Verse. 4131 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَسِيْقَ الَّذِيْنَ اتَّقَوْا رَبَّہُمْ اِلَى الْجَنَّۃِ زُمَرًا۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَا جَاۗءُوْہَا وَفُتِحَتْ اَبْوَابُہَا وَقَالَ لَہُمْ خَزَنَـــتُہَا سَلٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوْہَا خٰلِدِيْنَ۝۷۳
Waseeqa allatheena ittaqaw rabbahum ila aljannati zumaran hatta itha jaooha wafutihat abwabuha waqala lahum khazanatuha salamun AAalaykum tibtum faodkhulooha khalideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وسيق الذين اتقوا ربهم» بلطف «إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءُوها وفتحت أبوابها» الواو فيه للحال بتقدير قد «وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم» حال «فادخلوها خالدين» مقدّرين الخلود فيها، وجواب إذا مقدر، أي دخولها وسوقهم وفتح الأبواب قبل مجيئهم تكرمة لهم، وسوق الكفار وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرها إليهم إهانة لهم.

73

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب في الآية المتقدمة، شرح أحوال أهل الثواب في هذه الآية، فقال: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } فإن قيل السوق في أهل النار للعذاب معقول، لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب والشقاوة لا بدّ وأن يساقوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع الكرامة والراحة والسعادة، فأي حاجة فيه إلى السوق؟ والجواب من وجوه الأول: أن المحبة والصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم إذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب، فحينئذٍ يجتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة والثاني: أن الذين اتقوا ربهم قد عبدوا الله تعالى لا للجنة ولا للنار، فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال الجمال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أكثر أهل الجنة البله وعليون للأبرار» تفسير : فلهذا السبب يساقون إلى الجنة والرابع: أن أهل الجنة وأهل النار يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسير إذ سيق إلى الحبس والقيد، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على الملوك، فشتان ما بين السوقين. ثم قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } الآية، واعلم أن جملة هذا الكلام شرط واحد مركب من قيود: القيد الأول: هو مجيئهم إلى الجنة والقيد الثاني: قوله تعالى: {وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } فإن قيل قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو، وقال ههنا بالواو فما الفرق؟ قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على وصولهم إليها بدليل قوله {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } تفسير : [ص: 50] فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها. القيد الثالث: قوله {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } فبيّـن تعالى أن خزنة الجنة يذكرون لأهل الثواب هذه الكلمات الثلاث فأولها: قولهم {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } وهذا يدل على أنهم يبشرونهم بالسلامة من كل الآفات وثانيها: قولهم {طِبْتُمْ } والمعنى طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا وثالها: قولهم {فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } والفاء في قوله {فَٱدْخُلُوهَا } يدل على كون ذلك الدخول معللاً بالطيب والطهارة، قالت المعتزلة هذا يدل على أن أحداً لا يدخلها إلا إذا كان طاهراً عن كل المعاصي، قلنا هذا ضعيف لأنه تعالى يبدل سيئاتهم حسنات، وحينئذٍ يصيرون طيبين طاهرين بفضل الله تعالى، فإن قيل فهذا الذي تقدم ذكره هو الشرط فأين الجواب؟ قلنا فيه وجهان الأول: أن الجواب محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني: أن الجواب هو قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ } والواو محذوف، والصحيح هو الأول، ثم أخبر الله تعالى بأن الملائكة إذا خاطبوا المتقين بهذه الكلمات، قال المتقون عند ذلك {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } في قوله {أية : أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } تفسير : [فصلت: 30] {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } والمراد بالأرض أرض الجنة، وإنما عبر عنه بالإرث لوجوه الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام، لأنه تعالى قال: {أية : وكلا منها رغداً حيث شئتما} تفسير : [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً لتسميتها بالإرث الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا أورث كذا وهذا العمل أورث كذا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنة، لا جرم قالوا {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أورثت الجنة الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كما يشاء من غير منازع ولا مدافع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة كيف شاءوا وأرادوا، والمشابهة علة حسن المجاز فإن قيل ما معنى قوله {حَيْثُ نَشَاء } وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلنا يكون لكل أحد جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره، قال حكماء الإسلام: الجنات نوعان، الجنات الجسمانية والجنات الروحانية فالجنات الجسمانية لا تحتمل المشاركة فيها، أما الروحانيات فحصولها لواحد لا يمنع من حصولها للآخرين، ولما بيّـن الله تعالى صفة أهل الجنة قال: {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } قال مقاتل ليس هذا من كلام أهل الجنة، بل من كلام الله تعالى لأنه لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } ولما قال تعالى: {وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } ذكر عقيبه ثواب الملائكة فقال كما أن دار ثواب المتقين المؤمنين هي الجنة، فكذلك دار ثواب الملائكة جوانب العرش وأطرافه، فلهذا قال: {وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } أي محفين بالعرش. قال الليث: يقال حف القوم بسيدهم يحفون حفاً إذا طافوا به. إذا عرفت هذا، فنقول بيّـن تعالى أن دار ثوابهم هو جوانب العرش وأطرافه ثم قال: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } وهذا مشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التحميد والتسبيح، وحينئذٍ رجع حاصل الكلام إلى أن أعظم درجات الثواب استغراق قلوب العباد في درجات التنزيه ومنازل التقديس. ثم قال: {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقّ } والمعنى أنهم على درجات مختلفة ومراتب متفاوتة، فلكل واحد منهم في درجات المعرفة والطاعة حد محدود لا يتجاوزه ولا يتعداه، وهو المراد من قوله {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي الملائكة لما قضي بينهم بالحق قالوا الحمد لله ربّ العالمين على قضائه بيننا بالحق، وههنا دقيقة أعلى مما سبق وهي أنه سبحانه لما قضى بينهم بالحق، فهم ما حمدوه لأجل ذلك القضاء، بل حمدوه بصفته الواجبة وهي كونه رباً للعالمين، فإن من حمد المنعم لأجل أن إنعامه وصل إليه فهو في الحقيقة ما حمد المنعم وإنما حمد الإنعام، وأما من حمد المنعم لا لأنه وصل إليه النعمة فههنا قد وصل إلى لجة بحر التوحيد، هذا إذا قلنا إن قوله {وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } شرح أحوال الملائكة في الثواب، أما إذا قلنا إنه من بقية شرح ثواب المؤمنين، فتقريره أن يقال إن المتقين لما قالوا {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء } فقد ظهر منهم أنهم في الجنة اشتغلوا بحمد الله وبذكره بالمدح والثناء، فبيّن تعالى أنه كما أن حرفة المتقين في الجنة الاشتغال بهذا التحميد والتمجيد، فكذلك حرفة الملائكة الذين هم حافون حول العرش الاشتغال بالتحميد والتسبيح، ثم إن جوانب العرش ملاصقة لجوانب الجنة، وحينئذ يظهر منه أن المؤمنين المتقين وأن الملائكة المقربين يصيرون متوافقين على الاستغراق في تحميد الله وتسبيحه، فكان ذلك سبباً لمزيد التذاذهم بذلك التسبيح والتحميد. ثم قال: {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقّ } أي بين البشر، ثم قال: {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } والمعنى أنهم يقدمون التسبيح، والمراد منه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بالإلهية. وأما قوله تعالى: {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فالمراد وصفه بصفات الإلهية، فالتسبيح عبارة عن الاعتراف بتنزيهه عن كل ما لا يليق به وهو صفات الجلال، وقوله {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } عبارة عن الإقرار بكونه موصوفاً بصفات الإلهية وهي صفات الإكرام، ومجموعهما هو المذكور في قوله {أية : تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلإكْرَامِ } تفسير : [الرحمن: 78] وهو الذي كانت الملائكة يذكرونه قبل خلق العالم وهو قولهم {أية : وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } تفسير : [البقرة: 30] وفي قوله {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } دقيقة أخرى وهي أنه لم يبين أن ذلك القائل من هو، والمقصود من هذا الإبهام التنبيه، على أن خاتمة كلام العقلاء في الثناء على حضرة الجلال والكبرياء ليس إلا أن يقولوا {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وتأكد هذا بقوله تعالى في صفة أهل الجنة {أية : دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } تفسير : [يونس: 10].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى الله تعالى وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين: {وَسِيقَ} بلفظ واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان؛ لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} قيل: الواو هنا للعطف عطف على جملة والجواب محذوف. قال المبرد: أي سعدوا وفتحت، وحذف الجواب بليغ في كلام العرب. وأنشد:شعر : فلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعةً ولكِنّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا تفسير : فحذف جواب لو والتقدير لكان أروح. وقال الزجاج: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا} دخلوها وهو قريب من الأول. وقيل: الواو زائدة. قاله الكوفيون وهو خطأ عند البصريين. وقد قيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله تعالى، والتقدير حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتحة، بدليل قوله: {أية : جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ }تفسير : [صۤ: 50] وحذف الواو في قصة أهل النار؛ لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد وقوفهم إذلالاً وترويعاً لهم. ذكره المهدوي وحكى معناه النحاس قبله. قال النحاس: فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من الأول، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بقول لا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وهو أنه لما قال الله عز وجل في أهل النار: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} دلّ بهذا على أنها كانت مغلقة ولما قال في أهل الجنة: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} دلّ بهذا على أنها كانت مفتحة قبل أن يجيئوها؛ والله أعلم. وقيل: إنها واو الثمانية. وذلك من عادة قريش أنهم يعدون من الواحد فيقولون خمسة ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا وثمانية. قاله أبو بكر بن عياش. قال الله تعالى: {أية : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ}تفسير : [الحاقة: 7] وقال: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} ثم قال في الثامن: {أية : وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} تفسير : [التوبة: 112] وقال: {أية : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22] وقال: {أية : ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} تفسير : [التحريم: 5] وقد مضى القول في هذا في «براءة» مستوفى وفي «الكهف» أيضاً. قلت: وقد استدل بهذا من قال إن أبواب الجنة ثمانية؛ وذكروا حديث عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما منكم من أحد يتوضأ فَيُبْلغ ـ أو فَيُسْبِغ الوضوء ـ ثم قال أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» تفسير : خرجه مسلم وغيره. وقد خرج الترمذي حديث عمر هذا وقال فيه: «حديث : فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة» تفسير : بزيادة مِن، وهو يدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية. وقد ذكرنا ذلك في كتاب «التذكرة» وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر باباً، وذكرنا هناك عظم أبوابها وسعتها حسب ما ورد في الحديث من ذلك، فمن أراده وقف عليه هناك. {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} قيل: الواو ملغاة تقديره حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها {قَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا}. {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ} أي في الدنيا. قال مجاهد: بطاعة الله. وقيل: بالعمل الصالح. حكاه النقاش والمعنى واحد. وقال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حُبِسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقَصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا وطُيِّبوا قال لهم رضوان وأصحابه: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} بمعنى التحية {طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}. قلت: خرج البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَخْلُص المؤمنون من النار فيُحبَسون على قنطرة بين الجنة والنار فيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا»تفسير : وحكى النقاش: إن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان يشرب المؤمنون من إحداهما فتطهر أجوافهم وذلك قوله تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب أبشارهم فعندها يقول لهم خزنتها: {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} وهذا يروى معناه عن عليّ رضي الله عنه. {وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} أي إذا دخلوا الجنة قالوا هذا. {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} أي أرض الجنة. قيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت تكون لأهل النار لو كانوا مؤمنين؛ قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسّدي وأكثر المفسرين وقيل: إنها أرض الدنيا على التقديم والتأخير. قوله تعالى: {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} قيل: هو من قولهم أي نعم الثواب هذا. وقيل: هو من قول الله تعالى؛ أي نعم ثواب المحسنين هذا الذي أعطيتهم. قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ} يا محمد {حَآفِّينَ} أي محدِقين {مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} في ذلك اليوم {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} متلذذين بذلك لا متعبدين به؛ أي يصلّون حول العرش شكراً لربهم. والحافون أخذ من حافات الشيء ونواحيه. قال الأخفش: واحدهم حاف. وقال الفرّاء: لا واحد له إذ لا يقع لهم الاسم إلا مجتمعين. ودخلت «مِن» على «حَوْل» لأنه ظرف والفعل يتعدّى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. وقال الأخفش: «مِنْ» زائدة أي حافّين حول العرش. وهو كقولك: ما جاءني من أحد، فمن توكيد. الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحياناً في التسبيح وتحذفها أحياناً، فيقولون: سبح بحمد ربك، وسبح حمداً لله؛ قال الله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1] وقال: {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الواقعة: 74]. {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} بين أهل الجنة والنار. وقيل: قضي بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء وبين أممهم بالحق والعدل. {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي يقول المؤمنون الحمد لله على ما أثابنا من نعمه وإحسانه ونصرنا على من ظلمنا. وقال قتادة في هذه الآية: افتتح الله أول الخلق بالحمد لله، فقال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فلزم الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده. وقيل: إن قول {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} من قول الملائكة فعلى هذا يكون حمدهم لله تعالى على عدله وقضائه. ورُوِيَ من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر آخر سورة «الزمر» فتحرك المنبر مرتين. تم تفسير سورة «الزمر»

