Verse. 4139 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَي الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اَنَّہُمْ اَصْحٰبُ النَّارِ۝۶ۘؔ
Wakathalika haqqat kalimatu rabbika AAala allatheena kafaroo annahum ashabu alnnari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وكذلك حقت كلمة ربك) أي "" لأملأن جهنم "" الآية (على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) بدل من كلمة.

6

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } أي « أية : لأملأنّ جَهنم تفسير : [119:11] الآية {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ } بدل من كلمةُ.

ابن عطية

تفسير : وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "كذلك سبقت كلمة". والمعنى: كما أخذت أولئك المذكورين فأهلكتهم فكذلك حقت كلماتي على جميع الكفار من تقدم منهم ومن تأخر أنهم أهل النار وسكانها. وقرأ نافع وابن عامر: "كلمات" على الجمع، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وابن نصاح وقرأ الباقون: "كلمة" على الإفراد وهي للجنس، وهي قراءة أبي رجاء وقتادة، وهذه كلها عبارة عن ختم القضاء عليهم. وقوله: {أنهم} بدل من {كلمة}. ثم أخبر تعالى بخبر يتضمن تشريف المؤمنين ويعظم الرجاء لهم، وهو أن الملائكة الحاملين للعرش والذين حول العرش، وهؤلاء أفضل الملائكة يستغفرون للمؤمنين ويسألون الله لهم الرحمة والجنة، وهذا معنى قوله تعالى في غير هذه الآية: {أية : كان على ربك وعداً مسوؤلاً} تفسير : [الفرقان: 16] أي سألته الملائكة، وفسر في هذه الآية المجمل الذي في قوله تعالى في غير هذه الآية {أية : ويستغفرون لمن في الأرض} تفسير : [الشورى: 5] لأنه معلوم أن الملائكة لاتستغفر لكافر، وقد يجو أن يقال معنى ذلك أنهم يستغفرون للكفار، بمعنى طلب هدايتهم والمغفرة لهم بعد ذلك، وعلى هذا النحو هو استغفار إبراهيم لأبيه واستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافقين. وبلغني أن رجلاً قال لبعض الصالحين ادع لي واستغفر لي، فقال له: تب واتبع سبيل الله يستغفر لك من هوخير مني، وتلا هذه الآية. وقال مطرف بن الشخير: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد الشياطين، وتلا هذه الآية. وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة سنة" تفسير : وقرأت فرقة: "العُرش" بضم العين، والجمهور على فتحها. وقوله تعالى: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً} نصب الرحمة على التمييز وفيه حذف تقديره: يقولون، ومعناه: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، وهذا نحو قولهم: تفقأت شحماً وتصببت عرقاً وطبت نفساً. وسبيل الله المتبعة: هي الشرائع. وقرأ جمهور الناس: "جنات عدن" على جمع الجنات. وقرأ الأعمش في رواية المفضل: "جنة عدن" على الإفراد، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود. والعدن: الإقامة. وقوله: {ومن يصلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} روي عن سعيد بن جبير في تفسير ذلك: أن الرجل يدخل الجنة قبل قرابته فيقول: أي أبي؟ أين أمي؟ أين زوجتي؟ فيلحقون به لصلاحهم ولتنبيهه عليهم وطلبه إياهم، وهذه دعوة الملائكة: وقرأ عيسى بن عمر: "وذريتهم" بالإفراد. وقوله: {وقهم} أصله أوقهم، حذفت الواو اتباعاً لحذفها في المستقبل، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف، ومعناه: اجعل لهم وقاية تقيهم {السيئات}، واللفظ يحتمل أن يكون الدعاء في دفع العذاب اللاحق من {السيئات}، فيكون في اللفظ على هذا حذف مضاف، كأنه قال: وقهم جزاء السيئات.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَكَذَلِكَ} أي كما حقت كلمة العذاب على أولئك حقت على هؤلاء {حَقَّتْ} وجب عذاب ربك، أو صدق وعده أنهم أصحاب النار جعلهم لها أصحاباً لملازمتهم لها.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَـٰتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، في مصحفِ ابن مسعودٍ «وَكَذَلِكَ سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ» والمعنى: وَكَمَا أَخَذَتْ أولئك المَذْكُورِينَ فَأَهْلَكَتْهُمْ، فكذلك حَقَّتْ كلماتي علَىٰ جميعِ الكُفَّارِ، مَنْ تَقَدَّمَ منْهُمْ ومَنْ تَأَخَّرَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّار. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ...} الآية، أَخْبَرَ اللَّهُ سبحانَهُ بِخَبَرٍ يتضمَّنُ تَشْرِيفَ المؤمنِينَ، ويُعظِّمُ الرَّجاءَ لهم، وهو أنَّ الملائِكَةَ الحَامِلِينَ لِلْعَرْشِ والذينَ حَوْلَ العَرْشِ؛ وهؤلاءِ أفضلُ الملائِكَةِ يستغْفِرُونَ للمؤمنين، ويسألون اللَّهَ لَهُمُ الرَّحْمَةَ والجَنَّةَ؛ وهذا معنى قوله تعالى في غير هذه الآية، {أية : كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً } تفسير : [الفرقان:16]أي سأَلَتْهُ الملائكةُ، قال * ع *: وفَسَّرَ في هذه الآية المُجْمَلَ الذي في قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [الشورى:5]؛ لأَنَّ الملائِكَةَ لا تستغفرُ لكافرٍ، وقد يجوز أن يُقَال: إنَّ استغفارَهم لهمُ بمعنى طَلَبِ هدايتِهم، وبلغني أنَّ رجُلاً قال لبعض الصالحين: ٱدْعُ لي، وٱستَغْفِرْ لي، فقالَ لَهُ: تُبْ، وٱتَّبِعْ سَبِيلَ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وتلا هذه الآيَةَ، وقال مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: وَجَدْنَا أَنْصَحَ الْعِبَادِ لِلْعِبَادِ المَلاَئِكَةَ، وأغَشَّ العِبَادِ لِلْعِبَادِ الشَّياطِينَ، وتلا هذه الآية، وروى جابرٌ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أُذِنَ لي أَن أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمائَةِ سَنَةٍ، قال الداوُوديُّ: وعن هارونَ بْنِ ريابٍ قال: حملةُ العَرْش ثمانيةٌ يَتَجاوبُونَ بصوْتٍ حَسَنِ، فأرْبَعَةٌ يقولونَ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَىٰ حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وأَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلَىٰ عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ تفسير : ، انتهى. وَرَوَىٰ أبو داودَ عن جَابِرِ بن عبدِ اللَّه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أُذِنَ لي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلَى عَاتِقِهِ [مَسِيرَةَ] سَبْعِمَائَةِ عَامٍ»تفسير : ، انتهى، وقد تقدَّم. وقولهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} معناه: وسِعتْ رَحْمَتُكَ وَعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ. وقوله: «حديث : ومَنْ صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم»تفسير : رُوِيَ عن سعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في ذلك: أنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبل قَرَابَتِهِ، فَيَقُولُ: أَيْنَ أَبِي؟ أَيْنَ أُمِّي، أَيْنَ ٱبْنِي، أَيْنَ زَوْجِي، فيلحقونَ بِهِ؛ لِصَلاَحِهِمْ ولتنبيههِ عليهم، وطَلَبِهِ إيَّاهُمْ، وهٰذِهِ دَعْوَةُ المَلاَئِكَةِ. وقولهم: {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَـٰتِ} معناه: اجْعَلْ لهم وِقَايَةً تقيهمُ السيئاتِ، واللَّفْظُ يحتملُ أَنْ يكونَ الدعاءُ في أن يدفعَ اللَّهُ عنهم أنْفُسَ السيئاتِ حتَّىٰ لاَ يَنَالَهُمْ عذابٌ مِن أَجْلِهَا، ويحتملُ أَنْ يكونَ الدعاءُ في دَفْعِ العَذَابِ اللاَّحِقِ من السيئاتِ، فيكونُ في اللَّفْظِ على هذا حذْفُ مضافٍ، كأنه قال: وقِهِمْ جَزَاءَ السيِّئاتِ، قال الفَخْرُ: وقوله تعالى: {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} يعني: من تِقِ السيئاتِ في الدنيا، فَقَدْ رَحِمْتَهُ في يوم القيامةِ، انتهى، وهذا رَاجِعٌ إلى التأويل الأول.

