Verse. 4134 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

حٰـمۗ۝۱ۚ
Hameem

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«حَم» الله أعلم بمراده به.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي حم بكسر الحاء، والباقون بفتح الحاء، ونافع في بعض الروايات، وابن عامر بين الفتح والكسر وهو أن لا يفتحها فتحاً شديداً، قال صاحب «الكشاف»: قرىء بفتح الميم وتسكينها، ووجه الفتح التحريك لالتقاء الساكنين وإيثار أخف الحركات نحو: أين وكيف، أو النصب بإضمار إقرأ، ومنع الصرف إما للتأنيث والتعريف، من حيث إنها اسم للسورة وللتعريف، وإنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل، وأما السكون فلأنا بينا أن الأسماء المجردة تذكر موقوفة الأواخر. المسألة الثانية: الكلام المستقصى في هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة، والأقرب ههنا أن يقال حم اسم للسورة، فقوله {حـم } مبتدأ، وقوله {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ } خبر والتقدير أن هذه السورة المسماة بحم تنزيل الكتاب، فقوله {تَنزِيلَ } مصدر، لكن المراد منه المنزل. وأما قوله {مِنَ ٱللَّهِ } فاعلم أنه لما ذكر أن {حـم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } وجب بيان أن المنزل من هو؟ فقال: {مِنَ ٱللَّهِ } ثم بيّن أن الله تعالى موصوف بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير ذلك حاملاً على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع وزجره عن التهاون والتواني فيه، فبين أن المنزل هو {ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ }. واعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم بالله ما هو؟ فقال جمع عظيم، أنه العلم بكونه قادراً وبعده العالم بكونه عالماً، إذا عرفت هذا فنقول {ٱلْعَزِيزُ } له تفسيران أحدهما: الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة والثاني: الذي لا مثل له، ولا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا القادر، لأن قوله تعالى: {ٱللَّهِ } يدل على كونه قادراً، فوجب حمل {ٱلْعَزِيزُ } على المعنى الثاني وهو الذي لا يوجد له مثل، وما كان كذلك وجب أن لا يكون جسماً، والذي لا يكون جسماً يكون منزّهاً عن الشهوة والنفرة، والذي يكون كذلك يكون منزّهاً عن الحاجة. وأما {ٱلْعَلِيمُ } فهو مبالغة في العلم، والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، فقوله {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق، الغني المطلق، العالم المطلق، ومن كان كذلك كان عالماً بوجوه المصالح والمفاسد، وكان عالماً بكونه غنياً عن جر المصالح ودفع المفاسد، ومن كان كذلك كان رحيماً جواداً، وكانت أفعاله حكمة وصواباً منزّهة عن القبيح والباطل، فكأنه سبحانه إنما ذكر عقيب قوله {تَنزِيلَ } هذه الأسماء الثلاثة لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا التنزيل حقاً وصواباً، وقيل الفائدة في ذكر {ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } أمران أحدهما: أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن المصالح والإعجاز، ولولا كونه عزيزاً عليماً لما صح ذلك والثاني: أنه تكفل بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف، وذلك لا يتم إلا بكونه عزيزاً لا يغلب وبكونه عليماً لا يخفى عليه شيء، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد والترهيب والترغيب، فقال: {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } فهذه ستة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله {غَافِرِ ٱلذَّنبِ } قال الجبائي: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه، ومراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة كان ثوابها أعظم من عقاب هذه المعصية أو ما كان الأمر كذلك فإن كان الأول كانت هذه المعصية صغيرة فيحبط عقابها، وإن كان الثاني كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا بالتوبة، ومذهب أصحابنا أن الله تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة، وهذه الآية تدل على ذكل وبيانه من وجوه الأول: أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة من الأمور الواجبة على العبد، وجميع الأنبياء والأولياء والصالحين من أوساط الناس مشتركون في فعل الواجبات، فلو حملنا كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبق بينه وبين أقل الناس من زمرة المطيعين فرق في المعنى الموجب لهذا المدح وذلك باطل، فثبت أنه يجب أن يكون المراد منه كونه غافر الكبائر قبل التوبة وهو المطلوب الثاني: أن الغفران عبارة عن الستر ومعنى الستر إنما يعقل في الشيء الذي يكون باقياً موجوداً فيستر، والصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها، فمعنى الغفر فيها غير معقول، ولا يمكن حمل قوله {غَافِرِ ٱلذَّنبِ } على الكبيرة بعد التوبة، لأن معنى كونه قابلاً للتوب ليس إلا ذلك، فلو كان المراد غافر الذنب هذا المعنى لزم التكرار وإنه باطل فثبت أن كونه غافر الذنب يفيد كونه غافراً للذنوب الكبائر قبل التوبة الثالث: أن قوله {غَافِرِ ٱلذَّنبِ } مذكور في معرض المدح العظيم، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح، وذلك هو كونه غافراً للكبائر قبل التوبة، وهو المطلوب. الصفة الثانية: {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } وفيه بحثان: الأول: في لفظ التوب قولان: الأول: أنه مصدر وهو قول أبي عبيدة، والثاني: أنه جماعة التوبة وهو قول الأخفش، قال المبرد يجوز أن يكون مصدراً يقال تاب يتوب توباً وتوبة مثل قال يقول قولاً وقولة، ويجوز أن يكون جمعاً لتوبة فيكون توبة وتوب مثل ثمرة وثمر إلا أن المصدر أقرب لأن على هذا التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل. الثاني: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل، وليس بواجب على الله، وقالت المعتزلة إنه واجب على الله واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلاً للتوب على سبيل المدح والثناء، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات. الصفة الثالثة: قوله {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } وفيه مباحث: البحث الأول: في هذه الآية سؤال وهو أن قوله {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } يصلح أن يكون نعتاً للنكرة ولا يصلح أن يكون نعتاً للمعرفة تقول مررت برجل شديد البطش، ولا تقول مررت بعبد الله شديد البطش، وقوله الله اسم علم فيكون معرفة فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفاً للنكرة؟ قالوا وهذا بخلاف قولنا غافر الذنب وقابل التوب لأنه ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غداً، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش، وأما {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } فمشكل لأنه في تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة، وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه بوجوه الأول: أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله {أية : وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ * ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } تفسير : [البروج: 14 ـ 16] والثاني: قال الزجاج إن خفض {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } على البدل، لأن جعل النكرة بدلاً من المعرفة وبالعكس أمر جائز، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلاً من الصفات فيه نبوّة ظاهرة الثالث: أنه لا نزاع في أن قوله {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } يحسن جعلهما صفة، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام والاستمرار، فكذلك قوله {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } يفيد معنى الدوام والاستمرار، لأن صفات الله تعالى منزّهة عن الحدوث والتجدد، فكونه {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } معناه كونه بحيث يشتد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبداً، وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك، فهذا ما قيل في هذا الباب. البحث الثاني: هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة والفضل، لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب، وهو كونه غافر الذنب وقابل التوب وذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة، وهو قوله {ذِى ٱلطَّوْلِ }، فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقاً بتينك الصفتين وملحوقاً بهذه الصفة، دل ذلك على أن جانب الرحمة والكرم أرجح. البحث الثالث: لقائل أن يقول ذكر الواو في قوله {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } ولم يذكرها في قوله {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } فما الفرق؟ قلنا إنه لو لم يذكر الواو في قوله {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } لاحتمل أن يقع في خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلا كونه قابل التوب، أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال، لأن عطف الشيء على نفسه محال، أما كونه شديد العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } فاستغنى به عن ذكر الواو. الصفة الرابعة: {ذي ٱلطَّوْلِ } أي ذي التفضل يقال طال علينا طولاً أي تفضل علينا تفضلاً، ومن كلامهم طل علي بفضلك، ومنه قوله تعالى: {أية : أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ } تفسير : [الزمر: 86] ومضى تفسيره عند قوله {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } تفسير : [النساء: 25] واعلم أنه لم يصف نفسه بكونه {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لا بد وأن يكون المراد بكونه تعالى آتياً بالعقاب الشديد الذي لا يقبح منه إتيانه به، بل لا يجوز وصفه تعالى بكونه آتياً لفعل القبيح، وإذا ثبت هذا فنقول: ذكر بعده كونه ذا الطول وهو كونه ذا الفضل، فيجب أن يكون معناه كونه ذا الفضل بسبب أن يترك العقاب الذي له أن يفعله لأنه ذكر كونه ذا الطول ولم يبين أنه ذو الطول فيماذا فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول في الأمر الذي سبق ذكره، وهو فعل العقاب الحسن دفعاً للإجمال، وهذا يدل على أنه تعالى قد يترك العقاب الذي حسن منه تعالى فعله، وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز وهو المطلوب. الصفة الخامسة: التوحيد المطلق وهو قوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } والمعنى أنه وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، أما إذا كان واحداً وليس له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة، فكان الترغيب والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد. الصفة السادسة: قوله {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } وهذه الصفة أيضاً مما يقوي الرغبة في الإقرار بعبوديته، لأنه بتقدير أن يكون موصوفاً بصفات الفضل والكرم وكان واحداً لا شريك له، إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلاً لم يكن الخوف الشديد حاصلاً من عصيانه، أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلاً كان الخوف أشد والحذر أكمل، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الصفات، واحتج أهل التشبيه بلفظة إلى، وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية، والجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب. واعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره فقال: {مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الجدال نوعان جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النمل: 125] وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام {أية : يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } تفسير : [هود: 32] وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال: {مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وقال: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } تفسير : [الزخرف: 58] وقال: {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن جدالاً في القرآن كفر» تفسير : فقوله إن جدالاً على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال لأجل تقريره والذب عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن جدالاً في القرآن كفر» تفسير : وقال: «حديث : لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر». تفسير : المسألة الثانية: الجدال في آيات الله هو أن يقال مرة إنه سحر ومرة إنه شعر ومرة إنه قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا مما كانوا يقولونه من الشبهات الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا وأعرضوا عن الحق. ثم قال تعالى: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ } أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون للتجارات وطلب المعاش، فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ولهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها ويربحون، ثم كشف عن هذا المعنى فقال: {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ } فذكر من أولئك المكذبين قوم نوح والأحزاب من بعدهم أي الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد وثمود وغيرهم، كما قال في سورة صۤ [12، 13] {أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَـٰبُ الأَيْكَةِ أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَابُ } تفسير : وقوله {وَهَمَّتْ كُـلُّ أمَة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } أي وعزمت كل أمة من هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه ويعذبوه ويحبسوه {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ } أي هؤلاء جادلوا رسلهم بالباطل أي بإيراد الشبهات {لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } أي أن يزيلوا بسبب إيراد تلك الشبهات الحق والصدق {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } أي فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا، فكيف كان عقابي إياهم، أليس كان مهلكاً مستأصلاً مهيباً في الذكر والسماع، فأنا أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله، ثم كشف عن هذا المعنى فقال: {وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } أي ومثل الذي حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت كلمتي أيضاً على هؤلاء الذين كفروا من قومك فهم على شرف نزول العقاب بهم قال صاحب «الكشاف» {أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } في محل الرفع بدل من قوله {كلمة ربك } أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار، ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشاقوة لازم لا يمكن تغييره، فقالوا إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم وذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان، لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه الكلمة الحقة، ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته، ضرورة أن المتمكن من الشيء يجب كونه متمكناً من كل ما هو من لوازمه، ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا بهذه الآية فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبداً، وذلك تكليف ما لا يطاق، وقرأ نافع وابن عامر {حَقَّتْ كَلِمَـٰتُ رَبَّكَ } على الجمع والباقون على الواحد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ } اختلف في معناه؛ فقال عكرمة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : {حـمۤ } اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربك» تفسير : قال ابن عباس: «حمۤ» اسم الله الأعظم. وعنه: «الۤر» و«حمۤ» و«نۤ» حروف الرحمن مقطعة. وعنه أيضاً: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقال قتادة؛ إنه اسم من أسماء القرآن. مجاهد: فواتح السور. وقال عطاء الخراساني: الحاء افتتاح اسمه حميدٌ وحنّانٌ وحليمٌ وحكيمٌ، والميم افتتاح اسمه ملكٌ ومجيدٌ ومنّانٌ ومتكبرٌ ومصوّرٌ؛ يدلّ عليه ما روى أنس حديث : أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما «حم» فإنا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بدء أسماء وفواتح سور»تفسير : . وقال الضحاك والكسائي: معناه قُضِي ما هو كائن. كأنه أراد الإشارة إلى تهجي «حمۤ»؛ لأنها تصير حُمَّ بضم الحاء وتشديد الميم؛ أي قُضِي ووَقَع. قال كعب بن مالك:شعر : فلمّا تَلاَقَيْنا ودارت بِنَا الرَّحى ولَيْسَ لأَمْرٍ حمَّه الله مَدْفَعُ تفسير : وعنه أيضاً: إن المعنى حُمَّ أمر الله أي قرب؛ كما قال الشاعر:شعر : قد حُمَّ يومِي فسُرَّ قومٌ قومٌ بهم غَفْلَةٌ ونَومٌ تفسير : ومنه سمّيت الحُمَّى؛ لأنها تقرّب من المنية. والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر. وقيل: حروف هجاء؛ قال الجرمي: ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت مخرج التهجي، وإذا سميّت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت؛ فتقول قرأت «حۤم» فتنصب؛ قال الشاعر:شعر : يُذَكِّرني حاميمَ والرُّمحُ شاجِرٌ فهلاَّ تلا حاميمَ قَبْلَ التَّقدُّمِ تفسير : وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: «حۤم» بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين. ابن أبي إسحاق وأبو السَّمَّال بكسرها. والإمالة والكسر لالتقاء الساكنين، أو على وجه القسم. وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم. الباقون بالوصل. وكذلك في «حۤم. عَسَقۤ». وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء. وروي عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة. الباقون بالفتح مشبعاً. قوله تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} ابتداء والخبر {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}. ويجوز أن يكون «تَنْزِيلُ» خبرا لمبتدأ محذوف؛ أي هذا «تَنْزِيلُ الْكِتَابِ». ويجوز أن يكون «حمۤ» مبتدأ و«تَنْزِيلُ» خبره والمعنى: أن القرآن أنزله الله وليس منقولاً ولا مما يجوز أن يكذّب به. قوله تعالى: {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} قال الفراء: جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة. وقال الزجاج: هي خفض على البدل. النحاس: وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن «غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ» يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل، ويجوز النصب على الحال، فأما «شَدِيدِ الْعِقَابِ» فهو نكرة ويكون خفضه على البدل. قال ابن عباس: «غَافِرِ الذَّنْبِ» لمن قال: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله» «وَقَابِلِ التَّوْبِ» ممن قال: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله» «شَدِيدِ الْعِقَابِ» لمن لم يقل: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله». وقال ثابت البُنَاني: كنت إلى سرادق مُصْعَب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب، قال: فاستفتحت {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } فمر عليّ رجل على دابة فلما قلت «غَافِرِ الذَّنْبِ» قال: قل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، فلما قلت: «قَابِلِ التوْبِ» قال: قل يا قابل التوب تقبل توبتي، فلما قلت: «شَدِيدِ الْعِقَابِ» قال: قل يا شديد العقاب اعف عني، فلما قلت: «ذِي الطَّوْلِ» قال: قل يا ذا الطول طُلْ عليّ بخير؛ فقمت إليه فَأُخِذَ ببصري، فالتفت يميناً وشمالاً فلم أر شيئاً. وقال أهل الإشارة: «غَافِرِ الذَّنْبِ» فضلاً «وَقَابِلِ التَّوْبِ» وعداً «شَدِيدِ الْعِقَابِ» عدلاً «لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» فرداً. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام؛ فقيل له: تتابع في هذا الشراب؛ فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً، ثم أمر مَن عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذّرني عقابه، فلم يبرح يردّدها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر أمرُه قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زلّ زلّة فسدّدوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه. و«التَّوْب» يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توباً، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دَوْمَة ودَوْم وعَزْمة وعَزْم؛ ومنه قوله:شعر : فَـيَـخْـبـو سـاعَـةً ويَـهُـبُّ سـاعـا تفسير : ويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة. قال أبو العباس: والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدراً؛ أي يقبل هذا الفعل، كما تقول قال قولاً، وإذا كان جمعاً فمعناه يقبل التوبات. {ذِي ٱلطَّوْلِ} على البدل وعلى النعت؛ لأنه معرفة. وأصل الطول الإنعام والتفضل يقال منه: اللهم طُلْ علينا أي أنعم وتفضل. قال ابن عباس: «ذِي الطَّوْلِ» ذي النعم. وقال مجاهد: ذي الغنى والسعة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً}تفسير : [النساء: 25] أي غنى وسعة. وعن ابن عباس أيضاً: «ذِي الطَّوْلِ» ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. وقال عكرمة: {ذِي ٱلطَّوْلِ} ذي المنّ. قال الجوهري: والطَّوْل بالفتح المنّ؛ يقال منه طال عليه وتطوّل عليه إذا امتن عليه. وقال محمد بن كعب: «ذِي الطَّوْلِ» ذي التفضل؛ قال الماوردي: والفرق بين المنّ والتفضل أن المنّ عفو عن ذنب. والتفضل إحسان غير مستحقّ. والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره. وقيل: لأنه طالت مدّة إنعامه. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجع. قوله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} سجل سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر، والمراد الجدال بالباطل، من الطعن فيها، والقصد إلى إدحاض الحق، وإطفاء نور الله تعالى. وقد دل على ذلك في قوله تعالى: {أية : وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ}تفسير : [غافر: 5]. فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها، ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» عند قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ}تفسير : [البقرة: 258] مستوفى. {فَلاَ يَغْرُرْكَ} وقرىء: «فَلاَ يَغُرَّكَ» {تَقَلُّبُهُمْ} أي تصرفهم {فِي ٱلْبِلاَدِ} فإني وإن أمهلتهم لا أهملهم بل أعاقبهم. قال ابن عباس: يريد تجارتهم من مكة إلى الشام وإلى اليمن. وقيل: «لاَ يَغْرُرْكَ» ما هم فيه من الخير والسعة في الرزق فإنه متاع قليل في الدنيا. وقال الزجاج: «لاَ يَغْرُرْكَ» سلامتهم بعد كفرهم فإن عاقبتهم الهلاك. وقال أبو العالية: آيتان ما أشدّهما على الذين يجادلون في القرآن: قوله: «مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا»، وقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} تفسير : [البقرة: 176].

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها خمس وثمانون بسم الله الرحمن الرحيم {حَـم} أماله ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر صريحاً، ونافع برواية ورش وأبو عمرو بين بين، وقرىء بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين، أو النصب بإضمار اقرأ ومنع صرفه للتعريف والتأنيث، أو لأنها على زنة أعجمي كقابيل وهابيل. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } لعل تخصيص الوصفين لما في القرآن من الإِعجاز والحكم الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة.

ابن كثير

تفسير : أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقد قيل: إن { حـمۤ} اسم من أسماء الله عز وجل، وأنشدوا في ذلك بيتاً:شعر : يُذَكِّرُني حاميمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ فَهَلاَّ تَلاحاميمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ تفسير : وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن بيتم الليلة، فقولوا: حم لا ينصرون» تفسير : وهذا إسناد صحيح، واختار أبو عبيد أن يروى: فقولوا: حم، لا ينصروا، أي: إن قلتم ذلك، لا ينصروا، جعله جزاء لقوله: فقولوا. وقوله تعالى: { تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي: تنزيل هذا الكتاب، وهو القرآن، من الله ذي العزة والعلم، فلا يرام جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه. وقوله عز وجل: {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه. وقوله جل وعلا: {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: لمن تمرد وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى، وهذه كقوله: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} تفسير : [الحجر:49-50] يقرن هذين الوصفين كثيراً في مواضع متعددة من القرآن؛ ليبقى العبد بين الرجاء والخوف، وقوله تعالى: {ذِى ٱلطَّوْلِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني: السعة والغنى، وهكذا قال مجاهد وقتادة، وقال يزيد بن الأصم: ذي الطول، يعني: الخير الكثير. وقال عكرمة: {ذِى ٱلطَّوْلِ} ذي المن. وقال قتادة: ذي النعم والفواضل، والمعنى أنه المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه من المنن والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : الآية [إبراهيم: 34]. وقوله جلت عظمته: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا إله غيره، ولا رب سواه {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي: المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، {أية : وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [الرعد: 41] وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر رضي الله عنه: {حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} وقال: اعمل ولا تيأس. رواه ابن أبي حاتم: واللفظ له، وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا عمر، يعني: ابن أيوب، حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ففقده عمر، فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب. قال: فدعا عمر كاتبه: فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه، ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه، جعل يقرؤه ويردده ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان، وزاد: فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاً لكم زل زلة، فسددوه ووثقوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبَّة، حدثنا حماد بن واقد، حدثنا أبو عمر الصفار، حدثنا ثابت البناني قال: كنت مع مصعب بن الزبير رضي الله عنه في سواد الكوفة، فدخلت حائطاً أصلي ركعتين، فافتتحت حم المؤمن حتى بلغت: لا إله إلا هو إليه المصير، فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء، عليه مقطعات يمنية، فقال: إذا قلت: غافر الذنب، فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، وإذا قلت: وقابل التوب، فقل: يا قابل التوب اقبل توبتي، وإذا قلت: شديد العقاب، فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، قال: فالتفت فلم أر أحداً، فخرجت إلى الباب فقلت: مر بكم رجل عليه مقطعات يمنية؟ قالوا: ما رأينا أحداً، فكانوا يرون أنه إلياس، ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه، وليس فيه ذكر إلياس، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {حم } الله أعلم بمراده به.