ابن كثير

تفسير : وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين، حيث يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة زمراً، أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة يناسب بعضها بعضاً، {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا} أي: وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة. وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة، تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول، فيقصدون آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمداً صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين؛ كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله عز وجل أن يأتي لفصل القضاء؛ ليظهر شرف محمد صلى الله عليه وسلم على سائر البشر في المواطن كلها. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنا أول شفيع في الجنة» تفسير : وفي لفظ لمسلم: «حديث : وأنا أول من يقرع باب الجنة»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد ــــ قال ــــ فيقول: بك أمرت أن لا افتح لأحد قبلك» تفسير : ورواه مسلم عن عمرو بن محمد الناقد وزهير بن حرب، كلاهما عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان، وهو ابن المغيرة القيسي، عن ثابت عن أنس رضي الله عنه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله تعالى بكرة وعشياً» تفسير : ورواه البخاري عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك. ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، كلاهما عن معمر بإسناده نحوه. وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب درّي في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب والفضة، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء» تفسير : وأخرجاه أيضاً من حديث جرير. وقال الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» تفسير : فقام عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «حديث : اللهم اجعله منهم» تفسير : ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : سبقك بها عكاشة» تفسير : أخرجاه. وقد روى هذا الحديث ــــ في السبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ــــ البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وابن مسعود ورفاعة بن عرابة الجهني وأم قيس بنت محصن رضي الله عنهم، ولهما عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً، أو سبعمئة ألفٍ، آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر»تفسير : . وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً، لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل» تفسير : وكذا رواه الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر عن أبي اليمان عامر بن عبد الله بن لحيّ عن أبي أمامة. ورواه الطبراني عن عتبة بن عبد السلمي: «حديث : ثم مع كل ألف سبعين ألفاً» تفسير : ويروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري، وله شواهد من وجوه كثيرة. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ} لم يذكر الجواب ههنا، وتقديره: حتى إذا جاؤوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكراماً وتعظيماً، وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء، لا كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب والتأنيب، فتقديره: إذا كان هذا، سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم، وإذا حذف الجواب ههنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل، ومن زعم أن الواو في قوله تبارك وتعالى: {وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا} واو الثمانية، واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى، دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان» تفسير : فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله ما على أحد من ضرورة دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم، وأرجو أن تكون منهم» تفسير : رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه، وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل ابن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون» تفسير : وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» تفسير : وقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر ابن حوشب عن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مفتاح الجنة لا إله إلا الله»تفسير : ذكر سعة أبواب الجنة - نسأل الله من فضله العظيم أن يجعلنا من أهلها وفي الصحيحين من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل: «حديث : فيقول الله تعالى: يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخر، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر ــــ أو هجر ومكة ــــ وفي رواية ــــ مكة وبصرى» تفسير : وفي صحيح مسلم عن عتبة بن غزوان: أنه خطبهم خطبة فقال فيها: ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام. وفي المسند عن حكيم بن معاوية عن أبيه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، وقال عبد بن حميد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة»تفسير : . وقوله تبارك وتعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ} أي: طابت أعمالكم وأقوالكم، وطاب سعيكم، وطاب جزاؤكم؛ كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادي بين المسلمين في بعض الغزوات: «حديث : إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ــــ وفي رواية ــــ مؤمنة» تفسير : وقوله: {فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ} أي: ماكثين فيها أبداً، لا يبغون عنها حولاً {وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ} أي: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر والعطاء العظيم والنعيم المقيم والملك الكبير، يقولون عند ذلك: {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ} أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام؛ كما دعوا في الدنيا {أية : رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تفسير : [آل عمران: 194] {أية : وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 43] {أية : وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٱلَّذِىۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } تفسير : [فاطر: 34 ــــ 35] وقوله: {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ}. قال أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وابن زيد: أي: أرض الجنة، فهذه الآية كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105] ولهذا قالوا: {نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} أي: أين شئنا حللنا، فنعم الأجر أجرنا على عملنا. وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس رضي الله عنه في قصة المعراج قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك»تفسير : وقال عبد الرحمن بن حميد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ابن صائد عن تربة الجنة، فقال: درمكة بيضاء مسك خالص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : صدق» تفسير : وكذا رواه مسلم من حديث أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه به، ورواه مسلم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: إن ابن صائد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تربة الجنة، فقال: «حديث : درمكة بيضاء مسك خالص»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} قال: سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة، فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم تغير أبشارهم بعدها أبداً، ولم تشعث أشعارهم أبداً بعدها، كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى الأخرى، كأنما أمروا بها، فشربوا منها، فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى، وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ} وتلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به، فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة، أبشر قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قال: وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول: هذا فلان، باسمه في الدنيا، فيقلن: أنت رأيته؟ فيقول: نعم، فيستخفهن الفرح حتى تخرج إلى أسكفة الباب، قال: فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة، وأكواب موضوعة، وزرابي مبثوثة، قال: ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض، ومن كل لون، ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله تعالى قدره له، لألم أن يذهب ببصره، إنه لمثل البرق، ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين، ثم يتكىء على أريكة من أرائكه، ثم يقول: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف: 43]. ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن علياً رضي الله عنه كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم، يستقبلون ــــ أو يؤتون ــــ بنوق لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون ــــ أو فيأتون ــــ باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فيسمع لها طنين يا علي فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه، خرّ له ــــ قال مسلمة: أراه قال ساجداً ــــ فيقول: ارفع رأسك؛ فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر الياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي وأنا حِبّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مئة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق أصفر وأخضر وأحمر، ليس فيها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد: «أنهار من ماء غير آسن» ــــ قال: صاف لا كدر فيه ــــ «وأنهار من لبن لم يتغير طعمه» ــــ قال: لم يخرج من ضروع الماشية ــــ «وأنهار من خمرة لذة للشاربين» ــــ قال: لم تعصرها الرجال بأقدامهم ــــ «وأنهار من عسل مصفى» ــــ قال: لم يخرج من بطون النحل، يستجني الثمار، فإن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً، وإن شاء متكئاً ــــ ثم تلا: { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} فيشتهي الطعام، فيأتيه طير أبيض، قال: وربما قال: أخضر، قال: فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم يطير فيذهب، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون. ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت في الأرض، لأضاءت الشمس معها سواداً في نور» تفسير : هذا حديث غريب وكأنه مرسل، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ } بلطف {إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } الواو فيه للحال بتقدير قد {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ } حال {فَٱدْخُلُوهَا خَٰلِدِينَ } مقدّرين الخلود فيها، وجواب إذا مقدّر أي دخلوها، وسَوْقهم وفتح الأبواب قبل مجيئهم تكريم لهم، وسوق الكفار وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرّها إليهم إهانة لهم.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر فيما تقدّم حال الذين كفروا، وسوقهم إلى جهنم، ذكر هنا حال المتقين، وسوقهم إلى الجنة، فقال: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } أي: ساقتهم الملائكة سوق إعزاز، وتشريف، وتكريم. وقد سبق بيان معنى الزمر {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } جواب إذا محذوف. قال المبرد تقديره: سعدوا، وفتحت، وأنشد قول الشاعر:شعر : فلو أنها نفس تموت جميعة ولكنها نفس تساقط أنفسا تفسير : فحذف جواب لو، والتقدير: لكان أروح. وقال الزجاج: القول عندي: أن الجواب محذوف على تقدير: حتى إذا جاءوها، وكانت هذه الأشياء التي ذكرت دخلوها، فالجواب دخولها، وحذف؛ لأن في الكلام دليلاً عليه. وقال الأخفش، والكوفيون: الجواب {فتحت}، والواو زائدة، وهو خطأ عند البصريين، لأن الواو من حروف المعاني، فلا تزاد. قيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله، والتقدير: حتى إذا جاءوها، وأبوابها مفتحة بدليل قوله: {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلاْبْوَابُ } تفسير : [صۤ: 50]، وحذفت الواو في قصة أهل النار، لأنهم وقفوا على النار، وفتحت بعد وقوفهم إذلالاً، وترويعاً. ذكر معناه النحاس منسوباً إلى بعض أهل العلم، قال: ولا أعلم أنه سبقه إليه أحد. وعلى هذا القول تكون الواو واو الحال بتقدير قد، أي: جاءوها، وقد فتحت لهم الأبواب. وقيل: إنها واو الثمانية، وذلك أن من عادة العرب أنهم كانوا يقولون في العدد: خمسة ستة سبعة، وثمانية، وقد مضى القول في هذا في سورة براءة مستوفى، وفي سورة الكهف أيضاً. ثم أخبر سبحانه: أن خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين، فقال: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ } أي: سلامة لكم من كلّ آفة {طِبْتُمْ } في الدنيا، فلم تتدنسوا بالشرك، والمعاصي. قال مجاهد: طبتم بطاعة الله، وقيل: بالعمل الصالح، والمعنى واحد. قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة، والنار، فيقتصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم حتى إذا هذبوا، وطيبوا قال لهم رضوان، وأصحابه: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } الآية {فَٱدْخُلُوهَا } أي: ادخلوا الجنة {خَـٰلِدِينَ } أي: مقدّرين الخلود، فعند ذلك قال أهل الجنة: {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } بالبعث، والثواب بالجنة {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } أي: أرض الجنة كأنها صارت من غيرهم إليهم، فملكوها، وتصرفوا فيها. وقيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين. قاله أكثر المفسرين. وقيل: إنها أرض الدنيا، وفي الكلام تقديم، وتأخير {نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء } أي: نتخذ فيها من المنازل ما نشاء حيث نشاء {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } المخصوص بالمدح محذوف، أي: فنعم أجر العاملين الجنة، وهذا من تمام قول أهل الجنة. وقيل: هو من قول الله سبحانه: {وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } أي: محيطين محدقين به، يقال: حفّ القوم بفلان إذا أطافوا به، و «من» مزيدة. قاله الأخفش، أو للابتداء، والمعنى: أن الرائي يراهم بهذه الصفة في ذلك اليوم، وجملة: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } في محل نصب على الحال، أي: حال كونهم مسبحين لله ملتبسين بحمده. وقيل: معنى يسبحون: يصلون حول العرش شكراً لربهم، والحافين جمع حافّ، قاله الأخفش. وقال الفراء: لا واحد له إذ لا يقع لهم هذا الاسم إلا مجتمعين {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقّ } أي: بين العباد بإدخال بعضهم الجنة، وبعضهم النار، وقيل: بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء، وبين أممهم بالحق. وقيل: بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب درجاتهم، والأوّل أولى. {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } القائلون هم: المؤمنون حمدوا الله على قضائه بينهم، وبين أهل النار بالحق. وقيل: القائلون هم: الملائكة حمدوا الله تعالى على عدله في الحكم، وقضائه بين عباده بالحقّ. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشدّ كوكب درّيّ في السماء إضاءة»تفسير : وأخرجا، وغيرهما عن سهل بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى باب: الريان لا يدخله إلا الصائمون»تفسير : وقد ورد في كون أبواب الجنة ثمانية أبواب أحاديث في الصحيحين، وغيرهما. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } قال: أرض الجنة. وأخرج هناد عن أبي العالية مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {سلام عليكم طبتم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: طبتم بطاعة الله قاله مجاهد. الثاني: طبتم بالعمل الصالح، قاله النقاش. الثالث: ما حكاه مقاتل أن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان يشرب المؤمنون من إحداهما فتطهر أجوافهم فذلك قوله {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب أبشارهم، فعندها يقول لهم خزنتها: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} فإذا دخلوها قالوا {الحمد لله الذي صدقنا وعده}. وفي معنى طبتم ثلاثة أوجه: أحدها: نعمتم، قاله الضحاك. الثاني: كرمتم، قاله ثعلب. الثالث: زكوتم، قاله الفراء وابن عيسى. {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده} وعده في الدنيا بما نزل به القرآن، وفيه وجهان: أحدهما: أنه وعده بالجنة في الآخرة ثواباً على الإيمان. الثاني: أنه وعده في الدنيا بظهور دينه على الأديان، وفي الآخرة بالجزاء على الإيمان. {وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاءُ} وفي هذه الأرض قولان: أحدهما: أرض الجنة، قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وأكثر المفسرين. الثاني: أرض الدنيا. فإن قيل إنها أرض الجنة ففي تسميتها ميراثاً وجهان: أحدهما: لأنها صارت إليهم في آخر الأمر كالميراث. الثاني:لأنهم ورثوها من أهل النار، وتكون هذه الأرض من جملة الجزاء والثواب، والجنة في أرضها كالبلاد في أرض الدنيا لوقوع التشابه بينهما قضاء بالشاهد على الغائب. {نتبوأ من الجنة حيث نشآء} يعني منازلهم التي جوزوا بها، لأنهم مصروفون عن إرادة غيرها. وفي تأويل قوله {حيث نشاء} وجهان: أحدهما: حيث نشاء من منزلة وعلو. الثاني: حيث نشاء من منازل ومنازه، فإن قيل إنها أرض الدنيا فهي من النعم دون الجزاء. ويحتمل تأويله وجهين: أحدهما: أورثنا الأرض بجهادنا نتبوأ من الجنة حيث نشاء بثوابنا. الثاني: وأورثنا الأرض بطاعة أهلها لنا نتبوأ من الجنة حيث نشاء بطاعتنا له لأنهم أطاعوا فأطيعوا. {فنعم أجر العاملين} يحتمل وجهين: أحدهما: فنعم أجر العاملين في الدنيا الجنة في الآخرة. الثاني: فنعم أجر من أطاع أن يطاع.

