Verse. 4129 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَسِيْقَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اِلٰى جَہَنَّمَ زُمَرًا۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَا جَاۗءُوْہَا فُتِحَتْ اَبْوَابُہَا وَقَالَ لَہُمْ خَزَنَــتُہَاۗ اَلَمْ يَاْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُوْنَ عَلَيْكُمْ اٰيٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُوْنَكُمْ لِقَاۗءَ يَوْمِكُمْ ھٰذَا۝۰ۭ قَالُوْا بَلٰى وَلٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَۃُ الْعَذَابِ عَلَي الْكٰفِرِيْنَ۝۷۱
Waseeqa allatheena kafaroo ila jahannama zumaran hatta itha jaooha futihat abwabuha waqala lahum khazanatuha alam yatikum rusulun minkum yatloona AAalaykum ayati rabbikum wayunthiroonakum liqaa yawmikum hatha qaloo bala walakin haqqat kalimatu alAAathabi AAala alkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وسيق الذين كفروا» بعنف «إلى جهنم زمرا» جماعات متفرقة «حتى إذا جاءُوها فتحت أبوابها» جواب إذا «وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم» القرآن وغيره «وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب» أي: (لأملأن جهنم) الآية. «على الكافرين».

71

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل القيامة على سبيل الإجمال فقال: {أية : وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } تفسير : [الزمر: 70] بين بعده كيفية أحوال أهل العقاب، ثم كيفية أحوال أهل الثواب وختم السورة. أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور في هذه الآية، وهو قوله {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً } قال ابن زيدان: سوق الذين كفروا إلى جهنم يكون بالعنف والدفع، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } تفسير : [الطور: 13] أي يدفعون دفعاً، نظيره قوله تعالى: {أية : فَلِذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ } تفسير : [الماعون: 2] أي يدفعه، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } تفسير : [مريم: 86]. وأما الزمر، فهي الأفواج المتفرقة بعض في أثر بعض، فبين الله تعالى أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها، فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } أي من جنسكم {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِ رَبّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم؟ قلنا أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار، لا يوم القيامة، واستعمال لفظ اليوم والأيام في أوقات الشدة مستفيض، فعند هذا تقول الكفار: بلى قد أتونا وتلوا علينا {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } وفي هذه الآية مسألتان: المسألة الأولى: تقدير الكلام أنه حقت علينا كلمة العذاب، ومن حقت عليه كلمة العذاب فكيف يمكنه الخلاص من العذاب، وهذا صريح في أن السعيد لا ينقلب شقياً، والشقي لا ينقلب سعيداً، وكلمات المعتزلة في دفع هذا الكلام معلومة، وأجوبتنا عنها أيضاً معلومة. المسألة الثانية: دلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع، لأن الملائكة بينوا أنه ما بقي لهم علة ولا عذر بعد مجيء الأنبياء عليهم السلام، ولو لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة، ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا فهم {ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبّرِينَ } قالت المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنه حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبّرِينَ } فائدة، بل هذا الكلام إنما يبقى مقيداً إذا قلنا إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم، ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا، والله أعلم بالصواب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} هذا بيان توفية كل نفس عملها، فيساق الكافر إلى النار والمؤمن إلى الجنة. والزُّمَر: الجماعات واحدتها زُمْرة كظُلْمة وغُرْفة. وقال الأخفش وأبو عبيدة: {زُمَراً} جماعات متفرقة بعضها إثر بعض. قال الشاعر:شعر : وتَرى النَّاسَ إلى مَنْزِلِه زُمَراً تَنْتَابُه بعْدَ زُمَرْ تفسير : وقال آخر:شعر : حتّى احْزَأَلَّتْ زُمَرٌ بعد زُمَرْ تفسير : وقيل: دفعاً وزجراً بصوت كصوت المزمار. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} جواب إذا، وهي سبعة أبواب. وقد مضى في «الحجر». {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} واحدهم خازن نحو سدنة وسادن، يقولون لهم تقريعاً وتوبيخاً. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} أي الكتب المنزلة على الأنبياء.{وَيُنذِرُونَكُمْ} أي يخوّفونكم {لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ} أي قد جاءتنا، وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} وهي قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود: 119]. {قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} أي يقال لهم ادخلوا جهنم. وقد مضى الكلام في أبوابها. قال وهب: تستقبلهم الزبانية بمقامع من نار فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة ومضر. {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} تقدم بيانه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار، وإنما يساقون سوقاً عنيفاً، بزجر وتهديد ووعيد؛ كما قال عز وجل: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} تفسير : [الطور: 13] أي: يدفعون إليها دفعاً، وهذا وهم عطاش ظماء؛ كما قال جل وعلا في الآية الأخرى: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } تفسير : [مريم: 85 ــــ 86] وهم في تلك الحال صم وبكم وعمي، منهم من يمشي على وجهه {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} تفسير : [الإسراء: 97] وقوله تبارك وتعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا} أي: بمجرد وصولهم إليها، فتحت لهم أبوابها سريعاً؛ لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية الذين هم غلاظ الأخلاق شداد القوى على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} أي: من جنسكم، تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ} أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه، {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم، فيقول الكفار لهم: {بَلَىٰ} أي: قد جاؤونا وأنذرونا وأقاموا علينا الحجج والبراهين، {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم؛ لما سبق لنا من الشقوة التي كنا نستحقها، حيث عدلنا عن الحق إلى الباطل؛ كما قال عز وجل مخبراً عنهم في الآية الأخرى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ كَبِيرٍ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الملك: 8 ــــ 10] أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة، {أية : فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 11] أي: بعداً لهم وخساراً. وقوله تبارك وتعالى ههنا: {قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: كل من رآهم وعلم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب، ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم، ولهذا قال جل وعلا: {قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها، لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} أي: فبئس المصير، وبئس المقيل لكم؛ بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال، وبئس المآل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بعنف {إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً } جماعات متفرّقة {حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } جواب إذا {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِ رَبّكُمْ } القرآن وغيره {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } أي( لأملأن جهنم) الآية {عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أفواجاً، قاله الحسن. الثاني: أمماً، قاله الكلبي. الثالث: جماعات، قاله السدي. قال الأخفش جماعات متفرقة، بعضها إثر بعض واحدها زمرة. قال خفاف بن ندبة: شعر : كأن إخراجها في الصبح غادية من كل شائبةٍ في أنها زُمَر تفسير : الرابع: دفعاً وزجراً بصوت كصوت المزمار، ومن قولهم مزامير داود.

ابن عبد السلام

تفسير : {زُمَراً} أفواجاً، أو أمماً، أو جماعات، أو جماعات متفرقة بعضها إثر بعض، أو دفعاً وزجراً لصوت كصوت المزمار ومنه قولهم مزامير داود.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن جهنم إذا سيق إليها أهلها تلفحهم بعنق منها لفحة لم تدع لحماً على عظم إلا ألقته على العرقوب‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين‏}‏ قال‏:‏ بأعمالهم أعمال السوء‏.‏ والله أعلم‏.