القشيري

تفسير : إذا انختم على عبدٍ حُكْمُ الله بشقاوته فلا تنفعه كَثْرَةُ ما يورَدُ عليه من النُّصح. والله على أمره غالبٌ. ومَنْ أَسَرَتْه يَدُ الشقاوة فلا يُخَلِّصُه مِنْ مخالبها جُهْدٌ ولا سعاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك حقت كلمة ربك} اى كما وجب وثبت حكمه تعالى وقضاؤه بالتعذيب على اولئك الامم المكذبة المتحزبة على رسلهم المجادلة بالباطل لادحاض الحق به وجب ايضا {على الذين كفروا} اى كفروا ربك وتحزبوا عليك وهموا بما لم ينالوا فالمصول عبارة عن كفار قومه عليه السلام وهم قريش لا عن الامم المهلكة {انهم اصحاب النار} فى حيز النصب بحذف لام التعليل وايصال الفعل اى لأنهم مستحقوا اشد العقوبات وافظعها التى هى عذاب النار وملازموها ابدا لكونهم كفارا معاندين متحزبين على الرسول عليه السلام كدأب من قبلهم من الامم المهلكة فهم لسائر فنون العقوبات اشد استحقاقا واحق استيجابا فعلة واحدة تجمعهم وهى انهم اصحاب النار وقيل هو فى محل الرفع على أنه بدل من كلمة ربك بدل الكل والمعنى مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة المهلكة كونهم من اصحاب النار اى كما وجب اهلاكهم فى الدنيا بعذاب الاستئصال كذلك وجب تعذيبهم بعذاب النار فى الآخرة فالتشبيه واقع حالتيهم والجامع للطرفين ايجاب العذاب ومحل الكاف على التقديرين النصب على انه نعت لمصدر محذوف فى الآية اشارة الى ان الاصرار مؤدى الى الاخذ والانتقام فى الدنيا والآخرة فعلى العاقل ان يرجع الى الله ويتوب ويتعظ بغيره قبل ان يتعظ الغير به شعر : جوبر كشته بختى درافتد به بند ازونيك بختان بكيرند بند توبيش از عقوبت درعفوت كوب كه سودى ندارد فغان زيرجوب تفسير : عصمنا الله واياكم من اسباب سخطه