ابن عطية

تفسير : قوله: {الذين اتقوا ربهم} لفظ يعم كل من يدخل الجنة من المؤمنين الذين اتقوا الشرك، لأن الذين لم يتقوا المعاصي قد يساق منهم زمر وهم الذين سبق لهم أن يغفر الله لهم من أهل المشيئة، وأيضاً فالذين يدخلون النار ثم يخرجون منها قد يساقون زمراً إلى الجنة بعد ذلك فيصيرون من أهل هذه الآية، والواو في قوله: {وفتحت} مؤذنة بأنها قد فتحت قبل وصولهم إليها، وقد قالت فرقة: هي زائدة. وجواب {إذا}، {فتحت}، وقال الزجاج عن المبرد: جواب {إذا} محذوف، تقديره بعد قوله: {خالدين} فيها سعدوا. وقال الخليل: الجواب محذوف تقديره: حتى جاؤوها وفتحت أبوابها، وهذا كما قدر الخليل قول الله تعالى: {أية : فلما أسلما وتله للجبين} تفسير : [الصافات: 103] وكما قدر أيضاً قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى تفسير : أي أجزنا وانتحى. وقال قوم: أشار إليهم ابن الأنباري وضعف قولهم:هذه واو الثمانية مستوعباً في سورة الكهف، وسقطت هذه الواو في مصحف ابن مسعود فهي كالأولى. و {سلام عليكم} تحية. ويحتمل أن يريد أنهم قالوا لهم سلام عليكم وأمنة لكم. و: {طبتم} معناه: أعمالاً ومعتقداً ومستقراً وجزاء. وقوله تعالى حكاية عنهم: {وأورثنا الأرض} يريد أرض الجنة، قاله قتادة وابن زيد والسدي والوراثة هنا مستعارة، لأن حقيقة الميراث أن يكون تصيير شيء إلى إنسان بعد موت إنسان، وهؤلاء إنما ورثوا مواضع أهل النار أن لو كانوا مؤمنين. و: {نتبوأ} معناه: نتخذ أمكنة ومساكن. ثم وصف حالة الملائكة من العرش وحفوفهم به، وقال قوم: واحد {حافين} حاف. وقالت فرقة: لا واحد لقوله: {حافين} لأن الواحد لا يكون حافاً، إذ الحفوف الإحداق بالشيء، وهذه اللفظة مأخوذة من الحفاف وهو الجانب، ومنه قول الشاعر [ابن هرمة]: [الطويل] شعر : له لحظات عن حفافي سريره إذا كرها فيها عقاب ونائل تفسير : أي عن جانبيه. وقالت فرقة: {من} في قوله: {من حول} زائدة، والصواب أنها لابتداء الغاية. وقوله: {يسبحون بحمد ربهم} قالت فرقة: معناه: أن تسبيحهم يتأتى بحمد الله وفضله. وقالت فرقة: تسبيحهم هو بترديد حمد الله وتكراره. قال الثعلبي: متلذذين لا متعبدين ولا مكلفين. وقوله: {وقيل الحمد لله رب العالمين} ختم للأمر، وقول جزم عند فصل القضاء، أي إن هذا الحاكم العدل ينبغي أن يحمد عند نفوذ حكمه وإكمال قضائه، ومن هذه الآية جعلت {الحمد لله رب العالمين} خاتمة المجالس والمجتمعات في العلم. وقال قتادة: فتح الله أول الخلق بالحمد، فقال: {أية : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} تفسير : [الأنعام: 1] وختم القيامة بالحمد في هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وجعل الله {أية : الحمد لله رب العالمين} تفسير : [الفاتحة: 1] فاتحة كتابه، فبه يبدأ كل أمر وبه يختم، وحمد الله تعالى وتقديسه ينبغي أن يكون من المؤمن كما قال الشاعر: [الطويل] شعر : وآخر شيء أنت في كل ضجعة وأول شيء أنت عند هبوبي

ابن عبد السلام

تفسير : {طِبْتُمْ} بالطاعة، أو بالعمل الصالح، أو على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان يشربون من إحداهما فتطهر أجوافهم ويشربون من الأخرى فتطيب أبشارهم فحينئذ يقول {خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} فإذا دخلوها قالوا {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ} بالجنة ثواباً على الإيمان، أو بظهور دينه على الأديان وبالجزاء في الآخرة على الإيمان. {وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ} أرض الدنيا، أو أرض الجنة عند الأكثرين سماها ميراثاً لأنها صارت إليهم في آخر الأمر كالميراث، أو لأنهم ورثوها عن أهل النار {نَتَبَوَّأُ} ننزل {حَيْثُ نَشَآءُ} من قرار أو علوا، أو من منازل، أو مَنَازِه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ}: لَفْظٌ يعمُّ كُلَّ مَنْ يدخلُ الجنةَ من المؤمنينَ الذين ٱتَّقَوُا الشِّرْكَ، والواو في قوله: {وَفُتِحَتْ} مؤذِنَةٌ بأنها قَدْ فتحت قبل وصولهِم إليها، وقالتْ فِرْقَةٌ: هي زائدةٌ وقالَ قَوْمٌ: أشَارَ إلَيْهِمُ ابن الأنباريِّ، وضَعَّفَ قولَهُم: هذه واو الثمانيةِ، وقد تقدَّم الكلامُ عليها، وجَوابُ «إذا» فُتِحَتْ، وعَنِ المُبَرِّدِ: جوابُ «إذا» محذوفٌ، تقديره بعد قوله: {خَـٰلِدِينَ}: سُعِدُوا وسقطَتْ هذه الواوُ في مصحف ابن مسعود، {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ} تحيةٌ، و{طِبْتُمْ} معناه: أعمالاً ومُعْتَقَداً وَمُسْتَقَرّاً وجَزَاءً، {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} يُريدُ: أرْضَ الجَنَّةِ، و{نَتَبَوَّأُ} معناه: نتخذ أَمْكِنَةٌ ومَسَاكِنَ، ثم وَصَفَ تعالَىٰ حَالَةَ الملائِكَةِ مِنَ العَرْشِ وَحُفُوفَهُمْ به والحفُوفُ الإحْدَاقُ بالشَّيْءِ، وهذه اللفظة مأخوذةٌ من الحِفَافِ، وهو الجانبُ، قال ابن المبارِك في «رقائقه»: أخبرنا مَعْمَرٌ عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمْرَةَ عن علي؛ أنه تلا هذه الآية: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا} قال: وَجَدُوا عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ شَجَرَةً يخرجُ مِنْ ساقها عَيْنَانِ، فَعَمَدُوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها، فاغْتَسَلُوا بها، فَلَمْ تَشْعَثْ رُؤُوسُهم بَعْدَها أبداً، ولم تَتَغَيَّرْ جُلُودُهُمْ بَعْدَهَا أبداً كأنما دُهِنُوا بِالدُّهْنِ، ثم عمدوا إلى الأخرَىٰ، فَشَرِبُوا مِنْهَا، فَطَهُرَتْ أجوافُهم، وغَسَلَتْ كُلَّ قَذِرٍ فيها، وَتَتَلَقَّاهُمْ عَلَىٰ كلِّ بَابٍ مِنْ أبوابِ الجَنَّةِ ملائكةٌ: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ}، ثم تتلقَّاهم الوِلْدَانُ يُطِيفُونَ بهم كما يُطِيفُ وِلْدَانُ الدُّنْيا بالحَمِيمِ، يجيءُ من الغَيْبَةِ يقولونَ: أَبْشِرْ، أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ كَذَا وَكَذَا، وأَعَدَّ اللَّهُ لَكَ كَذَا، ثم يَذْهَبُ الغُلاَمُ مِنْهُمْ إلى الزَّوْجَةِ مِنْ أزْوَاجِهِ، فيقولُ: قَدْ جَاءَ فُلاَنٌ بِٱسْمِهِ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي به في الدنيا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَيَسْتَخِفُّها الفَرَحُ حَتَّىٰ تَقُومَ عَلَىٰ أُسْكُفَّةِ بَابِها، ثم ترجِعُ، فيجيءُ، فَيَنْظُرُ إلَىٰ تَأْسِيسِ بنيانِهِ من جَنْدَلِ اللؤلؤ أخضَرَ وأصْفَر وأحْمَر؛ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ ثم يجلسُ فينظُرُ؛ فإذا زَرَابِيُّ مبثُوثَةٌ، وأكوابٌ موضوعَةٌ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ـــ فَلَوْلاَ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ، لأَذْهَبَ بَصَرَهُ ـــ إنَّما هُوَ مِثْلُ البَرْقِ؛ ثم يقول: الحمدُ لِلَّهِ الذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، انتهى. وقوله تعالى: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} قَالَتْ فرقَةٌ معناه: أَنَّ تَسْبِيحَهُمْ يَتَأَتَّىٰ بِحَمْدِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ، وقالَتْ فرقةٌ: تسبيحُهُمْ هُوَ بتردِيدِ حَمْدِ اللَّهِ، وتَكْرَارِهِ، قال الثعلبيُّ: مُتَلَذِّذِينَ لاَ مُتَعَبِّدِينَ مُكَلَّفِينَ. وقوله تعالى: {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} خَتْمٌ للأمرِ، وقولٌ جَزْمٌ عِنْدَ فصلِ القَضَاءِ، أي: أن هذا المَلِكَ الحَاكِمَ العادلَ ينبغي أن يُحْمَدَ عِنْدَ نفوذِ حكمه وإكمال قضائِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَمِنْ هٰذِهِ الآيةِ جُعِلَتْ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} خَاتمةَ المجالِسِ والمُجْتَمَعَاتِ في الْعِلْمِ، قال قَتَادَةُ: فَتَحَ اللَّهُ أَوَّلَ الخَلَقِ بالحمدِ، فقال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }تفسير : [الأنعام:1] وخَتَمَ القيامَةَ بالحَمْدِ في هذه الآية. قال * ع *: وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ربِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} فَاتِحَةَ كتابهِ؛ فَبِه يُبْدَأ كلُّ أمْرٍ وَبِه يُخْتَمُ، وحَمْدُ اللَّهِ تعالَىٰ وتقديسُهُ ينبغي أن يكونَ مِن المؤمنِ؛ كما قيل: [الطويل] شعر : وَآخِرُ شَيْءٍ أَنْتَ في كُلِّ ضَجْعَةٍ وَأَوَّلُ شَيْءٍ أَنْتَ عِنْدَ هُبُوبي

