Verse. 4127 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَاَشْرَقَتِ الْاَرْضُ بِنُوْرِ رَبِّہَا وَوُضِعَ الْكِتٰبُ وَجِايْۗءَ بِالنَّـبِيّٖنَ وَالشُّہَدَاۗءِ وَقُضِيَ بَيْنَہُمْ بِالْحَــقِّ وَہُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ۝۶۹
Waashraqati alardu binoori rabbiha wawudiAAa alkitabu wajeea bialnnabiyyeena waalshshuhadai waqudiya baynahum bialhaqqi wahum la yuthlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأشرقت الأرض» أضاءت «بنور ربها» حين يتجلى الله لفصل القضاء «ووضع الكتاب» كتاب الأعمال للحساب «وجيء بالنبيين والشهداء» أي بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ «وقُضيَ بينهم بالحق» أي العدل «وهم لا يظلمون» شيئا.

69

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} إشراقها إضاءتها؛ يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وشَرَقت إذا طلعت. ومعنى: {بِنُورِ رَبِّهَا} بعدل ربها؛ قاله الحسن وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربها؛ والمعنى واحد؛ أي أنارت وأضاءت بعدل الله وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق نوراً يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به. وقال ابن عباس: النور المذكور هاهنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه الله فيضيء به الأرض. وروي أن الأرض يومئذٍ من فضة تشرق بنور الله تعالى حين يأتي لفصل القضاء. والمعنى أنها أشرقت بنورٍ خلقه الله تعالى، فأضاف النور إليه على حدّ إضافة الملك إلى المالك. وقيل: إنه اليوم الذي يقضي فيه بين خلقه؛ لأنه نهار لا ليل معه. وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير: {وأُشْرِقَتِ الأَرْضُ} على ما لم يسم فاعله وهي قراءة على التفسير. وقد ضل قوم هاهنا فتوهموا أن الله عز وجل من جنس النور والضياء المحسوس، وهو متعال عن (مشابهة) المحسوسات، بل هو منوّر السموات والأرض، فمنه كل نور خلقا وإنشاء. وقال أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} يبين هذا الحديث المرفوع من طرق كثيرة صحاح: «حديث : تنظرون إلى الله عز وجل لا تضامّون في رؤيته» تفسير : وهو يروى على أربعة أوجه: لا تُضامُون ولا تضارُون ولا تضامُّون ولا تضارُّون؛ فمعنى «لا تضامُون» لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك. و«لا تضارُون» لا يلحقكم ضير. و«لا تضامُّون» لا ينضم بعضكم إلى بعض ليسأله أن يريه. و«لا تضارُّون» لا يخالف بعضكم بعضاً؛ يقال: ضارّه مُضارّة وضِراراً أي خالفه. قوله تعالى: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ. وقال قتادة: يريد الكتاب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ} أي جيء بهم فيسألهم عما أجابتهم به أممهم. {وَٱلشُّهَدَآءِ} الذين شهدوا على الأمم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143]. وقيل: المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذبّ عن دين الله؛ قاله السدي. قال ابن زيد: هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم. قال الله تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ }تفسير : [قۤ: 21] فالسائق يسوقها إلى الحساب والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في «قاف». {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق والعدل. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} قال سعيد بن جبير: لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} من خير أو شر. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} في الدنيا ولا حاجة به عز وجل إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك فتشهد الكتب والشهود إلزاماً للحجة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ } أضاءت {بِنُورِ رَبّهَا } حين يتجلى لفصل القضاء {وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ } كتاب الأعمال للحساب {وَجِاْىءَ بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاءِ } أي بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ } أي العدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } شيئاً.