القشيري

تفسير : الكفار يُسَاقُون إلى النار عنفاً، والمؤمنون يُسَاقون إلى الجنة لُطْفاً؛ فالسَّوَقُ يجمع الجنسين... ولكن شتان بين سَوْقٍ وسَوْق! فإذا جاء الكفارُ قابلهم خَزَنَةُ النار بالتوبيخ والعتاب والتأنيب؛ فلا تكريمَ ولا تعظيم، ولا سؤال ولا استقبال... بل خِزْيٌ وهوانٌ، ومن كل جنسٍ من العذاب ألوان.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} فى هذه الأية ------ذكر الله سبحان وصف غبطة الملائكة على منازل الاولياء والصديقين وذلك قوله {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ} اى انتم فى مشاهدة جماله ابدا طيبين بلذة وصاله سالمين عن الحجاب ابدا وايضا هذا سلام الله ولكن بالواسطة والسلام الخاص بعد دخولهم فى الحضرة قوله سلام قولاً من ربّ رحيم قال ابن عطا السّلام فى الجنة من وجوه منهم من يسلم عليهم خزنة الجنة ومنهم من يسلم عليهم الملائكة ومنهم من يسلم عليهم الحق لقوله سلام قولا من رب رحيم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وسيق الذين كفروا الى جهنم} مع امامهم حال كونهم {زمرا} جماعة جماعة وبالفارسية [كروه كروه] جمع زمرة وهى الجمع القليل ومنه قيل شاة زمرة قليلة الشعر واشتقاقها من الزمر وهو الصوت اذ الجماعة لا تخلو عنه. والسوق بالفارسية [راندن] اى سيقوا اليها بعد اقامة الحساب بامر يسير من قبلنا وذلك بالعنف والاهانة حال كونهم افواجا متفرقة بعضها فى اثر بعض مترتبة حسب ترتب طبقاتهم فى الضلالة والشرارة وتتلقاهم جهنم بالعبوسة كما تلقوا الاوامر والنواهى والآمرين والناهين بمثل ذلك {حتى اذا جاؤها} حتى هى التى تحكى بعد الجملة: يعنى [تا جون بيايند بدوزخ بر صفت ذلت وخوارى] وجواب اذا قوله {فتحت ابوابها} السبعة ليدخلوها كما قال تعالى {أية : لها سبعة ابواب} تفسير : وفائدة اغلاقها الى وقت مجيئهم تهويل شأنها وايقاد حرها. قال فى اسئلة الحكم اهل النار يجدونها مغلقة الابواب كما هى حال السجون فيقفون هنالك حتى يفتح لهم اهانة لهم وتوبيخا. يقول الفقير هذا من قبيل العذاب الروحانى وهو اشد من العذاب الجسمانى فليس وقوفهم عند الابواب اولى لهم من تعجيل العذاب يؤيده ان الكافر حين يطول قيامه فى شدة وزحمة وهول يقول يا رب ارحنى ولو كان بالنار. وفيه اشارة الى الاوصاف الذميمة النفسانية السبعة وهى الكبر والبخل والحرص والشهوة والحسد والغضب والحقد فانها ابواب جهنم وكل من يدخل فيها لا بد له من ان يدخل من باب من ابوابها فلا بد من تزكيتها وتخلية النفس عنها {وقال لهم خزنتها} تقريعا وتوبيخا وزيادة فى الايلام والتوجيع واحدها خازن وهو حافظ الخزانة وما فيها والمراد حفظة جهنم وزبانيتها وهم الملائكة الموكلون بتعذيب اهلها {ألم يأتكم رسل منكم} من جنسكم آدميون مثلكم ليسهل عليكم مراجعتهم وفهم كلامهم {يتلون عليكم آيات ربكم} وهو ما انزل الله على الانبياء {وينذرونكم} يخوفونكم {لقاء يومكم هذا} اى وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة وذلك لان الاضافة اللامية تفيد الاختصاص ولا اختصاص ليوم القيامة بالكفار وقد جاء استعمال اليوم والايام مستفيضا فى اوقات الشدة فلذلك حمل على الوقت. وفيه دليل على انه لا تكليف قبل الشرع من حيث انهم عللوا توبيخهم باتيان الرسل وتبليغ الكتب {قالوا بلى} قد اتونا وتلوا علينا. وانذرونا فاقرّوا فى وقت لا ينفعهم الاقرار والاعتراف {ولكن حقت} وجبت {كلمة العذاب} وهى قوله تعالى لابليس {أية : لاملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين} تفسير : {على الكافرين} وقد كنا ممن تبع ابليس فكذبنا الرسل وقلنا ما نزل الله من شىء ان انتم الا تكذبون شعر : امروز قدر بند عزيزان شناختيم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زُمراً} أي: تسوقهم الزبانية بالعنف والإهانة، كما تساق الأسارى والخارجين على السلطان، إذا سيقوا للقتل أو السجن، فتسوقهم الزبانية إلى جهنم أفواجاً متفرقة، بعضها إثر بعض، حسب ترتُّب طبقاتهم في الضلالة والشرارة، والزمر: جمع زمرة، أي: الجماعة، واشتقاقها من الزمر، أي: الصوت. والجماعة لا تخلو عنه. {حتى إذا جاؤوها فُتِحَتْ أبوابها} ليدخلوها، وهي سبعة، {وقال لهم خزنتُها} تقريعاً وتوبيخاً: {ألم يأتكم رسلٌ منكم}؛ من جنسكم. وقرىء: "نُذُر منكم"، {يتلون عليكم آياتِ ربكم ويُنذرونكم لقاء يومكم هذا} أي: وقتكم هذا، وهو وقت دخولهم النار. وفيه دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع، من حيث إنهم علّلوا توبيخهم بإتيان الرسل وتبليغ الكتب. {قالوا بلى} قد أتونا وأنذرونا، {ولكن حقتْ كلمةُ العذاب على الكافرين} أي: ولكن وجبت علينا كلمة الله: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} تفسير : [هود: 119] بسوء أعمالنا حيث كذَّبنا، وقلنا ما نزّل الله من شيء، إن أنتم إلا تكذبون. {قيل ادخلوا أبوابَ جهنمَ خالدين فيها} أي: مقدرين الخلود، {فبئس مثوى المتكبرين}، اللام للجنس، والمخصوص محذوف، أي: بئس مثوى المتكبرين جهنم، وتكبرهم مسبب عن استحقاق كلمة العذاب عليهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل مَن تكبَّر عن أولياء زمانه ـ أهل التربية ـ حتى مات محجوباً عن شهود الحق، يلحقه التوبيخ بلسان الحال، فيقال له: ألم يأتكم رسل من أولياء زمانكم، يعرفون بنا في كل زمان؟ فيقولون: بلى، ولكن حقت علينا كلمة الحجاب، فيخلدون في القطيعة والحجاب، إلا في وقت مخصوص، وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل الخير، فقال: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا الكسائي عن أبي بكر {فتحت.. وفتحت} بالتخفيف فيهما. الباقون بالتشديد. من خفف قال: لانها تفتح دفعة واحدة، ومن شدد قال: لانها تفتح مرة بعد اخرى. ولقوله {أية : مفتحةً لهم الأبواب}. تفسير : لما اخبر الله تعالى عن حال الكافرين والمؤمنين وانه يحشر الخلق في ارض الموقف، وانه يعاقب كل احد على قدر استحقاقه، اخبر - هٰهنا - عن قسمة احوالهم فقال {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً} فالسوق الحث على السير يقال: ساقه يسوقه سوقاً، فهو سائق وذاك مسوق، ومنه قولهم: الكلام يجري على سياقة واحدة، ومنه السوق لأن المعاملة فيها تساق بالبيع والشراء، ومنه الساق لانه ينساق به البدن، و (الزمر) جمع زمرة وهي الجماعة