البقاعي

تفسير : ولما ذكر أحوال الكافرين، أتبعه أحوال أضدادهم فقال: {وسيق} وسوقهم إلى المكان الطيب يدل على أن موقفهم كان طيباً لأن من كان في أدنى نكد فهيئ له مكان هنيء لا يحتاج في الذهاب إليه إلى سوق، فشتان ما بين السوقين! هذا سوق إكرام، وذاك سوق إهانة وانتقام، وهذا لعمري من بدائع أنواع البديع، وهو أن يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وعلى هيئتها في حق الأبرار فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم، فسبحان من أنزله معجز المباني، متمكن المعاني، عذب الموارد والمثاني. ولما كان هذا ليس لجميع السعداء بل للخلص منهم، دل على ذلك بقوله: {الذين اتقوا} أي لا جميع المؤمنين {ربهم} أي الذين كلما زادهم إحساناً زادوا له هيبة، روى أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة، فقيل: ما أطول هذا اليوم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبةتفسير : . وروى الطبراني وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : تجتمعون يوم القيامةتفسير : - فذكر الحديث حتى قال:حديث : قالوا: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: توضع لهم كراسي من نور ويظلل عليهم الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهارتفسير : . ويمكن أن يكون السوق إشارة إلى قسر المقادير للفريقين على الأفعال التي هي أسباب الدارين {إلى الجنة زمراً} أهل الصلاة المنقطعين إليها المستكثرين منها على حدة، وأهل الصوم كذلك - إلى غير من الأعمال التي تظهر آثارها على الوجوه. ولما ذكر السوق، ذكر غايته بقوله: {حتى إذا جاءوها} ولما كان إغلاق الباب عن الآتي يدل على تهاون به، وفي وقوفه إلى أن يفتح له نوع هوان قال: {وفتحت} أي والحال أنها قد فتحت {أبوابها} أي إكراماً لهم قبل وصولهم إليها بنفس الفتح وبما يخرج إليهم من رائحتها، ويرون من زهرتها وبهجتها، ليكون ذلك لهم سائقاً ثانياً إلى ما لم يروا مثله ولا رأوا عنه ثانياً. ولما ذكر إكرامهم بأحوال الدار، ذكر إكرامهم بالخزنة الأبرار، فقال عطفاً على جواب "إذا" بما تقديره: تلقتهم خزنتها بكل ما يسرهم: {وقال لهم خزنتها} أي حين الوصول: {سلام عليكم} تعجيلاً للمسرة لهم بالبشارة بالسلامة التي لا عطب فيها. ولما كانت داراً لا تصلح إلا للمطهرين قالوا: {طبتم} أي صلحتم لسكناها، فلا تحول لكم عنها أصلاً، ثم سببوا عن ذلك تنبيهاً على أنها دار الطيب، فلا يدخلها إلا مناسب لها، قولهم: {فادخلوها} فأنتج ذلك {خالدين *} ولعل فائدة الحذف لجواب "إذا" أن تذهب النفس فيه من الإكرام كل مذهب وتعلم أنه لا محيط به الوصف، ومن أنسب الأشياء أن يكون دخولهم من غير مانع من إغلاق باب أو منع بواب، بل مأذوناً لهم مرحباً بهم إلى ملك الأبد. ولما كان التقدير: فدخلوها، عطف عليه قوله: {وقالوا} أي جميع الداخلين: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال، وعدلوا إلى الاسم الأعظم حثاً لأنفسهم على استحضار جميع ما تمكنهم معرفته من الصفات فقالوا: {لله} أي الملك الأعظم {الذي صدقنا وعده} في قوله تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً فطابق قوله الواقع الذي وجدناه في هذه الساعة {وأورثنا} كما وعدنا {الأرض} التي لا أرض في الحقيقة غيرها وهي أرض الجنة التي لا كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، بأن جعل حالنا فيها في تمام الملك وعدم التسبب في الحقيقة فيه حال الوارث الذي هو بعد موروثه ولا شيء بعده ولا منازع له حال كوننا {نتبوأ} أي نتخذ منازل هي أهل لمن خرج منها أن يشتهي العود إليها، وبينوا الأرض بقولهم في موضع الضمير: {من الجنة} أي كلها {حيث نشاء} لاتساعها فلا حاجة لأحد فيها أن ينازع أحداً في مكان أصلاً، ولا يشتهي إلا مكانه. ولما كانت بهذا الوصف الجليل، تسبب عنه مدحها بقوله: {فنعم} أجرنا - هكذا كان الأصل، ولكنه قال: {أجر العاملين *} ترغيباً في الأعمال وحثاً على عدم الاتكال. ولما ذكر سبحانه الذين ركب فيهم الشهوات، وما وصلوا إليه من المقامات، أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات، فقال صارفاً الخطاب لعلو الخبر إلى أعلى الخلق أنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره: {وترى} معبراً بأخص من الإبصار الأخص من النظر كما بين في البقرة في قوله تعالى {أية : أنَّ القوة لله جميعاً} تفسير : [البقرة: 165] {الملائكة} القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق {حافين} أي محدقين ومستديرين وطائفين في جموع لا يحصيها إلا الله. من الخف وهو الجمع، والحفة وهو جماعة الناس، والأعداد الكثيرة، وهو جمع حاف، وهو الواحد من الجماعة المحدقة. ولما كان عظيم الشيء من عظم صاحبه، وكان لا يحيط بعظمة العرش حق الإحاطة إلا الله تعالى، أشار إلى ذلك بإدخال الجاز فقال: {من حول العرش} أي الموضع الذي يدار فيه به ويحاط به منه، من الحول وهو الإحاطة والانعطاف والإدارة. محدقين ببعض أحفته أي جوانبه التي يمكن الحفوف بها بالقرب منها يسمع لحفوفهم صوت بالتسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفاً من ربهم، فإدخال {من} يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله، لا يملؤون ما حوله، حال كونهم {يسبحون بحمد} وصرف القول إلى وصف الإحسان مدحاً لهم بالتشمير لشكر المنعم وتدريباً لغيرهم فقال: {ربهم} أي يبالغون في التنزيه عن النقص بأن يتوهم متوهم أنه محتاج إلى عرش أو غيره، وأن يحويه مكان متلبسين بإثبات الكمال للمحسن إليهم بإلزامهم بالعبادة من غير شاغل يشغلهم، ولا منازع من شهوة أو حظ يغفلهم، تلذذاً بذكره وتشرفاً بتقديسه، ولأن حقه إظهار تعظميه على الدوام كما أنه متصل الإنعام. ولما تقدم ذكر الحكم بين أهل الشهوات بما برز عليهم من الشهادات، ذكر هنا الحكم بينهم وبين الملائكة الذين فاضوا في أصل خلقهم بقولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} الآية فقال: {وقضى بينهم} أي بين أهل الشهوات وأهل العصمة والثبات. ولما كان السياق عاماً في الترغيب والترهيب عدلاً وفضلاً، بخلاف سياق سورة يونس عليه السلام، قال: {بالحق} بأن طوبق بما أنزلنا فيهم في الكتب التي وضعناها لحسابهم الواقع، فمن طغى منهم أسكناه لظى بعدلنا، ومن اتقى نعمناه في جنة المأوى بفضلنا، لجهادهم ما فيهم من الشهوات حتى ثبتوا على الطاعات، مع ما ينزعهم من الطبائع إلى الجهالات، وأما الملائكة فأبقيناهم على حالهم في العبادات: {وقيل} أي من كل قائل: آخر الأمور كلها {الحمد} أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال، وعدل بالقول إلى ما هو حق بهذا المقام فقال: {لله} ذي الجلال والإكرام، علمنا ذلك في هذا اليوم عمل اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين. ولما كان ذلك اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر، قال واصفاً له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم: {رب العالمين *} أي الذي ابتدأهم، أولاً من العدم وأقامهم ثانياً بما رباهم به من التدبير، وأعادهم ثالثاً بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير، وأبقاهم رابعاً لا إلى خير، فقد حقق وعده كما أنزل في كتابه وصدق وعيده لأعدائه كما قال في كتابه، فتحقق أنه تنزيله، فقد ختم الأمر بإثبات الكمال باسم الحمد عند دخول الجنان والنيران كما ابتدأ به عند ابتداء الخلق في أول الإنعام، فله الإحاطة بالكمال في أن الأمر كما قال كتابه على كل حال، فقد انطبق آخرها على أولها بأن الكتاب تنزيله لمطابقة كل ما فيه للواقع عندما يأتي تأويله، وبأن الكتاب الحامل على التقوى المسببة للجنة أنزل للإبقاء الأول، فمن أتبعه كان له سبباً للإبقاء الثاني، وهذا الآخر هو عين أول سورة غافر فسبحان من أنزله معجزاً نظامه، فائتاً القوى أول كل شيء منه وختامه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على صورة أشد كوكب دري في السماء إضاءة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى احداهما فشربوا منها، فذهب ما في بطونهم من أذى أو قذى وبأس، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلن تغير أبشارهم بعدها أبداً ولن تشعث أشعارهم كأنما دهنوا بالدهان، ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا ‏{‏سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين‏} ‏ ثم تلقاهم الْوِلْدَان يطوفون بهم كما يطيف أهل الدنيا بالحميم، فيقولون‏:‏ ابشر بما أعد الله لك من الكرامة، ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين، فيقول‏:‏ قد جاء فلان باسمه الذي يدعى به في الدنيا فتقول‏:‏ أنت رأيته‏؟‏ فيقول‏:‏ أنا رأيته، فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فإذا انتهى إلى منزله نظر شيئاً من أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه أخضر، وأصفر، وأحمر، من كل لون‏.‏ ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق‏.‏ ولولا أن الله تعالى قدر أنه لا ألم لذهب ببصره‏. ثم طأطأ برأسه فنظر إلى أزواجه ‏{أية : ‏وأكواب موضوعة. ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة}تفسير : ‏ ‏[‏الغاشية: 14 - 16‏] فنظر إلى تلك النعمة، ثم اتكأ على أريكة من أريكته، ثم قال ‏{أية : ‏الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : ‏[‏الأعراف: 43‏]‏.‏ ثم ينادي منادٍ‏:‏ تحيون فلا تموتون أبداً، وتقيمون فلا تظعنون أبداً، وتصحون فلا تمرضون أبداً‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفتحت أبوابها‏}‏ ‏.‏ أخرج البخاري ومسلم والطبراني عن سهل بن سعد رضي الله عنه‏،‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد‏.‏ فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله فهل يدعى أحد منها كلها‏؟‏ قال‏:‏ نعم وأرجو أن تكون منهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبو يعلى والطبراني والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏للجنة ثمانية أبواب‏:‏ سبعة مغلقة، وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ للجنة ثمانية أبواب‏: باب للمصلين، وباب للصائمين، وباب للحاجين، وباب للمعتمرين، وباب للمجاهدين، وباب للذاكرين، وباب للشاكرين‏. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لكل عمل أهل من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة دعي الإِنسان بأكبر عمله، فإذا كانت الصلاة أفضل دعي بها، وإن كان صيامه أفضل دعي به، وإن كان الجهاد أفضل دعي به‏. فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ أحد يدعى بعملين‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ أنت "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والخطيب في المتفق والمفترق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن في الجنة باباً يقال له الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد‏:‏ أين الذين كانوا يديمون صلاة الضحى‏؟‏ هذا بابكم فادخلوه برحمة الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه‏،‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما بين مصراعين من مصاريع الجنة أربعون عاماً، وليأتين عليهم يوم وأنه لكظيظ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏والذي نفسي بيده لما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر‏.‏ أو كما بين مكة وبصرى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه أنه خطب فقال‏:‏ إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لمسيرة أربعين عاماً، وليأتين على أبواب الجنة يوم وليس منها باب إلا وهو كظيظ‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ ما بين مصراعي الجنة أربعون خريفاً للراكب المجد، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلمي قال إن الرجل ليوقف على باب الجنة مائة عام بالذنب عمله، وإنه ليرى أزواجه وخدمه‏. وأخرج أحمد والبزار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطيالسي والدارمي عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏مفاتيح الجنة الصلاة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏،‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما منكم من أحد يسبغ الوضوء ثم يقول‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له من الجنة ثمانية أبواب؛ من أيها شاء دخل ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي والحاكم وابن حبان عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما،‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير والبيهقي عن عتبة بن عبد الله السلمي رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من عبد يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية‏.‏ من أيها شاء دخل ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من كان له بنتان، أو أختان، أو عمتان، أو خالتان، فَعَالَهُنَّ فتحت له أبواب الجنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أيما امرأة اتقت ربها، وحفظت فرجها، فتحت لها ثمانية أبواب الجنة فقيل لها‏:‏ ادخلي من حيث شئت‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ينفعهم الله بها قيل له‏:‏ أدخل من أي أبواب الجنة شئت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سلام عليكم طبتم‏}‏ قال‏:‏ كنتم طيبين بطاعة الله‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ} [الآية: 73]. قال ابن عطاء: السلام فى الجنة من وجوه منهم من تسلم عليه خزنة الجنة يقولون {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ} وهؤلاء أدناهم ومنهم من يكون سلامه من الملائكة بقوله: {أية : يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23، 24] وهؤلاء الأوساط، ومنهم من يكون من الحق بقوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58] وهو أرفعهم درجة.

القشيري

تفسير : سَوّقٌ ولكن بغير تعبٍ ولا نَصَبٍ، سَوْقٌ ولكن برَوْحٍ وطَرَبٍ. "زمراً" جماعاتٍ، وهؤلاء هم عوامُّ أهل الجنة، وفوق هؤلاء: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}تفسير : [مريم: 85] وفوقهم مَنْ قال فيهم:{أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}تفسير : [ق: 31] وفَرْقٌ بين مَنْ يُسَاقُ إلى الجنة، وبين مَنْ تُقَرَّبُ منه الجنة... هؤلاء الظالمون، والآخرون المقتصدون، والآخرون السابقون. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا...} وإذا وافوا الجنة تكون الأبوابُ مُفَتَّحَةً لئلا يصيبهم نَصَبُ الانتظار. ويقال إذا كان حديث الجنة فالواجب أن يبادر إليها ولا يحتاج ان يُسَاق، ولعلَّ هؤلاء لا رغبةَ لهم في الجنة بكثير؛ فَلهُم معه في الطريق قُولُ {طِبْتُمْ}؛ أي أنهم يُساقون إلى الجنة بلطف دون عنف.