الشوكاني

تفسير : قوله: {حـم } قرأ الجمهور بفتح الحاء مشبعاً، وقرأ حمزة، والكسائي بإمالته إمالة محضة. وقرأ أبو عمرو بإمالته بين بين، وقرأ الجمهور: {حمۤ} بسكون الميم كسائر الحروف المقطعة. وقرأ الزهري بضمها على أنها خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ، والخبر ما بعده. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بفتحها على أنها منصوبة بفعل مقدر، أو على أنها حركة بناء لا حركة إعراب. وقرأ ابن أبي إسحاق، وأبو السماك بكسرها لالتقاء الساكنين، أو بتقدير القسم. وقرأ الجمهور بوصل الحاء بالميم. وقرأ أبو جعفر بقطعها. وقد اختلف في معناه، فقيل: هو اسم من أسماء الله، وقيل: اسم من أسماء القرآن. وقال الضحاك، والكسائي معناه: قضى، وجعلاه بمعنى حمّ أي: قضى، ووقع، وقيل: معناه حمّ أمر الله، أي: قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه. وهذا كله تكلف لا موجب له، وتعسف لا ملجىء إليه، والحق أن هذه الفاتحة لهذه السورة، وأمثالها: من المتشابه الذي استأثر الله بعلم معناه كما قدّمنا تحقيقه في فاتحة سورة البقرة. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } هو: خبر لـ {حمۤ} على تقدير أنه مبتدأ، أو خبر لمبتدأ مضمر، أو هو: مبتدأ، وخبره {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } قال الرازي: المراد بتنزيل المنزل، والمعنى: أن القرآن منزل من عند الله ليس بكذب عليه. والعزيز: الغالب القاهر، والعليم: الكثير العلم بخلقه، وما يقولونه، ويفعلونه. {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ } قال الفرّاء: جعلها كالنعت للمعرفة، وهي: نكرة، ووجه قوله هذا: أن إضافتها لفظية، ولكنه يجوز أن تجعل إضافتها معنوية كما قال سيبويه: إن كل ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل محضة، وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة. وأما الكوفيون، فلم يستثنوا شيئاً بل جعلوا الصفة المشبهة كاسم الفاعل في جواز جعلها إضافة محضة، وذلك حيث لا يراد بها زمان مخصوص، فيجوّزون في {شديد} هنا أن تكون إضافته محضة. وعلى قول سيبويه: لا بدّ من تأويله بمشدّد. وقال الزجاج: إن هذه الصفات الثلاث مخفوضة على البدل. وروي عنه: أنه جعل غافر، وقابل مخفوضين على الوصف، وشديد مخفوض على البدل، والمعنى: غافر الذنب لأوليائه، وقابل توبتهم، وشديد العقاب لأعدائه، والتوب مصدر بمعنى: التوبة من تاب يتوب توبة، وتوباً، وقيل: هو جمع توبة، وقيل: غافر الذنب لمن قال: لا إلٰه إلا الله، وقابل التوب من الشرك، وشديد العقاب لمن لا يوحده، وقوله: {ذِى ٱلطَّوْلِ } يجوز أن يكون صفة، لأنه معرفة، وأن يكون بدلاً، وأصل الطول الإنعام، والتفضل، أي: ذي الإنعام على عباده، والتفضل عليهم. وقال مجاهد: ذي الغنى، والسعة. ومنه قوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } تفسير : [النساء: 25] أي: غنى، وسعة، وقال عكرمة: ذي الطول ذي المنّ. قال الجوهري: والطول بالفتح المنّ يقال منه: طال عليه، ويطول عليه إذا امتنّ عليه. وقال محمد بن كعب: ذي الطول ذي التفضل. قال الماورودي: والفرق بين المنّ، والتفضل: أن المنّ عفو عن ذنب، والتفضل إحسان غير مستحقّ. ثم ذكر ما يدلّ على توحيده، وأنه الحقيق بالعبادة، فقال: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } لا إلى غيره، وذلك في اليوم الآخر. ثم لما ذكر أن القرآن كتاب الله أنزله؛ ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من يجادل فيه لقصد إبطاله، فقال: {مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي: ما يخاصم في دفع آيات الله، وتكذيبها إلا الذين كفروا، والمراد: الجدال بالباطل، والقصد إلى دحض الحقّ كما في قوله: {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ }. فأما الجدال لاستيضاح الحقّ، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح، والمرجوح، وعن المحكم، والمتشابه، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، وردّهم بالجدال إلى المحكم، فهو من أعظم ما يتقرّب المتقرّبون، وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب، فقال: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } تفسير : [آل عمران: 187]، وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ} تفسير : [البقرة: 159]، وقال: {أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [العنكبوت: 46] {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ } لما حكم سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر، نهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أن يغترّ بشيء من حظوظهم الدنيوية، فقال: فلا يغررك ما يفعلونه من التجارة في البلاد، وما يحصلونه من الأرباح، ويجمعونه من الأموال، فإنهم معاقبون عما قليل، وإن أمهلوا، فإنهم لا يهملون. قال الزجاج: لا يغررك سلامتهم بعد كفرهم، فإن عاقبتهم الهلاك. قرأ الجمهور: {لا يغررك} بفك الإدغام. وقرأ زيد بن عليّ، وعبيد بن عمير بالإدغام. ثم بيّن حال من كان قبلهم، وأن هؤلاء سلكوا سبيل أولئك في التكذيب، فقال: {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ } الضمير في من بعدهم يرجع إلى قوم نوح، أي: وكذبت الأحزاب الذين تحزّبوا على الرسل من بعد قوم نوح كعاد، وثمود {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } أي: همت كلّ أمة من تلك الأمم المكذبة برسولهم الذي أرسل إليهم؛ ليأخذوه؛ ليتمكنوا منه، فيحبسوه، ويعذبوه، ويصيبوا منه ما أرادوا. وقال قتادة، والسدّي: ليقتلوه، والأخذ قد يرد بمعنى: الإهلاك، كقوله: {أية : ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } تفسير : [الحج: 44] والعرب تسمي الأسير: الأخيذ {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } أي: خاصموا رسولهم بالباطل من القول، ليدحضوا به الحق؛ ليزيلوه، ومنه مكان دحض، أي: مزلقة، ومزلة أقدام، والباطل داحض؛ لأنه يزلق، ويزول، فلا يستقرّ. قال يحيـى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك؛ ليبطلوا به الإيمان {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } أي: فأخذت هؤلاء المجادلين بالباطل، فكيف كان عقابي الذي عاقبتهم به، وحذف ياء المتكلم من عقاب اجتزاء بالكسرة عنها وصلا، ووقفا؛ لأنها رأس آية {وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي: وجبت، وثبتت، ولزمت، يقال: حقّ الشيء إذا لزم، وثبت، والمعنى: وكما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة لرسلهم حقت على الذين كفروا به، وجادلوك بالباطل، وتحزبوا عليك، وجملة: {أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } للتعليل، أي: لأجل أنهم مستحقون للنار. قال الأخفش: أي لأنهم، أو بأنهم. ويجوز أن تكون في محل رفع بدلاً من كلمة. قرأ الجمهور: {كلمة} بالتوحيد، وقرأ نافع، وابن عامر: (كلمات) بالجمع. ثم ذكر أحوال حملة العرش، ومن حوله، فقال: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ }، والموصول مبتدأ، وخبره يسبحون بحمد ربهم، والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ببيان أن هذا الجنس من الملائكة الذين هم أعلى طبقاتهم يضمون إلى تسبيحهم لله، والإيمان به الاستغفار للذين آمنوا بالله، ورسوله، وصدّقوا، والمراد بمن حول العرش: هم: الملائكة الذين يطوفون به مهللين مكبرين، وهو في محل رفع عطفاً على الذين يحملون العرش، وهذا هو الظاهر. وقيل: يجوز أن تكون في محل نصب عطفاً على العرش، والأوّل أولى. والمعنى: أن الملائكة الذين يحملون العرش، وكذلك الملائكة الذين هم حول العرش ينزهون الله ملتبسين بحمده على نعمه، ويؤمنون بالله، ويستغفرون الله لعباده المؤمنين به. ثم بيّن سبحانه كيفية استغفارهم للمؤمنين، فقال حاكياً عنهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً }، وهو بتقدير القول، أي يقولون ربنا، أو قائلين: ربنا وسعت كل شيء رحمة، وعلماً. انتصاب {رحمة}، و{علماً} على التمييز المحوّل عن الفاعل، والأصل وسعت رحمتك، وعلمك كل شيء {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } أي: أوقعوا التوبة عن الذنوب، واتبعوا سبيل الله، وهو دين الإسلام {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } أي: احفظهم منه. {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } و{أدخلهم} معطوف على قوله: {قهم}، ووسط الجملة الندائية لقصد المبالغة بالتكرير، ووصف جنات عدن بأنها {ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ } إياها {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ } أي: وأدخل من صلح، والمراد بالصلاح ها هنا: الإيمان بالله، والعمل بما شرعه الله، فمن فعل ذلك، فقد صلح لدخول الجنة، ويجوز عطف، ومن صلح على الضمير في وعدتهم، أي: ووعدت من صلح، والأولى عطفه على الضمير الأوّل في وأدخلهم، قال الفراء، والزجاج: نصبه من مكانين إن شئت على الضمير في أدخلهم. وإن شئت على الضمير في وعدتهم. قرأ الجمهور بفتح اللام من صلح. وقرأ ابن أبي عيلة بضمها، وقرأ الجمهور: {وذرياتهم} على الجمع. وقرأ عيسى بن عمر على الإفراد {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } أي: الغالب القاهر الكثير الحكمة الباهرة. {وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ } أي: العقوبات، أو جزاء السيئات على تقدير مضاف محذوف. قال قتادة: وقهم ما يسوؤهم من العذاب {وَمَن تَقِ ٱلسَّيّئَـٰتِ يَوْمَئِذٍ } أي: يوم القيامة {فَقَدْ رَحِمْتَهُ } يقال: وقاه يقيه وقاية، أي: حفظه، ومعنى {فَقَدْ رَحِمْتَهُ } أي: رحمته من عذابك، وأدخلته جنتك، والإشارة بقوله: {وَذَلِكَ } إلى ما تقدّم من إدخالهم الجنات، ووقايتهم السيئات، وهو مبتدأ، وخبره: {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } أي: الظفر الذي لا ظفر مثله، والنجاة التي لا تساويها نجاة. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: {حـم } اسم من أسماء الله. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وأبو عبيد، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدّثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليلة الخندق: «حديث : إن أتيتم الليلة، فقولوا حمۤ لا ينصرون»تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، والنسائي، والحاكم، وابن مردويه عن البراء بن عازب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنكم تلقون عدوّكم، فليكن شعاركم حمۤ لا ينصرون»تفسير : وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {ذِى ٱلطَّوْلِ } قال: ذي السعة، والغنى. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: {غَافِرِ ٱلذَّنبِ } الآية قال: غافر الذنب لمن يقول: لا إلٰه إلاّ الله {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } ممن يقول: لا إلٰه إلاّ الله {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن لا يقول: لا إلٰه إلاّ الله {ذِى ٱلطَّوْلِ } ذي الغنى {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } كانت كفار قريش لا يوحدونه، فوحد نفسه {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } مصير من يقول: لا إلٰه إلاّ الله، فيدخله الجنة، ومصير من لا يقول: لا إلٰه إلاّ الله، فيدخله النار. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن جدالاً في القرآن كفر»تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مراء في القرآن كفر».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {حم} فيه خمسة أوجه: أحدهما: أنه اسم من أسماء الله أقسم به، قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. الثالث: أنها حروف مقطعة من اسم الله الذي هو الرحمن، قاله سعيد بن جبير وقال: الر وحم ون هو الرحمن. الرابع: هو محمد صلى الله عليه وسلم، قاله جعفر بن محمد. الخامس: فواتح السور، قاله مجاهد قال شريح بن أوفى العبسي: شعر : يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم تفسير : ويحتمل سادساً: أن يكون معناه حُم أمر الله أي قرب، قال الشاعر: شعر : قد حُمّ يومي فسر قوم قومٌ بهم غفلة ونوم تفسير : ومنه سميت الحمى لأنها تقرب منه المنية. فعلى هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يريد به قرب قيام الساعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بعثت في آخرها ألفاً " الثاني: أنه يريد به قرب نصره لأوليائه وانتقامة من أعدائه يوم بدر. قوله عز وجل: {غافر الذنب} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه غافره لمن استغفره، قاله النقاش. الثاني: ساتره على من يشاء، قاله سهل بن عبد الله. {وقابل التوب} يجوز أن يكون جمع توبة، ويجوز أن يكون مصدراً من تاب يتوب توباً، وقبوله للتوبة إسقاط الذنب بها مع إيجاب الثواب عليها. قوله عز وجل: {ذي الطول} فيه ستة تأويلات: أحدها: ذي النعم، قاله ابن عباس. الثاني: ذي القدرة، قاله ابن زيد. الثالث: ذي الغنى والسعة، قاله مجاهد. الرابع: ذي الخير، قاله زيد بن الأصم. الخامس: ذي المن، قاله عكرمة. السادس: ذي التفضيل، قاله محمد بن كعب. والفرق بين المن والفضل أن المن عفو عن ذنب، والفضل إحسان غير مستحق والطول مأخوذ من الطول كأنه إنعامه على غيره وقيل لأنه طالت مدة إنعامه.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتلك الأقوال كلها تترتب في قوله: {حم} ويختص هذا الموضع بقول آخر، قاله الضحاك. والكسائي: إن {حم} هجاء "حُمَّ" بضم الحاء وشد الميم المفتوحة، كأنه يقول: حُمَّ الأمر ووقع تنزيل الكتاب من الله. وقال ابن عباس: {أية : الر} تفسير : [يونس:1، هود:1، إبراهيم: 1، يوسف: 1، الحجر: 1] و: {أية : حم} تفسير : [غافر: 1، فصلت: 1، الشورى: 1، الزخرف: 1، الدخان: 1، الجاثية: 1، الأحقاف: 1] و: {أية : ن} تفسير : [القلم: 1] هي حروف الرحمن مقطعة في سور، وقال القرظي أقسم الله بحلمه وملكه. وسأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن: {حم} ما هو؟ فقال بدء أسماء وفواتح سور. وقرأ ابن كثير: فتح الحاء، وروي عن أبي عمرو: كسر الحاء على الإمالة، وروي عن نافع: الفتح، وروي عنه: الوسط بينهما، وكذلك اختلف عن عاصم، وروي عن عيسى كسر الحاء على الإمالة، وقرأ جمهور الناس: "حَمْ" بفتح الحاء وسكون الميم، وقرأ عيسى بن عمر أيضاً {حم} بفتح الحاء وفتح الميم الأخيرة في النطق، ولذلك وجهان: أحدهما التحريك للالتقاء مع الياء الساكنة، والآخر: حركة إعراب، وذلك نصب بفعل مقدر تقديره: "اقرأ حم"، وهذا على أن تجري مجرى الأسماء، الحجة منه قول شريح بن أوفى العبسي: [الطويل] شعر : يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم تفسير : وقول الكميت: [الطويل] شعر : وجدنا لكم في آل حم آية تأولها منا تقيّ ومعرب تفسير : وقرأ أبو السمال: {حم} بفتح الحاء وكسر الميم الآخرة، وذلك لالتقاء الساكنين. و: {حم} آية: و: {تنزيل} رفع بالابتداء، والخبر في قوله: {من الله} وعلى القول بأن {حم} إشارة إلى حروف المعجم يكون قوله: {حم} خبر ابتداء: و: {الكتاب} القرآن. وقوله: {غافر} بدل من المكتوبة، وإن أردت بـ {غافر} المضي، أي غفرانه في الدنيا وقضاؤه بالغفران وستره على المذنبين، فيجوز أن يكون {غافر} صفة، لأن إضافته إلى المعرفة تكون محضة، وهذا مترجح جداً، وإذا أردت بـ {غافر} الاستقبال أو غفرانه يوم القيامة فالإضافة غير محضة، و: {غافر} نكرة فلا يكون نعتاً، لأن المعرفة لا تنعت بالنكرة، وفي هذا نظر. وقال الزجاج: {غافر} {وقابل} صفتان. و: {شديد العقاب} بدل، و: {الذنب} اسم الجنس. وأما {التوب} فيحتمل أن يكون مصدراً كالعوم والنوم فيكون اسم جنس، ويحتمل أن يكون جمع توبة كتمرة وتمر، وساعة وساع. وقبول التوبة من الكافر مقطوع لإخبار الله تعالى، وقبول التوبة من العاصي في وجوبها قولان لأهل السنة، وحكى الطبري عن أبي بكر بن عياش أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقال نعم، اعمل ولا تيأس، ثم قرأ هذه الآيات إلى {قابل التوب}. و {شديد العقاب}: صفة، وقيل بدل. ثم عقب هذا الوعيد بوعد ثان في قوله: {ذي الطول} أي ذي التطول والمن بكل نعمة فلا خير إلا منه، فترتب في الآية بين وعدين، وهكذا رحمة الله تغلب غضبه. قال القاضي أبو محمد: سمعت هذه النزعة من أبي رضي الله عنه، وهي نحو من قول عمر رضي الله عنه: لن يغلب عسر يسريين يريد في قوله تعالى {أية : فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً} تفسير : [الشرح: 5- 6]. و: {الطول} الإنعام، ومنه: حليت بطائل. وحكى الثعلبي عن أهل الإشارة أنه تعالى: {غافر الذنب} فضلاً، {وقابل التوب} وعداً، و {شديد العقاب} عدلاً. وقال ابن عباس: {الطول}: السعة والغنى، ثم صدع بالتوحيد في قوله: {لا إله إلا هو}. وبالبعث والحشر في قوله: {إليه المصير}. وقوله: {ما يجادل في آيات الله} يريد جدالاً باطلاً، لأن الجدال فيها يقع من المؤمنين لكن في إثباتها وشرحها. وقوله: {فلا يغررك} أنزله منزلة: "فلا يحزنك ولا يهمنك"، لتدل الآية على أنهم ينبغي أن لا يغتروا بإملاء الله تعالى لهم، فالخطاب له والإشارة إلى من يقع منه الاغترار، ويحتمل أن يكون {يغررك} بمعنى تظن أن وراء تقلبهم وإمهالهم خيراً لهم فتقول عسى أن لا يعذبوا وحل الفعل من الإدغام لسكون الحرف الثاني، وحيث هما متحركان لا يجوز الحل، لا تقول زيد يغررك. و: {تقلبهم في البلاد} عبارة عن تمتعهم بالمساكين والمزارع والأسفار وغير ذلك. ثم مثل لهم بمن تقدمهم من الأمم، أي كما حل بأولئك كذلك ينزل بهؤلاء. {الأحزاب}: يريد بهم عاداً وثمود أو أهل مدين وغيرهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "برسولها"، رداً على الأمة، وضمير الجماعة هو على معنى الأمة لا على لفظها. وقوله: {ليأخذوه} معناه ليهلكوه كما قال تعالى: {فأخذتهم} والعرب تقول للقتيل: أخيذ، وللأسير كذلك، ومنه قولهم: أكذب من الأخيذ الصبحان. وقال قتادة: {ليأخذوه} معناه: ليقتلوه. و {ليدحضوا} معناه: ليزلقوا وليذهبوا، والمدحضة المزلة والمزلقة. وقوله: {فكيف كان عقاب} تعجيب وتعظيم، وليس باستفهام عن كيفية وقوع الأمر.

ابن عبد السلام

تفسير : {حـمۤ} اسم للقرآن، أو لله أقسم به، أو حروف مقطعة من أسمه {الرَّحْمَنِ} و {الۤر} و {حـمۤ} {نۤ} هي الرحمن قاله ابن جبير، أو هو محمد صلى الله عليه وسلم أو فواتح السور.

النسفي

تفسير : {حـم } وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيـى وحماد، وبني الفتح والكسر: مدني، وغيرهم بالتفخيم، وعن ابن عباس أنه اسم الله الأعظم {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } أي هذا تنزيل الكتاب {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ } أي المنيع بسلطانه عن أن يتقول عليه متقول {ٱلْعَلِيمِ} بمن صدق به وكذب، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين {غَافِرِ ٱلذَّنبِ } ساتر ذنب المؤمنين {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } قابل توبة الراجعين {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ } على المخالفين {ذِى ٱلطَّوْلِ } ذي الفضل على العارفين أو ذي الغنى عن الكل، وعن ابن عباس: غافر الذنب وقابل التوب لمن قال لا إله إلا الله، شديد العقاب لمن لا يقول لا إله إلا الله. والتوب والثوب والأوب أخوات في معنى الرجوع، والطول الغنى والفضل، فإن قلت: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفاً وتنكيراً والموصوف معرفة؟ قلت: أما غافر الذنب وقابل التوب فمعرفتان لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين حتى يكونا في تقدير الانفصال فتكون إضافتهما غير حقيقية. وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، وأما شديد العقاب فهو في تقدير شديد عقابه فتكون نكرة، فقيل هو بدل. وقيل: لما وجدت هذه النكرة بين هذه المعارف آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف. وإدخال الواو في {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } لنكتة وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محّاءة للذنوب كأن لم يذنب كأنه قال: جامع المغفرة والقبول، ورُوي أن عمر رضي الله عنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان: سلام عليك وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. بسم الله الرحمن الرحيم {حـم } إلى قوله {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ }. وختم الكتاب قال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه ووقفوه وادعوا له الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه. {لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } صفة أيضاً لـ {ذِى ٱلطَّوْلِ } ويجوز أن يكون مستأنفاً {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } المرجع {مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ما يخاصم فيها بالتكذيب بها والإنكار لها، وقد دل على ذلك في قوله {أية : وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ }تفسير : [غافر: 5] فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحل مشكلها واستنباط معانيها ورد أهل الزيغ بها فأعظم جهاد في سبيل الله {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ } بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة سالمين غانمين فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب، ثم بين كيف ذلك فأعلم أن الأمم الذين كذبت قبلهم أهلكت فقال {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } نوحاً {وَٱلأَحْزَابُ } أي الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم {مِّن بَعْدِهِمْ } من بعد قوم نوح {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ } من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب {بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } ليتمكنوا منه فيقتلوه. والأخيذ: الأسير {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ } بالكفر {لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } ليبطلوا به الإيمان {فَأَخَذَتْهُمْ} مظهر: مكي وحفص يعني أنهم قصدوا أخذه فجعلت جزاءهم على إرادة أخذ الرسل أن أخذتهم فعاقبتهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } وبالياء: يعقوب. أي فإنكم تمرون على بلادهم فتعاينون أثر ذلك، وهذا تقرير فيه معنى التعجيب {وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } {كَلِمَـٰتُ رَبكَ } مدني وشامي {أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } في محل الرفع بدل من {كلمة ربك} أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار، ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة. أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل و{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قريش، ومعناه كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء؛ لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار، ويلزم الوقف على النار.لأنه لو وصل لصار {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ } يعني حاملي العرش والحافين حوله وهم الكروبيون سادة الملائكة صفة لأصحاب النار وفساده ظاهر. رُوي أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورءوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وفي الحديث «حديث : إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة»تفسير : وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو «يسبح بما لا يسبح به الآخر». {يُسَبِّحُونَ} خبر المبتدأ وهو {ٱلَّذِينَ } {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي مع حمده إذ الباء تدل على أن تسبيحهم بالحمدلة {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } وفائدته مع علمنا بأن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [البلد: 17]. فأبان بذلك فضل الإيمان، وقد روعي التناسب في قوله: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ }. {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } كأنه قيل: ويؤمنون به ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة، وإن تباعدت الأجناس والأماكن {رَبَّنَا } أي يقولون ربنا وهذا المحذوف حال {وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً } والرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى، إذ الأصل وسع كل شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز مبالغة في وصفه بالرحمة والعلم {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ } أي للذين علمت منهم التوبة لتناسب ذكر الرحمة والعلم {وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } أي طريق الهدى الذي دعوت إليه {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ} «من» في موضع نصب عطف على «هم» في {وَأَدْخِلْهُمْ } أو في {وَعَدْتَّهُمْ } والمعنى وعدتهم ووعدت من صلح من آبائهم {وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي الملك الذي لا يغلب، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئاً خالياً من الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَـٰتِ } أي جزاء السيئات وهو عذاب النار {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ } أي رفع العذاب {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ } أي يوم القيامة إذا دخلوا النار ومقتوا أنفسهم فيناديهم خزنة النار {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ } أي لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة، والمقت أشد البغض، وانتصاب {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ } بالمقت الأول عند الزمخشري، والمعنى أنه يقال لهم يوم القيامة: كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشد مما تمقتونهن اليوم، وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن، وقيل: معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً }تفسير : [العنكبوت: 25]، و {إِذْ تَدْعُونَ } تعليل، وقال جامع العلوم وغيره: «إذ» منصوب بفعل مضمر دل عليه {لَمَقْتُ ٱللَّهِ } أي يمقتهم الله حين دعوا إلى الإيمان فكفروا، ولا ينتصب بالمقت الأول لأن قوله {لَمَقْتُ ٱللَّهِ } مبتدأ وهو مصدر وخبره {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ }، فلا يعمل في {إِذْ تَدْعُونَ }؛ لأن المصدر إذا أخبر عنه لم يجز أن يتعلق به شيء يكون في صلته لأن الإخبار عنه يؤذن بتمامه، وما يتعلق به يؤذن بنقصانه، ولا بالثاني لاختلاف الزمانين، وهذا لأنهم مقتوا أنفسهم في النار وقد دعوا إلى الإيمان في الدنيا {فَتَكْفُرُونَ } فتصرون على الكفر.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {حم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: {حم} اسم الله الأعظم وعنه قال الر وحم ون حروف اسمه الرحمن مقطعة وقيل حم اسم للسورة وقيل الحاء افتتاح أسمائه حليم وحميد وحي وحكيم وحنان، والميم افتتاح أسمائه ملك ومجيد ومنان، وقيل معناه حم بضم الحاء أي قضى ما هو كائن {تنزيل الكتاب من الله العزيز} أي الغالب القادر وقيل الذي لا مثل له {العليم} أي بكل المعلومات {غافر الذنب} يعني ساتر الذنب {وقابل التوب} يعني التوبة قال ابن عباس غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله {شديد العقاب} لمن لا يقول لا إله إلا الله {ذي الطول} يعني السعة والغنى وقيل ذي الفضل والنعم وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه {لا إله إلا هو} يعني هو الموقوف بصفات الوحدانية التي لا يوصف بها غيره {إليه المصير} أي مصير العباد إليه في الآخرة