لها صوت المزمار، ومنه مزامير داود عليه السلام يعني اصوات له كانت مستحسنة، وقال الشاعر: شعر : له زجل كأنه صوت حاد إذا طلب الوسيقة او زمير تفسير : قال ابو عبيدة: معناه جماعات في تفرقة بعضهم في أثر بعض {حتى إذا جاؤها} يعني جاؤا جهنم {فتحت أبوابها} أي ابواب جهنم {وقال لهم خزنتها} الموكلون بها على وجه الانكار عليهم والتهجين لفعلهم {ألم يأتكم رسل منكم} يعني من امثالكم من البشر {يتلون} أي يقرؤن {عليكم آيات ربكم} أي حجج ربكم، وما يدلكم على معرفته ووجوب عبادته {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} أي ويخوفونكم من مشاهدة هذا اليوم وعذابه، فيقول الكفار لهم {بلى} قد جاءتنا رسل ربنا، وخوفونا لانه لا يمكنهم جحد ذلك لحصول معارفهم الضرورية {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} ومعناه أنه وجب العقاب على من كفر بالله، لانه تعالى اخبر بذلك وعلم من يكفر ويوافي بكفره، فقطع على عقابه، فلم يكن يقع خلاف ما علمه واخبر به، فصار كوننا في جهنم موافقاً لما أخبر به تعالى وعلمه، فيقول لهم عند ذلك الملائكة الموكلون بجهنم {ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} أي مؤبدين لا آخر لعقابكم ثم قال تعالى {فبئس مثوى} أي بئس مقام {المتكبرين} جهنم. ثم اخبر تعالى عن حال أهل الجنة بعد حال اهل جهنم فقال {وسيق الذين اتقوا ربهم} باجتناب معاصيه وفعل طاعاته {إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها} وإنما جاء فى الجنة، وفتحت ابوابها بالواو، وفى النار فتحت بغير واو، لأنه قيل: أبواب النار سبعة، وابواب الجنه ثمانية، ففرق بينهما للايذان بهذا المعنى، قالوا: لان العرب تعد من واحد إلى سبعة وتسميه عشراً ويزيدون واواً تسمى واو العشر، كقوله {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعرون} ثم قال {أية : والناهون عن المنكر} تفسير : فاتى بالواو بعد السبعة، وقال {أية : مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكاراً} تفسير : فاتى بالواو فى الثامنة. وقيل: ان المعنى واحد، وإنما حذفت تارة وجيء بها اخرى تصرفاً في الكلام. قال الفراء: الواو لا تقحم إلا مع (لما) و (حتى) و (إذا) وانشد. شعر : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى تفسير : أرار انتحى وقيل: دخلت الواو لبيان انها كانت مفتحة قبل مجيئهم وإذا كان بغير واو افاد انها فتحت في ذلك الوقت وجواب {حتى إذا} في صفة اهل الجنة محذوف وتقديره حتى إذا جاؤها قالوا المنى او دخلوها او تمت سعادتهم او ما اشبه ذلك وحذف الجواب ابلغ لاحتماله جميع ذلك ومثله قول عبد مناف بن ربيع. شعر : حتى إذا سلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا تفسير : وهو آخر القصيدة، فحذف الجواب. وقوله {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم} أي طابت أفعالكم من الطاعات وزكت {فادخلوها} أي الجنة جزاء على ذلك {خالدين} مؤبدين لا غاية له ولا انقطاع، وقيل: معناه طابت أنفسكم بدخول الجنة. ثم حكى تعالى ما يقول أهل الجنة إذا دخلوها، فانهم يقولون اعترافاً بنعم الله عليهم {الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض} يعنون ارض الجنة. وقيل: ورثوها عن أهل النار، وقيل: لما صارت الجنة عاقبة أمرهم كما يصير الميراث، عبر عن ذلك بأنه اورثهم وقوله {نتبوأ من الجنة حيث نشاء} معناه نتخذ متبوّءا أي مأوى حيث نشاء، وأصله الرجوع من قولهم: باء بكذا أي رجع به. ثم قال {فنعم أجر العاملين} يعني المقام في الجنة والتنعم فيها. ثم قال تعالى {وترى الملائكة حافين من حول العرش} أي محدقين به - في قول قتادة والسدي - {يسبحون بحمد ربهم} أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق به ويذكرونه بصفاته التي هو عليها. وقيل: تسبيحهم ذلك الوقت على سبيل التنعم والتلذذ ثواباً على أعمالهم لا على وجه التعبد، لأنه ليس هناك دار تكليف. وقيل: الوجه في ذلك تشبيه حال الآخرة بحال الدنيا، فان السلطان الأعظم إذا أراد الجلوس للمظالم والقضاء بين الخلق قعد على سريره واقام حشمه وجنده قدامه وحوله تعظيماً لأمره فلذلك عظم الله أمر القضاء في الآخرة بنصب العرش وقيام الملائكة حوله معظمين له تعالى مسبحين وإن لم يكن تعالى على العرش لأن ذلك يستحيل عليه لكونه غير جسم، والجلوس على العرش من صفات الأجسام. ثم قال تعالى {وقضي بينهم بالحق} أي فصل بين الخلائق بالحق لا ظلم فيه على أحد، وقيل {الحمد لله رب العالمين} اخبار منه تعالى أن جميع المؤمنين يقولون عند ذلك معترفين بأن المستحق للحمد والشكر الذي لا يساويه حمد ولا شكر (الله) الذي خلق العالمين ودبرها. وقيل لأن الله خلق الاشياء الحمد لله الذي خلق السموات والارض، فلما أفنى الخلق ثم بعثهم واستقر اهل الجنة فى الجنة ختم بقوله {الحمد لله رب العالمين}.

الجنابذي

تفسير : {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ} بالولاية بقطعها تكليفاً وتكويناً حتّى يموتوا وهم كافرون {إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} جمع الزّمرة الفوج والجماعة فى تفرقة، ولمّا كان اهل الجحيم بحسب اختلاف احوالهم متفرّقين بالسّبق وعدمه وشدّة العذاب وخفّته استعمل الزّمر فيهم {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} جعل فتحت ههنا جواباً لاذا اشارةً الى انّ ابواب الجحيم مغلقة قبل الوصول اليها فاذا وصلوا اليها تفتح لهم بخلاف ابواب الجنان فانّها مفتوحة على الخلق قبل اتيانهم اليها، ووجهه انّ الانسان بعد خلق آدم من التّراب المجموع من السّماوات والارضين والسّجّين والعلّيّين فى ارض بدنه يؤوى آدمه فى الجنّة الدّنيا فيكون آدمه فى الجنّة من اوّل خلقته فأبواب الجنّة من اوّل خلقته مفتوحة عليه وهو داخل فيها وليس يخرج منها الاّ بعصيانه، وامّا ابواب الجحيم فهى مغلقة لانّ الجحيم وابوابها ضدّ لفطرة آدم فهى مغلقة عليه الاّ اذا خرج من الجنان وسيق الى النّيران فاذا سيق الى النّيران تفتح ابوابها عليه ولذلك لم ينسب الله تعالى فى شيءٍ من الآيات الدّخول الى ابواب الجنان ونسب الدّخول فى كثير من الآيات الى ابواب الجحيم. {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} كأنّهم قالوا: لكنّا كنّا كافرين وحقّت كلمة العذاب علينا لكفرنا فلم نتنبّه بتنبيههم.

