٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
68
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى مخبراً عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} هذه النفخة هي الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض إلا من شاء الله؛ كما جاء مصرحاً به مفسراً في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين، حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولاً، وهو الباقي آخراً، بالديمومة والبقاء، ويقول: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] أنا الذي كنت وحدي، وقد قهرت كل شيء، وحكمت بالفناء على كل شيء، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ بالصور مرة أخرى، وهي النفخة الثالثة نفخة البعث، قال الله عز وجل: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} أي: أحياء بعدما كانوا عظاماً ورفاتاً صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } تفسير : [النازعات: 13 ــــ 14]. وقال عز وجل: {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 52] وقال جل وعلا: {أية : وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} تفسير : [الروم: 25] قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت رجلاً قال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: إنك تقول: الساعة تقوم إلى كذا وكذا، قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئاً، إنما قلت: سترون بعد قليل أمراً عظيماً، ثم قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين، لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر، فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين سبعاً ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى لو أنّ أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه» تفسير : قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ــــ قال: ــــ فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى له، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه، فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى أو ينزل الله عز وجل مطراً كأنه الطل ــــ أو الظل شك نعمان ــــ فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم، {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُون} ــــ قال ــــ ثم يقال: أخرجوا بعث النار ــــ قال: ــــ فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعين، فيومئذٍ تبعث الولدان شيباً، ويومئذٍ يكشف عن ساق» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه. (حديث أبي هريرة رضي الله عنه) وقال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح قال، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : ما بين النفختين أربعون» تفسير : قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال رضي الله تعالى عنه: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، فيه يركب الخلق. وقال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سألت جبريل عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} من الذين لم يشأ الله تعالى أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء يتقلدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت، نمارها ألين من الحرير، مد خطاها مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنة يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا لننظر كيف يقضي بين خلقه، يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن، فلا حساب عليه» تفسير : رجاله كلهم ثقات، إلا شيخ إسماعيل بن عياش، فإنه غير معروف، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله تبارك وتعالى: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء، {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ} قال قتادة: كتاب الأعمال، {وَجِـىءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله إليهم، {وَٱلشُّهَدَآءِ} أي: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر، {وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} أي: بالعدل، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} قال الله تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء: 47] وقال جل وعلا: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] ولهذا قال عز وجل: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي: من خير وشر، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } النفخة الأولى {فَصَعِقَ } مات {مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ ٱللَّهُ } من الحور والولدان وغيرهما {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ } أي جميع الخلائق الموتىٰ {قِيَامٌ يَنظُرُونَ } ينتظرون ما يفعل بهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ونفخ في الصُّور فصعق مَنْ في السموات ومن في الأرض} فيه وجهان: أحدهما: أن الصعق الغَشي، حكاه ابن عيسى. الثاني: وهو قول الجمهور أنه الموت وهذا عند النفخة الأولى. {إلا من شاء الله} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام. وملك الموت يقبض أرواحهم بعد ذلك، قاله السدي ورواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: الشهداء، قاله سعيد بن جبير. الثالث: هو الله الواحد القهار، قاله الحسن. {ثم نفخ فيه أخرى} وهي النفخة الثانية للبعث. {فإذا هم قيام ينظرون} قيل قيام على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وعدوا به. ويحتمل وجهاً آخر ينظرون ما يؤمرون به. قوله عز وجل: {وأشرقتِ الأرض} إشراقها إضاءتها، يقال أشرقت الشمس إذا أضاءت، وشَرَقت إذا طلعت. وفي قوله {بِنُورِ رَبِّها} وجهان: أحدهما: بعدله، قاله الحسن. الثاني: بنوره وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه نور قدرته. الثاني: نور خلقه لإشراق أرضه. الثالث: أنه اليوم الذي يقضي فيه بين خلقه لأنه نهار لا ليل معه. {ووضع الكتاب} فيه وجهان: أحدهما: الحساب، قاله السدي. الثاني: كتاب أعمالهم، قاله قتادة. {وجيء بالنبين الشهداء} فيهم قولان: أحدهما: أنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم للأنبياء أنهم قد بلغوا، وأن الأمم قد كذبوا، قاله ابن عباس. الثاني: أنهم الذين استشهدوا في طاعة الله، قاله السدي. {وقضي بينهم بالحق} قال السدي بالعدل {وهم لا يظلمون} قال سعيد بن جبير لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَصَعِقَ} الصعقة: الغشية، أو الموت عند الجمهور {إِلا مَن شَآءَ اللَّهُ} جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ثم يقبض ملك الموت أرواحهم بعد ذلك مأثور، أو الشهداء، أو هو الله الواحد القهار. والعجب من الحسن يقول هذا مع أن المشيئة لا تتعلق بالقديم {قِيَامٌ} على أرجلهم {يَنظُرُونَ} إلى البعث الذي أُعيدوا به.
البقاعي
تفسير : ولما دل على عظيم قدره بعض ما يكون يوم القيامة، أتبعه ما لا يحتمله القوي من أحوال ذلك اليوم دليلاً آخر، فقال دالاً على عظيم قدرته وعزه وعظمته بالبناء للمفعول: {ونفخ في الصور} أي القرن العاطف للأشياء المقبل بها نحو صوته المميل لها عن أحوالها العالي عليها في ذلك اليوم بعد بعث الخلائق وهي النفخة الأولى بعد البعث التي هي بعد نفختي الموت والبعث المذكورتين في سورة يس، والمراد بها - والله أعلم - إلقاء الرعب والمخافة والهول في القلوب إظهاراً للعظمة وتردياً بالكبرياء والعز في عزة يوم المحشر ليكون أول ما يفجأهم يوم الدين ما لا يحتمله القوي، ولا تطيقه الأحلام والنهى، كما كان آخر ما فجأهم في يوم الدنيا وإن افترقا في التأثير، فإن تلك أثرت الموت، وهذه أثرت الغشي لأنه لا موت بعد البعث، وهي الثالثة من النفخات {فصعق} أي مغشياً عليه {من في السماوات} ولما كان المقام التهويل، وكان التصريح أهول، أعاد الفاعل بلفظه فقال: {ومن في الأرض}. ولما كان منهم من لا يصعق ليعرف دائماً أنه في كل فعل من أفعاله مختار قادر جبار، استثناه فقال: {إلا من شاء الله} أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز، فيجعل الشيء الواحد هلاكاً لقوم دون قوم، وصعقاً لقوم دون قوم، يجعل ذلك الذي كان به الهلاك به الحياة وذلك الذي كان به الغشي به الإفاقة وإن كان بالنسبة إليهم على حد سواء، إعلاماً بأن الفاعل لما يريد لا الأثر، قيل: المستثنون الشهداء وقيل: غيرهم {ثم نفخ فيه أخرى} أي نفخة ثانية من هذه، وهي رابعة من النفخة المميتة، ودل على سرعة تأثيرها بالفجاءة في قوله: {فإذا هم قيام} أي قائمون كلهم {ينظرون *} أي يقبلون أبصارهم أو ينتظرون ما يأتي بعد ذلك من أمثاله من دلائل العظمة، وهاتان النفختان هما المرادتان في حديث تخاصم اليهود مع المسلم الذي لطم وجهه، وفي آخره: حديث : يصعق الناس يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطورتفسير : - وقد رواه البخاري في الخصومات في موضعين، وفي أحاديث الأنبياء في موضعين، وفي الرقاق وفي التوحيد ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، والنسائي في التفسير والنعوت، وبتفصيل رواياته وجمع ألفاظها يعلم أن ما ذكرته هو المراد, روى البخاري ومسلم في أحاديث الأنبياء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : بينما يهودي يعرض سلعة له - وقال البخاري: سلعته - أعطى بها شيئاً كرهه أو لم يرضه، قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر! فسمعه رجل من الأنصار فلطم - وقال البخاري: فقام فلطم وجهه، قال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهداً، وقال: فلان لطم وجهي، - وقال البخاري: فما بال فلان لطم وجهي؟ - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم لطمت وجهه؟ قال: قال يا رسول الله "والذي اصطفى موسى على البشر" وأنت بين أظهرنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث تفسير : - وفي رواية مسلم:حديث : أو في أول من بعث - فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور أو بعث قبلي ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متى,تفسير : وفي رواية للبخاري في تفسير الزمر: حديث : إني من أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة,تفسير : وفي رواية للبخاري في الخصومات والرقاق وأحاديث الأنبياء وهي لمسلم أيضاً قالا: استب رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود - وفي رواية لمسلم: رجل من اليهود ورجل من المسلمين - فقال المسلم: والذي اصفطى محمداً صلى الله عليه وسلم على العالمين، قال البخاري في كتاب التوحيد وأحاديث الأنبياء: في قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، قال البخاري: فغضب المسلم عند ذلك فلطم وجه اليهودي، وقال مسلم وكذلك البخاري في التوحيد والخصومات وأحاديث الأنبياء: فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، قال البخاري في الخصومات: فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم فسأله عن ذلك فأخبره - ثم اتفقا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون تفسير : قال البخاري في الرقاق والخصومات وأحاديث الأنبياء ونسخة في التوحيد:حديث : يوم القيامة فأكون في أول من يفيقتفسير : ، وفي رواية له في الخصومات؛حديث : فأصعق معهمتفسير : ، وفي رواية له في الرقاق وفي رواية في التوحيد وهي رواية لمسلم وأبي داود:حديث : فأكون أول من يفيق, فإذا موسى باطش بجانب العرش تفسير : ، وقال أبو داود:حديث : في جانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى اللهتفسير : ، وفي رواية:حديث : فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أو اكتفى بصعقة الطورتفسير : ، وفي رواية للبخاري في أحاديث الأنبياء:حديث : فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق أو كان ممن استثنى الله تفسير : - ولم يذكر قبلي وروى الحديث الترمذي في تفسير سورة الزمر وابن ماجه في الزهد: قال: قال اليهودي، وقال ابن ماجه: رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى وموسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يداً فصك بها وجهه - وقال ابن ماجه: فلطمه - قال: تقول هذا وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : ونفخ في الصورتفسير : - وقال ابن ماجه: تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:حديث : قال الله تعالى: ونفخ في الصور - فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من رفع رأسه فإذا موسى آخذتفسير : - وقال ابن ماجه:حديث : فإذا أنا بموسى آخذ - بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أم كان ممن استثنى الله، ومن قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذبتفسير : ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية للبخاري في الرقاق:حديث : يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أول من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش، فما أدري أكان فيمن صعقتفسير : ، قال: ورواه أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه، وللبخاري في الخصومات عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم! ضرب وجهي رجل من أصحابك، قال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، قال: ضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف "والذي اصطفى موسى على البشر" قلت: أي خبيث على محمد، فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرضتفسير : - وفي رواية في أحاديث الأنبياء:حديث : فأكون أول من يفيق - فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته الأولىتفسير : ، وفي رواية في أحاديث الأنبياء:حديث : فلا أدري أفاق قبلي أو حوسب بصعقة الطور تفسير : والله أعلم - هذا ما رأيته من ألفاظ الحديث في الكتب الستة، وأما معنى صعق فإنه صاح ومات فجأة أو غشي عليه، قال في القاموس: الصاعقة الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب، وصعق كسمع صعقاً ويحرك وصعقة وتصعاقاً: غشي عليه. والصعق محركة: شدة الصوت، وككتف: الشديد الصوت، وقال عبد الحق في الواعي: الأزهري: الصاعقة - يعني بالفتح - وأصعقتهم - إذا أصابتهم فصعقوا وصعقوا، ومنه حديث الحسن: ينتظر بالمصعوق ثلاثاً ما لم يخافوا عليه نتناً - يعني الذي مات فجأة، قال: والصاعقة مصدر جاء على فاعلة، تقول: سمعت صاعقة الرعد وثاغية الشاء، وقوله: {أية : وخر موسى صعقاً}تفسير : [الأعراف: 143] أي مغشياً عليه، دل على ذلك قوله سبحانه {فلما أفاق} إنما يقال: أفاق من العلة والغشية وبعث من الموت، قال: وجملة الصاعقة الصوت مع النار، وقال أبو عبد الله يعني القزاز: الصعق هو أن يسمع الإنسان صوت الهدة الشديدة فيصعق لذلك عقله، واشتقاق الصاعقة من هذا، سميت صاعقة لشدة صوتها وتقول: إنه لصعق، أي شديد الصوت، وكذا هو صعاق - انتهى. فتحرر من هذا أن الصعق يطلق على الموت فجأة، وعلى الغشي كذلك، وأن الإفاقة لا تكون إلا عن غشي لا عن موت، فعلم أن الصعقة في هذه الآية إنما هي غشي لأن الثانية عنها إفاقة، وأيضاً فمن الأمر المحقق أنه لا يموت أحد من أهل البرزخ فكيف بالأنبياء عليهم السلام، فالصواب حمل الصعقة المذكورة في الحديث على الغشي أو ما يشبهه، ويؤيده التجويز لأن تكون صعقة الطور جزاء عنها، وعلى تقدير أن تكون غشياً إن قلنا إنه يكون بنفخة الإماتة يلزم عليه أن لا يكون للغشي ولا لعدمه مدخل في الشك في أن موسى عليه السلام أفاق قبل أو لم يحصل له غشي أصلاً، لأن الذي يكون به بطشه بالعرش - وهو بروحه وجسه - إنما هو البعث من الموت لا الإفاقة من الغشي ولا عدم الغشي قبل البعث، فالذي يوضح الأمر ولا يدع فيه لبساً أن يكون ذلك بعد البعث، وتكون حينئذ النفخات أربعاً: الأولى لإماتة الأحياء، الثانية لإحياء جميع الموتى، وهاتان هما المذكورتان في سورة يس، ولذلك لما ذكرهما صرح في أمرهما بما لا يحتمل غيره {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} الثالثة لابتدائهم بعد البعث بالهول الشديد، والحال يقتضيه لأن ذلك اليوم يوم الأهوال والارعاب والارهاب، وإظهار العظمة والجلال