اسماعيل حقي

تفسير : {وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة} حال كونهم {زمرا} جماعات متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم فى الفضل وعلو الطبقة وذلك قبل الحساب او بعده يسيرا او شديدا وهو الموافق لما قبل الآية من قوله {أية : ووضع الكتاب} تفسير : والسائقون هم الملائكة بامر الله تعالى يسوقونهم مساق اعزاز وتشريف بلا تعب ولا نصب بل بروح وطرب للاسراع بهم الى دار الكرامة والمراد المتقون عن الشرك فهؤلاء عوام اهل الجنة وفوق هؤلاء من قال الله تعالى فيهم {أية : وازلفت الجنة للمتقين} تفسير : وفوقهم من قال فيهم {أية : يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا} تفسير : وفرق بين من يساق الى الجنة وبين من قرب اليه الجنة وفى الحقيقة اهل السوق هم الظالمون واهل الزلفى المقتصدون واهل الوفاء السابقون. واعلم انه اذا نفخ فى الصور نفخة الاعادة واستوى كل واحد من الناس على قبره يأتى كل منهم عمله فيقول له قم وانهض الى المحشر فمن كان له عمل جيد يشخص له عمله بغلا. ومنهم من يشخص له عمله حمارا. ومنهم من يشخص له عمله كبشا تارة يحمله وتارة يلقيه وبين يدى كل واحد منهم نور شعشعانى كالمصباح وكالنجم وكالقمر وكالشمس بقدر قوة ايمانهم وصلاح حالهم وعن يمينه مثل ذلك النور وليس عن شمائلهم نور بل ظلمة شديدة يقع فيها الكفار والمرتابون والمؤمن يحمد الله تعالى على ما اعطاه من النور ويهتدى به فى تلك الظلمة. ومن الناس من يسعى على قدميه وعلى طرف بنانه. قيل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كيف يحشر الناس يا رسول الله قال "حديث : اثنان على بعير وخمسة على بعير وعشرة على بعير" تفسير : وذلك انهم اذا اشتركوا فى عمل يخلق الله لهم من اعمالهم بعيرا يركبون عليه كما يبتاع جماعة مطية يتعاقبون عليها فى الطريق فاعمل هداك الله عملا يكون لك بعيرا خالصا من الشرك. ومنه يعلم حال التشريك فى ثواب العمل فالاولى ان يهدى من المولى لكل ثواب على حدة من غير تشريك الآخر فيه ـ روى ـ ان رجلا من بنى اسرائيل ورث من ابيه مالا كثيرا فابتاع بستانا فحبسه على المساكين وقال هذا بستانى عند الله وفرق دراهم عديدة فى الضعفاء وقال اشترى بها من الله جوارى وعبيدا واعتق رقابا كثيرة وقال هؤلاء خدمى عند الله والتفت يوما الى رجل اعمى يمشى تارة ويكب اخرى فابتاع له مطية يسير عليها وقال هذه مطيتى عند الله اركبها قال عليه السلام فى حقه "حديث : والذى نفسى بيده لكأننى انظر اليها وقد جيىء بها اليه مسرجة ملجمة يركبها ويسير بها الى الموقف" شعر : در خير بازست وطاعت وليك نه هركس تواناست برفعل نيك تفسير : {حتى اذا جاؤها} [تاجون بيايند به بهشت] {وفتحت ابوابها} اى والحال انه قد فتحت ابوابها الثمانية لئلا يصيبهم وصب الانتظار مع ان دار الفرح والسرور لا تغلق للاضياف والوافدين باب الكرم. فان قلت يرد على كون ابواب الجنان مفتحة لهم عند مجيئهم اليها قوله عليه السلام "حديث : انا اول من يستفتح باب الجنة" تفسير : قلت قد حصل الفتح المقدم على الوصول بدعوته عليه السلام بالاستفتاح ولو لم يكن دعاؤه قد سبق لما فتحت ثم تبقى الابواب بدعائه مفتوحة الى ان يفرغ من الحساب فاذا جاء اهل الجنة بعد الحساب والصراط يجدونها مفتوحة ببركة دعائه المقدم على ذلك وفى الحديث "حديث : انا اول من يقرع باب الجنة والجنة محرمة على جميع الامم حتى ادخلها انا وامتى الاول فالاول " تفسير : يقول الفقير اولية الاستفتاح والقرع تمثيل لاولية الدخول فلا حاجة الى توجيه آخر. وعرف كون ابواب الجنة ثمانية بالاخبار كما قال عليه السلام "حديث : ان للجنة لثمانية ابواب ما منها بابان الا بينهما سير الراكب سبعين عاما وما بين كل مصراعين من مصارع الجنة مسيرة سبع سنين" تفسير : وفى رواية "حديث : مسيرة اربعين سنة" تفسير : وفى رواية "حديث : كما بين مكة وبصرى " تفسير : وقيل عرف بواو الثمانية وفيه ان واو الثمانية غير مطردة وقد سبق ما يتعلق بهذه الواو فى آخر سورة التوبة. قال بعضهم كون ابواب النار سبعة وابواب الجنة ثمانية لان الجنة منه تعالى فضل والنار عدل والفضل اكثر من العدل والجنة من الرحمة والنار من الغضب والرحمة سابقة وغالبة على الغضب. وقيل ليس فى النار الا الجزاء والزيادة فى العذاب جور وفى الثواب كرم وقيل لأن الاذان سبع كلمات والاقامة ثمان كذلك ابواب جهنم سبعة وابواب الجنة ثمانية فمن اذن واقام غلقت عنه ابواب النيران السبعة وفتحت له ابواب الجنة الثمانية وجواب اذا محذوف اى كان ما كان مما يقصر عنه البيان وقال بعضهم وفتحت جواب اذا والواو زائدة للايذان بأنها كانت مفتحة عند مجيئهم {وقال لهم} اى للمتقين عند دخولهم الجنة {خزنتها} حفظة الجنة رضوان وغيره من الملائكة {سلام عليكم} من جميع المكاره والآلام فهو خبر لا تحية (وقال الكاشفى) درود برشما باسلامتى وايمنى لازم حال شما وهذا لعوام اهل الجنة واما لخواصهم فيقول الله سلام قولا من رب رحيم فان السلام فى الجنة من وجوه فالسلام الاول وان كان سلام الله ولكن بالواسطة والثانى سلام خاص بلا واسطة بعد دخولهم فى الحضرة {طبتم} طهرتم من دنس المعاصى او طبتم نفسا بما ابيح لكم من النعيم واز حضرت مرتضى كرم الله وجهه منقولست كه جون بهشتيان بدير بهشت رسند آنجادرختى بينندكه ارزيران دوجشمه بيرون مى آيدبس دريك جشمه غسل كنند ظاهر ايشان باكيزه شود و از ديكرى بياشامند باطن ايشان منور ومطهر كردد ودرين حال ملائكة كويند باك شديد بظاهر وباطن {فادخلوها} اى الجنة {خالدين} والفاء للدلالة على أن طيبهم سبب لدخولهم وخلودهم سوآء كان طيبا بعفوا وبتعذيب اذ كل منهما مطهر وانما طهر ظاهرهم لحسن اقرارهم واعمالهم البدنية وباطنهم لحسن نياتهم وعقائدهم وفى عرآئس البقلى ذكر الله وصف غبطة الملائكة على منازل الاولياء والصديقين وذلك قوله سلام عليكم طبتم اى انتم فى مشاهدة جماله ابدا طيبين بلذة وصاله سالمين عن الحجاب وذلك ان الله تعالى قد احسن الى النبيين والمرسلين وافاضل المؤمنين بالمعارف والاحوال والطاعات والاذعان ونعيم الجنان ورضى الرحمن والنظر الى الديان مع سماع تسليمه وكلامه وتبشيره بتأبيد الرضوان ولم يثبت للملائكة مثل ذلك شعر : ملائك راجه سوداز حسن طاعت جو فيض عشق بر آدم فروريخت تفسير : ومن آثار العشق كونه مأمورا بالجهاد والصبر على البلايا والمحن والرزايا اى المصائب وتحمل مشاق العبادات لاجل الله تعالى وليس للملائكة العشق ولا الابتلاء الذى هو من احكامه وان كانوا يسبحون الليل والنهار لا يفترون فرب عمل يسير أفضل من تسبيح كثير وكم من نائم افضل من قائم وكون اجسادهم من نور واجساد البشر من لحم وشحم ودم لا يفضلهم عليهم فى الحقيقة فان الله تعالى لا ينظر الى الصور فرب ماء حياة فى ظلمات (قال الصائب) شعر : فروغ كوهر من از نزاد خورشيدست بتيركى نتوان كرد بايمال مراد تفسير : (وقال) شعر : بر بساط بوريا سير دوعالم ميكنيم با وجودنى سوارى برق جولانيم ما

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وسيقَ الذين اتقوا ربهم} مساق إعزاز وتشريف، بلا إسراع ولا تكليف، إلى دار الكرامة والتعريف. قيل: يُساقون راكبين مبجَّلين، كما يجيء الوافدون إلى دار الملوك، يساقون {إِلى الجنة زُمراً}؛ جماعة متفاوتين، بحسب تفاوت مراتبهم في الفضل، وعلو الطبقة، {حتى إِذا جاؤوها وفُتِحَتْ أبوابها} الثمانية. وقرىء بالتخفيف والتشديد. وجواب "إذا" محذوف؛ للإيذان بأن لهم من فنون الكرامة ما لا تُحيط به العبارة، كأنه قيل: حتى إذا جاؤوها، وقد فتحت أبوابها، كان من الأمر والخبر ما يقصر عنه البيان. {وقال لهم خزنتُها سلامٌ عليكم طبتم}؛ ظفرتم، وتقدّستم في دار التقديس من كل دنس، وطبتم نفساً، بما أتيح لكم من النعيم والأمن، {فادْخُلوها خالدين}، وحذف الواو في وصف أهل النار؛ لأن أبواب جهنم لا تفتح لهم حتى لهم حتى يصلوا إليها، وفي وقوفهم قبل فتحها مذلة لهم، كما هي حال السجون، بخلاف أهل الجنة، فإنهم يجدونها مفتوحة، قال تعالى: {أية : مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ}تفسير : [ص: 50] كما هي حال منازل الأفراح والسرور. {وقالوا الحمدُ لله الذي صَدَقَنا وَعْدَهُ} أي: أنجزنا ما وعدنا في الدنيا من نعيم العقبى، {وأورثنا الأرضَ}؛ أرض الجنة، أي: المكان الذي استقرُّوا فيه، وقد أُورثوها وملكوها. وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون تشبيهاً بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه، واتساعه فيها، {نتبوَّأُ من الجنة حيث نشاءُ} أي: يتخذ كل واحد منا جنة لا توصف، سعة وزيادة على الحاجة، فيتبوأ أيَّ مكان أراده من جنته الواسعة، {فَنِعمَ أجرُ العاملين} في الدنيا الجنة. {وترى الملائكةَ} حال كونهم {حافِّينَ من حول العرشِ} أي: محدقين به. و "من" لابتداء الغاية، أي: ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء الله، أو: زائدة، {يُسبِّحون بحمدِ ربهم} أي: يقولون سبحان الله، والحمد لله، سُبوح قُدوس، رب الملائكة والروح. أو: ينزهونه تعالى عما لا يليق به، ملتبسين بحمده. والمعنى: ذاكرين الله تعالى بوصفي جلاله وإكرامه، تلذُّذاً، وفيه إشعار بأن أقصى درجات العليين في لذائذهم هو الاستغراق في شهوده عزّ وجل. {وقيل الحمدُ لله رب العالمين} يقوله أهل الجنة شكراً لله حين دخلوها، وتمّ وعد الله لهم: {الحمد لله رب العالمين} كما قال: {أية : وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10]. الإشارة: وسيق الذين اتقوا ربهم حق تقاته إلى جنة المعارف، زُمراً، متفاوتين في السير، على قدر تفاوتهم في القريحة، والاعتناء، والتفرُّغ من الشواغل والعلائق. حتى إذا جاؤوها وفُتحت أبوابها، بذهاب حجاب الكائنات، حتى بقي المكوّن وحده، كما كان وحده، وجدوا من الأسرار والأنوار ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تحيط به الإشارة. وقال لهم خزنتها، وهم شيوخ التربية، العارفون الله: سلام عليكم طِبتم، أي: تقدّستم من العيوب والأكدار، فادخلوها خالدين؛ لأن مَن وصل لا يرجع أبداً، وما رجع مَن رجع إلا من الطريق. وقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، بأن أنجز لنا ما وعدنا من الوصول، على ألسنة المشايخ. قال في الحِكَم: "سبحان مَن لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَن أراد أن يوصله إليه". وأورَثَنا أرضَ الوجود بأسره، نتبوأ من جنة المعارف، في أقطار الوجود، بفكرتنا وهمتنا، حيث نشاء، فنِعم أجر العاملين. وترى الملائكة حافين من حول العرش، أي: قلب العارف؛ لأن بيت الرب، ومحل قرار نوره، فيحفُّونه بالحفظ والرعاية من دخول الأغيار، ويُنزهون الله عن الحلول والاستقرار. وقُضي بينهم بالحق، فعزلت الشياطين عن قلوب الذاكرين، وتسلّطت على قلوب الغافلين، والحمد لله رب العالمين، حيث لم يظلم أحداً من العالمين.