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {حم} وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص". {كلمات ربك} على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر {لتنذر} بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس {التلاقي} بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل. {والذين تدعون} على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان {أشد منكم} ابن عامر. الباقون {منهم}. الوقوف: {حم} ط كوفي {العليم} ه لا {الطول} ط {إلا هو} ط {المصير} ه {البلاد} ه {من بعدهم} ص لعطف الجملتين المتفقتين {فأخذتهم} ط للابتداء بالتهديد {عقاب} ه {النار} م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار {آمنوا} ج لحق القول المحذوف {الجحيم} ه {وذرياتهم} ط {الحكيم} ه وقد يوصل للعطف {السيئات} ط {رحمته} ط {العظيم} ه {فتكفرون} ه {سبيل} ه {كفرتم} ج للابتداء بالشرط مع العطف {تؤمنوا} ط {الكبير} ه {رزقاً} ط {ينيب} ه {الكافرون} ه {ذو العرش} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال {التلاق} ه لا {بارزون} ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف {شيء} ط {اليوم} ط فصلاً بين السؤال والجواب {القهار} ه {كسبت} ط {اليوم} ط {الحساب} ه {كاظمين} ط {يطاع} ه ط {الصدور} ه {بالحق} ط {بشيء} ط {البصير} ه {من قبلهم} ط {واق} ه {فأخذهم الله} ط {العقاب} ه. التفسير: {حم} اسم الله الأعظم. وقيل: {حم} ما هو كائن أي قدّر. وروي أن أعرابياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما حم؟ فقال: أسماء وفواتح سور. وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة". ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم. {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} وقد مر نظيره في أول "الزمر". ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول} قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً. وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله {قابل التوب} وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين. وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب. ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟ فيه بحث أيضاً للفريقين. فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به. والظاهر أن التوب مصدر. وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته. وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في {أية : مالك يوم الدين}تفسير : [الفاتحة: 3] وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله {شديد العقاب} لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه. فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة. وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة. وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته. وهذا ما قاله صاحب الكشاف. وعندي أنه لا مانع من جعل {شديد العقاب} أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية. قوله {ذي الطول} أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله {أية : ومن لم يستطع منكم طولاً}تفسير : [النساء: 25] وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد. وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته. ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام. فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن جدالاً في القرآن كفر"تفسير : فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} ثم عقب الكلام بقوله {فلا يغررك} ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا {تقلبهم في البلاد} للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك. ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل. ثم بين بقوله {وكذلك حقت} أنهم في الآخرة أيضاً معذبون. وقوله {أنهم أصحاب النار} بدل من {كلمة ربك} أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار. وجوّز جار الله أن يكون {أنهم} في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل. وقوله {الذين كفروا} قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين. ومن قرأ {كلمات} على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار. وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم. روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" تفسير : وروي أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة. وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل {أية : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}تفسير : [الحاقّة: 17] أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله. أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف. سؤال: ما فائدة قوله {ويؤمنون به} ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟ أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه. وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال. واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً. وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن. وإن شئت فتأمل قوله تعالى {الذين يؤمنون بالغيب} فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله {بالغيب} فائدة. على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟ وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة. وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ. قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟ وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟ وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما. قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله {ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري. احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله تعالى {أية : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}تفسير : [محمد: 19] {أية : وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً} تفسير : [نوح: 28] قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد. لو سلم أن قوله {للذين آمنوا} عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله {فاغفر للذين تابوا} وهذا فيه بحث يجيء. وفي قولهم {ربنا وسعت كل شيء رحمة} ولو بإعطاء الوجود {وعلماً} وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء. وفي لفظ {ربنا} خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء. وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين. قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة {فاغفر للذين تابوا} عن الكفر {واتبعوا سبيلك} الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً. قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] أما قوله {وقهم عذاب الجحيم} فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية. وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة. قال الفراء والزجاج: قوله {ومن صلح} يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في {وأدخلهم} فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً. ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في {وعدتهم} لأنه تعالى قال في سورة الرعد {أية : أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم}تفسير : [الرعد: 22 ـ 23] وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً. قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر. ثم ختم الآية بقوله {إنك أنت العزيز الحكيم} لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه. ثم قالوا {وقهم السيئات} فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف. واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار. وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون {يومئذ} في قوله {ومن تق السيئات يومئذ} إشارة إلى الدنيا. وقوله {فقد رحمته} يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة. قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة. ثم إنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال {إن الذين كفروا ينادون} أي يوم القيامة. وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير. أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة. وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله {إذ تدعون} منصوب بالمقت الأول. وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ. ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار. الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول. الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله {وما كان لي عليكم من سلطان} إلى قوله {أية : ولوموا أنفسكم}تفسير : [إبراهيم: 22] وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم. فلعل المعنى. لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه. وأما قول الكفرة في الجواب {ربنا أمتنا اثنتين} أي إماتتين اثنتين {وأحييتنا} إحياءتين {اثنتين} فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف. أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً}تفسير : [البقرة: 28] ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة. والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما. قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء. قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث. وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث. أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه تعالى لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات. وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة. وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات. وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة. وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم. وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة. فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها. وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله {أية : فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله}تفسير : [الزمر: 68] ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله {الذين كفروا} عام. ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً. وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله تعالى أعلم بمراده. وقوله {فهل إلى خروج من سبيل} أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط. وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه سبحانه رمز إلى عدم الخروج بقوله {ذلكم} أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف {فالحكم لله العلي الكبير} حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه. قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية. ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال {هو الذي يريكم آياته} من الريح والسحاب والرعد والبرق {وينزل لكم من السماء} ماء هو سبب الرزق {وما يتذكر إلا من ينيب} أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات. ثم قال للمنيبين {فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} قال جار الله: قوله {رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح} ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله {الذي يريكم} أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة. ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال {أية : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}تفسير : [المجادلة: 11] وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب. أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة. وأما على الثاني فلا ريب أنه سبحانه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود. واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله تعالى هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات. أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله {ذو العرش} إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله {يلقي الروح} أي الوحي {من أمره} أي من عالم أمره {على من يشاء من عباده} وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل. وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله {لينذر يوم التلاق} ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً}تفسير : [الفرقان: 25] ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله. وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا. وقوله {يوم هم بارزون} بدل من الأول. ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله {أية : وبرزوا لله الواحد القهار}تفسير : [الآية: 48] وقوله {لا يخفى على الله منهم شيء} تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون} فهو نظير قوله {أية : مالك يوم الدين}تفسير : [الفاتحة: 3] ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب. فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب تعالى: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد. فهو سبحانه يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار. وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه تعالى بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد. وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في {أية : مالك يوم الدين}تفسير : [الفاتحة: 3] يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟ فقرأ رجل روّاس {رفيع الدرجات ذو العرش} فلما بلغ قوله {لمن الملك اليوم} نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله تعالى وقال: لك الملك لا لي. فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله. ومما يدل على تفرده سبحانه قوله {لله الواحد القهار} فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات. ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال {وأنذرهم يوم الآزفة} وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب. قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا. وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه تعالى ذكر يوم القيامة في قوله {يوم التلاق يوم هم بارزون} فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه تعالى وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال {أية : فلولا إذا بلغت الحلقوم}تفسير : [الواقعة: 83] {أية : كلا إذا بلغت التراقي}تفسير : [القيامة: 26] ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس. وقوله {كاظمين} أي مكروبين. والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل {أية : والكاظمين الغيظ}تفسير : [آل عمران: 134] وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب. وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله {أية : فظلت أعناقهم لها خاضعين}تفسير : [الشعراء: 4] أو عن ضمير المفعول في {وأنذرهم} أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة. وفي قوله {ما للظالمين من حميم ولا شفيع} بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر. وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله {أية : وما للظالمين من أنصار}تفسير : [آل عمران: 192] ومعنى قوله {يطاع} يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين. والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم. وقوله {يعلم خائنة الأعين} خبر آخر لقوله {هو الذي يريكم آياته} إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله {لينذر} وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب. قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله {وما تخفي الصدور} لا يساعد عليه. قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب. وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى. ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها. قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة. وقيل: الوسوسة. وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا. أقول: والحاصل أنه تعالى أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك. ففي قوله {يعلم خائنة الأعين} إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله {وما تخفي الصدور} دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب. وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال {والله يقضى بالحق} ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله {والذين يدعون} الخ. ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع. وإنما قال في هذه السورة {ذلك بأنهم كانت} وفي "التغابن" {أية : ذلك بأنه كانت}تفسير : [الآية: 6] موافقة لضمير الفصل في قوله {كانوا هم أشد}. التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه صلى الله عليه وسلم لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل {غافر الذنب} للظالم {وقابل التوب} للمقتصد {شديد العقاب} للكافر {ذي الطول} للسابق {وقهم عذاب الجحيم} أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى {لمقت الله} إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان {أكبر من مقتكم أنفسكم} لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم. ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل. {ذو العرش} عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ}: تقدَّم القولُ في الحُرُوفِ المقطَّعَةِ، ويَخْتَصُّ هذا المَوْضِعُ بقولٍ آخرَ قاله الضَّحَّاكُ والكسائي؛ أنَّ {حـمۤ} هِجَاءُ (حُمَّ) ـــ بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحةِ ـــ؛ كأنه يقولُ: حُمَّ الأَمْرُ وَوَقَعَ تنزيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ، وقال ابن عَبَّاسٍ: الر، وحمۤ، ونۤ، هي حروفُ الرحمٰن مقطَّعةٌ في سُورٍ، وسأَل أعرابيٌّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن حمۤ ما هو؟ فقال: بَدْءُ أَسْمَاءٍ، وَفَواتِحُ سُوَرٍ، و{ذِى ٱلطَّوْلِ} معناه: ذي التَطَوُّلِ والمَنِّ بكلِّ نعمةٍ، فَلاَ خَيْرَ إلاَّ مِنْهُ سبحانَهُ، فَتَرَتَّبَ في هٰذِهِ الآيةِ وعيدٌ بَيْنَ وَعْدَيْنِ، وهكذا رحمتُهُ سبحانه تَغْلِبُ غَضَبَهُ، قال * ع *: سمعتُ هذه النَّزْعَةَ مِنْ أبي ـــ رحمه اللَّه ـــ وهُوَ نحوٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» * ت *: هو حديثٌ، والطَّوْلُ: الإنْعَامُ، وعبارةُ البخاريِّ: الطَّوْلُ: التَّفَضُّلُ، وَحَكَى الثعلبيُّ عَنْ أَهْلِ الإشَارَةِ أنَّه تعالى: غافرُ الذَّنْبِ فَضْلاً، وقابِلُ التَّوْبِ وَعْداً، شَدِيدُ العقابِ عَدْلاً، لا إلَهَ إلاَّ هو إليه المصيرُ فَرْداً، وقال ابن عبَّاس: الطَّولُ: السَّعَةُ، والغِنى، وتقلب الذين كفروا في البلاد: عبارَةٌ عَنْ تَمَتُّعِهِمْ بالمَسَاكِنِ والمَزَارِعِ والأَسْفَارِ وغَيْرِ ذَلِكَ، {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي: لِيُهْلِكُوهُ، كما قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ}، والعربُ تقولُ لِلْقَتِيلِ: أُخِذَ، ولِلأَسيرِ كَذَلِكَ؛ قال قتادة: {لِيَأْخُذُوهُ} مَعْنَاهُ: لِيَقْتُلُوهُ، و{لِيُدْحِضُواْ} معناهُ ليُزْلِقُوا ويَذْهَبُوا، والمَدْحَضَةُ: المَزَلَّةُ، والمَزْلَقَةُ. وقوله: {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}: تَعْجِيبٌ وتعظيمٌ، وليس باسْتفهامٍ عن كيفيَّة وقوع الأَمْرِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ} كقوله الـۤمۤ وبابه، وقرأ الأخوان وأبو بكر وابن ذكوان بإمالة (حا) في السور السبع إمالة محضة، وورش، وأبو عمرو بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح، والعامة على سكون الميم كسائر الحروف المقطعة. وقرأ الزهري برفع الميم على أنه خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ والخبر ما بعدها، وابن إسحاق وعيسى بفتحها وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها منصوبة بفعل مقدر أي اقرأ حم، وإنما منع من الصرف للعلمية والتأنيث، أو العلمية وشبه العجمة وذلك أنه ليس في الأوزان العربية وزن "فاعيل" بخلاف الأعجمية نحو قابيل وهابيل. والثاني: أنها حركة بناء تخفيفاً كَأَيْنَ وكَيْفَ. وفي احتمال هذين الوجهين قول الكميت: شعر : 4314ـ وَجَدْنَا لَكُمْ في آلِ حَامِيم آيَةً تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ تفسير : وقول شُرَيح بن أوفى: شعر : 4315ـ يُذَكِّرُنِي حَامِيم والرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلاَّ تَلاَ حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ تفسير : وقرأ أبو السَّمَّالِ بكسرها، وهل يجوز أن يجمع (حم) على "حواميم" ونقل ابن الجوزي عن شيخه الجواليقي أنه خطأ وليس بصواب بل الصواب أن تقول قرأت أل حم، وفي الحديث عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حمۤ وَقَعْتُ في رَوْضَاتٍ أَتأَنَّقُ فيهن"تفسير : . وقال سعيد بن إبراهيم: كلّ آل حم يسمين العرائس، قال الكُمَيْتُ: شعر : 4316ـ وجدنا لكم في آل حاميم....... ................................. تفسير : ومنهم من جوزه، وروي في ذلك أحاديث منها قوله ـ عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : الحَوَامِيمُ دِيبَاجُ القرآن"تفسير : ، وقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : الحواميمُ سبعٌ وأبوابُ جهنَّمَ سبعُ: جهنمُ والحُطَمَةُ ولَظَى والسعيرُ وسَقَرُ والهاويةُ والجحيمُ فتجيء كل جسم منهم يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرأني"تفسير : . وقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : لكل شيء ثمرةٌ وثمرةُ القرآن ذواتُ حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات فمن أحب أن يَرْتَعَ في رِيَاضِ الجنة فليقرأ الحواميم"تفسير : ، وقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : الحواميم في القرآن كمثل الحِبَرَاتِ في الثياب"تفسير : . وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لكل شيء لُباب ولُباب القرآن الحواميمُ. فإن صحت هذه الأحاديث فهي الفصل في ذلك. قوله "تَنْزِيلُ" إما خبرٌ لـ "حمۤ" إن كانت مبتدأ، وإما خبر لمبتدأ مضمر، أو مبتدأ وخبره الجار بعده. قال ابن الخطيب: قال "تنزيل" والمراد منه المنزل. فصل روى السُّدي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: حم اسم الله الأعظم، وروى عكرمة عنه قال: الم وحم ون حروف الرحمن مقطعة، وقاله سعيد بن جبير: (وقال) عطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه حكيم حميد حي حليم حنان، والميم افتتاح اسمائه ملك مجيد. قال الضحاك والكسائيّ معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: حُمَّ، بضم الحاء وتشديد الميم. قوله "مِنَ اللهِ" لما ذكر أن حم تنزيل الكتاب وجب بيان أن المنزل من هو؟ فقال: من الله، ثم بين أن الله تعالى موصوف بصفات الجلالة فقال "العَزِيزِ العَلِيمِ". فبين أنه بقدرته وعلمه نزل القرآن الذي يتضمن المصالح والإعجاز، ولولا كونه عزيزاً عالماً لما صح ذَلك. قوله تعالى: {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} في هذه الأوصاف ثلاثة أوجه: أحدها: أنها كلها صفات الجلالة كالعزيز، والعليم. وإنما جاز وصف المعرفة بهذه وإن كانت إضافتها لفظية لأنه يجوز أن تجعل إضافتها (معنوية) فيتعرَّف بالإضافة نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن يجعل محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة، ولم يستثن غيره شيئاً وهم الكوفيون يقولون في مثل "حَسَن الوَجْهِ" بأنه يجوز أن تصير إضافته محضة. وعلى هذا فقوله: "شَدِيدِ العِقَابِ" من باب الصفة المشبهة فكيف أجزت جعله صفة للمعرفة وهو لا يتعرف إلا بالإضافة؟ والجواب: إمّا بالتزام مذهب الكوفيين وهو أن الصفة المشبهة يجوز أن تتمحض إضافتها أيضاً فتكون معرفة وإما بأن "شديد" بمعنى مشدد كأَذِين بمعنى "مؤذن" فتتمحض إضافته. والثاني: أن يكون الكلِ أبْدالاً لأن إضافتها غير محضة قاله الزمخشري، إلا أن هذا الإبدال بالمشتق قليل جداً إلا أن يهجر فيها جانب الوصفية. الثالث: أن يكون "غَافِرِ" و"قَابِلِ" نعتَيْنِ و "شَدِيدِ" بدلاً لِمَا تقدم من أن الصفة المشبهة لا تتعرف بالإضافة قاله الزجاج إلا أن الزمخشري قال: جعل الزجاج "شديد العقاب" وحده بدلاً للصفات فيه نُبُوٌّ ظاهر. والوجه أن يقال: لما صُودِفَ بين هذه المعارف هذه النكرة الواحدة فقد آذنت بأنها كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على "مُسْتَفْعِلُن" فهي محكوم عليها بأنها من الرجز، فإن وقع فيها جزءٌ واحد على "مُتَفَاعِلُن" كانت من الكامل. وناقشه أبو حيان فقال: ولا نُبُوَّ في ذلك؛ لأن الجري على القواعد التي قد استقرت وصحت وهو الأصل. وقوله "فقد آذنت بأن كلها أبدال" تركيب غير عربي لأنه جعل فقد آذنت جواب لما، وليس من كلامهم: لَمَّا قَامَ زَيْدٌ فَقَدْ قَام عَمْرو. وقوله بأنّ كلها أبدال فيه تكرير للأبدال إمّا بدل البَدَاء عند من أثبته فقد تكررت فيه الأبدال، وإما بدل كل من كل وبدل بعض من كل وبدل اشتمال، فلا نص على أحد من النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منعه إلا أن في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن البدل لا يكرر وذلك في قول الشاعر: شعر : 4317ـ فَإلَى ابْنِ أُمِّ أُنَاسَ أَرْحَلُ نَاقَتِي عَمْرٍو فَتُبْلِغُ حَاجَتِي أو تُزْحِفُ مَلِكٍ إذَا نَزَلَ الوُفُودُ ببَابِهِ عَرَفُوا مَوَارِدَ مُزْبِدٍ لاَ يُنْزِفُ تفسير : قال: "فملك" بدل من "عمرو" بدل نكرة من معرفة، قال: فإن قلتَ: ألا يكون بدلاً من "ابن أم أناس" قلتُ: لأنه قد أبدل منه "عمراً" فلا يجوز أن يبدل منه مرة أخرى لأنه قد طرح انتهى. قال أبو حيان: فدل هذا على أن البدل لا يتكرر ويتحد المبدل منه، ودل على أن البدل من البدل جَائز. قال شهاب الدين: وهذا البحث قد تقدم في قوله {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم}تفسير : [الفاتحة:7] فلْيُلْتَفَتْ إليه. قال: وقوله تفاعيلها هو جمع تِفْعال أو تُفْعُول أو تَفْعِيل وليس شيء منها معدوداً من أجزاء العروض، فإن أجزاءه مُنْحَصِرَة ليس فيها شيء من هذه الأوزان فصوابه أن يقول: جاءت أجزاؤها كلها مُسْتَفعِلُن. وقال الزمخشري أيضاً: ولقائل أن يقول هي صفات وإنما حذفت الألف واللام من "شديد" لِيُزَاوجَ ما قبله وما بعده لفظاً فقد غيروا كثيراً من كلامهم عن قوانينه لأجل الإزواج، قالوا: ما يعرف سَحَادَلَيْهِ من عُنَادَلَيْهِ، فَثنَّوا ما هو "وَتر" لأجل ما هو "شَفْعٌ". على أن الخليل قال في قولهم: ما يَحْسُنُ بالرجل (مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وما يَحْسُنُ بالرجل) خير منك أنه على نية الألف واللام كما كان الجَمَّاء الغفير على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. قال أبو حيان: ولا ضرورة إلى حذف "آل" من "شديد العقاب" وتشبيهه بنادر مغير وهو تثنية الوَتْر لأجل الشفع فيتنزه كتاب الله عن ذلك. قال شهاب الدين: أما الازدواج وهو المشاكلة من حيث هو فإنه واقع في القرآن وقد مضى منه مواضع. وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشِّدَّةِ على ما لا شيء أدْهَى منه وَأَمرّ لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريق الإبدال انتهى. وقال مكي: يجوز في "غافر وقابل" البدل على أنهما نكرتان لاستقبالهما والوصف على أنهما معرفتان لمُضِيِهِمَا. وقال ابن الخطيب لا نزاع في جعل "غافر" صفة، وإنما كانا كذلك لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار فكذلك (شديد العقاب) يفيد ذلك لأن صفاته منزهة عن الحدوث والتجدد فمعناه كونه بحيث شديد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبداً لا يصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن قال أبو حيان: وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ولا نظر فيه ويلزمه أن يكون "حَكيٍمٌ عَلِيمٌ" و"مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ" معارف لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد، ولأنها صفاتٌ لم تَحْدُثْ لم تحصل بعد أن لم تكن ويكون تعريف صفاته بأل وتنكيرها سواء، وهذا لا يقوله مبتدىءٌ في علم النحو بَلْه أن يًصَنّفَ فيه ويقدم على تفسير كتاب الله تعالى. وقد سُرِدَتْ هذه الصفات كلياً من غير عاطف إلا "قابل التوب" قال بعضهم: وإنما عطف لاجتماعهما وتلازمهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر وقطع "شديد" عنهما فلم يعطف لانفراده. قال أبو حيان: وفيه نزعة اعتزالية، ومذهب أهل السنة جواز الغفران للعاصي وإن لم يتب إلا الشرك. قال شهاب الدين: وما أبعده عن نزعة الاعتزالية. ثم أقول: التلازم لازم من جهة أنه تعالى متى قَبِلَ التوبة فقد غفر الذنب وهو كَافٍ في التَّلاَزُم. قال الزمخشري فإن قلتَ: ما بال الواو في قوله: "وَقَابِلِ التَّوْبِ"؟ قلتُ: فيها نكتة جليلة وهي إفادة الجمع المذنب والتائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيقبلها فيكتبها له طاعة من الطاعات وإن لم يجعلها مَحَّاءَةً للذنوب كمن لم يذنب كأنه قال: جامعُ المغفرة والقبول أنتهى. وبعد هذا الكلام الأنيق وإبراز هذه المعاني الحسنة قال أبو حيان: وما أكثر تَهَجُّحَ هذا الرجل وشَقْشَقَتَه، والذي أفاد: أن الواو للجمع وهذا معروف من ظاهر علم النحو. قال شهاب الدين: وقد أنشدني بعضهم رحمه الله: شعر : 4318ـ وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ تفسير : (وآخر): شعر : 4319ـ قَدْ تُنْكِرُ العَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمِ تفسير : والتَّوْبُ (يحتمل) أن يكون اسماً مفرداً مراداً به الجِنس كالذَّنْب، وأن يكون جمعاً لتَوْبَةٍ كتَمْرٍ وتَمْرَةٍ و"ذِي الطَّوْلِ" نعت أو بدل كما تقدم، والطَّوْلُ سَعَةُ الفَضْل، و "لاَ إله إلاَّ هُوَ" يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً وهي حالٌ لازمةٌ، وقال أبو البقاء يجوز أن يكون صفة، وهذا على ظاهره فاسد؛ لأن الجُمَل لا تكون صفة للمعارف، ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب، لأنه لم يتعرف بالإضافة. والقول في "إلَيْهِ المَصِيرُ" كالقول في الجملة قبله ويجوز أن يكون حالاً من الجُمْلَةِ قبله. فصل قال المفسرون: غافر الذنب ساتر الذنب وقابل التوب أي التوبة، مصدر تَابَ يَتُوبُ تَوْباً، وقيل: التوب جمع توبة مثل: دَوْمَة ودَوْم، وعَوْمة وعَوْم، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: غافر لمن قال لا إله إلا الله، وقال التوب لمن قال لا إله إلا الله، شديد العقاب لمن لا يقول لا إله إلا الله، "ذي الطول" ذي الغِنَى عمن لا يقول لا إله إلا الله. قال مجاهد: ذي الطول ذي السَّعَةِ، والغِنَى، وقال الحسن: ذي الفضل، وقال قتادة: ذو النعم، وقيل: ذو القدرة، وأصل الطَّوْل الإنعام الذي تطولُ مُدَّتُهُ على صاحبه، لا إله إلا هو إليه المصير. والمعنى أنه لما وصف نفسه بصفاتِ الرحمة والفضل فلو حصل معه إله آخر يشاركه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة فكان الترغيب والترهيب الكاملين حاصلين بسبب هذا التوحيد. و قوله "إلَيْهِ المَصِيرُ" مما يقوِّي الرغبة في الإقرار بالعبودية. قوله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لما قرر أن القرآن كتابه أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أقوال من يجادل لغرض إبطاله فقال {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار إلا الذين كفروا. واعلم أن الجدالَ نوعان، جدالٌ في تقرير الحق، وجدالٌ في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حِرْفة الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ قال تعالى لمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل:125] وحكى عن قوم نوح قولهم: {أية : قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}تفسير : [هود:32]. وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية، وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : إنَّ جِدَالاً في القُرْآنِ كُفْرٌ"تفسير : وروى عمرو بنُ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جده قال: "حديث : سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوماً يَتَمارَوْنَ فقال: إنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بهذا ضربوا كتابَ الله عزّ وجلّ بعضَه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يُصَدِّق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضَه ببعض فما علمتم منه فقُولُوه، وما جَهْلتم فكِلُوهُ إلى عالمه"تفسير : ، وقال تعالى: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}تفسير : [الزخرف:58] وقال: {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} [غافر:5]. قوله "فَلاَ يَغْرُرْكَ" قرأ العامة بالفك وهي لغة الحِجَاز، وزيدُ بنُ عليّ وعُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ فلا يَغُرَّكَ بالإدغام مفتوح الراء وهي لغة تَمِيمٍ. فصل جدالهم في آيات الله هو قولهم مرة سحرٌ، ومرة هو شعرٌ، ومرة إنه قول الكهنة، ومرة إنه أساطير الأولين، ومرة إنه يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وقولهم: {أية : مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}تفسير : [يس:15] أَأنْزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ، وأشباه هذا. ثم قال: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} أي لا تغترَّ بأني أمْهَلْتُهُمْ وتركتهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون فيها للتجارات وطلب المعاش فإني وإن أمهلتهم فإني سآخُذُهم وأنتقم كما فعلت بالأمم الماضية. ثم كشف عن هذا المعنى فقال {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ}، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: ليقتلوه ويُهلكوه وقيل: ليأسِرُوه. وقرأ عبدالله بِرَسُولِها، أعاد الضمير على لفظ "الله" والجمهور على معناها، وفي قوله "ليأخذوه" عبارة عن المُسَبَّبِ بالسَّبَبِ وذلك أن القتل مسبب عن الأخذ ومنه قيل لِلأسير: أخِيذٌ قال: شعر : 4320ـ فَإمَّا تأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي فكَمْ مِنْ واحدٍ يَهْوَى خُلُودِي تفسير : {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} ليُبْطِلُوا به الحق الذي جاءت به الرسلُ، {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} اجتزاءٌ بالكسرة عن ياء المتكلم وصلاً ووقفاً؛ لأنها رأ س فاصلة، والمعنى فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا فكيف كان عقابي إيَّاهُم؟ أليس كان مستأصلاً؟ فأنا أفعل بقومك ما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله. قوله (تعالى) "وَكَذَلِكَ حَقَّتْ" يحتمل الكاف أن تكون مرفوعة المحل على خبر مبتدأ مضمر، أي والأمر كذلك: ثم أخبر بأنه حقت كلمة الله عليهم بالعذاب، وأن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي مثل ذلك الوجوب من عقابهم وجب على الكفرة، والمعنى كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت أيضاً على الذين كفروا من قومك. قوله {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} يجوز أن يكون على حذف حرف الجِرّ أي لأَنَّهُم (فحذف) فيجري في محلها القولان (قال الأخفش لأَنَّهُمْ أو بأَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار)، ويجوز أن يكون في محل رفع بدلاً من "كلمةٍ". وقد تقدم خلافهم في إفراد "كَلِمَة" وجمعها، وأن نافعاً وابن عامر قرأ "كلمات" على الجمع والباقون بالإفراد.

البقاعي

تفسير : {حـمۤ *} أي هذه حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي خصه بها الرحمن الرحيم الحميد المجيد مما له من صفة الكمال. لما كان ختام التي قبلها إثبات الكمال لله بصدقه في وعده ووعيده بإنزال كل فريق في داره التي أعدها له، ثبت أن الكتاب الذي فيه ذلك منه، وأنه تام العزة كامل العلم جامع لجميع صفات الكمال فقال: {تنزيل الكتاب} أي الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والاكرام لكل ما يحتاج إليه بإنزاله بالتدريج على حسب المصالح والتقريب للأفهام الجامدة القاصرة، والتدريب للألباب السائرة في جو المعاني والطائرة {من الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال. ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم أكثر، لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعداً ووعيداً قال: {العزيز العليم *}. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما افتتح سبحانه سورة الزمر بالإخلاص وذكر سببه والحامل بإذن الله عليه وهو الكتاب، وأعقب ذلك بالتعويض بذكر من بنيت على وصفهم سورة ص وتتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ضربه سبحانه من المثل الموضح في قوله {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل} ووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح عدم استمرار مراد لأحدهم، وذكر قبح اعتذار لهم بقولهم {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}تفسير : [الزمر: 3] ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا يتخبل مخذول شذوذ أمر عن يده وقهره، فقال الله تعالى {أية : أليس الله بكاف عبده} تفسير : - إلى قوله: {أية : أليس الله بعزيز ذي انتقام}تفسير : [الزمر: 37] ثم أتبع ذلك بحال أندادهم من أنها لا تضر ولا تنفع فقال {أية : قل أفرءيتم ما تدعون من دون الله إنْ أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} تفسير : [الزمر: 38] ثم أتبع هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال {أية : قل لله الشفاعة جميعاً}تفسير : [الزمر: 44] {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة} {أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لما يشاء ويقدر} {الله خالق كل شيء} {له مقاليد السماوات والأرض} ثم عنفهم وقرَّعهم بجهلهم فقال تعالى {أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ثم قال تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} ثم اتبع تعالى - ذلك بذكر آثار العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق ثم نفخة القيام والجزاء ومصير الفريقين، فتبارك المتفرد بالعزة والقهر، فلما انطوت هذه الآي من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه، أعقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى: {حـمۤ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} فذكر من أسمائه سبحانه هذين الاسمين العظيمين تنبيهاً على انفراده بموجبهما وأنه العزيز الحق القاهر للخلق لعلمه تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق ما أخر الجزاء الحتم للدار الآخرة، وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، مع قهره للكل في الدارين معاً، وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره، ثم قال تعالى {غافر الذنب وقابل التوب} تأنيساً لمن استجاب بحمده، وأناب بلطفه، وجرياً على حكم الرحمة وتغليبها، ثم قال {شديد العقاب ذي الطول} ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من الخوف والرجاء، واكتنف قوله {شديد العقاب} بقوله {غافر الذنب وقابل التوب} وقوله {ذي الطول} وأشار سبحانه بقوله - {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} - إلى قوله قبل {وأورثنا الأرض} وكأنه في تقدير: إذا كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد، ثم بين تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم، وجدالهم في الآيات كجدالهم، وأن ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب، وسبق لهم في أم الكتاب - انتهى. ولما تقدم آخر تلك أن كلمة العذاب حقت على الكافرين، فكان ذلك ربما أيأس من تلبس بكفر من الفلاح، وأوهمه أن انسلاخه من الكفر غير ممكن، وكان الغفران - وهو محو الذنب عيناً وأثراً - مترتباً على العلم به، والتمكن من الغفران وما رتب عليه من الأوصاف نتيجة العزة، دل عليهما مستعطفاً لكل عاص ومقصر بقوله: {غافر الذنب} أي بتوبة وغير توبة إن شاء، وهذا الوصف له دائماً فهو معرفة. قال السمين: نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن تجعل محضة وتوصف بها المعارف إلا الصفة المشبهة، ولم يستثن الكوفيون شيئاً. ولما أفهم تقديمه على التوبة أنه غير متوقف عليها فيما عدا الشرك، وكان المشركون يقولون: قد أشركنا وقتلنا وبالغنا في المعاصي فلا يقبل رجوعنا فلا فائدة لنا في إسلامنا، رغبهم في التوبة بذكرها وبالعطف بالواو الدالة على تمكن الوصف إعلاماً بأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب فقال: {وقابل التوب} وجرد المصدر ليفهم أن أدنى ما يطلق عليه الاسم كاف وجعله اسم جنس كأخواته أنسب من جعله بينها جمعاً كتمر وتمرة. ولما كان الاقتصار على الترغيب بما أطمع عذر المتمادي من سطوته، فقال معرياً عن الواو لئلا يؤنس ما يشعر به كل من العطف والصفة المشبهة من التمكن، وذلك إعلاماً بخفي لطفه في أن رحمته سبقت غضبه، وأنه لو أبدى كل ما عنده من العزة لأهلك كل من عليها كما أشير إليه بالمفاعلة في {أية : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم}تفسير : [النحل: 61] فإن الفعل إذا كان بين اثنين كان أبلغ: {شديد العقاب *} على أن تنكيره وإبهامه - كما قال الزمخشري - للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر، لزيادة الإنذار وهي أخفى من دلالة الواو لو أوتي بها. ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب من الأخذ، أتبعه التشويق إلى الفضل، فقال معرياً عن الواو لأن التمام لا يقتضي المبالغة، والحذف غير مخل بالغرض فإن دليل العقل قائم على كمال صفاته سبحانه: {ذي الطول} أي سعة الفضل والإنعام والقدرة والغنى والسعة والمنة، لا يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه، ثم علل تمكنه في كل شيء من ذلك بوحدانيته فقال: {لا إله إلا هو} ولما أنتج هذا كله تفرده، أنتج قطعاً قوله: {إليه} أي وحده {المصير *} أي في المعنى في الدنيا، وفي الحس والمعنى في الآخرة، ليظهر كل من هذه الصفات ظهوراً تاماً، بحيث لا يبقى في شيء من ذلك لبس، فإنه لا يصح في الحكمة أن يبغي أحد على العباد ثم يموت في عزة من غير نقمة فيضيع ذلك المبغي عليه، لأن هذا أمر لا يرضى أقل الناس أن يكون بين عبيده. ولما تبين ما للقرآن من البيان الجامع بحسب نزوله جواباً لما يعرض لهم من الشبه، فدل بإزاحته كل علة عى ما وصف سبحانه به نفسه المقدس من العزة والعلم بياناً لا خفاء في شيء منه، أنتج قول ذماً لمن يريد إبطاله وإخفاءه: {ما يجادل} أي يخاصم ويماري ويريد أن يفتل الأمور إلى مراده {في آيات} وأظهر موضع الإضمار تعظيماً للآيات فقال: {الله} أي في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدالة كالشمس على أنه إليه المصير، بأن يغش نفسه بالشك في ذلك لشبه يميل معها، أو غيره بالتشكيك له، أو في شيء غير ذلك مما أخبر به تعالى {إلا الذين كفروا} أي غطوا مرائي عقولهم وأنوار بصائرهم لبساً على أنفسهم وتلبيساً على غيرهم. ولما ثبت أن الحشر لا بد منه، وأن الله تعالى قادر كل قدرة لأنه لا شريك له وهو محيط بجميع أوصاف الكمال، تسبب عن ذلك قوله: {فلا يغررك تقلبهم} أي تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم {في البلاد *} فإنه لا يكون التفعل بالقلب إلا عن قهر وغلبة، فتظن لإمهالنا إياهم أنهم على حق، أو أن أحداً يحميهم علينا، فلا بد من صيرورتهم عن قريب إلينا صاغرين داخرين، وتأخيرهم إنما هو ليبلغ الكتاب أجله.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لكل شجرة ثمراً وإن ثمرات القرآن ذوات ‏(‏حم‏)‏ من روضات، مخصبات، معشبات، متجاورات فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم ومن قرأ سورة ‏"‏الدخان‏"‏ في ليلة الجمعة أصبح مغفوراً له، ومن قرأ ‏{الۤـمۤ تنزيل‏} السجدة و{‏تبارك الذي بيده الملك‏}‏ في يوم وليلة فكأنما وافق ليلة القدر، ومن قرأ ‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏}‏ فكأنما قرأ ربع القرآن، ومن قرأ ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏}‏ فكأنما قرأ ربع القرآن، ومن قرأ ‏{قل هو الله أحد}‏ عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة‏. فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ إذن نستكثر من القصور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الله أكثر وأطيب، ومن قرأ {‏قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس}‏ لم يَبْقَ شيء من البشر إلا قال‏:‏ أي رب أعذه من شري، ومن قرأ ‏"‏أم القرآن‏"‏ فكأنما قرأ ربع القرآن، ومن قرأ {‏ألهاكم التكاثر}‏ فكأنما قرأ ألف آية ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال ‏ {‏حـمۤ‏} ‏اسم من أسماء الله تعالى‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأبو عبيد وابن سعد وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه عن المهلب بن أبي صفرة رضي الله عنه قال‏:‏ حدثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن قلتم الليلة ‏{‏حـمۤ}‏ لا ينصرون ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إنكم تلقون عدوّكم غداًَ فليكن شعاركم ‏{‏‏حـمۤ‏}‏ لا ينصرون‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ‏ ‏حديث : ‏انهزم المسلمون بخيبر، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب حفنها في وجوههم، وقال {حـمۤ‏}‏ لا ينصرون، فانهزم القوم، وما رميناهم بسهم، ولا طعن برمح‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البغوي والطبراني عن شيبة بن عثمان رضي الله عنه قال‏:‏ ‏‏ حديث : ‏لما كان يوم خيبر تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحصى ينفخ في وجوههم وقال‏: شاهت الوجوه ‏{‏حـمۤ‏‏}‏ لا ينصرون‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن يزيد بن الأصم رضي الله عنه أن رجلاً كان ذا بأس وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه فقيل له‏:‏ في الشراب، فدعا عمر رضي الله عنه كاتبه فقال له‏:‏ اكتب‏ من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان‏.‏‏.‏‏.‏ سلام عليكم، فإن أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ‏ {‏غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير‏} ‏ ثم دعا، وأمن من عنده، فدعوا له أن يقبل الله عليه بقلبه، وأن يتوب الله عليه‏.‏ فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول ‏ {‏غافر الذنب‏}‏ قد وعدني أن يغفر لي، ‏{‏وقابل التوب شديد العقاب‏}‏ قد حذرني الله عقابه ‏ {‏ذي الطول‏} ‏ الكثير الخير ‏{‏إليه المصير‏}‏ فلم يزل يرددها على نفسه حتى بكى، ثم نزع فاحسن النزع‏.‏ فلما بلغ عمر رضي الله عنه أمره قال‏:‏ هكذا فافعلوا إذا رأيتم حالكم في زلة فسددوه، ووفقوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كان شاب بالمدينة صاحب عبادة، وكان عمر رضي الله عنه يحبه، فانطلق إلى مصر، فانفسد فجعل لا يمتنع من شر، فقدم على عمر رضي الله عنه بعض أهله، فسأله حتى سأله عن الشاب فقال‏:‏ لا تسألني عنه قال‏:‏ لم‏؟‏ قال‏:‏ لأنه قد فسد وخلع، فكتب إليه عمر رضي الله عنه‏:‏ من عمر إلى فلان ‏ {‏حـمۤ‏ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير‏} ‏ فجعل يقرأها على نفسه فأقبل بخير‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏غافر الذنب وقابل التوب‏}‏ قال ‏{‏غافر الذنب‏} ‏ لمن لم يتب ‏{‏وقابل التوب‏} ‏ لمن تاب‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن أبي إسحاق السبيعي قال‏:‏ جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن قتلت فهل لي من توبة‏؟‏ فقرأ عليه ‏ {‏حـمۤ‏ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب‏} ‏ وقال‏:‏ اعمل ولا تيأس‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ذي الطول‏} ‏ السعة والغنى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏ذي الطول‏}‏ قال‏:‏ ذي الغنى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ذي الطول‏}‏ قال‏:‏ ذي النعم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏ذي الطول‏}‏ قال‏:‏ ذي المن‏. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏غافر الذنب وقابل التوب‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال ‏{‏غافر الذنب‏}‏ لمن يقول لا إله إلا الله ‏ {‏قابل التوب‏} ‏ لمن يقول لا إله إلا الله {‏شديد العقاب‏} ‏ لمن لا يقول لا إله إلا الله ‏ {‏ذي الطول‏} ‏ ذي الغنى ‏ {‏لا إله إلا هو‏} ‏ كانت كفار قريش لا يوحدونه فوحد نفسه ‏ {‏إليه المصير‏}‏ مصير من يقول لا إله إلا هو فيدخله الجنة، ومصير من لا يقول لا إله إلا هو فيدخله النار‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ثابت البناني رضي الله عنه قال‏:‏ كنت مع مصعب بن الزبير رضي الله عنه في سواد الكوفة، فدخلت حائطاً أصلي ركعتين، فافتتحت ‏ {‏حـمۤ‏‏}‏ المؤمن حتى بلغت ‏ {‏لا إله إلا هو إليه المصير‏}‏ ، فإذا خلفي رجل على بغلة شهباء عليه مقطنات يمنية فقال‏:‏ إذا قلت ‏{‏قابل التوب‏} ‏ فقل‏:‏ يا قابل التوب اقبل توبتي، وإذا قلت ‏ {‏شديد العقاب‏}‏ فقل‏:‏ يا شديد العقاب لا تعاقبني، ولفظ ابن أبي شيبة اعف عني، وإذا قلت ‏ {‏ذي الطول‏}‏ فقل‏:‏ يا ذا الطول طل علي بخير قال‏:‏ فقلتها ثم التفت فلم أر أحداً، فخرجت إلى الباب فقلت‏:‏ مر بكم رجل عليه مقطنات يمينة‏؟‏‏!‏ قالوا‏:‏ مارأينا أحداً‏.‏ كانوا يقولون إنه إلياس‏.