لتقطيع الأسباب، والذي يدل عليه في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في كثير من رواياته: "حديث : فإن الناس يصعقون يوم القيامة" تفسير : فإن يوم القيامة اسم للوقت الذي أوله البعث وآخره تكامل دخول كل فريق إلى داره ومحل استقراره، وأما صعقة الموت فإنها في دار الدنيا وهي للإنامة لا للإقامة، ويضعف حمله على ما قبل البعث الروايات الصحيحة الجازمة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض، وما حكاه الكرماني من الإجماع على ذلك ولا فخر فيه إلا بحصول البعث لا بإظهار الجسد من غير بعث، فهذا الجزم ينافي ذلك الشك، فإذا كان المراد بما في الحديث الغشي كانت نفخة أخرى للإيقاظ منه، وهاتان المرادتان بما في هذه السورة كما في رواية السورة كما في رواية الترمذي وما في النمل، ولذلك عبر عنها بالفزع، ويؤيد ذلك التعبير في رواية البخاري في التفسير بالنفخة الآخرة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، ولو أنهما نفختان فقط كان التعبير بالآخرة قاصراً عما تفيده الثانية مع المساواة في عدة الحروف، وهو مما لا يظن ببليغ، فكيف بأبلغ الخلق المؤيد بروح القدس صلى الله عليه وسلم فكان العدول عن الثانية إلى الآخرة مفيداً أنها أربع، ولعل ذلك معنى {أية : أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} تفسير : [غافر: 11] وسميت إماتة لشدة الغشي بها لعظم أمرها ومعنى زلزلة الساعة التي تسكر، ويؤيده التعبير عن القيام منها بالإفاقة لا بالبعث، ولا يعكر على هذا شيء إلا رواية البخاري في الخصومات:حديث : فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسىتفسير : - إلى آخره، فالظاهر أن راويها وهم، أو روي بالمعنى فما وفى بالغرض، والراجح روايات من قالوا:حديث : فأكون أول من يفيقتفسير : - بالكثرة وبزوال الإشكال، هذا ما كان ظهر لي في النظر في المعنى وتطبيق الآيات والأحاديث عليه، ثم رأيت شيخنا حافظ عصره أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني المصري رحمه الله نقل ما جمعت به بين الروايات في كتاب الأنبياء من شرحه للبخاري عن القاضي عياض فقال: وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض. وأقره على ذلك ثم نقل عن ابن حزم عين ما قلته في النفخات فقال ما نصه: تكميل: زعم ابن حزم أن النفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة يموت فيها من بقي في الأرض، حياً، ثانيها نفخة إحياء فيقوم كل ميت، والثالثة نفخة فزع وصعق يفيقون منها كالمغشي عليهم، لا يموت منها أحد، والرابعة إفاقة من ذلك الغشي، ثم رده شيخنا بأن الصعقات أربع، ولا يستلزم كون النفخات أكثر من اثنتين، وذلك أنه ينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت من كان حياً ويغشى على من كان ميتاً، فهاتان صعقتان في النفخة الأولى، وينفخ النفخة الثانية فيفيق من كان مغشياً عليه ويحيى من كان ميتاً، فهاتان اثنتان في النفخة الثانية، وهذا الرد مردود لمن حقق ما قلته بأدنى تأمل، ويلزم عليه أن يكون أصفياء الله أشد حالاً وفزعاً ممن تقوم عليهم الساعة وهم شر عباد الله، والعجب أن الذي رده على ابن حزم سلّمه لعياض - والله الموفق.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر. فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه قال: أتقول هذا وفينا رسول الله؟ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قال الله {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} فاكون أوّل من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل" ". تفسير : وأخرج أبو يعلى والدارقطني في الأفراد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سئل جبريل عليه السلام عن هذه الآية {فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} من الذين لم يشإ الله أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء مقلدون باسيافهم حول عرشه، تتلقاهم الملائكة عليهم السلام يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت، أزمتها الدر برحائل السندس والإستبرق، نمارها ألين من الحرير، مدَّ خطاها مدَّ أبصار الرجل، يسيرون في الجنة يقولون عند طول البرهة؛ انطلقوا بنا إلى ربنا ننظر كيف يقضي بين خلقه؟ يضحك اليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي هريرة {فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} قال: هم الشهداء ثنية الله تعالى. وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله {إلا من شاء الله} قال: هم الشهداء ثنية الله، متقلدي السيوف حول العرش. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو نصر السجزي في الابانة وابن مردويه عن أنس قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله؟ قال "جبريل، وميكائيل، وملك الموت، واسرافيل، وحملة العرش. فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت: من بقي؟ وهو أعلم فيقول: رب سبحانك....! رب تعاليت ذا الجلال والاكرام بقي جبريل، وميكائيل، واسرافيل، وملك الموت. فيقول: خذ نفس ميكائيل. فيقع كالطود العظيم. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول سبحانك رب..! ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وملك الموت. فيقول مت يا ملك الموت، فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول: سبحانك..! يا ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وهو من الله بالمكان الذي هو به. فيقول: يا جبريل ما بد من موتك. فيقع ساجداً يخفق بجناحيه يقول: سبحانك رب...! تباركت وتعاليت ذا الجلال والاكرام، أنت الباقي وجبريل الميت الفاني، ويأخذ روحه في الخفقة التي يخفق فيها، فيقع على حيز من فضل خلقه على خلق ميكائيل كفضل الطود العظيم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أنس رفعه في قوله {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله...} قال: فكان ممن استثنى الله جبريل، وميكائيل، وملك الموت، فيقول الله - وهو أعلم: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول بقي وجهك الكريم، وعبدك جبريل، وميكائيل، وملك الموت. فيقول: توفَّ نفس ميكائيل. ثم يقول - وهو أعلم - يا ملك الموت من بقي؟ فيقول بقي وجهك الكريم، وعبدك جبريل، وملك الموت. فيقول، توف نفس جبريل. ثم يقول - وهو أعلم - يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: بقي وجهك الباقي الكريم، وعبدك ملك الموت وهو ميت. فيقول: مت. ثم ينادي أنا بدأت الخلق، وأنا أعيده فأين الجبارون المتكبرون؟ فلا يجيبه أحد. ثم ينادي لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد، فيقول هو لله الواحد القهار {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} . وأخرج ابن المنذر عن جابر {فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} قال: استثنى موسى عليه السلام لأنه كان صعق قبل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه {إلا من شاء الله} قال: هم حملة العرش. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ما يبقى أحد إلا مات، وقد استثنى والله أعلم مثنياه. وأخرج أحمد ومسلم عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين يوماً، أو أربعين عاماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين ليلة، فيبعث الله عيسى بن مريم عليه السلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يبعث الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإِيمان إلا قبضته حتى لو كان أحدهم في كبد جبل لدخلت عليه. يبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع. لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: الا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدوها وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا صغى. وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق. ثم يرسل الله مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} ثم يقال: أيا أيها الناس هلموا إلى ربكم {وقفوهم إنهم مسئولون} [الصافات: 24] ثم يقال: اخرجوا بعث النار فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك {يوم يجعل الولدان شيباً} [المزمل: 17] وذلك {يوم يكشف عن ساق} [القلم: 42] . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال: أبيت قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت قالوا: أربعون عاماً؟ قال: أبيت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإِنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة ". تفسير : وأخرج أبو داود في البعث وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ينفخ في الصور والصور كهيئة القرن، فصعق من في السموات ومن في الأرض. وبين النفختين أربعون عاماً، فيمطر الله في تلك الأربعين مطراً، فينبتون من الأرض كما ينبت البقل، ومن الإِنسان عظم لا تأكله الأرض. عجب ذنبه ومنه يركب جسده يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي عاصم في السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ينبت، ويرسل الله ماء الحياة فينبتون منه نبات الخضر، حتى إذا خرجت الأجساد، أرسل الله الأرواح فكان كل روح أسرع إلى صاحبه من الطرف، ثم ينفخ في الصور {فإذا هم قيام ينظرون} ". تفسير : وأخرج ابن المبارك عن الحسن قال: بين النفختين أربعون سنة. الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عمرو، "حديث : أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {الصور} فقال: "قرن ينفخ فيه" ". تفسير : وأخرج مسدد وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال {الصور} كهيئة القرن، ينفخ فيه. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن حبان وابن خزيمة وابن المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر فينفخ؟ قال المسلمون: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قالوا {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] على الله توكلنا ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعداً ينظر العرش، مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وهو صاحب الصور يعني اسرافيل ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والبزار وابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن صاحبي الصور بايديهما قرنان يلاحظان النظر حتى يؤمران ". تفسير : وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان ". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : النافخان في السماء الثانية. رأس أحدهما بالمشرق. ورجلاه بالمغرب. ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط بسند حسن عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها، وعندها كعب رضي الله عنه، فذكر اسرافيل عليه السلام فقالت عائشة: أخبرني عن إسرافيل عليه السلام؟ قال: له أربعة أجنحة. جناحان في الهواء، وجناح قد تسرول به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه. فإذا نزل الوحي كتب القلم، ودرست الملائكة، وملك الصور أسفل منه جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى، فالتقم الصور، فحنى ظهره وطرفه إلى إسرافيل ضم جناحيه أن ينفخ في الصور. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي بكر الهذلي قال: إن ملك الصور الذي وكل به إحدى قدميه لفي الأرض السابعة، وهو جاث على ركبتيه، شاخص ببصره إلى إسرافيل عليه السلام، ما طرف. منذ خلقه الله ينظر متى يشير إليه، فينفخ في الصور. وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق به، ثم قال كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة، ونفس منفوسة، لا يخرج روحاً من ثقب واحد، وفي وسط الصور كوة كاستدارة السماء والأرض. وإسرافيل عليه السلام واضع فمه على تلك الكوة. ثم قال له الرب عز وجل: قد وكلتك بالصور فأنت للنفخة وللصيحة، فدخل إسرافيل في مقدمة العرش، فادخل رجله اليمنى تحت العرش، وقدَّم اليسرى ولم يطرف منذ خلقه الله تعالى لينظر ما يؤمر به. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه نفخة الصور، وفيه الصعقة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كأني أنفض رأسي من التراب أول خارج، فالتفت فلا أرى أحداً إلا موسى متعلقاً بالعرش، فلا أدري أممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة فبعث قبلي؟ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي {فصعق} قال: مات {إلا من شاء الله} قال: جبريل، وإسرافيل، وملك الموت، ثم نفخ فيه أخرى، قال: في الصور. وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمران الجوني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما بعث الله إلى صاحب الصور فأخذه، فأهوى بيده إلى فيه، فقدم رجلاً وأخر رجلاً حتى يؤمر فينفخ، فاتقوا النفخة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {فإذا هم قيام ينظرون} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتاني ملك فقال: يا محمد اختر نبياً ملكاً أو نبياً عبداً قال: فأومأ إلى جبريل أن تواضع فقلت: نبياً عبداً، فأعطيت خصلتين. ان جعلت أول من تنشق عنه الأرض. وأول شافع، فارفع رأسي فاجد موسى آخذاً بالعرش فالله أعلم أصعق لهذه الصعقة الأولى، أم أفاق قبلي؟ {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم عن أبيه قال: كنت جالساً عند عكرمة فذكروا الذين يغرقون في البحر، فقال عكرمة: الحمد لله الذين يغرقون في البحار، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، فتقبلها الأمواج حتى تلقيها إلى البر، فتمكث العظام حيناً حتى تصير حائلة نخرة، فتمر بها الإِبل فتأكلها، ثم تسير الإِبل فتبعر، ثم يجيء بعدهم قوم فينزلون فيأخذون ذلك البعر، فيوقدونه في تلك النار، فتجيء ريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة قال الله {فإذا هم قيام ينظرون} فخرج أولئك وأهل القبور سواء. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن العاصي قال: ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب ايليا الشرقي. أو قال الغربي. والنفخة الثانية من باب آخر. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بين النفختين أربعون يقول الحسن فلا ندري أربعين سنة، أو أربعين شهراً، أو أربعين ليلة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بين النفختين أربعون قال أصحابه: فما سألناه عن ذلك، وما زاد. غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة قال: وذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة. حتى تطيب الأرض، وتهتز، وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ النفخة الثانية {فإذا هم قيام ينظرون} . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله {ونفخ في الصور} قال: {الصور} مع إسرافيل عليه السلام وفيه أرواح كل شيء يكون فيه {ثم نفخ فيه} نفخة الصعقة فإذا نفخ فيه نفخة البعث قال الله "بعزتي ليرجعن كل روح إلى جسده" قال: ودارة منها أعظم من سبع سموات ومن الأرض. فحلق الصور على إسرافيل وهو شاخص ببصره إلى العرش حتى يؤمر بالنفخة فينفخ في الصور. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {ونفخ في الصور...} قال: الأولى من الدنيا، والأخيرة من الآخرة. وأخرج عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والعصيان وأبو يعلى وأبو الحسن القطان في المطوّلات وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو موسى المديني كلاهما في المطوّلات وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وعنده طائفة من أصحابه: "حديث : إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور، فأعطاه اسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى السماء، فينظر متى يؤمر، فينفخ فيه. قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: القرن قلت فكيف هو؟ قال: عظيم. والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه لعرض السموات والأرض، فينفخ فيه النفخة الأولى فيصعق من في السموات ومن في الأرض، ثم ينفخ فيه أخرى {فإذا هم قيام ينظرون} لرب العالمين، فيأمر الله اسرافيل عليه السلام في النفخة الأولى أن يمدها ويطولها فلا يفتر وهو الذي يقول الله {ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} [ص: 15] فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترتج الأرض بأهلها رجاً فتكون كالسفينة الموسقة في البحر تضربها الرياح تنكفىء بأهلها كالقناديل المعلقة بالعرش، تميلها الرياح وهي التي يقول الله {يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذٍ واجفة} [النازعات: 5 - 8] فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها فترجع، وتولي الناس به مدبرين ينادي بعضهم بعضاً. فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض كل صدع من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت وانتثرت نجومها، وخسف شمسها وقمرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا يعلمون شيئاً من ذلك فقلت: يا رسول الله فمن استثنى الله حين يقول {ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} ؟ قال: أولئك الشهداء وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم الله فزع ذلك اليوم، وآمنهم منه وهو الذي يقول الله {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1] إلى قوله {ولكن عذاب الله شديد} [الحج: 2]. فينفخ الصور فيصعق أهل السموات وأهل الأرض {إلا من شاء الله} فإذا هم خمود، ثم يجيء ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات أهل السموات وأهل الأرض إلا من شئت. فيقول - وهو أعلم - فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وبقيت أنا. فيقول الله: ليمت جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وينطق الله العرش فيقول: يا رب تميت جبريل، وميكائيل، وإسرافيل؟ فيقول الله له: اسكت، فإني كتبت الموت على من كان تحت عرشي. فيموتون ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فيقول الله عز وجل - وهو أعلم - فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقيت أنا. فيقول الله له: ليمت حملة عرشي. فيموتون ويأمر الله العرش فيقبض الصور، ثم يأتي ملك الموت الرب عز وجل فيقول: يا رب مات حملة عرشك فيقول الله - وهو أعلم - فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت أنا. فيقول الله له: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت، فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد، القهار، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، كان آخراً كما كان أوّلاً طوى السموات والأرض كطيّ السجل للكتاب. ثم قال بهما فلفهما. ثم قال: أنا الجبار، أنا الجبار، أنا الجبار، ثلاث مرات. ثم هتف بصوته لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد. ثم يقول لنفسه: لله الواحد القهار {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48] فبسطها وسطحها ثم مدّها مدّ الأديم العكاظي {لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} [طه: 107] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه المبدلة من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها. ثم ينزل الله عليكم ماء من تحت العرش، فيأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقكم إثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت نبات الطوانيت كنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسامهم وكانت كما كانت قال الله: ليحيى حملة العرش فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور، فيضعه على فيه ثم يقول الله: ليحيى جبريل، وميكائيل، فيحييان. ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بهن توهج أرواح المؤمنين نوراً والأخرى ظلمة، فيقبضهن الله جميعاً ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض. فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم. وأنا أوّل من تنشق الأرض عنه، فتخرجون منها سراعاً إلى ربكم تنسلون {مهطعين إلى الداعِ يقول الكافرون هذا يوم عسر} حفاة عراة غلفاً غرلاً. فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حساً من السماء شديداً، فينزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإِنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم. ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، ومثلي من فيها من الجن والإِنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم. ثم ينزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة، ومثلي من فيها من الجن والإِنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم. ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف إلى السموات السبع. ثم ينزل الجبار {في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] والملائكة يحمل عرشه يومئذٍ ثمانية، وهم اليوم أربعة. أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والأرضون والسموات إلى حجزهم، والعرش على منازبهم، لهم زجل بالتسبيح فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت. فيضع عرشه حيث يشاء من الأرض، ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإِنس إني قد أنصت لكم منذ يوم خلقكم إلى يومكم هذا. أسمع قولكم، وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ. فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلومَنَّ إلا نفسه. ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوّ مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يس: 60 - 61] إلى قوله {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] فيميز بين الناس، وتجثو الأمم قال {وترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها} [الجاثية: 28] ويقفون موقفاً واحداً مقدار سبعين عاماً لا يقضى بينهم فيبكون حتى تنقطع الدموع ويدمعون دماً ويعرقون عرقاً إلى أن يبلغ ذلك منهم أن يلجمهم العرق وأن يبلغ الأذقان منهم. فيصيحون ويقولون: من يشفع لنا إلى ربنا؟ فيقضي بيننا فيقولون: ومن أحق بذلك من أبيكم آدم عليه السلام، فيطلبون ذلك إليه، فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك. ثم يستفزون الأنبياء نبياً نبياً كلما جاؤوا نبياً أبى عليهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتوني فأنطلق حتى أتي، فأخر ساجداً، قال أبو هريرة رضي الله عنه وربما قال قدام العرش حتى يبعث إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي: يا محمد فأقول: نعم يا رب: ما شأنك؟ - وهو أعلم - فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فارجع فاقف مع الناس فيقضي الله بين الخلائق، فيكون أول من يقضى فيه في الدماء، ويأتي كل من قتل في سبيل الله يحمل رأسه، وتشخب أوداجه، فيقولون: يا ربنا قتلنا فلان وفلان... فيقول الله - وهو أعلم - أقتلتم؟ فيقولون: يا ربنا قتلنا لتكون العزة لك. فيقول الله لهم: صدقتم. فيجعل لوجوههم نوراً مثل نور الشمس، ثم توصلهم الملائكة إلى الجنة، ويأتي من كان قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقولون: يا ربنا قتلنا فلان وفلان... فيقول: لم؟ - وهو أعلم - فيقولون: لتكون العزة لك فيقول الله: تعستم، ثم ما يبقى نفس قتلها إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أُخِذَ بها. وكان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، ثم يقضي الله بين من بقي من خلقه حتى لا يبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله تعالى للمظلوم من الظالم. حتى أنه ليكلف يومئذ شائب اللبن للبيع الذي كان يشوب اللبن بالماء ثم يبيعه فيكلف أن يخلص اللبن من الماء. فإذا فرغ الله من ذلك نادى نداء أسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم، وما كانوا يعبدون من دون الله. فلا يبقى أحد عَبَدََ من دون الله شيئاً إلا مثلت له آلهة بين يديه، ويجعل يومئذ من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى، فيتبع هذا اليهود، وهذا النصارى، ثم يعود بهم آلهتهم إلى النار. فهي التي قال الله {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون} [الأنبياء: 99] فإذا لم يبق إلا المؤمنون وفيهم المنافقون فيقال لهم: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره فيقال لهم: الثانية. والثالثة فيقولون: مثل ذلك فيقول: أنا ربكم فهل بينكم وبين ربكم آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، ويريهم الله ما شاء من الآية أن يريهم، فيعرفون أنه ربهم، فيخرون له سجداً لوجوههم، ويخر كل منافق على قفاه يجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون رؤوسهم، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم كدقة الشعر، وكحد السيف عليه كلاليب، وخطاطيف، وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة فيمرون كطرف العين، وكلمح البرق، وكمر الريح، وكجياد الخيل، وكجياد الركاب، وكجياد الرجال، فناج مسلم، وناج مخدوش ومكدوش على وجهه في جهنم. فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة فدخلوها. فوالذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، إذ دخلوا الجنة. فدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله في الجنة، واثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما في الدنيا. فيدخل على الأولى منهن في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب، مكلل باللؤلؤ، عليه سبعون زوجاً من سندس واستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، فينظر إلى يدها من صدرها، ومن وراء ثيابها ولحمها وجلدها. وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في الياقوتة، كبدها له مرآة. فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله، ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء لا يفتران ولا يألمان. فبينما هو كذلك إذ نودي فيقال له: انا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل وأن لك أزواجاً غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما جاء واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئاً أحسن منك، ولا شيئاً في الجنة أحب إليَّ منك. قال وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق الله أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار في جسده كله إلا وجهه حرم الله صورهم على النار. فينادون في النار فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يخرجنا من النار؟ فيقولون: ومن أحق بذلك من أبيكم آدم؟ فينطلق المؤمنون إلى آدم فيقولون: خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وكلمك. فيذكر آدم ذنبه فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله، فيأتون نوحاً عليه السلام ويذكرون ذلك إليه، فيذكر ذنباً فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلاً. فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه. فيذكر ذنباً فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بموسى فإن الله قربه نجيا وكلمه، وأنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنباً ويقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بروح الله، وكلمته عيسى ابن مريم عليه السلام. فيؤتى عيسى ابن مريم عليه السلام، فيطلب ذلك إليه فيقول: ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم. فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فانطلق حتى آتي باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب، فاستفتح فيفتح لي، فأخر ساجداً، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد اِشْفَعْ تُشْفَعْ، وسل تُعْطَهْ. فإذا رفعت رأسي قال لي - وهو أعلم - ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني. فأقول يا رب من وقع في النار من أمتي؟ فيقول الله: أخرجوا من عرفتم صورته، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله بالشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار من خير، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وحتى لا يبقى في النار من عمل خيراً قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع. حتى إن إبليس ليتطاول في النار لما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له، ثم يقول الله: بقيت وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، فينبتهم على نهر يقال له نهر الحيوان، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فما يلي الشمس أخضر وما يلي الظل أصفر، فينبتون كالدر مكتوب في رقابهم الجهنميون عتقاء الرحمن لم يعملوا لله خيراً قط يقول مع التوحيد، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: يا ربنا امْحُ عنا هذا الكتاب فيمحوه عنهم ".
ابو السعود
تفسير : {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} هي النَّفخةُ الأولى {فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} أي خرُّوا أمواتاً أو مغشيّاً عليهم {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ} قيل: هم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ فإنَّهم لا يموتُون بعد وقيل: حَمَلةُ العرشِ. {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} نفخةٌ أخرى هي النَّفخةُ الثَّانيةُ. وأُخرى يحتملُ النَّصبَ والرَّفعَ. {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} قائمون من قبورِم أو متوقفون. وقُرىء بالنَّصبِ على أنَّ الخبرَ {يُنظَرُونَ} وهو حالٌ من ضميرِه والمعنى يُقلِّبون أبصارَهم في الجوانبِ كالمبهوتينَ أو ينتظرون ما يفعل بهم. {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا} بما أقام فيها من العدلِ استُعير له النُّورُ لأنَّه يزيِّنُ البقاعَ ويُظهر الحقوقَ كما يسمَّى الظُّلم ظُلمةً. وفي الحديثِ: «حديث : الظُّلم ظلماتٌ يومَ القيامةِ» تفسير : ولذلك أضيف الأسمُ الجليلُ إلى ضميرِ الأرضُ أو بنور خلقه فيها بلا توسُّطِ أجسامٍ مضيئةٍ ولذلك أُضيف إلى الاسمِ الجليلِ. {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ} الحسابُ والجزاءُ من وضع المحاسبِ كتابَ المحاسبةِ بـين يديه أو صحائفُ الأعمال في أيدي العمَّالِ واكتفى باسم الجنسِ عن الجمعِ وقيل: اللَّوحُ المحفوظُ يقابل به الصَّحائفُ. {وَجِـيء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء} للأممِ وعليهم من الملائكةِ والمؤمنينَ وقيل: المُستشَهدون {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} بـين العباد {بِٱلْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصِ ثوابٍ أو زيادةِ عقابٍ على ما جرى به الوعدُ. {وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي جزاءَه {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} فلا يفوتُه شيءٌ من أفعالِهم. وقولُه تعالى {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} الخ تفصيلٌ للتَّوفيةِ وبـيانٌ لكيفيَّتيِها أي سِيقُوا إليها بالعُنفِ والإهانةِ أفواجاً متفرقةً بعضُها في إثرِ بعضٍ مترتِّبةً حسب ترتُّبِ طبقاتهم في الضَّلالةِ والشِّرارةِ. والزُّمَر جمعُ زُمْرةٍ، واشتقاقها من الزَّمرِ وهو الصَّوتُ إذِ الجماعةُ لا تخلُو عنه. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا} ليدخلُوها. وحتَّى هي التي تُحكى بعدها الجملةُ. وقرىء بالتَّشديدِ. {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} تقريعاً وتوبـيخاً {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ} من جنسِكم. وقُرىء نُذُر منكم. {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِ رَبّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} أي وقتِكم هذا وهو وقتُ دخولِهم النَّارَ، وفيه دليلٌ على أنَّه لا تكليفَ قبل الشِّرعِ من حيثُ أنَّهم علَّلوا توبـيخَهم بإتيان الرُّسلِ وتبليغَ الكُتبِ {قَالُواْ بَلَىٰ} قد أتَونا وأنذرونا {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} حيثُ قال الله تعالى لإبليسَ: { أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [سورة ص: الآية 85] وقد كنَّا ممَّن تبعَه وكذَّبنا الرُّسلَ وقلنا ما نزَّل الله من شيءٍ إنْ أنتمُ إلاَّ تكذبُون.