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وابن عامر {حقت كلمات} على الجمع. الباقون على التوحيد. من وحد فلأن الكلمة تقع على القليل والكثير مفردة. ومن جمع فلأن ذلك قد يجمع إذا اختلف اجناسها، كما قال {أية : وصدقت بكلمات ربها} تفسير : يعني شرائعه لأن كتبه قد ذكرت. والمعنى وحقت كلمات ربك، كقولهم: الحق لازم. ووجه التشبيه في قوله {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا} أن الكفار يعاقبون فى الآخرة بالنار، كما عوقبوا فى الدنيا بعذاب الاستئصال إلا انهم في الآخرة على ملازمة النار والحصول فيها، وقد حقت الكلمة عليهم في الأمرين جميعاً، فحقت الكلمة على هؤلاء كما حقت الكلمة على اولئك، وموضع {أنهم أصحاب النار} يحتمل أن يكون نصباً على تقدير بأنهم أو لأنهم. ويحتمل أن يكون رفعاً على البدل من (كلمة). وقال الحسن: حقت كلمة ربك على مشركي العرب كما حقت على من قبلهم. ثم اخبر تعالى عن حال الملائكة وعظم منزلتهم بخلاف ما عليه الكفار من البشر، فقال {الذين يحملون العرش} عبادة لله تعالى وامتثالا لأمره {ومن حوله} يعني الملائكة الذين حول العرش يطوفون به ويلجئون اليه {يسبحون بحمد ربهم} أي ينزهونه عما لا يليق به ويحمدونه على نعمه {ويؤمنون به} أي ويصدقون به ويعترفون بوحدانيته {ويستغفرون للذين آمنوا} أي يسألون الله المغفرة للذين آمنوا - من البشر - أي صدقوا بوحدانيته واعترفوا بالالهية. ويقولون: ايضاً مع ذلك {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} ونصبهما على التميز ومعناه وسعت رحمتك أي نعمتك ومعلومك كل شيء. فنقل الفعل إلى الموصوف على وجه المبالغة، كما قالوا: طبت به نفساً، وجعل العلم في موضع المعلوم، كما قال {أية : ولا يحيطون بشيء من علمه} تفسير : أي بشيء من معلومه على التفصيل، وتقديره: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، ويقولون أيضاً ربنا {فاغفر للذين تابوا} من معاصيك ورجعوا إلى طاعتك {واتبعوا سبيلك} الذي دعوت خلقك اليه من التوحيد وإخلاص العبادة {وقهم عذاب الجحيم} أمنع منهم عذاب جهنم لا يصل اليهم، وحذف يقولون قبل قوله {ربنا} لأنه مفهوم من الكلام. واستغفارهم للذين تابوا يدل على ان اسقاط العقاب غير واجب لأنه لو كان واجباً لما كان يحتاج إلى مسألتهم بل الله تعالى كان يفعله لا محالة. ثم حكى تمام ما يدعوا به حملة العرش والملائكة للمؤمنين، فانهم يقولون ايضاً {ربنا وأدخلهم} مع قبول توبتك منهم ووقاية النار {جنات عدن التي وعدتهم} أي الجنة التي وعدت المؤمنين بها وهي جنة عدن أي إقامة وخلود ودوام {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} كل ذلك في موضع نصب. ويحتمل أن يكون عطفاً على الهاء والميم في {وأدخلهم} وتقديره وادخل من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم الجنة ايضاً. ويحتمل ان يكون عطفاً على الهاء والميم في {وعدتهم} وتقديره أدخلهم جنات عدن التي وعدت المؤمنين ووعدت من صلح من آبائهم {إنك أنت العزيز} في انتقامك من اعدائك {الحكيم} في ما تفعل بهم وبأولئك، وفي جميع أفعالك. وقولهم {وقهم السيئات} معناه وقهم عذاب السيئات ويجوز أن يكون العذاب هو السيئات وسماه سيئات، كما قال {أية : وجزاء سيئة سيئة} تفسير : للاتساع وقوله {ومن تق السيئات} أي تصرف عنه شر عاقبة سيئاته من صغير اقترفه او كبير تاب منه فتفضلت عليه {يومئذ} يعني يوم القيامة {فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} أي صرف العذاب عنهم هو الفلاح العظيم، والفوز الظاهر. ثم اخبر تعالى {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: مقتوا أنفسهم حين عاينوا العقاب، فقيل لهم: مقت الله إياكم اكبر من ذلك. وقال الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله اكبر من مقتكم انفسكم. وقال البلخي: لما تركوا الايمان وصاروا إلى الكفر فقد مقتوا انفسهم أعظم المقت، كما يقول احدنا لصاحبه: إذا كنت لا تبالي بنفسك فلما أبالي بك؟! وليس يريد انه لا يبالي بنفسه لكنه يفعل فعل من هو كذلك. وقال قوم: لمقت الله اكبر من مقت بعضكم لبعض. والمقت اشد العداوة والبغض ثم بين أن مقت الله إياهم حين دعاهم إلى الأيمان على لسان رسله فكفروا به وبرسلهم فمقتهم الله عند ذلك، وتقدير {ينادون لمقت الله} ينادون إن مقت الله إياكم، ونابت اللام مناب (إن) كما تقولون ناديت إن زيداً لقائم وناديت لزيد قائم. وقال البصريون هذه لام الابتداء، كما يقول القائل: لزيد أفضل من عمرو أي يقال لهم والنداء قول.

الجنابذي

تفسير : {وَكَذَلِكَ} اى مثل ذلك العقاب المسموع للكلّ {حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} بالعذاب {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر ولا سيّما الكافرين الّذين كفروا برسالتك والمنظور الكافرون بولاية علىٍّ (ع) {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} عن الباقر (ع) يعنى بنى اميّة.