ابو السعود

تفسير : {حـم} بتفخيمِ الألفِ وتسكينِ الميمِ. وقُرىءَ بإِمالةِ الألفِ وبإخراجِها بـينَ بـينَ وبفتحِ الميمِ لالتقاءِ الساكنينِ أو نصبِها بإضمارِ اقرأْ وَنَحوِهِ، ومنعُ الصرفِ للتعريفِ والتأنيث أو للتعريف وكونِها على زنةِ قابـيلَ وهابـيلَ. وبقيةُ الكلامِ فيه وفي قولِه تَعَالى {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} كالذي سَلَفَ في آلم السجدةِ. وقولُه تعالى {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} كما في مَطْلعِ سُورةِ الزُّمَرِ في الوجوه كُلِّها. ووجْهُ التعرضِ لنعتَي العزةِ والعلم ما ذُكرَ هناك. {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ} إِمَّا صفاتٌ أُخَرُ لتحقيق ما فيها منَ الترغيبِ والترهيبِ والحثِّ على ما هو المقصودُ، والإضافةُ فيها حقيقيةٌ على أنَّه لمْ يُرَدْ بها زمانٌ مخصوصٌ وأريدَ بشديدِ العقابِ مشدِّدُه أو الشديدُ عقابُهُ بحذف اللامِ للازدواجِ وأمنِ الالتباسِ أوْ إبدالٍ وجعلُهُ وحْدَه بدلاً كما فعَلُه الزجَّاجُ مشوشٌ للنظمِ، وتوسيطُ الواو بـينَ الأوليَّنِ لإفادةِ الجمعِ بـينَ محوِ الذنوبِ وقبول التوبةِ أو تغايرِ الوصفينِ إذْ رُبَّما يتوهمُ الاتحادُ أو تغايرُ موقعِ الفعلينِ لأنَّ الغفرَ هو السترُ معَ بقاءِ الذنبِ وذلكَ لمن لَمْ يتُبْ « حديث : فإنَّ التائبَ منَ الذنبِ كمنْ لا ذنبَ لَهُ » تفسير : والتوبُ مصدرٌ كالتوبةِ وقيل: هُوَ جَمعُها والطَّولُ الفضلُ بترك العقابِ المستَحقِ، وفي توحيد صفةِ العذابِ مغمورةً بصفاتِ الرحمةِ دليلُ سَبْقِها ورُجْحانِها {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فيجبُ الإقبالُ الكُلِّي عَلى طاعتِهِ في أوامرِهِ ونواهيهِ {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} فحسبُ لا إلى غيرِهِ لا استقلالاً ولا اشتراكاً فيجازِي كلاًّ من المطيعِ والعاصِي.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} [1-2] قال: يعني الحي الملك هو الذي أنزل عليك الكتاب، وهو الذي قلبت به قلوب العارفين العزيز عن درك الخلق العليم بما أنشأ وقدر.

السلمي

تفسير : قال سهل فى قوله: {حـمۤ} قال: الحى الملك هو الذى أنزل عليك الكتاب، وهو الذى وَلِهَ به قلوب العارفين العزيز عن درك الخلق والعليم بما أنشأ وقدر.

القشيري

تفسير : أي حُمَّ أمرٌ كائن. ويقال "الحاء" إشارة إلى حِلْمِه، "والميم" إشارة إلى مجده أي: بحِلْمي ومجدي لا أُخَلِّدُ في النار مَنْ آمنَ بي. ويقال هذه الحروف مفاتح أسمائه.

البقلي

تفسير : {حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} الحاء عين جيات الازل والميم مناهل المحبة الخاصة الصفاتية الابدية ومن خصه الله لقربه سقاه من عين حيوته حتى يكون حيا بحيوته لا يجرى عليه بعد ذلك طوارق الفناء لان الحق اذا تجلى من حياته التى هى صفته الازلية لروح قدس يخرجها من ضرر الفناء والموت لانه هو محل الاتصاف بصفته وصفاته ممتنعة من تغائر الحدثان قال تعالى بل احياء عند ربهم ثم سقاه من منهل محبته فيصير سكران شوقه وعشقه والها بجمال وجهه لا يمنعه من ذلك الاكوان بسارها فمن حيث الحيوة يحيى العالم بانفاسه الربانية مثل عيسى عليه السّلام ومن حيث المحبة يطلب بجماله قلوب الخلائق اجمعين حتى يشتاقوا من النظر اليه الى جمال الحق مثل محمد صلى الله عليه وسلم ثم ينطق من جاء الحياة بعبارات الحكمة ومن ميم المحبة من اشارات العلوم المجهولة التى لا يعرفها الا الواردون على مناهل القدم والبقاء ومعنى قوله تنزيل الكتاب اى هذان الحرفان اللذان عما مطينان احمالهما مظنات هذه المعانى المنزلة من عند الله الحى القيوم الملك المهيمن العزيز المتكبر العليم الحكيم الى الحبيب المحب الذى هو وسيلة الحق من الحق الى الحق والسفير منه الى عباده واحبائه ومشتاقيه اى من الله الذى الوهيته عزيزة ممتنعة عن مطالعة الخليقة الغالبة على كل ذرة من العرش الى الثرى عالم ببطون الغيوب ومضمرات القلوب وحركات الارواح وعلل الاشباح يعز العارفين بعزته وبشوق المحبين الى جمال مشاهدته بمحبته الازليّة التى سبقت فى الازل لاهل خالصته انزل هذا التنزيل الى سيد المرسلين وامام العالمين ليبشر بنزوله اهل نزل مواهبه السنية ومعارفه المقدسة وليفرح فواد المهتمين على ما جرى عليهم خطرات الامتحان وهو اجس النفس والشيطان بقوله {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} يستر ذنوب المذنبين بحيث يرفع عن ابصارهم حتى ينسوها ويقبل عذرهم حين افتقرو اليه بنعت الاعتذار بين يدى به {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} لمن لا يرجع الماب بان عذبه بذل الحجاب {ذِي ٱلطَّوْلِ} لمن افنى نفسه لنفسه وطوله طول كشف جماله فى اوقات الواردات والمواجيد من خصه بالقرب والجمال ثم وصف نفسه التنزيه والتقديس ونفى النداد والاضداد فى ربوبيته وغرفان عباده وتعذيب عصاته بقوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} اليه يرجع كل مشتاق وكل عارف محب عشاق يقبل منهم عذرهم فى تقصيرهم فى العبودية وقلة عرفانهم حقوق الربوبية هو مصدر الكل ومصير الكل مصادر القدم معاونهم لا العدم فان العدم لا شئ فى شئ وهو موجد الاشياء بلا علل ولا حيل ثم من غيرته بعدم الكل حتى لا يبقى فى ساحة الكبرياء اهل الفناء قال تعالى كل شئ هالك الا وجهه قال سهل فى قوله حم الحى الملك وفى قوله تنزيل الكتاب هو الذى انزل عليك الكتاب وهو الله الذى وله به قلوب العارفين والعزيز من درك الخلق العليم بما انشأ وقدَّر غافر الذنب اى ساتره على من يشاء وقابل التواب اى ممن تاب اليه واخلص العمل بالعلم له ذى الطول ذى الغنى من الكل قال بعضهم غافر الذنب كرما وقابل التوب فضلا شديد العقاب عدلا لا اله الا هو فردا واليه المصير تصديق للوعد قال بعضهم غافر لذنب المذنبين وقابل توبة الراجعين شديد العقاب على المخالفين ذى الطول على العارفين قال الاستاذ غافر الذنب لمن اصّروا جرم وقابل التوب لمن اقر وندم شديد العقاب لمن حجد وعند ذى الطول لمن عرف ووحدَّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {حم} اسم للسورة ومحله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف اى هذه السورة مسماة بحم نزلت منزلة الحاضر المشارة اليه لكونها على شرف الذكر والحضور وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : حم اسم من اسماء الله تعالى" تفسير : وكل اسم من اسماء الله تعالى مفتاح من مفاتيح خزآئنه تعالى فمن اشتغل باسم من الاسماء الالهية يحصل بينه وبين هذا الاسم اى بين سره وروحه مناسبة بقدر الاشتغال ومتى قويت تلك المناسبة بحسب قوة الاشتغال يحصل بينه وبين مدلوله الحقيقى مناسبة اخرى فحينئذ يتجلى له الحق سبحانه من مرتبة ذلك الاسم ويفيض عليه ما شاء بقدر استعداده وكل اسمائه تعالى اعظم عند الحقيقة وقال ابن عباس رضى الله عنهما الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة فى سور وفى التأويلات النجمية يشير الى القسم بسر بينه وبين حبيبه محمد عليه السلام لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل وذلك ان الحاء والميم هما حرفان من وسط اسم الله وهو رحمن وحرفان من وسط اسم نبيه وحبيبه محمد عليه السلام فكما أن الحرفين سر اسميهما فهما يشيران الى القسم بسر كان بينهما ان تنزيل الكتاب الخ وقال سهل بن عبد الله التسترى رحمه الله فى حم الحى الملك وزاد بعضهم بان قال حم فواتح اسمائه الحليم الحميد الحق الحى الحنان الحكيم الملك المنان المجيد (وقال الكاشفى) حا اشارت بحكم حق كه خط ومنع ورد بروكشيده نشودوميم امانيست بملك اوكه كرد زوال وفنا كرد سر اوقات آن راه نيابد. وقال البقلى الحاء حياة الأزل والميم منهل المحبة فمن خصه الله تعالى بقرية سقاه من عين حياته حتى يكون حيا بحياته لا يعتريه الفناء بعد ذلك وينطق من حاء الحياة بعبارة الحكمة ومن ميم المحبة من اشارات العلوم المجهولة مالا يعرفها الا الواردون على مناهل القدم والبقاء وفى شرح حزب البحر حم اشارة الى الحماية ولذلك حديث : قال عليه السلام يوم احد "ليكن شعاركم حم لا ينصرون" تفسير : اى بحماية الله لا ينصرون اى الاعدآء لأن الله تعالى مولى الذين آمنو ولا مولى للكافرين فتحصل العناية بالحماية والحماية من حضرة الافعال ويقال حم الامر بضم الحاء وتشديد الميم اى قضى وقدر وتم ما هو كان او حم امر الله اى قرب او يوم القيامة قال قدحم يومى فسر قوم قوم بهم غفلة ونوم. قال فى كشف الاسرار حااشارتست بمحبت وميم اشارتست بمنت ميكويد اى بحاى محبت من دوست كشته نه به هنر خود اى بميم منت من مرا يافته نه بطاعت خود اى من ترا دوست كرفته وتومرا نشاخته اى من ترا خواسته وتومرا نادانسته اى من ترابوده وتومرا بوده صدهزاركس بردركاه ماايستاده مارا خواستندودعاها كردند بايشان التفات نكرديم وشمارا اى امت احمد بى خواست شما كفت اعطيتكم قبل ان تسألونى واجبتكم قبل ان تدعونى وغفرت لكم قبل ان تستغفرونى آن رغبت وشوق انبياء كذشته بتوتا خليل مى كفت. واجعل لى لسان صدق فى الآخرين وكليم ميكفت اجعلنى من امة محمد نه ازان بودكه افعال توبا ايشان شرح داديم كه اكر افعال شما باايشان كفتيم همه دامن ازشما درجيدندى ليكن ازان بودكه افضال وانعام خود باشما ايشانرا شرح داديم بيش ازشما وهركرا بر كزيديم يكان يكان بركزيديم جنانكه اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران جون نوبت شمارا رسيد على العموم والشمول كفتيم كنتم خير امة همه بركزيد كان ما آيد جاى ديكر كفت اصطفينا من عبادنا درتحت اين خطاب هم زاهد وهم عابداست هم ظالم وهم مظلوم (روى) موسى عليه السلام قال يا رب هل اكرمت احد مثل ما اكرمتنى اسمعتنى كلامك فقال تعالى ان لى عبادا اخرجهم فى آخر الزمان واكرمهم بشهر رمضان وانا اكون اقرب اليهم منك فانى كلمتك بينى وبينك سبعون الف حجاب فاذا صامت امة محمد وابيضت شفاههم واصفرت الوانهم ارفع تلك الحجب وقت افطارهم شعر : روزى كه سرازبرده برون خواهى كرد دانم كه زمانه رازبون خواهى كرد كرزيب وجمال ازين فزون خواهى كرد يارب جه جكر هاست كه خون خواهى كرد تفسير : يا موسى طوبى لمن عطش كبده وجاع بطنه فى رمضان فانى لا اجازيهم دون لقائى وخلوف فمهم عندى اطيب من ريح المسك ومن صام يوما استوجب مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال موسى اكرمنى بشهر رمضان قال تعالى هذا لامة محمد عليه السلام فانظر لاكرامه تعالى وحمايته لهذه الامة المرحومة فانها بين الامم بهذه الكرامة موسومة بل كلها منها محرومة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {حم} أي: يا محمد. فاقتصر على بعض الحروف، ستراً عن الوشاة، كعادة العُشاق في ذكر محبوبهم، يرمزون إليه ببعض حروفه. وقال ابن عطية: سأل أعرابي النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن "حم" ما هو؟ فقال: "بدء أسماء وفواتح سور" وفي حديث: "إذا بُيتّم فقولوا: حم لا يُنصرون" قال أبو عبيد: كأن المعنى: اللهم لا ينصرون. قلت: لا يبعد أن يكون توسل بحبيب الله على هزم الأعداء. وعن ابن عباس: (أنه اسم الله الأعظم). هـ. وكأنه مختصر من "حي قيوم". {تنزيلُ الكتاب} أي: هذا تنزيل القرآن {من الله العزيزِ العليم} أي: العزيز بسلطانه، الغالب على أمره، العليم بمَن صدّق به وكذّب. وهو تهديد للمشركين، وبشارة للمؤمنين. والتعرُّض لوصفي العزة والعلم للإيذان بظهور أثريهما في الكتاب؛ لظهوره عزِه وعز مَن تمسّك به، ولاشتماله على علوم الأولين والآخرين. {غافر الذنبِ} أي: ساتر ذنب المؤمنين؛ {وقابلِ التَّوْبِ} وقابل توبةَ الراجعين {شديدِ العقاب} للمخالفين، {ذي الطَّوْلِ} على العارفين، أي: الفضل التام على العارفين، أو: ذي الغنى عن الكل. وعن ابن عباس: (غافر الذنب، وقابل التوب، لمَن قال: "لا إله إلا الله" شديد العقاب لمَن لم يقل لا إله إلا الله). والتَّوب: مصدر، كالتوبة. ويقال: تاب وثاب وآب، أي: رجع، فإن قلتَ: كيف اختلفت هذه الصفات تعريفاً وتنكيراً، والموصوف معرفة، وهو الله؟ قلتُ: أما {غافر الذنب وقابل التَّوب} فمعرفتان؛ لأنه لم يُرِدْ بهما حدوث الفعلين حتّى يكون في تقدير الانفصال، فتكون إضافتهما غير حقيقية، وإنما أُريد ثُبوت ذلك ودوامه. وأما {شديد العقاب} فهو في تقدير: شديد عقابُه، فيكون نكرة، فقيل: هو بدل، وقيل: كلّها أبدال غير أوصاف. وإدخال الواو في {قابل التوب} لنكتة، وهي: إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين قبول توبته، فتُكتب له طاعة، وبين جعلها ماحية للذنوب، كأن لم يُذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول. وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات النعمة دليل سبقها ورجحانها، "حديث : إن رحمتي سبقت غضبي ". تفسير : قال القشيري: سُنَّةُ اللهِ تعالى: إذا خَوَّف العبادَ باسْمٍ، أو لفظٍ، تدارَكَ قلوبَهم بأن يُبشِّرهم باسْمَين أو وَصْفيْن. هـ. رُوي: أن عمر رضي الله عنه افتقد رجلاً ذا بأسٍ شديد، من أهل الشام، فقيل له: تابَع هذا الشراب، فقال لكاتبه: اكتب: من عمر إلى فلان، سلام الله عليك، وأنا أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، بسم الله الرحمن الرحيم {حم...} إلى قوله: {إِليه المصير} وختم الكتاب، وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحباً، ثم أمر مَن عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة، جعل يقرؤها، ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذّرني من عقابه، فلم يبرح يردّدها حتى بكى. ثمّ نزع، فأحسن النزوع، وحسنت توبته. فلما بلغ عمر رضي الله عنه أمرُه، قال: "هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم قد زلَّ فسدّدوه، وادعوا له الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه" أي: بالدعاء عليه. هـ. {لا إِله إلا هو} أي: فيجب الإقبال الكلي عليه، وهو: إما استئناف، أو: صفة لذي الطَّوْل، {إِليه المصيرُ} أي: المرجع، فيُجازي كُلاًّ من العاصي والمطيع. قال القشيري: إذا كان إلى الله المصير فقد طاب المسير. {ما يُجادل في آيات الله} أي: ما يُخاصم فيها بالطعن فيها، واستعمال المقدمات الباطلة؛ لإدحاض الحق المشتملة عليه، {إِلا الذين كفروا}، وأما الذين آمنوا فلا يخطر ببالهم شائبة شُبهة منها، فضلاً عن الطعن فيها، وأما الجدال فيها لحل مشكلاتها، وكشف حقائقها، وتوضيح مناهج الحق منها، وردّ مذاهب أهل الزيغ بها، فمِن أعظم الجهاد في سبيل الله. قال الطيبي: وأما اتصال قوله: {ما يُجادل في آيات الله...} الآية بما قبله، فهو أنه لَمَّا قال تعالى: {حم تنزيل الكتاب} من الإله المعبود، الموصوف بصفات العلم الكامل، والعز الغالب، الجامع بين غفران الذنب وقبول التوبة، المتفرّد بالعقاب، الذي لا يقدّر كنهه، وبالإفضال الذي لا يبلغ قدره، قال: {ما يُجادل في آيات الله} أي: ما يجادل في مثل هذا الكتاب، المشتمل على الآيات البينات، المنزل من مثل ذلك الموصوف بنعوت الكمال، إلا أمثال هؤلاء الكفرة المغرورين، {فلا يَغْرُرْكَ نَقَلُبُهم في البلاد} فإنه استدراج، فلا يَغْرُر مثلك في منصب الرسالة تقلُبُ أولئك تقلبَ الأنعام، المنعَّمين في هذا الحطم. وآيات الله: مُظْهَر أقيم المُضمر؛ للتعظيم والتفخيم. هـ. والفاء لترتيب النهي عن الاغترار على ما قبله من التسجيل عليهم بالكفر، الذي لا شيء أمقت منه عند الله، ولا أجلب لخسران الدنيا والآخرة، فإنَّ مَن تحقق ذلك لا يكاد يغتر بما لهم من الحظوظ الفانية، والزخارف الدنيوية، فإنهم مأخوذون عما قليل، كما أُخذ من قبلهم. ولذلك ذكرهم بقوله: {كذبت...} الخ. الإشارة: "حم" أي: بحلمي ومجدي تجليت في كلامي، المنزل على حبي، وهو تنزيل الكتاب من الله العزيز، المُعزّ لأوليائه، العليم بما كان وما يكون منهم، فلا يمنعه عِلمُه عما سَلَفَ من قضائه. غافرُ الذنب لمَن أَصَرَّ واجْتَرَم، وقابلُ التوب لمَن تاب واحتشم، شديد العقاب لمَن جَحَدَ وكفر، ذي الطول لمَن توجه ووصل، ويقال: غافر الذنب للغافلين، وقابل التَّوب للمتوجهين، شديد العقاب للمنكرين، ذي الطول للعارفين الواصلين. لا إله إلا هو، فلا موجود معه، إليه المصير بالسير في ميادين النفوس، حتى يحصل الوصول إلى حضرة القدوس. ما يُجادل في آيات الله، وهم أولياء الله، الدالون على الله، إلا أهلُ الكفر بوجود الخصوصية. قال القشيري: إذا ظهر البرهانُ، واتَّضح البيانُ استسلمَت الألبابُ الصاحيةُ للاستجابة والإيمان. وأمَّا أهلُ الكفر فلهم على الجحود إصرارٌ، وشُؤْمُ شِرْكهم يحولُ بينهم وبين الإنصاف، وكذلك مَن لا يحترم أولياء الله، يُصرُّون على إنكارهم تخصيصَ الله عباده بالآيات، ويعترضون عليهم بقلوبهم، فيُجادلون في جَحْدِ الكرامات، وسيفتضحون، ولكنهم لا يُميزون بين رجحانهم ونقصانهم. هـ.