التستري
تفسير : قوله: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ}[68] قال: باطن الآية أن الملائكة إنَّما يؤمرون بالإمساك عن الذكر لا بالنفخة ولا بنزع عزرائيل، لأن الله أحياهم بذكره، كما أحيا بني آدم بأنفاسهم، قال الله تعالى: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}تفسير : [الأنبياء:20] فإذا أمسك الذكر عنهم ماتوا.
القشيري
تفسير : في النفخة الأولى تموتون، ثم في النفخة الثانية تُحْشَرُون، والنفختان متجانستان؛ ولكنه يخلق عند إحداهما إزهاق الأرواح؛ وفي الأخرى حياة النفوس، لِيُعْلَمَ أن النفخةَ لا تعمل شيئاً لعينها، وإنما الجبَّارُ بقدرته يخلق ما يشاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} النفخ والصعقة ترشح انوار قهر العظمة على الاكوان والاماكن والازمان والهياكل والاشكال والصورة والاشكال والارواح القدسية الملكوتية فى اكناف الطاقة قائمة بوجوده لا يقع عليها تلوين الصفات والفزع العقوبات وثانى النفخ والصعقة ظهور انوار جماله فى انوار جلاله من ذلك تحيى الانفس وتقوم الاشباح بنور الارواح ينظرون الى سرادق الكبرياء وساحة العظمة والبقاء ينتظرون وقوع نور الكشف بقوله {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} يتجلى الحق سبحانه ارض ارواح العارفين والانبياء والمرسلين وارض قلوب الصديقين والمقربين ويظهر نور جماله لابصار الوالهين العاشقين ثم يستضئ بانوارها ارض المحشر للعموم والخصوص تعالت صفاته من ان يقع على الاماكن وان يكون محلا للحدثان يا عاقل لا يكون ذرة من العرش الى الثرى---- مستغرقة فى انوار اشراق أزاله وأباده قال سهل قلوب المؤمنين يوم القيامة تشرق بتوحيد سيدهم والاقتداء بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم قال القاسم اشرقت الارض اولياء الله فهم فيها انوار الله ومواضع حجة وغياث عباده وملجا خلقه وقال جعفر فى قوله الا من شاء الله اهل الاستنثاء محمد صلى الله عليه وسلم واهل بيته واهل المعرفة قال بعضهم هم اهل التمكين والاستقامة الذين استقاموا الله على بساط العبودية نمكن الله اسرارهم لحمل الموارد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ونفخ فى الصور} المراد النفخة الاولى التى هى للاماتة بقرينة النفخة الآتية التى هى للبعث والنفخ نفخ الريح فى الشىء: وبالفارسية [دميدن] يقال نفخ بفمه اخرج منه الريح. والنفخ فى القرآن على خمسة اوجه. الاول نفخ جبريل عليه السلام فى جيب مريم عليها السلام كما قال تعالى {أية : فنفخنا فيه من روحنا} تفسير : اى نفخ جبرائيل فى الجيب بامرنا فسبحان من احبل رحم امرأة واوجد فيها ولدا بنفخ جبرائيل. والثانى نفخ عيسى عليه السلام فى الطين كما قال تعالى {أية : فتنفخ فيه فيكون طيرا باذن الله} تفسير : وهو الخفاش فسبحان من حول الطين طيرا بنفخ عيسى. والثالث نفخ الله تعالى فى طين آدم عليه السلام كما قال تعالى {أية : ونفخت فيه من روحى} تفسير : اى امرت الروح بالدخول فيه والتعلق به فسبحان من انطق لحما وابصر شحما واسمع عظما واحيى جسدا بروح منه. والرابع نفخ ذى القرنين الحديد فى النار كما قال تعالى حكاية عنه {أية : قال انفخوا} تفسير : الآية فسبحان من حول قطعة حديد نارا بنفخ ذى القرنين. والخامس نفخ اسرافيل عليه السلام فى الصور كما قال تعالى {ونفخ فى الصور} فسبحان من اخرج الارواح من الابدان بنفخ واحد كما يطفأ السراج بنفخ واحد وتوقد النار بنفخ واحد وسبحان من رد الارواح الى الابدان بنفخ واحد وهذا كله دليل على قدرته التامة العامة. والصور قرن من نور القمه الله اسرافيل وهو اقرب الخلق الى الله تعالى وله جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش على كاهله وان قدميه قد خرجتا من الارض السفلى حتى بعدتا عنها مسيرة مائة عام على ما رواه وهب وعظم دائرة القرن مثل ما بين السماء والارض. وفى الدرة الفاخرة للامام الغزالى رحمه الله الصور قرن من نور له اربع عشرة دائرة الدائرة الواحدة كاستدارة السماء والارض فيه ثقب بعدد ارواح البرية وباقى ما يتعلق بالنفخ والصور قد سبق فى سورة الكهف والنمل فارجع {فصعق من فى السموات ومن فى الارض} يقال صعق الرجل اذا اصابه فزع فاغمى عليه وربما مات منه ثم استعمل فى الموت كثيرا كما فى شرح المشارق لابن الملك. قال فى المختار صعق الرجل بالكسر صعقة غشى عليه وقوله تعالى {فصعق من} الخ اى مات انتهى فالمعنى خروا امواتا من الفزع وشدة الصوت {الا من شاء الله} جبرائيل واسرافيل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام فانهم يموتون من بعد. قال السدى وضم بعضهم اليهم ثمانية من حملة العرش فيكون المجموع اثنى عشر ملكا وآخرهم موتا ملك الموت ـ وروى ـ النقاش انه جبرائيل كما جاء فى الخبر ان الله تعالى يقول حينئذ يا ملك الموت خذ نفس اسرافيل ثم يقل من بقى فيقول بقى جبرائيل وميكائيل وملك الموت فيقول خذ نفس ميكائيل حتى يبقى ملك الموت وجبرائيل فيقول تعالى مت يا ملك الموت فيموت ثم يقول يا جبرائيل من بقى فيقول تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والاكرام وجهك الدائم الباقى وجبرائيل الميت الفانى فيقول يا جبرائيل لا بد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه فيموت فلا يبقى فى الملك حى من انس وجن وملك وغيرهم الا الله الواحد القهار. وقال بعض المفسرين المستثنى الحور والولدان وخزنة الجنة والنار وما فيهما لانهما وما فيهما خلقا للبقاء والموت لقهر المكلفين ونقهلم من دار الى دار ولا تكليف على اهل الجنة فتركوا على حالهم بلا موت. وهذا الخطاب بالصعق متعلق بعالم الدنيا والجنة والنار عالمان بانفرادهما خلقا للبقاء فهما بمعزل عما خلق للفناء فلم يدخل اهلهما فى الآية فتكون آية الاستثناء مفسرة لقوله تعالى {أية : كل شىء هالك الا وجهه} تفسير : :و{أية : كل نفس ذائقة الموت} تفسير : وغيرهما من الآيات فلا تناقض. يقول الفقير يرد عليه انه كيف يكون هذا الخطاب بالصعق متعلقا بعالم الدنيا وقد قال الله تعالى {من فى السموات} وهى اى السماوات خارجة عن حد الدنيا ولئن سلم بناء على ان السموات السبع كالارض من عالم الكون والفساد فيبقى الفلك الثامن الذى هو الكرسى والتاسع الذى هو العرش خارجين عن حد الآية فيلزم ان لا يفنى اهلهما عموما وخصوصا من الملائكة الذين لا يحصى عددهم الا الله على انهم من اهل التكليف ايضا. قال الامام النسفى فى بحر الكلام قال اهل الحق اى اهل السنة والجماعة سبعة لا تفنى العرش والكرسى واللوح والقلم والجنة والنار واهلهما من ملائكة الرحمة والعذاب والارواح اى بدلالة هذه الآية. وقال شيخ العلماء الحسن البصرى قدس سره المراد بالمستثنى هو الله تعالى وحده ويؤيده ما قاله الغزالى رحمه الله حدثنى من لا اشك فى علمه ان الاستثناء واقع عليه سبحانه خاصة. يقول الفقير فيه بعد من حيث الظاهر لأنه يلزم ان يشاء الله نفسه فيكون شائيا ومشيئا وقد اخرجوه فى نحو قوله تعالى {أية : والله على كل شىء قدير} تفسير : و{أية : الله خالق كل شىء} تفسير : وغيرهما اذ الله ليس من اهل السموات والارض وان كان الها فهى كما قال {أية : وهو الذى فى السماء اله وفى الارض اله } تفسير : وقال بعض المحققين الصعق اعم من الموت فلمن لم يمت الموت ولمن مات الغشية فاذا نفخ الثانية فمن مات حى ومن غشى عليه افاق وهو القول المعوّل عليه عند ذوى التحقيق. يقول الفقير فيدخل ادريس عليه السلام فانه مات ثم احيى وادخل الجنة فتعمه الغشية دون الموت الا ان يكون ممن شاء الله واما موسى عليه السلام فقد جزى بصعقته وغشيته فى الطور فالموت عام لكل احد اذ لو بقى احد لاجاب الله تعالى حيث يقول لمن الملك اليوم فقال لله الواحد القهار. قال فى اسئلة الحكم واما قوله تعالى {أية : كل شىء هالك الا وجهه} تفسير : فمعناه عند المحققين قابل للهلاك فكل محدث قابل لذلك بل هالك دائم وعدم محض بالنسبة الى وجه نفسه اذ لكل شىء وجهان وجه الى نفسه ووجه الى ربه فالوجه الاول هالك وعدم والثانى عين ثابت فى علمه قائم بربه وان كان له ظل ظاهر فكل محدث قابل للهلاك والعدم وان لم يهلك وينعدم بخلاف القديم الازلى ويؤيد ذلك المعنى ان العرش لم يرو فيه خبر بانه يهلك فلتكن الجنة مثله. يقول الفقير اما ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سأل جبرائيل عن هذه الآية من الذين لم يشأ الله ان يصعقهم قال هم الشهداء المتقلدون اسيافهم حول العرش كما فى كشف الاسرار وكذا ما قال جعفر الصادق رضى الله عنه اهل الاستثناء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم واهل بيته واهل المعرفة وما قال بعضهم هم اهل التمكين والاستقامة كل ذلك وما شاكله فمبنى على تفسير الصعق بالغشى اذ الشهداء ونحوهم من الصديقين وان كانوا احياء عند ربهم لكنهم لا يذوقون الموت مرة اخرى والا لتحققوا بالعدم الاصلى وهو مخالف لحكمة الله تعالى وانما شأنهم الفزع والغشيان فيحفظهم الله تعالى عن ذلك فالارواح والاحياء مشتركون فى ذلك الا من شاء الله ـ حكى ـ ان واحدا رؤى فى المنام ذا شيب وكان قد مات وهو شاب فقيل له فى ذلك فقال لما قبر المرسى القائل بخلق القرآن فى قبره فى هذه المقبرة هجمت عليه جهنم بغيظ وزفير فشاب شعرى من ذلك الفزع والهول وله نظائر كثيرة ودخل فى الارواح من يقال لهم الارواح العالية المهيمة فانهم لا يموتون لكونهم ارواحا ولا يغشى عليهم اذ ليس لهم خبر عما سوى الله تعالى بل هم المستغرقون فى بحر الشهود فعلى هذا يكون المراد بالنفخة فى الآية نفخة غير نفخة الاماتة وسيأتى البيان فى النفخات. فان قلت فما الفرق بين الصعق الذى فى هذه الآية وبين الفزع الذى فى آية النمل وهى قوله تعالى {أية : ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن فى الارض} تفسير : قلت لا شك ان الصعق بمعنى الموت غير الفزع وكذا بمعنى الغشى اذ ليس كل من له فزع مغشيا عليه هذا ما تيسر لى فى هذا المقام وحقيقة العلم عند الله الملك العلام {ثم نفخ فيه اخرى} نفخة اخرى هى النفخة الثانية على الوجه الاول واخرى. يحتمل النصب على ان يكون الظرف قائما مقام الفاعل واخرى صفة لمصدر منصوب على المفعول المطلق والرفع على ان يكون المصدر المقدر قائما مقام الفاعل {فاذا هم} اى جميع الخلائق {قيام} جمع قائم اى قائمون من قبورهم على ارجلهم او متوقفون فالقيام بمعنى الوقوف والجمود فى مكانهم لتحيرهم {ينظرون} يقلبون ابصارهم فى الجوانب كالمبهوتين او ينتظرون ماذا يفعل بهم ويقال ينظرون الى السماء