الأعقم

تفسير : {وكذلك حقت} وجبت {كلمة ربك على الذين كفروا} قريش {أنهم أصحاب النار} يعني كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة {الذين يحملون العرش ومن حوله} من الملائكة، قيل: هم صنفان: صنف هم حملة العرش، وصنف يطوفون، قال جار الله: حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا تفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة، فإن خلقا من الملائكة يقال له اسرافيل زواية من زوايا العرش على كاهله قدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من السماء السابعة، وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع" تفسير : وفي الحديث: "حديث : أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة" تفسير : وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين ومكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف وقد وضعوا الايمان على الشمائل ما بينهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر {ويستغفرون للذين آمنوا} أي يستغفروا لهم بطلب المغفرة لهم من الله {ربنا} أي يقولون ربنا {وسعت كل شيء رحمة وعلماً} أي وسعت رحمتك كل شيء وعلمك {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} أي دينك {وقهم عذاب الجحيم} أي النار {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم} أي اجعل معهم الصالحين من آبائهم {وأزواجهم وذرّياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} {وقهم السيئات}، قيل: اصرف عنهم جزاء السيئات، وقيل: قهم أنواع العقاب، وقيل: قهم أنواع المعاصي بالألطاف {ومن تق السيئات} بلطفك {يومئذ} يعني يوم القيامة {فقد رحمته} وأنعمت عليه {وذلك هو الفوز العظيم} {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله}، قيل: مقتوا أنفسهم حين عاينوا العذاب فقيل لهم: {مقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم}، وقيل: مقت الله إياكم وأنتم في الدنيا أكبر {إذ تدعون إلى الإِيمان فتكفرون} أكبر من مقتكم، والمقت أشد البغض {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} أي موتتين وحياتين، وأرادوا بالاماتتين خلقهم أمواتاً أوَّلاً وأماتهم عند انقضاء أجلهم، وبالإِحياء بين الحياة الأولى وحياة البعث، قال جار الله: وناهيك تفسيراً لذلك قوله تعالى: {أية : وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} تفسير : [البقرة: 28] عن ابن عباس، وذكر الحاكم: أن الموتة الأولى في الدنيا بعد الحياة والثانية في القبر قبل البعث، والحياة الأولى في القبر والثانية في الحشر عن الحسن السدي، وقيل: الحياة الأولى في الدنيا والثانية في القبر، والآية تدل على صحة عذاب القبر واسم الموت على النطفة مجاز فحمل الكلام على حقيقته أولى، ثم بيَّن تعالى علة الخلود فقال سبحانه: {ذلكم بانه إذا دعي الله وحده كفرتم} وانكرتم أن يكون وحده إلهاً وقلتم: أجعل الآلهة إلهاً واحداً {وإن يشرك به تؤمنوا} أي تصدقوا {فالحكم لله} في إدامة العذاب ومنع الرجوع {العلي} القادر على ما يشاء {الكبير} العظيم الشأن.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} وعيده أو قضاؤه بالعذاب أو تحقق في الخارج ما قال وفي مصحف ابن مسعود (وكذلك سبقت كلمات ربك) أي (حقت كلمات ربك)* {عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ} من قومك كما حقت على هؤلاء الكفار لأجل الكفر {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} بدل اشتمال أن أريد بكلمات ربك الألفاظ بأن الألفاظ مشتملة على المعاني والمعاني سببتها وبدل كل ان أريد بها المعاني وهى الوعيد أو القضاء وأريد بالوعيد والقضاء الموعود المقصود وزعم القاضي أنه بدل كل ان أريد اللفظ واشتمال ان أريد المعنى ويجوز أن يكون على تقدير لام العلة أي لانهم وجمع (كلمات) قراءة نافع وابن كثير وقرأ الباقون بالافراد {الَّذِينَ} مبتدا {يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} حمل حقيقة على الصحيح بأن الاصل الحقيقة ولا دليل على المجاز والدلائل كرواية كونه على عواتقهم وكواهلهم وكونه يحمل يوم القيامة بثمانية ثقلة وهو الآن أربعة والاصل حمل ذلك على ظاهره وكذلك خفيف الملائكة حوله حقيقة وزعم القاضي أن الحمل والحفيف مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له وكناية عن قربهم من رحمة ذي العرش ورضاه وتوسطهم في نفاذ أمره. وقرأ ابن عباس (العُرش) بضم العين. روي أن حملة العرش أقدامهم في الأرض السفلى ورؤسهم قد أحدقت بالعرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة وأهل السابعة أشد من السادسة وهكذا وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أذن لي أن أتحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنيه وعاتقه مسيرة سبعمائة سنه وروي سبعمائة عام وبين أضلالهم وركبهم ما بين السماء والأرض" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تفكروا في عظمة الله ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فان خلقاً من الملائكة يقال له اسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وانه يتصاغر من عظمة الله حتى يصير كأنه الوضع وليس من حملة العرش كما لا يخفي ". تفسير : وعن ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم الى أسفل قدمه مسيرة خمسمائة عام ويروى أن أقدامهم في تخوم الارضين أى أصولها وألأرضون والسموات الى حجرهم وهم أفضل الملائكة والصحيح ان جبرائيل أفضل. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان الله تبارك وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة" تفسير : أي ما خلا جبرائيل فيسلم وليسوا بأفضل منه وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعل لواحد منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ولكل واحد أربعة أجنحة جناحان على وجهه مخافة أن ينظر الى العرش فيصعق وجناحان يخفق بهما في الهواء والعرش جوهرة خضراء وهو من أعظم المخلوقات وبين كل قائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام وفي رواية "ثلاثين ألف عام" ويكسى كل يوم ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر اليه خلق من خلق الله والأشياء كلها فيه كحلقة في فلاة وبينه وبين السابعة سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة وهو قبلة لأهل السماء كالكعبة لأهل الأرض" تفسير : {وَمَنْ حَوْلَهُ} العطف على (الذين) وحوله جانبه (والذين) حوله هم الكروبيون وعن بعضهم انهم أفضل الملائكة وساداتهم وأعلى طبقاتهم وأولهم وجوداً، قيل حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الايمان على الشمائل ما منهم أحد الا وهو يسبح بما يسبح به الآخر وفي رواية يدبر ويقبل صف واذا استقبل بعضهم بعضاً هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ومن وراء هؤلاء الصفوف سبعون ألف صف قيام أيديهم على أعناقهم وعواتقهم اذا سمعوا تكبير هؤلاء وتهليلهم رفعوا أصواتهم بقولهم سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأحلمك أنت الله لا اله غيرك أنت الأكبر والخلق اليك كلهم راجعون. وصرح بعض أصحابنا بمنع (ما أفعل) في صفات الله مثل (ما أعظمه) و (ما أحلمه) والصحيح الجواز لكثرة وروده في الحديث ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام وما بين شحمة أذنه الى عاتقه أربعمائة عام. قال قومنا: واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور وسبعين حجاباً من در أبيض وسبعين حجاباً من ياقوت أحمر وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر وسبعين حجاباً من ثلج وسبعين حجاباً من برد وما لا يعلمه الا الله عز وجل. قلنا معشر الأباضية: من قال ذلك كفر لانه يلزم منه أن يكون مقابلاً للحجاب غير محتجب عنه والحجاب خلق ومرتفعاً به ومحتاجاً اليه ومحدوداً بحجاب وأمان يقال احتجب عن خلقه بمعنى امتنع من أن يراه ويقابله فجائز وان صح ذلك حديثاً فمعناه احتجب أمر عظيم من أموره بذلك والله يعلمه ما هو* {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} ينزهونه عما لا يليق بجلاله ويعترفون بأنه المنعم على الاطلاق يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والاكرام ليس لهم كلام غير التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد. قال ابن عباس: يقولون سبحان ذي العز والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الله الذي لا يموت سباح قدوس رب الملائكة والروح وينفون عنه الرؤية والملاقاة تعالى عنهما فايمانهم وايمان غيرهم بطريق النظر لا بالمعاينة والعبارة تقتضي أن الحمد حال والتسبيح أصل لان الحمد مقتضي حالهم والتسبيح مشعر به كذا قيل وجملة (يسبحون) خبر (الذين)* {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} فائدة هذا مع علمه من التسبيح والحمد اظهار فضل الايمان وتعظيم أهله ومساق الآية لذلك وللاشعار بأن حملة العرش ومن حوله مع عظمهم آمنوا ولم يعاندوا وقيل قوله (ويؤمنون به) اطناب من حيث ان ايمانهم لا ينكره من يثبته وحسن ذكره اظهار شرف الايمان ترغيباً فيه ولقوله (يؤمنون) به فائدة أخرى وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول الفرقة الضالة الواصفون الله بالجسم أن حملة العرش ومن حوله معاينون لله حاشاه لما وصفوه بالايمان أي التصديق وانما يوصف به الغائب ولما وصفوه به على سبيل الثناء علم أن ايمانهم بطريق النظر والاستدلال كغيرهم وقد راعى المناسبة بينهم وبين غيرهم في الايمان بغير المعاينة بقوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} مع قوله ويؤمنون به كما تقول (زيد مذنب يستغفر للمذنبين) وحاشا الملائكة عن الذنب وتقول (زيد كان فقيراً ويرحم الفقراء) كأنه قيل (ويؤمنون ويستغفرون ممن كان في مثل حالهم وصفتهم) وفي الاستغفار (للذين آمنوا) تنبيه على أن الاشتراك في الايمان يجب أن يكون أدعى شيء الى النصيحة وأبعثه على تمحيص الشفقة وان تفاوت في الاجناس وتباعدت الاماكن هذا سماوي وذا أرضي وذلك ملك وذاك انسان ولعظمة الايمان قارن وجانس بين المتباعدين أشد التباعد وبين المعصومين عن الذنب والمذنبين كثيراً فلا أخوة أقوى من أخوة الايمان وهذا الاستغفار منهم عوض عن قولهم {أية : أتجعل فيها من يفسد} تفسير : ...الخ وتدارك فينبغي لمن تكلم في أحد بما يكره أن يستغفر له ان كان أهلاً للاستغفار وينفعه بشيء ان لم يكن أهلاً له وذلك ان كان ذلك التكلم على وجه غير مقبول في الشرع واستغفارهم طلبهم المغفرة لذنوب المؤمنين وطلب الرحمة. قال رجل لبعض الصالحين ادع لي واستغفر لي فقال له: تب واتبع سبيل الله يستغفر لك من هو خير منى وتلا الآية قال بعضهم: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة وأغش العباد للعباد الشياطين وتلا الآية وزعم القاضي أن استغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة والهامهم ما يوجب المغفرة والمراد بمن في الأرض في (ويستغفرون) لمن في الأرض مؤمنو من في الأرض وقيل (يستغفرون) أيضاً للكافرين بمعنى طلب الهداية لهم وبين الاستغفار بقوله* {رَبَّنَا} الخ فلعله مفعول لمحذوف أي يقولون يا ربنا... الخ وهذا المحذوف في محل رفع خبر ثان للذين كما أن (يستغفرون) معطوف على الخبر أو على ما عطف على الخبر فهو في محل رفع أو ذلك المحذوف حال من (واو) يستغفرون وكما (يستغفرون) بما في الآية و (يسبحون) بما مر يفعلون بغير ذلك زعم شمر بن حوشب ان حملة العرش ثمانية أربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك قال وكأنهم يرون ذنوب بني آدم وزعم هارون بن رباب أن حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت حسن فأربعة يقولون سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك وأربعة يقولون سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك* {وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} رحمة منصوب على التمييز المحول عن الفاعل أى ربنا وسعت رحمتك وعلمك كل شيء وانما حول الاسناد عن الرحمة الى الله للاغراق في وصفه بالرحمة والعلم كأنه في ذات العلم ذاته العلم والرحمة الواسعان وللنه الفاعل لهما وقدم الرحمة لانها المقصودة بالذات هنا دون العلم وفي ذلك تنبيه على تقديم الثناء على الله لما هو أهله قبل المطلوب بالدعاء ولما ثنوا بذلك لمطلوبهم قالوا* {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ} أي الذين علمت منهم التوبة ففيه مراعاة للصفتين المذكورتين قبل الرحمة والعلم* {وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} دينك الحق الذي جعلته طريقاً ودعوت العباد لسلوكه* {وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} نجهم منه وهذا معلوم من قوله {اغفر للذين تابوا} ولكن ذكره تأكيداً واشعاراً بشدة العذاب بحيث نه يطلب التحفظ منه.