اطفيش

تفسير : {وَسِيقَ} سوقاً عنيفاً مبني للمفعول من ساق يسوق* {الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً} أي (أمماً) كل أمة وحدها وقيل جماعات جماعة اثر جماعة على تماديهم في الضلالة والمفردة زمرة وقيل الزمرة الجماعة القليلة والاشتقاق من الزمر وهو الصوت لان الجماعة لا تجلو عنه أو من قولهم شاة زمرة قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروءة. {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} السبعة ليدخلوها وانما فتحت بعد مجيئهم لا قبله وأوقفوا بعد فتحها اذلالا لهم كما هو حال المسجونين يجاء بهم الى السجن فيوقفون يهددون وابقاء لحرها وحتى للابتداء وقرأ الكوفيون (فتحت) بالتخفيف على الأصل أما التشديد فللمبالغة. قال ابن هشام وزعم الأخفش ان (اذا) جر (بحتى )* {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} توبيخاً وتعزيراً* {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} من جنسكم وبعض منكم ظاهرون لكم تفهمون كلامهم لا من الملائكة أو الجن فتهابون ولا تفهمون وقرئ (ألم يأتكم نذر منكم). {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} (هذا) بدل من (يوم) أو مفعول (للقاء) مشاراً به للعذاب والمراد باليوم الوقت وهو وقت دخولهم النار وكثيراً ما يستعمل اليوم في مطلق الوقت ولا سيما أوقات الشدة ويصح خلافا للزمخشرى أن يراد يوم القيامة فان وقت دخولهم منه وقد أنذروا به وما يقع فيه واعلم انه لولا الرسل ما قطع عذر الكفار ولكن حيث وجد رسول قطع عذر من لم يكن على دين من طرق الانبياء ولو لم يبلغه دين ذلك النبي فأهل الفترة والجاهلية مقطوعو العذر لتقدم الأنبياء عليهم السلام واما تعليل توبيخهم باتيان الرسل وتبليغ الكتب فالتأكيد زيادة في الحجة لانه لا تكليف الا بالسماع* {قَالُواْ بَلَى} أتونا وتلوا علينا. {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ} وجبت وكلمة العذاب قول الله فيهم بالشقاوة وحكمه بها لسوء أعمالهم وقيل قوله: {أية : لأملأن جهنم من الجِنَّةِ والنّاسِ أجمعين} تفسير : {عَلَى الْكَافِرِينَ} الأصل علينا وبه ينطقون كما قالوا: {أية : ربنا غلبت علينا شقوتنا} تفسير : ووضع الظاهر موضعه ليصرح بالكفر اشعاراً بأنه علة كلمة العذاب وذلك أن قوله (ولكن)... الخ من كلامهم أما لو قلنا من كلامه تعالى فالأصل عليهم وعبر بالظاهر لما تقدم

اطفيش

تفسير : {وَسِيقَ} بعنف واهانة وقهر،كسوق الدابة باسراع ولو لم يساقوا لم يمشوا {الَّذين كَفَروا} أشركوا {إلى جَهنَّم زُمراً} جماعات مرتبات على قدر ضلالهم، والمفرد زمرة، وهى الجماعة القليلة، ومن ذلك شاة زمرة قليلة الشعر، ورجل زمر قليل المروءة، وامرأة زمراء فاجرة قليلة الخير، أو شاذة عن سائر النساء، أو سميت الجماعة زمرة لأنها لا تخلو عن زمر، وهو الصوت {حتَّى} حرف ابتداء، ولا تخلو عن غاية، وهى غاية للسوق، ويوافونها بالسوق مغلقة وتفتح بحضرتهم مجتمعين حولها كما قال: {إذا جاءوهَا فُتِحَتْ أبْوابها} ليدخلوها، وذلك أشد عليهم اذ شاهدوا حدوث شىء مضر فى شأنهم، فاذا دخلوها أغلقت، واذا جاءت زمرة فتحت ودخلوا وهكذا. {وقال} عند الباب، قبل الدخول توبيخا {لَهُم خَزَنتُها} من الملائكة {ألَم يأتِكُم} من الله تعالى {رُسُلٌ مِنْكم} من جنسكم تفهمون كلامهم، ويمكنكم استفهامهم ومراجعتهم ولو بترجمان، ولو عمن يأخذ عنهم بوسائط، وكل نبى أو رسول يكون بلغة قومه، ولو أرسل الى غيرهم أيضا من أهل لغته وغيرها {يتْلُون} بأنفسهم أو بواسطة {عَليْكم آيات ربِّكُم} كالقرآن والانجيل، والزبور والتوراة والصحف {ويُنذرونكم لِقاء يَوْمِكُم هَذا} وقتكم هذا، وهو وقت النار، أو يوم القيامة لاشتماله على وقت الدخول، وعلى عذابهم وأهوالهم، وهو يومهم ويوم المؤمنين أيضا، ولا حصر بالاضافة، وعدى ينذر الى مفعولين لتضمنه الاعلام المتعدى لاثنين، وهو التعريف، وقدر بعضهم الباء، أى بلقاء يومكم، وهو ذا بدل أو بيان يجوز أن يكون نعتا لأنه بمعنى الحاضر، والحجة الرسل والعقل والكتب، والظاهر أنه من لم يبلغه خبر التوحيد مكلف بالتوحيد، لأن الله أوجد دلائل العقل، وقد قال قوم: ان الحجة العقل. وأما الكتب والرسل فتفصيل وبيان لما يجب استعمال العقل فيه، ولا تقول بالتقبيح والتحسين العقليين، ولا نقول العقل يدرك التفاصيل الشرعية، ولو لم ينزل الوحى، ومن قال بذلك أخطأ قبحه الله عز وجل، وكذلك اختلف فى أهل الفترة، والحق أنهم فى النار، ولعل الملائكة لا تقول لهم، ولا لمن لم يصله أمر التوحيد: ألم يأتكم رسل؟ فلو قالوا لهم لقالوا: نعم، لا بلى، وقيل: لا يخلو أهل الفترة من مخبر، ولو كان لا يوجد عنده تفاصيل الشرع، فهم مكلفون بالتوحيد، وما وصلوا اليه فقط، ولعلهم يقولون لمن لم يصله الأمر: ألم ينصب لدلائل التوحيد فى بدنك وسائر الخلق، فلزمه أن يقول بلى. {قالُوا بَلَى} ليس لم يأتنا رسل منا، وينذرونا لقاء يومنا هذا، بل أتونا وأنذرونا لقاء يومنا هذا {ولكَنْ حَقَّتْ} وجبت {كَلمةُ العَذاب} قضاء الله تعالى به، أو قوله: "أية : لأملأن جهنم" تفسير : [الأعراف: 18] الخ {على الكافرين} عموما فدخلوا فى العموم، أو حقت كلمة العذاب علينا، ووضع الظاهر موضع المضمر تلويحا بموجب العذاب، وهو الكفر، وذلك اعتراف بالشقاوة لا اعتذار.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً } الخ تفصيل للتوفية وبيان لكيفيتها، والفاء ليس بلازم، والسوق يقتضي الحث على المسير بعنف وإزعاج وهو الغالب ويشعر بالإهانة وهو المراد هنا أي سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفواجاً متفرقة بعضها في أثر بعض مترتبة حسب ترتب طبقاتهم / في الضلالة والشرارة. والزمر جمع زمرة قال الراغب: ((هي الجماعة القليلة، ومنه قيل شاة زمرة قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروءة، ومنه اشتق الزمر، والزمارة كناية عن الفاجرة))، وقال بعضهم: اشتقاق الزمرة من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه. {حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } ليدخلوها وكانت قبل مجيئهم غير مفتوحة فهي كسائر أبواب السجون لا تزال مغلقة حتى يأتي أصحاب الجرائم الذين يسجنون فيها فتفتح ليدخلوها فإذا دخلوها أغلقت عليهم. و {حَتَّىٰ} هي التي تحكي بعدها الجملة. والكلام على إذا الواقعة بعدها قد مر في الأنعام. وقرأ غير واحد {فتحت } بالتشديد {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } على سبيل التقريع والتوبيخ {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } أي من جنسكم تفهمون ما ينبؤنكم به ويسهل عليكم مراجعتهم. وقرأ ابن هرمز {تأتكم} بتاء التأنيث، وقرىء {نذر منكم} {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِ رَبّكُمْ } المنزلة لمصلحتكم {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أي وقتكم هذا وهو وقت دخولكم النار لأن المنذر به في الحقيقة العذاب ووقته، وجوز أن يراد به يوم القيامة والآخرة لاشتماله على هذا الوقت أو على ما يختص بهم من عذابه وأهواله، ولا ينافيه كونه في ذاته غير مختص بهم؛ والإضافة لامية تفيد الاختصاص لأنه يكفي للاختصاص ما ذكر، نعم الأول أظهر فيه. واستدل بالآية على أنه لا تكليف قبل الشرع لأنهم وبخوهم بكفرهم بعد تبليغ الرسل للشرائع وإنذارهم ولو كان قبح الكفر معلوماً بالعقل دون الشرع لقيل: ألم تعلموا بما أودع الله تعالى فيكم من العقل قبح كفركم، ولا وجه لتفسير الرسل بالعقول لإباء الأفعال المستندة إليها عن ذلك، نعم هو دليل إقناعي لأنه إنما يتم على اعتبار المفهوم وعموم {ٱلَّذِينَ كَـفَرُواْ} وكلاهما محل نزاع، وقيل في وجه الاستدلال: إن الخطاب للداخلين عموماً يقتضي أنهم جميعاً أنذرهم الرسل ولو تحقق تكليف قبل الشرع لم يكن الأمر كذلك. وتعقب بأن للخصم أن لا يسلم العموم، ولمن قال بوجوب الإيمان عقلاً أن يقول: إنما وبخوهم بالكفر بعد التبليغ لأنه أبعد عن الاعتذار وأحق بالتوبيخ والإنكار. {قَالُواْ بَلَىٰ } قد أتانا رسل منا تلوا علينا آيات ربنا وأنذرونا لقاء يومنا هذا {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ } أي وجبت {كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } أي كلمة الله تعالى المقتضية له {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } والمراد بها الحكم عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل النار لسوء اختيارهم أو قوله تعالى لإبليس: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [ص: 85] ووضعوا (الكافرين) موضع ضميرهم للإيماء إلى علية الكفر، والكلام اعتراف لا اعتذار.

