٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} على تأنيث الجماعة أي كذبت الرسل. {وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} أي والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود فمَن بعدهم. {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي ليحبسوه ويعذبوه. وقال قتادة والسدّي: ليقتلوه. والأخذ يرِد بمعنى الإهلاك؛ كقوله: {أية : ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}تفسير : [الحج: 44]. والعرب تسمي الأسير الأخيذ؛ لأنه مأسور للقتل؛ وأنشد قطرب قول الشاعر:شعر : فإمّا تأخُذونِي تَقْتُلونِي فكَمْ مِنْ آخِذٍ يَهْوَى خُلودِي تفسير : وفي وقت أخذهم لرسولهم قولان: أحدهما عند دعائه لهم. الثاني عند نزول العذاب بهم. {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} أي ليزيلوا. ومنه مكان دَحْض أي مَزْلَقة، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزل فلا يستقر. قال يحيـى بن سلاّم: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان. {فَأَخَذْتُهُمْ} أي بالعذاب. {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي عاقبة الأمم المكذبة. أي أليس وجدوه حقاً. قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ} أي وجبت ولزمت؛ مأخوذ من الحق لأنه اللازم. {كَلِمَةُ رَبِّكَ} هذه قراءة العامة على التوحيد. وقرأ نافع وابن عامر: «كَلِمَاتُ» جمعاً. {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ} قال الأخفش: أي لأنهم وبأنهم. قال الزجاج: ويجوز إنهم بكسر الهمزة. {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي المعذَّبون بها وتم الكلام. ثم ابتدأ فقال: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} ويروى: أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشراف الملائكة وأفضلهم. ففي الحديث: «حديث : أن الله تبارك وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة»تفسير : . ويقال: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهلِّلين مكبِّرين، ومن ورائهم سبعون ألف صفّ قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، ورافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صفّ، قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبّح بما لا يسبّح به الآخر. وقرأ ابن عباس: «الْعُرْشُ» بضم العين؛ ذكر جميعه الزمخشري رحمه الله. وقيل: اتصل هذا بذكر الكفار؛ لأن المعنى ـ والله أعلم ـ {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} ينزهون الله عز وجل عما يقوله الكفار {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يسألون لهم المغفرة من الله تعالى. وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مُجَسَّم خلقه الله عز وجل، وأمر ملائكة بحمله، وتَعبَّدهم بتعظيمه والطواف به؛ كما خلق في الأرض بيتاً وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة. وروى ابن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام»تفسير : ذكره البيهقي وقد مضى في «البقرة» في آية الكرسي عظم العرش وأنه أعظم المخلوقات. وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أنه قال: لما خلق الله تعالى العرش قال: لن يخلق الله خلقاً أعظم مني؛ فاهتز فطوّقه الله بحية، للحية سبعون ألف جناح، في الجناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها في كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد الحصى والثرى، وعدد أيام الدنيا، وعدد الملائكة أجمعين، فالتَوَت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية به. وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظُلْمة، وحجاب نور وحجاب ظلمة. {رَبَّنَا} أي يقولون {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فلما نقل الفعل عن الرحمة والعلم نصب على التفسير. {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ} أي من الشرك والمعاصي {وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} أي دين الإسلام. {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي اصرفه عنهم حتى لا يصل إليهم. قال إبراهيم النخعي: كان أصحاب عبد الله يقولون الملائكة خير من ابن الكَوَّاء؛ هم يستغفرون لمن في الأرض وابن الكَوَّاء يشهد عليهم بالكفر، قال إبراهيم: وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مطرِّف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، وتلا هذه الآية. وقال يحيـى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنة أرجى منها؛ إن مَلَكاً واحداً لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحَمَلة العرش يستغفرون للمؤمنين. وقال خلف بن هشام البزار القارىء: كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} بكى ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ} يروى أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن. قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. {ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} «التي» في محل نصب نعتاً للجنات. {وَمَن صَـلَحَ} «مَنْ» في محل نصب عطفاً على الهاء والميم في قوله: «وَأَدْخِلْهُمْ». «وَمَنْ صَلَحَ» بالإيمان {مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} وقد مضى في «الرعد» نظير هذه الآية. قال سعيد بن جُبير: يدخل الرجل الجنة، فيقول: يا رب أين أبي وجدّي وأمي؟ وأين ولدي وولد ولدي؟ وأين زوجاتي؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك؛ فيقول: يا رب كنت أعمل لي ولهم؛ فيقال أدخلوهم الجنة. ثم تلا: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} إلى قوله: {وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}. ويقرب من هذه الآية قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [الطور: 21]. قوله تعالى: {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ} قال قتادة: أي وقهم ما يسوءهم، وقيل: التقدير وقهم عذاب السيئات وهو أَمْرٌ من وقاه الله يقيه وقاية بالكسر؛ أي حفظه. {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} أي بدخول الجنة {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي النجاة الكبيرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ } كعاد وثمود وغيرهما {مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } يقتلوه {وَجَٰدَلُوا بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ } يزيلوا {بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ } بالعقاب {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } لهم: أي هو واقع موقعه.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِيَأخُذُوهُ} ليقتلوه، أو ليحبسوه ويعذبوه والأسير أخيذ لأنه يؤسر للقتل وأخذهم له عند دعائه لهم، أو عند نزول العذاب بهم {وَجَادَلُواْ} بالشرك ليبطلوا به الإيمان {فَأَخَذْتُهُمْ} فعاقبتهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} سؤال عن صدق العقاب، أو عن صفته. قال قتادة: شديد والله.