ابن عطية

تفسير : {أشرقت} معناه: أضاءت وعظم نورها، يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير: "أشرِقت" بضم الهمزة وكسر الراء على بناء الفعل للمفعول، وهذا إنما يترتب في فعل يتعدى، فهذا على أن يقال: أشرق البيت، وأشرقه السراج، فيكون الفعل متجاوزاً أو غير متجاوز بلفظ واحد كرجع ورجعته ووقف ووقفته، ومن المتعدي من ذلك يقال أشرقت الأرض: و: {الأرض} في هذه الآية: الأرض المبدلة من الأرض المعروفة. وقوله: {بنور ربها} إضافة خلق إلى خالق، أي بنور الله تعالى، و: {الكتاب} كتاب حساب الخلائق، ووحده على اسم الجنس، لأن كل أحد له كتاب على حدة. وقالت فرقة: وضع اللوح المحفوظ، وهذا شاذ وليس فيه معنى التوعد وهو مقصد الآية. وقوله: {وجيء بالنبيين} أي ليشهدوا على أممهم. وقوله: {والشهداء} قيل هو جمع شاهد، والمراد أمة محمد الذين جعلهم الله شهداء على الناس. وقال السدي: {الشهداء} جمع شهيد في سبيل الله، وهذا أيضاً يزول عنه معنى التوعد، ويحتمل أن يريد بقوله: {والشهداء} الأنبياء أنفسهم، عطف الصفة على الصفة بالواو، كما تقول: جاء زيد الكريم والعاقل. وقال زيد بن أسلم: {الشهداء}: الحفظة. والضمير في قوله: {بينهم} عائد على العالم بأجمعه. إذ الآية تدل عليهم. و: {لا يظلمون} معناه: لا يوضع شيء من أمورهم غير موضعه. {ووفيت} معناه: جوزيت كملاً، وفي هذا وعيد صرح عنه قوله: {وهو أعلم بما يفعلون}. وقرأ الجمهور: {وسيق} وجيء بكسر أوله. وقرأها ونظائرها بإشمام الضم: الحسن وابن وثاب وعاصم والأعمش. و: {زمراً} معناه: جماعات متفرقة، واحدها زمرة. وقوله: {فتحت} جواب {إذا}، والكلام هنا يقضي أن فتحها إنما يكون بعد مجيئهم، وفي وقوفهم قبل فتحها مذلة لهم، وهكذا هي حال السجون ومواضع الثقاف والعذاب بخلاف قوله: في أهل الجنة: {وفتحت}[الزمر: 73] بالواو مؤذنة بأنهم يجدونها مفتوحة كمنازل الأفراح. وقرأ الجمهور: "فتّحت" بشد التاء في الموضعين، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيفها، وهي قراءة طلحة والأعمش: ثم ذكر تعالى توقيف الخزنة لهم على مجيء الرسل. وقرأ الجمهور: "يأتكم" بالياء من تحت. وقرأ الأعرج: "تأتكم" بتاء من فوق. وقوله: {منكم} أعظم من الحجة، أي رسل من جنسكم لا يصعب عليكم مراميهم ولا فهم أقوالهم. وقولهم: {بلى} جواب على التقرير على نفي أمر، ولا يجوز هنا الجواب بنعم، لأنهم كانوا يقولون: نعم لم يأتنا، وهكذا كان يترتب المعنى، ثم لا يجدوا حجة إلا أن كلمة العذاب حقت عليهم، أي الكلمة المقتضية من الله تعالى تخليدهم في النار، وهي عبارة عن قضائه السابق لهم بذلك، وهي التي في قوله تعالى لإبليس {أية : لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} تفسير : [ص: 85] والمثوى: موضع الإقامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَشْرَقَتِ} أضاءت {بِنُورِ رَبِّهَا} بعدله، أو بنور قدرته، أو نورٌ خلَقه لإشراق أرضه، أو اليوم الذي يقضي فيه بين الخلق لأنه نهار لا ليل معه {الْكِتَابُ} الحساب، أو كتاب الأعمال {وَالشُّهَدَآءِ} الملائكة الذين يشهدون على أعمال العباد، أو الذين استشهدوا في طاعة [الله]. {بِالْحَقِّ} بالعدل {لا يُظْلَمُونَ} بنقص الحسنات، أو الزيادة في السيئات.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها} وذلك حين يتجلى الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء بين خلقه فما يضارون في نوره كما لا يضارون في الشمس في اليوم الصحو وقيل بعدل ربها وأراد بالأرض عرصات القيامة {ووضع الكتاب} أي كتاب الأعمال وقيل اللوح المحفوظ لأن فيه أعمال جميع الخلق من المبدأ إلى المنتهى {وجيء بالنبيين} يعني ليكونوا شهداء على أممهم {والشهداء} قال ابن عباس يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل يعني الحفظة {وقضي بينهم الحق} أي بالعدل {وهم لا يظلمون} أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم {ووفيت كل نفس ما عملت} أي ثواب ما عملت {وهو أعلم بما يفعلون} يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأفعالهم لا يحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد. قوله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم} يعني سوقاً عنيفاً {زمراً} أفواجاً بعضهم على أثر بعض كل أمة على حدة وقيل جماعات متفرقة واحدتها زمرة {حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها} يعني السبعة وكانت قبل ذلك مغلقة {وقال لهم خزنتها} يعني توبيخاً وتقريعاً {ألم يأتكم رسل منكم} أي من أنفسكم ومن جنسكم {يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب} أي وجبت {على الكافرين} وهي قوله {أية : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} تفسير : [السجدة: 13] {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} قوله عز وجل: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً} فإن قلت عبر عن الفريقين بلفظ السوق فما الفرق بينهما. قلت المراد بسوق أهل النار طردهم إلى العذاب بالهوان والعنف كما يفعل بالأسير إذا سيق إلى الحبس أو القتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنهم يذهبون إليها راكبين أو المراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان فشتان ما بين السوقين {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} فإن قلت قال في أهل النار فتحت بغير واو وهنا زاد حرف الواو فما الفرق. قلت فيه وجوه أحدها أنها زائدة الثاني إنها واو الحال مجازه وقد فتحت أبوابها فأدخل الواو لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم إليها وحذف الواو في الآية الأولى لبيان أن أبواب جهنم كانت مغلقة قبل مجيئهم إليها ووجه الحكمة في ذلك أن أهل الجنة إذا جاؤوها ووجدوا أبوابها مفتحة حصل لهم السرور والفرح بذلك وأهل النار إذا رأوها مغلقة كان ذلك نوع ذل وهوان لهم. الثالث زيدت الواو هنا لبيان أن أبواب الجنة ثمانية ونقصت هناك لأن أبواب جهنم سبعة والعرب تعطف بالواو فيما فوق السبعة تقول سبعة وثمانية. فإن قلت حتى إذا جاؤوها شرط فأين جوابه؟ قلت فيه وجوه أحدها أنه محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني أن الجواب هو قوله {وقال لهم خزنتها سلام عليكم} بغير واو الثالث تقديره فادخلوها خالدين دخلوها فحذف دخولها لدلالة الكلام عليه {وقال لهم خزنتها سلام عليكم} أي أبشروا بالسلامة من كل الآفات {طبتم} قال ابن عباس معناه طاب لكم المقام وقيل إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا دخلوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه {سلام عليكم طبتم} {فادخلوها خالدين} وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحتها عينان فيغتسل المؤمن من أحداهما فيطهر ظاهره ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين}.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر إقامتهم بالحياة التي هي نور البدن، أتبعه إقامتهم بنور جميع الكون ظاهراً بالضياء الحسي، وباطناً بالحكم على طريق العدل الذي هو نور الوجود الظاهري والباطني على الحقيقة كما أن ظلم ظلامة كذلك فقال: {وأشرقت} أي أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة {الأرض} أي التي أوجدت لحشرهم، وعدل الكلام عن الاسم الأعظم إلى صفة الإحسان لغلبة الرحمة لا سيما في ذلك اليوم فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا بها فقال: {بنور ربها} أي الذي رباها بالإحسان إليها بجعلها محلاًّ للعدل والفضل، لا يكون فيها شيء غير ذلك أصلاً، وذلك النور الذي هو شيء واحد يبصر به قوم دون آخرين كما كانت النفخة تارة للهلاك وتارة للحياة. ولما كان العلم هو النور في الحقيقة، وكان الكتاب أساس العلم وكان لذلك اليوم من العظمة ما يفوت الوصف ولذلك كذب به الكفار أتى فيما يكون فيه بإذنه بصيغة المجهول على طريقة كلام القادرين إشارة إلى هوانه وأنه طوع أمره لا كلفة عليه في شيء من ذلك وكذا ما بعده من الأفعال زيادة في تصوير عظمة اليوم بعظمة الأمر فيه فقال: {ووضع الكتاب} أي الذي أنزل إلى كل أمة لتعمل به. ولما كان الأنبياء أعم من المرسلين، وكان للنبي وهو المبعوث ليعمل من أمره أن يأمر بالمعروف، وقد يتبعه من أراد الله به الخير، وكان عدتهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً، وهي قليلة جداً بالنسبة إلى جميع الناس، عبر بهم دون المرسلين وبجمع القلة فقال: {وجاء بالنبيين} للشهادة على أممهم بالبلاغ. ولما كان أقل ما يكون الشهود ضعف المكلفين، عبر بجمع الكثرة فقال: {والشهداء} أي الذين وكلوا بالمكلفين فشاهدوا أعمالهم فشهدوا بها وضبطوها فأصلت الأصول وصورت الدعاوى وأقيمت البينات على حسبها من طاعة أو معصية، ووقع الجزاء على حسب ذلك، فظهر العدل رحمة للكفار، وبان الفضل رحمة للمسلمين {وقضى بينهم} أي بين العباد الذين فعل ذلك كله لأجلهم، ولما كان السياق ظاهراً في عموم الفضل عدلاً وفضلاً كما يأتي التنبيه عليه قال: {بالحق} بأن يطابق الواقع من المثوبات والعقوبات ما وقع الخبر به في الكتب على ألسنة الرسل. ولما كان المراد كمال الحق باعتبار عمومه لجميع الأشخاص والأعمال وكان ربما طرقه احتمال تخصيص ما، أزال ذلك بقوله: {وهم} أي باطناً وظاهراً {لا يظلمون *} أي لا يتجدد لهم ظلم في وقت أصلاً، فلا يزادون في جزاء السيئة على المثل شيئاً ولا ينقصون في جزاء الحسنة عن العشر شيئاً. ولما كان ذلك ربما كان بالنسبة إلى ما وقع فيه الحكم، وليس نصاً في شمول الحكم لكل عمل، نص عليه بقوله، ذاكراً الوفاء والعمل لاقتضاء السياق ذلك بذكر الكتاب وما في حيزه من النبيين والشهداء والقضاء الحق، وذلك كله أليق بذكر العمل المؤسس على العلم، والوفاء الذي هو الركن الأعظم في الحق ومساق العلم، والعلم والوفاء أوفق لجعل العمل نفسه هو الجزاء بأن يصور بما يستحقه من الصور المليحة إن كان ثواباً والقبيحة إن كان عقاباً، والفرق بينه وبين العقل المؤسس على الشهوة وقوة الداعية: {ووفيت كل نفس} ولما كانت التوفية في الجزاء على غاية التحرير والمبالغة في الوفاء والمشاكلة في الصورة والمعنى، جعل الموفي نفس العمل فقال: {ما عملت} أي من الحسنات، لذلك عبر بالعمل الذي لا يكون إلا مع العلم وأفهم الختام تقدير "والله أعلم بما يعملون". ولما كان المراد بالشهداء إقامة الحقوق على ما يتعارفه العباد وكان ذلك ربما أوهم نقصاً في العلم قال: {وهو أعلم} أي من العاملين والشهداء عليهم {بما يفعلون *} أي مما عمل به بداعية من النفس سواء كان مع مراعاة العلم أو لا. فالآية من الاحتباك: ذكر ما عملت أولاً يدل على ما فعلت ثانياً، وذكر ما يفعلون ثانياً يدل عليه ما يفعلون أولاً، وسره أن ما ذكر أوفق للمراد من نفي الظلم على حكم الوعد بالعدل والفضل لأن فيه الجزاء على كل ما بني على علم، وأما المشتهي فما ذكر أنه يجازى عليه بل الله يعلمه. ولما كان الأغلب على هذه المقامات التحذير، قدم في هذه التوفية حال أهل الغضب فقال: {وسيق} أي بأمر يسير من قبلنا بعد إقامة الحساب سوقاً عنيفاً {الذين كفروا} أي غطوا أنوار عقولهم، فالتبست عليهم الأمور فضلوا {إلى جهنم} أي الدركة التي تلقاهم بالعبوسة كما تلقوا الأوامر والنواهي والقائمين بها بمثل ذلك، فإن ذلك لازم لتغطية العقل {زمراً} أي جماعات في تفرقة بعضهم على إثر بعض - قاله أبو عبيد - أصنافاً مصنفين، كل شخص مع من يلائمه في الطريقة والزمرة، مأخوذة من الزمر وهو صوت فيه التباس كالزمر المعروف لأن ذلك الصوت من لازم الجمع. ولما كان إغلاق الباب المقصود عن قاصده دالاًّ على صغاره، دل على أن أمرهم كذلك بقوله ذاكراً غاية السوق: {حتى إذا جاءوها} أي على صفة الذل والصغار، وأجاب "إذا" بقوله: {فتحت أبوابها} أي بولغ كما يفعل في أبواب السجن لأهل الجرائم بعد تكاملهم عندها في الإسراع في فتحها ليخرج إليهم ما كان محبوساً بإغلاقها من الحرارة التي يلقاهم ذكاؤها وشرارها على حالة هي أمر من لقاء البهام التي اختاروها في الدنيا على تقبل ما خالف أهويتهم من حسن الكلام. ولما كان المصاب ربما رجا الرحمة، فإذا وجد من يبكته كان تبكيته أشد عليه مما هو فيه قال: {وقال لهم خزنتها} إنكاراً عليهم وتقريعاً وتوبيخاً: {ألم يأتكم رسل} ولما كان قيام الحجة بالمجانس أقوى قال واصفاً لرسل: {منكم} أي لتسهل عليكم مراجعتهم. ولما كانت المتابعة بالتذكير أوقع في النفس قال آتياً بصفة أخرى معبراً بالتلاوة التي هي أنسب لما يدور عليه مقصد السورة من العبادة لما للنفوس من النقائص الفقيرة إلى متابعة التذكير: {يتلون} أي يوالون {عليكم آيات} ولما كان أمر المحسن أخف على النفس فيكون أدعى إلى القبول قالوا: {ربكم} أي بالبشارة إن تابعتم. ولما كان الإنذار أبلغ في الزجر قالوا: {وينذرونكم لقاء يومكم} ولما كانت الإشارة أعلى في التشخيص قالوا: {هذا} إشارة إلى يوم البعث كله، أي من الملك الجبار إن نازعتم، فالآية من الاحتباك: ذكر الرب أولاً دلالة على حذف الجبروت ثانياً والإنذار ثانياً دليلاً على البشارة أولاً {قالوا بلى} أي قد أتونا وتلوا علينا وحذرونا. ولما كان عدم إقبالهم على الخلاص مما وقعوا فيه مع كونه يسيراً من أعجب العجب، بينوا موجبه بقولهم: {ولكن حقت} أي وجبت وجوباً يطابقه الواقع، لا يقدر معه على الانفكاك عنه {كلمة العذاب} أي التي سبقت في الأزل علينا - هكذا كان الأصل، ولكنهم قالوا: {على الكافرين *} تخصيصاً بأهل هذا الوصف وبياناً لأنه موجب دخولهم وهو تغطيتهم للأنوار التي أتتهم بها الرسل. ولما فرغوا من إهانتهم بتبكيتهم، أنكوهم بالأمر بالدخول، وعبر بالمبني للمفعول إشارة ألى أنهم وصلوا إلى أقصى ما يكون من الذل بحيث إنهم يمتثلون قول كل قائل جل أو قل، فقيل في جواب من كأنه قال: ماذا وقع بعد هذا التقريع؟: {قيل} أي لهم جواباً لكلامهم: {ادخلوا أبواب جهنم} أي طبقاتها المتجهمة لداخليها. ولما كان الإخبار بالخلود حين الدخول أوجع لهم قالوا: {خالدين} أي مقدرين الخلود {فيها} ولما كان سبب كفرهم بالأدلة هو التكبر، سبب عن الأمر بالدخول قوله معرى عن التأكيد لأنه يقال في الآخرة ولا تكذيب فيها يقتضي التأكيد ولم يتقدم منهم هنا كذب كالنحل بل اعتراف وتندم {فبئس مثوى} أي منزل ومقام {المتكبرين *} أي الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم، فلذلك تعاطوا أسبابها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏وأشرقت الأرض‏} ‏ قال‏:‏ أضاءت ‏ {‏ووضع الكتاب‏}‏ قال‏:‏ الحساب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وأشرقت الأرض بنور ربها‏}‏ قال‏:‏ فما يتضارون في نوره إلا كما يتضارون في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه ‏ {‏وجيء بالنبيين والشهداء‏}‏ قال‏:‏ الذين استشهدوا‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏وجيء بالنبيين والشهداء‏}‏ قال‏:‏ النبيون الرسل ‏{‏والشهداء‏}‏ الذين يشهدون بالبلاغ، ليس فيهم طعان ولا لعان‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏وجيء بالنبيين والشهداء‏} قال‏:‏ يشهدون بتبليغ الرسالة، وتكذيب الأمم إياهم‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}[69] قال: قلوب المؤمنين يوم القيامة تشرق بتوحيد سيدهم، والاقتداء بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الآية: 69]. قال سهل: قلوب المؤمنين يوم القيامة تشرق بتوحيد سيدهم والاقتداء بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. قال القاسم: أشرقت الأرض بأولياء الله فهم فيها أنوار الله ومواضع حججه وغياث عباده وملجأ خلقه.