ابن عاشور

تفسير : هذا تنفيذ القضاء الذي جاء في قوله: {أية : وقُضي بينهم بالحق} تفسير : [الزمر: 69] وقوله: {أية : وَوُفيت كل نفسٍ ما عملت} تفسير : [الزمر: 70]، فإن عاقبة ذلك ونتيجته إيداع المجرمين في العقاب وإيداع الصالحين في دار الثواب. وابتدىء في الخَبر بذكر مستحقي العقاب لأنه الأهم في هذا المقام إذ هو مقام إعادة الموعظة والترهيب للذين لم يتعظوا بما تكرر في القرآن من العظات مثل هذه فأما أهل الثواب فقد حصل المقصود منهم فما يذكر عنهم فإنما هو تكريرُ بشارة وثناء. والسَّوق: أن يجعل الماشي ماشياً آخر يسير أمامه ويلازمه، وضدّه القَود، والسوْق مشعر بالإِزعاج والإِهانة، قال تعالى: {أية : كأنما يساقون إلى الموت}تفسير : [الأنفال: 6]. والزُّمَر: جَمع زُمْرة، وهي الفوج من الناس المتبوعُ بفوج آخر، فلا يقال: مرت زمرة من الناس، إلاّ إذا كانت متبوعة بأخرى، وهذا من الألفاظ التي مدلولها شيء مقيّد. وإنما جُعلوا زمراً لاختلاف دَرَجات كفرهم، فإن كان المراد بالذين كفروا مشركي قريش المقصودين بهذا الوعيد كان اختلافهم على حسب شدة تصلبهم في الكفر وما يخالطه من حَدَب على المسلمين أو فظاظة، ومن محايدة للنبي صلى الله عليه وسلم أو أَذىً، وإن كان المراد بهم جميع أهل الشرك كما تقتضيه حكاية الموقف مع قوله: {ألم يأتكم رُسُل} كان تعدد زمرهم على حسب أنواع إشراكهم. و {حتى} ابتدائية و {إذا} ظرف لزمَان المستقبل يضمّن معنى الشرط غالباً، أي سيقوا سوقاً ملازماً لهم بشدته متصل بزمن مجيئهم إلى النار. وجملة {فتحت} جواب {إذا} لأنها ضمنت معنى الشرط وأغنى ذكر {إذا} عن الإِتيان بــــ (لمّا) التوقيتية، والتقدير: فلما جاءوها فتحت أبوابها، أي وكانت مغلقة لتفتح في وجوههم حين مجيئهم فجأة تهويلاً ورعباً. وقرأ الجمهور {فُتِّحَتْ} بتشديد التاء للمبالغة في الفتح. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف التاء على أصل الفعل. والخزَنة: جمع خازن وهو الوكيل والبوَّاب غلب عليه اسم الخازن لأنه يقصد لخزن المال. والاستفهام الموجه إلى أهل النار استفهام تقريري مستعمل في التوبيخ والزجر كما دل عليه قولهم بعده: {ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبِئس مثوى المتكبرين}. و{منكم}صفة لـــ {رسل}، والمقصود من الوصف التورك عليهم لأنهم كانوا يقولون: {أية : أبشراً منا واحداً نتبعه}تفسير : [القمر: 24]، والتلاوة: قراءة الرسالة والكتاب لأن القارىء يتلو بعض الكلام ببعض، وأصل الآيات: العلامات مثل آيات الطريق. وأطلقت على الأقوال الدالة على الحق، والمراد بها هنا الأقوال الموحى بها إلى الرسل مثل صحف إبراهيم وموسى والقرآن، وأخصُّها باسم الآيات هي آيات القرآن لأنها استكملت كُنه الآيات باشتمالها على عظم الدلالة على الحق وإذ هي معجزات بنظمها ولفظها، وما عداه يسمى آيات على وجه المشاكلة كما في حديث الرجم: أن اليهودي الذي أحضر التوراة وضع يده على آية الرجم، ولأن في معاني كثير من القرآن والكتب السماوية ما فيه دلائل نظرية على الوحدانية والبعث ونحوها من الاستدلال. وأسندت التلاوة إلى جميع الرسل وإن كان فيهم من ليس له كتاب، على طريقة التغليب. وإضافة (يوم) إلى ضمير المخاطبين باعتبار كونهم فيهحديث : كقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع "كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"تفسير : فالإضافة قائمة مقام التعريف بــــ(أل) العهدية. وجوابهم بحرف {بلى} إقرار بإبطال المنفي وهو إتيان الرسل وتبليغهم فمعناه إثبات إتيانِ الرسل وتبليغِهم. وكلمة {العذاب} هي الوعيد به على ألسنة الرسل كما في قول بعضهم في الآية الأخرى: {أية : فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون}تفسير : [الصافات: 31] أي تحققت فينا، فالتعريف في كلمة {العذاب} تعريف الجنس لإِضافتها إلى معرفة بلام الجنس، أي كلمات. ومحل الاستدراك هو ما طوي في الكلام مما اقتضى أن تَحق عليهم كلمات الوعيد، وذلك بإعراضهم عن الإِصغاء لأمر الرسل، فالتقدير: ولكن تَكَبَّرْنا وعانَدْنَا فحقت كلمة العذاب على الكافرين، وهذا الجواب من قبيل جواب المتندم المكروب فإنه يوجز جوابه ويقول لسائله أو للائمه: الأمرُ كما تَرى. ولم يعطف فعل {قالوا} على ما قبله لأنه جاء في معرض المقاولة كما تقدم غير مرة انظر قوله تعالى: {أتجعل فيها من يفسد فيها} إلى قوله: {أية : قال إني أعلم ما لا تعلمون} تفسير : [البقرة: 30]. وفعل {قيل} مبني للنائب للعلم بالفاعل إذ القائل: ادخلوا أبواب جهنم، هم خزنتها. ودخول الباب: وُلوجه لوصول ما وراءه قال تعالى: {أية : ادخلوا عليهم الباب}تفسير : [المائدة: 23] أي لِجُوا الأرضَ المقدسة، وهي أَرِيحا. والمَثْوَى: محل الثواء وهو الإقامة، والمخصوص بالذم محذوف دل عليه ما قبله والتقدير: بئس مثوى المتكبرين جهنمُ ووصفوا بــــ {المتكبرين} لأنهم أعرضوا عن قبول الإسلام تكبراً عن أن يتبعوا واحداً منهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً}. الزمر الأفواج المتفرقة، واحدة زمرة، وقد عبر تعالى عنها هنا بالزمر، وعبر عنها في الملك بالأفواج في قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} تفسير : [الملك: 8] الآية، وعبر عنها في الأعراف بالأمم في قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ} تفسير : [الأعراف: 38] الآية. وقال في فصلت {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} تفسير : [فصلت: 25] وقال تعالى: {أية : هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 59]. ومن إطلاق الزمر على ما ذكرنا قوله: شعر : وترى الناس إلى منزله زمراً تنتابه بعد زمر تفسير : وقول الراجز: شعر : إن العفاة بالسيوب قد غمر حتى احزألت زمراً بعد زمر تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}. لم يبين جل وعلا هنا عدد أبوابها المذكورة، ولكنه بين ذلك، في سورة الحجر في قوله {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} تفسير : [الحجر: 43ـ44]. وقوله تعالى: {فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} قرأه نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر: (فُتِّحت) بتشديد التاء دلالة على التكثير. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي (فُتحت) بتخفيف التاء. قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وسيق الذين كفروا: أي وساق الملائكة بعنف الذين كفروا. إلى جهنم زمراً: أي جماعات، جماعة المشركين، وجماعة المجرمين وجماعة الظالمين. وقال لهم خزنتها: أي الموكلون بالنار من الملائكة الواحد خازن. ألم يأتكم رسل: هذا الاستفهام للتقرير والتوبيخ. حقت كلمة العذاب: أي وجب العذاب للكافرين. وسيق الذين اتقوا: أي وساقت الملائكة بلطف على النجائب الذين اتقوا ربهم أي أطاعوه ولم يشركوا به. وفتحت أبوابها: أي والحال أن أبواب الجنة قد فتحت لاستقبالهم. والحمد لله الذي صدقنا وعده: أي أنجز لنا وعد بالجنة. وأورثنا الأرض: أي أرض الجنة وصورة الإِرث نظراً إلى قوله تعالى في وعده لهم تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً. نتبوأ من الجنة حيث نشاء: أي ننزل من حيث نشاء. فنعم أجر العاملين: أي الجنة. حافين من حول العرش: أي مُحدقين بالعرش من كل جانب. يسبحون بحمد ربهم: أي يقولون سبحان الله وبحمده. وقضي بينهم بالحق: أي وقضي الله بمعنى حكم بين جميع الخلائق بالعدل. وقيل الحمد لله رب العالمين: أي وقالت الملائكة والمؤمنون الحمد لله رب العالمين على استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. معنى الآيات: بعد الفراغ من الحكم على أهل الموقف وذلك بأن حكم تعالى فيهم بحسب عملهم فوفّى كل عامل بعمله من كفر ومعاصٍ، أو إِيمان وطاعة قال تعالى مخبراً عن مصير الفريقين {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ} أي ساقتهم الملائكة بشدة وعنف لأنهم لا يريدون الذهاب {إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} أي جماعات ولفظ الزمرة مشتق من الزمر الذي هو الصوت إذ الغالب في الجماعة أن يكون لها صوت. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} إذ كانت مغلقة كأبواب السجون لا تفتح إلا عند المجيء بالسجناء، {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} قبل الوصول إليها موبخين لهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} أي المبينة لكم الهدى من الضلال والحق من الباطل، وما يحب ربكم من العقائد والأقوال والأعمال والصفات والذوات وما يكره من ذلك، ويدعوكم إلى فعل المحاب لتنجوا وترك المكاره لتنجوا وتسعدوا. فأجابوا قائلين بلى أي جاءتْنا بالذي قلتم ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ونحن منهم فوجب لنا العذاب، وعندئذ تقول لهم الملائكة ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، فبئس أي جهنم مثوى المتكبرين أي قبح مأوى المتكبرين في جهنم من مأوى. وقوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ} وسوقهم هو سوق النجائب التي يركبونها فهو سوق لطف وتكريم إلى الجنة دار السلام زمراً زمرة الجهاد وزمرة الصدقات وزمرة العلماء وزمرة الصلوات.... {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا} وقد فتحت أبوابها من قبل لاستقبالهم مُعَزَزين مكرمين، فقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم أي طابت أرواحكم بأعمالكم الطيبة فطاب مقامكم في دار السلام فنعم التحية حيوا بها مقابل تأنيب وتوبيخ الزبانية لأهل النار. وقوله لهم فادخلوها أي الجنة حال كون خلودكم مقدراً لكم فيها. فقالوا بعد دخولهم الجنة ونزولها في قصورها الحمدلله الذي صدقنا وعده يعنون قوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} تفسير : [مريم: 63]، وقولهم {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} أي أرض الجنة نتبوأ منها حيث نشاء أي ننزل منها حيث نريد النزول، وفي قولهم أورثنا الأرض إشارة إلى أنهم ورثوها من أبويهم آدم وحواء إذ كانت لهم قبل نزولهما منها. وقولهم فنعم أجر العاملين أي الجنة والمراد من العمل الإِيمان والتقوى في الدنيا بأداء الفرائض واجتناب النواهي وقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ} أيها الرائي {حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} أي محدقين بعرش الرحمن أي سريره {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي قائلين: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. قال تعالى مخبراً عن نهاية الموقف: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} أي وقضى الله بين الخلائق بالعدل، ولما استقر أهل النار وأهل الجنة حُمدَ الله على الاستقرار التام والحكم العادل الرحيم وقيل الحمد لله رب العالمين أي حمدت الملائكة ربها وحمده معهم المؤمنون وهم في دار النعيم المقيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان إهانة أهل النار بسوقهم على أرجلهم بعنف وتأنيبهم وتوبيخهم. 2- التنديد بالاستكبار عن عبادة الله تعالى، وعبادة المؤمنين به، المتقين له. 3- بيان إكرام الله تعالى لأوليائه إذ يُحملون على نجائب رحالها من ذهب إلى الجنة، ويلقون فيها تحية وسلاما. تحية احترام وإكرام، وسلام أمان من كل مكروه. 4- بيان نهاية الموقف باستقرار أهل النار من الكفار والفجار في النار، واستقرار أهل الجنة من المؤمنين الاتقياء الأبرار في الجنة دار الأبرار. 5- ختم كل عمل بالحمد فقد ابتدأ الله الخالق بالحمد فقال الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وختم بالحمد، وقيل الحمد لله رب العالمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَآءُوهَا} {أَبْوَابُهَا} {آيَاتِ} {ٱلْكَافِرِينَ} (71) - وَيُسَاقُ الذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ جَمَاعَاتٍ (زُمَراً) سَوْقاً عَنِيفاً بِزَجْرٍ وَتَهْدِيدٍ، وَحِينَمَا يَصِلُونَ إِلَيها، تَفْتَحُ لَهُمْ جَهَنَّمُ أَبْوَابَهَا، وَيَقُولُ لَهُمْ حُرَاسُ جَهَنَّمَ (خَزَنَتُهَا): أَلَمْ يَأْتِكُم فِي الدُّنْيَا رُسُلٌ مِن جِنْسِكُمْ يُحَذِّرُونَكُمْ مِنَ هَوْلِ هَذَا اليَوْمِ؟ فَيُجِيبُونَ مَعْتَرِفِينَ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ لَقَدْ جَاءَهُمْ رُسُلٌ مِنْ رَبِّهِمْ، وَدَعَوْهُم إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ والإِقْلاَعِ عَنِ الكُفْرِ.. وََلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَخَالَفُوهُمْ، وَاسْتَهْزَؤُوا بِهِمْ لِمَا سََبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ والضَّلاَلَةِ، فَعَدَلُوا بِسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ عَنِ الحَقِّ إِلَى البَاطِلِ فَاسْتَحَقُّوا هَذَا المَصِيرَ. زُمَراً - جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةً مُتَتَابِعَةً. حَقَّتْ - وَجَبَتْ وَثَبَتَتْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ هنا أن الفعل (وَسِيقَ) جاء مبنياً لما لم يُسمَّ فاعله، وفي موضع آخر قال تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق: 21] فمَن هو السائق؟ قالوا: هم الملائكة يسوقون أهل النار إلى جهنم والعياذ بالله، والسائق هو الذي يحثّ المسوق على الإسراع، كراكب الدابة الذي ينهرها ويحثُّها لتسرع به، كذلك تفعل الملائكة بالمجرمين وتحثهم إلى جهنم ليسرعوا إليها. وهذا يدل على أن الملائكة مغتاظون منهم، كارهون لهم، متضايقون من أعمالهم في الدنيا، لذلك يزجُّون بهم إلى جزائهم العادل في جهنم، بلا هوادة وبلا رحمة، أرأيتم رجال الشرطة حينما يمسكون بالمجرم ماذا يفعلون به؟ إنهم يضربونه ويُعذبونه ويهينونه لأنه عضو فاسد في المجتمع يريد الجميع التخلص منه، ومعلوم أن الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. والقرآن يصور هذا الموقف في آية أخرى، فيقول سبحانه: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} تفسير : [الطور: 13] يعني: يزجرونهم إليها ويدفعونهم فيها رغماً عنهم. ومعنى (زُمَراً) يعني: جماعات، فكل أصحاب مخالفة لمنهج الله معاً في جماعة، فالتاركون للصلاة جماعة، والتاركون للزكاة جماعة، والآكلون للربا جماعة وهكذا الظلمة والمرتشون والسارقون والزناة والمختلسون يجمع الله كل واحد منهم مع صاحبه، فيُحشرون معاً يتقدمهم كبيرهم. والفتوة فيهم كما قال سبحانه: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ..} تفسير : [الإسراء: 71] وقال سبحانه: {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} تفسير : [مريم: 69]. وقال في حق فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} تفسير : [هود: 98]. وكَوْن كبراء الضلال وقادة الكفر يتقدمون أتباعهم يدل ذلك على قطع أمل الآخرين في النجاة، فلو دخل التابع فلم يجد متبوعه لتعلق قلبه به، وظن أنه سيأتي ويُخلصه، لكن الحال أنه سيدخل فيجد أستاذه وقدوته في الضلال قد سبقه إلى جهنم. حتى إذا ما وصلوا إلى أبواب جهنم فتح لهم {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ..} [الزمر: 71] لأن باب الغضب (مش مفندق) بل مغلق يُفتح للضرورة، على خلاف باب الرحمة فهو مفتوح دائماً، وهذا من رحمة الله، لأن رحمة الله سبقتْ غضبه. وهذه النهاية لتي انتهى إليها أهل النار كُتبتْ عليهم، وعلمها الحق سبحانه من بداية الحياة، واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 105-108]. أولاً: لا بدَّ لفهم هذه الآية أن تعرف أولاً معنى الخلود: الخلود هو المكث الطويل، وهذا المكث سُمِّي خلوداً لأن له بداية وليس له نهاية، والكلام هنا عن الذين سُعِدوا وهم أهل الجنة، والذين شقوا وهم أهل النار، لكن الحق سبحانه استثنى من هؤلاء ومن هؤلاء، والذين استثناهم الله ستنقص مدة خلودهم، كيف؟ الكافر بعد أنْ حُوسب وسيق إلى جهنم تُفتح له ويظل خالداً فيها خلوداً كاملاً من البداية إلى ما لا نهاية، كذلك المؤمن الذي تداركته رحمة ربه بعد أنْ يُحاسب يُساق إلى الجنة فيظل فيها خلوداً كاملاً من البداية إلى ما لا نهاية. أما الاستثناء فللمؤمن العاصي الذي لم يَتُبْ عن معاصيه أو تاب ولم تُقبل توبته، هذا لا بدَّ أن يأخذ جزاء هذه المعاصي، وأنْ تناله لفحة من لفحات النار والعياذ بالله، هذا في البداية، فيدخل النار ما يشاء الله له ثم يُخرجه إلى الجنة وبذلك تكون فترة خلوده في الجنة نقصتْ عن إخوانه المؤمنين، والنقص هنا من البداية، كذلك نقص خلود في النار عن أهل النار الخالدين فيها. وقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ ..} [الزمر: 71] أي: خزنة النار قالوا لهم على سبيل التقريع والتوبيخ {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ..} [الزمر: 71] هذا الاستفهام ألزمهم الحجة وأفحمهم، فربهم عز وجل لم يأخذهم على غِرَّة، إنما أرسل لهم رسلاً، وهؤلاء الرسل (منكُمْ) من جنسكم ومن أوسطكم والأقرب إليكم لتسهل القدوة به. ومع هؤلاء الرسل حجج وبراهين ووَعْد ووعيد، لذلك لم يستطيعوا الإنكار {قَالُواْ بَلَىٰ ..} [الزمر: 71] يعني: حدث هذا، فأقرّوا على أنفسهم بإسقاط الحجة، وأن الله بعث لهم الرسل الذين أنذروهم هذا اليوم. إذن: الإنذارات التي تحدث للناس في حياتهم من تمام رحمة الله بالخلق، والإنذارات التي سبقت في الحياة بما سيكون بعدها من تمام رحمة الله بالخلق، أرأيتَ حين تُبصِّر ولدك بعاقبة الإهمال وتُخوِّفه من الرسوب آخر العام، فإنك تعينه على المذاكرة والاجتهاد حتى لا يلاقي العاقبة، وحتى لا يفاجأ بشيء غفل عنه. لذلك وقف المستشرقون عند سورة الرحمن وقالوا: قوله تعالى {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 14-25] قالوا: نعم هذه نِعَم يناسبها {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 25] لكن أيّ نعمة في قوله {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 35-36]. نعم الإنذار بالشر قبل أن يقع والتحذير منه قبل أوانه نعمة، بل من أعظم نِعم الله على الإنسان ليحتاط للأمر، فالتهديد والوعيد والتبصير والتخويف إنما لنحذر المخوف منه فلا نقع فيه. وقوله: {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [الزمر: 71] يعني: وجبتْ لهم رغم الإنذار والتبصير، والكلمة التي حقَّتْ هي قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة: 13] فماذا تنتظرون بعد ذلك؟ والعجيب أننا باختياراتنا الخائبة نساعد القدر ويمهد القدر لقدر. والكلمة قوْلٌ مفرد لا يؤدي إلا معنىً في ذاته، إنما لا يؤدي معنى إسنادياً، فكلمة السماء مثلاً لا تؤدي معنىً وحدها يحسنُ السكوت عليه، لكن حين تقول: السماء صافية تعطي معنى مفهوماً يحْسن السكوت عليه، قالوا: لكن قد تفيد الكلمة الواحدة، فلو قلت: مَنْ عندك؟ تقول: زيد. فأفادت: زيد عندي. ولولا تقدير كلمة عندي ما أفادتْ, فالكلمة - إذن - لا تؤدي معنىً يحسن السكوت عليه إلا بضميمة غيرها. وقد بيَّن علماء النحو ذلك حين قسَّموا الكلمة إلى اسم وفعل وحرف وكل منها تُسمَّى كلمة، والفرق بينها أن الاسم يعطي في ذاته معنىً مستقلاً بالفهم، والفعل يعطي معنىً في ذاته، لكنه مرتبط بزمن أو الزمن جزء منه، تقول: أكل أي في الماضي. يأكل في المضارع. وكُلْ في المستقبل، أما الحرف فهو لا يعطي معنى مستقلاً بالفهم، إنما لا بدَّ من ضميمة تبين معناه. وتطلق الكلمة ويُراد بها الكلام تقول: ألقيت كلمة في الحفل والمراد خطبة، وقد استخدم القرآنُ الكلمة بهذا المعنى في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ..} تفسير : [المؤمنون: 100] والمراد بالكلمة قوله: {أية : رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ..} تفسير : [المؤمنون: 99-100]. وكذلك هنا: {حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [الزمر: 71] الكلمة هي {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة: 13].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} معناه جماعاتٌ في تَفرقةٍ بعضُهم على إثر بعضٍ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعد ذلك {سِيقَ} سوق البهائم إلى المسلخ {ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ} بالإعراض عن الحق وأهله {إِلَىٰ جَهَنَّمَ} الطرد والخذلان {زُمَراً} فوجاً بعد فوج، وطائفة إثر طائفة {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا} يعني: جنهم {فُتِحَتْ} لهم {أَبْوَابُهَا} أي: أبواب النيران المعدة لأهل الكفر والطغيان على تفاوت طبقاتهم فيه، {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} حينئذ على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أيها الضالون المستحقون لهذا الوبال والنكال {رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي: من بني نوعكم مبعوثون إليكم من قبل الحق {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} أي: دلائل توحيده، وكمال قدرته على أنواع الإنعام والانتقام {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} أي: يخوفونكم عن لقاء هذا اليوم الذي تدخلون فيه النار بأنواع الخيبة والخسران؟. وبعدما سمعوا منهم ما سمعوا {قَالُواْ} متحسرين متأوهين: {بَلَىٰ} قد جاءت إلينا رسل ربنا بالحق، وتلوا علينا آياته المشتملة على أنواع الإنذار والنذير {وَلَـٰكِنْ} لم يفد بنا إنذارهم وتبشيرهم؛ إذ {حَقَّتْ} أي: صدرت وثبتت منه سبحانه في سباق قضائه وحضرة علمه حتماً {كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} وهي قوله: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119] {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [الزمر: 