الأعقم

تفسير : {وسيق الذين اتقوا ربهم} يعني يساقون مكرمين كقوله: {أية : ونحشر المتقين إلى الرحمان وفدا} تفسير : [مريم: 85] {إلى الجنة} زمراً أي جماعات ركباناً {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها}، قيل: أن أبواب الجنة ثمانية {وقال لهم خزنتها} عند الاستقبال {سلام عليكم} أي سلام يحيونهم بالسلام فيزدادون سروراً وقيل: هو الدعاء بالسلامة والخلود، أي سلمتم من الآفات، وقيل: ذلك تشريف أعمالكم، وقيل: طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها، وقيل: إذا قربوا من الجنة يردون على الماء فيغسلون ويشربون فيطهر الله أجوافهم فلا يكون بعد ذلك منهم حدث، وإذاً فتقول الملائكة طبتم {فادخلوها خالدين} دائمين {وقالوا} يعني أهل الجنة {الحمد لله الذي صدقنا وعده} يعني أنجز ما وعدنا على ألسنة الرسل وفي الكتب قوله: {أية : وعد الله المؤمنين والمؤمنات} تفسير : [التوبة: 72] {وأورثنا الأرض}، قيل: صارت لنا في الآخرة فهو كالميراث، وقيل: ورثوها عن أهل النار، يعني أرض الجنة {حيث نشاء فنعم أجر العاملين} أي نعم أجر المطيعين {وترى الملائكة حافين}، قيل: حافين، وقيل: محدقين من حول العرش سقف الجنة {يسبحون بحمد ربهم}، يقولون: سبحان الله والحمد لله متلذذين لا متعبدين {وقضي بينهم بالحق}، قيل: بين أهل الجنة وأهل النار، ذكر تأكيداً أنه لا يعاقب أحداً إلا بحق، وقيل: المراد به في الجنة، أي يعطي كل أحد ما يستحقه بعد دخولهم الدارين، وقيل: بل هو قبل الدخول {وقيل الحمد لله رب العالمين} من كلام أهل الجنة حمدوه على نعمه العظيمة تلذذاً، وقيل: من كلام الله تعالى حين قضى بالحق تمدحاً، وعن ابن عمران النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ على المنبر آخر سورة الزمر فتحول المنبر مرتين يتلو ذلك الكلام في الحواميم.

اطفيش

تفسير : {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} تساق مراكبهم ويحث بها اسراعاً الى دار الكرامة والرضوان فانما يذهب بهم راكبين وقيل يساقون بأنفسهم راكبين أي يسرع بهم والتقوى علة بهذا الفوز* {إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً} أمما أمة بعد أخرى أو جماعات بعضها اثر بعض على تفاوت مراتبهم شهداء وزهاد وعلماء وقراء وعباد* {حَتَّى} ابتدائية لا جارّة لـ (اذا) خلافاً للاخفش* {إِذَا جَآءُوهَا} جوابها محذوف دل عليه (سيق) وأهلته لذلك غاية (حتى) الواو في قوله {وَفُتِحَتْ} للحال أي يساقون حتى يصلوها مفتحة لهم* {أَبْوَابُهَا} كذا يفهم من كلام بعضهم وذلك أن أبواب الجنة قبل المجيء كمنازل أفراح وسرور ويحصل بوجودها مفتوحة فرح يعلمه الله بخلاف أهل النار يجدون أبواب جهنم مغلقة وبوجودها كذلك يحصل لهم ذل وهون لا رجاء يغنيهم يومئذ بدخولها. وقال المبرد: جواب (اذا) محذوف بعد (خالدين) أي سعدوا وقيل تقديره (فادخلوها) فحذف لدلالة الكلام وقيل: قال لهم خزنتها وزيدت فيه الواو وقيل: (فادخلوها) المذكور وقيل فادخلوها محذوف أو على تقدير الجواب ادخلوها يقدر القول أي يقال لهم وقيل حذف ابهاماً ولا يعرف ولا يحيط به الوصف وقيل الجواب فتحت وزيدت الواو ويدل له اسقاطها في كتاب ابن مسعود وقيل كذلك ولكن زيدت لتدل على الثمانية فان أبواب الجنة ثمانية فهي واو الثمانية ولم تزد في آية النار لان أبوابها سبعة والعرب تعطف بالواو ما فوق السبعة لان السبعة عدد تام وما فوقه عدد آخر. قال ابن هشام: لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن في الآية منها اذ ليس فيها ذكر عدد البتة بل ذكرت الأبواب جملة لا عدداً ولانها لم تدخل على الأبواب بل على جملة هي فيها وقد مر انها مفخمة عند قوم وعاطفة عند آخرين. وقال المبرد والفارسي وجماعة: واو الحال. وقيل: واو الثمانية، وذلك أن من عادة قريش انهم يعدون من الواحد فيقولون: خمسة، ستة، سبعة والثامن أو ثمانية وتكون السبعة عددا تاماً ان العدد اما فرد أو مركب من فردين أو من زوج وفرد وذلك موجود في الثلاثة أو من زوجين وهذا في الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الاحوال وما فوقها تكرار لذلك فالثمانية زوج وزوج والتسعة زوج وفرد وقيل وجهه ان السموات سبع والأرضين سبع والأيام سبع والاشواط سبع والسعي سبع والجمرات سبع وغير ذلك أبواب النار وانما زادت الجنة لغلبة الرحمة على الغضب والتوجيهان ضعيفان في اثبات اللغة وورد أن أول من يفتح له باب الجنة نبينا صلى الله عليه وسلم فلو كان الفتح قبل المجيء اكراماً لوجدها مفتوحة وأجيب بأنه لو وجدها مفتوحة لفات التنبيه على مقامه واظهاره بكلام رضوان فانه يقرع ويقول له رضوان بك أمرت ولا أفتح لأحد قبلك فكان الفتح عند مجيئه أولا اشارة الى أنه المراد وغيره تابع ثم تستمر مفتوحة افراحاً للمؤمنين ولان من فيها من الحور والولدان يتشوقون الى أهلها فتفتح قبل مجيئهم استبشاراً وتطلعاً اليهم أو الأبواب التى تفتح قبل مجيئهم أبواب منازلهم في الجنة وأما باب الجنة فلا يفتح الا بعد قدومه صلى الله عليه وسلم وهذا أثبته الدماميني والأول أولى وقرأ الكوفيون بتخفيف (فتحت). {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}* أنتم سالمون من كل مكروه بعدما حيوهم بما تضمن البشارة بالسلامة من الآفات ويشمل السلامة أيضاً من آفات المحشر* {طِبْتُمْ} قال ابن عباس: طاب لكم المقام وقيل طهرتم من دنس المعاصي وقيل اذا نجوا من النار حبسوا بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى اذا هذبوا وطيبوا ادخلوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه {سلام عليكم طبتم} وهذا الاقتصاص زيادة تطهير والا فقد ماتوا وهم موفون أو من القصاص الأخروي مثل أن تكون على مسلم تبعة نسيها مثل ضربة وقد تاب نصوحاً ونسيها وقيل طبتم أعمالا ونية ومستقراً وجزاء* {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} مقدرين الخلود كما مر والفاء سببية أي ادخلوها بسبب طيبكم وما طاب واحد منا معشر العصاة الا بتطييب الله له وقال علي: اذا سيقوا اليها وجدوا عند بابها عينين تحت الشجرة يشربون من احداهما فيطهر باطنهم بعدما يغتسلون من الأخرى فيطهر ظاهرهم وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة قائلين: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين}.

اطفيش

تفسير : {وَسِيقَ الذينَ اتَّقَوا ربَّهُم إلى الجنَّة زُمراً} جماعات على مراتبهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أول زمرة من أمتى تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم فى السماء اضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل" تفسير : ومعنى سيق زف كزف العروس، كما جاء الحديث بأن أهل الجنة يزفون اليها كما يزف العروس، ولكن عبر بسيق لمشاكلة سيق السابق، ولا تتوهم الاهانة، هنا لأن كون السوق الى الجنة يدفع توهم الاهانة والاسراع الى الجنة اكرام، وقيل تساق دوبهم، ولا مانع من أنهم يدخلون الجنة كلهم ركبانا أو غالبهم، كما ورد أن آخر من يدخل الجنة رجل يمشى مرة ويكبو أخرى، ولا يخفى أن المقام لذكر أهل الجنة عموما لا لخصوص من يدعى أنه يختص بالركوب لمزيد اخلاصه، كما أن العموم قبل فيمن يدخل النار. وأخطأ من قال ان الله يرى فى المحشر وفى الجنة، ومن قال يتصور بصورة قبيحة فيه فيقولون: لست ربنا، ثم بصورة حسنة فيقولون أنت ربنا، وأخطأ من قال: يتجلى الله لأهل الجنة أو لأهل الموقف، أو لأحد إلا تجليا بشىء يخلقه. {حتَّى إذا جاءوها وفُتِحَتْ أبْوابُها} فتحا عظيما بالتوسعة، وأنواع الكرامات فيها، والواو عاطفة فتفتح بمحضرهم، وقيل تفتح بعد حضورهم اكراما والملائكة ينتظرون عندها بعد فتحها مجيئهم، والأنسب على هذا كون الواو على تقدير قد، أو المبتدأ أى وقد فتحت، أو وهى فتحت، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أول من يقرع باب الجنة" تفسير : فهو يجد بابها مغلقا فيفتح له ويبقى مفتوحا، فيدخل أو يقف، ثم تحضر الجماعة الأولى يدخل فيغلق، ثم يجىء من يقرعه أيضا، لأنه قال: أول من يقرع، وكلما قرع فتح وأبقى مفتوحا، ثم يغلق، وشهر أن هذه الواو واو الثمانية تذكر مع الثمانية الجملة كما هنا، ومع العدد الثامن كقوله تعالى: " أية : وثامنهم كلبهم" تفسير : [الكهف: 22] وقوله تعالى: " أية : والناهون عن المنكر" تفسير : [التوبة: 112] وقوله تعالى: " أية : وأبكارا" تفسير : [التحريم: 5] ولا بأس بذكر أن الواو تكون واو الثمانية، مع اعتقاد أنها عاطفة، لا منافاة فى ذلك، وكذا تذكر ثامنة، وهى حالية نحو جاءوا سبعة مشاة، وثامنهم راكب. وجواب اذا محذوف يقدر بعد خالدين هكذا القول أو رأوا ما لا تكفيه العبارة أو ما لا يكيف قبل مشاهدته، وقدره بعض سعدوا، أو يقدر قبل قوله تعالى: "وفتحت" وهذه واو الحال، دخلت على الماضى المجرد عن نفى وقد أو على قد أو مبتدأ محذوف، أى حتى اذا جاءوها وأوفوا وقد فتحت، أو حتى اذا جاءوها وقد فتحت أو وهى فتحت. {وقالَ لَهُم خَزنَتُها سلامٌ عليْكُم} اخبار بأنهم سالمون مما يكره، أو دعاء ولو كان أهل الجنة سالمين، كما أنهم يسلمون عليهم فى الجنة، ويسلم أهل الجنة بعض على بعض {طِبْتُم} نفسا استئناف أو حال، والطيب بالأعمال الصالحة فى الدنيا، وبالتوبة، وهذا أولى من قول مجاهد طبتم نعيما دائما {فادْخُلوها} بسبب طيبكم {خالدين} فيها، وحذفه للعلم به بعد ذكر ما يوهم ولو ايهاما زائلا بخلاف قوله: " أية : فادخلوا أبواب جهنم" تفسير : [النحل: 29] الخ فانه ذكر فيها ليفيد أن الخلود فى جهنم لا فى الأبواب على ما مر، والحال مقدرة كما مر.