البقاعي
تفسير : ولما نهى عن الاغترار بما لا قوة لاحد على صرفه من نفسه إلا بتأييد من الله، علله بما يحقق معنى النهي من أن التقلب وما يثمره لا يصح أن يكون معتمداً ليزهد فيه كل من سمع هاتين الآيتين، فقال مشيراً بتأنيث الفعل إلى ضعفهم عن المقاومة، وتلاشيهم عند المصادمة، وإن كانوا في غاية القوة بالنسبة إلى أبناء جنسهم: {كذبت} ولما كان تكذيبهم عظيماً وكان زمانه قديماً وما قبله من الزمان قليلاً بالنسبة إلى ما بعده وطال البلاء بهم، جعل مستغرقاً بجميع الزمان، فقال من غير خافض: {قبلهم} ولما كان الناس على زمن نوح عليه السلام حزباً واحداً مجتمعين على أمر واحد ولسان جامع، وحدهم فقال: {قوم نوح} أي وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما يحاولونه وكانوا حزباً واحداً لم يفرقهم شيء. ولما كان الناس من بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان، وكان للاجمال من الروع في بعض المواطن ما ليس للتفصيل قال: {والأحزاب} أي الأمم المتفرقة الذين لا يحصون عدداً، ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله: {من بعدهم}. ولما كان التذكيب وحده كافياً في الأذى، دل على أنهم زادوا عليه بالمبالغة في المناصبة بالمعاندة، وقدم قصد الإهلاك لأنه أول ما يريده العدو فإن عجز عنه نزل إلى ما دونه فقال: {وهمَّت كل أمة} أي من الأحزاب المذكورين {برسولهم} أي الذي أرسلناه إليهم. ولما كان الأخذ يعبر عنه عن الغلبة والقهر والاستصغار مع الغضب قال: {ليأخذوه} ولما كان سوق الكلام هكذا دالاً على أنهم عجزوا عن الأخذ، ذكر أنهم بذلوا جهدهم في المغالبة بغيره، فقال حاذفاً للمفعول تعميماً: {وجادلوا بالباطل} أي الأمر الذي لا حقيقة له، وليس له من ذاته إلا الزوال، كما تفعل قريش ومن انضوى إليهم من العرب، ثم بين علة مجادلتهم فقال: {ليدحضوا} أي ليزلقوا فيزيلوا {به الحق} أي الثابت ثباتاً لا حيلة في إزالته. ولما كان من المعلوم لكل ذي لب أن فاعل ذلك مغلوب، وأن فعله مسبب لغضب المرسل عليه، قال صارفاً القول إلى المتكلم دفعاً للالباس، وإشارة إلى شدة الغضب وجرده عن مظهر العظمة استصغاراً لهم: {فأخذتهم} أي أهلكتهم وهم صاغرون غضباً عليهم وإهانة لهم. ولما كان أخذه عظيماً، دل على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عن حاله لزيادة عظمتها في قوة بطشها وسرعة إهلاكها وخرقها للعوائد فقال: {فكيف كان عقاب *} ومن نظر ديارهم وتقرى آثارهم وقف على بعض ما أشرنا إليه ونبهنا عليه، وحذف ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى من عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد وإن كان المعذب جميع العباد. ولما كان التقدير: فحقت عليهم كلمة الله لأخذهم على هذا الجدال إنهم أصحاب النار التي جادلوا فيها، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ، فلم يقدروا على التفصي من حقوقها {حقت} بالأخذ والنكال {كلمت} وصرف الكلام إلى صفة الإحسان تلطفاً به صلى الله عليه وسلم وبشارة له بالرفق بقومه فقال: {ربك} أي المحسن إليك بجميع أنواع الإحسان فهو لا يدع أعداءك. ولما كان السياق للمجادلة بالباطل وهي فتل الخصم من اعتقاده الحق، وذلك تغطية للدليل الحق وتلبيس، كان الحال أحق بالتعبير بالكفر الذي معناه التغطية فلذا قال تعالى: {على الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر وقتاً ما كلهم سواء هؤلاء العرب وغيرهم، لأن علة الإهلاك واحدة، وهي التكذيب الدال على أن من تلبس به مخلوق للنار، ثم أبدل من "الكلمة" فقال: {أنهم أصحاب النار *} أي من كفر في حين من الأحيان فهو مستحق للنار في الأخرى كما أنه مستحق للأخذ في الدنيا لا يبالي الله به بالة، فمن تداركته الرحمة بالتوبة، ومن أوبقته اللعنة بالإصرار هلك. ولما بين عداوة الكفار للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم بقوله: {وما يجادل في آيات الله} ما بعده، وكان ذلك أمراً غائظاً محزناً موجعاً، وختم ذلك ببيان حقوق كلمة العذاب عليهم تسلية لمن عادوهم فيه سبحانه، زاد في تسليتهم شرحاً لصدورهم وتثبيتاً لقلوبهم ببيان ولاية الملائكة المقربين لهم مع كونهم أخص الخلق بحضرته سبحانه وأقربهم من محل أنسه وموطن قدسه وبيان حقوق رحمته للذين آمنوا بدعاء أهل حضرته لهم فقال، أو يقال: إنه لما بين حقوق كلمة العذاب، كان كأنه قيل: فكيف النجاة؟ قيل: بايقاع الإيمان بالتوبة عن الكفران ليكون موقعه أهلاً للشفاعة فيه من أهل الحضرة العلية، فيغفر له إن تاب ما قدم من الكفر، فقال مظهراً لشرف الإيمان وفضله: {الذين يحملون العرش} وهم المقربون وهم أربعة كما يذكر إن شاء الله تعالى في الحاقه، فإذا كانت القيامة كانوا ثمانية، وهل هم أشخاص أو صفوف فيه كلام يذكر إن شاء الله تعالى {ومن حوله} وهم جميع الملائكة وغيرهم ممن ربما أراد الله كونه محيطاً به كما تقدم في التي قبلها {وترى الملائكة حافين من حول العرش} أي طائفين به، فأفادت هذه العبارة النص على الجميع مع تصوير العظمة. ولما كان ربما وقع في وهم أنه سبحانه محتاج إلى حملهم لعرشه أو إلى عرشه أو إلى شيء، نبه بالتسبيح على أنه غنيّ عن كل شيء وأن المراد بالعرش والحملة ونحو ذلك إظهار عظته لنا في مثل محسوسة لطفاً منه بنا تنزلاً إلى ما تسعه عقولنا وتحمله أفهامنا، فقال مخبراً عن المبتدأ وما عطف عليه: {يسبحون} أي ينزهون أي يوقعون تنزيهه سبحانه عن كل شائبة نقص ملتبسين {بحمد} وصرف القول إلى ضميرهم إعلاماً بأن الكل عبيده من العلويين والسفليين القريب والبعيد، وكائنون تحت تصرفه وقهره، وإحسانه وجبره، فقال: {ربهم} أي باحاطة المحسن إليهم بأوصاف الكمال. ولما كان تعالى باطناً لا يحيط أحد به علماً، أشار إلى أنهم مع أنهم أهل الحضرة هم من وراء حجاب الكبر وأردية العظمة، لا فرق بينهم في ذلك وبين ما هو في الأرض السفلى بقوله: {ويؤمنون به} لأن الإيمان إنما يكون بالغيب. ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفاً لأنه على قدر القرب من تلك الحضرات يكون الخوف، فهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء السادسة وهكذا، وكانوا قد علموا من تعظيم الله تعالى للنوع الإنساني ما لم يعلمه غيرهم لأمره سبحانه لهم بتعظيمه بما اختص به سبحانه من السجود، وكان من أقرب ما يقترب به إلى الملك التقرب إلى أهل وده، نبه سبحانه على ذلك كله بقوله: {ويستغفرون} أي يطلبون محو الذنوب أعياناً وآثاراً. ولما كان الاشتراك في الإيمان أشد من الاتحاد في النسب، قال دالاً على أن الاتصاف بذلك يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على إمحاض الشفقة: {للذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة لما بينهم من أخوة الإيمان ومجانسته وإن اختلف جنسهم في حقيقة التركيب وإن وقع منهم بعد ذلك خلل يحق عليهم الكلمة لولا العفو {وما قدروا الله حق قدره} {ويعفو عن كثير} "لن يدخل أحد الجنة بعمله". ولما ذكر استغفارهم بين عبارتهم عنه بقوله: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره. ولما كان المراد بيان اتساع رحمته سبحانه وعلمه، وكان ذلك أمراً لا يحتمله العقول، عدل إلى أسلوب التمييز تنبيهاً على ذلك مع ما فيه من هز السامع وتشويقه بالإبهام إلى الإعلام فقال: {وسعت كل شيء} ثم بين جهة التوسع بقوله تميزاً محولاً عن الفاعل: {رحمة} أي رحمتك أي بإيجاده من العدم فما فوق ذلك {وعلماً} أي وأحاط بهم علمك، فمن أكرمته فعن علم بما جلبته عليه مما يقتضي إهانة أو إكراماً. ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء من تعذيب الطائع وتنعيم العاصي وغير ذلك، قالوا منبهين على ذلك: {فاغفر للذين تابوا} أي رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوا أعيانها وآثارها، فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها {واتبعوا} أي كلفوا أنفسهم على ما لها من العوج أن لزموا {سبيلك} المستقيم الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب، وكان سبحانه له أن يعذب من لا ذنب له، وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا: {وقهم عذاب الجحيم *} أي اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم، فإنك وعدت من كان كذلك بذلك، ولا يبدل القول لديك، وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء.
القشيري
تفسير : كذلك مَنْ انقرض مِنَ الكفار كان تكذيبُ الرُّسُلِ دَأبَهم، ولكنَّ الله -سبحانه - انتقم منهم، وعلى كُفْرِهم احترمهم. والمُنْكِرُ لهذا الطريق يدين بإنكاره، ويتقرّبُ إلى الله به، ويعد وقيعته في أولياء الله من جملة إحسانه وخيراته، ولكن الله - سبحانه - يعذبهم في العاجل بتخليتهم فيما هم فيه، وصَدِّ قلوبهم عن هذه المعاني، وحرمانهم منها.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذبت قبلهم} اى قبل قريش {قوم نوح والاحزاب من بعدهم} اى الذين تحزبوا على الرسل وعادوهم وحاربوهم بعد قوم نوح مثل عاد وثمود واضرابهم وبدأ بقوم نوح اذ كان اول رسول فى الارض لان آدم انما ارسل الى اولاده {وهمت} قصدت عند الدعاء والهم عقد القلب على فعل شىء قبل ان يفعل من خير أو شر {كل امة} من تلك الامم المعاتبة {برسولهم} قال فى الاسئلة المقحمة لم يقل برسولها لأنه اراد بالامة ههنا الرجال دون النساء وبذلك فسروه وقال فى عين المعانى برسولهم تغليب للرجال {ليأخذوه} من الاخذ بمعنى الاسر والاخيذ الاسير اى ليأسروه ويحبسوه ليعذبوه او يقتلوه وبالفارسية تابكيرندا اورا وهرآزاركه خواهند بوى رسانند. وفيه اشارة الى ان كل عصر يكون فيه صاحب ولاية لا بد له من ارباب الجحود والانكار واهل الاعتراض كما كانوا فى عهد كل نبى ورسول {وجادلوا} وخصومت كردند با بيغمبران خود {بالباطل} الذى لا اصل ولا حقيقة له اصلا قال فى فتح الرحمن الباطل ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة اما لانعدام الاهلية او لانعدام المحلية كبيع الخمر وبيع الصبى {ليدحضوا به الحق} اى ليزيلوا بذلك الباطل الحق الذى لا محيد عنه كما فعل هؤلاء {فاخذتهم} بالاهلاك جزآء لهمهم بالاخذ {فكيف كان عقاب} اى عقابى الذى عاقبتهم به فان آثار دمارهم كما ترونها حين تمرون على ديارهم عبرة للناظرين ولآخذن هؤلاء ايضا لاتحادهم فى الطريقة واشتراكهم فى الجريمة كما ينبىء عنه قوله
