٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ما يدفع ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه، {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ} أي: في أموالها ونعيمها وزهرتها؛ كما قال جل وعلا: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وقال عز وجل: {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [لقمان: 24] ثم قال تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه بأن له أسوة فيمن سلف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنه قد كذبهم أممهم، وخالفوهم، وما آمن بهم منهم إلا قليل، فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان، {وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} أي: من كل أمة، {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي: حرصوا على قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسوله، {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} أي: ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي. وقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أعان باطلاً ليدحض به حقاً، فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم »تفسير : وقوله جلت عظمته: {فَأَخَذَتْهُمُ} أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام، {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي: فكيف بلغك عذابي لهم، ونكالي بهم؟ قد كان شديداً موجعاً مؤلماً. قال قتادة: كان والله شديداً. وقوله جل جلاله: { وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} أي: كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا يُجَٰدِلُ فِى ءَايَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ } للمعاش سالمين، فإن عاقبتهم النار.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} فيه وجهان: أحدهما: ما يماري فيها، قاله السدي. الثاني: ما يجحد بها، قاله يحيى بن سلام. وفي الفرق بين المجادلة والمناظرة وجهان: أحدهما: ان المجادلة لا تكون إلا بين مبطلين أو مبطل ومحق، والمناظرة بين محقين. الثاني: أن المجادلة فتل الشخص عن مذهبه محقاً أو مبطلاً، والمناظرة التوصل إلى الحق في أي من الجهتين كان. وقيل إنه أراد بذلك الحارث بن قيس السهمي وكان أحد المستهزئين. {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} قال قتادة: إقبالهم وإدبارهم وتقلبهم في أسفارهم، وفيه وجهان: أحدهما: لا يغررك تقلبهم في الدنيا بغير عذاب، قاله يحيى. الثاني: لا يغررك تقلبهم في السعة والنعمة قاله مقاتل وقيل إن المسلمين قالوا نحن في جهد والكفار في السعة، فنزل {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} حكاه النقاش وفيه حذف تقديره: فلا يغررك تقلبهم في البلاد سالمين فسيؤخذون. قولة عز وجل: {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} فيه وجهان: أحدهما: ليحبسوه ويعذبوه، حكاه ابن قتيبة. الثاني: ليقتلوه، قاله قتادة والسدي. والعرب تقول: الأسير الأخيذ لأنه مأسور للقتل، وأنشد قطرب قول الشاعر: شعر : فإما تأخذوني تقتلوني ومن يأخذ فليس إلى خلود تفسير : وفي وقت أخذهم لرسولهم قولان: أحدهما: عند دعائه لهم. الثاني: عند نزول العذاب بهم. {وجادلوا بالباطل ليُدْحضوا به الحقَّ} قال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان. {فأخذتهم} قال السدي: فعذبتهم. {فكيف كان عقاب} في هذا السؤال وجهان: أحدهما: أنه سؤال عن صدق العقاب، قال مقاتل وجدوه حقاً. الثاني: عن صفته، قال قتادة: شديد والله. قوله عز وجل: {وكذلك حقت كلمة ربِّك على الذين كفروا} أي كما حقت على أولئك حقت على هؤلاء. وفي تأويلها وجهان: أحدهما: وكذلك وجب عذاب ربك. الثاني: وكذلك صدق وعد ربك. {أنهم أصحاب النار} جعلهم أصحابها لأنهم يلزمونها وتلزمهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُجَادِلُ} يماري، أو يجحد ولا تكون المجادلة إلا بين مبطلين أو مبطل ومحق والمناظرة بين المحقين، أو المجادلة قتل الخصم عن مذهبه حقاً كان أو باطلاً والمناظرة التوصل إلى الحق في أي جهة كان. نزلت في الحارث بن قيس أحد المستهزئين {تَقَلُّبُهُمْ} في السعة والنعمة أو تقلبهم في الدنيا بغير عذاب والتقلب الإقبال والإدبار وتقلب الأسفار نزلت لما قال المسلمون نحن في جَهْد والكفار في سَعة.
الخازن
تفسير : {ما يجادل} يعني ما يخاصم ويحاجج في آيات الله يعني في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار إلا الذين كفروا قال أبو العالية آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن. قوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} وقوله {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن جدالاً في القرآن كفر"تفسير : أخرجه أبو داود وقال المراد في القرآن كفر وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "حديث : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتمارون فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض وإنما أنزل الكتاب يصدق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه" تفسير : (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال "حديث : إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب" تفسير : {فلا يغررك تقلبهم} يعني تصرفهم {في البلاد} للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم فإن عاقبة أمرهم العذاب {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم} يعني الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} قال ابن عباس ليقتلوه ويهلكوه وقيل ليأسروه {وجادلوا} يعني خاصموا {بالباطل ليدحضوا} يعني ليبطلوا {به الحق} الذي جاءت به الرسل {فأخذتهم فكيف كان عقاب} يعني أنزلت بهم من الهلاك ما هموا هم بإنزاله بالرسل وقيل معناه فكيف كان عقابي إياهم أليس كان مهلكاً مستأصلاً {وكذلك حقت} أي وجبت {كلمة ربك} يعني كما وجبت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت {على الذين كفروا} يعني من قومك {إنهم} يعني بأنهم {أصحاب النار} قوله عز وجل: {الذين يحملون العرش} قيل حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أردفهم الله تعالى بأربعة أخر كما قال الله تعالى: {أية : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}تفسير : [الحاقة: 17] وهم أشرف الملائكة وأفضلهم لقربهم من الله عز وجل وهم على صورة الأوعال وجاء في الحديث إن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة جناحان منها على وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق وجناحان يهفو بهما في الهواء ليس لهم كلام غير التسبيح والتحميد والتمجيد ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء وقال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، ويروي أن أقدامهم في تخوم الأرضين والأرضون والسموات إلى حجزهم تسبيحهم سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح وقيل إن أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من التي تليها والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها. وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" تفسير : أخرجه أبو داود وأما صفة العرش فقيل إنه جوهرة خضراء وهو من أعظم المخلوقات خلقاً وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية كخفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام ويكسى العرش كل يوم ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله تعالى والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة وقال مجاهد بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة وقيل إن العرش قبلة لأهل السماء كما أن الكعبة قبلة لأهل الأرض قوله: {ومن حوله} يعني الطائفين به وهم الكروبيون وهم سادات الملائكة، قال وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون بالعرش يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء فإذا استقبل بعضهم بعضاً هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم على أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك أنت الأكبر والخلق كلهم إليك راجعون ومن وراء هؤلاء وهؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام واحتجب الله عز وجل من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجاباً من نار وسبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور وسبعين حجاباً من در أبيض وسبعين حجاباً من ياقوت أحمر وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر وسبعين حجاباً من ثلج وسبعين حجاباً من ماء وسبعين حجاباً من برد وما لا يعلمه إلا الله عز وجل. قوله تعالى: {يسبحون بحمد ربهم} أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق بجلاله والتحميد هو الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق {ويؤمنون به} أي يصدقون بأنه واحد لا شريك له ولا مثل له ولا نظير له. فإن قلت قدم قوله يسبحون بحمد ربهم على قوله {ويؤمنون به} ولا يكون التسبيح إلا بعد الإيمان فما فائدة قوله ويؤمنون به. قلت فائدته التنبيه على شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه. ولما كان الله عز وجل محتجباً عنهم بحجب جلاله وجماله وكماله وصفهم بالإيمان به. قال شهر بن حوشب حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك وأربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك قال وكأنهم يرون ذنوب بني آدم {ويستغفرون للذين آمنوا} أي يسألون الله تعالى المغفرة لهم قيل هذا الاستغفار من الملائكة مقابل لقولهم {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} تفسير : [البقرة: 30] فلما صدر هذا منهم أولاً تداركوه بالاستغفار لهم ثانياً وهو كالتنبيه لغيرهم فيجب على كل من تكلم في أحد بشيء يكرهه أن يستغفر له {ربنا} أي ويقولون ربنا {وسعت كل شيء رحمة وعلماً} أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء وفيه تنبيه على تقديم الثناء على الله تعالى بما هو أهله قيل المطلوب بالدعاء فلما قدموا الثناء على الله عز وجل قالوا {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} أي دينك {وقهم عذاب الجحيم} قال مطرف أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} ونزلت في الحرث بن قيس السلمي. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن جدالاً في القرآن كفر ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مراء في القرآن كفر ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي جهم رضي الله عنه قال: اختلف رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في آية فقال أحدهما: تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر أنا تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال: "حديث : أنزل القرآن على سبعة أحرف، وإياكم والمراء فيه فإن المراء كفر ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جدال في القرآن كفر ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} قال: إقبالهم، وإدبارهم، وتقلبهم في أسفارهم. وفي قوله {والأحزاب من بعدهم} قال: من بعد قوم نوح، عاد، وثمود، وتلك القرون. كانوا أحزاباً على الكفار {وهمت كل أمة برسولهم} ليأخذوه فيقتلوه {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا} قال: حق عليهم العذاب بأعمالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} قال: فسادهم فيها، وكفرهم {فأخذتهم فكيف كان عقاب} قال: والله شديد العقاب. أما قوله تعالى: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} . أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أعان باطلاً ليدحض بباطله حقاً فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ".
