من العاملين أنفسهم ولذا سيكون الحساب عادلاً لا حيف فيه لخلوه من الخطأ والغلط والجهل والنسيان لتنزه البارئ عز وجل عن ذلك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مظاهر عظمة الرب تعالى التي يتنافى معها الشرك به عز وجل في عباداته. 2- تقرير البعث والجزاء بيان أحواله وما يجري. 3- بيان عدالة الله في قضائه بين عباده في عرصات القيامة. 4- فضيلة هذه الأمة بقبولها شاهدة على الأمم التي سبقتها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} {ٱلسَّمَاوَاتُ} {مَطْوِيَّاتٌ} {سُبْحَانَهُ} {تَعَالَىٰ} (67) - مَا عَظَّمَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ اللهَ حَقَّ التَّعْظِيمِ الذِي يَسْتَحِقُّهُ جَنَابُهُ، إِذ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ العَظِيمُ القَادِرُ، المَالِكُ لِكُلِّ شَيءٍ، وَالأَرْضُ كُلُّهَا تَكُونُ فِي قَبْضَتِهِ تَعَالَى، وَطَوْعَ أَمْرِهِ وَتَحْتَ قَدَرِهِ وَسُلْطَانِهِ، والسَّمَاوَاتُ تُطْوَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِيَمِينِهِ تَعَالَى طَيَّ السِّجِل عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الكِتَابَةِ، لاَ يَسْتَعْصِي عَلَيِهِ شَيءٌ، تَعَالَى الله وَتَنَّزَهَ عَمَّا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ، وعَمَّا يَجْعَلُونَ لَهُ مِنَ الشُّرَكَاءِ وَالأَنْدَادِ، والصَّاحِبَةِ والوَلَدِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 67] يعني: ما قدروه وما عظَّموه التعظيم المناسب له سبحانه، يعني: ما عرفوا لله قيمته، ولذلك أشركوا به، والشرك في حَدِّ ذاته عدم تقدير الله حَقَّ قدره. وقد فعلوا ذلك والحال أن {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] إذن: كيف يحدث منكم ذلك؟ أغفلتم عن هذه الحقيقة؟ إنكم سوف تروْنَ عاقبة فعلكم في الآخرة. ومعنى {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} [الزمر: 67] نقول: هذا الأمر في يدي يعني: أنا مُتمكن منه تمكُّناً بحيث لا يفلت منِّي، وليس من الضروري بالنسبة لله تعالى أن يكون في المسألة قبضة أو يد، فهنا كناية عن القوة والتمكُّن، كما نقول مثلاً قبضنا على المجرم يعني: أصبح في حوزتنا ولم يَعُدْ مطلق السراح في الحياة يفعل ما يشاء. وسبق أنْ قلنا: إذا ذُكر للحق سبحانه وصفٌ له مثيل في عباده فخُذْه في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] ومن ذلك صفة السمع والبصر واليد والعلم .. إلخ. وكلمة {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً} [الزمر: 67] أي: أرضنا التي نعيش عليها وأمثالها من الأراضين لأن الحق سبحانه قال: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12] هذا كله في مجموعتنا الشمسية، فما بالك بباقي المجموعات والمجرَّات التي تحوي الملايين مثل أرضنا: {أية : وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ} تفسير : [الشورى: 29]. وقوله: {وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] يطويها بقدرته تعالى، واليمين عندنا هي الفاعلة في الأشياء وهي مصدر القوة؛ لذلك قال سبحانه: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الصافات: 28] أي من جهة القوة، وفي موضع آخر قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} تفسير : [الأنبياء: 104]. لكن أيّ أرض نعني في قوله تعالى: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} [الزمر: 67] قالوا: هي أرض غير الأرض التي نعرفها، لأن الأرض ستُبدل في الآخرة، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ} تفسير : [إبراهيم: 48] لأن أرض الدنيا أرضُ أسباب، نعيش عليها ونأكل من ثمرها ونزاول فيها حياتنا، أما في الآخرة فالحياة فيها بالمسبِّب سبحانه. أرض الآخرة لا زرعَ فيها ولا حرثَ ولا حصادَ، إنما تأكل وتشرب بمجرد إرادة الأكل أو الشرب، فما يخطر على بالك تجده بين يديْكَ لا بأسباب، إنما بقدرة المسبِّب سبحانه، كذلك السماء في الدنيا سماء أسباب ينزل منها المطر وتشرق فيها الشمس، ويُنوِّرها القمر، أما في الآخرة فلا شيء من ذلك لا مطرَ ولا شمسَ ولا قمر، إنما تُنوِّر الأرض بنور ربها. وقوله تعالى في ختام هذه الآية {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] أمر بأن نقول سبحان الله، وأنْ ننزِّهه تعالى عن مشابهة خَلْقه في مسألة القبضة وفي طَيِّ السماء، لأنه ليس كالطَّيِّ الذي نعرفه نحن، إنما ينبغي أن نأخذ هذه الصفات في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] فنزه الله عما يقوله المشركون.