اطفيش

تفسير : {وكَذلكَ} كما حفت كلمات ربك على هؤلاء الأمم المتحزبين، وقوم نوح بالعذاب {حقَّتْ كلمةُ رَّبك} بالاهلاك، وكلمات ربك قوله تعالى: " أية : وكان حقا علينا نصر المؤمنين" تفسير : [الروم: 47] فانه كلام مشتمل على كلمات أو هن كل كلام فى القرآن يتضمن نصره صلى الله عليه وسلم وهذا أولى {على الَّذين كَفَروا} من قومك، أهلكوا يوم بدر لتكذيبهم لك، وهمهم بأخذك، وجدالهم بالباطل ليدحضوا به الحق {أَنَّهم} لأنهم {أصْحاب النَّار} ناب التعليل بكونهم من أصحاب النار مناب التعليل بأنهم مكذبون هامون بالأخذ، مجادلون بالباطل لأن النار ثمرة ذلك، وصحبتها آخر أوصافهم وشرها، أو أنهم الخ بدل كلمات بدل اشتمال، فيفيد أن قومه صلى الله عليه وسلم مهلكون فى الدنيا وفى الآخرة على طريق الاخبار، لا على أن الاهلاك على الاخبار، وأن عذاب النار بالتعليل. ويجوز عود الكلام على هؤلاء الأحزاب، وأنهم الخ بدل كذلك أى كما حقت كلمات ربك على هؤلاء بهلاك الدنيا، حق عليهم أنهم أصحاب النار، أى سبق القضاء بذلك، أو ثبت ذلك، وسلاه صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة الذين هم بالمحل الأعلى على ما هو عليه، وفى نصرته، وذلك فى قوله تعالى: {الَّذينَ يحْمِلونَ العَرْش} الخ مبتدأ خبره قوله تعالى يسبحون، والواو فى يسبحون للذين يحملون، ولمن حول العرش، لأن من حول العرش عطف على الذين يحملون لا على العرش فهم مسبحون لا محمولون، كما حمل العرش، وهو جسم عظيم من جوهر أخضر بين كل قائمتين خفقان الطائر المسرع ثمانين ألف عام، ويروى ثلاثين ألف عام، قيل لو مسح مقعره بجميع مياه الدنيا مسحا خفيفا لقصرت عن استيعابه، حمله حقيقة على أكتافهم، وقيل قيام بأحوال العرش. أخرج أبو داود، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لى أن أخبر عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه الى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وهم ثمانية أملاك، أو صفوف يتجاوبون بصوت رخيم، يقول أربعة: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد عفوك، وأربعة منهم: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، وعن ابن عمر: حملة العرش ثمانية بين موق أحدهم الى مؤخر عينيه مسيرة خمسمائة عام، ويقال ما بين أضلافهم وركبهم ما بين السماء والأرض، وعن ابن عباس: ما بين الكعب وأسفل القدم خمسمائة عام. وقيل: اليوم كانوا أربعة لكل واحد جناحان ستر بهما وجهه لئلا يذوب أو يضعف بالنظر الى العرش، وجناحان يحركهما فى الهواء، ويوم القيامة ثمانية مدت الأربعة بأربعة لهوله، وهم على صورة الوعل، وقيل: ملك كالإنسان، يشفع لأرزاق الناس، والآخر كنسر لأرزاق الطير، وملك كالثور لأرزاق البهام، وملك كالسبع لأرزاق السباع، وقعوا على ركبهم لثقل العرش فلقنهم الله: لا حول ولا قوة إلا بالله فقاموا قيل: هم ثمانية أقدامهم فى الأرض السابعة، ورءوسهم فوق السماء السابعة، لهم قرون كطولهم، حملوا العرش عليها، وهم خشوع، وقيل: فوق العرش، ويقال الأرضون والسموات الى أحجازهم، لا يرفعون طرفهم، وفى صحيح ابن أبى شيبة كلامهم بالفارسية أى الا التسبيح فبالعربية والله أعلم بصحة ذلك. وعن وهب: لا كلام لهم الا قولهم قدوس، الله القوى، ملأت عظمة السماوات والأرض، وقيل تسبيحهم كلهم سبحان الحى الذى لا يموت، سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، سبحان ذى الملك والملكوت، سبحان ذى العزة والجبروت. {ومَنْ حَوْله} من الملائكة لا يعلم عددهم غير الله سبحانه، وقيل: سبعون ألف صف يطوفون بالعرش مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف وضعوا أيديهم على عواتقهم، رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم سبعون ألف صف، وضعوا الأيمان على الشمال، كل ملك من هؤلاء كلهم يسبح بما لا يسبح به الآخر، ومن تسبيح ملائكة العرش: سبحانك وبحمدك، ما أعظمك وأجلك، أنت الله لا اله غيرك، أنت الأكبر والخلق كلهم اليك، راجعون. ويروى: سبحان ذى العزة والجبروت، سبحان ذى الملك والملكوت سبحان الحى الذى لا يموت، سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، والعرش قبلة لأهل السماوات، وبينه وبين السماء السابعة سبعون ألف حجاب، حجاب نور، وحجاب ظلمة، وحجاب نور، وحجاب ظلمة، وهكذا، ويقال: مخلوقات البر عشر مخلوقات البحر، والكل عشر مخلوقات الجو، والمجموع عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل سماء عشر سماء فوقها، والمجموع عشر