القشيري

تفسير : نور يخلقه في القيامة فتشرق القيامةُ به، وذلك عند تكوير الشمس وانكدار النجوم، ويستضيء بذلك النور والإشراق قومٌ دون قوم. الكُفَّارُ يَبْقَوْن في الظلمات، والمؤمنون نورُهم يسعى بين أيديهم. ويقال اليومَ إِشراق، وغداً إشراق، اليومَ إشراقُ القلبِ بحضوره، وغداً إشراقُ الأرض بنور ربها. ويقال غداً أنوار التولِّي للمؤمنين، واليومَ أنوار التجلِّي للعارفين.

اسماعيل حقي

تفسير : {واشرقت الارض} صارت عرصات القيامة مشرقة ومضيئة وذلك حين ينزل الله على كرسيه لفصل القضاء بين عباده {بنور ربها} النور الضوء المنتشر المعين على الابصار اى بما اقام فيها من العدل استعير له النور لانه يزين البقاع ويظهر الحقوق كما يسمى الظلم ظلمة وفى الحديث "حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة" تفسير : يعنى شدائده يعنى الظلم سبب لشدائد صاحبه او الظلم سبب لبقاء الظالم فى الظلمة حقيقة فلا يهتدى الى السبيل حين يسعى نور المؤمنين بين ايديهم ولكون المراد بالنور العدل اضيف الاسم الجليل الى ضمير الارض فان تلك الاضافة انما تحسن اذا اريد به تزين الارض بما ينشر فيها من الحكم والعدل او المعنى اشرقت بنور خلقه الله فى الارض يوم القيامة بلا توسط اجسام مضيئة كما فى الدنيا يعني يشرق بذلك النور وجه الارض المبدلة بلا شمس ولا قمر ولا غيرهما من الاجرام المنيرة ولذلك اى ولكون المعنى ذلك اضيف اى النور الى الاسم الجليل. وقال سهل قلوب المؤمنين يوم القيامة تشرق بتوحيد سيدهم والاقتداء بسنة نبيهم. وفى التأويلات النجمية {واشرقت الارض} ارض الوجود {بنور ربها} اذا تجلى لها. وقال بعضهم هذا من المكتوم الذى لا يفسر كما فى تفسير ابى الليث {ووضع الكتاب} اى الحساب والجزاء من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه او صحائف الاعمال فى ايدى العمال فى الايمان والشمائل واكتفى باسم الجنس عن الجمع اذ لكل احد كتاب على حدة. والكتاب فى الاصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه. وقيل وضع الكتاب فى الارض بعدما كان فى السماء. يقول الفقير هذا على اطلاقه غير صحيح لان كتاب الابرار فى عليين وكتاب الفجار فى سجين فالذى فى السماء يوضع فى الارض حتى اللوح المحفوظ واما ما فى الارض فعلى حاله {وجيىء بالنبيين} الباء للتعدية {والشهداء} للامم وعليهم من الملائكة والمؤمنين. وفيه اشارة الى ان النبيين والشهداء اذا دعوا للقضاء والحكومة والمحاسبة فكيف يكون حال الامم واهل المعاصى والذنوب شعر : دران روز كز فعل برسند وقول اولوا العزم را تن بلرزد زهول بجايى كه دهشت خورد انبيا تو عذر كنه را جه دارى بيا تفسير : {وقضى} [حكم كرده شود] {بينهم} اى بين العباد {بالحق} بالعدل {وهم لا يظلمون} بنقص ثواب وزيادة عقاب على ما جرى به الوعد وكما فتح الآية باثبات العدل ختمها بنفى الظلم