الالوسي

تفسير : {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم في الفضل، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل»تفسير : والمراد بالسوق هنا الحث على المسير للإسراع إلى الإكرام بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة وتعجيلهم إلى العقاب والآلام واختير للمشاكلة، وقوله سبحانه: {إِلَى ٱلّجَنَّةِ } يدفع إيهام الإهانة مع أنه قد يقال: إنهم لما أحبوا لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءهم فلذا حثوا على دخول دار كرامته جل شأنه قاله بعض الأجلة. واختار الزمخشري أن المراد هنا بسوقهم سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، وهذا السوق والحث أيضاً للإسراع بهم إلى دار الكرامة. وتعقب بأنه لا قرينة على إرادة ذلك وكون جميع المتقين لا يذهب بهم إلا راكبين يحتاج إلى دليل، والاستدلال بقوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً }تفسير : [مريم: 85] لا يتم إلا على القول بأن الوفد لا يكونون إلا ركباناً وأن الركوب يستمر لهم إلى أن يدخلوا الجنة، وفي «الكشف» أنه تفسير ظاهر يؤيده الأحاديث الكثيرة ويناسب المقام لأن السوقين بعد فصل القضاء واللطف الخالص في شأن البعض والقهر الخالص في شأن البعض ولا ينافي مقام عظمة مالك الملوك على ما توهم انتهى. وأقول: إنْ حُمِلَ {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} على المخلصين فالقول بركوبهم قول قوي وإنْ حُمِلَ على المحترز عن الشرك خاصة ليشمل المخلصين فالقول بذلك قول ضعيف إذ منهم من لا يدخل الجنة إلا بعد أن يدخل النار ويعذب فيها، وظاهر كثير من الأخبار أن من هذا الصنف من يذهب إلى الجنة مشياً. ففي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو أخرى وتسفعه النار مرة فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله تعالى شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين فترفع له شجرة فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها فأشرب من مائها فيقول الله تعالى: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها فيقول: لا يا رب ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه»تفسير : الحديث. وقال بعض العارفين: إن المتقين يساقون إلى الجنة لأنهم قد رأوا الله تعالى في المحشر فلرغبتهم في رؤيته عز وجل ثانياً لا يحبون فراق ذلك الموطن الذي رأوه فيه ولشدة حبهم وشغفهم لا يكاد يخطر لهم أنهم سيرونه سبحانه إذا دخلوا الجنة، والمحبة إذا عظمت فعلت بصاحبها أعظم من ذلك وأعظم فكأنها غلبتهم حتى خيلت إليهم أن ذلك الموطن هو الموطن الذي يرى فيه عز وجل وهو محل تجليه على محبيه جل جلاله وعظم نواله فأحجموا عن المسير ووقفوا منتظرين رؤية اللطيف الخبير وغداً لسان حال كل منهم يقول: شعر : وقف الهوى بـي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم تفسير : ويدل على رؤيتهم إياه عز وجل هناك ما في «صحيح مسلم» عن أبـي هريرة قال: «إن أناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في [رؤية] القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا قال: / فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتَّبعه فيتبع من [كان] يعبد الشمس الشمس وينبع من [كان] يعبد القمر القمر ويتبع من [كان] يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربّكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذٍ اللهم سلم سلم» الحديث، ومع هذا فسوقهم ليس كسوق الذين كفروا كما لا يخفى. وقيل: السائق للكفرة ملائكة الغضب والسائق للمتقين شوقهم إلى مولاهم فهو سبحانه لهم غاية الإرب، وليست الجنة عندهم هي المقصودة بالذات ولا مجرد الحلول بها أقصى اللذات وإنما هي وسيلة للقاء محبوبهم الذي هو نهاية مطلوبهم. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } وقرىء بالتشديد، والواو للحال والجملة حالية بتقدير قد على المشهور أي جاءوها وقد فتحت لهم أبوابها كقوله تعالى: {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ }تفسير : [ص: 50] ويشعر ذلك بتقدم الفتح كأن خزنة الجنات فتحوا أبوابها ووقفوا منتظرين لهم، وهذا كما تفتح الخدم باب المنزل للمدعو للضيافة قبل قدومه وتقف منتظرة له، وفي ذلك من الاحترام والإكرام ما فيه. والظاهر أن قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } الخ عطف على {فُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } وجواب {إِذَا} محذوف مقدر بعد {خَـٰلِدِينَ } للإيذان بأن لهم حينئذٍ من فنون الكرامات ما لا يحيط به نطاق العبارات كأنه قيل: إذا جاؤها مفتحة لهم أبوابها وقال لهم خزنتها {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } أي من جميع المكاره والآلام وهو يحتمل الإخبار والإنشاء. {طِبْتُمْ } أي من دنس المعاصي، وقيل: طبتم نفساً بما أتيح لكم من النعيم المقيم، والأول مروي عن مجاهد وهو الأظهر، والجملة في موضع التعليل {فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } أي مقدرين الخلود كان ما كان مما يقصر عنه البيان أو فازوا بما لا يعد ولا يحصى من التكريم والتعظيم، وقدره المبرد سعدوا بعد {خَـٰلِدِينَ } أيضاً، ومنهم من قدره قبل {وَفُتِحَتْ } أي حتى إذا جاءوها جاؤها وقد فتحت وليس بشيء، ومنهم من قدره نحو ما قلنا قبل {وَقَالَ } وجعل جملة {قَالَ } الخ معطوفة عليه، وما تقدم أقوى معنى وأظهر. وقال الكوفيون: واو {وَفُتِحَتْ } زائدة والجواب جملة {فُتِحَتْ } وقيل: الجواب {قَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} والواو زائدة، والمعول عليه ما ذكرنا أولاً وبه يعلم وجه اختلاف الجملتين أعني قوله تعالى في أهل النار: {أية : حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا }تفسير : [الزمر: 71] وقوله جل شأنه في أهل الجنة: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } حيث جىء بواو في الجملة الثانية وحذف الجواب ولم يفعل كذلك في الجملة الأولى، فما قيل: إن الواو في الثانية واو الثمانية لأن المفتح ثمانية أبواب ولما كانت أبواب النار سبعة لا ثمانية لم يؤت بها - وجه ضعيف لا يعول عليه. واستدل المعتزلة بقوله: {طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا } حيث رتب فيه الأمر بالدخول على الطيب والطهارة من دنس المعاصي على أن أحداً لا يدخل الجنة إلا وهو طيب طاهر من المعاصي إما لأنه لم يفعل شيئاً منها أو لأنه تاب عما فعل توبة مقبولة في الدنيا. ورد بأنه وإن دل على أن أحداً لا يدخلها إلا وهو طيب لكن قد يحصل ذلك بالتوبة المقبولة وقد يكون بالعفو عنه أو الشفاعة له أو بعد تمحيصه بالعذاب فلا متمسك فيها للمعتزلة. / وقيل: المراد بالذين اتقوا المحترزون عن الشرك خاصة فطبتم على معنى طبتم عن دنس الشرك ولا خلاف في أن دخول الجنة مسبب عن الطيب والطهارة عنه. وتعقب بأن ذاك خلاف الظاهر لأن التقوى في العرف الغالب تقع على أخص من ذلك لا سيما في معرض الإطلاق والمدح بما عقبه من قوله تعالى: {أية : فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ }تفسير : [الزمر: 74] فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : أطلق على تَقْدِمَة المتقين إلى الجنة فعلُ السَّوق على طريقة المشاكلة لـــ{أية : سيقَ}تفسير : [الزمر: 71] الأولِ، والمشاكلةُ من المحسنات، وهي عند التحقيق من قبيل الاستعارة التي لا علاقة لها إلاّ المشابهة الجُملية التي تحمل عليها مجانسة اللفظ. وجَعلهم زُمراً بحسب مراتب التقوى. والواو في جملة {وفتحت أبوابها} واو الحال، أي حين جاءوها وقد فتحت أبوابها فوجدوا الأبواب مفتوحة على ما هو الشأن في اقتبال أهل الكرامة. وقد وهِم في هذه الواو بعض النحاة مثل ابن خالويه والحريري وتبعهما الثعلبي في «تفسيره» فزعموا أنها واو تدخل على ما هو ثامن إمّا لأن فيه مادة ثمانية كقوله: {أية : ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم}تفسير : [الكهف: 22]، فقالوا في {وفُتحَت أبوابها} جيء بالواو لأن أبْواب الجنة ثمانية، وإما لأنه ثامن في التعداد نحو قوله تعالى: {التائبون العابدون} إلى قوله: {أية : والناهون عن المنكر}تفسير : [التوبة: 112] فإنه الوصف الثامن في التعداد ووقوع هذه الواوات مُصادفة غريبة، وتنبُّه أولئك إلى تلك المصادفة تنبه لطيف ولكنه لا طائل تحته في معاني القرآن بَلْهَ بلاغتِه، وقد زينه ابن هشام في «مغني اللبيب»، وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : التائبون العابدون}تفسير : في سورة [التوبة: 112] وعند قوله: {أية : ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم}تفسير : في سورة [الكهف: 22]. و {إذا} هنا لمجرد الزمان غير مضمنة معنى الشرط، فالتقدير: حتّى زمنِ مجيئهم إلى أبواب الجنة، أي خلَّتهم الملائكة الموكلون بإحفافهم عند أبواب الجنة، كحالة من يُهدي العروس إلى بيتها فإذا أَبلغها بابه خَلَّى بينها وبين بيتها، كأنهم يقولون: هذا منزلكم فدونكموه، فتلقتهم خزنة الجنة بالسلام. و {طبتم} دعاء بالطيب لهم، أي التزكية وطيب الحالة، والجملة إنشاء تكريم ودعاء. والخلاف بين القراء في {فتحت} هنا كالخلاف في نظيره المذكور آنفاً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 32].