الطوسي

تفسير : خمس آيات في الكوفى وأربع فى ما عداه عدّ الكوفيون (حم) آية ولم يعدها الباقون. قرأ اهل الكوفة إلا حفصاً وابن ذكوان {حاميم} بامالة الألف. الباقون بالفتح من غير امالة وهما لغتان فصيحتان. وقال قوم {حم} موضعه نصب، وتقديره اتل {حم} اقرأ {حم} وقال آخرون: موضعه جرّ بالقسم. ومن جزم قال: لانها حروف التهجي وهي لا يدخلها الاعراب، وقد فتح الميم عيسى ابن عمر، وجعله اسم السورة، فنصبه ولم ينون، لأنه على وزن (هابيل) ويجوز ان يكون فتح لالتقاء الساكنين. والقراء على تسكين الميم وهو الأجود لما بيناه. وقد بينا اختلاف المفسرين واهل العربية فى مبادىء السور بحروف التهجي ومعناها، وأن اقوى ما قيل في ذلك انها اسماء للسور، وذكرناها في الأقوال، فلا نطول باعادته. وقال قتادة والحسن: (حم) اسم السورة. وقال شريح بن أوفى العبسي: شعر : يذكرني (حم) والرمح شاهر فهلا تلا (حم) قبل التقدم تفسير : وقال الكميت: شعر : وجدنا لكم في آل حم آية تأولها منا تقي ومعرب تفسير : وقوله {تنزيل الكتاب} أي هو تنزيل {من الله} أنزله على نبيه {العزيز} معناه القادر الذي لا يغالب ولا يقهر المنيع بقدرته على غيره ولا يقدر عليه غيره. وهذه الصفة لا تصح إلا لله تعالى واصل الصفة المنع من قولهم: عزّ كذا وكذا أي امتنع، وفلان عزيز أي منيع بسلطانه او عشيرته أو قومه "والعليم" الكثير العلوم والعالم الذي له معلوم. وقوله {غافر الذنب} جرّ بأنه صفة بعد صفة، ومعناه من شأنه غفران الذنب في ما مضى وفي ما يستقبل، فلذلك كان من صفة المعرفة {وقابل التوب} قال الفراء: إنما جعلها نعتاً للمعرفة وهي نكرة، لأن المعنى ذي الغفران، وذي قبول التوبة كقوله {ذي الطول} وهو معرفة وإن جعلته بدلا كانت النكرة والمعرفة سواء، ومعنى {قابل التوب} إنه يقبل توبة من تاب اليه من المعاصي بأن يثيب عليها ويسقط عقاب معاصي ما تقدمها تفضلا منه، ولذلك كان صفة مدح، ولو كان سقوط العقاب عندها واجباً لما كان فيه مدح و (التوب) يحتمل وجهين: احدهما - ان يكون جمع توبة كدوم ودومة وعوم وعومة. والثاني - ان يكون مصدر (تاب يتوب توباً). وقوله {شديد العقاب} معناه شديد عقابه وذكر ذلك عقيب قوله {غافر الذنب} لانه أراد لئلا يعول المكلف على العفو بل يخاف عقابه أيضاً لأنه كما انه يغفر لكونه غافراً فقد يعاقب لكونه شديد العقاب. وفرق بين شدة العقاب وتضاعف الالام بان الخصلة الواحدة من الألم يكون اعظم من خصال كثيرة من ألم آخر كالالم في اجزا كثيرة من قرض برغوث. وقوله {ذي الطول} قال ابن عباس وقتادة: معناه ذي النعم. وقال ابن زيد: معناه ذي القدرة. وقال الحسن: ذي التفضل على المؤمنين. وقيل (الطول) الانعام الذي تطول مدته على صاحبه كما أن التفضل النفع الذي فيه افضال على صاحبه. ولو وقع النفع على خلاف هذا الوجه لم يكن تفضلا. ويقال: لفلان على فلان طول أي فضل. وقوله {لا إله إلا هو} نفي منه تعالى أن يكون معبود على الحقيقة يستحق العبادة غيره تعالى. ثم قال {إليه المصير} ومعناه تؤل الأمور إلى حيث لا يملك أحد الامر والنهي والضر والنفع غيره تعالى، وهو يوم القيامة، لأن دار الدنيا قد ملك الله كثيراً من خلقه الأمر والنهي والضر والنفع. ثم قال {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} معناه لا يخاصم في دفع حجج الله وإنكارها وجحدها إلا الذين يجحدون نعم الله ويكفرون بآياته وأدلته. ثم قال لنبيه {فلا يغررك} يا محمد {تقلبهم في البلاد} أي تصرفهم لقولهم: لفلان مال يتقلب فيه أي يتصرف فيه. والمعنى لا يغررك سلامتهم وإمهالهم، فان عاقبتهم تصير إليّ ولا يفوتونني. وفي ذلك غاية التهديد. ثم بين ذلك بأن قال {كذبت قبلهم} أي قبل هؤلاء الكفار {قوم نوح} بان جحدوا نبوته {والأحزاب من بعدهم} أيضاً كذبوا رسلهم {وهمت كل أمة برسولهم} وإنما قال برسولهم لأنه اراد الرجال. وفي قراءة عبد الله {برسولها ليأخدوه} قال قتادة هموا به ليقتلوه {وجادلوا بالباطل} أي وخاصموا في دفع الحق بباطل من القول. وفي ذلك دليل على ان الجدال إذا كان بحق كان جائزاً {ليدحضوا به الحق} أي ليبطلوا الحق الذي بينه الله واظهره ويزيلوه، يقال: أدحض الله حجته. وقال تعالى {أية : حجتهم داحضة عند ربهم} تفسير : أي زائلة. ثم قال {فأخذتهم} أي فأهلكتهم ودمرت عليهم {فكيف كان عقاب} فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك؟!

الجنابذي

تفسير : {حـمۤ} قد مضى فى اوّل البقرة وفى غيرها بيانٌ وافٍ للفواتح.

الأعقم

تفسير : {حم} اسم السورة، وقيل: اسم من أسماء الله عن ابن عباس، وقيل: هو قسم أقسم بحكمه وملكه لا يعذب من عاذ، يقول: لا إله إلا الله مخلصين من قلبه، وقيل: هو افتتاح اسمائه حليم، حميد، محمود، منان، قال في الغرائب والعجائب: حم اسم الله الأعظم، وقيل: محمد، وقيل: معنى حم ما هو كائن تنزيل الكتاب أي القرآن أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى الملك ويأتي به الملك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {من الله العزيز} القادر على ما يشاء ولا يمتنع عليه شيء {العليم} بجميع الأشياء {غافر الذنب} يعني غافر ذنب من قال لا إله إلا الله {وقابل} توبة من قال لا إله إلا الله {شديد العقاب} لمن لم يقل لا إله إلا الله، وقيل: غافر ذنب المذنبين بالتوبة والطاعة، وقيل: يقبل توبة التائبين {شديد العقاب} على المصرين {ذي الطول}، قيل: ذي النعم، وقيل: ذي الفضل على المؤمن، وقيل: ذي السعة، وقيل: ذي القدرة {لا إله إلا هو} أي هو الموصوف بهذه الصفات دون غيره {إليه المصير} أي المرجع للجزاء {ما يجادل في آيات الله} في القرآن بالتكذيب والرد {إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} وكانت قريش تتحرك للتجارة، وقيل: تصرفهم في البلاد للتجارات وبقاؤهم آمنين سالمين مع كفرهم فإنه أمهلهم، ثم قال سبحانه ذاكراً حال الأمم: {كذّبت قبلهم قوم نوح والأحزاب} الذين تحزبوا على رسول الله وهم عاد وثمود وفرعون {وهمَّت كل أمة} من هذه الأمم {برسولهم ليأخذوه} وقرئ برسولها ليأخذوه ليتمكنوا منه بما أرادوا من تعذيب أو قتل {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} ليدفعوا ويزيلوا {فأخذتهم} يعني أنهم قصدوا أخذه فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم {فكيف كان عقاب} فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم فتعاينون أثر ذلك.

الهواري

تفسير : تفسير سورة المؤمن، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حـمۤ} ذكروا أن علياً رضي الله عنه قال: {الۤمۤ}، و{حـمۤ} و{نۤ}: الرحمن. وكان الحسن يقول: لا أدري ما تفسير {حـمۤ} و{طسۤمۤ} وأشباه ذلك، غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور وفواتحها. قال: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ} أي القرآن، {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ} في ملكه، الذي ذل من دونه لعزته. {الْعَلِيمِ} بخلقه. {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} أي: التوبة {شَدِيدِ الْعِقَابِ} أي: إذا عاقب. {ذِي الطَّوْلِ} أي: ذي الغنى، أي: إنه الغني {لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا معبود سواه، ولا ربّ إلا هو {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي: البعث. قوله: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ} فيجحدها {إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ } أي: إقبالهم وإدبارهم {فِي الْبِلاَدِ} يعني في الدنيا بغير عذاب، فإن الله معذّبهم.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {حم} الله أعلم وقيل اسم السورة خبر لمحذوف أو مفعول لمحذوف أو قسم وقيل حروف أقسم بها، وقال ابن عباس: اسم الله الأعظم وقيل عنه (الر) و (حم) و (نون) حروف الرحمن مقطعة وقيل: (الحاء) افتتاح أسمائه (حكيم وحميد وحى وحليم وحنان) والميم افتتاح أسمائه (ملك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور). وقال الضحاك والكسائى ان (حم) تهجى لانها تصير (حُمَّ) بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة كأنه يقول (حُمَّ الأمر) أي (قدر ووقع وقضى ما هو كائن)؛ ابن كثير وأبو عمرو بين الفتح والكسر والباقون بالامالة صريحاً وهي رواية ورش عن نافع وقرئ بفتح الميم وتسكينها بالفتح للتخفيف والكسر على الأصل في التقاء الساكنين أو الفتح نصب باضمار (اقرأ) ومنع الصرف للتأنيث والتعريف أو للتعريف وكونه على زنة أعجمى كقابيل وهابيل أو فتح نائب عن الجر على القسم أو نصب على نزع الخافض ووجه التعريف والتأنيث انه علم سورة

اطفيش

تفسير : يقال للسور ذات حاميم: حواميم، لأن حاميم اسم للسورة فى عبارتنا مركب من اسمى حرفين الحا بالقصر والميم، ولا يضرنا أن وزن فاعيل كقابيل لا يوجد فى العربية، لأنه لا يمتنع اذا كان بالتركيب فجمع على القياس على فواعيل بإبدال ألف حا واوا، فهو جمع عربى وأنشد أبو عبيدة اللغوى: شعر : حلفت بالسبع التى تطولت وبمئين بعدها قدا منيت وبثمان ثنيت وكررت وبالطواسين التى قد تليت وبالحواميم اللواتى سبعت وبالمفصل التى قد فصلت تفسير : والظاهر أن الشعر مصنوع أو صاحبه مولد لا يكون حجة، ألا أنه وافق الحق، ومما يدل على ضعفه فى العربية، جعله تاء التأنيث رويا، وقال الجوالقى، والحريرى، وابن الجوزى، وأبو منصور، والجوهرى، عن الفراء: ان الحواميم ليس من كلام العرب، وأنه خطأ ويجوز حاميمات عندهم قال شاعر: شعر : هذا رسول الله فى الخيرات جاء بياسين وحاميمات تفسير : وهو حق، ولو احتمل أنه مصنوع أو موضوع، ومن العجائب أنهم أجازوه ولم يجيزوا حواميم، فانه اذا كان اسما واحدا بالتركيب لا جملة، وهو هنا مركب غير جملة، يجوز جمعه تكسيرا كما يجوز جمعه سلامة، ولو كان جملة فى الأصل أولا يتأتى جمعه كمعدى كرب لم يجمع تكسيرا ولا سلامة، بل بذوات وبآل فإنَّك إذا أردت جمع تأبط شرا قلت: ذو تأبط شر وذواتا تأبط شرا أى أهل هذا اللفظ، قال الكميت بن زيد:شعر : وجدنا لكم فى آل حاميم آية تأولها منا تقى ومعرب تفسير : ويقال أيضا: طواسيم بالميم بدلا من نون سين، أخذ الاسم من قوله: طاسين، ويجوز ذوات حاميم، وذوات طاسين.