ملائكة الكرسى، وكل ذلك عشر الحافين حول العرش، لا نسبة بين ذلك، وسائر جنود الله الا عند الله " أية : وما يعلم جنود ربك إلا هو" تفسير : [المدثر: 31]. والكروبيون جمع كروبى بفتح الكاف وتخفيف الراء، هم حلمة العرش، والحافون، وقيل: هم حملة العرش، وأنهم أول الملائكة خلقا نسب الى الكرب بمعنى القرب منزلة عند الله تعالى أو بمعنى الشدة والحزن، وهم أشد الملائكة خوفا، ومن هذا ذكر البيهقى أنهم ملائكة العذاب، وأفضل الملائكة حملة العرش، لأنهم يلون العرش، ثم حملة الكرسى، وهم أخشع من ملائكة السماء السابعة، وكل أهل سماء أخشع من أهل سماء تحتها، وملائكة السماء الدنيا أخشع من ملائكة الأرض، والعرش قبلة لأهل السماوات. {يُسبِّحونَ بحَمْد ربِّهم ويُؤمنونَ بِهِ} الإيمان التام، وهم فى نصرة المؤمنين، واعتقاد أهل الحق أن الله موجود، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا يحويه مكان ولا زمان، ولا العرش ولا الكرسى، ولا تراه الملائكة الحاملون للعرش ولا غيرهم، ألا ترى أنهم موصوفون بالايمان، والايمان انما هو فى غير ما يشاهد، واذا كان فيما يشاهد فلأمر فى شأنه كالرسالة للنبى المشاهد صلى الله عليه وسلم. {ويَسْتَغفرونَ للَّذين آمنُوا} من الانس والجن، لأن الايمان أفضل الأشياء، وهو جامع بين الملائكة، وبين الانس والجن، مع تغاير نوع الملائكة ونوعيها، وأما قوله تعالى: "أية : ويستغفرون لمن في الأرض" تفسير : فعلى العموم، وفى المؤمن والكافر، لكن بمعنى ادرار الرزق، والمنافع، ودفع المضار، والأصل فى ذلك المؤمنون، ويجوز أن يكون المراد الذين آمنوا، يستغفرون لهم بذلك، ومحو الذنوب أو به، قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك قال: كأنهم يرون ذنوب بنى آدم. {ربَّنا وَسِعْت كُلَّ شيءٍ رحْمةً وعِلْماً} الخ مفعول به ليستغفر، لتضمنه معنى القول، كأنه قيل: ويقولون فى شأن الذين آمنوا: {ربنا وسعت} الخ، واللام للاستحقاق، والنفع وتئول الى ما رأيت، وقدر بعضهم القول حالا من واو يستغفرون ناصبا أى قائلين: {ربنا وسعت كل شيء} أو يقدر يقولون ربنا الخ عطف بيان من قوله: {يستغفرون} على جواز عطف البيان فى الجمل، ونصب رحمة وعلما على التمييز المحول عن الفاعل، أى وسعت رحمتك وعلمك، اى رحمتك وعلمك واسعان كل شىء، وذلك مبالغة إذ جعل ذاته واسعا والوسع للرحمة والعلم، وكأنه قيل: أنت ذو الرحمة والعلم الواسعين كل شىء. {فاغْفر للَّذين تابُوا} من الذنوب كبارها وصغارها، بمعنى أنه أتوا بصالح الأعمال، أو لا عمل لهم صالح الا التوبة النصوح آخر أعمارهم، وعنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : من تاب من ذنب ولم يعد إليه حتى مات كتب له بكل ذنب عمله في فسقه عبادة سنة" تفسير : {واتَّبعُوا سَبيلَك} الفاء سببية وتفريعية على قولك {رحمة وعلما} لأن الرحمة سبب للغفران، والرحيم يعفو، ولأن علمه شامل لهم لتوبتهم، وكأنه قيل: اغفر لهم فقد علمت توبتهم وابتاعهم سبيلك {وقِهِمْ عَذَابَ الجَحيم} تأكيد لأن المغفور له لا يعذب.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي كما وجب حكمه تعالى بالإهلاك على هؤلاء المتحزبين على الأنبياء وجب حكمه سبحانه بالإهلاك على هؤلاء المتحزبين عليك أيضاً وهم كفار قريش {أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } أي لأنهم أصحاب النار أي لأن العلة متحدة وهي أنهم كفار معاندون مهتمون بقتل النبـي مثلهم، فوضع {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } موضع ما ذكر لأنه آخر أوصافهم وشرها والدال على الباقي. و {أَنَّهُمْ } الخ في حيز النصب بحذف لام التعليل كما أشرنا إليه، وجوز أن يكون في محل رفع على أنه بدل من {كَلِمَتُ رَبّكَ} بدل كل من كل إن أريد بالكلمة قوله تعالى أو حكمه سبحانه بأنهم من أصحاب النار، وبدل اشتمال إن أريد بها الأعم، ويراد بالذين كفروا أولئك المتحزبون، والمعنى كما وجب إهلاكهم بالعذاب المستأصل في الدنيا وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة أيضاً لكفرهم، والوجه الأول أظهر بالمساق. والتعبير بعنوان الربوبية من الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم، وفسرت {كَلِمَتُ رَبّكَ} عليه بقوله سبحانه: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ }تفسير : [الروم: 47] ونحوه. وفي مصحف عبد الله {وكذلك سبقت} وهو على ما قيل تفسير معنى لا قراءة. وقرأ ابن هرمز وشيبة وابن القعقاع ونافع وابن عامر {كلمات} على الجمع.