ابو السعود
تفسير : {مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} أي بالطعنِ فيَها واستعمالِ المقدماتِ الباطلةِ لإدحاضِ الحقِّ كقولِه تَعَالى: { أية : وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} تفسير : [سورة الكهف: الآية 56]. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بَها وأمَّا الذينَ آمنُوا فلا يخطرُ ببالهم شائبةُ شبهةٍ منها فضلاً عن الطعنِ فيها وأما الجدالُ فيها لحلِّ مشكلاتها وكشفِ معضلاتها واستنباطِ حقائقِها الكلية وتوضيحٍ مناهجِ الحقِّ في مضايقِ الأفهامِ ومزالقِ الأقدامِ وإبطالِ شبهِ أهلِ الزيغِ والضلالِ فمنْ أعظمِ الطاعاتِ ولذلكَ قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : إنَّ جدالاً في القرآنِ كفرٌ » تفسير : بالتنكيرِ للفرقِ بـينَ جدالٍ وجدالٍ والفاءُ فِي قولِهِ تَعَالَى {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ} لترتيبِ النَّهي أوْ وجوبِ الانتهاءِ عَلَى ما قبلها منَ التسجيلِ عليهمْ بالكُفرِ الذي لاَ شيءَ أمقت منْهُ عندَ الله تعالىَ وَلاَ أجلبُ لخُسرانِ الدُّنيا وَالآخرةِ فإنَّ منْ تحققَ ذلكَ لايكادُ يَغترُّ بمَا لهُم من حظوظِ الدُّنيا وزحارِفِها فإنَّهم مأخوذونَ عَمَّا قليلٍ أخْذَ منْ قبلَهمُ منَ الأممِ حسبَما ينطق بِه قولُه تَعَالَى {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} أي الذينَ تحزبُوا على الرسلِ وناصبوهم بعدَ قومِ نوحٍ مثلُ عادٍ وثمودَ وأضرابِهم {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ} مِنْ تلكَ الأممِ العاتيةِ {بِرَسُولِهِمْ} وَقُرىء برسولِها {لِيَأْخُذُوهُ} ليتمكنُوا منْهُ فيصيبوا بهِ مَا أرادُوا منِ تعذيبٍ أو قتلٍ منَ الأخذِ بمَعْنى الأَسْرِ {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ} الذي لاَ أصلَ وَلاَ حقيقةَ لهُ أصلاً {لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} الذي لا محيدَ عَنْه كما فعلَ هؤلاءِ المذكورونَ {فَأَخَذَتْهُمُ} بسببِ ذلك أخذَ عَزيزٍ مُقتدرٍ {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} الذي عاقبتُهمْ بهِ فإنَّ آثارَ دمارِهم عبرةٌ للناظرينَ ولآخذنَّ هؤلاءِ أيْضاً لاتحادِهم فِي الطريقةِ واشتراكِهم في الجَريرةِ كما ينبىءُ عنْهُ قولُه تعالَى: {وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ} أَيْ كَما وجبَ وثبتَ حكمُه تَعَالى وقضاؤُهُ بالتعذيبِ عَلى أولئكَ الأممِ المكذبةِ المُتحزبةِ عَلى رُسلِهم المجادلةِ بالباطلِ لإدحاضِ الحقِّ بهِ وجبَ أَيْضاً {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أيْ كفرُوا بكَ وتحزبُوا عليكَ وَهمُّوا بَما لَمْ ينالُوا كما ينبىءُ عنْهُ إضافةُ اسمِ الربِّ إلى ضميرِه عليه الصَّلاةُ وَالسلامُ فإنَّ ذلكَ للإشعارِ بأنَّ وجوبَ كلمةِ العذابِ عليهمْ مِنْ أحكامِ تربـيتِهِ التي مِنْ جُمْلتِها نصرتُهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ وتعذيبُ أعدائِهِ وذلكَ إنَّما يتحققُ بكونِ الموصولِ عبارةً عن كفارِ قومِهِ لاَ عنِ الأممِ المهلكةِ وَقولُه تعالَى {أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} فِي حَيِّزِ النصبِ بحذفِ لام التعليلِ أيْ لأنهُمْ مستحقَّو أشدِّ العُقوباتِ وأفظعِها التي هيَ عذابُ النارِ وَملازمُوهَا أبداً لكونهمْ كُفَّاراً معاندينَ متحزبـينَ عَلى الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كدأبِ منْ قبلهُم منَ الأممِ المهلكةِ فهُم لسائرِ فنونِ العقوباتِ أشدُّ استحقاقاً وأحقُّ استيجاباً وقيلَ: هو في محل الرفع على أنَّه بدل من كلمة ربك والمعنى مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرةِ المهلكةِ كونُهم من أصحابِ النارِ أي كما وجبَ إهلاكُهم في الدُّنيا بعذابِ الاستئصالِ كذلكَ وجبَ تعديبُهم بعذابِ النَّارِ في الآخرةِ وَمحلُّ الكافِ عَلى التقديرينِ النصبُ عَلى أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ.
التستري
تفسير : {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ}[4] يعني في الذات والقدرة والقرآن والسنة بهوى النفس، كما قال: {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ}[5] أي بالهوى من غير هدى من الله، كما قال: {أية : فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}تفسير : [آل عمران:66] إلا الذين كفروا وابتدعوا غير الحق.
السلمي
تفسير : قوله: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الآية: 4]. قال سهل: هو المجادلة فى الذات دون الفروع وقال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال: يدعون غير الحق. وقال بعضهم: هو الذى يجادل بالهوى لأن المتبع لا يجادل بل يقتدى. سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الطبرى يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: ما كانت زندقة ولا كفر ولا بدعة ولا جرأة فى الدين إلا من قبل الكلام والمراء والجدال والعجب كيف تجترئ الرجل على الجدال والمراء والله يقول: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.