الالوسي

تفسير : بتفخيم الألف وتسكين الميم، وقرأ ابن عامر برواية ذكوان وحمزة والكسائي وأبو بكر بالإمالة الصريحة، ونافع برواية ورش وأبو عمرو بالإمالة بين بين، وقرأ ابن أبـي إسحاق وعيسى بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفة كما في أين وكيف، وجوز أن يكون ذلك نصباً بإضمار اقرأ ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه بمعنى السورة أو للعلمية وشبه العجمة لأن فاعيل ليس من أوزان أبنية العرب وإنما وجد ذلك في لغة العجم كقابيل وهابيل، ونقل هذا عن سيبويه. وفي «الكشف» أن الأولى أن يعلل بالتعريف والتركيب. وقرأ أبو السمال بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين كما في جير والزهري برفعها والظاهر أنه إعراب فهو إما مبتدأ أو خبر مبتدأ محذوف، والكلام في المراد به كالكلام في نظائره. ويجمع على حواميم وحاميمات أما الثاني فقد أنشد فيه ابن عساكر في «تاريخه»:شعر : هذا رسول الله في الخيرات جاء بياسين وحاميمات تفسير : وأما الأول فقد تقدم عدة أخبار فيه ولا أظن أن أحداً ينكر صحة جميعها أو يزعم أن لفظ حواميم فيها من تحريف الرواة الأعاجم؛ وأيضاً أنشد أبو عبيدة: شعر : حلفت بالسبع الا لى تطولت وبمئين بعدها قد أمئيت وبثمان ثنيت وكررت وبالطواسين اللواتي تليت وبالحواميم اللواتي سبعت وبالمفصل التي قد فصلت تفسير : وذهب الجواليقي والحريري وابن الجوزي إلى أنه لا يقال حواميم، وفي «الصحاح» عن الفراء أن قول العامة الحواميم ليس من كلام العرب. وحكى صاحب «زاد المسير» عن شيخه أبـي منصور اللغوي أن من الخطأ أن تقول: قرأت الحواميم والصواب أن تقول قرأت آل حم، وفي حديث ابن مسعود إذا وقعتُ في آل حم فقد وقعتُ في روضات دمثات أتأنق فيهن، وعلى هذا قول الكميت بن زيد في «الهاشميات»:شعر : / وجدنا لكم في آل حم آية تأولها منا تقي ومعرب تفسير : والطواسين والطواسيم بالميم بدل النون كذلك عندهم، وما سمعت يكفي في ردهم. نعم ما قالوه مسموع مقبول كالذي قلناه لكن ينبغي أن يعلم أن آل في قولهم آل حم كما قال الخفاجي ليس بمعنى الآل المشهور وهو الأهل بل هو لفظ يذكر قبل ما لا يصح تثنيته وجمعه من الأسماء المركبة ونحوها كتأبط شراً فإذا أرادوا تثنيته أو جمعه وهو جملة لا يتأتى فيها ذلك إذ لم يعهد مثله في كلام العرب زادوا قبله لفظة آل أو ذوا فيقال: جاءني آل تأبط شراً أو ذوا تأبط شراً أي الرجلان أو الرجال المسمون بهذا الاسم، فآل حم بمعنى الحواميم وآل بمعنى ذو، والمراد به ما يطلق عليه ويستعمل فيه هذا اللفظ وهو مجاز عن الصحبة المعنوية، وفي كلام الرضي وغيره إشارة إلى هذا إلا أنهم لم يصرحوا بتفسيره فعليك بحفظه، وحكى في «الكشف» أن الأولى أن يجمع بذوات حم أي دون حواميم أو حاميمات ومعناه السور المصحوبات بهذا اللفظ أعني حم.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة تعالج قضية الحق والباطل. قضية الإيمان والكفر. قضية الدعوة والتكذيب وأخيراً قضية العلو في الأرض والتجبر بغير الحق، وبأس الله الذي يأخذ العالين المتجبرين.. وفي ثنايا هذه القضية تلم بموقف المؤمنين المهتدين الطائعين ونصر الله إياهم، واستغفار الملائكة لهم، واستجابة الله لدعائهم، وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم. وجو السورة كله ـ من ثم ـ كأنه جو معركة. وهي المعركة بين الحق والباطل، وبين الإيمان والطغيان، وبين المتكبرين المتجبرين في الأرض وبأس الله الذي يأخذهم بالدمار والتنكيل. تنسم خلال هذا الجو نسمات الرحمة والرضوان حين يجيء ذكر المؤمنين! ذلك الجو يتمثل في عرض مصارع الغابرين، كما يتمثل في عرض مشاهد القيامة ـ وهذه وتلك تتناثر في سياق السورة وتتكرر بشكل ظاهر ـ وتعرض في صورها العنيفة المرهوبة المخيفة متناسقة مع جو السورة كله، مشتركة في طبع هذا الجو بطابع العنف والشدة. ولعله مما يتفق مع هذه السمة افتتاح السورة بإيقاعات ذات رنين خاص: {غافر الذنب. وقابل التوب. شديد العقاب. ذي الطول. لا إله إلا هو. إليه المصير}.. فكأنما هي مطارق منتظمة الجرس ثابتة الوقع، مستقرة المقاطع، ومعانيها كذلك مساندة لإيقاعها الموسيقي! كذلك نجد كلمة البأس. وبأس الله. وبأسنا.. مكررة تتردد في مواضع متفرقة من السورة. وهناك غيرها من ألفاظ الشدة والعنف بلفظها أو بمعناها. وعلى العموم فإن السورة كلها تبدو وكأنها مقارع ومطارق تقع على القلب البشري وتؤثر فيه بعنف وهي تعرض مشاهد القيامة ومصارع الغابرين. وقد ترق أحياناً فتتحول إلى لمسات وإيقاعات تمس هذا القلب برفق، وهي تعرض حملة العرش ومن حوله يدعون ربهم ليتكرم على عباده المؤمنين، أو وهي تعرض عليه الآيات الكونية والآيات الكامنة في النفس البشرية. ونضرب بعض الأمثال التي ترسم جو السورة وظلها من هذه وتلك.. من مصارع الغابرين: {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق. فأخذتهم. فكيف كان عقاب؟}.. {أية : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض، فأخذهم الله بذنوبهم. وما كان لهم من الله من واق. ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات، فكفروا، فأخذهم الله، إنه قوي شديد العقاب }.. تفسير : ومن مشاهد القيامة: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين. ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}.. {أية : الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون }.. تفسير : ومن اللمسات الندية مشهد حملة العرش في دعائهم الخاشع المنيب: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا. ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته. وذلك هو الفوز العظيم}.. ومن اللمسات الموحية عرض آيات الله في الأنفس وفي الآفاق: {أية : هو الذي خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم يخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم، ثم لتكونوا شيوخاً. ومنكم من يتوفى من قبل، ولتبلغوا أجلاً مسمى، ولعلكم تعقلون. هو الذي يحيي ويميت. فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}.. {أية : الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً. إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. ذلكم الله ربكم خالق كل شيء. لا إله إلا هو فأنى تؤفكون؟}.. {أية : الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم. ورزقكم من الطيبات. ذلكم الله ربكم. فتبارك الله رب العالمين }. تفسير : وهذه وتلك تصور جو السورة وترسم ظلها، وتتناسق مع موضوعها وطابعها. ويجري سياق السورة بموضوعاتها في أربعة أشواط متميزة. يبدأ الشوط الأول منها بافتتاح السورة بالأحرف المقطعة: {حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} تتلوها تلك الإيقاعات الرصينة الثابتة: {غافر الذنب. وقابل التوب. شديد العقاب ذي الطول. لا إله إلا هو. إليه المصير}.. ثم تقرر أن الوجود كله مسلم مستسلم لله. وأنه لا يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فيشذون عن سائر الوجود بهذا الجدال. ومن ثم فهم لا يستحقون أن يأبه لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهما تقلبوا في الخير والمتاع. فإنما هم صائرون إلى ما صارت إليه أحزاب المكذبين قبلهم؛ وقد أخذهم الله أخذاً، بعقاب يستحق العجب والإعجاب! ومع الأخذ في الدنيا فإن عذاب الآخرة ينتظرهم هناك.. ذلك بينما حملة العرش ومن حوله يعلنون إيمانهم بربهم، ويتوجهون إليه بالعبادة، ويستغفرون للذين آمنوا من أهل الأرض، ويدعون لهم بالمغفرة والنعيم والفلاح.. وفي الوقت ذاته يعرض مشهد الكافرين يوم القيامة وهم ينادون من أرجاء الوجود المؤمن المسلم المستسلم: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون}.. وهم في موقف الذلة والانكسار بعد الاستكبار، يقرون بذنبهم، ويعترفون بربهم، فلا ينفعهم الاعتراف والإقرار، إنما يذكرون بما كان منهم من شرك واستكبار.. ومن هذا الموقف بين يدي الله في الآخرة يعود بالناس إلى الله في الدنيا.. {هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً} ويذكرهم لينيبوا إلى ربهم ويوحدوه: {فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون}. ويشير إلى الوحي والإنذار بذلك اليوم العصيب. ويستطرد إلى مشهدهم يوم القيامة: {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء} وقد توارى الجبارون والمتكبرون والمجادلون: {لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار}.. ويستمر في عرض صور من هذا اليوم الذي يتفرد الله جل جلاله فيه بالحكم والقضاء. ويتوارى فيه ويضمحل ما يعبدون من دونه، كما يتوارى الطغاة والفجار.. ويبدأ الشوط الثاني بلفتة إلى مصارع الغابرين قبلهم. مقدمة لعرض جانب من قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع فرعون وهامان وقارون. تمثل موقف الطغيان من دعوة الحق. وتعرض فيها حلقة جديدة لم تعرض في قصة موسى من قبل، ولا تعرض إلا في هذه السورة. وهي حلقة ظهور رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه. يدفع عن موسى ما هموا بقتله؛ ويصدع بكلمة الحق والإيمان في تلطف وحذر في أول الأمر، ثم في صراحة ووضوح في النهاية. ويعرض في جدله مع فرعون حجج الحق وبراهينه قوية ناصعة؛ ويحذرهم يوم القيامة، ويمثل لهم بعض مشاهده في أسلوب مؤثر؛ ويذكرهم موقفهم وموقف الأجيال قبلهم من يوسف ـ عليه السلام ـ ورسالته.. ويستطرد السياق بالقصة حتى يصل طرفها بالآخرة. فإذا هم هناك. وإذا هم يتحاجون في النار. وإذا حوار بين الضعفاء والذين استكبروا، وحوار لهم جميعاً مع خزنة جهنم يطلبون فيه الخلاص. ولات حين خلاص! وفي ظل هذا المشهد يوجه الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصبر والثقة بوعد الله الحق، والتوجه إلى ربه بالتسبيح والحمد والاستغفار. فأما الشوط الثالث فيبدأ بتقرير أن الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان إنما يدفعهم إلى هذا كبر في نفوسهم عن الحق، وهم أصغر وأضأل من هذا الكبر. ويوجه القلوب حينئذ إلى هذا الوجود الكبير الذي خلقه الله، وهو أكبر من الناس جميعاً. لعل المتكبرين يتصاغرون أمام عظمة خلق الله؛ وتتفتح بصيرتهم فلا يكونون عمياً: {أية : وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء. قليلاً ما تتذكرون}. تفسير : ويذكرهم بمجيء الساعة، ويوجههم إلى دعوة الله الذي يستجيب للدعاء. فأما الذين يستكبرون فسيدخلون جهنم أذلاء صاغرين. ويعرض في هذا الموقف بعض آيات الله الكونية التي يمرون عليها غافلين. يعرض الليل سكناً والنهار مبصراً. والأرض قراراً والسماء بناء. ويذكرهم بأنفسهم وقد صورهم فأحسن صورهم. ويوجههم إلى دعوة الله مخلصين له الدين. ويلقن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يبرأ من عبادتهم، ويعلن نهي ربه له عن آلهتهم، وأمره له بالإسلام لرب العالمين. ويلمس قلوبهم بأن الله الواحد هو الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة.. وهو الذي يحيي ويميت. ثم يعود فيعجب رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمر الذين يجادلون في الله؛ وينذرهم عذاب يوم القيامة في مشهد عنيف: {أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون}.. تفسير : وإذ يتخلى عنهم ما أشركوا وينكرون هم أنهم كانوا يعبدون شيئاً! وينتهي بهم الأمر إلى جهنم يقال لهم: {أية : ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين}..تفسير : وعلى ضوء هذا المشهد يوجه الله رسوله إلى الصبر مرة أخرى، والثقة بأن وعد الله حق. سواء أبقاه حتى يشهد بعض ما يعدهم أو توفاه قبل أن يراه. فسيتم الوعد هناك.. والشوط الأخير في السورة يتصل بالشوط الثالث. فبعد توجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصبر والانتظار يذكر أن الله قد أرسل رسلاً قبله كثيرين. {أية : وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}.. تفسير : على أن في الكون آيات قائمة، وبين أيديهم آيات قريبة؛ ولكنهم يغفلون عن تدبرها.. هذه الأنعام المسخرة لهم. من سخرها؟. وهذه الفلك التي تحملهم أليست آية يرونها! ومصارع الغابرين ألا تثير في قلوبهم العظة والتقوى؟ ويختم السورة بإيقاع قوي على مصرع من مصارع المكذبين، وهم يرون بأس الله فيؤمنون؛ {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا. سنة الله التي قد خلت في عباده، وخسر هنالك الكافرون}.. تفسير : هذا الختام الذي يصور نهاية المتكبرين، وينفق مع جو السورة وظلها وطابعها الأصيل. فلنسر الآن مع سياق السورة بالتفصيل.. {حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب. وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير}.. هذه السورة بدء سبع سور كلها تبدأ بالحرفين: "حا. ميم". منها سورة واحدة يذكر فيها بعد هذين الحرفين ثلاثة حروف أخر: "عين. سين. قاف". وقد سبق الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور. وأنها إشارة إلى صياغة هذا القرآن منها. وهو معجز لهم مع تيسير هذه الأحرف لهم ومعرفتهم بها، وهي أحرف لغتهم التي يتحدثونها ويكتبونها. وتليها الإشارة إلى تنزيل الكتاب.. إحدى الحقائق التي يتكرر الحديث عنها في السور المكية بوجه خاص، في معرض بناء العقيدة: {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم}.. وهي مجرد إشارة ينتقل السياق منها إلى التعريف ببعض صفات الله الذي نزل هذا الكتاب. وهي مجموعة من الصفات ذات علاقة موضوعية بمحتويات السورة كلها وقضاياها: {العزيز العليم، غافر الذنب. وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير}.. العزة. والعلم. وغفران الذنب. وقبول التوبة. وشدة العقاب. والفضل والإنعام. ووحدانية الألوهية، ووحدانية المرجع والمصير.. وكل موضوعات السورة تتعلق بهذه المعاني، التي جاءت في مطلع السورة. والتي سيقت في إيقاعات ثابتة الجرس، قوية التركيب، توحي بالاستقرار والثبات والرسوخ. والله ـ سبحانه ـ يعرف نفسه لعباده بصفاته، ذات الأثر في حياتهم ووجودهم، ويلمس بها مشاعرهم وقلوبهم؛ فيثير رجاءهم وطمعهم؛ كما يثير خوفهم وخشيتهم، ويشعرهم بأنهم في قبضته لا مهرب لهم من تصريفه. ومنها هذه الصفات: {العزيز}: القوي القادر الذي يغلب ولا يغلب، والذي يصرف الأمر لا يقدر عليه أحد، ولا يعقب عليه أحد. {العليم}.. الذي يصرف الوجود عن علم وعن خبرة، فلا يخفى عليه شيء، ولا يند عن علمه شيء. {غافر الذنب}.. الذي يعفو عن ذنوب العباد، بما يعلمه ـ سبحانه ـ من استحقاقهم للغفران. {وقابل التوب}.. الذي يتوب على العصاة، ويتقبلهم في حماه، ويفتح لهم بابه بلا حجاب. {شديد العقاب} الذي يدمر على المستكبرين ويعاقب المعاندين، الذين لا يتوبون ولا يستغفرون. {ذي الطول}.. الذي يتفضل بالإنعام، ويضاعف الحسنات، ويعطي بغير حساب. {لا إله إلا هو}.. فله الألوهية وحده لا شريك له فيها ولا شبيه. {إليه المصير}.. فلا مهرب من حسابه ولا مفر من لقائه. وإليه الأوبة والمعاد. وهكذا تتضح صلته بعباده وصلة عباده به. تتضح في مشاعرهم وتصوراتهم وإدراكهم، فيعرفون كيف يعاملونه في يقظة وفي حساسية؛ وفي إدراك لما يغضبه وما يرضيه. وقد كان أصحاب العقائد الأسطورية يعيشون مع آلهتهم في حيرة، لا يعرفون عنها شيئاً مضبوطاً؛ ولا يتبينون ماذا يسخطها وماذا يرضيها، ويصورونها متقلبة الأهواء، غامضة الاتجاهات، شديدة الانفعالات، ويعيشون معها في قلق دائم يتحسسون مواضع رضاها، بالرقى والتمائم والضحايا والذبائح، ولا يدرون سخطت أم رضيت إلا بالوهم والتخمين! فجاء الإسلام واضحاً ناصعاً، يصل الناس بإلههم الحق، ويعرفهم بصفاته، ويبصرهم بمشيئته ويعلمهم كيف يتقربون إليه، وكيف يرجون رحمته، ويخشون عذابه، على طريق واضح قاصد مستقيم. {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا، فلا يغررك تقلبهم في البلاد. كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأخذتهم، فكيف كان عقاب؟ وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار}.. بعد تقرير تلك الصفات العلوية، وتقرير الوحدانية، يقرر أن هذه الحقائق مسلمة من كل من في الوجود، وكل ما في الوجود، ففطرة الوجود كله مرتبطة بهذه الحقائق، متصلة بها الاتصال المباشر، الذي لا تجادل فيه ولا تماحل. والوجود كله مقتنع بآيات الله الشاهدة بحقيقته ووحدانيته. وما من أحد يجادل فيها إلا الذين كفروا وحدهم، شذوذاً عن كل ما في الوجود وكل من في الوجود: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}.. فهم وحدهم من بين هذا الوجود الهائل يشذون؛ وهم وحدهم من بين هذا الخلق العظيم ينحرفون. وهم ـ بالقياس إلى هذا الوجود ـ أضعف وأقل من النمل بالقياس إلى هذه الأرض. وهم حين يقفون في وصف يجادلون في آيات الله؛ ويقف الوجود الهائل كله في صف معترفاً بخالق الوجود مستنداً إلى قوة العزيز الجبار.. هم في هذا الموقف مقطوع بمصيرهم، مقضي في أمرهم؛ مهما تبلغ قوتهم؛ ومهما يتهيأ لهم من أسباب المال والجاه والسلطان: {فلا يغررك تقلبهم في البلاد}.. فمهما تقلبوا، وتحركوا، وملكوا، واستمتعوا، فهم إلى اندحار وهلاك وبوار. ونهاية المعركة معروفة. إن كان ثمت معركة يمكن أن تقوم بين قوة الوجود وخالقه، وقوة هؤلاء الضعاف المساكين! ولقد سبقتهم أقوام وأحزاب على شاكلتهم، توحي عاقبتهم بعاقبة كل من يقف في وجه القوة الطاحنة العارمة التي يتعرض لها من يعرض نفسه لبأس الله: {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم. فكيف كان عقاب؟}.. فهي قصة قديمة من عهد نوح. ومعركة ذات مواقع متشابهة في كل زمان. وهذه الآية تصور هذه القصة. قصة الرسالة والتكذيب والطغيان على مدى القرون والأجيال كما تصور العاقبة في كل حال. رسول يجيء. فيكذبه طغاة قومه. ولا يقفون عند مقارعة الحجة بالحجة، إنما هم يلجأون إلى منطق الطغيان الغليظ، فيهمون أن يبطشوا بالرسول، ويموهون على الجماهير بالباطل ليغلبوا به الحق.. هنا تتدخل يد القدرة الباطشة، فتأخذهم أخذاً يعجب ويدهش، ويستحق التعجيب والاستعراض: {فكيف كان عقاب؟}.. ولقد كان عقاباً مدمراً قاضياً عنيفاً شديداً، تشهد به مصارع القوم الباقية آثارها، وتنطق به الأحاديث والروايات. ولم تنته المعركة. فهي ممتدة الآثار في الآخرة: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار}.. ومتى حقت كلمة الله على أحد فقد وقعت، وقضي الأمر، وبطل كل جدال. وهكذا يصور القرآن الحقيقة الواقعة. حقيقة المعركة بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، وبين الدعاة إلى الله الواحد والطغاة الذين يستكبرون في الأرض بغير الحق. وهكذا نعلم أنها معركة قديمة بدأت منذ فجر البشرية. وأن ميدانها أوسع من الأرض كلها، لأن الوجود كله يقف مؤمناً بربه مسلماً مستسلماً، ويشذ منه الذين كفروا يجادلون في آيات الله وحدهم دون سائر هذا الكون الكبير. ونعلم كذلك نهاية المعركة ـ غير المتكافئة ـ بين وصف الحق الطويل الضخم الهائل وشرذمة الباطل القليلة الضئيلة الهزيلة، مهما يكن تقلبها في البلاد؛ ومهما يكن مظهرها من القوة والسيطرة والمتاع! هذه الحقيقة ـ حقيقة المعركة والقوى البارزة فيها، وميدانها في الزمان والمكان ـ يصورها القرآن لتستقر في القلوب؛ وليعرفها ـ على وجه خاص ـ اولئك الذين يحملون دعوة الحق والإيمان في كل زمان ومكان؛ فلا تتعاظمهم قوة الباطل الظاهرة، في فترة محدودة من الزمان، ورقعة محدودة من المكان؛ فهذه ليست الحقيقة. إنما الحقيقة هي التي يصورها لهم كتاب الله، وتنطق بها كلمة الله. وهو أصدق القائلين. وهو العزيز العليم. ويتصل بتلك الحقيقة الأولى أن حملة العرش ومن حوله ـ وهم من بين القوى المؤمنة في هذا الوجود ـ يذكرون المؤمنين من البشر عند ربهم، ويستغفرون لهم، ويستنجزون وعد الله إياهم؛ بحكم رابطة الإيمان بينهم وبين المؤمنين: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا. ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك، وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم؛ إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات ـ ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ـ وذلك هو الفوز العظيم}.. ونحن لا نعرف ما هو العرش؟ ولا نملك صورة له، ولا نعرف كيف يحمله حملته، ولا كيف يكون من حوله، حوله؛ ولا جدوى من الجري وراء صور ليس من طبيعة الإدراك البشري أن يلم بها، ولا من الجدل حول غيبيات لم يطلع الله أحداً من المتجادلين عليها؛ وكل ما يتصل بالحقيقة التي يقررها سياق السورة أن عباداً مقربين من الله، {يسبحون بحمد ربهم}. {ويؤمنون به}.. وينص القرآن على إيمانهم ـ وهو مفهوم بداهة ـ ليشير إلى الصلة التي تربطهم بالمؤمنين من البشر.. هؤلاء العباد المقربون يتوجهون بعد تسبيح الله إلى الدعاء للمؤمنين من الناس بخير ما يدعو به مؤمن لمؤمن. وهم يبدأون دعاءهم بأدب يعلمنا كيف يكون أدب الدعاء والسؤال. يقولون: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً}.. يقدمون بين يدي الدعاء بأنهم ـ في طلب الرحمة للناس ـ إنما يستمدون من رحمة الله التي وسعت كل شيء، ويحيلون إلى علم الله الذي وسع كل شيء؛ وأنهم لا يقدمون بين يدي الله بشيء؛ إنما هي رحمته وعلمه منهما يستمدون وإليهما يلجأون: {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم}.. وتلتقي هذه الإشارة إلى المغفرة والتوبة بمطلع السورة، وبصفة الله هناك: {غافر الذنب وقابل التوب}.. كما تلتقي الإشارة إلى عذاب الجحيمِ، بصفة الله: {شديد العقاب}.. ثم يرتقون في الدعاء من الغفران والوقاية من العذاب إلى سؤال الجنة واستنجاز وعد الله لعباده الصالحين: {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. إنك أنت العزيز الحكيم}.. ودخول الجنة نعيم وفوز. يضاف إليه صحبة من صلح من الآباء والأزواج والذريات. وهي نعيم آخر مستقل. ثم هي مظهر من مظاهر الوحدة بين المؤمنين أجمعين. فعند عقدة الإيمان يلتقي الآباء والأبناء والأزواج، ولولا هذه العقدة لتقطعت بينهم الأسباب: والتعقيب على هذه الفقرة من الدعاء: {إنك أنت العزيز الحكيم} يشير إلى القوة كما يشير إلى الحكمة. وبها يكون الحكم في أمر العباد.. {وقهم السيئات. ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته. وذلك هو الفوز العظيم}.. وهذه الدعوة ـ بعد الدعاء بإدخالهم جنات عدن ـ لفتة إلى الركيزة الأولى في الموقف العصيب. فالسيئات هي التي توبق أصحابها في الآخرة، وتوردهم مورد التهلكة. فإذا وقى الله عباده المؤمنين منها وقاهم نتائجها وعواقبها. وكانت هذه هي الرحمة في ذلك الموقف. وكانت كذلك أولى خطوات السعادة. {وذلك هو الفوز العظيم}.. فمجرد الوقاية من السيئات هو أمر عظيم! وبينما أن حملة العرش ومن حوله يتجهون إلى ربهم بهذا الدعاء لإخوانهم المؤمنين. نجد الذين كفروا في الموقف الذي تتطلع كل نفس فيه إلى المعين وقد عز المعين. نجد الذين كفروا هؤلاء ـ وقد انبتت العلاقات بينهم وبين كل أحد وكل شيء في الوجود. وإذا هم ينادون من كل مكان بالترذيل والمقت والتأنيب. وإذا هم في موقف الذلة بعد الاستكبار. وفي موقف الرجاء ولات حين رجاء: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون قالوا: ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من سبيل؟ ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنوا، فالحكم لله العلي الكبير}.. والمقت: أشد الكره. وهم ينادون من كل جانب. إن مقت الله لكم يوم كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون، أشد من مقتكم لأنفسكم وأنتم تطلعون اليوم على ما قادتكم إليه من شر ونكر، بكفرها وإعراضها عن دعوة الإيمان، قبل فوات الأوان.. وما أوجع هذا التذكير وهذا التأنيب في ذلك الموقف المرهوب العصيب! والآن ـ وقد سقط عنهم غشاء الخداع والضلال ـ يعرفون أن المتجه لله وحده فيتجهون: {قالوا: ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين، فاعترفنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من سبيل}.. وهي كلمة الذليل اليائس البائس.. {ربنا}.. وقد كانوا يكفرون وينكرون. أحييتنا أول مرة فنفخت الروح في الموات فإذا هو حياة، وإذا نحن أحياء. ثم أحييتنا الأخرى بعد موتنا، فجئنا إليك. وإنك لقادر على إخراجنا مما نحن فيه. وقد اعترفنا بذنوبنا. {فهل إلى خروج من سبيل؟}. بهذا التنكير الموحي باللهفة واليأس المرير. هنا ـ في ظل هذا الموقف البائس ـ يجبههم بسبب هذا المصير: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنوا، فالحكم لله العلي الكبير}. فهذا هو الذي يقودكم إلى ذلك الموقف الذليل. إيمانكم بالشركاء، وكفركم بالوحدانية. فالحكم لله العلي الكبير: وهما صفتان تناسبان موقف الحكم. الاستعلاء على كل شيء، والكبر فوق كل شيء. في موقف الفصل الأخير. وفي ظل هذا المشهد يستطرد إلى شيء من صفة الله تناسب موقف الاستعلاء؛ ويوجه المؤمنين في هذا المقام إلى التوجه إليه بالدعاء، موحدين، مخلصين له الدين؛ كما يشير إلى الوحي للإنذار بيوم التلاقي والفصل والجزاء، يوم يتفرد الله بالملك والقهر والاستعلاء: {هو الذي يريكم آياته، وينزل لكم من السماء رزقاً، وما يتذكر إلا من ينيب. فادعوا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون. رفيع الدرجات. ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق. يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء. لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت. لا ظلم اليوم. إن الله سريع الحساب}.. {هو الذي يريكم آياته}.. وآيات الله ترى في كل شيء في هذا الوجود. في المجالي الكبيرة من شمس وكواكب، وليل ونهار، ومطر وبرق ورعد.. وفي الدقائق الصغيرة من الذرة والخلية والورقة والزهرة.. وفي كل منها آية خارقة، تتبدى عظمتها حين يحاول الإنسان أن يقلدها ـ بله أن ينشئها ـ وهيهات هيهات التقليد الكامل الدقيق، لأصغر وأبسط ما أبدعته يد الله في هذا الوجود. {وينزل عليكم من السماء رزقاً}.. عرف الناس منه المطر، أصل الحياة في هذه الأرض، وسبب الطعام والشراب. وغير المطر كثير يكشفه الناس يوماً بعد يوم. ومنه هذه الأشعة المحيية التي لولاها ما كانت حياة على هذا الكوكب الأرضي. ولعل من هذا الرزق تلك الرسالات المنزلة، التي قادت خطى البشرية منذ طفولتها ونقلت أقدامها في الطريق المستقيم، وهدتها إلى مناهج الحياة الموصولة بالله، وناموسه القويم. {وما يتذكر إلا من ينيب}.. فالذي ينيب إلى ربه يتذكر نعمه ويتذكر فضله ويتذكر آياته التي ينساها غلاظ القلوب. وعلى ذكر الإنابة وما تثيره في القلب من تذكر وتدبر يوجه الله المؤمنين ليدعوا الله وحده ويخلصوا له الدين، غير عابئين بكره الكافرين: {فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون}: ولن يرضى الكافرون من المؤمنين أن يخلصوا دينهم لله، وأن يدعوه وحده دون سواه. ولا أمل في أن يرضوا عن هذا مهما لاطفهم المؤمنون أو هادنوهم أو تلمسوا رضاهم بشتى الأساليب. فليمض المؤمنون في وجهتهم، يدعون ربهم وحده، ويخلصون له عقيدتهم. ويصغون له قلوبهم. ولا عليهم رضي الكافرون أم سخطوا. وما هم يوماً براضين! ثم يذكر من صفات الله في هذا المقام الذي يوجه المؤمنين فيه إلى عبادة الله وحده ولو كره الكافرون. يذكر من هذه الصفات أنه سبحانه: {رفيع الدرجات ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده}.. فهو ـ سبحانه ـ وحده صاحب الرفعة والمقام العالي، وهو صاحب العرش المسيطر المستعلي. وهو الذي يلقي أمره المحيي للأرواح والقلوب على من يختاره من عباده. وهذا كناية عن الوحي بالرسالة. ولكن التعبير عنه في هذه الصيغة يبين أولاً حقيقة هذا الوحي، وأنه روح وحياة للبشرية، ويبين ثانياً أنه يتنزل من علو على المختارين من العباد.. وكلها ظلال متناسقة مع صفة الله {العلي الكبير}.. فأما الوظيفة البارزة لمن يختاره الله من عباده فيلقي عليه الروح من أمره، فهي الإنذار: {لينذر يوم التلاق}.. وفي هذا اليوم يتلاقى البشر جميعاً. ويتلاقى الناس وأعمالهم التي قدموا في الحياة الدنيا. ويتلاقى الناس والملائكة والجن وجميع الخلائق التي تشهد ذلك اليوم المشهود وتلتقي الخلائق كلها بربها في ساعة الحساب فهو يوم التلاقي بكل معاني التلاقي. ثم هو اليوم الذي يبرزون فيه بلا ساتر ولا واق ولا تزييف ولا خداع: {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء}.. والله لا يخفى عليه منهم شيء في كل وقت وفي كل حال. ولكنهم في غير هذا اليوم قد يحسبون أنهم مستورون، وأن أعمالهم وحركاتهم خافية، أما اليوم فيحسون أنهم مكشوفون، ويعلمون أنهم مفضوحون؛ ويقفون عارين من كل ساتر حتى ستار الأوهام! ويومئذ يتضاءل المتكبرون، وينزوي المتجبرون، ويقف الوجود كله خاشعاً، والعباد كلهم خضعاً. ويتفرد مالك الملك الواحد القهار بالسلطان. وهو سبحانه متفرد به في كل آن. فأما في هذا اليوم فينكشف هذا للعيان، بعد انكشافه للجنان. ويعلم هذا كل منكر ويستشعره كل متكبر. وتصمت كل نأمة وتسكن كل حركة. وينطلق صوت جليل رهيب يسأل ويجيب؛ فما في الوجود كله يومئذ من سائل غيره ولا مجيب: {لمن الملك اليوم؟}.. {لله الواحد القهار}.. {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت. لا ظلم اليوم. إن الله سريع الحساب}.. اليوم يوم الجزاء الحق. اليوم يوم العدل. اليوم يوم القضاء والفصل. بلا إمهال ولا إبطاء. ويخيم الجلال والصمت. ويغمر الموقف رهبة وخشوع، وتسمع الخلائق وتخشع، ويقضى الأمر، وتطوى صحائف الحساب. ويتسق هذا الظل مع قوله عن الذين يجادلون في آيات الله ـ في مطلع السورة ـ: {فلا يغررك تقلبهم في البلاد}.. فهذه نهاية التقلب في الأرض، والاستعلاء بغير الحق، والتجبر والتكبر والثراء والمتاع. ويستطرد السياق يوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى إنذار القوم بذلك اليوم، في مشهد من مشاهد القيامة يتفرد فيه الله بالحكم والقضاء؛ بعدما عرضه عليهم في صورة حكاية لم يوجه لهم فيها الخطاب: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير}.. والآزفة.. القريبة والعاجلة.. وهي القيامة. واللفظ يصورها كأنها مقتربة زاحفة. والأنفاس من ثم مكروبة لاهثة، وكأنما القلوب المكروبة تضغط على الحناجر؛ وهم كاظمون لأنفاسهم ولآلامهم ولمخاوفهم، والكظم يكربهم، ويثقل على صدورهم؛ وهم لا يجدون حميماً يعطف عليهم ولا شفيعاً ذا كلمة تطاع في هذا الموقف العصيب المكروب! وهم بارزون في هذا اليوم لا يخفى على الله منهم شيء، حتى لفتة العين الخائنة، وسر الصدر المستور: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}: والعين الخائنة تجتهد في إخفاء خيانتها. ولكنها لا تخفى على الله. والسر المستور تخفيه الصدور، ولكنه مكشوف لعلم الله. والله وحده هو الذي يقضي في هذا اليوم قضاءه الحق. وآلهتهم المدعاة لا شأن لها ولا حكم ولا قضاء: {والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء}.. والله يقضي بالحق عن علم وعن خبرة، وعن سمع وعن رؤية. فلا يظلم أحداً ولا ينسى شيئاً: {إن الله هو السميع البصير}..

ابن عاشور

تفسير : القول فيه كالقول في نظائره من الحروف المقطّعة في أوائل السور، وأن معظمها وقع بعده ذكر القرآن وما يشير إليه لِتحدّي المنكرين بالعجز عن معارضته. وقد مضى ذلك في أول سورة البقرة وذكرنا هنالك أن الحروف التي أسماؤها ممدودة الآخِر يُنطق بها في هذه الفواتح مقصورة بحذف الهمزة تخفيفاً لأنها في حالة الوقف مثل اسم (حا) في هذه السورة واسم (را) في (أَلر) واسم (يا) في (يس).

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- ح. م: حرفان من حروف الهجاء بدئت بهما السورة - على طريقة القرآن فى بعض السور - للإشارة إلى أن القرآن من جنس كلامهم، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله. 2، 3- تنزيل القرآن من الله القوى الغالب، المحيط علمه بكل شئ، وقابل التوبة من التائبين، شديد العذاب، صاحب الإنعام، لا معبود بحق إلا هو، إليه - وحده - المرجع والمآل. 4- ما يمارى فى آيات الله الدالة عليه إلا الذين كفروا، فلا يخدعك تنقلهم فى البلاد بتيسير الله شئونهم مع كفرهم. 5- كذبت قبل هؤلاء المشركين قوم نوح والمجتمعون على معاداة الرسل من بعد قومه، وحرصت على إيقاع الشر برسولهم ليأخذوه بالبطش، وتماروا فى الباطل الذى لا حقيقة له، ليزيلوا بجدلهم الحق الثابت، فأخذتهم بالعذاب المستأصل، فانظر كيف كان عقابى لهم؟. 6- وكما حقَّت كلمة العذاب على الأمم التى كذَّبت أنبياءها، حقت كلمة ربك على الكافرين بك - يا محمد - لأنهم أصحاب النار، لاختيارهم الكفر على الإيمان.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: حـمۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب هكذا: حـمۤ ويقرأ هكذا: حا مِيْم. تنزيل الكتاب من الله: أي تنزيل القرآن كائن من الله. العزيز العليم: أي الغالب على مراده، العليم بعباده ظاهراً وباطنا حالاً ومآلا. غافر الذنب: أي ذنب من تاب إلى الله فرجع إلى طاعته بعد معصيته. شديد العقاب ذي الطول: أي مشدد العقوبة على من كفر به، ذي الطول أي الإِنعام الواسع على من آمن به وأطاعه. لا إله إلا هو إليه المصير: أي لا معبود بحق إلا هو إليه مرجع الخلائق كلهم. ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا: أي في القرآن لإِبطالها إلا الكافرون. فلا يغررك تقلبهم في البلاد: أي فلا تغتر بمعاشهم سالمين فإِن عاقبتهم النار. والأحزاب من بعدهم: أي وكذبت الأحزاب من بعد قوم نوح، وهم عاد وثمود وقوم لوط. وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه: أي ليتمكنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيب وقتل. وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق: أي ليزيلوا به الحق ويبطلوه. فكيف كان عقاب: أي كان واقعاً موقعه حيث أهلكهم ولم يبق منهم أحداً. كذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا: أي وجبت كلمة العذاب على الذين كفروا. معنى الآيات: قوله تعالى: حـمۤ: الله أعلم بمراده به. وقد ذكرنا غير ما مرة أن هذه الحروف أفادت فائدتين الأولى أن العرب المشركين في مكة كانوا قد منعوا المواطنين من سماع القرآن حتى لا يتأثروا به فيكفروا بآلهتهم فقد أخبر تعالى عنهم في قوله من سورة فصلت فقال: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [الآية: 26] فكانت هذه الحروف المقطعة بنغمها الخاص تستهويهم فيسمعوا فكانت فائدة عظيمة. والثانية أن المشركين لما أصروا على أن القرآن لم يكن وحياً وإنما هو من جنس ما يقوله الشعراء والكهان، وأصحاب الأساطير تحداهم الله تعالى بالإِتيان بمثله وهو مركب ومؤلف من هذه الحروف الۤـمۤ طسۤ حـمۤ والذي قوى هذه النظرية أنه غالبا ما يذكر القرآن بعد ذكر هذه الحروف مثل الۤـمۤ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ، حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ، حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ فهاتان الفائدتان من أحسن ما استنبطه ذو الشأن في تفسير القرآن، وما عدا ذلك فلا يحسن روايته لخلوه من فائدة معقولة، ولا رواية عن الرسول وأصحابه منقولة. وقوله تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} يخبر تعالى أنه عز وجل هو مصدر هذا القرآن إذ هو الذي نزله تنزيلاً على عبده ورسوله، ووصف نفسه بالعزة والعلم فقال العزيز أي في انتقامه من أعدائه الغالب على أمره ومراده فلا يحال بينه وبين ما يريده العليم بخلقه وحاجاتهم ومتطلباتهم، فأنزل الكتاب لهدايتهم وإصلاحهم. وقوله: {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ} أعلم أنه تعالى يغفر ذنب المستغفرين ويقبل توبة التائبين وأنه شدد العقوبة على من كفر به وعصاه. وقوله ذي الطول أي الإِنعام الواسع والفضل العظيم {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود بحق إلا هو العزيز الحكيم العزيز الغالب على أمره الحكيم في تدبير خلقه. لما أثنى تبارك وتعالى على نفسه بما هو أهله أخبر رسوله بأنه {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} القرآنية الحاوية للحجج القواطع والبراهين السواطع على توحيد الله ولقائه وعلى نبوة رسول الله ما يجادل فيها {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وذلك لظلمة نفوسهم وفساد قلوبهم، وعليه فاصبر ولا تغتر بظاهر ما هم عليه من سعة الرزق وسلامة البدن، وهو معنى قوله: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} أي آمنين معافين في أبدانهم وأرزاقهم فإنهم ممهلون لا مهملون، والدليل فقد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعد قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وفرعون، وقد همت كل أمة من تلك الأمم برسولها لتأخذه فتقتله أو تنكل به. وقد جادلوا بالباطل كما جادل. قومك من قريش ليدحضوا به الحق أي ليزيلوه ويبعدوه بباطلهم. فأخذتهم فكيف كان عقاب أي كان واقعاً موقعه والحمدلله إذ قطع الله دابرهم وأنهى وجودهم وخصومتهم. وقوله {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي كما وجب حكمه بإهلاك تلك الأمم المكذبة لرسلها الهامة بقتلها وقد أهلكهم الله فعلاً حقت كلمة ربك على الذين كفروا لأنَّهم أصحاب النار والمراد من كلمة ربك قوله لأملأن جهنم الآية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير أن القرآن الكريم مصدر تنزيله هو الله تعالى إذ هو الذي أوحاه ونزله على رسول محمد صلى الله عليه وسلم وبذلك تقررت نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. 2- بيان عظمة الرب تعالى المتجلية في أسمائه العزيز العليم الحكيم ذي الطول غافر الذنب قابل التوب لا إله إلا هو. 3- تقرير التوحيد والبعث والجزاء. 4- تقرير مبدا أن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وأن بطشه شديد.

القطان

تفسير : التوب والتوبة: معناهما واحد. ذي الطَّول: ذي الفضل. يجادل: يخاصم. تقلُّبهم في البلاد: تصرفهم فيها للتجارة ونحوها. الأحزاب: جميع الذين تحزبوا ضد رسلهم. وهمّت: عزمت على قتلهم. ليأخذوه: ليقتلوه أو يعذبوه. ليدحضوا: ليبطلوا. حقت: وجبت. كلمة ربك: حكمه بالهلاك. حاميم هكذا تقرأ. حرفان من حروف الهجاء، بدئت بهما السورة للاشارة الى ان القرآن مؤلف من جنس هذه الحروف، ومع ذلك عجِز المشركون عن الإتيان بأصغر سورة من مثله. إن هذا القرآن منزَّل من عند الله الغالب القاهر، وهو الذي يغفر الذنبَ مهما جلّ، ويقبل التوبة من عباده في كل آن، فبابُه مفتوح دائما وابدا، فلا يقنط أحدٌ من ذلك. وهو شديد العقاب، ومع هذا فهو صاحبُ الإنعام والفضل، لا معبودَ بحقٍّ الا هو، إليه وحده المرجع والمآل. وقد كثر في القرآن الكريم الجمع بين الوصفين كقوله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} تفسير : [الحجر: 49-50] ليبقى الناسُ بين الرجاء والخوف، ولكن الرحمة دائما مقدَّمة على العذاب. وبعد ان بيّن الله ان القرآن كتابٌ أُنزل لهداية الناس وسعادتهم في الدارَين، بيّن هنا أنه لا يخاصِم في هذا القرآن - بالطعن فيه وتكذيبه - الا الذين كفروا، فلا يخدعك أيها الرسول تقلّبُهم في البلاد وما يفعلونه من تجارة وكسب، ولا تغترَّ بسلامتهم، فإن عاقبتهم الهلاك. ثم قال مسلّياً رسوله عن تكذيب مَن كذّبه من قومه بأن له أسوةً في الأنبياء مع اقوامهم من قبله بقوله: {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} الأحزابُ كل من تحزَّب ضد الحق واهله في كل زمان ومكان، وقصة الرسالة والتكذيب والطغيان طويلة طويلة على مدى القرون. {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} ليقتلوه او يعذّبوه، وخاصموا رسولهم بالباطل ليبطلوا به الحق الذي جاء به من عند الله. {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} فاستأصلتهم فلم أُبْقِ منهم احدا وكان عقابي لهم شديداً مدمرا. وكما حقت كلمةُ العذاب على الأمم التي كذّبت أنبياءها - حقّت كلمة ربك على الكافرين، لانهم اصحاب النار. وهذا تحذير شديد لجميع المنحرفين من أهل الضلال. قراءات: قرأ نافع وابن عامر: حقت كلمات بالجمع، والباقون: كلمة بالافراد.