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} معناه مَفنياتٌ بقدرتِهِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: وما قدر هؤلاء المشركون ربهم حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، بل فعلوا ما يناقض ذلك، من إشراكهم به من هو ناقص في أوصافه وأفعاله، فأوصافه ناقصة من كل وجه، وأفعاله ليس عنده نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا يملك من الأمر شيئا. فسووا هذا المخلوق الناقص بالخالق الرب العظيم، الذي من عظمته الباهرة، وقدرته القاهرة، أن جميع الأرض يوم القيامة قبضة للرحمن، وأن السماوات - على سعتها وعظمها - مطويات بيمينه، فلا عظمه حق عظمته من سوَّى به غيره، ولا أظلم منه. { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: تنزه وتعاظم عن شركهم به.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [67] 470 - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، قال: حديث : جاء حبرٌ من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أبا القاسمِ، إذا كان يومُ القيامةِ، جعل اللهُ السماوات على إصبعٍ، والأرضين على إصبعٍ، والماء والثرى على إصبعٍ، والشجر على إصبعٍ، والخلائق كُلَّهُمْ إصبعٍ، ثم يَهُزُّهُنَّ ويقولُ: أنا الملِكُ". فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحكَ حتى بدت نواجذُهُ تعجباً لما قال: وتصديقاً لهُ، ثم قرأ {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} . تفسير : 471 - أخبرنا محمد بن المُثنى، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني منصورٌ وسليمانُ، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللهِ، حديث : أن يهودياً جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إن الله يُمسكُ السماواتِ على أُصبعٍ، والأرضين على أُصبعٍ، والجبال والخلائق على أُصبعٍ، (قال): ثم يقول: أنا الملكُ. فضحك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذُهُ، وقال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} . تفسير : قال يحيى: وزاد فيه فُضيل بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله: حديث : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً . تفسير : (قال أبو عبد الرحمن): خالفهُ عيسى بن يُونس؛ رواهُ عن الأعمش، (عن إبراهيم]، عن علقمة، عن عبد الله. 472 - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: حديث : جاءَ رجلٌ من أهل الكتاب إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم/، فقال: إن الله (عَزَّ وجَلَّ) يحملُ السماوات على أُصبعٍ، ويحملُ الأرضين على أُصبعٍ، ويحملُ الماء [والثرى] على أُصبعٍ، ويحملُ الشجر على أُصبعٍ/، ويحملُ الخلائق كُلها على أُصبعٍ، ثم يقول: أنا الملكُ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذهُ . تفسير : قوله تعالى: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} [67] 473 - أخبرنا سُويدُ بن نصرٍ، قال: أخبرنا عبد الله، عن عنبسة بن سعيدٍ، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: حدَّثتني عائشةُ حديث : أنها سألت رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم عن قوله [عَزَّ وَجَلَّ] {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (قُلْتُ): فأين الناسُ يومئذٍ؟ قال: "على جسر جهنم ". تفسير : 474 - أخبرنا عمرو بن منصورٍ، قال: حدثنا عبد الحميد بن صالحٍ أبو صالحٍ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : [كُلُّ أهلِ الجنةِ] يقولُ: لو(لا) أنَّ الله هداني فيكون لهُ شُكراً، وكُلُّ أهل النار يقول: {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي} [57] ليكون عليه حسْرةً ". تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [67] 475 - أخبرنا يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يُونسُ، عن ابن شِهابٍ، قال: حدثني سعيدُ ابن المسيِّيبِ، أن أبا هُريرة كان يقولُ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقبضُ الله الأرضين يوم القيامة ويطوي السماواتِ بيمينِهِ، ثم يقولُ: أنا الملِكُ، أين ملوكُ الأرضِ ".

همام الصنعاني

تفسير : 2639- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}: [الآية: 67]، قال: حديث : إذا كانَ يَوْمُ القيامَةِ طوى الله السماوات بيمينه، والأرض قبضته، ثم يقول: لِي المُلْكُ، أيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ ؟.