الجنابذي

تفسير : تحقيق تبديل الارض واشراقها بنور ربّها {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}. اعلم، انّ نسبة الامام الى الارض والارضيّين مثل نسبة الرّوح الى البدن وقواه، وكما انّ نور الرّوح لا يظهر الاّ فى القوى المدركة دون سائر آلات البدن لكونها منغمرة فى ظلمة المادّة كذلك نور الامام فى الدّنيا لا يظهر الاّ فى الكمّل من شيعتهم، وامّا غيرهم من العناصر ومواليدها انساناً كانت او حيواناً او نباتاً وجماداً فلا يظهر نور الامام فيها لانغمارها فى ظلمات المادّة وعوارضها فاذا انقضى الدّنيا وانقضى البرازخ الّتى هى معدودة من الدّنيا بوجهٍ وانتهى الانسان الى الاعراف او الى عالم المثال النّورىّ العلوىّ صارت الارض مبدّلةً والمادّة ولوازمها مطروحةً وصارت تلك الارض مستشرقةً بنور الامام (ع) كما انّ هذه الارض مستشرقة بنور الشّمس، واذا تبدّل ارض العالم الصّغير وصارت ارض الملكوت غالبة على ارض الملك استشرقت ارض البدن بنور ملكوت الامام بل ارض العالم الكبير تصير مشرقةً بنور ملكوته ويصير الانسان مستغنياً بنور الامام عن نور الشّمس كما قال المولوىّ قدّس سرّه عن الشّيخ المغربىّ: شعر : كَفت عبد الله شيخ مغربى شصت سال ازشب نديدم من شبى من نديدم ظلمتى در شصت سال نى بروز ونى بشب از اعتدال تفسير : ولمّا كان الانسان انموذجاً من العالم كان اذا تولّد بالولادة الثّانية وظهر عليه ملكوت امامه ظهر عليه كيفيّة اشراق الارض بنور ربّها، قال الصّادق (ع): ربّ الارض امام الارض، قيل: فاذا خرج يكون ماذا؟ - قال: اذاً يستغنى النّاس عن ضوء الشّمس ونور القمر ويجتزؤن بنور الامام، وعنه (ع): اذا قام قائمنا اشرقت الارض بنور ربّها واستغنى العباد عن ضوء الشّمس وذهبت الظّلمة، وكلّ ذلك فى العالم الصّغير اشارة الى التّولّد الثّانى وظهور ملكوت الامام {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} قد مضى فى سورة الكهف بيان وضع الكتاب {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ} الّذين هم رسل الله الى الخلق ليسئلوا عن اجابة الخلق لهم وطاعتهم وانقيادهم لله {وَٱلشُّهَدَآءِ} اى خلفاء الرّسل (ع) فى دعوة الخلق الّذين يشهدون بافعالهم واحوالهم واخلاقهم واقوالهم على النّاس بعد الانبياء (ع) {وَقُضِيَ بَيْنَهُم} بين العباد او بين النّبيّين والشّهداء وبين الخلق {بِٱلْحَقِّ} بحيث لا يشوب القضاء باطل اصلاً {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} قد سبق معنى توفية كلّ نفسٍ ما عملت فى سورة آل عمران {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} حال يعنى انّ الاتيان بالنّبيّين والشّهداء ليس لجهل الله بهم وبافعالهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ} الذي كتبته الملائكة عليهم في دار الدنيا {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ} أي: الذين بعثوا إليهم والذين أقاموا الحجة عليهم {وَالشُّهَدَاء} وهم الملائكة عليهم السلام الحفظة الذين كتبوا عليهم. وهو قوله: (أية : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) تفسير : [المطففين:21] يشهدون نسخه في الدنيا ويشهدون على العبد يوم القيامة أنه عمله. وقال في سورة ق: (أية : وَقَالَ قَرِينُهُ)تفسير : أي الملك الذي يكتب عمله(أية : هَذَا مَا لَدَيَّ) تفسير : أي عندي، أي: ما كتبت عليه (أية : عَتِيدٌ) تفسير : [سورة ق:23] أي حاضر. قال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ} أي: بالعدل. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. ذكروا عن أنس بن مالك قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا عسى أن يريحنا من مكاننا هذا، فينطلقون حتى يأتوا آدم عليه السلام، فيقولون: أنت أبونا، قد خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناك، ويذكر خطيئاته التي أصابها بدعواته ربَّه بغير علم، ولكن ايتوا إبراهيم، خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست هناك، ويذكر خطيئته التي أصابها بثلاث كذبات: قوله: {إِنِّي سَقِِيمٌ} [الصافات:89]، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء:63]، وقوله لامرأته: إن سألوك فقولي: إني أخته، ولكن ايتوا موسى، عبداً كلّمه الله تكليماً، واصطفاه وأعطاه التوراة. فيأتون موسى فيقول: لست هناك، فيذكر خطيئته التي قتل فيها الرجل، ولكن ايتوا عيسى، عبدالله ورسولَه وكلمتَه وروحَه، فيأتون عيسى فيقول: لست هناكل ولكن ايتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، عبداً غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتوني، فأقوم بين يدي ربي، وأقع ساجداً له. فيدعني ما شاء أن يدعني فيقول: ارفع رأسك، فأحمد ربي ثلاثاً، ثم أشفع للمؤمنين والمؤمنات، فيحمدني أهل السماوات وأهل الأرض، فذلك قوله: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء:79]. تفسير : فطوبى لمن كان له في شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يومئذ نصيب، وويل لمن لم يكن له يومئذ في شفاعته حظ ولا نصيب. ذكروا عن عطاء بن يزيد قال: يجتمع الأنبياء بعضهم إلى بعض فيقولون: طال علينا الحشر، فهلمّ فلندع ربنا ليريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم عليه السلام، فيذكر من يأتون نبيّاً نبيّاً، حتى يأتوا عيسى بن مريم فيقول: ما أنا بصاحبها، إن صاحبها لمحمّد، فيأتونه فيقولون: أنت عبد الله ورسوله، ختم بك النبيين، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، طال بنا الحشر، فادع لنا ربك ليريحنا من مكاننا هذا. فيقوم، فيأتي باب الجنة فيستفتح فيقال: من هذا؟ فيقول: محمد، فيُفتح له، فيخِرّ ساجداً ما شاء الله، فيقال له: ارفع رأسك، قد قُضِيت حاجتك. فيقول: ربّ، عبادك، وأنت أعلم بهم، فتوضع موازين القسط، فيوتى بالنبيين والشهداء،. {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن الناس ليقومون لرب العالمين حتى إن أحدهم ليغيب في رشحه إلى أنصاف أذنيه. تفسير : وقال بعضهم: بلغنا أنهم يقومون مقدار ثلاثمائة سنة قبل أن يقضي بينهم. ذكروا أن سلمان الفارسي قال: إن الشمس تدنو من الناس يوم القيامة حتى تكون قاب قوسين، وتعطى حرّ عشر سنين، وما على أحد منهم يومئذ مخرجه. أي: مايستره، وما يُضرّ مؤمن ولا مؤمنة، وأما الكافر فتطحنهم حتى إن أجوافهم لتقول: عق. وذكر بعضهم قال ويرشح أحدهم إلى الأرض سبع قيم. ذكروا عن ابي وائل أو ابن حسس عن حذيفة بن اليمان قال:المؤمنون جلوس على كراسي. وذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما طول يوم القيامة على المؤمن إلا كرجل دخل في صلاة مكتوبة فأتمها وأحسنها وأجملها.

اطفيش

تفسير : {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ} أي ضاءت وعظم ضوؤها وقرئ بالبناء للمفعول من شرقت بالضوء امتلأت به وأشرقها الله ملأها من الشروق بمعنى الاغتصاص امتلأت كما يمتلئ الحلق فيغتص ويشرق* {بِنُورِ رَبِّهَا} أي بعدل ربها أطلق النور على العدل كما يطلق على القرآن ولا أزين للبقاع وأعمر لها من العدل يقال أشرقت الآفاق بعدل فلان وأظلمت بجور فلان وفي الحديث "حديث : الظلم ظلمات" تفسير : وأضاف الرب لضمير الأرض اشارة الى أن الله هو الذي يعدل فيها وانما يجوز فيها غير خالقها ولانه العدل ولانه مزينها بالعدل أو المراد أنه يخلق فيها نوراً ويجوز أن يراد بالنور الحقيقة وبقدر مضاف أي (بنور عدل ربها) وزعم قومنا ان الله يتجلى للقضاء فتضيء به الارض ضوءا عظيما لا يتضار به كما يتضار بنور الشمس في اليوم الصاحى ويح قوم أثبتوا لربهم جهة ولوناً والمراد (الأرض) أرض المحشر* {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} (ال) للحقيقة أو للاستغراق أي صحائف الاعمال وقيل: اللوح المحفوظ لان فيه أعمال الخلق من المبتدي الى المنتهى وقيل الحساب. {وَجِيء بِالنَّبِيِّينَ} رسلا أو غير رسل ليشهدوا على أممهم ولهم {وَالشُّهَدَآءِ} شهيد في سبيل الله يشهدون للأمم وعليهم؛ وقيل: يشهدون للرسل بالتبليغ وقيل: جمع شاهد كعاقل وعقلاء وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون بذلك وقيل الحفظة والأخيار وكونه جمع شاهد أولى من حيث المعنى والأول أولى من حيث صيغة الجمع وقد يقال جمع شهيد بمعنى الشاهد وقيل الشهداء الحفظة فقط. {وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ} أي بالعدل والضمير للعباد كلهم أعني المكلفين وقيل: الحيوان كله حتى يقتص الجماء من القرناء* {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم أو لا يزاد في ثوابهم أو عقابهم على قدر أعمالهم أو على ما سبق به علم الله