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كذَّبتْ قبلهم قومُ نوحٍ} نوحاً، {والأحزابُ} أي: الذين تحزّبوا على الرسل، وناصبوهم العداوة، {من بعدِهم} أي: من بعد قوم نوح، كعاد، وثمود، وقوم لوط، وأضرابهم، {وهَمَّتْ كلُّ أُمَّةٍ} من تلك الأمم الماضية {برسولهم ليأخذوه}؛ ليتمكنوا منه، فيُصيبوا ما أرادوا من تعذيب أو قتل. والأخذ: الأسر. {وجادلوا بالباطل} الذي لا أصل له، ولا حقيقة لوجوده، {ليُدْحِضُوا بِه الحقَّ}؛ ليُبطلوا به الحق الذي جاءت به من الإيمان وغيره، {فأخَذتهُم} بسبب ذل أخذاً وبيلاً، {فكيف كان عقابِ} الذي عاقبتم به، فإنَّ آثار ديارهم عرضة للناظرين، وسآخذ هؤلاء أيضاً؛ لاتحادهم في السرة، واشتراكهم في الجريرة، كما ينبىء عنه قوله: {وكذلك حقَّتْ كلمتُ ربك} أي: كما وجب حُكم الله تعالى وقضاؤه بالتعذيب على أولئك الأمم المكذِّبة، المجترئة على رسلهم، المجادلة بالباطل لإدحاض الحق، وجب أيضاً {على الذين كفروا} بك، وتحزّبوا عليك، وهَمُّوا بما لم ينالوا، كما يُنبىء عنه إضافة اسم الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك للإشعار بأنَّ وجوب كلمة العذاب من أحكام التربية، التي من جملتها: نصرته صلى الله عليه وسلم، وتعذيب أعدائه، وذلك إنما يتحقق بكون الموصول عبارة عن كفار قومه، لا عن الأمم المهلكة. وقوله تعالى: {أنهم أصحاب النار} في حيز النصب، بحذف لام التعليل، أي لأنهم مستحقو أشد العقوبات وأفظعها، الذي هو عذاب النار، وملازمتها أبداً، لكونهم كفاراً معاندين، متحزِّبين على الرسول صلى الله عليه وسلم، كدأب مَن قبلهم مِن الأمم المهلَكة، وقيل: إنه في محل رفع، على أنه بدل من "كلمة ربك"، والمعنى: ومثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة المهلكة كونهم من أصحاب النار، أي: كما وجب إهلاكهم في الدنيا بعذاب الاستئصال؛ وجب تعذيبهم في الآخرة بعذاب النار، ومحل الكاف من (كذلك) على التقديرين: النصب، على أنه نعت لمصدر محذوف. الإشارة: الأولياء على قَدم الرسل، فكل ما لحق الرسل من الإيذاء يلحق الأولياء، فقد كُذِّبت، وتحزَّب عليهم أهلُ عصرهم، وهمُّوا بأخذهم، وجادلوا بالباطل ليُدحضوا نورَ الله بأفواههم، والله مُتمُّ نوره، فأخذهم الله بالخذلان والبُعد، والخلود في نار القطيعة والحجاب، والعياذ بالله. ثم ذكر شرف الإيمان وأهله، فقال: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ}.
الجنابذي
تفسير : {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ} اى الفرق المختلفة والامم المتفرّقة كذّبوا كلّهم رسلهم {مِن بَعْدِهِمْ} من بعد قوم نوحٍ {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ} من تلك الامم المذكورة او كلّ امّة من الامم الماضية الّذين ارسل اليهم رسولٌ {بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} فيمنعوه من رسالته او يعذّبوه او يقتلوه كما همّ قومك بك ليأخذوك فيحبسوك او يقتلوك {وَجَادَلُوا} اى رسولهم {بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ} اى يزيلوا {بِهِ ٱلْحَقَّ} كما يجادل قومك لان يزلقوك ويزيلوا الحقّ {فَأَخَذْتُهُمْ} بسبب الهمّ والجدال فلا تحزن فانّا نأخذ قومك ونعاقبهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} يعنى انّكم ان لم تشاهدوا عقوبتى لهم فقد سمعتم اخبارها وتشاهدون فى مروركم بديارهم آثارها فلم لا تعتبرون بهم؟! وممّ تغتمّ يا محمّد (ص) بهمّة قومك وجدالهم؟
الهواري
تفسير : قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي قبل قومك يا محمد {قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ}، يعني عاداً وثموداً ومن بعدهم، الذين أخبر بهلاكهم لتكذيبهم رسلهم. {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} فيقتلوه {وَجَادَلُوا} أي: وخاصموا {بِالْبَاطِلِ} أي: بالشرك، جادلوا به الأنبياء والمؤمنين. {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} أي: ليدفعوا به الحق؛ أي: الإِيمان {فَأَخَذْتُهُمْ} أي: بالعذاب {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي: كان شديداً. قوله: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي: سبقت كلمات ربك {عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} أي: بكفرهم. {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} أي: ومن حول العرش {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ}. ذكر بعضهم قال: قال الله لآدم: يا آدم أهبط بيتي معك يطاف حوله كما يطاف على العرش. قال: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} يقولون {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} أي: ملأت كل شيء رحمة وعلماً {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من الشرك والنفاق وأعمال السيئات {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} أي: الهدى، يعني الإِسلام، وهو السبيل، أي الطريق إلى الجنة. {وَقِهِمْ} أي: واصرف عنهم {عَذَابَ الْجَحِيمِ}. {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ} وعدن أرفع الجنة وبطنانها، إليها تنسب الجنان. {الَّتِي وَعَدتَّهُم} أي: إن الله وعد المؤمنين في كتابه الجنة فقال: (أية : وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) تفسير : [التوبة:72]... إلى آخر الآية، وغير ذلك مما وعدهم فيها أي: في الجنة. قال: {وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أي: ومن آمن وعمل صَالحاً منهم {إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. وقال في سورة الطور: (أية : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) تفسير : [الطور: 21] أي: وما انتقصناهم من عملهم من شيء. إن الله يرفع إلى المؤمن ولده في الجنة وإن كان دونه في العمل ليُقِرَّ به عينَه، وكذلك الآباء يُرفعون إلى الأبناء في درجاتهم في الجنة إذا كانت الآباء دونهم في العمل. وولدان المسلمين الذين لم يبلغوا العمل ايضاً مع آبائهم من أهل الجنة. ذكروا عن سعيد بن المسيب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا، امرأة من تكون في الجنة. قال: حديث : امرأة الآخر.