القطان

تفسير : حافين من حول العرش: محيطين به. بعد ان بين الله تعالى حالَ أهل النار وكيف يساقون الى جهنم جماعاتٍ باذلالٍ وتوبيخ، وان ابواب جهنم لا تفتح لهم الا عند وصولهم اليها لتبقى حامية تنتظرهم - يذكر هنا حالَ أهل الجنة وما ينتظرهم من استقبال طيب، وثناء ومدح وترحيب. فهم يساقون الى الجنة جماعاتٍ، واذا وصلوها وجدوا ابوابها مفتوحة ليستنشقوا روائحها عن بعد. وهناك يرحب بهم الملائكة بقولهم {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} فيها ابدا في ضيافة رب العالمين، ونعم الضيافة في ذلك النعيم الخالد. وعندما يستقرون فيه مكرّمين معززين يقولون: {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} وحقق لنا ما وعدَنا به على لسان رسله، وملَّكنا الجنة ننزِل منها حيث ما نشاء {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ}. ويومها يكون الملائكة محيطين بالعرش، ينزّهون اللهَ عن كل نقص، ويكون قد قضى بين العباد، وذهب كلٌّ الى مأواه، ونطق الكون كله بحمد ربه. {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. قراءات: قرأ أهل الكوفة: وفُتِحت بتخفيف التاء. والباقون: وفُتِّحت بتشديد التاء. وهكذا تختم هذه السورة الجليلة بهذا المشهد الذي يغمر النفس بالروعة والرهبة والجلال، وقد بدأ الله سبحانه هذه الآية الأخيرة بالحمد وختمها بالحمد، وبهذا يختم المجلد الثالث ونسأل الله حسن الختام.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَآءُوهَا} {أَبْوَابُهَا} {سَلاَمٌ} {خَالِدِينَ} (73) - وَيُوِجَّهُ المُتَّقُونَ إِلَى الجَنَّةِ جَمَاعَاتٍ إِثْرَ جَمَاعَاتٍ: المُقَرَّبُونَ، ثُمَّ الأَبْرَارُ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ.. فَإِذَا وَصَلُوا الجَنَّةَ تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا لاسْتِقْبَالِهِمْ، وَيَسْتَقْبِلُهُمْ حُرَّاسُهَا (خَزَنَتُهَا) بالتَّحِيةِ وَالسَّلاَمِ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ: طَابَتْ أَعْمَالُكُمْ وَأَقْوَالُكُمْ، وَطَابَ سَعْيُكُمْ وَجَزَاؤُكُمْ، فَادْخُلُوا الجَنَّةَ لِتَمْكُثُوا فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً. طِبْتُمْ - طَهُرْتُمْ مِنْ دَنَسِ الكُفْرِ والمَعَاصِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا أيضاً ساقتهم الملائكة مع الفارق بين سَوْق الكافرين وسَوْق المتقين، فالكافرون ساقتهم الملائكة ليعجلوا لهم العذاب سَوْقاً فيه زجر وقسوة، أما المتقون فيُساقون سَوْق المحب لحبيبه ليعجلوا لهم النعيم. وقوله (زمراً) يعني: جماعات كل جماعة على حِدَة، فهؤلاء الزهاد وهؤلاء العلماء وهؤلاء المجاهدون وهؤلاء الأمناء {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ..} [الزمر: 73] هناك قال (فًتِحَتْ) وهنا (وَفُتِحَتْ) قالوا في أهل النار (فُتِحَتْ) هي جواب الشرط، أما هنا (وَفَتِحَتْ) ليستْ جواباً للشرط، بل جواب الشرط في النعيم المذكور بعدها، لأن فتح الأبواب ليس هو الغاية، إنما الغاية ما يتبع ذلك من النعيم. فالواو هنا عاطفة وجملة {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ..} [الزمر: 73] معطوفة على {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا ..} [الزمر: 73] ذلك لأن المؤمنين ما كانوا يشكّون في هذا اليوم، أما الكفّار فيشكونَ فيه لذلك جعل {أية : فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ..}تفسير : [الزمر: 71] جواباً للشرط قبلها. أما في المتقين فجواب الشرط أسمى من مجرد فتح الأبواب لهم، ففتحت هذه مداخل الرحمة التي سيذكرها بعد، ويذكر مكوناتها، وكيف أنها تتدرج بداية من تحية الملائكة لهم: {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ ..} [الزمر: 73] لأنكم طهرتم أنفسكم من دنس المعاصي والشرك {فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] إلى آخر السورة، حيث يروْنَ الملائكة حافّين من حول العرش، وهذا هو جواب الشرط الذي يليق بهم. جماعة أخرى من العلماء قالوا: إن جواب الشرط هو (وفتحت) والواو هذه واو الثمانية، فما المراد بواو الثمانية؟ قالوا: كان منتهى العدد عند العرب سبعة، فإذا جاء شيء بعد السبعة يعدُّونه كلاماً جديداً فيعطفونه بالواو، ومن ذلك قوله تعالى في أهل الكهف: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ..} تفسير : [الكهف: 22] فقبل الثامن يذكر الواو. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 112] فكلمة الناهون هي الثامنة لذلك سُبقت بالواو. وقال بعضهم: إن من ذلك قوله تعالى في سورة التحريم: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} تفسير : [التحريم: 5]. نعم كلمة (أبكاراً) هنا هي الثامنة، لكن الواو جاءت هنا للفصل بين الاثنين، فالثيبات لا يكُنَّ أبداً أبكاراً. إذن: فهذه الآية لا يُحتجّ بها في هذا الموضوع، إنما يُحتج بآية الكهف وآية التحريم، على أن العدد سبعة هو منتهى العدد عند العرب، وكذلك العدد ألف. لذلك لما وقعتْ ابنة كسرى في الأَسْر وذهبتْ لتفدي نفسها، فقالوا لمن أخذها في حصته: كم تطلب فيها؟ قال: ألف دينار، فقالوا له: إنها بنت كسرى. يعني: كان بإمكانك أن تزيد على ذلك فقال: والله لو كنتُ أعلم أن وراء الألف عدداً لقُلْته. ونحن لا نرى هذا الرأي، فكلمة (وَفُتِحَتْ) ليستْ هي جواب الشرط هنا، لأن جواب الشرط بالنسبة للمتقين أسمى من فتح الأبواب لهم وأسمى من قَوْل الملائكة لهم {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ ..} [الزمر: 73] وأسمى من {طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] لأن الحق سبحانه سيقول بعد ذلك: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ..} تفسير : [الزمر: 75] فذكر العرش هنا والملائكة تطوف به مُسبِّحة بحمد ربهم فيه إِشارة إلى منتهى النعيم الذي سيلاقيه المتقون، حيث يروْنَ الحق سبحانه الذي استوى على هذا العرش، هذه هي الغاية التي يناسب أن تكون جواباً للشرط السابق. لكن لماذا أخفى اللهُ جوابَ الشرط هكذا؟ قالوا: لأنه لو قالها أي: "حديث : فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"تفسير : لو قالها الآن لكانت قد سمعت، إنما أراد سبحانه أن تكون مفاجأة على أنها مما لا يخطر على قلب بشر، يعني: لا تأتي على البال. فمثلاً في فاكهة الجنة يأتي لي بالفاكهة التي أعرفها كالتفاح والمانجو مثلاً نحن نعرفها في الدنيا، لأنه لو أتى بفاكهة جديدة لم نعرفها في الدنيا لَقُلْنا: لو كانت في الدنيا لكانت مثل هذا شكلاً وطعماً، لذلك تأتي الفاكهة مما نعرفه في الدنيا، لكن بمواصفات أخرى يتحقق فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر. إذن: التفاضل يأتي من كَوْنها في الجنة، ثم لو جاءت لي الفاكهة في الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فكيف لو جاءت للمرة الثانية؟ لا بد أنني سأكون قد رأيتها من قبل وخطرتْ على بالي، فحين أرى المانجو مثلاً أقول: أنا أكلتُها قبل ذلك. قالوا: لا بل ستكون على هيئة أخرى، ولون آخر، وطعم آخر غير الذي أكلتُه في المرة الأولى، وهكذا يتحقق في نعيم الجنة ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلب بشر. لذلك يقول تعالى: {أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً ..} تفسير : [البقرة: 25].

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ} /67 ظ/ [الآية: 73]. يعني: كنتم طيبين بطاعة الله، عز وجل.

الجيلاني

تفسير : {وَسِيقَ} أيضاً سوق الحمام إلى المسرح {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ} عن محارم الله بمقتضى أوامره ونواهيه الجارية على ألسنة رسله وكتبهم {إِلَى ٱلّجَنَّةِ} المعدة لفيضان أنواع اللذات الروحانية على أهلها {زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا} فرحين مسرورين، وتحننوا نحوها {وَ} قد {فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} عناية من الله إياهم {وَقَالَ لَهُمْ} حينئذ {خَزَنَتُهَا} ترحيباً وتكريماً: {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ} أيها المهديون المهتدون الذين {طِبْتُمْ} وطهرتم أنفسكم في دار الاختبار عن دنس الشهوات ورين المزخرفات {فَٱدْخُلُوهَا} أي: الجنة المشتملة على أنواع الكرامات وأصناف السعادات الآن، وكونوا {خَالِدِينَ} [الزمر: 73] فيها أبد الآباد بلا نقل وتحويل، إلا إلى ما شاء الله لأهل العناية من الدرجات العلية التي لا تكتنه ولا توصف. {وَ} بعدما تمكنوا في مقر العز والحضور {قَـالُواْ} مسترجعين إلى الله، عادين موائد إنعامه وإفضاله على أنفسهم، قائمين لأداء حقوقها: {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ} والمنة لله {ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} أي: جميع ما وعدنا الله به في النشأة الأولى بوحيه النازل على ألسنة أنبيائه ورسله من المعتقدات الاخروية. {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} أي: المقر الموجود الذي بشرنا به الرسل الكرام، وهي الجنة الموروثة لأهل العناية من سوابق الإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة الصادرة منهم في دار الاختبار، ومكننا فيه؛ بحيث {نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ} وننزل {حَيْثُ نَشَآءُ} يعني: ينزل ويستريح كل منَّا حي شاء وأراد من المقامات البهية الدرجات العلية، بلا مضايقة وممانعة {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [الزمر: 74] المخلصين المخلِّصين نفوسهم عن أودية الجهالات والضلالات بنور الآيات البينات، الواصلين إلى روضة الرضا وجنة التسليم، اللهم ارزقنا بلطفك العميم، واجعلنا من ورثة جنة النعيم. {وَ} بعدما تقرر أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة {تَرَى} أيها المعتبر المنكشف بكمال عظمة الله وجلاله {ٱلْمَلاَئِكَةَ} أي: الأسماء والصفات الإلهية، عبر عنها سبحانه بالملائكة المهيمين المستغرقين بمطالعة وجهه الكريم {حَآفِّينَ} صافين محدقين محلقين {مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} أي: حول عرشه العظيم المستغني عن عروش مطلق المظاهر، والحال الكائنة في عالمي الغيب والشهادة؛ إذ هو سبحانه غني بذاته عن مطلق التعينات الطارئة على شئونه وتطوراته، لذلك {يُسَبِّحُونَ} وينزهون أولئك المهيمون ذاته سبحانه عن سمات الحدوث والإمكان مطلقاً دائماً، ويواظبون {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} على ما وهب هلم المعرفة بعلو شأنه وسمو برهانه، وباستغنائه في ذاته عن مظاهر أوصافه وأسمائه جميعاً {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} أي: هم يحمدونه ويثنون عليه سبحانه أيضاً على عموم قضائه وحكمه، وأحكامه الجارية بين عباده بمقتضى العدل القويم. {وَ} بالجملة: {قِيلَ} من قبل كل من يتأتى منه الرجوع إليه سبحانه والتوجه نحوه طوعاً على الوجه الذي أمر به: {ٱلْحَمْدُ} المطلق المستوعب لجمع الأثنية والمحامد الصادرة من عموم المظاهر ثابت {لِلَّهِ} أي: للذات المستجمع لجميع أوصاف الكمال بالاستحقاق والاستقلال لكونه {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] بمقتضى توحيده وانفراده، فيكون جميع محامدهم مختصة به سبحانه؛ إذ لا مربي لهم سواه. حققنا بكرمك بحق قدرك وبقدر حقك يا ذا القوة المتين. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي القاصد للتحقيق والإدراك بكمال عظمة الله وجلاله، أن تتأمل في أواخر هذه السورة، وتتعمق فيها وفي كشف سرائرها ومرموزاتها وإشاراتها الخفية وعباراتها المنبهة على وحدة الحق وحقيته؛ لينكشف لك أنه لا شغله شأن عن شأن، ولا يقدر تحقق وقيوميته زمان ومكان، بل هو كائن على ما كان في كل آن وشأن بلا زمان ومكان.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن سوق أهل التُقى إلى جنة المأوى بقوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ} [الزمر: 73]، يشير إلى أنهم سيقوا بداعية الإيمان على أقدام الأعمال الصالحة {إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} [الزمر: 73] فرقة فرقة، كل فرقة على قدم خلق آخر، ولكنه سوق بغير تعب ولا نصب، بل سوق بروح وطرب، هؤلاء عوام أهل الجنة، وفوق هؤلاء قوله: {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}تفسير : [ق: 31]، وفوقهم من قال فيهم: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم: 85]، وفرق بين من يساق إلى الجنة وبين من تقربت منه الجنة، وفي الحقيقة أهل السوق الظالمون، وأهل الزلفة المقتصدون، وأهل الوفد السابقون، {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73]؛ أي: وجدوا أبوابها مفتوحة؛ لئلا يصيبهم وصب الانتظام، {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] هذا لعوام أهل الجنة، ولخواصهم قوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس: 58]، {وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} [الزمر: 74]، للعوام بقوله: {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [الزمر: 74]، وللخواص صدقهم وعده بقوله: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26]، ولأخص الخواص أصدقهم وعده بقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ 5 فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55] فنعم أجر العاشقين. وبقوله: {وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الزمر: 75]، يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وخواص متابعيه من أمته إذا كانوا {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55] في جوار رب العالمين وكمال قرب أو أدنى ترى يا محمد الملائكة حافين من حول العرش، ولا حول لهم ولا قوة على العبور، والوصول إلى العرش وهم {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الزمر: 75]، راضون قائمون بذلك، {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} [الزمر: 75]؛ يعني: بين الملائكة وبين الأنبياء والأولياء بما أعطي كل فريق منهم من المراتب والمنازل ما أعطي، {وَقِيلَ} [الزمر: 75]؛ يعني: قال كل فريق منهم {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] على ما أنعم علينا به.

همام الصنعاني

تفسير : 2646- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال: تلا عليٌّ {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً}: [الآية: 73] قال: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا} وجدزوا عند باب الجنَّةِ شجرة يخرج من ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها، فاغتسلوا فيها فَلَنْ تشعث رؤوسهم بعدها أبداً، كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى الأخرى فشربوا منها، فطهرت أجوافهم وغلست كل قذر فيهم، وتتلقاهم الملائكة على باب الجنة {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}: [الآية: 73]، ويتلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يجيء من الغيبة، يقولون: أليس أَعَدَّ الله لك كذا وأَعَدَّ الله لك كذا، ثم يذهب الغلام منهم إلى الزوجة من أزواجه فيقول: قد جاء فلان باسمه الذي كان يُدعَى في الدنيا، فتقول: أنت رأيته فيقول: نعم، فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها ثم ترجع فتجيء، فينظر إلى تأسيس بنيانه من جندل اللؤلؤ بين أحمر وأصفر وأخضر من كل لون ثم يجلس فنيظر فإذا {أية : وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}تفسير : : [الغاشية: 16] {أية : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ}تفسير : : [الغاشية: 15] {وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ}: [الغاشية: 14]، ثم يرفع رأسه فينظر إلى سقف بنيانه، فلولا أن الله قدر ذلك (له) لأَلِمَ أن يذهب ببصره إنما هو مثل البرق، فيقول: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ}تفسير : : [الأعراف: 43]. 2647- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي مثله إلاَّ أنه يزيد وينقص في اللفظ؛ والمَعْنى واحِدٌ. 2648- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن أبي إسحاق، أن الأغر حدَّثه عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : ثم يُنَادِي منادٍ: أَنَّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وأنَّ لكم أن تصلحوا فلا تسقموا أبداً وأنَّ لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأَنَّ لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبداً"تفسير : فذلك قوله: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : : [الأعراف: 43]. 2649- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن مَيْمُونٍ الأودي، عن ابن مسعود قال: إنَّ المرأة من الحور العين، ليرى مخ ساقِهَا من وراء اللحم والعظم ومن تحت سبعين حلَّة، كما يُرَى الشَّرَاب الأحمر في الزجاجة البيضاء.