القشيري
تفسير : إذا ظَهر البرهانُ واتَّضَحَ البيانُ استسلمَتْ الألبابُ الصاحيةُ للاستجابة والإيمان. فأمَّا أهلُ الكفرِ فلهم عَلَى الجمود إصرارٌ، وشُؤْمُ شِرْكِهم يحولُ بينهم وبين الإنصاف.. وكذلك من لا يحترمون اولياء الله، ويُصِرُّونَ على إنكارهم، ويعترضون عليهم بقلوبهم، ويجادلون في جَحْدِ الكرامات، وما يخصُّ اللَّهُ به عباده من الآيات.. فهؤلاء يميزون بين رجحانهم ونقصانهم، وسيفتضحون كثيراً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} اى ما يخاصم فى هذه الاشارت التى لهم الحق فيها من غوامض علومه الالهية الا اهل التقليد من المنكرين قال سهل هو المجادلة فى الذات دون الفروع وقال الا الذين كفروا ابتدعوا غير الحق قال الخواص ما كانت زندقه ولا كفر ولا بدعة ولا جرأة فى الدين الا من قبل الكلام والجدال والمراء والعجيب وكيف يجرى الرجل على الجدال والمراء والله يقول ما يجادل فى ايات الله الا الذين كفروا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما يجادل فى آيات الله} الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة ومعنى المفاوضة بالفارسية كارى راندن باكسى. واصله من جدلت الحبل احكمت فتله فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه قال ابو العالية نزلت فى الحارث ابن قيس احد المستهزئين. يعنى از جمله مستهزيان بود وسخت خصومت بباطل درانكار وتكذيب قرآن والمعنى ما يخاصم فى آيات الله بالطعن فيها بان يقول فى حقها سحرا وشعرا واساطير الاولين او نحو ذلك وباستعمال المقدمات الباطلة لادحاضه وازالته وابطاله لقوله تعالى وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فحمل المطلق على المقيد واريد الجدال بالباطل {الا الذين كفروا} بها واما الذين آمنوا فلا يخطر ببالهم شائبة شهة منها فضلا عن الطعن فيها واما الجدال فيها لحل مشكلاتها واستنباط حقائقها وابطال شبه اهل الزيغ والضلال فمن اعظم الطاعات كجهاد فى سبيل الله ولذلك قال عليه السلام ان جدالا فى القرءآن كفر بتنكير جدالا الدال على التنويع للفرق بين جدال وجدال ومما حرره حضرة شيخى وسندى فى مجموعة من مجموعات هذا الفقير فى ذيل هذه الآية قوله فكفار الشريعة يجادلون فى آيات القرءآن الرسمى فيكون جدالهم رسميا لكونه فى الآيات الرسمية فهم كفار الرسوم كما انهم كفار الحقائق وكفار الحقيقة يجادلون فى آيات القرءآن الحقيقى فيكون جدا لهم حقيقيا لكونه فى الآيات الحقيقية فهم كفار الحقائق فقط لا كفار الرسوم فعليك يا ولدى الحقى سمى الذبيح بترك الكفر والجدال مطلقا حتى تكون عند الله وعند الناس مؤمنا حقا ومسلما صدقا هذا سبيل الصواب والرشاد واليه الدعوة والارشاد وعلينا وعليكم القبول والاسترشاد وهو الفرض الواجب على جميع العباده انتهى {فلا يغررك تقلبهم فى البلاد} الفاء جواب شرط محذوف والغرة غفلة فى اليقظة والتقلب بالفارسية كرديدن قال فى المفردات التقلب التصرف والبلاد شهرها. قال الراغب البلد المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه واقامتهم فيه وجمعه بلاد وبلدان والمعنى فاذا علمت انهم محكوم عليهم بالكفر فلا يغررك امهالهم واقبالهم فى دنياهم وتقلبهم فى بلاد الشام واليمن للتجارات المربحة وهى رحلة الشتاء والصيف. يعنى بدل مبارك ايشانرا فرصتى ومهلتى هست. فانهم مأخوذون عما قريب بسبب كفرهم اخذ من قبلهم من الامم كما قال كذبت الخ قال فى عين المعانى فلا يغررك ايها المغرور والمراد غيره صلى الله تعالى عليه وسلم خطاب للمقلدين من المسلمين انتهى وفى الآية اشارة الى أن اهل الحرمان من كرامات اولياء الله وذوق مشاربهم ومقاماتهم يصرون على انكارهم تخصيص الله عباده بالآيات ويعترضون عليهم بقلوبهم فيجادلون فى جحد الكرامات وسيفتضحون كثيرا ولكنهم لا يميزون بين رجحانهم ونقصانهم فلا يغررك تقلبهم فى البلاد لتحصيل العلوم فان تحصيل العلوم اذا كان مبنيا على الهوى والميل الى الدنيا فلا يكون له نور يهتدى به الى ما خصص به عباده المخلصين (قال المولى الجامى) شعر : بيجاره مدعى كند اظهار علم وفضل نشاخته قبول ودرجيـ ازردى
الجنابذي
تفسير : {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} فى اخفائها وابطالها والاستهزاء بها {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالولاية التّكوينيّة والولاية التّكليفيّة فانّ الكفر بالله وبملائكته وكتبه ورسله ونعمه واليوم الآخر لا يكون الاّ بعد الكفر بالولايتين فانّ الانسان ما لم يستر وجهة القلب الّتى هى الولاية التّكوينيّة وليست الولاية التّكليفيّة الاّ معينةً لكشف الحجاب عن تلك الوجهة لا يكفر بالله ولا بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونعمه {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} بالتّجارات الرّابحة والاعتبارات الّتى هى راجعة الى الدّنيا لانّهم مأخوذون عن قريبٍ كما اخذ الّذين من قبلهم.
اطفيش
تفسير : {مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللهِ} بالباطل طعناً فيها وقصداً الى ادحاض الحق واطفاء نور الله* {إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} بها عناداً لوضوح الحق ان الحق لا يخفي على ذي بصيرة ولو كان لم يعدم خلاف معاند واما الجدال فيها لايضاح ملتبسها وحل مشكلها واستنباط معانيها والرد على من زاغ كقومنا فجهاد عظيم في سبيل الله فيسهل الله له سبيله ومعه الله لاحسانه فليخلص نيته ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان جدالاً في القرآن كفر" تفسير : والتكبر جدال أي نوع من الجدال كفر وهو المذكور في القرآن قال أبو العالية آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن يعنى خوف الجدال المحرم قوله: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} وقوله: {أية : وان الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المراء في القرآن كفر" تفسير : وسمع قوماً يتمارون فقال: "حديث : انما هلك من كان قبلكم بهذا وضربوا كتاب الله بعضه ببعض وانما أنزل الكتاب يصدق بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم فكِلوه الى عالمه"تفسير : . وسمع رجلين يختلفان في آية فخرج فقال: "حديث : انما هلك من قبلكم باختلافهم في الكتاب" تفسير : والفاء في قوله* {فَلاَ يَغْرُرْكَ} للسببية ووجهها ان الله شهد عليهم بالكفر لجدالهم شقاوة وأهل هوان فيجب على من تحقق ذلك أن لا يعتقد لهم فضلاً ولا يرجح لهم حالاً كأنه قال اذا كانوا كفاراً فلا يغررك {تَقَلُّبُهُمْ} اقبالهم وذهابهم بالتجارة النافعة والمكاسب المربحة والمزارع والمساكن أي يتصرفون بذلك {فِي الْبِلاَدِ} بلاد الشام واليمن وغيرهما كانت قريش يتقلبون فيها بأموال مصيرهم ومصيره الزوال وأمامه شقاوة الابد لجدالهم كفراً وانتقام منهم لعدم شكرهم على تلك الأموال والابدان أخذوا من غير حل ووضعوا في غير حل استعانوا على الكفر وقرئ فلا (يغرك) بعدم الفك بضم الراء مشددة أو فتحها أو كسرها وضرب فيهم مثلاً بقوله* {كَذَّبَتْ}.. الخ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتصبيراً له وردعاً لهم أي يؤخذون عن قريب كما أخذ من قبلهم لتكذيبهم وجدالهم. {قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ} الذين تحزبوا وتجمعوا على رسلهم تكذيباً وجدالاً* {مِن بَعْدِهِمْ} أي بعد قوم نوح كعاد وثمود وفرعون وغيرهم {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ} من قوم نوح والأحزاب بعدهم {بِرَسُولِهِمْ} وقرئ برسولها* {لِيَأْخُذُوهُ} ليقتلوه ويهلكوه كما قال: (فأخذتهم). قاله ابن عباس وقتادة والعرب تقول للقتيل أخيذ وقيل: (ليأخذوه) ليعذبوه وقيل ليأسروه يقولون فلان أخذ أي أسر* {وَجَادَلُواْ بِالْبَاطِلِ} بما لا حقيقة له* {لِيُدْحِضُوا} أي يزيلوا ويبطلوا* {بِهِ ٱلْحَقَّ} الذي جاء به الرسل* {فَأَخَذْتُهُمْ} أى أهلكتهم وعذبتهم جزاء لهم وجدالهم أرادوا أن يكونوا آخذين فكانوا مأخوذين* {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} تقرير وتعجيب بما صار فيهم فانكم تمرون على مساكنهم فتعاينون أثر الأخذ والاهلاك نزل بهم ما أرادوا نزوله بالرسل وقيل المراد أليس عقابي مستأصلاً لهم.