اطفيش

تفسير : {وأشْرَقَت الأرض} أرض المحشر، وهى قيل: خبزة بيضاء بدل من هذه الأرض، وأوسع منها لا من فضة كما قيل {بنُور ربِّها} نور يخلقه الله تعالى فيها لا من شىء كقمر وشمس ن وقيل: النور العدل فى حكمه يؤمئذ بالحساب على الاستعارة، يقولون لمن يعدل: أشرقت الآفاق أو البلد بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة" تفسير : فيكون العدل فيه نورا فيه، ووضع الكتاب والمجىء بالنبيين والشهداء، والقضاء بالحق تناسب الغدل لا النور الحسى، إلا أن الحقيقة أولى، وهى النور الحسى، أخبرنا الله تعالى به لذهاب النيرات كالشمس والقمر. {وَوُضِع الكتابُ} أحضر الحساب وشرع، يقال: وضعت المائدة بمعنى أحضرت، وسمى الحساب كتابا لأنه من شأنه أن يكتب، ولأن الكتاب ظرفه، وذلك مجاز ارسالى لعلاقة اللزوم، والتسبب والوضع ترشيح، وأولى من ذلك أن يحمل الكلام على الاستعارة التمثيلية، وقيل: الكتاب صحائف الأعمال، وأل للجنس، فكأنه جمع، ووضعها إحضارها بأيدى أصحابها، وذلك هو المتبادر، ودونه أن تجعل للاستغراق، ووجهه دفع أن يتوهم أحد أن صحيفة من الصحف تضيع، وقيل: اللوح المحفوظ يجاء به ليقابل بالصحائف، فأل للعهد {وجيء بالنَّبيين} ليحضروا الحساب، ويشهدوا على أممهم ولهم {والشُّهداء} شهداء كل أمة مع نبيها، وفى ذلك فضل الشهداء إذ قرنوا بالأنبياء، وذلك ليشهدوا على أممهم ولهم. وقيل: شهداء هذه الأمة،يشهدون على الأمم كلها ولهم، والمفرد شهيد، وهو من قتل فى سبيل الله، ومن التحق به، وقال الجمهور: جمع شاهد كقوله تعالى: " أية : ولا يأب الشهداء" تفسير : [البقرة: 282] وقوله تعالى: " أية : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء" تفسير : [النور: 4] وقوله تعالى: " أية : لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء" تفسير : [النور: 13] و " أية : فإذ لم يأتوا بالشهداء" تفسير : [النور: 13] وهم مؤمنو هذه الأمة كمال قال الله عز وجل: " أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" تفسير : [البقرة: 143] وقيل: عدول كل أمة يشهدون عليه، وقيل: كل من يشهد يوم القيامة من الملائكة والأنبياء، ومؤمنو هذه الأمة، والجوارح كما قال الله عز وجل: " أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم" تفسير : [النور: 24] الخ، والمكان يشهد بالمعصية على العاصى فيه. ويقال: يجاء باللوح المحفوظ يرتعد على أنه حيوان أو جبهة ملك أو جماد يخلق الله تعالى فيه العقل فيقال: هل بلغت اسرافيل؟ فيقول: نعم يا رب بلغت، ويقال لاسرافيل مرتعداً: هل بلغك اللوح؟ فيقول: نعم يا رب، فيسكن اللوح، ويقال لإسرافيل: هل بلغت جبريل؟ فيقول: نعم، فيقال لجبريل: هل بلغك اسرافيل؟ فيقول: نعم فيسكن إسرافيل، ويقال لجبريل مرتعدا: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيقال للمرسلين: هل بلغكم جبريل؟ فيقولون: نعم، فيسكن جبريل، ويقال للمرسلين مرتعدين: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم، ويقال للأمم: هل بلغكم الرسل؟ فتقول: كفرتهم ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيشتد الأمر فيقال لهم: من يشهد لكم فيقولون: محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته، فيشهدون لهم فيسكنون، وتقول الأمم: من أين علمتم، وأنتم آخر الأمم؟ فيقولون: من كتاب أنزله الله علينا، ذكر سبحانه فيه أن الرسل بلغوا أممهم، ويزكيهم النبى صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143] إلخ. {وقُضِىَ} قضى الله {بينَهُم} بين العباد المفهومين من الكتاب بمعنى الحساب، أو الصحائف أو اللوح المحفوظ، إذ فيه الأعمال، ومن قوله: " أية : فإذا هم قيام ينظرون" تفسير : [الزمر: 68] {بالحقِّ} بالعدل {وهُم لا يُظْلمُون} بزيادة عقاب على ذنب لم يفعلوه، أو نسبة ذنب اليهم لم يفعلوه، أو بعقاب لم يستحقوه لعدم الذنوب، لأنها موجودة، أو بأن الذنب لا يستحق العقاب فانه يستحقه، أو بنقص ثواب.