اطفيش
تفسير : {كذَّبَت قَبلَهم قَوْم نُوحٍ} بدأ بنوح لأنه أول رسول بعد آدم عليهما السلام، وأنه طويل العمر فى تعذيبهم اياه عذابا شديدا، وقبله نبيان: شيث وادريس، وقيل هما رسولان أيضا {والأحْزابُ} الأقوام المتحزبون، أى المجتمعون على الرسل ومن معهم، كعاد وثمود وفرعون {مِنْ بَعْدهم} {وهمَّت كُل أمَّة} من تلك الأحزاب {برسُولِهِم ليأخُذُوه} يقبضوه ليقتلوه، أو يحبسوه، أو يضربوه، أو يضرونه ما شاءوا من الضر {وجادلوا بالباطل} خلاف الحق، مثل قولهم: " أية : ما أنتم إلا بشر مثلنا" تفسير : [يس: 15] وقولهم " أية : ائتنا بما تعدنا" تفسير : [الأعراف: 77] وغير ذلك من أنواع الشرك {ليُدْحِضوا} يزيلوا {بهِ} بالباطل أو بالجدال المعلوم من جادلوا {الحقَّ} الأمر الشرعى من الرسالة والشرع. {فأخَذتهمْ} استأصلتهم بالأهلاك، بسبب التكذيب، والهم بالأخذ والجدال بالباطل، أو بسبب الهم بالأخذ والجدال الباطل، لأنهما اللذان نصت الآية بأنهم فعلوهما وأما الأخذ والادحاض فلم تنص أنهم فعلوهما، ولزم من قال السبب الهم فقط، أن بعد الجدال لأنهما فعلا جميعا، ولزم من عد الأخذ سببا أن يعد الادحاض، لأنها جميعا سيقا تعليلا بمستقبل قصدوه، لكن لم أر من عده {فَكيْف كانَ عِقَابِ} كان لا يعلم كنهه الا الله، كما تعاينون أثره فى أسفاركم الى الشام واليمن، والاستفهام تقرير وتعجيب.
ابن عاشور
تفسير : جملة {كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْم نُوحٍ} وما بعدها بيان لجملة {أية : فلا يغرُرك تقلُّبُهُمْ في ٱلْبِلاَدِ}تفسير : [غافر: 4] باعتبار التفريع الواقع عقب هاته الجمل من قوله: {فأخذتهم فكيف كانَ عِقَاب}، فالمعنى: سبقتهم أمم بتكذيب الرسل كما كذبوك وجادلوا بالباطل رسلهم كما جادلك هؤلاء فأخذتهم فكيف رأيت عقابي إياهم كذلك مثل هؤلاء في إمهالهم إلى أن آخذهم. والأحزاب: جمع حِزب بكسر الحاء وسكون الزاي وهو اسم للجماعة الذين هم سواء في شأن: من اعتقادٍ أو عمل أو عادةٍ. والمراد بهم هنا الأمم الذين كانت كل أمة منهم متفقة في الدين، فكل أمة منهم حزب فيما اتفقت عليه. وفي قوله: {مِن بَعْدِهم} إشارة إلى أن قوم نوح كانوا حزباً أيضاً فكانوا يدينون بعبادة الأصنام: يغوث، ويعوق، ونسر، وودَ، وسُواع، وكذلك كانت كل أمة من الأمم التي كذبت الرسل حزباً متفقين في الدين، فعادٌ حزب، وثمود حزب، وأصحاب الأيكة حزب، وقوم فرعون حزب. والمعنى: أنهم جميعاً اشتركوا في تكذيب الرسل وإن تخالف بعض الأمم مع بعضها في الأديان. وفي الجمع بين {قبلهم} و {مِن بَعْدِهِم} محسِّن الطباق في الكلام. والهمّ: العزم. وحقه أن يعدّى بالباء إلى المعاني لأن العزم فعل نفساني لا يتعلق إلا بالمعاني. كقوله تعالى: {أية : وهموا بما لم ينالوا}تفسير : [التوبة: 74]، ولا يتعدّى إلى الذوات، فإذا عدّي إلى اسم ذات تعينّ تقدير معنى من المعاني التي تلابس الذات يدل عليها المقام كما في قوله تعالى: {أية : ولقد همت به}تفسير : [يوسف: 24] أي همّت بمضاجعته. وقد يذكر بعد اسم الذات ما يدل على المعنى الذي يُهَمّ به كما في قوله هنا: {ليأخذوه} إن الهمّ بأخذه، وارتكابُ هذا الأسلوب لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل، ومثله تعلق أفعال القلوب بالأسماء في ظننتك جائياً، أي ظننت مجيئك. والأخذ يستعمل مجازاً بمعنى التصرف في الشيء بالعقاب والتعذيب والقتل ونحو ذلك من التنكيل، قال تعالى: {أية : فأخذهم أخذة رابية}تفسير : [الحاقة: 10] ويقال للأسير: أخيذ، وللقتيل: أخيذ. واختير هذا الفعل هنا ليشمل مختلف ما هَمّت به كل أمة برسولها من قتل أو غيره كما قال تعالى: {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبوتك أو يقتلوك أو يخرجوك}تفسير : [الأنفال: 30]. والمعنى: أن الأُمم السابقة من الكفرة لم يقتصروا على تكذيب الرسول بل تجاوزوا ذلك إلى غاية الأذى من الهمّ بالقتل كما حكى الله عن ثمود: {أية : قالوا تقاسموا باللَّه لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون}تفسير : [النمل: 49]. وقد تآمر كفار قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة دار الندوة ليقتلوه أن يتجمع نفر من جَميع عشائرهم فيضربوه بالسيوف ضربة رجل واحد كيلا يستطيع أولياؤه من بني هاشم الأخذ بثأره، فأخذ الله الأمم عقوبة لهم على همهم برسلهم فأهلكهم واستأصلهم. ويفهم من تفريع قوله: {فأخذتهم} على قوله: {وهَمَّتْ كُلُّ أُمة بِرَسولهم لِيَأْخُذوه} إنذارُ المشركين أن همهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم هو منتهى أمد الإِمهال لهم، فإذا صمّموا العزم على ذلك أخذهم الله كما أخذ الأمم المكذبة قبلهم حين همّت كل أمة برسولهم ليأخذوه فإن قريشاً لما همّوا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم أنجاه الله منهم بالهجرة ثم أمكنه من نواصيهم يوم بدر. والمراد بــــ {كُلُّ أُمَّة} كل أمة من الأحزاب المذكورين. وضمير {وجادلوا بالباطل} عائد على {كُلُّ أُمَّة}. والمقصود: من تعداد جرائم الأمم السابقة من تكذيب الرسل والهمّ بقتلهم والجدال بالباطل تنظير حال المشركين النازل فيهم قوله: {أية : ما يُجَادِلُ في آيَاتِ الله إلا الذين كَفَرُوا} تفسير : [غافر: 4] بحال الأمم السابقين سواء، لينطبق الوعيد على حالهم أكمل انطباق في قوله: {فأخَذْتهُم فَكَيفَ كَانَ عِقابِ}. والباء في قوله: {بالباطل} للملابسة، أي جادلوا ملابسين للباطل فالمجرور في موضع الحال من الضمير، أو الباء لِلآلة بتنزيل الباطل منزلة الآلة لِجدالهم فيكون الظرف لغواً متعلقاً بــــ {جادلوا}. وتقييد {جادلوا} هذا بقيد كونه {بالباطل} يقتضي تقييد ما أطلق في قوله: {مَا يُجَادل في آيات الله إلاَّ الذينَ كَفَرُوا}. والإِدحاض: إبطال الحجة، قال تعالى: {أية : حجتهم داحضة عند ربهم}تفسير : [الشورى: 16]. والمعنى: أنهم زوروا الباطل في صورة الحقّ وروّجوه بالسفسطة في صورة الحُجَّة ليبْطلوا حجج الحق وكفى بذلك تشنيعاً لكفرهم. وفُرع على قوله: {فأخذتهم} قولُه: {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} كما فُرّع قوله: {أية : فَلا يَغررك تَقَلُّبهم في البِلاد}تفسير : [غافر: 4] على جملة {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}تفسير : [غافر: 4] فيجري توجيه الاستفهام هنا على نحو ما جرى من توجيه الخطاب هناك. والأخذ هنا: الغَلب. والاستفهام بــــ {كيف كانَ عقاب} مستعمل في التعجيب من حالة العقاب وذلك يقتضي أن المخاطب بالاستفهام قد شاهد ذلك الأخذ والعقاب وإنما بني ذلك على مشاهدة آثار ذلك الأخذ في مرور الكثير على ديارهم في الأسفار كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : وإنها لبسبيل مقيم}تفسير : [الحجر: 76] ونحوه، وفي سماع الأخبار عن نزول العقاب بهم وتوصيفهم، فنزل جميع المخاطبين منزلة من شاهد نزول العذاب بهم، ففي هذا الاستفهام تحقيق وتثبيت لمضمون جملة {فأخذتهم}. ويجوز أن يكون في هذا الاستفهام معنى التقرير بناء على أن المقصود بقوله: {كذَّبَت قبلهم قوم نوح} إلى قوله: {فأخذتهم} التعريض بتهديد المشركين من قريش بتنبيههم على ما حلّ بالأمم قبلهم لأنهم أمثالهم في الإِشراك والتكذيب فلذلك يكون الاستفهام عمّا حلّ بنظرائهم تقريرياً لهم بذلك. وحذفت ياء المتكلم من {عقاب} تخفيفاً مع دلالة الكسرة عليها.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَجَادَلُوا} {بِٱلْبَاطِلِ} (5) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَمّا يُلاَقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ، وَإْعْرَاضِ المُعْرِضِينَ، فَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ الأُمَمَ السَّابِقَةَ كَذَّبَتْ رُسُلَهَا، وَلَمْ يُؤْمِن لَهُمْ إِلاَّ القَلِيلُ، فَلِمُحَمَّدٍ فِي الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. فَقَدْ كَذَّبَ قَوْمُ نُوحٍ، نَبِيَّهُم نُوحاً عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَتَحَزَّبَ مِنْ كُلِّ أُمةٍ جَمَاعَةٌ عَلَى رَسُولِهِمْ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَحَرَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ عَلَى الإِسَاءَةِ إِلَى رَسُولِهِمْ وَإِيذَائِهِ، وَخَاصَمُوا رَسُولَهُمْ بِالبَاطِلِ، بِإِيرَادِ حُجَجٍ وَشُبهٍ لاَ حَقِيقَةَ لَهَا، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَاسْتَأْصَلَ شَأفَتَهُمْ، فَكَانَ عِقَاباً أَلِيماً لَهُمْ. وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ بِالْمُكَذِّبِينَ مِنْ قُرَيِْشٍ مِثْلَ ذَلِكَ. لِيُدْحِضُوا - لِيَبْطِلُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المعنى: أنهم ليسوا بدعاً في الوجود، كما أنك لستَ بدعاً في الرسل، فقد سبقك إخوانك من الرسل فكُذّبوا كما كذَّبك قومك، لكن ماذا كانت نتيجة التكذيب؟ أبعث الله رسولاً وتركه وأسلمه؟ كلا والله بل سُنة الله في رسله أنْ ينصرهم وأنْ يخذل أعداء دعوته، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. وهذا ليس كلاماً نظرياً نُسليك به يا محمد، إنما له واقع وله نظائر تؤيده في موكب الرسالات، كما قال سبحانه عن المكذِّبين: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً ..} تفسير : [العنكبوت: 40] أي: ريحاً ترميهم بالحجارة المحمية {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ ..} تفسير : [العنكبوت: 40] وهم قوم ثمود {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [العنكبوت: 40] كما خُسف بقارون {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..} تفسير : [العنكبوت: 40] كما فعل بقوم نوح وبقوم فرعون. فسُنة الله في الرسالات أنْ ينصر رسله وأنْ يهزم عدوه، لذلك قلنا: إذا رأيتَ الأمة الإسلامية تنهزم في معركة، فاعلم أنه اختل فيها شرط الجندية لله، ولو بقيتْ على شرط الله في الجندية ما انهزمتْ أبداً. فقوله تعالى: {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ..} [غافر: 5] أي: قبل قومك الذين كذبوك (قوم نوح) وهذه تسلية لرسول الله وتخفيف عنه، فليس التكذيب للرسالات شيئاً جديداً، واختار قوم نوح بالذات لأن رسالة نوح عليه السلام كانت أطولَ رسالة، حيث لبث في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، كل هذا العمر الطويل وهم يجادلون رسول الله نوحاً ويكذبونه ويعاندونه، لذلك يئس من صلاحهم ودعا عليهم: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 26-27]. أما القلة التي آمنتْ معه فقد دعا لهم حيث بدأ بنفسه: {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ..} تفسير : [نوح: 28] ثم {أية : وَلِوَالِدَيَّ ..} تفسير : [نوح: 28] لأنهما سببُ وجودي {أية : وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ..} تفسير : [نوح: 28] وهم ما لهم صلة به، ثم لعامة المؤمنين والمؤمنات {أية : وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} تفسير : [نوح: 28]. إذن: ذكر تكذيب قوم نوح بالذات لأنه العمدة في هذه المسألة وهو الأوضح والأعنف، ولا تخفى عليكم المواقف التي تعرَّض لها نوح عليه السلام من تكذيب قومه وإيذائهم له واستهزائهم به، وهو يصنع السفينة. وقوله: {وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ..} [غافر: 5] المراد عاد قوم هود عليه السلام وثمود قوم صالح عليه السلام، وهذا ليس كلاماً نظرياً بل هو واقع يرَوْنَهُ ويمرون بهذه الديار الخربة: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. إنهم يمرون في أسفارهم بالأحقاف وبمدائن صالح، وعندنا في مصر آثار الفراعنة كلها تشهد بصدق الله في هذا البلاغ، وها هي أكثر دول العالم تقدماً الآن وحضارة تقف عاجزة أمام حضارة الفراعنة، وكيف أنهم وصلوا إلى هذه الدرجة من التقدم منذ أكثر من سبعة آلاف عام، ومع ذلك فاتتهم هذه الحضارة لأنهم لم يصلوا إلى الحد الذي يصونها لهم. واقرأ إن شئت قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 6-14]. يعني: القضية لم تنته عند عاد وثمود وقوم فرعون، بل هي عامة في كل مكذِّب {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 14]. والأحزاب: هم الذين يتحزَّبون ويجتمعون على مبدأ واحد، والمراد هنا الذين يتحزَّبون ضد الدعوة وضد الهداية ويُسمونهم لذلك حزب الشيطان ويقابله حزب الله، وهم الذين يؤيدون الرسل وينصرون دعوة الحق. {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ..} [غافر: 5] أي: ليقتلوه، وهذه المسألة جاءت مُفصَّلة في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ ..} تفسير : [الأنفال: 30] أي: يحبسوك أو يقيدوك فلا تتحرك هنا وهناك {أية : أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30]. والكلام هنا أنهم هَمُّوا بذلك لكن لم يفعلوه ولم يقدروا عليه، فكلمة (هموا) تعني تَوجُّهٌ وهَمٌّ مراد لم يحدث على الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى في الطائفتين في غزوة أحد: {أية : إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ ..} تفسير : [آل عمران: 122] لكن لم يحدث الفشل، فالهَمُّ شغْلٌ القلب بفعل الشيء، لكن لا يحدث الفعل. لذلك قال سبحانه: {أية : وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ..} تفسير : [التوبة: 74]. إلا الهم الذي كان من سيدنا يوسف عليه السلام، لأن المسألة هنا تتعلق بعصمة نبي كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ..} تفسير : [يوسف: 24] البعض يُحمِّل هذه الآية معاني لا تليق بعصمة نبي الله يوسف، يقول: كيف يَهِمّ بها وهو نبي؟ قلنا: الهم تعلُّق الخاطر بالفعل أو تعلّق استجابة الجارحة للفعل، لكن ينفعل أو لا ينفعل هذا هو المهم، والآية فيها هَمَّان {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ..} تفسير : [يوسف: 24] ثم سكوت، ثم {أية : وَهَمَّ بِهَا ..} تفسير : [يوسف: 24] لاحظ أن هَمَّها هي لم تَنَلْ منه شيئاً لذلك قالت: {أية : وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [يوسف: 32]. هذا دليل على أن همّها هي لم يأتِ بنتيجة، فكيف لا يأتي الهَمّ معها بشيء مع عصيانها، ثم يأتي الهَمّ بشيء مع يوسف؟ إذن: همتْ به ولم يحدث شيء وهي المريدة، كذلك وهَمَّ بها ولم يحدث شيء لأنه لا يريد. وتأمل هنا دقة الأداء القرآني في استخدام نون التوكيد الثقيلة في {أية : لَيُسْجَنَنَّ ..} تفسير : [يوسف: 32] ونون التوكيد الخفيفة في {أية : وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [يوسف: 32] لأن السجن أمر في يدها وبأمرها يُسجن يوسف، فاستخدم نون التوكيد الثقيلة الدالة على التمكُّن من الفعل، أما أنْ يكون من الصاغرين فهذا أمر ليس بيدها فلربما سجنته وعطف عليه الحراس وأكرموه، فاستخدم هنا نون التوكيد الخفيفة لهدم تمكُّنها من هذا الفعل. والجواب الذي نحسم به مسألة الهم في هذه القصة ونوضح به براءة سيدنا يوسف مما يقوله عنه المفترون نقول: ولقد همت به، نعم أأدتْ هذا الهم أم لم تُؤده؟ لِم تُؤدِّه بدليل قولها {أية : وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ ..} تفسير : [يوسف: 32] {أية : وَهَمَّ بِهَا ..} تفسير : [يوسف: 24] نعم هَمَّ ولم يفعل بنفس الدليل السابق، فلماذا تحرصون على إلصاق التهمة بنبي الله وهمّه كهمّها لم يأتِ بشيء. ثم إن الهَمَّ منه هنا أمر طبيعي لأنه استعداد الطبيعة للوقوع في هذا الفعل، يعني: هو أمر ممكن بالنسبة له عليه السلام، فطبيعته صالحة لأنْ يفعل وإلا لقُلْنا إنه حَصُور ليس له في هذا الأمر، لا بل هو صالح له قادر عليه، فما الذي منعه إذن؟ نقول: منعه {أية : لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ..} تفسير : [يوسف: 24]. أي: في أن هذا حرام. كما تقول: أزورك لولا أن فلاناً عندك، فالمعنى أنني لم أَزُرْكَ، إذن: {أية : وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ..} تفسير : [يوسف: 24] يعني: هَمَّ ولم يفعل فالحكم هنا براءة ليوسف عليه السلام حتى من الهَمِّ. نعود إلى قوله تعالى: {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ..} [غافر: 5] حدث ذلك لكنهم لم يفعلوا ولم يأخذوه {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ..} [غافر: 5] أي: يزيلوا ويهزموا الحقَّ بالباطل، فماذا كانت النتيجة؟ {فَأَخَذْتُهُمْ ..} [غافر: 5] أي: أهلكتُهم بالفعل لا بالهَمِّ كما فعلوا هم، وهذا ما يليق بالقدرة العليا {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] يعني: هل عرفنا؟ هل قدرنا على عقابهم؟ وهذه مثل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 29-36]. يعني: هل قدرنا أنْ نجازيهم على أفعالهم وإجرامهم؟ وكأن الحق سبحانه يريد أن ينبه أهل الإيمان، وأن يطمئنهم إلى عدله سبحانه، فلن يفلت هؤلاء من العقاب، ولا شكّ أن عقاب أهل الإجرام وأهل الكفر يريح أهل الإيمان. وتأمل هنا أيضاً دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ..} [غافر: 5] ولم يقُلْ برسولها قياساً على أن الأمة مفرد مؤنث، إنما قال {بِرَسُولِهِمْ ..} [غافر: 5] فأضاف الرسول إلى جمع المذكر، ذلك لأن المواجهة بين الإسلام والكفر كانت بالرجال ولم تكُنْ المرأة طرفاً في هذه المواجهات بدليل أنهم لما بيَّتوا لرسول الله ليلة الهجرة كانوا جميعاً من الرجال ولم يكُنْ بينهم امرأة واحدة، كذلك الحال في {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ..} [غافر: 5] فهذه أمور لا دخْلَ للمرأة فيها.
همام الصنعاني
تفسير : 2653- معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ}: [الآية: 5]، قال: من بعد قوم نوح، وعاد وثمود، وتلك القرونِ، كانوا أحْزاباً علَى الكُفْرِ. 2655- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ}: [الآية: 5]، قال: يأخذوه، فيقتلوه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):