اطفيش
تفسير : {ما يجادل} بالرد والانكار {في آيات الله إلا الَّذين كَفَروا} كالحارث بن قيس السلمى، كما قيل: نزلت فيه، وأما جدال المؤمن المشركين، وأهل البدع فجدال به لا جدال فيه، وكذا جدال المؤمنين فيما بينهم استنباطا أو ايضاحا، فجدال به لا فيه، والجدال عليه بالحديث أو غيره جائز، وعبادة وهب أنه جدال فيه، لكن لا بانكاره، فهو عبادة وقد قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إن جدالا في القرآن كفر" تفسير : ويروى المراد فى القرآن كفر فمعناه أن نوعا منه كفر وهو الجدال بانكاره، ولذا قال: "جدالا" بالتنكير وقال: {في آيات الله} ولم يقل فيه باضافة جنسية، لأن الجدال ولو فى آية واحدة كفر كذا قيل، وفيه أنه لو قال: ما يجدل فيه لاحتمل الجدال فى كله أو بعضه، الا أن يقال فيه، والمراد فى شأنه. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع قوما يتمارون فقال:"حديث : إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما أنزل الله عز وجل الكتاب بعضه يصدق بعضا لا تكذبوا بعضه ببعض، فما عملتم منه فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه" تفسير : ويروى أنه صلى الله عليه وسلم، سمع صوت رجلين اختلفا فى آية فخرج يعرف الغضب فى وجهه فقال: " حديث : إنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم فى الكتاب ". تفسير : {فلا يغررك تقَلبُهُم في البلاد} الشام واليمن، أو مع غيرهما فى الشتاء والصيف، كما قال: "أية : لإيلاف قريش" تفسير : [قريش: 1] مع امهالهم وتوسيع رزقهم على ما قبله، عطف طلب على اخباراً أو جواب لمحذوف، أى إذا علمت تصميمهم على الكفر فلا يغررك، أى لا يوهمنك أن إمهالهم والتوسيع عليهم لرضا الله عنهم، بل استدراج يزداد دون به شرا على أنفسهم، فاذا تم أجلهم أهلكهم كمن قبلهم.
الالوسي
تفسير : {مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } نزلت على ما قال أبو العالية في الحرث بن قيس السلمي أحد المستهزئين. والمراد بالجدال الجدال بالباطل من الطعن في الآيات والقصد إلى إدحاض الحق وإطفاء نور الله عز وجل لقوله تعالى بعد: {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } فإنه مذكور تشبيهاً لحال كفار مكة بكفار الأحزاب من قبل وإلا فالجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحل مشكلها ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ عنها أعظم جهاد في سبيل الله تعالى؛ وفي قوله صلى الله عليه وسلم وقد أخرجه عبد بن حميد عن أبـي هريرة مرفوعاً: «حديث : إن جدالاً في القرآن كفر»تفسير : إيماء إلى ذلك حيث ذكر فيه جدالاً مُنَكَّراً للتنويع فأشعر أن نوعاً منه كفر وضلال ونوعاً آخر ليس كذلك. والتحقيق كما في «الكشف» أن المجادلة في الشيء تقتضي أن يكون ذلك الشيء إما مشكوكاً عند المجادلين أو أحدهما أو منكراً كذلك، وأياً ما كان فهو مذموم اللهم إلا إذا كان من موحد لخارج عن الملة أو من محقق لزائغ إلى البدعة فهو محمود بالنسبة إلى أحد الطرفين، وأما ما قيل: إن البحث فيها لإيضاح الملتبس ونحوه جدال عنها لا فيها فإن الجدال يتعدى بعن إذا كان للمنع والذب عن الشيء وبفي لخلافه كما ذكره الإمام وبالباء أيضاً كما في قوله تعالى: {أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }تفسير : [النحل: 125] ففيه بحث. وفي قوله تعالى: {في آيات الله } دون ـ فيه ـ بالضمير العائد إلى {أية : ٱلْكِتَابِ}تفسير : [غافر: 2] دلالة على أن كل آية منه يكفي كفراً لمجادله فكيف بمن ينكره كله ويقول فيه ما يقول، وفيه أن كل آية منه آية أنه من الله تعالى الموصوف بتلك الصفات فيدل على شدة شكيمة المجادلة في الكفر وأنه جادل في الواضح الذي لا خفاء به. ومما ذكر يظهر اتصال هذه الآية بما قبلها وارتباط قوله تعالى: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ } بها أي إذا علمت أن هؤلاء شديدو الشكائم في الكفر قد خسروا الدنيا والآخرة حيث جادلوا في آيات الله العزيز العليم وأصروا على ذلك فلا تلتفت لاستدراجهم بتوسعة الرزق عليهم وإمهالهم فإن عاقبتهم الهلاك كما فعل بمن قبلهم من أمثالهم مما أشير إليه بقوله سبحانه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } الخ. والتقلب الخروج من أرض إلى أخرى. والمراد بالبلاد بلاد الشام واليمن فإن الآية في كفار قريش وهم كانوا يتقلبون بالتجارة في هاتيك البلاد ولهم رحلة الشتاء لليمن ورحلة الصيف للشام، ولا بأس في إرادة ما يعم ذلك وغيره. وقرأ زيد بن علي وعبيدة بن عمير {فلا يغرك} بالإدغام مفتوح الراء وهي لغة تميم والفك لغة الحجازيين. وبدأ بقوم نوح لأنه عليه الصلاة والسلام على ما في «البحر» أول رسول في الأرض أو لأنهم أول قوم كذبوا رسولهم وعتوا عتواً شديداً. {وَٱلاْحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ } أي / والذين تحزبوا واجتمعوا على معاداة الرسل عليهم السلام من قوم نوح كعاد وثمود وقوم فرعون. {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ } من تلك الأمم {بِرَسُولِهِمْ } وقرأ عبد الله {برسولها} رعاية اللفظ الأمة {لِيَأْخُذُوهُ } ليتمكنوا من إيقاع ما يريدون به من حبس وتعذيب وقتل وغيره، فالأخذ كناية عن التمكن المذكور، وبعضهم فسره بالأسر وهو قريب مما ذكر، وقال قتادة: أي ليقتلوه. {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ } بما لا حقيقة له قيل هو قولهم: {أية : مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } تفسير : [يس: 15] والأولى أن يقال هو كل ما يذكرونه لنفي الرسالة وتحسين ما هم عليه، وتفسيره بالشيطان ليس بشيء {لِيُدْحِضُواْ } ليزيلوا {بِهِ } أي بالباطل، وقيل: أي بجدالهم بالباطل {ٱلْحَقّ } الأمر الثابت الذي لا محيد عنه {فَأَخَذْتُهُمُ } بالإهلاك المستأصل لهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } فإنكم تمرون على ديارهم وترون أثره، وهذا تقرير فيه تعجيب للسامعين مما وقع بهم، وجوز أن يكون من عدم اعتبار هؤلاء. واكتفى بالكسرة عن ياء الإضافة في (عقاب) لأنه فاصلة. واختلف في المسبب عنه الأخذ المذكور فقيل: مجموع التكذيب والهم بالأخذ والجدال بالباطل، واختار الزمخشري كونه الهم بالأخذ، وقال في «الكشف»: وذلك لأن قوله تعالى: {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ } هو التكذيب بعينه والأخذ يشاكل الأخذ وإنما التكذيب موجب استحقاق العذاب الأخروي المشار إليه بعد، ولا ينكر أن كليهما يقتضي كليهما لكن لما كان ملاءمة الأخذ للأخذ أتم والتكذيب للعذاب الأخروي أظهر أنه متعلق بالأخذ تنبيهاً على كمال الملاءمة، ثم المجادلة العنادية ليس الغرض منها إلا الإيذاء فهي تؤكد الهم من هذا الوجه بل التكذيب أيضاً يؤكده، والغرض من تمهيد قوله تعالى: {مَا يُجَـٰدِلُ } وذكر الأحزاب الإلمام بهذا المعنى، ثم التصريح بقوله سبحانه: {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ } يدل على ما اختاره دلالة بينة فلا حاجة إلى أن يعتذر بأنه إنما اعتبر هذا لا ما سيق له الكلام من المجادلة الباطلة للتسلي انتهى، والإنصاف أن فيما صنعه جار الله رعاية