د. أسعد حومد

تفسير : (حَا. مِيمْ) (1) - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

الثعلبي

تفسير : {حـمۤ} أنبأنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا أبو علي بن حبش المقريء حدثنا أبو القاسم ابن الفضل حدثنا علي بن الحسن حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا يحيى بن حسان حدثنا رشد عن الحسن بن ثوبان عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حم اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربّك تعالى ". تفسير : أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان أخبرنا مكي بن عبدان حدثنا عبد الله بن هاشم حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي حدثنا شعبة قال: سألت السدي عن حم؟ فقال: قال ابن عبّاس: هو اسم الله الأعظم. وروى عكرمة عن ابن عبّاس قال: (الر) و(حم) و(ن) حروف الرحمن مقطوعة. الوالبي عنه: قسم أقسم الله تعالى به، وهو اسم من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: حم اسم من أسماء القرآن. مجاهد: فواتح السور. القرظي: أقسم الله تعالى بحلمه وملكه أن لا يعذب أحداً عاد إليه يقول لا إله إلاّ الله مخلصاً من قلبه. الشعبي: شعار السورة. وقال عطاء بن أبي مسلم الخراساني: الحاء افتتاح أسماء الله تعالى: حليم، وحميد، وحيّ، وحنّان، وحكيم، والميم افتتاح أسمائه: ملك، ومجيد، ومنّان. يدل عليه ماروى عن أنس بن مالك أنه قال: سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حم، فإنا لا نعرفها في لغتنا؟ فقال: "حديث : بدء أسماء وفواتح سور ". تفسير : وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ماهو كائن، كأنه أراد الاشارة إلى حُمّ بضم الحاء وتشديد الميم. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} واختلف القراء في قوله: (حم) فكسر الحاء حيث كان، عيسى وحمزة والكسائي وخلف، ومثله روى يحيى وحماد عن أبي بكر عن عاصم. وقرأ أبو جعفر وأبو عبيد وأبو حاتم وابن ذكوان بين الفتح والكسر. ومثله روى بكر بن سهل الدمياطي وإسماعيل النخاس عن ورش عن نافع. وقرأ الباقون: بالفتح. {غَافِرِ ٱلذَّنبِ} قال ابن عبّاس: لمن قال: لا إله إلاّ الله. {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} ممّن قال: لا إله إلاّ الله {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} لمن لايقول: لا إله إلاّ الله {ذِي ٱلطَّوْلِ} ذي الغنى عمّن لايقول: لا إله إلاّ الله. وقال الضحاك: ذي المنن. قتادة: ذي النعم. السدي: ذي السعة. الحسن: ذي الفضل. ابن زيد: ذي القدرة، وأصل الطول: الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه، يقال: اللهم طلّ علينا، أي أنعم علينا وتفضل، ومنه قيل للمنفع: طائل، ويقال في الكلام: ماخليت من فلان بطائل وما حظيت منه بنائل، أي لم أجد منه منفعة. حدثنا الحسن بن محمّد بن فنجويه حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا يوسف بن عبد الله ابن ماهان حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت قال: كنت إلى جانب سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا يمر فيه الدواب، وقد استفتحت {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} إذ مرَّ رجل على دابة فلما قلت: (غافر الذنب). قال: قل: ياغافر الذنب اغفر لي ذنبي. قلت: (وقابل التوب). قال: قل: ياقابل التوب اقبل توبتي. قلت: (شديد العقاب). قال: قل: ياشديد العقاب اعف عني عقابي. قلت: (ذي الطول). قال: قل ياذي الطول طلّ عليَّ بخير. قال: ثم التفتُ يميناً وشمالاً فلم أر شيئاً. وقال أهل الاشارة: (غافر الذنب) فضلاً (وقابل التوب) وعداً (شديد العقاب) عدلاً. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} فرداً. و(التّوب) يجوز أن يكون مصدراً، ويحتمل أن يكون جمع التوبة، مثل دومة ودوّم وعومة وعوّم. أخبرنا عبد الله بن حامد قرأه عليه حدثنا محمّد بن خالد بن الحسن أخبرنا داود بن سليمان حدثنا عبد بن حميد حدثنا كثير بن هشام أخبرنا جعفر بن مرقان حدثنا يزيد بن الأصم: أن رجلاً كان ذا بأس، وكان يوفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبأسه، وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه فقيل له: يتابع في هذا الشراب فدعا عمر كاتبه فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان سلام عليكم، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}. وختم على الكتاب ثم دفعه إلى رسوله وقال: لا تدفعن الكتاب إليه حتّى تجده صحوان. ثم أمر من عنده فدعوا له أن يقبل الله تعالى عليه بقلبه، وأن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول قد وعدني الله تعالى أن يغفر لي وحذّرني عقابه، فلم يزل يرددها على نفسه حتّى بكى ثم نزع، فاحسن النزع وحسنت توبته وحاله، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم زَل زلة فسدّدوه ووفقوه وادعوا الله تعالى له أن يتوب عليه، ولاتكونوا أعواناً للشياطين عليه. {مَا يُجَادِلُ} مايخاصم ويمادي {فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} بالإنكار لها {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمّد بن يعقوب حدثنا محمّد بن إسحاق حدثنا خالد بن الوليد حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: آيتان ما أشدّهما على الذين يجادلون في القرآن {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} و {أية : وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}تفسير : [البقرة: 176]. أخبرنا عبد الله بن حامد حدثنا محمّد بن خالد حدثنا داود بن سليمان أخبرنا عبد بن حميد حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائد عن ليث عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن جدالاً في القرآن كفر ". تفسير : {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ} تصرفهم {فِي ٱلْبِلاَدِ} للتجارات وبقائهم فيها مع كفرهم، فإن الله تعالى يمهلهم ولايهملهم، نظيره: {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ}تفسير : [آل عمران: 196 - 197]، ثم قال: {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ} والكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالمخالفة والعداوة {مِن بَعْدِهِمْ}، أي من بعد قوم نوح {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} ويقتلوه. قال الفراء: كان حقه أن يقول برسولها وكذلك هي في قراءة عبد الله، ولكنه أراد بالأمة الرجال فكذلك قال: (برسولهم). {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ} ليبطلوا ويزيلوا {بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ * ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} من الملائكة. قال ابن عبّاس: حملة العرش مابين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام. وقال: مسيرة أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها. قال مجاهد: بين الملائكة وبين العرش سبعون حجاباً من نور. أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا مخلد بن جعفر حدثنا الحسن بن علوية حدثنا إسماعيل ابن عيسى حدثنا إسحاق أخبرني مقاتل عن الضحاك عن ابن عبّاس قال: لمّا خلق الله حملة العرش قال لهم: احملوا عرشي. فلم يطيقوا، فخلق مع كل ملك منهم من أعوانهم مثل جنود من في السماوات من الملائكة ومن في الأرض من الخلق، فقال: احملوا عرشي. فلم يطيقوا، فخلق مع كل واحد منهم جنود سبع سماوات وسبع أرضين ومافي الأرض من عدد الحصى والثرى فقال: احملوا عرشي. فلم يطيقوا، فقال: قولوا لاحول ولاقوة إلاّ بالله. فقالوا: لا حول ولا قوة إلاّ بالله استقلينا عرش ربّنا. قال: فنفذت أقدامهم في الأرض السابعة على متن الثرى فلم تستقر، فكتب على قدم كل ملك اسم من اسمائه تعالى، فاستقرت أقدامهم. وروى شهر بن حوشب عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتفكروا في عظمته ولكن تفكروا فيما خلق الله تعالى من الملائكة، فإن خلقاً من الملائكة يقال له: إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سماوات وأنه ليتضأل من عظمة الله تعالى حتّى يصير كأنه الوضيع ". تفسير : وروى موسى بن عقبة عن محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُذِنَ لي أن أُحدّث عن ملك من ملائكة الله من حملة عرشه ما بين شحمة أُذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مائة عام ". تفسير : وفي الخبر: أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة عرشه، تفضيلاً لهم على سائر الملائكة، فهذه صفة حملة العرش. وأما صفة العرش: فروى لقمان بن عامر عن أبيه قال: ان الله تعالى خلق العرش من جوهرة خضراء، للعرش ألف ألف رأس زاجون ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلاّ وهو يسبح بتحميده لايسبحه الآخر، مابين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام، ومابين شحمة أُذنه إلى عاتقه أربع مائة عام،واحتجب الله تعالى بينه وبين الملائكه الذين هم حول العرش بسبعين حجاباً من نار، وسبعين حجاباً من ظلمة، وسبعين حجاباً من نور، وسبعين حجاباً من در أبيض، وسبعين حجاباً من ياقوت أحمر، وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر، وسبعين حجاباً من ثلج، وسبعين حجاباً من ماء، وسبعين حجاباً من برد ومالا يعلمه إلاّ الله تعالى. قال: ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه: وجه ثور، ووجه أسد، ووجه نسر، ووجه إنسان، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: أما جناحان فعلى وجه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيتبوأ فَيَقْوى بهما، ليس لهم كلام إلاّ التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد. وقال يزيد الرقاشي: ان لله تعالى ملائكة حول العرش يسمّون المخلصين، تجري أعينهم مثل الأنهار إلى يوم القيامة يميدون كأنما ينفضهم من خشية الله، فيقول لهم الربّ جلّ جلاله: يا ملائكتي مخافة تخيفكم؟ فيقولون: ياربّنا لو أن أهل الأرض أطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا عليه، ما أساغوا طعاماً ولا شراباً ولا انبسطوا في فرشهم، ولخرجوا إلى الصحارى يخورون كما يخور البقر. {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} وهذا تفسير لقوله {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الشورى: 5] {رَبَّنَا} أي ويقولون: ربّنا {وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} نصباً على التفسير، وقيل: نصباً على النقل، أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} دينك {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}. روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يقولون الملائكة خير من ابن الكوا، يستغفرون لمن في الأرض وابن الكوا يشهد عليهم بالكفر، وابن الكوا رجل من الخوارج قال: وكانوا لايحبون الإستغفار على أحد من أهل هذه القبلة. وقال: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله للعباد الشيطان. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سمعت محمّد بن علي بن محمّد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول لأصحابه إذ قرأ هذه الآية: افهموا فما في العالم خيراً أرجى منه. {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن} في محل نصب عطفاً على الهاء والميم {صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. قال سعيد بن جبير: يدخل الرجل الجنّة فيقول: أين أبي أين أمي أين ولدي أين زوجي؟ فيقال: لم يعملوا مثل عملك. فيقول: كنت أعمل لي ولهم. فيقال: ادخلوهم الجنّة. {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ} أنواع العذاب {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ} يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عاينوا العذاب فيقال لهم: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ} إياكم في الدُّنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ} اليوم {أَنفُسَكُـمْ} عند حلول العذاب بكم {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}. قال ابن عبّاس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم،فأحياهم الله تعالى في الدُّنيا ثم أماتهم الموتة التي لابدّ منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 28] الآية. وقال السدي: أُميتوا في الدُّنيا ثم أُحيوا في قبورهم، فسُئلوا ثم أُميتوا في قبورهم، ثم أُحيوا في الآخرة. {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} فنصلح أعمالنا، نظيرها قوله: {أية : هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ}تفسير : [الشورى: 44] {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ} في الكلام متروك استغنى بدلالة الظاهر عليه، مجازه: فأُجيبوا أن لاسبيل إلى ذلك وهو العذاب والخلود في النار، بأنه إذا دُعي الله وحده في الدُّنيا كفرتم به وأنكرتم أن لا تكون الإلهية له خالصة، وقلتم أجعل الإلهة إلهاً واحداً {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} غيره. {تُؤْمِنُواْ} تصدقوا ذلك المشرك. وسمعت بعض العلماء يقول: وإن يشرك به بعد الرد إلى الدُّنيا لو كان تؤمنوا تصدقوا المشرك ذكره بلفظ الإستفهام. نظيره قوله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}تفسير : [الأنعام: 28] {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه السورة بداية (الحواميم) أي: السور المفتتحة بقوله تعالى (حم) نقول في الجمع (الحواميم) وهذا الجمع على غير القاعدة، فالأصح أن نقول (آل حم) و (حم) من الحروف المقطعة التي ترد في أوائل السور، وسبق أنْ تكلمنا عليها في أكثر من موضع، والحقيقة أننا نحوم حول معانيها مما يتيسر لنا فهمه واستنباطه منها، والجميع في النهاية يقول: الله أعلم بمراده لأن معانيها فوق الإحاطة. قلنا: إن الحرف له اسم وله مُسمّى، نقول: ألف للحرف (أ) وباء للحرف (ب) هذا اسم الحرف، أما المسمَّى لو قلت مثلاً (كتب) أنا لا أنطقها كاف تاء باء، فهذه أسماء الحروف إنما أنطقها كتب وهذا هو المسمى: مُسمّى الكاف كَ، ومسمّى التاء تَ، ومسمّى الباء بَ، إذن: نحن في كلامنا ننطق بمسمّى الحروف. لكن في (حم) ننطق باسم الحرف فنقول: ح م ولو نطقنا المسمّى لَقُلْنا حمَّ. ومن هنا تأتي أهمية السماع في قراءة القرآن، فبالسماع تُقرأ في أول البقرة (الم) هكذا ألف لام ميم، في حين تُقرأ نفس الحروف في سورة الشرح {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1] ولولا السماع ما كُنا نعرف هذا النطق. بعض العلماء أخذوا يحومون حول معاني هذه الحروف في أوائل السور فقالوا: القرآن معجز لأمة العرب ولما نبغ العرب في البيان والفصاحة جاءتْ المعجزة من جنس ما نبغوا فيه ليكون الإعجاز في محله، وإلا فليس هناك أمة من الأمم جعلتْ للكلمة أسواقاً ومعارض كما فعل العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز وغيرها. وكان تحدِّي القرآن لهم عين الشهادة بتفوقهم في هذا الميدان، وأنهم حجة فيه. لكن من أين يأتي إعجاز القرآن؟ وبِمَ تميز من كلام العرب والحروف هي الحروف والكلمات هي الكلمات؟ قالوا: حروف اللغة منها حروف مَبْني أي: تُبنى الكلمة وهذه الحروف ليس لها معنى في ذاتها، وحروف معنى وهي حروف لها معنى وحدها، فمثلاً الكاف حرف مبني لأنه يدخل في بناء كلمة كتب، ولو أخذ الكاف من كتب ما كان لها معنى وحدها، أما الكاف في الجندي كالأسد فهي حرف معنى أفاد وحده معنى التشبيه، ولم يدخل في بناء كلمة الأسد، كذلك الباء حرف مبني في كتب وحرف معنى في (بالله) لأنه أفاد معنى القسم. ومن هذه الحروف تتكوَّن الكلمات، ومن الكلمات تتكوَّن الجمل والعبارات، والعبارات تكوِّن الأسلوب والأداء المتميز الجذاب الذي يستميل الأذن ويؤثر في النفس، ومن هنا تأتي بلاغة الكلام وفصاحته حين يكون موافقاً لقواعد اللغة، فإذا كانت الحروف العربية والكلمات هي هي في القرآن، فبمَ تميَّز عن كلام العرب؟ قالوا: تميَّز بنسيجه الخاص، وأن الذي تكلم به هو الله سبحانه. وسبق أن قلنا: إننا إذا أردنا أن نختبر جماعة من النساجين في جودة النسيج ورقته لا يصح أنْ نعطي أحدهم خيوط الصوف والآخر القطن والآخر الحرير، لأن المادة الخام مختلفة فلا نستطيع تمييز الأجود، بل لابد أن تكون المادة واحدة ليتم التمييز. فمعنى {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} [غافر: 1-2] أو {أية : حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [الدخان: 2] أو {أية : الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ..} تفسير : [البقرة: 1-2] أي: من هذه الحروف تكوَّن القرآن وأعطى سر الإعجاز والتحدي، لأن الله تعالى هو الذي نطق به وبلَّغه رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو رسول أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة. لذلك نطق بالقرآن كما أوحى إليه لم يُغيِّر فيه حرفاً واحداً؛ لذلك كانت الأمية عيباً وقُبْحاً إلا في رسول الله كانت شرفاً وميزة، وكأنه يقول بأميته: أنا لم أتعلم من أحد شيئاً، وكل ثقافتي من ربي. كذلك كانت الأمة كلها أمة أمية مُتبدِّية لا تعرف الحضارة ولا يحكمها قانون عام، ولو كانت أمةُ العرب حينها أمةً متحضرة لقالوا عن الإسلام أنه وَثْبة حضارية، لكن جاء الإسلام في جزيرة العرب وهم أمة بدوية ليس لها قانون ولا دستور حكمها إلا قانون القبيلة وعصبيتها، الحاكم فيها شيخ القبيلة، بيوتهم على ظهر جمالهم أنَّى وجدوا الكلأ نزلوا وضربوا خيامهم، وأنَّى وجدوا الماء حلوا بجواره، فهم غير مرتبطين بوطن ولا مكان. ناهيك عَمَّا كان بينهم من صراع قبلي وحروب تنشب على أيسر الأسباب، وتعرفون مثلاً حرب داحس والغبراء التي استمرت بينهم أربعين سنة؛ لذلك لما أراد رسول الله أن يكون للدولة الوليدة جيش ما فتح مدرسة لتعليم فنون القتال والحرب لأنه في أمة تجيد هذه الفنون إجادةً تامة، والعربي بطبعه مستعدّ للحرب كلما سمع هَيْعة طار إليها. إذن: فكيف لمثل هذه الأمة أن تقود العالم كله أن تفتح بلاد الدنيا، وهي بهذا الوصف؟ فكأن الله تعالى أراد أنْ يعدهم للسياحة في الأرض بهدي الله لخلق الله فلم يرتبطوا بشيء، ثم بعث فيهم رسولَ الله فجعل من العبيد سادة، ومن رعاة الشاة قادة ومنارات للأمم كلها. إذن: كانت الأمة العربية مُعدَّة لساناً وأمية وبدوية لأنْ تقودَ العالم المتحضر ليعرف الجميع أن ما جاء به محمد ليس من عند البشر، إنما من عند الله. نعود إلى مسألة الحروف المقطعة، فنقول: قد تأتي هذه الحروف على حرف واحد مثل (ق، ص) وعلى حرفين مثل (طس، حم) وعلى ثلاثة أحرف مثل (طسم، الم) وعلى أربعة أحرف مثل: (المص، المر) وعلى خمسة أحرف مثل: (كهيعص) إذن: ليس لها نسق واحد. وحين نتأمل مجموع هذه الحروف نجده أربعة عشر حرفاً يعني نصف حروف الهجاء الثمانية والعشرين، وكونه يأتي بالنصف بالذات يعني أنها مسألة مقصودة لم تأتِ هكذا كما اتفق، ودليل هذه الحروف الأربعة عشر تصرفتْ تصرفاً يوحي بأن لها ملحظاً وحكمة ولم تأتِ اعتباطاً، فهذه الحروف الثمانية والعشرون منها تسعة حروف من أول ألف باء إلى حرف الذال لم يأخذ منها في الحروف المقطعة إلا حرفين هما الألف والحاء وترك الباقين. وهي سبعة أحرف. ثم تأمل التسعة الأحرف الأخيرة تجد أن الحق سبحانه أخذ منها سبعة أحرف وترك حرفين على عكس الأولى فأخذ منها: القاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والياء وترك الفاء والواو. هذه ثمانية عشر حرفاً، يبقى العشرة الأحرف في الوسط، وتبدأ من الراء إلى الغين. ونلحظ في هذه الأحرف أنه أخذ الحروف غير المنقوطة وترك الحروف المنقوطة، أخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين. إذن: هذا النظام في الحروف المقطَّعة دلَّ على أنها ليست على نسق واحد، وأن لها حكمة مقصودة ولم تأتِ هكذا اعتباطاً، وعلينا نحن أن نستنبط هذه الحِكَم ونفهم هذه الدلالات كلّ حسب ما تيسّر له، وما زلنا (نفتش) في هذه الحروف لعلنا نصل. لكن كونك تبحث عن الحكمة فهذا اجتهاد محمود، ولك أنْ تريح عقلك وتأخذها من الله كما هي كما تأخذ المفتاح مثلاً ممن صنع الطبلة، فلا يعنيك أن يكون بسنَّة واحدة أو اثنتين أو ثلاثة أو أربعة، المهم أن يفتح لك، ويكون سرّ المفتاح مع مَنْ صنعه. لكن للعقل أنْ يأنس بأشياء، كيف؟ قالوا: الحق سبحانه وتعالى يريد في دينه ثلاثة أمور: عقائد، وأحكام، ومادة تؤدي هذه العقائد والأحكام وهي كلامه في القرآن، وكلٌّ من هذه الثلاثة فيه غيب وفيه مشهد. فالعقائد وأولها الإيمان بالله وهو غَيْب لكن يمكنك الوصول إليه والاستدلال عليه بالمشاهد من مخلوقاته وعظيم صنعته وهندسته في الكون المرئي، لأن هذا الكون البديع لم يدَّع أحدٌ خَلْقه ولم ينسبه لنفسه. إذن: هو لله وحده، إذن نصدق هذا الغيب بالمشاهد، أما الغيب الذي ليس له مشهد كالصفات التي للحق سبحانه فنأخذها مما نسمع من كلامه سبحانه. كذلك الفرائض والأحكام فيها مشهد وفيها غيب، فالصلاة والزكاة والحج والصيام كلها مشهد، وفيها غيب لا نعرف حكمته حتى الآن، فالصلاة فيها استطراق عبودية، والصيام فيه استدامة التكليف، والزكاة لاستطراق المال في المجتمع، والحج لإعلان الولاء للبيت الذي هو بيت الله، هذه أمور تستطيع أنْ تعرفها بالعقل، لكن ما الحكمة مثلاً من جَعْل الصبح ركعتين والظهر أربعاً والعصر أربعاً والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، هذه لا نعرفها. إذن: مع كل غيب مشهد، ومع كل مشهد غيب، كذلك كلام الله تعالى فيه غيب وفيه مشهد، أما المشهد فهو الكلام الذي نعرفه ونقرؤه ونسمعه ونكتبه ونعرف معناه وتفسيره، وفيه غيب كما في (الم، ن، ق، ص). فكل غَيْب محروسٌ بمشهد يساعدنا على الإيمان بالغيب؛ لأن المسائل كلها لو كانت مشهداً ما كان للإيمان مجال، فنحن الآن أنا وأنتم نجلس مجلسَ علم في مسجد الشيخ سليمان، فهل هذا المشهد لنا محل إيمان، لا بل مشهد. أما الإيمان فمحلّه الغيب، لذلك قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ..} تفسير : [البقرة: 3]. لكن هذا الغيب لابدَّ أنْ تكون له شواهد من المشاهدة ومقدمة تؤدي إليه، أرأيتَ مثلاً لرحلة الإسراء والمعراج؟ هذا غيب لم يَرَهُ أحد غير سيدنا رسول الله، رحلة الإسراء كانت رحلة أرضية، ورحلة المعراج كانت رحلة سماوية، الناس شاهدتْ ما على الأرض من معالم لكن لم تشاهد ما في السماء. لذلك لما أراد سيدنا رسول الله أن يقدم لهم دليلاً على صدقه وصف لهم معالم رآها على الأرض فوصف لهم بيت المقدس، والقبيلة التي رآها مسافرة ومتى ستصل، وأن بها جملاً صفته كذا وكذا، فهذه رحلة أرضية من الممكن أنْ يُقام عليها دليل. وبصدقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر من مشاهدات أرضية صارتْ هذه الرحلة مشهداً ووسيلة لتصديق المشهديات المخالفة للقوانين، فإنْ أخبر أنه صعد إلى السماء فصدِّقوه وخذوا من صدقه في المشَاهَد دليلاً على صدقه فيما غاب؛ لأن كلَّ غيب كما قلنا محروس بمشهد. ثم يقول سبحانه: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: بلغ عمر بن الخطاب عن رجل شيء كرهه، قال: فكتب إِليه: من عبد الله عمر، أَمير المؤمنين، إِلى فلان، أَما بعد: {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}. بما أَصنع. {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ}. الآية. فلما أَتاه الكتاب قال: {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} بما أَصنع {غَافِرِ ٱلذَّنبِ}: أَي استغفرت، غفر لي، {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ}. أَي ان تبت تاب علي وقبل توبتي. {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ}: أَي ان لم أَفعل ليعاقبني {ذِي ٱلطَّوْلِ}: أَي ذي الأَيادي والنعم علي، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}: أَي إِليه مصيري لابد من الرجوع إِليه. قال: فحسنت توبته. وقال صدق الله ونصح عمر [الآيات: 1 و 2 و3]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ذِي ٱلطَّوْلِ}. [الآية: 3]. قال: ذي إِنعام. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} . قال: مقتوا أَنفسهم حين رأَوا أَعمالهم الخبيثة، فقال الله لهم: لمقت الله إِياكم في الدنيا حين {تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} اليوم [الآية: 10]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} [الآية: 18]. قال: يعني يوم القيامة. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} [الآية: 19]. قال: يعني نظر الأَعين إِلى ما نهى. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} [الآية: 33]. يعني: فارين غير معجزين.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {غَافِرِ} الغفْر: السترُ والمحو والتكفير {ٱلطَّوْلِ} الإِنعام والتفضل {يُدْحِضُواْ} يبطلوا ويزيلوا، يقال: الباطلُ داحضٌ، لأنه يزلق ويزل فلا يستقر {حَقَّتْ} وجبت ولزمت {مَقْتُ} المقت: شدة البغض {ٱلرُّوحَ} الوحيُ والنبوة سمي رُوحاً لأن القلوب تحيا به كما تحيا الأبدان بالأرواح {ٱلتَّلاَقِ} الاجتماع في الحشر {بَارِزُونَ} ظاهرون لا يسترهم شيء {ٱلأَزِفَةِ} اسم للقيامة سميت آزفة لقربها، يقال أزف الشيء إذا اقترب {وَاقٍ} دافع يدفع عنهم العذاب. التفسِير: {حـمۤ} الحروف المقطَّعة للتنبيه على إعجاز القرآن، وللإِرشاد على أن هذا القرآن المعجز منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ} أي هذا القرآن تنزيلٌُ من الله {ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي العزيز في ملكه، العليم في خلقه {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} أي الذي يعفو عن ذنوب العباد، ويقبل توبة العصاة لمن تاب منهم وأناب {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} أي شديد العقاب لمن تكبر وطغى، وأعرض عن طاعة المولى {ذِي ٱلطَّوْلِ} أي ذي الفضل والإِنعام {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود بحقٍ إلا الله، ولا ربَّ في الوجود سواه {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي إليه وحده مرجع الخلائق فيجازيهم بأعمالهم، وإِنما قدَّم المغفرة والتوبة على العقاب، للإِشارة إلى سعة الفضل وأن رحمته سبقت عذابه، ثم لما ذكر أن القرآن هداية الله للعالمين، أعقبه بذكر المجادلين المعاندين فقال {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ما يدفع الحق ويجادل في هذا القرآن - بعد وضوح آياته وظهور إعجازه - إلا الجاحدون لآياتِ الله، المعاندون لرسله {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} أي فلا تغترَّ أيها العاقل بتصرفهم وتقلبهم في هذه الدنيا، بالمساكن والمزارع، والممالك والتجارات، فإِنهم أشقى الناس، وما هم عليه من النعيم متاعٌ قليل، وظلٌ زائل، فإِني وإِن أمهلتهم لا أهملُهم، بل آخذهم بعد ذلك النعيم أخذ عزيز مقتدر قال في التسهيل: والآية تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيدٌ شديد للكفار {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} أي كذَّب قبل كفار مكة أقوام كثيرون، منهم قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم ولم يقبلوا ما جاءوا به من عند الله كقوم عاد وثمود وفرعون وأمثالهم {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي وهمت كل أمةٍ من الأمم المكذبين أن يقتلوا رسولهم ويبطشوا به قال ابن كثير: أي حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل رسوله {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} أي جادلوا رسلهم بالباطل ليزيلوا ويبطلوا به الحق الواضح الجلي {فَأَخَذْتُهُمْ} أي فأهلكتهم إهلاكاً مريعاً {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} استفهام تعجيب أي فكيف كان عقابي لهم؟ ألم يكن شديداً فظيعاً؟ {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي وكذلك وجبت كلمة العذاب على هؤلاء المكذبين من قومك، كما وجبت لمن سبقهم من الكفار {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي لأنهم أهل النار، قال الطبري: أي كما حقَّ على الأمم التي كذبت رسلها وحلَّ بها عقابي، كذلك وجبت كلمة العذاب على الذين كفروا بالله من قومك لأنهم أصحاب النار. ثم ذكر تعالى حال الملائكة الأطهار، والمؤمنين الأبرار، بعد أن ذكر الكفار والفجار فقال {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي هؤلاء العباد المقربون - حملةُ العرش - ومن حول العرش من أشراف الملائكة وأكابرهم، ممن لا يُحصي عددهم إلا الله، هم في عبادة دائبة لله، ينزهونه عن صفات النقص، ويثنون عليه بصفات الكمال {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} أي ويصدقون بوجوده تعالى، وبأنه لا إله لهم سواه، ولا يستكبرون عن عبادته قال الزمخشري: فإِن قالت: ما فائدة قوله {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} ولا يخفى أن حملة العرش وجميع الملائكة يؤمنون بالله؟ فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإِيمان وشرفه والترغيب فيه {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي وهم مع عباداتهم واستغراقهم في تسبيح الله وتمجيده، يطلبون من الله المغفرة للمؤمنين قائلين {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي يا ربنا وسعت رحمتُك وعلمك كل شيء قال المفسرون: وفي وصف الله تعالى بالرحمة والعلم - وهو ثناءٌ قبل الدعاء - تعليمُ العباد أدب السؤال والدعاء، فهم يبدأون دعاءهم بأدبٍ ويستمطرون إحسانه وفضله وإِنعامه {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} أي فاصفح عن المسيئين المذنبين، التائبين عن الشرك والمعاصي، المتبعين لسبيل الحق الذي جاء به أنبياؤك ورسلك {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي واحفظهم من عذاب جهنم {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} أي أدخلهم جنات النعيم والإِقامة التي وعدتهم إياها {وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أي وأدخل الصالحين من الآباء والأزواج والأولاد في جنات النعيم أيضاً ليتم سرورهم بهم قال ابن كثير: أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في الجنة بمنازل متجاورة {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي العزيز الذي لا يُغلب ولا يمتنع عليه شيء، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ} هذا من تمام دعاء الملائكة أي احفظم يا ربّ من فعل المنكرات والفواحش التي توبق أصحابها {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} أي ومن حفظته من نتائجها وعواقبها يوم القيامة، فقد لطفت به ونجيته من العقوبة {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي وذلك الغفران ودخول الجنان، هو الظفر العظيم الذي لا ظفر مثله.. ولما تحدث عن أحوال المؤمنين، ذكر شيئاً من أحوال الكافرين فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} أي تناديهم الملائكة يوم القيامة على جهة التوبيخ والتقريع: لبغض الله الشديد لكم في الدنيا أعظم من بغضكم اليوم لأنفسكم {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} إي حين كنتم تُدعون إلى الإِيمان فتكفرون كبراً وعتواً قال قتادة: بغضُ الله لأهل الضلالة حين عُرض عليهم الإِيمان في الدنيا فأبوا أن يقبلوه، أكبرُ مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} أي قال الكفار لما رأوا الشدائد والأهوال ربَّنا أمتَّنا مرتين، وأحييتنا مرتين {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} أي فاعترفنا بما جنيناه من الذنوب في الدنيا {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} أي فهل تردنا إلى الدنيا لنعمل بطاعتك؟ وهل تخرجنا من النار لنسلك طريق الأبرار؟ قال المفسرون: الموتةُ الأولى حين كانوا في العدم، والموتة الثانية حين ماتوا في الدنيا، والحياة الأولى حياة الدنيا، والحياة الثانية حياةُ البعث يوم القيامة، فهاتان موتتان وحياتان، وإِنما قالوا ذلك على سبيل التعطف والتوسل إلى رضى الله، بعد أن عاينوا العذاب، وقد كانوا يكفرون وينكرون، ولهذا جاء الجواب {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ} أي ذلكم العذاب والخلود في جهنم بسبب كفركم وعدم إِيمانكم بالله، فإِذا دعيتم إلى التوحيد كفرتم {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} وإِن دعيتم إلى اللات والعزَّى وأمثالهما من الأصنام، آمنتم وصدَّقتم بألوهيتها {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ} أي فالقضاء لله وحده، لا للأوثان والأصنام، ولا سبيل إلى نجاتكم، لأن الله هو المتعالي على خلقه، العظيم في ملكه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.. ولما ذكر تعالى ما يوجب التهديد الشديد للمشركين، أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته ليصير بمنزلة البرهان على عدم جواز عبادة الأوثان فقال {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي الله جل وعلا هو الذي يريكم أيها الناس العلامات الدالة على قدرته الباهرة في مخلوقاته، في العالم العلوي والسفلي الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} أي وينزِّل لكم من السماء المطر الذي هو سبب للرزق، وبه تخرج الزروع والثمار {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي وما يعتبر ويتعظ بهذه الآيات الباهرة، إلا من يرجع إلى الله بالتوبة والإِنابة، والعمل الصالح البعيد عن الرياء والنفاق {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي فاعبدوا الله أيها المؤمنون مخلصين له العبادة والطاعة ولا تعبدوا معه غيره {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} هذا للمبالغة أي اعبدوه وأخلصوا له قلوبكم، حتى ولو كره الكافرون وذلك، وغاظهم إخلاصكم وقاتلوكم عليه {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ} أي عظيم الشأن والسلطان، صاحب الرفعة والمقام العالي {ذُو ٱلْعَرْشِ} أي صاحب العرش العظيم، الذي هو أعظم المخلوقات، ولا شيء يشبهه من مخلوقات الله قال ابن كثير: أخبر تعالى عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها، وقد ذُكر أن العرش من ياقوتةٍ حمراء ولا يعلم سعته إلا الله وقال أبو السعود: وكونُ العرش العظيم المحيط بأكناف العالم العلوي والسفلي، تحت ملكوته وقبضة قدرته، مما يقضي بكون علو شأنه وعظم سلطانه، في غايةٍ لا غاية وراءها {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي ينزل الوحي على من شاء من خلقه، ويختص بالرسالة والنبوة من أراد من عباده، وإِنما سمَّى الوحي روحاً لأنه يسري في القلوب كسريان الروح في الجسد قال القرطبي: سمَّاه روحاً لأن الناس يحيون به من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} أي ليخوِّف الرسول الموحَى إليه يوم القيامة الكبرى، حيث يلتقي العباد جميعاً ليحاسبوا على أعمالهم، ويلتقي الخلق بالخالق في ساعة الحساب قال قتادة: يلتقي فيه أهل السماء بأهل الأرض، والخالق والخلق {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} أي يوم هم ظاهرون بادون للعيان، لا شيء يكنُّهم ولا يظلّهم ولا يسترهم من جبلٍ أو أكمةٍ أو بناء، لأنهم في أرض مستوية هي أرض المحشر {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} أي لا يخفى على الله شيء من أحوالهم وأعمالهم ولا من سرائرهم وبواطنهم قال الصاوي: والحكمة في تخصيص ذلك اليوم - مع أن الله لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام - أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان مثلاً لا يراهم الله، وفي هذا اليوم لا يتوهمون هذا التوهم {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}؟ أي ينادي الله سبحانه والناسُ بارزون في أرض المحشر: لمن المُلكُ اليوم؟ ويسكت الخلائق هيبةً لله تعالى وفزعاً، فيجيب تعالى نفسه قائلاً {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} أي لله المتفرد بالملك، الذي قهر بالغلبة كل ما سواه قال الحسن: هو تعالى السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} أي في ذلك اليوم - يوم القضاء والفصل بين العباد - تُجازى كل نفسٍ بما عملت من خيرٍ أو شر {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} أي لا يُظلم أحد شيئاً، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي سريعٌ حسابه، لا يشغله شأنٌ عن شأن، فيحاسب الخلائق جميعاً في وقتٍ واحد قال القرطبي: كما يرزقهم في ساعةٍ واحدة، يحاسبهم كذلك في ساعةٍ واحدة، وفي الخبر: "حديث : لا ينتصف النهارُ حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار"تفسير : {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} أي خوّفهم ذلك اليوم الرهيب يوم القيامة قال ابن كثير: "الآزفة" اسم من أسماء القيامة، سميت بذلك لقربها كقوله تعالى {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ}تفسير : [النجم: 57] {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} أي تكاد قلوبهم لشدة الخوف والجزع تبلغ الحناجر - وهي الحلوق - مكان البلعوم {كَاظِمِينَ} أي ممتلئن غماً وحسرةً شأن المكروب قال في التسهيل: معنى الآية أن القلوب قد صعدت من الصدور لشدة الخوف حتى بلغت الحناجر، ويحتمل أن يكون ذلك حقيقةً أو مجازاً عبَّر به عن شدة الخوف والحنجرة هي الحلق {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} أي ليس للظالمين صديقٌ ينفعهم {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أي ولا شفيع يشفع لهم لينقذهم من شدة العذاب {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} أي يعلم جلَّ وعلا العين الخائنة بمسارقتها النظر إلى محرم قال ابن عباس: هو الرجل يكون جالساً مع الناس، فتمرُّ المرأة فيسارقهم النظر إليها {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} أي ويعلم السرَّ المستور تخفيه الصدور {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ} أي يقضي ويحكم بالعدل {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي والذين يعبدونهم من دون الله من الأوثان والأصنام {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} أي لا حكم لهم أصلاً فكيف يكونون شركاء لله؟ قال أبو السعود: وهذا تهكمٌ بهم لأن الجماد لا يقال في حقه يقضي أو لا يقضي {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} أي هو السميع لأقوال العباد، البصير بأفعالهم {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ}؟ أي أولم يعتبر هؤلاء المشركون في أسفارهم بما يرون من آثار المكذبين {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} أي فينظروا ما حلَّ بالمكذبين من العذاب والنكال؟ فإِنَّ العاقل من اعتبر بغيره {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي كانوا أشدَّ قوةً من هؤلاء الكفار من قومك {وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} أي وأقوى آثاراً في الأرض من الحصون والقصور والجند الأشداء، ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أهلكهم الله لما كذبوا الرسل {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي أهلكهم الله إهلاكاً فظيعاً بسبب إجرامهم وتكذيبهم رسل الله {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} أي وما كان لهم أحد يدفع عنهم عذاب الله، ولا يقيهم من عقابه.. ثم ذكر تعالى سبب عقابه لهم فقال {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي ذلك العذاب بسبب أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالمعجزات الباهرات، والآيات الساطعات الواضحات {فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} أي فكفروا مع هذا البيان والبرهان فأهلكهم الله ودمَّرهم {إِنَّهُ قَوِيٌّ} أي إنه تعالى قويٌ لا يُقهر، ذو قوة عظيمة وبأسٍ شديد {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي عقابه شديد لمن عصاه، وعذابه أليم وجيع، أعاذنا الله من عقابه وأجارنا من عذابه.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} سبع الحواميم مكيات قالوا بإِجماع وفي الحديث حديث : أن الحواميم ديباج القرآن وفيه من أراد أن يرتع في رياض مونقة من الجنة فليقرأ الحواميم وفيه مثل الحراميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب تفسير : وهذه الحواميم مقصورة على المواعظ والزجر وطرق وهي قصار لا تلحق منها سآمة. ومناسبة أول هذه السورة لآخر الزمر أنه تعالى لما ذكر ما يؤول إليه حال الكافر وحال المؤمن ذكر تعالى هنا أنه غافر الذنب وقابل التوب ليكون ذلك استدعاء للكافر إلى الإِيمان والإِقلاع عما هو فيه وإن باب التوبة مفتوح وذكر شدة عقابه وصيرورة العالم كلهم إليه ليرتدع عما هو فيه وإن مرجعه إلى ربه فيجازيه بما عمل من خير أو شر. {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} بدل لأنه من باب الصفة المشبهة ولا يتعرف بالإِضافة إلى المعرفة ووقع في كلام الزمخشري في قوله شديد العقاب ما نصه والوجه أن يقال لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة الواحدة فقد آذنت وهذا تركيب غير عربي لأنه جعل فقد آذنت جواب لما وليس من كلامهم لما جاء زيد فقد قام عمرو. {ذِي ٱلطَّوْلِ} قال ابن عباس الطول السعة والغنى. {مَا يُجَادِلُ} جدالهم فيها قولهم مرة سحر ومرة شعر ومرة كهانة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر فهو جدال بالباطل ولما كان جدال الكفار ناشئاً عن تكذيب ما جاء به الرسول عليه السلام من آيات الله ذكر من كذب قبلهم من الأمم السالفة وما صار إليه حالهم من حلول نقمات الله تعالى بهم ليرتدع بهم كفار من بعث الرسول إليهم فبدأ بقوم نوح عليه السلام إذ كان عليه السلام أول رسول في الأرض وعطف على قومه الأحزاب وهم الذين تخربوا على الرسل ولم يقبلوا منهم ما جاؤوا به من عند الله تعالى ومنهم عاد وثمود وفرعون وأتباعه وقدم الهم بالأخذ على الجدال بالباطل لأن الرسل عليهم السلام لما عصمهم الله تعالى منهم أن يقتلوهم رجعوا إلى الجدال بالباطل. {فَكَيْفَ} إستفهام في موضع خبر كان وعقاب إسم لكان حذفت منه ياء الإِضافة لكونه فاصلة. {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ} الكاف للتشبيه أي مثل ذلك الوجوب من عقابهم وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار وأنهم مع ما بعده يتقدر بالمصدر أي كونهم وهو بدل من قوله كلمة. {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ} الآية، لما ذكر جدال الكفار ذكر طاعة هؤلاء لمصطفين من خلقه وهم حملة العرش ومن حوله وهم الحافون به من الملائكة والذين مبتدأ ومن معطوف عليه ويسبحون الخبر ويؤمنون به فائدته شرف الإِيمان وفضله وشرف من تحلى به. {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} يدل على شرف المؤمنين حيث جعل استغفارهم معطوفاً على إيمان الملائكة معطوفاً تقديره وسعت رحمتك وعلمك كل شىء ولما سألوا إزالة العقاب سألوا إيصال الثواب وكرروا الدعاء بربنا فقالوا ربنا وأدخلهم جنات عدن. {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي امنعهم من الوقوع فيها حتى لا يترتب عليها جزاؤها ومن شرطية مفعول أول تبق تقديره أي شخص والسيئات مفعول ثان. {فَقَدْ رَحِمْتَهُ} جواب الشرط ونداؤهم قيل في النار والمنادون لهم الزبانية على جهة التوبيخ والتقريع واللام في لمقت لام الإِبتداء أو لام القسم ومقت مصدر مضاف إلى الفاعل والتقدير لمقت الله إياكم أو لمقت الله أنفسكم وحذف المفعول لدلالة ما بعده عليه في قوله: أكبر من مقتكم أنفسكم والظاهر أن مقت الله إياهم هو في الدنيا ويضعف أن يكون في الآخرة كما قال بعضهم لبقاء إذ تدعون فعلتا من الكلام لكونه ليس له عامل تقدم ولا مفسر لعامل فإِذا كان المقت السابق في الدنيا أمكن أن يضمر له عامل تقديره مقتكم إذ تدعون. وقال الزمخشري: وإذ تدعون منصوب بالمقت الأول والمعنى أنه يقال لهم يوم القيامة ان الله مقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حيث كان الأنبياء يدعونكم إلى الإِيمان فتأتون قبوله وتختارون عليه الكفر أشد مما اليوم وأنتم في النار وإذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن "انتهى". وفيه دسيسة الاعتزال وأخطأ في قوله: وإذ تدعون منصوب بالمقت الأول لأن المقت مصدر ومعموله من صلته ولا يجوز أن يخبر عنه إلا بعد استيفائه صلته وقد أخبر عنه بقوله: أكبر من مقتكم أنفسكم وهذا من ظواهر علم النحو التي لا تكاد تخفى على المبتدئين فضلاً عمن تدعي العجم أنه في العربية شيخ العرب والعاجم وليس كذلك. {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ} وجه اتصال هداه بما قبلها انهم كانوا ينكرون البعث وعظم مقتهم أنفسهم هذا الإِنكار فلما مقتوا أنفسهم ورأوا حزناً طويلاً رجعوا إلى الإِقرار بالبعث فأقروا أنه تعالى أماتهم اثنتين وأحياهم اثنتين وتعظيماً لقدرته وتوسلاً إلى رضاه ثم أطعموا أنفسهم بالاعتراف بالذنوب أن يردوا إلى الدنيا أي أن رجعنا إلى الدنيا ودعينا إلى الإِيمان بادرنا إليه وتقدم الكلام في الاماتة والإِحياء في البقرة. {ذَلِكُم} الظاهر أن الخطاب للكفار في الآخرة والإِشارة إلى العذاب الذي هم فيه وذلكم مبتدأ خبره بأنكم لأنه ينسبك ما بعد الباء بمصدر فيكون التقدير عذابكم كائن بسبب كفركم وإشرائككم المذكورين والضمير في بأنه ضمير الشأن. {إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ} إي إذا أفرد بالألوهية ونفيت عن سواه. {كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} أي ذكرت اللات والعزى وأمثالهما من الأصنام صدقتم بألوهيتها وسكنت نفوسكم إليها. {فَٱلْحُكْمُ} بعذابكم اليوم. {للَّهِ} تعالى لا لتلك الأصنام التي أشركتموها مع الله تعالى. {ٱلْعَلِـيِّ} عن الشريك. {ٱلْكَبِيرِ} العظيم الكبرياء. {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} الآية، الأمر للنبيين ورفيع الدرجات خبر مبتدأ محذوف والروح النبوة وقال جبريل عليه السلام يرسله لمن يشاء والأولى الوحي استعار له الروح لحياة المرضية به وسمي يوم التلاق لإِلتقاء الخلائق فيه قاله ابن عباس: يوم هم بارزون أي ظاهرون من قبورهم لا يسترهم شىء حفاة عراة ويوم بدل من يوم التلاق وكلاهما ظرف مستقبل والظرف المستقبل عند سيبويه لا يجوز إضافته إلى الجملة الإِسمية لا يجوز أجيئك يوم زيد ذاهب إجراء له مجرى إذا فكما لا يجوز ان تقول أجيئك إذا زيد ذاهب فكذلك لا يجوز هذا وذهب أبو الحسن إلى جواز ذلك. قال ابن عباس: إذا هلك من في السماوات ومن في الأرض فلم يبق إلا الله تعالى قال لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه لله الواحد القهار ويوم الآزفة هو يوم القيامة. {لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} تقدم الكلام عليه في الأحزاب. {خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} الظاهر أنه من إضافة الصفة إلى موصوفة أي الأعين الخائنة وخيانتها من كسر جفن وغمز ونظر ويفهم منه ما يراد. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا} الآية، ابتدأ تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيداً لقريش أن يحل بهم ما حل بفرعون وقومه من نقمات الله تعالى بآياتنا أشهرها العصا واليد وقرىء: أو أن وقرىء: يظهر مضارع ظهر والفساد فاعل وقرئ: يظهر مضارع أظهر والفساد مفعول به والفاعل ضمير موسى.