كيف غيرت والى الارض كيف بدلت والى الداعى كيف يدعوهم الى الحساب والى الآباء والامهات كيف ذهبت شفقتهم عنهم واشتغلوا بانفسهم والى خصمائهم ماذا يفعلون بهم. وفى الحديث "حديث : انا اول من ينشق عنه القبر. واول من يحيى من الملائكة اسرافيل لينفخ فى الصور. واول من يحيى من الدواب براق النبى عليه السلام. واول من يستظل فى ظل العرش رجل انظر معسرا ومحا عنه. واول من يرد الحوض فقراء الامة والمتحابون فى الله. واول من يكسى يوم القيامة ابراهيم الخليل عليه السلام لانه القى فى النار عريانا. واول من يكسى حلة من النار ابليس. واول من يحاسب جبرائيل لانه كان امين الله الى رسله. واول ما يقضى بين الناس فى الدماء. واول ما يحاسب به الرجل صلاته. واول ما تسأل المرأة عن صلاتها ثم بعلها. واول ما يسأل العبد يوم القيامة عن النعيم بان يقال له ألم اصحح جسمك واروك من الماء البارد. واول ما يوضع فى الميزان الخلق الحسن. واول ما يوضح فى ميزان العبد نفقته على اهله. واول ما يتكلم من الآدمى فخذه وكفه. واول خصمين جاران. واول من يشفع يقوم القيامة الانبياء ثم العلماء ثم الشهداء. واول من يدخل الجنة من هذه الامة ابو بكر رضى الله عنه. واول من يسلم عليه الحق ويصافحه عمر رضى الله عنه. واول من يدخل من الاغنياء عبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرة " تفسير : قال فى المدارك دلت الآية على ان النفخة اثنتان الاولى للموت والثانية للبعث. والجمهور على انها ثلاث. الاولى للفزع كما قال {أية : ونفخ فى الصور ففزع} تفسير : والثانية للموت. والثالثة للاعادة انتهى فان كانت النفخة اثنتين يكون معنى صعق خروا امواتا وان كانت ثلاثا يكون معناه مغشيا عليهم فتكون هذه النفخة اى الثالثة بعد نفخة الاحياء يوم القيامة كما ذهب اليه البعض. وقال سعد المفتى دل ظاهر الاحاديث على ان النفخات اربع المذكورتان فى سورة يس للاماتة ثم الاحياء ونفخة للارعاب والارهاب فيغشى عليهم ثم للافاقة والايقاظ والذى يفهم من خريدة العجائب ان نفخة الفزع هى اولى النفخات فانه اذا وقعت اشراط الساعة ومضت امر الله صاحب الصور ان ينفخ نفخة الفزع ويديمها ويطولها فلا يبرح كذا عاما يزداد الصوت كل يوم شدة فيفزع الخلائق وينحازون الى امهات الامصار وتعطل الرعاة السوائم وتأتى الوحوش والسباع وهى مذعورة من هول الصيحة فتختلط بالناس ويؤول الامر الى تغير الارض والسماء عما هما عليه وبين نفخة الفزع والنفخة الثانية اربعون سنة ثم تقع نفخة الثانية والثالثة وبينهما اربعون سنة او شهرا او يوما او ساعة. قال الامام الغزالى رحمه الله اختلف الناس فى امد المدة الكائنة بين النفختين فاستقر جمهورهم على انها اربعون سنة وحدثنى من لا اشك فى علمه ان امد ذلك لا يعلمه الا الله تعالى لانه من اسرار الربوبية فاذا اراد الله احياء الخلق يفتح خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة فتمطر به الارض فاذا هو كمنىّ الرجال بعد ان كانت عطشى فتحيى وتهتز ولا يزال المطر عليها حتى يعمها ويكون الماء فوقها اربعين ذراعا فاذا الاجسام تنبت من عجب الذنب وهو اول ما يخلق من الانسان بدىء منه ومنه يعود وهو عظم على قدر الحمصة وليس له مخ فاذا نبت كما نبت البقل تشتبك بعضها فى بعض فاذا رأس هذا على منكب هذا ويد هذا على جنب هذا وفخذ هذا على حجر هذا لكثرة البشر والصبى صبى والكهل كهل والشيخ شيخ والشاب شاب ثم تهب ريح من تحت العرش فيها نار فتنسف ذلك عن الارض وتبقى الارض بارزة مستوية كأنها صحيفة واحدة ثم يحيى الله اسرافيل فينفخ فى الصور من صخرة بيت المقدس فتخرج الارواح لها دوىّ كدوىّ النحل فتملأ الخافقين ثم تذهب كل نفس الى جثتها باعلام الله تعالى حتى الوحش والطير وكل ذى روح فاذا الكل قيام ينظرون ثم يفعل الله بهم ما يشاء: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : جودرخا كدان لحد خفت مرد قيامت بيفشاند از موى كرد سرازجيب غفلت برآور كنون كه فردا نماند بحسرت نكون بران ازدوسر جشمه ديده جوى ور آلايشى دارى ازخودبشوى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ونُفخ في الصُّورِ} النفخة الأولى {فصَعِقَ مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض} أي: خرّ ميتاً، أو مغشياً عليه، {إِلا مَن شاء اللهُ} قيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يُميتهم الله بعد ذلك، وقيل: حمَلَة العرش، وقيل: خزَنة النار والجنة. {ثم نُفخ فيه أُخرى} هي النفخة الثانية. و "أخرى": في محل الرفع صفة لمحذوف، أي: نفخ نفخة أخرى، {فإِذا هم قيام} من قبورهم، حال كونهم إذا فاجأهم خطب {ينظرون}؛ يُقلبون أبصارهم في الجوانب الأربعة، كالمبهوتين، أو: ينظرون ما يفعل بهم، ودلت الآية على أن النفخة اثنتان؛ للموت، والبعث، وقيل: ثلاث؛ للفزع، والموت، والبعث. {وأشرقت الأرضُ}؛ أضاءت {بنور ربها} حين يتجلّى لفصل عباده، فتُشرق الأرض ـ أي: عرَصَات القيامة ـ بنور وجهه، ويقال: إن الله يخلق في القيامة نوراً يلبسه وجهَ الأرض، فتشرق به. قال في الحاشية الفاسية: وهذا القول هو الذي اختاره محيي السنة، وانتصر له الطيبي، بما ورد من الأحاديث المقتضية لرؤيته في عرصات القيامة، قال: وما تعسف الزمخشري، من حمل النور على العدل، إلا فراراً من ذلك. هـ. قال القشيري: هو نور يخلقه في القيامة، عند تكوير الشمس، وانكدار النجوم، ويستضيء به قومٌ دون قوم، والكفارُ يَبْقَون في الظلمة، والمؤمنون: {أية : يَسْعَى نُورُهُم} تفسير : [الحديد: 12] الآية. ويقال: غداً إشراق الأرض، واليوم إشراق القلب، غداً أنوار التولي، واليوم أنوار التجلي. هـ. وقال السدي: بعدله، على الاستعارة، يقال للملك العادل: أشرقت الأرض بعدله، كما استعيرت الظلمة للظُلم. وفي الحديث: "حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة ". تفسير : {ووُضِع الكتابُ} أي: صحائف الأعمال. اكتفى باسم الجنس، أو: كتاب المحاسبة والجزاء. {وجيء بالنبيين} ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم، {والشهداء} أي: الحفظة، ليشهدوا على كل إنسان بما عمل، والذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة إذا جحدتهم أممهم، أو: الذين استُشهدوا في سبيل الله. {وقُضِيَ بينهم}: بين العباد {بالحق وهم لا يُظلَمُون} بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، قال ابن عطية: الضمير في {بينهم} عائد على العالم بأجمعه. هـ. فيقتضي دخول الملائكة، ويتصور القضاء في حقهم، من حيث جعلوا حفظة على العباد، وأمناء على الوحي والتبليغ، وغير ذلك من ترتيبهم في مقاماتهم، وترقيهم في علومهم، وتفاوتهم في ذلك. وفي وجوه تخصيصاتهم وتصديقهم في التبليغ، ورد ما استندوا فيه لظواهر الأمور، مع علمه تعالى خلافه، مما لا اطلاعَ لهم عليه. قاله في الحاشية. {ووُفِّيت كلُّ نفسٍ} جزاء {ما عملَتْ وهو أعلم بما يفعلون} فلا يفوته شيء من أفعالهم. ومضمون الآية: تصوير التعرُّض للقضاء بين العباد على ما هو شأن الملك، من إحضار الشهود وخواص حضرته، حين يبرز لذلك، ويشهده الظالم والمظلوم، وإن كان كنه معرفته موكولاً إليه، ثم من لوازم ذلك العدل. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية إشارة للفناء والبقاء، فيصعق العبد عن رؤية وجوده، ثم يبقى بربه، فتشرق أرض البشرية بنور وجود الحق، ثم يشرق العالم كله. قال الورتجبي: نفخة الصعق قهرية جلالية، ونفخة البعث ظهور أنوار جماله في أنوار جلاله، وبذلك ينتظر وقوع نور الكشف بقوله: {وأشرقت الأرضُ بنور ربها} فيتجلّى للخواص، ثم تستضيء بأنوارهم أرض المحشر، للعموم والخصوص، تعالت صفاته عن أن تقع على الأماكن، أو أن يكون محلاًّ للحدثان، يا عاقل، لا تكون ذرة من العرش إلى الثرى إلا وهي مستغرقة في أنوار إشراق آزاله وآباده. ثم قال عن بعضهم: (إلا مَن شاء الله) هم أهل التمكين، مكّن الله أسرارهم من تحمُّل الواردات. ثم ذكر نتيجة الفصل بين العباد، فقال: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً}.
الجنابذي
تفسير : {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} الاتيان بالماضى للاشارة الى تحقّقه، او لانّ القضيّة قد مضت بالنّسبة الى النّبىّ المخاطب له او صارت القضيّة واقعةً حين الخطاب بالنّسبة اليه {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تقديم من فى السّماوات لشرافتهم والاّ فمن فى الارض يصعق اوّلاً فانّ المراد النّفخة الاولى وبها يصعق من فى الارض اوّلاً ثمّ من فى السّماء {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} فى خبرٍ من شاء الله ان لا يصعق جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت، وفى خبرٍ: هم الشّهداء متقلّدون اسيافهم حول العرش {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ} نفخة {أُخْرَىٰ} وهى نفخة الاحياء {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} قد مضى فى سورة النّمل بيان الآمنين يوم القيامة وحين النّفخة الاولى او الثّانية، وبيّنا فى سورة النّور معانى الصّور ووجوه قراءتها وكيفيّة النّفخ فيها وكيفيّة الاماتة والاحياء بها.
الهواري
تفسير : قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} والصور قرن ينفخ فيه صاحب الصور. {فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ} قال الحسن: استثنى الله طوائف من أهل السماء، ولم يكن يسمّيهم، يموتون بين النفختين. قال بعضهم: بلغنا آخر من يبقى منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، حتى يموت جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يقول الله لملك الموت مت. فيموت. ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول من تنشق عليه الأرض فأجد موسى متعلقاً بالعرش، فلا أدري أحوسب بالصعقة الأولى أم خرج قبلي . تفسير : ذكروا عن عمارة بن عرات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : {إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ} الشهداء. قالوا: ما أحسن هذا الصوت، كأنه الأذان في الدنيا فلم يفزعوا ولم يموتوا . تفسير : قال: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}. قال الحسن: بين النفختين أربعون؛ الأولى يميت الله بها كل حي، والأخيرة يحيي الله بها كل ميت. ذكروا عن الحسن قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين النفختين أربعون تفسير : . هكذا جاء في الحديث، وكان من أصحاب النبي من قال: إنها أربعون سنة.