جانب المعنى ومناسبة لفظية إلا أن الظاهر هو التفريع على المجموع كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني نشأ من قوله: {أية : تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِن الله العَزيز العَليم}تفسير : [غافر: 2] المقتضي أن كون القرآن منزلاً من عند الله أمرٌ لا ريب فيه كما تقدم، فينشأ في نفوس السامعين أن يقولوا: فما بال هؤلاء المجادلين في صدق نسبة القرآن إلى الله لم تقنعهم دلائل نزول القرآن من الله، فأجيب بأنه ما يجادل في صدق القرآن إلا الذين كفروا بالله وإذ قد كان كفر المكذبين بالقرآن أمراً معلوماً كان الإِخبار عنهم بأنهم كافرون غير مقصود منه إفادة اتصافهم بالكفر، فتعين أن يكون الخبر غير مستعمل في فائدة الخبر لا بمنطوقه ولا بمفهومه، فإن مفهوم الحصر وهو: أن الذين آمنوا لا يجادلون في آيات الله كذلك أمر معلوم مقرر، فيجوز أن يجعل المراد بالذين كفروا نفس المجادلين في آيات الله وأن المراد بكفرهم كفرهم بوحدانية الله بسبب إشراكهم، فالمعنى: لا عجب في جدالهم بآيات الله فإنهم أتوا بما هو أعظم وهو الإِشراك على طريقة قوله تعالى: {أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا اللَّه جهرة}تفسير : [النساء: 153]. ويجوز أن يجعل المراد بالذين كفروا جميع الكافرين بالله من السابقين والحاضرين، أي ما الجَدل في آيات الله إلا من شأن أهل الكفر والإِشراك، ومجادلة مشركي مكة شعبة من شعب مجادلة كل الكافرين، فيكون استدلالاً بالأعمّ على الخاص، وعلى كلا الوجهين تُرك عطف هذه الجملة على التي قبلها. والمراد بالمجادلة هنا المجادلة بالباطل بقرينة السياق فمعنى {في آيات الله} في صدق آيات الله بقرينة قوله: {أية : تَنزِيل الكِتَاب مِن الله العَزيز العليم}تفسير : [غافر: 2] فتعين تقدير مضاف دل عليه المقام كما دَل قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {أية : يجادلنا في قوم لوط}تفسير : [هود: 74]، على تقدير: في إهلاك قوم لوط، فصيغة المفاعلة للمبالغة في الفعل من جانب واحد لإِفادة التكرر مثل: سافر وعافاه الله، وهم يتلونون في الاختلاق ويعاودون التكذيب والقولَ الزور من نحو قولهم: {أية : أساطير الأولين} تفسير : [الأنعام: 25]، {أية : سحر مبين}تفسير : [المائدة: 110]، {أية : قول كاهن}تفسير : [الحاقة: 42]، {أية : قول شاعر}تفسير : [الحاقة: 41] لا ينفكون عن ذلك. ومن المجادلة توركهم على الرسول صلى الله عليه وسلم بسؤاله أن يأتيهم بآيات كما يقترحون، نحو قولهم: {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] الآيات وقولهم: {أية : لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً}تفسير : [الفرقان: 7] الآيات. وقد كان لتعلق {في} الظرفية بالجدال، ولدخوله على نفس الآيات دون أحوالها في قوله: {مَا يُجَادِلُ في آيات الله} موقعٌ عظيم من البلاغة لأن الظرفية تحْوِي جميعَ أصناف الجدال، وجُعل مجرورُ الحرف نفسَ الآيات دون تعيين نحو صدقِها أو وقوعها أو صنفها، فكان قوله: {في آيات الله} جامعاً للجدل بأنواعه ولمتعلِّق الجدل باختلاف أحواله والمراد الجدال بالباطل كما دل عليه تنظير حالهم بحال من قال فيهم {أية : وجادلوا بالباطل} تفسير : [غافر: 5] فإذا أريد الجدال بالحق يقيد فعل الجدال بما يدل عليه. والمعنى: ما يجادل في آيات الله أنها من عند الله، فإن القرآن تحدّاهم أن يأتوا بمثله فعجزوا، وإنما هو تلفيق وتستر عن عجزهم عن ذلك واعتصام بالمكابرة فمجادلتهم بعدما تقدم من التحدّي دالة على تمكن الكفر منهم وأنهم معاندون وبذلك حصل المقصود من فائدة هذا وإلاّ فكونهم كفاراً معلوم. وإظهار اسم الجلالة في قوله: {ما يجادل في آيات الله} دون أن يقول: في آياته، لتفظيع أمرها بالصريح لأن ذكر اسم الجلالة مؤذن بتفظيع جدالهم وكفرهم وللتصريح بزيادة التنويه بالقرآن. وفُرع قوله: {فَلا يَغرُرك تَقَلُّبهم في البِلادِ} على مضمون {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} لما علمت من أن مقتضى تلك الجملة أن المجادلين في آيات الله هم أهل الكفر، وذلك من شأنه أن يثير في نفس من يراهم في متعة ونعمة أن يتساءل في نفسه كيف يتركهم الله على ذلك ويظنَّ أنهم أمنوا من عذاب الله، ففرع عليه الجواب {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} أي إنما هو استدراج ومقدار من حلم الله ورحمته بهم وقتاً مَّا، أو أن معناه نحن نُعلمُ أنهم يجادلون في آياتنا إصراراً على الكفر فلا يوهمْك تقلبهم في البلاد أنا لا نؤاخذهم بذلك. والغرور: ظن أحد شيئاً حسناً وهو بضده يقال: غَرّك، إذا جعلك تظن السيّىء حسناً. ويكون التغرير بالقول أو بتحسين صورة القبيح. والتقلب: اختلاف الأحوال، وهو كناية عن تناول محبوب ومرغوب. و {البلاد} الأرض، وأريد بها هنا الدنيا كناية عن الحياة. والمخاطب بالنهي في قوله: {فلا يغررك} يجوز أن يكون غيرَ معين فيعم كل مَن شأنه أن يغره تقلب الذين كفروا في البلاد، وعلى هذا يكون النهي جارياً على حقيقةِ بابه، أي موجهاً إلى من يتوقع منه الغرور، ومثله كثير في كلامهم، قال كعب بن زهير:شعر : فلا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ وما وعدت إِنَّ الأَمَانِيَّ والأَحلامَ تضليل تفسير : ويجوز أن يكون الخطاب موجهاً للنبي صلى الله عليه وسلم على أن تكون صيغة النهي تمثيلية بتمثيل حال النبي صلى الله عليه وسلم في استبطائه عقاب الكافرين بحال من غرّهُ تقلبهم في البلاد سالمين، كقوله تعالى: {أية : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}تفسير : [الحجر: 3]. والمعنى: لا يوهمنك تناولهم مختلف النعماء واللذات في حياتهم أننا غير مؤاخذينهم على جدالِهم في آياتنا، أو لا يوهمنك ذلك أننا لا نعلم ما هم عليه فلم نؤاخذهم به تنزيلاً للعالم منزلة الجاهل في شدة حزن الرسول صلى الله عليه وسلم على دوام كفرهم ومعاودةِ أذاهم كقوله: {أية : ولا تحسبن اللَّه غافلاً عما يعمل الظالمون}تفسير : [إبراهيم: 42]، وفي معنى هذه قوله تعالى: {أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}تفسير : وتقدمت في [آل عمران: 196، 197].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه لا يجادل في آيات الله، أي لا يخاصم فيها محاولاً ردها، وإبطال ما جاء فيها، إلا الكفار. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع الغرض الحامل لهم على الجدال فيها مع بعض صفاتهم، وذلك في قوله {أية : وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً} تفسير : [الكهف: 56] وأوضح ذلك الغرض، في هذه السورة الكريمة، في قوله {أية : وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} تفسير : [غافر: 5]. وقد قدمنا في سورة الحج أن الذين يجادلون في الله منهم، أتباع يتبعون رؤساءهم المضلين، من شياطين الإنس والجن، وهم المذكورون في قوله تعالى {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الحج: 3ـ4]. وإن منهم قادة هم رؤساؤهم المتبوعون وهم المذكورون في قوله تعالى: {أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحج: 8ـ9] الآية. وبين تعالى في موضع آخر أن من أنواع جدال الكفار، جدالهم للمؤمنين الذين استجابوا لله وآمنوا به وبرسوله، ليردوهم إلى الكفر بعد الإيمان، وبين بطلان حجة هؤلاء، وتوعدهم بغضبه عليهم، وعذابه الشديد وذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} تفسير : [الشورى: 16]. قوله تعالى: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ}. نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، ليشرع لأمته عن أن يعزه تقلب الذين كفروا في بلاد الله، بالتجارات والأرباح، والعافية وسعة الرزق، كما كانت قريش تفيض عليها الأموال من أرباح التجارات، وغيرها من رحلة الشتاء والصيف المذكورة في قوله تعالى: {أية : إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} تفسير : [قريش: 2] أي إلى اليمن والشام وهم مع ذلك كفرة فجرة، يكذبون نبي الله ويعادونه. والمعنى: لا تغتر بإنعام الله عليهم وتقلبهم في بلاده، في إنعام وعافية فإن الله جل وعلا يستدرجهم بذلك الإنعام، فيمتعهم به قليلاً، ثم يهلكهم فيجعل مصيرهم إلى النار. وقد أوضح هذا المعنى في آيات من كتابه كقوله تعالى: {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} تفسير : [آل عمران: 196ـ197]. وقوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [لقمان: 23ـ24] وقوله تعالى: {أية : قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [البقرة: 126] وقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} تفسير : [يونس: 69ـ70] إلى غير ذلك من الآيات. والفاء في قوله: فلا يغررك، سببية أي لا يمكن تقلبهم في بلاد الله. متنعمين بالأموال والأرزاق، سبباً لاغترارك بهم، فتظن بهم ظناً حسناً لأن ذلك التنعم، تنعم استدراج، وهو زائل عن قريب، وهم صائرون إلى الهلاك والعذاب الدائم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُجَادِلُ} {آيَاتِ} {ٱلْبِلاَدِ} (4) - لاَ يُخَاصِمُ فِي القُرْآنِ بِالطَّعْنِ فِيهِ، وَتَكْذِيبِهِ، وَلاَ يَدْفَعُ الحَقَّ بِالبَاطِلِ بَعْدَ البَيَانِ، وَظُهُورِ البُرْهَانِ، إِلاَّ الجَاحِدُونَ لآيَاتِ اللهِ وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، المَعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ مَعَ ظُهُورِهِ وَوُضُوحِهِ. فَلاَ يَغْرُرْكَ انْتِقَالُهُمْ فِي البِلاَدِ، وَأَسْفَارُهُمْ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ والتَّكَسُّبِ، ثُمَّ عَوْدَتُهُمْ سَالِمِينَ، بَعْدَ كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُم الهَلاَكُ. فَلاَ يَغْرُرْكَ - فَلاَ يَخْدَعَنكَ. تَقَلُّبُهُمْ - تَنْقُّلُهُمْ فِي أَسْفَارِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ فَهُوَ اسْتِدْرَاجٌ لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الرسول صلى الله عليه وسلم جاء رسولاً من عند الله بما يُخرج الجاهلية إلى مقام العلم عن الله، وبذلك تتطهر حركة حياتهم من كل ما يعطي في الكون ذبذبة أو كلّ ما يعطي في الكون تعانداً حتى يصير الكون كله متسانداً متعاضداً، بحيث لا يبني واحد ويهدم الآخر، فيقول سبحانه: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [غافر: 4]. الجدل: إبرام الشيء إبراماً حقيقياً بحيث يستحيل أنْ ينقض، وهذه المسألة مثل عملية فَتْل الحبال عندنا في الفلاحين، حيث يأخذ الرجل شعيرات التيل المعروف ويظل يبرم فيها، إلى أنْ تتداخل الشعيرات وتتماسك وتتداخل، لذلك نرى الحبل قوياً متيناً. وسُمِّي المراءُ بين الناس جدلاً، لأن كل واحد من الطرفين يريد أن يُحكِّم منطقه وحجته ليغلب الآخر، فكلٌّ منهم يجادل لحساب نفسه، صاحب الحق يجادل لإظهار حقه، وصاحب الباطل يجادل ليُحِقَّ باطله. أي: يُظهره في صورة الحق. لكن هل الجدل مذموم في ذاته؟ لا، لأن الجدل بحسب الغاية منه؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [العنكبوت: 46] فدلَّ ذلك على أن في الجدل ما هو حسن وأحسن، والجدل الحسن هو الذي يسعى لإيجاد الحجة على أن الحق حق والباطل باطل، فإنْ كان العكس فهو جدل باطل مذموم. لذلك نفهم من قوله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [غافر: 4] أن هذا هو الجدل الباطل لأن الجدل يكون عنها لا فيها، يجادل عنها أي: يدافع عنها ليثبت صدقها ويُظهر الحق الذي جاءتْ به، أما يجادل في الآيات. أي: يحاول التشكيك فيها وتكذيبها. وقلنا: إن آيات الله على ثلاثة أنواع، وهذه هي التي يحدث فيها الجدل: الآيات الكونية التي تشهد بوجود الخالق الأعلى سبحانه، والآيات البينات المعجزة التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن ربه، والآيات القرآنية التي تحمل الأحكام. فالآيات الكونية التي تثبت قدرة الله الخالق الأعلى سبحانه هي التي نشاهدها في الأرض وفي السماء، في الشمس والقمر والنجوم والماء والهواء .. إلخ وهذه الآيات أوجدها الخالق سبحانه على هيئة الصلاح، وعلى قانون ثابت لا يتخلف، ولا دَخْلَ للإنسان في حركتها. وسبق أنْ قلنا: إن الفساد في الكون يطرأ من تدخل الإنسان وامتداد يده إلى مخلوقات الله بغير قانون الله الذي خلق، ولو تدخَّل الإنسان في الأشياء بقانون الخالق ما رأينا هذا الفساد الذي يعمّ الكون الآن؛ لذلك يوضح لنا الحق سبحانه هذه القضية، فيقول: {أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} تفسير : [الأعراف: 56]. والمعنى: أن الحق سبحانه خلق الأرض على هيئة الصلاح، فإياكم أنْ تفسدوها؛ لذلك يرجع الحق سبحانه الفساد الحادث في الأرض إلى الناس، فيقول: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الروم: 41]. نعم، لوَّثنا المياه وألقينا فيها النفايات والمخلَّفات فماتت الأسماك وظهرت الأمراض، أفسدنا الهواء وأفسدنا التربة الزراعية .. إلخ ذلك لأننا تدخَّلنا في مخلوقات الله بغير قانون الله، وبغير منهج الله الذي وضعه لصلاح الكون. لكن أيّ هذه الآيات الثلاث يجادل فيها الكافرون؟ بالطبع هم لا يجادلون في الآيات الكونية ولا يتعرضون لها، لأنهم أولاً ينتفعون بها ويروْنَ فيها نظاماً دقيقاً محكماً لا يشذّ ولا يتخلف، فلا مجالَ إذن للجدل فيها. إنما يجادلون في الآيات الأخرى في آية المعجزة، وفي آيات الكتاب حاملةً الأحكام فيُشككون فيها. أما المعجزة فقالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: اعتراضهم هنا ليس على القرآن في ذاته إنما في مَنْ أنزل عليه، فالقرآن في نظرهم لا غبارَ عليه لولا أنه نزل على محمد، لكن كفرهم يُوقعهم في التناقض فيقولون: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. وكان المفترض بالعقل أنْ يقولوا: فاهدنا إليه، فهذا دليل على شكِّهم في القرآن وعدم تصديقهم لما جاء به؛ لذلك حكى القرآن عنهم قولهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26]. وتأمل هنا النهي عن مجرد السماع للقرآن، لماذا؟ لأنهم عرب ولهم فطرة لغوية وخبرة بالأداء والبيان، فلو استمعوا للقرآن لابدَّ أنْ يتأثروا به، وكل من استمع القرآن بقلب خَالٍ من ضده لابد أنْ يقتنع به، وإلا فلماذا كان نهيهم عن مجرد السماع؟ لذلك لا يكتفون بالنهي عن السماع بل يُشوِّشون عليه حتى لا يتمكن السامع من السماع {أية : وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26] هذا دليلٌ على القرآن لو تُرِكَ ليصل إلى الآذان لابدَّ أنْ ينفذ إلى القلوب فيعمرها ويلفتها إلى الحق إنْ كان الذهن خالياً من الباطل، فإنْ كان القلب مشغولاً بعقيدة مخالفة لا يتأثر، بدليل قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً} تفسير : [محمد: 16]. وقال فيمَنْ يؤثر فيه سماع القرآن: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} تفسير : [التوبة: 124]. فإنْ قلتَ: كيف يكون للشيء الواحد أثران متضادان؟ نقول: لأن القابل للفعل مختلف، وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بالنفخ في الأيدي للتدفئة في البرد، والنفخ في كوب الشاي الساخن ليبرد، فالنفَس واحد لكن القابل للنفَس مختلف، ولا شكَّ أن حرارة النفَس أقلُّ من حرارة كوب الشاي، لكنها أشدُّ من الحرارة في الأيدي وقت الشتاء, كذلك يختلف أثر القرآن بالنسبة للسامع. لذلك ينبغي عند سماع القرآن ألاَّ توجد حُجب تحجبه عن القلب، والحق سبحانه وتعالى يمنع لغط الجماهير في الجدل البياني، ففي الضوضاء تختلط الأصوات وتتداخل، وتُستر عيوب الشخص في الآخرين، وهذا يحدث مثلاً في المظاهرات فلا نستطيع أن نسند الصوت إلى صاحبه، وهذه المسألة توضح لنا الحكمة من قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110]. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يقولون: ما الميزة في علم الجهر والجميع يعلمه، فلماذا يمتنّ الله بعلمه؟ نقول: قوله تعالى: {أية : وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110] دلَّ على أن الجهر أيضاً من الجماعة بمعنى: ويعلم ما تجهرون، فالحق سبحانه هو الذي يعلم كلَّ صوت ويعلم صاحبه، ويميز الأصوات ويردها إلى أصحابها، وهذه العملية في ذاتها أصعب من علم الكتمان. ومن جدالهم في آيات الله قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ساحر وكاهن، وقولهم عنه شاعر .. إلخ وهذه أقوال باطلة مردودة على أصحابها والرد عليها يسير، فلو كان محمد ساحراً سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يسحركم أيضاً كما سحرهم؟ إذن: بقاؤكم على حالتكم هذه دليلٌ على كذبكم في هذا الاتهام، أما كاهن فما جربتم عليه قبل ذلك شيئاً من الكهانة، ولا سمعتم منه كلاماً كالذي يقوله الكهان. والأعجب من ذلك أنْ يتهموا رسول الله بأنه شاعر، وأن ما يقوله شعر، وهم أمة الشعر وفرسان هذا الميدان، وهم أدرى الناس به، ومَنْ كان عنده أدنى دراية باللغة يستطيع أنْ يُفرِّق بين الشعر والنثر وأن يتذوَّق كلاً منهما ويشعر به إذا انتقل مثلاً من الشعر إلى النثر، أو من النثر إلى الشعر. فحين تقرأ مثلاً: هذا العتب محمود عواقبه، وهذه الجفوة غمرة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أنْ أبطأ سيبه أو أخطأ غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدِّلاء فَيْضاً أملؤها، وأثقل السحائب مَشياً أحفلها، ومع اليوم غد ولكل أجل كتاب. شعر : فإنْ يكُنْ الفِعْلُ الذِي سَاءَ وَاحِداً فَأفْعَالُه اللاَّئِي سُرِرْنَ أُلُوفُ تفسير : لابدّ إذن أن تفرق ههنا بين الشعر والنثر، فكيف بهم وهم أمة البلاغة والفصاحة، الأمة التي جعلت للحكمة أسواقاً ومعارض، ومع ذلك لا يفرِّقون بين الشعر والقرآن. القرآن ليس شعراً، بل هو نسيج فريدٌ وحده، واقرأ مثلاً: {أية : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ ..} تفسير : [يوسف: 31-32]. هكذا كلام نَثْر كله لا تشعر فيه بشيء من الشعر، ومع ذلك لو أخذت مثلاً: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} تفسير : [يوسف: 32] لوجدتها على وزن من أوزان الشعر، كذلك في قوله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الحجر: 49] لو حَوَّلتها إلى تفعيلات تعطيك بحراً من بحور الشعر، لكن لا تشعر أبداً أنك انتقلتَ من شعر إلى نثر، أو من نثر إلى شعر، ذلك لأن القرآن كما قلنا نسيج وحده. لذلك قلنا: إن كماله لا يتعدى إلى غيره، فالفقيه الحافظ للقرآن تجده يجيد القراءات السبع، ومع ذلك لا يجيد كتابة خطاب، ونحن ننصح الطلاب بقراءة كتب الأدب مثل كتب المنفلوطي أو العقاد مثلاً ليستقيم أسلوبهم ويتمكنوا من الكتابة والتعبير السليم؛ ذلك لأن القرآن لا يتعدَّى إلى غيره، أما كتب الأدب فتتعدَّى إلى الأسلوب وتحسنه، القرآن يظل كماله في ذاته. وكان من جدالهم في آيات الله أنْ قالوا عن رسول الله: {أية : إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ..} تفسير : [النحل: 103] وحددوا شخصاً بعينه، لكن ردَّ عليهم القرآن بما يعني: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. ثم قالوا: مجنون، وعجيب منهم أن يتهموا رسول الله بالجنون وهم يعلمون أدبه وخلقه قبل بعثته، وصاحب الخلق الكريم لا يكون أبداً مجنوناً، لكن هذه كلها شبهات المفلسين الذين لا يجدون حجة تقدح في رسالة محمد، فماذا يقولون غير هذا التخبّط الأعمى؟ هذا جدل في شخص رسول الله، وكانوا يقولون: ابن أبي كبشة، لكن هيهات أنْ تنال هذه الافتراءات من شخص رسول الله. ثم يجادلون في أحكام الله، فيقول مثلاً: لم يحرم الله الميتة؟ وكيف أن التي ماتت وحدها يعني أماتها الله مُحرَّمة، والتي تميتها أنت - أي: بالذبح - مُحلَّلة؟ يعني في نظرهم أن الموت واحد، فلماذا تحرم هذه وتحلّ هذه؟ وهم يعترضون على آيات الأحكام لأنها تأتي عامة لا تفرق بين السادة والعبيد، فالحكم واحد للجميع وهم قد ألفوا السيادة. وقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [غافر: 4] أي: ستروا واجب الوجود الأعلى الذي خلقهم وخلق الكون كله من حولهم، بدليل إقرارهم هم بذلك في الآيات الكونية: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [لقمان: 25] فهم وإنْ كانوا يؤمنون بهذه الآيات الكونية إلا أنهم كفروا بخالقها سبحانه، وستروا الواجب الأعلى الذي ينظم حركة الحياة لخَلْقه جميعاً بحيث تتساند حركة الحياة ولا تتعاند لتظل عمارة الكون التي أرادها الخالق سبحانه. وسبق أنْ أوضحنا أن كلمة كفروا في ذاتها دليل الإيمان، لأن الكفر يعني الستر والستر يقتضي مستوراً، فالمستور إذن وُجِد أولاً قبل الساتر، وما دام ستروا بالكفر وجودَ الله، فالأصل أنه موجود. وقوله: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} [غافر: 4] أي: لا يخدعنَّك أن لهم في البلاد سيادة وتمكيناً وعلواً ومهابة، بحيث لا يستطيع أحد أن يتعرَّض لهم في تقلّبهم من مكان لمكان، وفي أسفارهم في رحلة الشتاء والصيف. ولو أنهم عرفوا حقيقة هذه المكانة، ومَنْ الذي بوّأهم هذه المنزلة ما وقفوا منك يا محمد هذا الموقف، لقد أخذوا هذه المهابة ونالوا هذه المنزلة لجوارهم لبيت الله، والله هو الذي أرسلك إليهم، فكان عليهم أنْ يؤمنوا بك وأنْ يُصدقوك. وكلمة (تَقَلّبهم) تدل على حركتهم وانتقالهم من مكان لآخر، وتدل على قوة الأبدان؛ لذلك كانت كل قبائل العرب تهابهم، جاءت هذه المنزلة لقريش من موسم الحج، حيث تأتي إليهم كل القبائل من جزيرة العرب فتكون في حماية قريش في الموسم، ومن هنا آمنوا في تنقلاتهم وكان عليهم أنْ يراعوا هذه النعمة، لكنهم جحدوا بها فصدق: عليهم قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} تفسير : [إبراهيم: 28]. كيف ذلك؟ اقرأ: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 1-5]. تعرفون قصة أبرهة لما جاء ليهدم الكعبة ليصرف الناسَ عن بيت الله ويبني كعبة أخرى في صنعاء يحجّ الناس إليها، وتعرفون ما كان من أمر هذا الجيش، وكيف ردَّه الله بقدرته حتى قيل إن الفيل الضخم الذي كان يتقدم الجيش توقف عن السير نحو الكعبة، في حين يسير في أيِّ اتجاه آخر وأن أحدهم اقترب من الفيل وقال له: ابرك محمود وارجع راشداً فإنك ببلد الله الحرام. فانصرفوا بعد أنْ أمطرهم الله بحجارة من سجيل، وهزمهم بقدرته تعالى. المهم ماذا قال سبحانه بعد هذه السورة مباشرة؟ قال: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} تفسير : [قريش: 1-2] فكأن في بقاء الكعبة بقاءً لسيادة قريش، وبقاءً لأمنها وسلامتها بين القبائل العربية، فأبقى الله لهم بذلك أنْ يألفوا رحلة الشتاء والصيف. إذن: العلة من {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 5] جاءت في {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش: 1]. وإلا لكانَ لك أن تتعجب من أول السورة: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش: 1] وتسأل عن العلة، فإنْ فصلتَ العلة هنا عن المعلول، فجاء كل في سورة إلا أنهما في نسَق واحد، وسبق أن أوضحنا أن سور القرآن كله قائمة على الوصل فتقرأ: {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 5] بسم الله الرحمن الرحيم {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش: 1]. فإنْ قلتَ: لماذا لم تأتِ في سورة واحدة؟ لماذا جاءت العلة في سورة والمعلول في سورة أخرى؟ قالوا: الفصل بين الشيء وسببه ليكون الشيء له حكم، والسبب له حكم. إذن: جعلهم كعصف مأكول لئلا تزولَ الكعبة ولو زالت الكعبة لزالتْ سيادة قريش ومهابتها، فأبقى الله لهم السيادة والمهابة ليتنقلوا بين الشمال والجنوب لا يجرؤ أحد على التعرض لهم، وسوف يترتب على ذلك قوام حياتهم فيطعمهم من جوع، ويُؤمّنهم من خوف، يُطعمهم بالتجارة وحركة البيع والشراء، ويُؤمنهم بألاَّ يتعرض لهم أحدٌ بسوء. ثم يوضح علة ذلك فيقول: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4] فهم يتقلبون في نعمة الله، وكان عليهم ألاَّ يكفروها. فقوله تعالى: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ} [غافر: 4] لأن الله تعالى لم يهملهم إنما فقط يمهلهم. فإنْ قلتَ: فما حكمة الإمهال؟ يعني: ما دام أن الله تعالى لم يهملهم، فلماذا لم يأخذهم من البداية؟ قالوا: لأن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وجعل دينه خاتم الأديان ومهيمناً على الزمان والمكان، فلا نبيَّ بعده وللرسول مدة ينتهي فيها دوره في الحياة، وينتقل إلى الرفيق الأعلى، ثم يحمل رسالته من بعده جنود الحق الذين محَّصتهم الشدائد. لذلك قلنا: إن صناديد الكفر الذين عذّبوا المسلمين الأوائل واضطهدوهم كانوا فيما بعد من جنود الإسلام، لماذا؟ لأن هذا الاضطهاد وهذا التعذيب هو الذي محَّص المسلمين وأبعد ضعاف الهمة وضعاف الإيمان الذين فتنهم التعذيب، وأرهبهم الاضطهاد حتى لم يَبْقَ في ساحة الإيمان إلاَّ الأقوياء الجديرون بحمل هذه الرسالة وتحمُّل تبعاتها، لأنها رسالة خالدة باقية في الزمان والمكان كله. فالحق سبحانه ما أهمل الكفار إنما أمهلهم لمهمة، هي أنهم سيساهمون في تربية هذا الجيل الذي سيحمل دعوة الله: {أية : ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأحزاب: 39]. هؤلاء هم الجيل المحمدي الذي حمل راية الإسلام، وساح بها في كل الأنحاء لا ينتظر على ذلك أجراً مُقدماً إنما ينتظر الأجر من الله في الآخرة. وهذا هو الفرق بين دعوة الحق ودعوة الباطل، فأهل الحق لا ينتظرون أجراً مقدماً، أما أهل الباطل فيأخذون أجرهم قبل البدء في العمل، لذلك كل رسل الله قالوا هذه الكلمة: {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 109]. نعم أجرهم على الله لأنه غالٍ لا يقدر عليه إلا الله، فلا أحد يستطيع أنْ يجازي الرسولَ على رسالته في هداية قومه ولو أعطاه مال الدنيا كلها. والتقلُّب في البلاد أي: التنقُّل من مكان لمكان فيها لا يتم إلا بعدة أشياء أهمها: سلامة الأبدان لتحمُّل مشقة السفر، ثم الأمن من خوف الطريق، ثم وجود كفايات له في المنازل التي ينزل فيها في طريقه، لذلك يقول تعالى في موضع آخر: {أية : أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} تفسير : [النحل: 45-46]. يعني: في أوْج قوتهم وتمكّنهم من الحركة والتنقل يأخذهم الله بالعذاب، هذا لون من الأخذ {أية : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ ..} تفسير : [النحل: 47] أي: يخيفهم أولاً ويفزعهم قبل أنْ يأخذهم وهذا لون آخر، كالذين نزلت بهم الصاعقة فأفزعتهم قبل أنْ يحلّ بهم عذاب الله، هذان لونان من أخْذ الله للكافرين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تبارك وتعالى أنه ما يجادل في آياته إلا الذين كفروا والمراد بالمجادلة هنا، المجادلة لرد آيات الله ومقابلتها بالباطل، فهذا من صنيع الكفار، وأما المؤمنون فيخضعون لله تعالى الذي يلقي الحق ليدحض به الباطل، ولا ينبغي للإنسان أن يغتر بحالة الإنسان الدنيوية، ويظن أن إعطاء الله إياه في الدنيا دليل على محبته له وأنه على الحق ولهذا قال: { فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ } أي: ترددهم فيها بأنواع التجارات والمكاسب، بل الواجب على العبد، أن يعتبر الناس بالحق، وينظر إلى الحقائق الشرعية ويزن بها الناس، ولا يزن الحق بالناس، كما عليه من لا علم ولا عقل له. ثم هدد من جادل بآيات الله ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق ليبطلوه، وعلى الباطل لينصروه، { و } أنه بلغت بهم الحال، وآل بهم التحزب إلى أنه { هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ } من الأمم { بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } أي: يقتلوه. وهذا أبلغ ما يكون الرسل الذين هم قادة أهل الخير الذين معهم الحق الصرف الذي لا شك فيه ولا اشتباه، هموا بقتلهم، فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب العظيم الذي لا يخرجون منه؟ ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية: { فَأَخَذْتُهُمْ } أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو إلا صيحة أو حاصب ينزل عليهم أو يأمر الأرض أن تأخذهم، أو البحر أن يغرقهم فإذا هم خامدون. { وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: كما حقت على أولئك، حقت عليهم كلمة الضلال التي نشأت عنها كلمة العذاب، ولهذا قال: { أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ }.
همام الصنعاني
تفسير : 2652- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ}: [الآية: 4]، قال: إقْبَالهم وإدْبارهُمْ وتَقَلُّبُهم في أسْفَارِهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):