71] المعرضين عن الحق وآياته، وعن من بلغها إليهم بإذنه، لذلك أعرضنا عنها وعنهم، فوجبت لنا النار. وبالجملة: أتوا بالعذر وما ينفعهم بل {قِيلَ} لهم من قبل الحق: {ٱدْخُلُوۤاْ} أيها الضالون المجرمون {أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} أي: كل فرقة منهم بباب يخصها في سابق القضاء، وكونوا {خَالِدِينَ فِيهَا} لا نجاة لكم منها {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} [الزمر: 72] أي: الكافرين المستكبرين وأهله جهنم الخذلان وجحيم الحرمان والخسران، أعاذنا الله وعموم المؤمنين منها بفضله العظيم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى حكمه بين عباده، الذين جمعهم في خلقه ورزقه وتدبيره، واجتماعهم في الدنيا، واجتماعهم في موقف القيامة، فرقهم تعالى عند جزائهم، كما افترقوا في الدنيا بالإيمان والكفر، والتقوى والفجور، فقال: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ } أي: سوقا عنيفا، يضربون بالسياط الموجعة، من الزبانية الغلاظ الشداد، إلى شر محبس وأفظع موضع، وهي جهنم التي قد جمعت كل عذاب، وحضرها كل شقاء، وزال عنها كل سرور، كما قال تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } أي: يدفعون إليها دفعا، وذلك لامتناعهم من دخولها. ويساقون إليها { زُمَرًا } أي: فرقا متفرقة، كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها، وتشاكل سعيها، يلعن بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من بعض. { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا } أي: وصلوا إلى ساحتها { فُتِحَتْ } لهم أي: لأجلهم { أَبْوَابُهَا } لقدومهم وقِرًى لنزولهم. { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } مهنئين لهم بالشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي، وموبخين لهم على الأعمال التي أوصلتهم إلى هذا المحل الفظيع: { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } أي: من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم، وتتمكنون من التلقي عنهم؟. { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } التي أرسلهم اللّه بها، الدالة على الحق اليقين بأوضح البراهين. { وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } أي: وهذا يوجب عليكم اتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم، باستعمال تقواه، وقد كانت حالكم بخلاف هذه الحال؟ { قَالُوا } مقرين بذنبهم، وأن حجة اللّه قامت عليهم: { بَلَى } قد جاءتنا رسل ربنا بآياته وبيناته، وبينوا لنا غاية التبيين، وحذرونا من هذا اليوم. { وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } أي: بسبب كفرهم وجبت عليهم كلمة العذاب، التي هي لكل من كفر بآيات اللّه، وجحد ما جاءت به المرسلون، فاعترفوا بذنبهم وقيام الحجة عليهم. فـ { قِيلَ } لهم على وجه الإهانة والإذلال: { ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } كل طائفة تدخل من الباب الذي يناسبها ويوافق عملها. { خَالِدِينَ فِيهَا } أبدا، لا يظعنون عنها، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا ينظرون. { فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } أي: بئس المقر، النار مقرهم، وذلك لأنهم تكبروا على الحق، فجازاهم اللّه من جنس عملهم، بالإهانة والذل، والخزي. ثم قال عن أهل الجنة: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ } بتوحيده والعمل بطاعته، سوق إكرام وإعزاز، يحشرون وفدا على النجائب. { إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا } فرحين مستبشرين، كل زمرة مع الزمرة، التي تناسب عملها وتشاكله. { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا } أي: وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة والمنازل الأنيقة، وهبَّ عليهم ريحها ونسيمها، وآن خلودها ونعيمها. { وَفُتِحَتْ } لهم { أَبْوَابُهَا } فتح إكرام، لكرام الخلق، ليكرموا فيها. { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } تهنئة لهم وترحيبا: { سَلامٌ عَلَيْكُمْ } أي: سلام من كل آفة وشر حال.عليكم { طِبْتُمْ } أي: طابت قلوبكم بمعرفة اللّه ومحبته وخشيته، وألسنتكم بذكره، وجوارحكم بطاعته. { فـ } بسبب طيبكم { ادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } لأنها الدار الطيبة، ولا يليق بها إلا الطيبون. وقال في النار { فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } وفي الجنة { وَفُتِحَتْ } بالواو، إشارة إلى أن أهل النار، بمجرد وصولهم إليها، فتحت لهم أبوابها من غير إنظار ولا إمهال، وليكون فتحها في وجوههم، وعلى وصولهم، أعظم لحرها، وأشد لعذابها. وأما الجنة، فإنها الدار العالية الغالية، التي لا يوصل إليها ولا ينالها كل أحد، إلا من أتى بالوسائل الموصلة إليها، ومع ذلك، فيحتاجون لدخولها لشفاعة أكرم الشفعاء عليه، فلم تفتح لهم بمجرد ما وصلوا إليها، بل يستشفعون إلى اللّه بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، حتى يشفع، فيشفعه اللّه تعالى. وفي الآيات دليل على أن النار والجنة لهما أبواب تفتح وتغلق، وأن لكل منهما خزنة، وهما الداران الخالصتان، اللتان لا يدخل فيهما إلا من استحقهما، بخلاف سائر الأمكنة والدور. { وَقَالُوا } عند دخولهم فيها واستقرارهم، حامدين ربهم على ما أولاهم ومنَّ عليهم وهداهم: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } أي: وعدنا الجنة على ألسنة رسله، إن آمنا وصلحنا، فوفَّى لنا بما وعدنا، وأنجز لنا ما منَّانا. { وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ } أي: أرض الجنة { نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ } أي: ننزل منها أي مكان شئنا، ونتناول منها أي نعيم أردنا، ليس ممنوعا عنا شيء نريده. { فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } الذين اجتهدوا بطاعة ربهم، في زمن قليل منقطع، فنالوا بذلك خيرا عظيما باقيا مستمرا. وهذه الدار التي تستحق المدح على الحقيقة، التي يكرم اللّه فيها خواص خلقه، ورضيها الجواد الكريم لهم نزلا وبنى أعلاها وأحسنها، وغرسها بيده، وحشاها من رحمته وكرامته ما ببعضه يفرح الحزين، ويزول الكدر، ويتم الصفاء. { وَتَرَى الْمَلائِكَةَ } أيها الرائي ذلك اليوم العظيم { حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ } أي: قد قاموا في خدمة ربهم، واجتمعوا حول عرشه، خاضعين لجلاله، معترفين بكماله، مستغرقين بجماله. { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } أي: ينزهونه عن كل ما لا يليق بجلاله، مما نسب إليه المشركون وما لم ينسبوا. { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي: بين الأولين والآخرين من الخلق { بِالْحَقِّ } الذي لا اشتباه فيه ولا إنكار، ممن عليه الحق. { وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } لم يذكر القائل من هو، ليدل ذلك على أن جميع الخلق نطقوا بحمد ربهم وحكمته على ما قضى به على أهل الجنة وأهل النار، حمد فضل وإحسان، وحمد عدل وحكمة. تم تفسير سورة الزمر بحمد اللّه وعونه.