اطفيش
تفسير : {وَنُفِخَ فِى الصُّورِ} أي في القرن وهي النفخة الأولى* {فَصَعِقَ} خر ميتاً من الفزع أو مغشياً عليه. {مَن فِى السَّمَوَاتِ وَمَن فِى الأَرْضِ} والمراد ما يشمل الدواب* {إِلاَّ مَن شَآءَ اللهُ} حملة العرش وقيل اسرافيل وميكائيل وجبرائيل أما عزرائيل فآخر الخلق موتاً وقيل آخرهم جبرائيل والبسط في (النمل). {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى} نفخة أخرى أو مرة أخرى وهى النفخة الثانية ولا ثالثة ومن أثبت الثالثة قال الأولى للفزع والغشيان والثانية للموت والثالثة للبعث وقال ان الصعق الغشيان ولم يذكر الله الثانية عنده في الآية وهي نفخة الموت أو وارد فيها ولم يذكر الأولى وهى نفخة الفزع وذكر الثالثة التي ينفخها اسرافيل* {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} من قبورهم أو واقفون تحيراً {يَنظُرُونَ} في الجهات نظر المبهوت اذ فاجأهم أمر عظيم وقيل: ينظرون ما يفعل بهم و (ينظرون) خبر ثان أو حال من ضمير قيام وأخرى نائب أي نفخة أخرى أو مرة أخرى أو النائب (فيه) وأخرى مفعول مطلق أي نفخة أخرى أو ظرفي مرة أخرى بالنصب وقرئ (قياماً) على الحالية من (واو) ينظرون و (ينظرون) خبر. وعن أبى هريرة: ما بين النفختين أربعون قالوا: عاماً، قال: أبيت قالوا: يوماً قال: أبيت قالوا: ساعة قال: أبيت أي امتنعت من بيان ذلك لانه ليس مما تدعو اليه الحاجة وعنده علمه وقيل امتنعت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم فلا علم عنده كما روي أنه لما سئل قال: لا أدري والصحيح الأول وقد روي بينهما أربعون عاماً وينزل الله من السماء ماء كالمني ينبتون به كالبقل وكل ابن آدم يفنى الا عجم الذنب فمنه يركب يوم البعث والله قادر على خلقه واعادته لا من شيء
اطفيش
تفسير : {ونُفخَ} الماضى للتحقق، وكذا ما يأتى أى نفخة واحدة كما فى آية أخرى، ولقوله بعد:"أية : ثم نفخ فيه أخرى " تفسير : {في الصُّور} رأيت فى كتاب للقرطبى النافخ اسرافيل، ومعه غيره ينفخ، وعبارة بعض حكاية الاجماع عنه، أن النافخ اسرافيل وحده، وأخرج أحمد والحاكم عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : النافخان في السماء الدنيا رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب، ينتظران متى يؤمران ينفخا في الصور فينفخا" تفسير : وفى ابن ماجه عن أبى سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أن النافخ اثنان" تفسير : وزعم بعض أن النافخ غير اسرافيل، ينظر الى اسرافيل منذ خلقه الله، ثم يأمره بالنفخ قلت ليس كذلك بل المراد أن ملكا ينظر متى يأمره اسرافيل فينفخ بعد أن ينفخ اسرافيل، والصور قرن عظيم كدورة السماوات والأرض، فيه ثقب دقيقة بعدد الأرواح، فى صفاء الزجاجة من لؤلؤة بيضاء، وقيل جمع صروة. {فَصَعِق} مات بسبب صيحة النفخ الشديدة، أو غشى لذلك ثم يكون الموت يستعمل الصعق بمعنى الغشيان، وبمعنى الموت، وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فيصعق ويصعق الناس بعده {مَنْ في السَّماوات} جهة العلو ليشمل حملة العرش، ومن لا يصدق عليه أنه فى السماء {ومَن في الأرض} أعاد من لاختلاف من فى السماوات ومن فى الأرض، لأن أهل السماوات الملائكة، والله أعلم {إلاَّ منْ شاء الله} جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل، أو حملة العرش قولان، ثم يموت هؤلاء كلهم بعد، أو رضوان، والحور، ومالك خزن النار والزبانية، ولا يصح أنهم لا يموتون وأخطأ من قال ذلك، بل يموتون بعد أو من مات قبل، فانه لا يموت مرة ثانية أو موسى. {ثمَّ نُفخ فيه} فى الصور بمعنى القرن المذكور، ودون هذا فى الصور جمع صورة الأجسام، وذكر لجواز تذكير الجمع الذى مفرده بالتاء، وافراده، والأول أولى {أخْرى} نفخة أخرى بالرفع على النيابة عن الفاعل، أو النصب على المصدرية، والنائب فيه وبين النفختين أربعون عاما كما جاء فى حديث: " حديث : ينزل الله عليهم ماء كالظل" تفسير : ويروى كمنى الرجل، فتنبت أجسادهم أى بلا روح، ثم يحضر الروح بالنفخ، ويروى أن النفخ فى الأرض النفخة الأولى، من باب إيلياء الشرقى، أو قال الغربى، والثانية من باب آخر أى أحد البابين من البلد {فاذا هُم قيامٌ} مِن قبورهم {ينْظُرونَ} ينتظرون بم يؤمرون، أو ما يفعل بهم، وقيل يقلبون أبصارهم فى الجهات نظر المبهوت المفاجأ بأمر عظيم. ويرده أنهم يقولون عند بعثهم: " أية : من بعثنا من مرقدنا" تفسير : [يس: 52] إلا أن يقال قولهم: " أية : من بعثنا" تفسير : [يس: 52] بعد بهتهم، وفسر بعضهم القيام بالوقوف عن المشى، ويعترض بقوله تعالى: " أية : ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون" تفسير : [يس: 51] أى يسرعون فى المشى، وقوله تعالى: " أية : يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نُصُب يوفضون" تفسير : [المعارج: 43] وأول من يخرج من القبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيرى موسى آخذا بقائمة من قوائم العرش، قال صلى الله عليه وسلم " حديث : فلا أدرى أرفع رأسه قبلى أو كان ممن استثنى الله" تفسير : يعنى لم تمت روحه، وأخطأ من قال موت الأنبياء، والشهداء غشية فاذا نفخ فى الصور فاقوا، وحيى غيرهم، ولا يشك صلى الله عليه وسلم فى أنه أفضل من موسى وقد قال صلى الله عليه وسلم : " حديث : أنا أفضل ولد آدم" تفسير : وان شك بأخذ موسى بقائمة العرش، فقبل أن يعلم أنه أفضل من موسى وسائر الأنبياء، كما كان ينهى أن يفضل على الأنبياء، ولما علم بأنه أفضل ترك النهى، والنفخات أربع: نفخة الفزع، ثم نفخة الموت، ثم نفخة البعث، ثم نفخة فرع، وهى صوت انشقاق السماوات بعد البعث.
الالوسي
تفسير : {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } المشهور أن النافخ فيه ملك واحد وأنه إسرافيل عليه السلام بل حكى القرطبـي الإجماع عليه. وفي حديث أخرجه ابن ماجه والبزار وابن مردويه عن أبـي سعيد الخدري مرفوعاً أن النافخ اثنان، ويدل عليه أيضاً أخبار أخر، منها ما أخرجه أحمد والحاكم عن ابن عمر أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : النافخان في السماء الثانية رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا» تفسير : وفي بعض الآثار ما يدل على أنه واحد وأنه شاخص ببصره إلى إسرافيل عليه السلام ما طرف منذ خلقه الله تعالى ينتظر متى يشير إليه فينفخ في الصور. والصور قرن عظيم فيه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة. وأخرج أبو الشيخ / عن وهب أنه من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة به ثقب دقيقة بعدد الأرواح وفي وسطه كوة كاستدارة السماء والأرض ونحن نؤمن به ونفوض كيفيته إلى علام الغيوب جل شأنه. وأنكر بعضهم ذلك وقال: هو جمع صورة كما في قراءة قتادة وزيد بن علي {فِى ٱلصُّورِ } بفتح الواو وقد مر الكلام في ذلك. والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وبني الفعل للمفعول لعدم تعلق الغرض بالفاعل بل الغرض إفادة هذا الفعل من أي فاعل كان فكأنه قيل: ووقع النفخ في الصور. {فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } أي ماتوا بسبب ذلك، ويحتمل أنهم يغشى عليهم أولاً ثم يموتون، ففي «الأساس» صعق الرجل إذا غشي عليه من هدة أو صوت شديد يسمعه وصعق إذا مات. وفي «صحيح مسلم» من حديث طويل فيه ذكر الدجال «حديث : ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أُصغي ليتاً ورفع ليتا فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس»تفسير : . وقرىء {فصعق} بضم الصاد. {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } قال السدي: جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت عليهم السلام، وقيل: هم وحملة العرش فإنهم يموتون بعد، وفي ترتيب موتهم اضطراب مذكور في «الدر المنثور»، وقيل: رضوان والحور ومالك والزبانية وروي ذلك عن الضحاك، وقيل: من مات قبل ذلك أي يموت من في السماوات والأرض إلا من سبق موته لأنهم كانوا قد ماتوا؛ قال في «البحر»: وهذا نظير {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ }تفسير : [الدخان: 56] ومن الغريب ما حكى فيه أن المستثنى هو الله عز وجل، ولا يخفى عليك حاله متصلاً كان الاستثناء أم منقطعاً، وقيل: هو موسى عليه السلام وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في تحقيق ذلك، وقيل غير ذلك. ويراد بالسماوات على أكثر الأقوال جهة العلو وإلا لم يتصل الاستثناء فإن حملة العرش مثلاً ليسوا في السماوات بالمعنى المعروف، وقيل: إنه لم يرد في التعيين خبر صحيح. {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ } أي في الصور وهو ظاهر في أنه ليس بجمع وإلا لقيل فيها {أُخْرَىٰ } أي نفخة أخرى، وهو يدل على أن المراد بالأول ونفخ في الصور نفخة واحدة كما صرح به في مواضع لأن العطف يقتضي المغايرة فلو أريد المطلق الشامل للأخرى لم يكن لذكرها هٰهنا وجه، و {أُخْرَىٰ } تحتمل النصب على أنها صفة مصدر مقدر أي نفخة أخرى، والرفع على أنها صفة لنائب الفاعل، وعلى الأول كان النائب عنه الظرف. وصح في «صحيحي البخاري ومسلم» أن الله تعالى ينزل بين النفختين ماء من السماء - جاء في بعض الروايات أنه كالطل بالمهملة وفي بعضها كمني الرجال - فتنبت منه أجساد الناس وإن بين النفختين أربعين وهذا عن أبـي هريرة مرفوعاً ولم يبين فيه ما هذه الأربعون. وفي حديث أخرجه أبو داود أنها أربعون عاماً، وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن العاص قال: ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب إيلياء الشرقي أو قال الغربـي والنفخة الثانية من باب آخر. {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ } قائمون من قبورهم {يُنظَرُونَ } أي ينتظرون ما يؤمرون أو ينتظرون ماذا يفعل بهم، وقيل: يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم. وتعقب بأن قولهم عند قيامهم {أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : [يس: 52] يأباه ظاهراً نوع إباء. وجوز أن يكون قيام من القيام مقابل الحركة أي فإذا هم متوقفون جامدون في أمكنتهم لتحيرهم. واعترض بأن قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ }تفسير : [يس: 51] ظاهر في خلافه لأن النسل الإسراع / في المشي، وكذا قوله تعالى: {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ }تفسير : [المعارج: 43]. وقرأ زيد بن علي {قياماً } بالنصب على أن جملة {ينظرون} خبرهم {وَقِيَـٰماً } حال من ضمير {ينظرون } قدم للفاصلة، أو من المبتدأ عند من يجوز ذلك. وفي «البحر» النصب على الحال وخبر المبتدأ الظرف الذي هو {إِذَا} الفجائية وهي حال لا بد منها إذ هي محط الفائدة إلا أن يقدر الخبر محذوفاً أي فإذا هم مبعوثون أو موجودون قياماً، وإذا نصب {قِيَاماً } على الحال فالعامل فيها ذلك الخبر المحذوف إن قلنا به وإلا فالعامل هو العامل في الظرف فإن كان {إِذَا} ظرف مكان على ما يقتضيه ظاهر كلام سيبويه فتقديره فبالحضرة هم قياماً، وإن كان ظرف زمان كما ذهب إليه الرياشي فتقديره ففي ذلك الزمان الذي نفخ فيه هم أي وجودهم، واحتيج إلى تقدير هذا المضاف لأن ظرف الزمان لا يكون خبراً عن الجثة، وإن كانت {إِذَا } حرفاً كما زعم الكوفيون فلا بد من تقدير الخبر إلا إن اعتقدنا أن {يَنظُرُونَ } هو الخبر ويكون عاملاً في الحال انتهى. ولعمري إن مذهب الكوفيين أقل تكلفاً. هذا وهٰهنا إشكال بناء على أنهم فسروا نفخة الصعق بالنفخة الأولى التي يموت بها من بقي على وجه الأرض، فإنه قد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد وغيرهم عن أبـي هريرة قال: «قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه قال: أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } فأكون أول من يرفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله تعالى» وهو يأبى تفسير النفخة بذلك ضرورة أن موسى عليه السلام قد مات قبل تلك النفخة بألوف سنين، واحتمال أنه عليه السلام لم يمت كما قيل في الخضر وإلياس مما لا ينبغي أن يتفوه به حي، ويدل كما قال بعض الأجلة: على أنها نفخة البعث. وقال القاضي عياض: يحتمل أن تكون هذه صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات فتتوافق الآيات والأحاديث وتكون النفخات ثلاثاً وهو اختيار ابن العربـي. ورده القرطبـي بأن أخذ موسى عليه السلام بقائمة العرش إنما هو عند نفخة البعث وادعى أن الصحيح أن ليس إلا نفختان لا ثلاث ولا أربع كما قيل. ثم قال: والذي يزيح الإشكال ما قال بعض مشايخنا: إن الموت ليس بعدم محض بالنسبة للأنبياء عليهم السلام والشهداء فإنهم موجودون أحياء وإن لم نرهم فإذا نفخت نفخة الصعق صعق كل من في السماء والأرض وصعقة غير الأنبياء موت وصعقتهم غشي فإذا كانت نفخة البعث عاش من مات وأفاق من غشي عليه، ولذا وقع في «الصحيحين» «فأكون أول من يفيق» انتهى، ولا يخفى أنه يحتاج إلى القول بجواز استعمال المشترك في معنييه معاً أو إلى ارتكاب عموم المجاز أو التزام إرادة غشي عليهم وأن موت من يموت بعض الغشي مفاد من أمر آخر فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من إجمال عظمة القدرة يوم القيامة إلى تفصيلها لما فيه من تهويل وتمثيل لمجموع الأحوال يومئذٍ مما ينذر الكافر ويبشر المؤمن ويذكر بإقامة العدل والحق، ثم تمثيل إزجاء المشركين إلى جهنم وسوق المؤمنين إلى الجنة. فالجملة من عطف القصة على القصة، ومناسبة العطف ظاهرة، وعبر بالماضي في قوله: {ونُفِخَ} وقوله: {فَصَعِقَ} مجازاً لأنه محقق الوقوع مثل قوله: {أية : أتى أمر اللَّه}تفسير : [النحل: 1]، ويجوز أن تكون الواو للحال بتقدير (قد) أي والحال قد نفخ في الصور، فتكون صيغة الماضي في فعلي (نفخ وصَعق) مستعملة في حقيقتها. وابتدئت الجملة بحديث النفخ في الصور إذ هو ميقات يوم القيامة وما يتقدمه من موت كل حي على وجه الأرض. وتكرر ذكره في القرآن والسنة. والصور: بوق ينادى به البعيد المتفرق مثل الجيش، ومثل النداء للصلاة فقد كان اليهود ينادون به: للصلاة الجامعة، كما جاء في حديث بدء الأذان في الإسلام. والمراد به هنا نداء الخلق لحضور الحشر أحيائِهم وأَمواتِهم، وتقدم عند قوله: {أية : يوم ينفخ في الصور} تفسير : في الأنعام (73). وهو علامة لأمر التكوين، فالأحياء يصعقون فيموتون (كما يموت المفزوع) بالنفخة الأولى، والأموات يصعقون اضطراباً تدبّ بسببه فيهم الحياة فيكونون مستعدين لقبول الحياة، فإذا نفخت النفخة الثانية حلّت الأرواح في الأجساد المخلوقة لهم على مثال ما بَلي من أجسادهم التي بليت، أو حلّتْ الأرواح في الأجساد التي لم تزل باقية غير بالية كأجساد الذين صعقوا عند النفخة الأولى، ويجوز أن يكون بين النفختين زمن تبلَى فيه جميع الأجساد. والاستثناء من اسم الموصول الأول، أي إلا مَن أراد الله عدم صعقه وهم الملائكة والأرواح، وتقدم في سورة النمل (87) {أية : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض} تفسير : و {ثم} تؤذن بتراخي الرتبة لأنها عاطفة جملة، ويجوز أن تفيد مع ذلك المهلَةَ المناسبة لما بين النفختين. و {أُخْرى} صفة لمحذوف، أي نفخة أخرى، وهي نفخة مُخالفٌ تأثيرُها لتأثير النفخة الأولى، لأن الأولى نفخة إهلاك وصعق، والثانية نفخة إحياء وذلك باختلاف الصوتين أو باختلاف أمرَيْ التكوين. وإنما ذكرت النفخة الثانية في هذه الآية ولم تذكر في قوله في سورة النمل (87) {أية : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه وكل أتوه داخرين}تفسير : لأن تلك في غرض الموعظة بفناء الدنيا وهذه الآية في غرض عظمة شأن الله في يوم القيامة، وكذلك وصف النفخة بالواحدة في سورة الحاقة (13، 15) {أية : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة}تفسير : وذكرت هنا نفختان. وضمير {هُم} عائد على {من في السموات ومن في الأرض} فيما بقي من مفهومه بعد التخصيص بــــ{إلا مَن شاء الله} وهم الذين صعقوا صعق ممات وصَعْق اضطراب يهيأ لقبول الحياة عند النفخة. و {إذا} للمفاجأة للتنبيه على سرعة حلول الحياة فيهم وقيامهم إثره و {قيام} جمع قائم. وجملة {يَنظُرُونَ} حال. والنظرُ: الإِبصار، وفائدة هذه الحال الدلالة على أنهم حَيُوا حياة كاملة لا غشاوة معها على أبصارهم، أي لا دهش فيها كما في قوله تعالى: {أية : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون}تفسير : في سورة الصافات (19)، أو أريد أنهم ينظرون نظر المقلّب بصره الباحث. ويجوز أن يكون من النظرة، أو الانتظار.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} تفسير : [يس: 51].