الجيلاني

تفسير : {حـمۤ} [غافر: 1] يا حامل الوحي وحاميه، ويا ماحي الغير والسوى عن لوح الضمير مطلقاً. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، إليك يا أكمل الرسل تأييداً لك في أمرك وشأنك {مِنَ ٱللَّهِ} أي: من الذات المعبر بهذا الاسم الجامع {ٱلْعَزِيزِ} المنيع الغالب ساحة عز حضوره عن أن يحوم حول وحيه شائبة الريب والتخمين {ٱلْعَلِيمِ} [غافر: 2] الذي لا يعزب عن حيطة علمه شيء مما جرى عليه قضاؤه. {غَافِرِ ٱلذَّنبِ} أي: ساتر ذنوب الأنانيات، والهويات الحاصلة من انصباغ التعينات العدمية بصيغ الأسماء والصفات {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} أي: التوبة والرجوع على وجه الإخلاص والندم من إثبات الوجود لغيره سبحانه {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} على من خرج عن ربقة عبوديته بإسناد الحوادث إلى نفسه، أو إلى مثله في الحدوث والمخلوقية {ذِي ٱلطَّوْلِ} والغني عن توحيد الموحد وإلحاد المشرك الملحد؛ لأنه في ذاته {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ولا موجود سواه يُعبد له ويُرجع إليه في الخطوب؛ إذ {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [غافر: 3] أي: مرجع الكل إليه سواء وحدَّه الموحدون، أو ألحد في شأ،ه الملحدون المشركون. ثم قال سبحانه توضيحاً وتصريحاً لما عُلم ضمناً: {مَا يُجَادِلُ} ويكابر {فِيۤ} شأن {آيَاتِ ٱللَّهِ} ودلائل توحيده واستقلاله في الآثار المترتبة على شئونه وتجلياته {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وستروا ظهور شمس الذات، وتحققها في صفحات الكائنات بغيوم هوياتهم الباطلة وتعيناتهم العاطلة {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} [غافر: 4] أي: لا يغررك يا أكمل الرسل إمهالنا إياهم، يتقبلون في بلاد الإمكان وبقاع الهيولي عن إمهالنا وعدم انتقامنا منهم بالطرد إلى هاوية العدم وزاوية الخمول. وإن كذبوك يا أكمل الرسل في دعوتك وشأنك وعاندوا معك، فاصبر على أذاهم وتذكر كيف {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} أخاك نوحاً، وكيف صبر هو حتى ظفر عليهم حين ظهر أمرنا، وجرى حكمنا بأخذهم واستئصالهم {وَ} كيف كذبت {ٱلأَحْزَابُ} والأمم الكثيرة {مِن بَعْدِهِمْ} أي: بعد قوم نوح رسلهم المبعوثين إليهم للهداية والإرشاد. {وَ} بالجملة: {هَمَّتْ} وقصدت {كُـلُّ أُمَّةٍ} من الأمم الماضية {بِرَسُولِهِمْ} المرسل إليهم {لِيَأْخُذُوهُ} ويِأسروه، بل ليقتلوه أو يستحقروه ويهينوه {وَجَادَلُوا} أولئك الهالكون المنهمكون في تيه الكبر والعناد معهم {بِٱلْبَاطِلِ} الزاهق الزائل في نفسه {لِيُدْحِضُواْ بِهِ} ويزيلوا به {ٱلْحَقَّ} الحقيق بالإطاعة والاتباع {فَأَخَذْتُهُمْ} واستأصلهم بعدما أمهلتهم زماناً، يعمهون في طغيانهم، ويترددون في بنيانهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] إياهم حين حلَّ عليهم ما حلَّ من العذاب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {حـمۤ} [غافر: 1]، يشير إلى القسم بسر بينه وبين حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وذلك أن الحاء والميم هما حرفان من وسط اسم الله وهو رحمان، وحرفان من وسط اسم حبيبه وهو محمد، كما أن الحرفين سر اسميهما، فهما يشيران إلى أن القسم بسر كان بينهما أن {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ} [غافر: 2] الذي معز لأوليائه {ٱلْعَلِيمِ} [غافر: 2]، بما صدر منهم إلى أعز أوليائه به، {غَافِرِ ٱلذَّنبِ} [غافر: 3] لهم ما يتوب عليهم، {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} [غافر: 3] بأن يوفقهم الإخلاص في التوبة؛ لأنهم مظهر صفات لطفه، {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} [غافر: 3] لمن لا يؤمن ولا يتوب؛ لأنهم مظهر صفات قهره، {ذِي ٱلطَّوْلِ} [غافر: 3] لعموم خلقه بالإيجاد من العدم، وإعطاء الحياة والرزق بالكرم، وأيضاً {غَافِرِ ٱلذَّنبِ} [غافر: 3] لظالمهم، {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} [غافر: 3] لمقصدهم، {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} [غافر: 3] لمشركهم، {ذِي ٱلطَّوْلِ} [غافر: 3] لسابقهم، ولما كانت من سنة كرمه أن سبقت رحمته غضبه، غلبت ها هنا أسامي صفات لطفه على اسم صفة قهره؛ بل من عواطف إحسانه ومراحم طوله وإنعامه جعل صفة اسم قهره بين ثلاثة أسماء من صفات لطفه فصار {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ}تفسير : [الرحمن: 19-20]، فإذا هبت رياح العناية من مهب الهداية ويتموج البحرين فيتلاشى البرزخ باصطكاك البحرين، ويصير الكل بحراً واحداً، وهو بحر {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [غافر: 3]، فإذا كان إليه المصير فقد طاب المصير. وبقوله: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [غافر: 4]، يشير إلى أنه إذا أظهر البرهان واتضح البيان استسلمت الألباب الصافية للاستجابة والإيمان، فأما أهل الكفر والطغيان فلهم على الجحود إصرار، وشؤم شركهم يحول بينهم وبين الإنصاف، وكذلك أهل الحرمان من كرامات أولياء الله، وذوق مشاربهم ومقاماتهم يصرون على إنكارهم، يخصص الله عباده بالآيات، ويعرضون عليهم بقلوبهم، فيجادلون في جحد الكرامات، وسيفتضحون كثيراً، ولكنهم لا يميزون بين رجحانهم ونقصانهم، {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} [غافر: 4] لتحصيل العلوم؛ إذا كان مبنياً على الهوى والميل إلى الدنيا فلا يكون لها نور يهتدي به إلى ما خصص الله تعالى به عباده المخلصين. {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [غافر: 5]، يشير به: إن في كل عصر يكون فيه صاحب ولاية لا بد لهم من أرباب الجحود والإنكار وأهل الإعراض، كما كانوا في عهد كل نبي ورسول، {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} [غافر: 5]؛ ليكون ذلك سبباً لشقاوة المنكرين، وسعادة المقربين ثم قال: {فَأَخَذْتُهُمْ} [غافر: 5]؛ أي: عاقبتهم على ذلك الإنكار بالإصرار عليه، {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5]؛ أي: كان عقاب الدنيا بالإصرار، وعقاب الآخرة بالنار، وذلك قوله: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [غافر: 6].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن كتابه العظيم وبأنه صادر ومنزل من الله، المألوه المعبود، لكماله وانفراده بأفعاله، { الْعَزِيزِ } الذي قهر بعزته كل مخلوق { الْعَلِيمِ } بكل شيء. { غَافِرِ الذَّنْبِ } للمذنبين { وَقَابِلِ التَّوْبِ } من التائبين، { شَدِيدِ الْعِقَابِ } على من تجرأ على الذنوب ولم يتب منها، { ذِي الطَّوْلِ } أي: التفضل والإحسان الشامل. فلما قرر ما قرر من كماله وكان ذلك موجبًا لأن يكون وحده، المألوه الذي تخلص له الأعمال قال: { لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ }. ووجه المناسبة بذكر نزول القرآن من الله الموصوف بهذه الأوصاف أن هذه الأوصاف مستلزمة لجميع ما يشتمل عليه القرآن، من المعاني. فإن القرآن: إما إخبار عن أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، وهذه أسماء، وأوصاف، وأفعال. وإما إخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، فهي من تعليم العليم لعباده. وإما إخبار عن نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وما يوصل إلى ذلك، من الأوامر، فذلك يدل عليه قوله: { ذِي الطَّوْلِ }. وإما إخبار عن نقمه الشديدة، وعما يوجبها ويقتضيها من المعاصي، فذلك يدل عليه قوله: { شَدِيدِ الْعِقَابِ }. وإما دعوة للمذنبين إلى التوبة والإنابة، والاستغفار، فذلك يدل عليه قوله: { غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ }. وإما إخبار بأنه وحده المألوه المعبود، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على ذلك، والحث عليه، والنهي عن عبادة ما سوى الله، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على فسادها والترهيب منها، فذلك يدل عليه قوله تعالى: { لا إِلَهَ إِلا هُوَ }. وإما إخبار عن حكمه الجزائي العدل، وثواب المحسنين، وعقاب العاصين، فهذا يدل عليه قوله: { إِلَيْهِ الْمَصِيرُ }. فهذا جميع ما يشتمل عليه القرآن من المطالب العاليات..

همام الصنعاني

تفسير : 2651- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: {حـمۤ}: [الآية: 1]، قال: اسم من أسماء القرآن.