الالوسي

تفسير : {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ } أي أرض المحشر وهي أرض المبدلة من الأرض المعروفة. وفي «الصحيح» «يحشر الناس [يوم القيامة] على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد» وهي أوسع بكثير من الأرض المعروفة. وفي بعض الروايات أنها يومئذ من فضة ولا يصح، أي أضاءت {بِنُورِ رَبّهَا } هو على ما روي عن ابن عباس نور / يخلقه الله تعالى بلا واسطة أجسام مضيئة كشمس وقمر، واختاره الإمام وجعل الإضافة من باب {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ }تفسير : [الأعراف: 73] وعن محي السنة تفسيره بتجلي الرب لفصل القضاء، وعن الحسن والسدي تفسيره بالعدل وهو من باب الاستعارة وقد استعير لذلك وللقرآن والبرهان في مواضع من التنزيل أي وأشرقت الأرض بما يقيمه فيها من الحق والعدل ويبسط سبحانه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات، واختار هذا الزمخشري وصحح أولاً تلك الاستعارة بتكررها في القرآن العظيم، وحققها ثانياً بقوله: وينادي على ذلك إضافته إلى اسمه تعالى لأنه عز وجل هو الحق العدل إشارة إلى الصارف إلى التأويل، وعينها ثالثها بإضافة إسمه تعالى الرب إلى الأرض لأن العدل هو الذي يتزين به الأرض لا البرهان مثلاً، ورابعاً بما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء بالحق لأنه كله تفصيل العدل بالحقيقة، وأيدها خامساً بالعرف العام فإن الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وسادساً بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة»تفسير : فإنه يقتضي أن يكون العدل نوراً فيه، وسابعاً بأن فتح الآية وختمها بنفي الظلم يدل عليه ليكون من باب رد العجز على الصدر على طريقة الطرد والعكس. ورجح ما اختار الإمام بأن الأصل الحقيقة ولا صارف لأن الإضافة تصح بأدنى ملابسة، وأيد ما حكي عن محي السنة ببعض الأحاديث. وتعقب ذلك صاحب «الكشف» فقال: إن إضافة الملابسة مجاز والترجيح لما اختاره جار الله لما ذكر من الفوائد ولأنه الشائع في استعمال القرآن، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [النور: 35] وأما تجلي الرب سبحانه فسواء حمل على تجلي الجلال أو تجلي الجمال لا يقتضي إشراق الأرض بنور إلا بأحد المعنيين أعني العدل أو عرضاً يخلقه الله تعالى عند التجلي في الأرض فلو توهم من تجليه تعالى أنه ينعكس نور منه على الأرض لاستحال إلا بالتفسير المذكور فليس قولاً ثالثاً لينصر ويؤيد بالحديث الذي لا يدل على أنه تفسير الآية المشتمل على حديث الرؤية وإلقاء ستره تعالى على العبد يذكر ما فعل به وما جنى انتهى. ولعل الأوفق بما يشعر به كثير من الأخبار أن قوله سبحانه: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا } إشارة إلى تجليه عز وجل لفصل القضاء وقد يعبر عنه بالإتيان، وقد صرح به في قوله تعالى: {أية : يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ }تفسير : [البقرة: 210] ولم يتأول ذلك السلف بل أثبتوه له سبحانه كالنزول على الوجه الذي أثبته عز وجل لنفسه. ولا يبعد أن يكون هذا النور هو النور الوارد في الحديث الصحيح "حديث : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور"تفسير : ويقال فيه كالحجاب نحو ما قال السلف في سائر المتشابهات أو هو نور آخر يظهر عند ذلك التجلي، ولا أقول: هو نور منعكس من الذات المقدس انعكاس نور الشمس مثلاً من الشمس بل الأمر فوق ما تنتهي إليه العقول، وأنى وهيهات وكيف ومتى يتصور إلى حقيقة ذلك الوصول؟ ويومىء إلى أن ذلك التجلي مقرون بالعدل التعبير بعنوان الربوبية مضافاً إلى ضمير الأرض والله تعالى أعلم بمراده. وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير وأبو الجوزاء {أشرقت} بالبناء للمفعول، قال الزمخشري: من شرقت بالضوء تشرق إذا امتلأت به واغتصت وأشرقها الله تعالى كما تقول: ملأ الأرض عدلاً وطبقها عدلاً، وقال ابن عطية: هذا إنما يترتب من فعل يتعدى فهذا / على أن يقال: أشرق البيت وأشرقه السراج فيكون الفعل مجاوزاً وغير مجاوز، وقال صاحب «اللوامح» وجب أن يكون الإشراق على هذه القراءة منقولاً من شرقت الشمس إذا طلعت فيصير متعدياً والمعنى أذهبت ظلمة الأرض، ولا يجوز أن يكون من أشرقت إذا أضاءت فإن ذلك لازم وهذا قد يتعدى إلى المفعول. {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ } قال السدي الحساب، فالكتاب مجاز عن الحساب ووضعه ترشيح له، والمراد به الشروع فيه ويجوز جعل الكلام تمثيلاً. وقال بعضهم: صحائف الأعمال وضعت بأيدي العمال فالتعريف للجنس أو الاستغراق، وقيل: اللوح المحفوظ وضع ليقابل به الصحائف فالتعريف للعهد، وروي هذا القول عن ابن عباس، واستبعده أبو حيان وقال: لعله لا يصح عن ابن عباس. {وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ } قيل ليسئلوا هل بلغوا أممهم؟ وقيل: ليحضروا حسابهم {وَٱلشُّهَدَاء } قال عطاء ومقاتل وابن زيد: الحفظة، وكأنهم أرادوا أنهم يشهدون على كل من الأمم أنهم بلغوا أو يشهدون على كل بعمله كما قال سبحانه: {أية : وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ }تفسير : [ق: 21] وفي بعض الآثار أنه يؤتى باللوح المحفوظ وهو يرتعد فيقال له: هل بلغت إسرافيل؟ فيقول: نعم يا رب بلغته فيؤتى بإسرافيل وهو يرتعد فيقال له: هل بلغك اللوح؟ فيقول: نعم يا رب فعند ذلك يسكن روع اللوح ثم يقال لإسرافيل فأنت هل بلغت جبرائيل؟ فيقول: نعم يا رب فيؤتى بجبرائيل وهو يرتعد فيقال له: هل بلغك إسرافيل؟ فيقول: نعم يا رب فعند ذلك يسكن روع إسرافيل ثم يقال لجبرائيل: فأنت هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب فيؤتى بالمرسلين وهم يرتعدون فيقال لهم: هل بلغكم جبرائيل؟ فيقولون: نعم فيسكن عند ذلك روع جبرائيل ثم يقال لهم: فأنتم هل بلغتم؟ فيقولون: نعم فيقال للأمم: هل بلغكم الرسل؟ فيقول كَفَرَتُهُم: ما جاءنا من بشير ولا نذير فيعظم على الرسل الحال ويشتد البلبال فيقال لهم: من يشهد لكم؟ فيقولون: النبـي الأمي وأمته فيؤتى بالأمة المحمدية فيشهدون لهم أنهم بلغوا فيقال لهم: من أين علمتم ذلك؟ فيقولون: من كتاب أنزله الله تعالى علينا ذكر سبحانه فيه أن الرسل بلغوا أممهم ويزكيهم النبـي عليه الصلاة والسلام وذلك قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] ومن هنا قيل: المراد بالشهداء في الآية أمة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقال الجبائي وأبو مسلم: هم عدول الآخرة يشهدون للأمم وعليهم، وقيل: جميع الشهداء من الملائكة وأمة محمد عليه الصلاة والسلام والجوارح والمكان، وأياً ما كان فالشهداء جمع شاهد، وقال قتادة والسدي: المراد بهم المستشهدون في سبيل الله تعالى فهو جمع شهيد وليس بذاك. {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } أي بين العباد المفهوم من السياق {بِٱلْحَقّ } بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب أو زيادة عقاب على ما جرى به الوعد بناءً على أن الظلم حقيقة لا يتصور في حقه تعالى فإن الأمر كله له عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : صوَّرت هذه الآيات جلال ذلك الموقف وجمالَه أبدع تصوير والتعريف في {الأرض} تعريف العهد الذكري الضمني فقد تضمن قوله: {أية : فإذا هم قيام ينظرون}تفسير : [الزمر: 68] أنهم قيام على قَرار فإن القيام يستدعي مكاناً تقوم فيه تلك الخلائق وهو أرض الحشر وهي الساهرة في قوله تعالى في سورة [النازعات: 13، 14]: {أية : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة}تفسير : وفُسرت بأنها الأرض البيضاء النقية وليس المراد الأرض التي كانوا عليها في الدنيا فإنها قد اضمحلت قال تعالى: {أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض}تفسير : [إبراهيم: 48]. وإشراق الأرض انتشار الضوء عليها، يقال: أشرقت الأرض، ولا يقال: أشرقت الشمسُ، كما تقدم عند قوله: {أية : بالعشي والإشراق}تفسير : في سورة [ص: 18]. وإضافة النور إلى الرب إضافة تعظيم لأنه منبعث من جانب القدس وهو الذي في قوله تعالى: {أية : اللَّه نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح}تفسير : الآية من سورة [النور: 35]. فإضافة نور إلى الرب إضافة تشريف للمضاف كقوله تعالى: {أية : هذه ناقة اللَّه لكم آية}تفسير : [الأعراف: 73] كما أن إضافة (رب) إلى ضمير الأرض لتشريف المضاف إليه، أي بنور خاص خلقه الله فيها لا بسطوع مصباح ولا بنور كوكب شمس أو غيرها، وإذ قد كان النور نوراً ذاتياً لتلك الأرض كان إشارة إلى خلوصها من ظلمات الأعمال فدل على أن ما يجري على تلك الأرض من الأعمال والأحداث حق وكمال في بابه لأن عالم الأنوار لا يشوبه شيء من ظلمات الأعمال، ألا ترى أن العالم الأرضي لمّا لم يكن نَيِّراً بذاته بل كان نوره مقتبساً من شروق الشمس والكواكب ليلاً كان ما على وجه الأرض من الأعمال والمخلوقات خليطاً من الخير والشر. وهذا يغني عن جعل النور مستعاراً للعدل فإن ذلك المعنى حاصل بدلالة الالتزام كناية، ولو حُمل النور على معنى العدل لكان أقل شمولاً لأحوال الحق والكمال وهو يغني عنه قوله: {وقُضِي بينهم بالحق وهم لا يُظلمون}. هذا هو الوجه في تفسير الآية وقد ذهب فيها المفسرون من السلف والخلف طرائق شتى. و {الكِتَاب} تعريفُه تعريف الجنس، أي وضعت الكُتب وهي صحائف أعمال العباد أحضرت للحساب بما فيها من صالح وسيّىءٍ. والوضع: الحطّ، والمراد به هنا الإِحضار. ومجيء النبيئين للشهادة على أممهم، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : في سورة [النساء: 41]. والشهداء: جمع شهيد وهو الشاهد، قال تعالى: {أية : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد}تفسير : في سورة [ق: 21]. والمراد الشهداء من الملائكة الحفظة الموكلين بإحصاء أعمال العباد. وضمير {بينَهُم} عائد إلى {أية : مَن في السَّماوات ومن في الأرض}تفسير : [الزمر: 68] أي قضي بين الناس بالحق. ويجوز أن يكون المراد بالكتاب كتب الشرائع التي شرعها الله للعباد على ألْسنة الرسل ويكون إحضارها شاهدة على الأمم بتفاصيل ما بلَّغه الرسل إليهم لئلا يزعموا أنهم لم تبلغهم الأحكام. وقد صوَّرت الآية صورة المَحْكمة الكاملة التي أشرقت بنور العدل، وصدر الحكم على ما يستحقه المحكوم فيهم من كرامة ونذالة، ولذلك قال: {وقضي بينهم بالحق} أي صدر القضاء فيهم بما يستحقون وهو مسمى الحَق، فمِن القضاء ما هو فصل بين الناس في معاملات بعضهم مع بعض من كل ظالم ومظلوم ومعتدٍ ومعتدىً عليه في اختلاف المعتقدات واختلاف المعاملات قال تعالى: {أية : إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}تفسير : [النحل: 124]. ومن القضاء القضاء على كل نفس بما هي به حقيقة من مرتبة الثواب أو العقاب وهو قوله: {ووفيت كل نفس ما عملت}. فقضاء الله هو القضاء العام الذي لا يقتصر على إنصاف المتداعين كقضاء القاضي، ولا على سلوك الداعرين كقضاء والي الشرطة، ولا على مراقبة المُغَيِّرين كقضاء والي الحِسبة، ولكنه قضاء على كل نفس فيما اعتدت وفيما سلكت وفيما بدلت، ويزيد على ذلك بأنه قضاء على كل نفس بما اختَلَتْ به من عمل وبما أضمرته من ضمائر إنْ خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ. وإلى ذلك تشير المراتب الثلاث في الآية: مرتبةُ {وقُضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون}، ومرتبة {ووفّيت كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلت}، ومرتبة {وهو أعلم بما يفعلون}. والتوفية: إعطاء الشيء وافياً لا نقص فيه عن الحق في إعطائه ولا عن عطاء أمثاله. وفي قوله: {مَا عَمِلت} مضاف محذوف، أي جزاء ما عملت لظهور أن ما عمله المرء لا يوفاه بعد أن عمله وإنما يوفى جزاءه. والقول في الأفعال الماضوية في قوله: {وأشرقت}، {ووضع}، {وجاء}، {ووفيت} كالقول في قوله: {أية : ونُفِخَ في الصور}تفسير : [الزمر: 68].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ}. قد قدمنا إيضاحه، بالآيات القرآنية، في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} تفسير : [الكهف: 49] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} تفسير : [الإسراء: 13]. قوله تعالى: {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَت} الآية. اختلف العلماء في المراد بالشهداء في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: هم الحفظة من الملائكة الذين كانوا يحصون أعمالهم في الدنيا، واستدل من قال هذا بقوله تعالى {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق: 21]. وقال بعض العلماء: الشهداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون على الأمم، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]. وقيل: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وأظهر الأقوال في الآية عندي، أن الشهداء هم الرسل من البشر، الذين أرسلوا إلى الأمم، لأنه لا يقضي بين الأمة حتى يأتي رسولها، كما صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله تعالى: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تفسير : [يونس: 47] فصرح جل وعلا بأنه يسأل الرسل عما أجابتهم به أممهم، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} تفسير : [المائدة: 109] وقال تعالى {أية : فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 6] وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] لأن كونه صلى الله عليه وسلم هو الشهيد على هؤلاء الذين هم أمته، يدل على أن الشهيد على كل أمة هو رسولها. وقد بين تعالى أن الشهيد على كل أمة من أنفس الأمة، فدل على أنه ليس من الملائكة، وذلك في قوله تعالى {أية : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [النحل: 89] والرسل من أنفس الأمم كما قال تعالى في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128]. وقال تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 164] الآية. والمسوغ للإيجاز بحذف الفاعل في قوله تعالى: {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ} [الزمر: 69] هو أنه من المعلوم الذي لا نزاع فيه، أنه لا يقدر على المجيء بهم إلا الله وحده جل وعلا. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير الكسائي وهشام عن ابن عامر، وجيء بكسر الجيم كسرة خالصة. وقرأه الكسائي وهشام عن ابن عامر بإشمام الكسرة الضم. وإنما كان الإشمام هنا جائزاً، والكسر جائزاً، لأنه لا يحصل في الآية البتة، لبس بين المبني للفاعل، والمبني للمفعول، إذ من المعلوم أن قوله هنا: وجيء مبني للمفعول ولا يحتمل البناء للفاعل بوجه، وما كان كذلك جاز فيه الكسر الخالص وإشمام الكسرة الضم كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : واكسر أو أشمم فاثلاثي أعل عيناً وضم حاء كبوع فاحتمل تفسير : أما إذا أسند ذلك الفعل إلى ضمير الرفع المتصل، فإن ذلك قد يؤدي إلى اللبس، فيشتبه المبني للمفعول، بالمبني للفاعل، فيجب حينئذ اجتناب الشكل الذي يوجب اللبس، والإتيان بما يزيل اللبس من شكل أو إشمام كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وإن بشكل خيف لبس يجتنب تفسير : ومن أمثلة ذلك قول الشاعر، وقد أنشده صاحب اللسان: شعر : وإني على المولى وإن قل نفعه دفوع إذا ما صمت غير صبور تفسير : فقوله صمت أصله صيمت بالبناء للمفعول فيجب الإشمام أو الضم لأن الكسر الخالص يجعله محتملاً للبناء للفاعل كبعت وسرت. وقول جرير يرثي المرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة: شعر : وأقول من جزع وقد فتنا به ودموع عيني في الرداء غزار للدافنين أخا المكارم والندا لله ما ضمنت بك الأحجار تفسير : اصله فوتنا بالبناء للمفعول فيجب الكسر أو الإشمام لأن الضم الخالص يجعله محتملاً للبناء للفاعل، كقلنا وقمنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابُ} {جِـيءَ} {بِٱلنَّبِيِّيْنَ} (69) - وَتُضِيءُ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا حِينَ يَتَجَلَّى تَعَالَى عَلَى الخَلاَئِقِ المَحْشَورَةِ إِلَيهِ، وَيُوضَعُ الكِتَابُ الذِي يَحْوِي أَعْمَالَ الخَلاَئِقِ جَمِيعاً وَيُحْصِيهَا عَلَيهِمْ (وَقِيلَ بَلْ إِنَّ كِتَابَ أَعْمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ يُوضَعُ فِي يَدِهِ). وَيُؤتَى بِالنَّبِيِّينَ لِيَشْهَدُوا عَلَى الأُمَمِ بِأَنَّهُمْ أَبْلَغُوهُمْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ إِلََيهِمْ، وَيُؤْتَى بالشُّهَدَاءِ - وَهُمُ المَلاَئِكَةُ الحَفَظَةُ المُوَكَّلُونَ بِالعِبَادِ لِيحْصُوا أَعْمَالَهُمْ - لِيَشْهَدُوا أَيضاً عَلَى الخَلاَئِقِ. ثُمَّ يَقْضِي اللهُ تَعَالَى بَينَ العِبَادِ بِالحِقِّ والعَدْلِ فَلاَ يَنْقُصُ مِنْ ثَوَابٍ، وَلاَ يَزِيدُ فِي عِقَابٍ (وَلا يُظْلَمُونَ). وُضِعَ الكِتَابُ - أُعْطِيتْ صُحْفُ الأَعْمَالِ لأَِصْحَابِهَا أَوْ يُوضَعُ الكَتَابُ الحَاوِي أَعْمَالَ الخَلاَئِقِ لِيُحَاسِبَهُمُ اللهُ عَلَى أَسَاسِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية تنقلنا إلى عالم آخر، إلى الآخرة حيث تُبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات، كنا في الدنيا نعيش على الأرض بنور الشمس نقول: أشرقت الشمس أما وقد انتقلنا إلى الآخرة فالأرض هي نفسها تشرق، {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ..} [الزمر: 69] وكأن النور شيء ذاتي فيها، فليس هناك شمس تشرق عليها إنما هي التي تشرق بذاتها. ولم لا؟ وأنت الآن في عالم فيه ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، وقال تعالى: {أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} تفسير : [الإنسان: 13] لأن الدنيا كانت بالأسباب، فالشمس تشرق لتنير الأرض بالنهار والقمر بالليل، أما في الآخرة فلا نعيش بالأسباب، إنما بالمسبِّب سبحانه حيث كل شيء فيها يكون بلا علاج، فلسنا - إذن - في حاجة إلى زراعة الأرض، ولا إلى الشمس تنير النهار، ولا إلى القمر ينير الليل. وكما تُبدَّل الأرض غير الأرض، والسماوات غير السماوات، كذلك أنتم تُبدَّلون على هيئة أخرى تناسب الآخرة، فستأكلون ولا تتغوطون، وتعيشون ولا تهرمون. وحين تشرق الأرضُ بنور ربها تراها مشرقةً دون أنْ ترى مصدر هذا الإشراق، وهذا ما رأينا شيئاً منه في الدنيا، ففي طرق الإضاءة الحديثة توضع الأنوار في أماكن تخفي مصدر الضوء فيأتي النور غير مباشر فلا يؤذي العين، كما يأتيك ضوء الشمس فينير لك الغرفة في حين لا ترى شعاع الشمس المباشر. وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً لتنويره للسماء والأرض، وذلك في سورة النور، حيث قال سبحانه: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [النور: 35] أي: مُنوِّرهما، ولما أراد سبحانه أن يعطينا مثلاً لذلك أتى بمثل من المشاهد لنا المرئي الذي ندركه فقال: {أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ..} تفسير : [النور: 35] أي: كيفية تنويره وأثر نوره سبحانه حتى لا نظن أن هذا المثل يوضح لنا نور الله، لا بل يوضح كيفية تنويره لخلقه وإلا فنوره تعالى لا نعرفه ولا ندرك كُنْهه. والمشكاة هي الطاقة غير النافذة في الجدار يسمونها كُوَّة، وتوجد حتى الآن في المباني القديمة الفطرية، وهذه المشكاة هي التي يوضع فيها المصباح، وليست هي المصباح كما يظن السطحيون ويستعملونها بهذا المعنى. وميزة المشكاة أنها غير نافذة ومحدودة المساحة، بحيث تجمع ضوء المصباح فلا يتبدد إنما يتركز لتنوير الحجرة التي توجد فيها هذه المشكاة. ثم يصف المصباح بأنه ليس مصباحاً عادياً إنما {أية : ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ..} تفسير : [النور: 35] والزجاجة تنقي ضوء المصباح وتمنع عنه الهواء الزائد فلا يحدث دخان يُكدِّر صَفْو ونقاء الضوء. ثم إن هذه الزجاجة هي أيضاً غير عادية إنما {أية : ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..} تفسير : [النور: 35] والكوكب الدري هو الذي يضيء بنفسه، وهذا يعني أن ضوء هذا المصباح مضاعف. ثم إن الزيت الذي يُوقد به المصباح ليس زيتاً عادياً إنما زيت مأخوذ من شجرة معتدلة المزاج {أية : يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ..} تفسير : [النور: 35]. البعض يعترض على هذا المثل ويقول: كيف يضرب الله مثلاً لنوره بمشكاة فيها مصباح؟ قلنا: إن المثَل هنا ليس مثلاً لنور الله إنما هو مثَل لتنويره للكون، وقد عبَّر الشاعر أبو تمام عن هذا المعنى في قوله مادحاً: شعر : إقْدَام عَمْرو فِي سَمَاحَةِ حَاتِم فِي حِلْم أحْنَفَ فِي ذَكاءِ إيَاسِ تفسير : فاعترض عليه أحد جلساء الممدوح. وقال له: كيف تُسوِّي الأمير بأجلاف العرب، الأمير فوق مَنْ وصفت، فردَّ أبو تمام بعد أنْ أطرق هنيهة: شعر : لاَ تُنْكِروا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهُ مثلاً شَرُودًا فِي النَّدَى وَالبَاسِ فَاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلَّ لِنورِهِ مَثلاً مِنَ المشْكاة وَالنِّبْراسِ تفسير : هكذا يُنوِّر الله للخَلْق النور الحسيّ الذي يصون مادتهم، ويحفظ سلامة حركتهم في الحياة، لأن الإنسان إنْ سار على غير هدى اصطدم بالأشياء من حوله، والصدام يعني أن يحطم القويُّ الضعيفَ، لذلك نحرص على وجود ضوء خافت (وناسة) مثلاً بالليل لتحمي حركتنا من الصدام. فإذا كان الخالق سبحانه جعل لنا النور الحسيَّ لحماية مادتنا من أن تحطم أو تتحطم، فلا بدَّ أنْ يجعل لنا نوراً معنوياً يحمي فينا القيم، فلا نحطم بظلم، ولا نحطم باضطهاد، وهذا هو نور الوحي والشرع الذي تحيا به القلوب، وينظم حركتنا المعنوية في رحلة الحياة. وكما بيَّن لنا الحق سبحانه النور الحسِّي بيَّن لنا النور المعنوي فقال خذوه من بيوت الله، فقال تعالى: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} تفسير : [النور: 36-37]. إذن: خُذ النور المعنوي من بيوت الله ففيها تلتقي بالله تعالى، فهذا اللقاء يضفي عليك نوراً من نور الله يملأ قلبك ويهدي جوارحك ويصلحك، وبيَّن سبحانه أن نور القيم أعلى من نور المادة، بدليل أن الإنسان حين يكون مكفوف البصر يمكنه أن يمشي وأنْ يزاول أعماله في الدنيا، أما فاقد النور المعنوي، أو أعمى البصيرة كما يقولون فلا يمكن أبداً أنْ يُوفَّق في حركته للصواب؛ لذلك قال تعالى في ختام آية: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [النور: 35] قال: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ..} تفسير : [النور: 35]. وبعد أنْ أشرقت الأرضُ بنور ربها {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ ..} [الزمر: 69] وفي موضع آخر جاء تفصيل وشرح ذلك، فقال سبحانه: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 49]. هكذا فصّل الحق سبحانه ما أجمل في {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ ..} [الزمر: 69] ومعلوم أن آيات القرآن الكريم تفسر بعضها بعضاً، والكتاب هنا كتاب خاص بكل إنسان على حدة، كما قال سبحانه: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 13-14]. وهذا الكتاب الذي يُحصي عليك أعمالك كتاب صدق، لأن كاتبه مَلَك موكَّل بك {أية : كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الانفطار: 11-12] وقال: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]. فهذا الكتاب ليس في علم الله فحسب؛ لأن علم الله كلامٌ من عنده، إنما هذا كتاب بمعنى أنه مكتوب مقروء يقرؤه صاحبه ويطلع عليه، فيرى فيه عمله الصالح والطالح؛ لذلك ساعةَ يراه المجرمون يرتعدون خوفاً لأنه أحصى عليهم إجرامهم، ولم يترك منه كبيرة ولا صغيرة، عندها لا يملكون إلا أنْ يدعوا على أنفسهم بالويل والثبور. وبعد أنْ يأخذ كلٌّ كتابه يأتي الله بالرسل {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ ..} [الزمر: 69] ليشهد كل نبي أنه بلَّغ أمته، يقول تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ..} تفسير : [المائدة: 109]. وبعد أن يشهد الرسل يشهد الشهداء وهم مَنْ حملوا العلم بعد الرسل، كما ورد: "يحمل هذا العلمَ من كل خلف عُدُوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". فهؤلاء العلماء أيضاً يشهدون أنهم بلَّغوا غيرهم؛ لذلك امتازت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعلمائها، لأنهم امتدادٌ لرسالته صلى الله عليه وسلم، لذلك فخيريتنا على الأمم بهذه المسألة. ويشهد أيضاً الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله، وهؤلاء يشهدون أيضاً لمكانتهم عند الله، هذه المكانة التي نالوها بالشهادة، ويكفي أن الشهيد يدخل المعركة وهو يعرف أنه إنْ هُزم سيقتل، فهو يتقدم إما للنصر وإما للشهادة، فهو يعلم أنه سيدفع حياته ثمناً، ولولا أنه واثق كل الثقة بما وعده الله من الجزاء ما خرج. لذلك قال تعالى عن الشهداء: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169]. وعجيبٌ أنْ نسمع مَنْ يقول على سبيل الإنكار: يعني لو أخرجنا الشهيد من قبره سنجده حياً؟ نقول: اقرأ الآية وتدبَّر معناها، فالله يقول: {أية : أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ ..} تفسير : [آل عمران: 169] لا عندك أنت، بدليل أنه جاء بعدها بمادة الطلب للحياة فقال: (يُرْزَقُونَ) ذلك لأن الشهيد لما ضحَّى بحياته ضمن له ربه حياة أخرى أفضل وأعظم وأبقى مما كان فيها في الدنيا؛ لذلك قال الشاعر في حق سيدنا حمزة سيد الشهداء: شعر : أَحمْزَةَ عَمَّ المصْطَفى أنتَ سَيِّدٌ عَلَى شُهَداء الأرْضِ أجمعهم طُرَّا وحَسْبُكَ مِنْ تلْكَ الشَّهادةِ عِصْمةٌ مِنَ الموْتِ، موصول الحياة إلى الأخرى تفسير : المعنى: أنك قدمتَ حياتك وضحيت بها فعُصمْتَ من الموت، لأنك بعد أنْ متَّ صِرْتَ حياً فوصلتَ حياتك في الدنيا بحياتك في الآخرة، وهبتَ الحياة فوُصِلتْ الحياة. والشهادة على العبد يوم القيامة لا تنتهي عند هذا الحد، فبعد أنْ شهدت عليه الملائكة بالكتاب الذي سطّروه، وشهد عليه الأنبياء والشهداء ننقل الشهادة إلى ذاتك أنت، فهذا تدرّج في الشهادة من الملائكة وهم من جنس غير جنسك، إلى الأنبياء والشهداء وهم من جنسك، إلى جوارحك وهي قطعة منك: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [يس: 65]. وقال سبحانه: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. وقال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [فصلت: 20-21]. لكن كيف تشهد الأعضاء والجوارح على صاحبها وكانت في الدنيا هي أداة الفعل، فاللسان هو الذي قال، واليد هي التي بطشتْ، والرِّجْل هي التي سعتْ .. إلخ؟ قالوا: لأن الله تعالى خلق لعبده الجوارح وسخرها لمراده، وأمرها أنْ تطيعه فيما يريد، فاللسان مُسخَّر لخدمة صاحبه إنْ أراد أن يقول لا إله إلا الله قالها. وإنْ أراد أنْ ينطق بكلمة الكفر نطق بها، وهكذا بقية الجوارح. إذن: طالما الإنسان في الدنيا فالولاية على الجوارح لمراد الإنسان المخيَّر، والجوارح تابعة لمراده، فإذا ما بُعثنا وعُرضنا على الخالق سبحانه انحلَّتْ هذه الإرادة وسُلبت فلا إرادةَ لأحد إلا لله {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] وعندها تتحرر الأعضاء وتقف موقف الشاهد الصدق. وقوله تعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69] أي: قضى اللهُ بين الناس وأهل المشهد وحكم بين الخلائق، والذي يقضي هو الله. إذن: فهو قضاء بالحق لا يُظلم فيه أحدٌ، فليس لأحد في هذا اليوم إرادة، وليس لأحد حكم ولا هوى، إنما الأمر كله لله إنْ شاء اقتصَّ للمظلوم من الظالم، وإنْ شاء أرضى المظلوم وعفا عن الظالم. ثم يقول سبحانه: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} [الزمر: 70] أي: يجازيها بما عملت إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشر. وهذه الآية وقف عندها المستشرقون يتهمون سياقها بعدم التناسق، فالتناسق في نظرهم أن نقول: ووُفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يعملون. وهم يقولون ذلك لأنهم لا يدركون الفرق بين الفعل والعمل، فالفعل مقابل القول، فاللسان وحده له مهمة القول وباقي الجوارح تفعل، العين ترى، والأذن تسمع، واليد تبطش، والرِّجْل تسعى .. إلخ. كل جارحة لها مهمة وهذه كلها أفعال، أما العمل فيشمل القول والفعل، كل منهما يُسمَّى عملاً، لذلك يقول تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2]. لكن لماذا خصَّ اللسان بالشطر وباقي الجوارح بالشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول يتم به البلاغ والتبليغ، فاستحق أنْ يكون عمدة الجوارح. فما نتيجة هذه التوفية للأعمال؟ نتيجة توفية الأعمال أن تنال كل نفس ما تستحقه على عملها في الدنيا، لذلك بعد أنْ تتم التوفية ويتم الحساب يُساق أهل الإيمان إلى الجنة، ويُساق أهل الكفر إلى النار: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً ...}.