القطان
تفسير : الصور: بوق ينفخ فيه. صُعق: غشي عليه. يَنظرون: ينتظرون ماذا يفعل بهم. واشرقت الارض: اضاءت بنور الله وعدله. ووضع الكتاب: وهو صحائف الأعمال. بالحق: بالعدل. وسيق الذين كفروا: حثّوهم على السير. زُمرا: افواجا. حقّت: وجبت. في هذه الآيات والتي بعدها تصوير حيّ لمشهد يوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء، وهو يبدأ بالنفخ في الصور (وهو بوق لا ندري كيف شكله) فيصعق جميع من في السماوات والارض إلا من اراد الله ان يؤخرهم الى وقت آخر، ثم ينفخ فيه مرة اخرى فاذا الجميع قائمون من قبورهم ينتظرون ما يُفعل بهم. واشرقت ارض المحشر بنور الله، ووُضع الكتاب الذي سُجلت فيه أعمالهم، وجيىء بالأنبياء والعدول ليشهدوا على الخلق. {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} وفصل اللهُ بين الخلق بالعدل، فهم لا يُظلمون بنقص ثوابٍ او زيادة عقاب. وأعطيت كل نفس جزاء ما عملت جزاء كاملا {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} دون حاجة الى كتاب او حاسب. اما حشرُ الناس ومحاسبتهم ووضع الكتاب فهو لتكميل الحجة عليهم وقطع المعذرة. ثم بعد ان يحاسَب كل انسان ويأخذ كتابه بيمينه او شماله ينقسم الناس فريقين: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} فيساق الذين كفروا الى جهنم جماعات جماعات، حتى اذا وصلوا الى جهنم تفتح لهم ابوابها، ويدخلونها مهانين، ويوبخهم خزنة جهنم بقولهم: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا}. فيجيبونهم معترفين ولا يقدرون على الجدل بقولهم: {بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. ثم يقال لهم ادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها أبداً {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} على الحق، والخارجين على العدل. قراءات: قرأ الكوفيون: فتحت بتخفيف التاء. والباقون: فتحت بالتشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (68) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ هَوْلِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأَهْوَالِ العَظِيمَةِ، والآيَاتِ والزَّلاَزِلِ، وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّ الصُّورَ (وَهُوَ قَرْنٌ إِذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتاً) يُنْفَخُ فِيهِ نَفْخَتَانِ: نَفْخَةٌ يَمُوتُ فِيهَا الخَلْقُ وَمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَيُصْعَقُونَ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ مِنَ الصَعَقِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقُومُ الخَلْقُ مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءَ يَنْظُرُونَ حَوْلَهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا عِظَاماً وَرُفَاتاً. الصُّورُ - قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ فَيُحْدِثُ صَوْتاً. صَعِقَ - هَلَكَ وَمَاتَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى بعد أنْ تكلَّم عن العقائد وذكر الوعد للطائعين والوعيد للعاصين، أراد سبحانه أنْ يُحدِّثنا عن الآخرة وهي دار الجزاء على الأعمال في الدنيا، والدنيا فيها أموات وفيها أحياء، ولن تقوم الساعة إلا إذا مات الجميع ليتحقق البعث، وإلاَّ فكيف يكون البعث في حَقِّ مَنْ لم يَمُتْ؟ لذلك يُحدِّثنا الحق سبحانه هنا عن النفْخ في الصور، هذه النفخة التي تُميت كل مَنْ هو حَيٌّ. الفعل (نُفِخ) جاء بصيغة الفعل المبني للمجهول، الذي لم يُسَمِّ فاعله، لكن السُّنة هي التي بيَّنت الفاعل وأنه إسرافيل، و (الصُّور) بوق مثل القربة ينفخ فيه إسرافيلُ النفخةَ الأولى التي تميتُ كلَّ الأحياء، لأن القيامة ستقوم وعلى الأرض أحياء لا بد أنْ يموتوا، ليكون لهم بعث كالذين ماتوا من لدن آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة. والحق سبحانه يقول: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [العنكبوت: 57]. لكن: هل النفخة الأولى هي التي تُميت؟ أو النفخة الثانية هي التي تحيي الموتى؟ نقول: النفخة ذاتها لا تحيي ولا تميت، إنما هي إيذانٌ لمن بيده الأمر أنْ يبدأ عمله {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} [الزمر: 67] كلمة صعق تأتي بمعنيين. صعق بمعنى هلك كما في قوله تعالى: {أية : فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} تفسير : [الطور: 45] يعني: يهلكون. وتأتي صعق بمعنى أُغمي عليه وفقد الوعي، كما حدث لسيدنا موسى عليه السلام حين تجلَّى ربُّه للجبل، فلما دعا موسى ربه قال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} تفسير : [الأعراف: 143] وليس المعنى هنا أنني لا أُرى، إنما أنا أُرى لكنك في تكوينك الحالي لا تستطيع أنْ تراني، إذن: قد يتغيَّر الحال على صورة يمكنك فيها أنْ تراني. وإذا كان البشر قد توصَّلوا لطرق وأساليب وأسباب تُمكِّن من رؤية ما لم تقدر على رؤيته، فرأينا النظارة والنظارة المعظمة والتليسكوبات .. إلخ. إذن: فالحق سبحانه من باب أَوْلَى قادر على أنْ يجعلك ترى ما لم تكُنْ تراه من قبل. ثم يقول سبحانه في تمام هذه القصة: {أية : وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} تفسير : [الأعراف: 143] الحق سبحانه يريد أنْ يؤكد لموسى عليه السلام هذه القضية لا بالقول إنما بالفعل {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} تفسير : [الأعراف: 143]. وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه موسى: إذا كنت صُعِقْتَ - يعني: فقدتَ الوعي - من رؤية المتجلَّى عليه وهو الجبل، فكيف بك إذا رأيتَ المتجلِّي سبحانه؟ وقوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [الزمر: 68] أي: شاء ألاَّ يُصعق، وهذه المشيئة مؤقتة لأن من لم يَمُتْ في هذه النفخة الأولى لابدَّ وأنْ يموت فيما بعد، وآخر مَنْ يموت هو ملك الموت حيث يقول له الحق سبحانه: مُتْ يا مَلَك الموت فيموت. بعدها يصير الخلود بلا انتهاء. قالوا: الذين استثناهم الله من هذه النفخة هم الملائكة الموكَّلون جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام فيمَنْ استثنى من هذه الصعقة، فقد ورد في الحديث أنْ الصَّعْقة حدثتْ وحصل للناس غَشْيَة، وكان رسول الله أول مَنْ أفاق منها فوجد أخاه موسى عليهما السلام ممسكاً بالعرش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدْر أَصُعِق موسى فيمن صُعِق وأفاق قبلي، أم لم يُصعق. وما دام أنه أفاق فوجد موسى بجوار العرش إذن هو لم يُصعق، ويدخل في هؤلاء الذين استثناهم الله في قوله {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [الزمر: 68] أو أنه صُعِق لكنه أفاق من الصَّعْق قبل غيره، وهنا قال العلماء: لماذا لم يُصعَق سيدنا موسى؟ أو لماذا قَصُرَتْ مدة صَعْقته عن مدة الآخرين؟ قالوا: لأنه عليه السلام سبق أنْ صُعِقَ في الدنيا لما تجلَّى ربُّه للجبل، فشاء الله أنْ تُحتسبَ له هذه الصعقة، وأنْ تُخفَّفَ عنه صَعْقةُ القيامة. وقوله {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} [الزمر: 68] أي: نفخة البعث، فالنفخة الأولى أماتت مَنْ لم يكُنْ قد مات، والنفخة الثانية هي البعث والخروج من القبور {أية : فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} تفسير : [يس: 51] هذا تصوير لهيئة الصعقة، وكيفية الخروج من القبور {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68]. وكلمة (ينسلون) دلَّتْ على تفرُّق بعد اجتماع، كما نقول للقماش (نسِّل) يعني: بعد أنْ كانت خيوطه مُتضَامَّة متماسكة تفككتْ، وهذا تصوير دقيق وتعبير بليغ يُصوِّر الحالة التي كانت تُوجد في القبور حين يلتقي الأموات في باطن الأرض، لأن الناس في الدنيا وهم في سَعة الحياة دائماً ما يتخاصمون ويتشاجرون وتكثر بينهم العداوات والمنافسات. وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى فقال: شعر : رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مِرَاراً ضاَحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأَضْدَّادِ تفسير : فإذا ما ماتوا وضمتهم الأرض امتصَّتْ ما كان بينهم من أحقاد وعداوات، فخلصت عناصرهم خُلُوصاً مَكَّنهم من اللقاء والاجتماع، فيقولون: ما ألذَّ العناق قبل دقَّات الفراق. وكأنهم يفرحون بهذا الاجتماع وبهذا العناق لأنه يُعوِّضهم ما كان بينهم من شقاق في الدنيا، فإذا ما جاءتْ النفخة الثانية تفكَّك هذا الاجتماع وتفرَّق، هذا معنى {أية : يَنسِلُونَ} تفسير : [يس: 51] أي: كُلٌّ على حدة بمفرده وشخصه كما (ينسلّ) الخيط من مكانه في النسيج؛ ذلك لأن الجزاء أمر شخصي وكُلٌّ مُرْتهن بعمله. ومعنى {يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] أي: ينتظرون ما يقع بهم، أو ينظرون ما حولهم من أهوال تشخَصُ لها الأبصار، كما قال تعالى في آية أخرى حكايةً عنهم: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} تفسير : [السجدة: 12] قالوا: هذه هي الآية الوحيدة التي تقدم فيها البصر على السمع، لماذا؟ لأن الموقف هنا في الآخرة حين يُبعث الناس من القبور، وحين تحيط بهم الأهوال والكروب من كل ناحية، وهذه الحالة تسبق فيها الأبصار الأسماع فيبصرون قبل أنْ يسمعوا. وبنفخة البعث تبدأ أهوال القيامة ويشتد الكرب على الكافرين فيرتعدون، فإذا ما صَدَق اللهُ وعده ووعيده في قيام الساعة بأول مراحلها عندها يعلمون صدق ما كذبوه وكفروا به، هؤلاء الذين طالما كذَّبوا بالبعث وقالوا: {أية : أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الصافات: 16-17]. إذن: صدق الله في البعث وفي إحياء الموتى، وسيصدق سبحانه فيما يتلو ذلك من حساب وجزاء، والويل لكم أيها الكافرون المكذِّبون.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} معناه ماتَ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل للمشركين يوم {نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} لرد الأمانات التي هي الوجودات المترشحة من بحر الذات على هياكل الهوايات {فَصَعِقَ} أي: خرَّ وسقط مغشياً من فزعه {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: جميع العلويات {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي: جميع السلفيات خوفاً من انقطاع الأمور الإلهية بمقتضى النفس الرحماني {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} من المعتبرين الفانين في الله، الباقين ببقائه، فإنهم قد قامت قيامتهم {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة ونعاس النسيان {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} أي: فاجؤوا على القيام، بعدما صاروا مغشياً عليهم {يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] حينئذ حيارى سكارى مبهوتين هائمين، كأنهم صرعى مخبولين. {وَ} بعد ذلك {أَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} أي: صارت الطبيعة والهيولي منورة بنور الله على ما كانت عليه قبل الفتح، وحينئذ عرضوا على الله {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} أي: مكتوب أعمال كل من النفوس الزكية والخبيثة بين أيديهم، وحُوسبوا بمقتضى ما فيه {وَ} بعدما تم حسابهم وتنقيد أعمالهم {جِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ} المبعوثين كل منهم إلى أمة من الأمم؛ ليشهدوا على أممهم بما كانوا عليه في النشأة الأولى {وَٱلشُّهَدَآءِ} أي: وجيء بالشهداء أيضاً؛ يعني: أنطق الله أركانهم وجوارحهم التي أتوا بها ما أتوا من خير وشر فيشهدون. {وَ} بعد انكشاف أحوالهم وضبط أعمالهم {قُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} على مقتضى العدالة الإلهية بلا حيف وميل {وَهُمْ} حينئذ {لاَ يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69] بالزيادة والنقصان ثواباً وعقاباً. {وَ} بالجملة: {وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ} جزاء {مَّا عَمِلَتْ} من خير وشر {وَ} كيف لا يوفى؛ إذ {هُوَ} سبحانه {أَعْلَمُ} وأحفظ منهم {بِمَا يَفْعَلُونَ} أي: بجميع أفعالهم وأعمالهم الصادرة منهم، صالحها وفاسدها، نقيرها وقطميرها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن نفخ الصور وإشراق النور بقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [الزمر: 68]، يشير إلى نفخ نفخات ألطاف الحق في صور الأرواح {فَصَعِقَ} [الزمر: 68]،؛ أي: فتغير عن وصفه في سماوات القلوب من الصفات الإنسانية إلى الصفات الربانية، ومن في الأرض البشرية من الصفات النفسانية إلى الصفات الروحانية {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [الزمر: 68] في بعض الصفات أن لا يغيرها، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} [الزمر: 68]؛ أي: قائمون بالله {يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] بنور الله. {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ} [الزمر: 69] أرض الوجوه، {بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69] إذا تجلى لها، وبقوله: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69]، يشير إلى أن النبيين والشهداء إذا دُعوا للقضاء والحكومة والمحاسبة، فكيف يكون حال الأمم وأهل المعاصي والذنوب؟ {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} [الزمر: 70] من الخير والشر، والطاعة والمعصية، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} [الزمر: 70]؛ أي: والله أعلم منهم بأنفسهم بما يفعلون؛ إذ هو يخلق أفعالهم فيهم، وهو يعلم أيها خلق للخير والشر، {وَسِيقَ} [الزمر: 71] الذكر، {ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ} [الزمر: 71] بداعية الكفر على أقدام أفعالهم، {إِلَىٰ جَهَنَّمَ} [الزمر: 71] البعد والفراق، {زُمَراً} [الزمر: 71] فرقة فرقة على أقدام أفعال آخر، {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71] السبعة التي من الأوصاف الذميمة النفسانية؛ وهي: الكبر والبخل، والحرص والشهوة، والحسد والغضب والحقد، فإنها أبواب جهنم، وكل من يدخل فيها لا بد له من أن يدخل من باب من أبوابها. وبقوله: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [الزمر: 71]، يشير إلى أن الحكمة الإلهية اقتضت إظهاراً لصفة القهر أن يخلق ناراً ويخلق لها أهلاً، كما أنه تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلاً إظهاراً لصفة اللطف، فلهذه الحكمة {قِيلَ} [الزمر: 72] في الأزل قهراً وقسراً {ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} [الزمر: 72]، وهي الصفات الذميمة كما مر شرحها {خَالِدِينَ فِيهَا} [الزمر: 72]، بحيث لا يمكنه الخروج عن هذه الصفات بتبديلها، كما يخرج المتقون منا {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} [الزمر: 72]، به يشير إلى أن العصاة صنفان: صنف منهم: متكبرون وهم المصرون متابعو إبليس فلهم الخلود في النار. وصنف منهم: متواضعون وهم التائبون متابعو آدم فلهم النجاة، وبهذا الدليل يثبت أنه ليس ذنب أكبر بعد الشرك من الكبر؛ بل الشرك أيضا يتولد من الكبر، كما قال تعالى: {أية : أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} تفسير : [البقرة: 34]، وهذا تحقيق قوله تعالى: "حديث : الكبرياء دوائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهم ألقيته في النار"تفسير : ؛ ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما خوفهم تعالى من عظمته، خوفهم بأحوال يوم القيامة، ورغَّبهم ورهَّبهم فقال: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } وهو قرن عظيم، لا يعلم عظمته إلا خالقه، ومن أطلعه اللّه على علمه من خلقه، فينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، أحد الملائكة المقربين، وأحد حملة عرش الرحمن. { فَصَعِقَ } أي: غشي أو مات، على اختلاف القولين: { مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ } أي: كلهم، لما سمعوا نفخة الصور أزعجتهم من شدتها وعظمها، وما يعلمون أنها مقدمة له. { إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ممن ثبته اللّه عند النفخة، فلم يصعق، كالشهداء أو بعضهم، وغيرهم. وهذه النفخة الأولى، نفخة الصعق، ونفخة الفزع. { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ } النفخة الثانية نفخة البعث { فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ينظرون } أي: قد قاموا من قبورهم لبعثهم وحسابهم، قد تمت منهم الخلقة الجسدية والأرواح، وشخصت أبصارهم { يَنْظُرُونَ } ماذا يفعل اللّه بهم. { وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا } علم من هذا، أن الأنوار الموجودة تذهب يوم القيامة وتضمحل، وهو كذلك، فإن اللّه أخبر أن الشمس تكور، والقمر يخسف، والنجوم تندثر، ويكون الناس في ظلمة، فتشرق عند ذلك الأرض بنور ربها، عندما يتجلى وينزل للفصل بينهم، وذلك اليوم يجعل اللّه للخلق قوة، وينشئهم نشأة يَقْوَوْنَ على أن لا يحرقهم نوره، ويتمكنون أيضا من رؤيته، وإلا فنوره تعالى عظيم، لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. { وَوُضِعَ الْكِتَابُ } أي: كتاب الأعمال وديوانه، وضع ونشر، ليقرأ ما فيه من الحسنات والسيئات، كما قال تعالى: {أية : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } تفسير : ويقال للعامل من تمام العدل والإنصاف: {أية : اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا }. تفسير : { وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ } ليسألوا عن التبليغ، وعن أممهم، ويشهدوا عليهم. { وَالشُّهَدَاءِ } من الملائكة، والأعضاء والأرض. { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ } أي: العدل التام والقسط العظيم، لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، ومن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ، محيط بكل ما عملوه، والحفظة الكرام، والذين لا يعصون ربهم، قد كتبت عليهم ما عملوه، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك الحكم، فحكم بذلك من يعلم مقادير الأعمال ومقادير استحقاقها للثواب والعقاب. فيحصل حكم يقر به الخلق، ويعترفون للّه بالحمد والعدل، ويعرفون به من عظمته وعلمه وحكمته ورحمته ما لم يخطر بقلوبهم، ولا تعبر عنه ألسنتهم، ولهذا قال: { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ }.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [68] 476 - أخبرنا سويدُ بن نصرٍ، قال: أخبرنا عبد الله، عن سليمان ح وأخبرنا قُتيبة بن سعيدٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سُليمان التَّيْمِيِّ، عن أسلم، عن بشر بن شغافٍ، عن عبد الله بن عمرو، قال: حديث : سأل أعرابيٌّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: ما الصُّورُ؟ - قال سويدٌ: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصُورُ؟ - قال: "قرنٌ يُنفخُ فيه ". تفسير : قوله تعالى: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [68] 477 - أخبرنا محمد بن عبد الرحيم، عن يونس بن محمدٍ، قال: حدثنا إبراهيمُ، عن الزُّهري، عن أبي سلمة، وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هُريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تُخيروني/ على موسى، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يُفيقُ، فإذا موسى باطشٌ بجانب العرش، فلا أدري أصعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى اللهُ ". تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} [68] 476 - [أخبرنا موسى]، قال: أخبرنا الحسن بن محمدٍ، عن شبابة، قال: أخبرني عبد العزيز، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تُفضلوا بين أنبياء اللهِ؛ فإنه يُنفخ في الصور، فيصعقُ من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء اللهُ ثم يُنفخ فيه أُخرى، فأكونُ أول من بُعث، فإذا موسى (عليه السلامُ) آخذٌ بالعرش. فلا أدري! أحُوسب بصعقتهِ يوم الطُّور؟ أو بُعث قبلي؟. ولا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن مَتَّى ". تفسير : 479 - أخبرنا أحمد بن حربٍ، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بين النفختين أربعون" قالوا: يا أبا هريرة: أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ. قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ. قالوا: أربعون سنة؟. قال: أبيتُ. (قال: ثم يُنزِلُ) اللهُ (تبارك وتعالى) من السماء ماءاً، فينبتون كما ينبتُ البقلُ. قال: وليس من الإنسان شيءٌ إلا يبلى، إلاَّ عظمٌ (واحدٌ)، وهو عجبُ الذنبِ. قال: "يعني فيه يُركبُ الخلقُ يوم القيامة ". تفسير : 480 - أخبرنا محمد بن حاتمٍ، قال: حدثنا حِبانُ، قال: أخبرنا عبد الله، عن أفلح بن سعيدٍ، قال: سمعتُ عبد الله بن رافعٍ يذكرُ، أن أُم سلمة، قالت:حديث : سمعتُ رسول الله/ صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ على المنبرِ - وهو يقول: "يا أيها الناسُ" قالت - وهي تمتشِطُ فَلَفَّتْ رأسها، وقامت من وراءِ حجرتها، فسمعتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو) يقولُ: "يا أيها الناسُ: بينا أنا على الحوض إذ مُرَّ بكم زُمراً، تذهبُ بكم الطُّرُقُ. فأُناديكم: ألاَ هَلُمَّ إلى الطريق، فينادي مُنادٍ من ورائي: إنهم بدلوا بعدك، فأقولُ: ألاَ سُحقاً [ألاَ] سُحقاً ".
همام الصنعاني
تفسير : 2640- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أن أبا هريرة قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : يمينُ الله مَلأى لا تغيضُها نفقةً، سَحَّاءُ اللَّيْل والنَّهار، أرأيت ما أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ الله السماوات والأرض فإنه لن يَنْقُصْ مما عنده شيء، وبيده الميزان"تفسير : قال معمر، قال غيره: (القبض): يخفض ويرفع، وعرشه علَى الْمَاءِ. 2641- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن سليمان، عن (بشر بن شغاف التميمي)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}: [الآية: 68]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هو قرن يُنْفَخُ فيه".تفسير : وكان قتادة يقول: هي الصُّوَرُ، يقرؤها: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} يعني صُوَر الناس كلهم، نَفَخَ فيها كلها. 2642- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن العوفي، عن أبي سعيد الخدري في قوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}: [الآية: 68]، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كيف أنعم، وصاحب الصور قد التقم الصور وجنا جَبْهَتُهُ، وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ". تفسير : 2643- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}: [الآية: 68]، قال: إنه استثنى، وما يبقى أحد إلا قد مات، وقد استثنى الله والله أعلم بِثُنْيَاهُ. 2644- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن المبارك، وغيره، عن شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن رجل، عن سعيد بن جبير في قوله: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}: [الآية: 68]، قال: هم الشهداء، ثُنْيَة الله حَوْلَ العرش، متقلدي السُّيُوف. 2645- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}: [الآية: 68]، قال: هم الشهداء، ثنيةَ الله حول العرش، متقلّدي السيوف.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):