ابن عاشور

تفسير : الواو عاطفة على جملة {أية : فكيف كان عِقَاب}تفسير : [غافر: 5]، أي ومثل ذلك الحَقّ حقت كلمات ربك فالمشار إليه المصدَر المأخوذ من قوله: {حَقَّت كَلِماتُ رَبك} على نحو ما قرر غير مرة، أولاها عند قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : في سورة البقرة (143)، وهو يفيد أن المشبه بلغ الغاية في وجه الشبه حتى لو أراد أحد أن يشبهه لم يشبهه إلا بنفسه. ولك أن تجعل المشار إليه الأخْذَ المأخوذ من قوله: {أية : فأخذتهم}تفسير : [غافر: 5]، أي ومثل ذلك الأخذ الذي أخذ الله به قوم نوح والأحزابَ من بعدهم حقت كلمات الله على الذين كفروا، فعلم من تشبيه تحقق كلمات الله على الذين كفروا بذلك الأخذِ لأن ذلك الأخذ كان تحقيقاً لكلمات الله، أي تصديقاً لما أخبرهم به من الوعيد، فالمراد {بالذين كفروا} جميع الكافرين، فالكلام تعميم بعد تخصيص فهو تذييل لأن المراد بالأحزاب الأمم المعهودة التي ذكرت قصصها فيكون {الذينَ كَفَروا} أعم. وبذلك يكون التشبيه في قوله: {وكذلك حقت كلمات ربك} جارياً على أصل التشبيه من المغايرة بين المشبه والمشبه به، وليس هو من قبيل قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا}تفسير : [البقرة: 143] ونظائره. ويجوز أن يكون المراد بــــ {الذين كفروا} عين المراد بقوله آنفاً: {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}تفسير : [غافر: 4] أي مثل أخذ قوم نوح والأحزاب حقت كلمات ربك على كفار قومك، أي حقت عليهم كلمات الوعيد إذا لم يقلعوا عن كفرهم. و(كلمات الله) هي أقواله التي أوحى بها إلى الرسل بوعيد المكذبين، و {على الذين كفروا} يتعلق بــــ {حقت}. وقوله: {أنهم أصحابُ النَّار} يجوز أن يكون بدلاً من {كلمات ربك} بدلاً مطابقاً فيكون ضمير {أنَّهُم} عائد إلى {الذين كفروا}، أي حق عليهم أن يكونوا أصحاب النار، وفي هذا إيماء إلى أن الله غير معاقب أمة الدعوة المحمدية بالاستئصال لأنه أراد أن يخرج منهم ذرية مؤمنين. ويجوز أن يكون على تقدير لام التعليل محذوفةٍ على طريقة كثرة حذفها قبل (أنَّ). والمعنى: لأنهم أصحاب النار، فيكون ضمير {أنَّهُم} عائداً إلى جميع ما ذكر قبله من قوم نوح والأحزاب من بعدهم ومن الذين كفروا. وقرأ الجمهور {كلمة ربك} بالإِفراد. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر بصيغة الجمع، والإِفراد هنا مساو للجمع لأن المراد به الجنس بقرينة أن الضمير المجرور بــــ(على) تعلق بفعل {حَقَّت} وهو ضمير جمع فلا جرم أن تكون الكلمة جنساً صادقاً بالمتعدد بحسب تعدد أزمان كلمات الوعيد وتعدد الأمم المتوعَّدة.

الشنقيطي

تفسير : قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر (كَلِمَات) بصيغة الجمع المؤنث السالم وقرأه الباقون (كلمة ربِّك) بالإفراد. وقد أوضحنا معنى الكلمة والكلمات فيما يماثل هذه الآية في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 7].

د. أسعد حومد

تفسير : {كَلِمَةُ} {أَصْحَابُ} (6) - وَكَمَا حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى المُكَذِّبِينَ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ، أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فِي الآخِرَةِ لأَِنَّ الأَسْبَابَ التي تُوجِبُ عِقَابَ الفَرِيقَينِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الكُفْرُ باللهِ، وَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ، وَمُعَانَدَةُ الحَقِّ. حَقَّتْ - وَجَبَتْ وَثَبَتَتْ بِالإِهْلاَكِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (حَقَّتْ) أي: وجبتْ وثبتت ولم يأت واقع لينقضها، لماذا؟ لأن الذي قالها يعلم ما يكون بعدها، وخاصة إذا كان الذين يعملون لهم اختيار في أنْ يعملوا أو لا يعملوا. فالله تعالى قالها وحكم بها عليهم وهم في بحبوحة الدنيا وفي زمن الاختيار، ومع ذلك لم يخالفوها، وهنا موضع العظمة في كلام الله، العظمة أنْ أتحداك في أمر لك فيه اختيار، ومع ذلك لا تخرج عما حكمت عليك به. ومثل هذا قلناه في قوله تعالى في شأن أبي لهب وزوجته: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. فالحق سبحانه وتعالى حكم عليهما بالكفر، وأن مصيرهما النار مع أن الإيمان والكفر أمر وكَلَ اللهُ اختياره للعبد بدليل أن أمثال أبي لهب من كفار مكة أسلموا مثل: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة وغيرهم، وكان في إمكان أبي لهب بعد أن نزلت هذه السورة أنْ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يقولها ولو نفاقاً، لكن لم يحدث وصدق فيه قول الله تعالى. وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..} تفسير : [الأنفال: 24] فقلبه يُحدِّثه بالشيء إنما العظمة الإلهية تحوله عنه. لذلك قال تعالى لأم موسى: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..} تفسير : [القصص: 7] فالقياس العقلي لا يقبل هذا الحل وأي عاقل يقول: إن المرأة إذا خافت على وليدها تلقيه في البحر؟ لكن هنا أم موسى لم تسمع لصوت العقل ولا تأثرتْ بعاطفتها نحو وليدها، إنما سمعت لقول ربها، سمعت لهذا الوارد الأعلى الذي لا يعارضه أيُّ وارد شيطاني أسفل فلم تتردد أبداً في أنْ تلقي بوليدها في البحر، لأن الله تعالى حَالَ بينها وبين عاطفة قلبها. كذلك الحال في قصة سيدنا موسى مع فرعون، فقد أخبر الكهنة فرعون أن زوال مُلْكه سيكون على يد غلام من بني إسرائيل، فماذا فعل فرعون - لتعلموا كيف كانت عقلية الذين ادَّعَوْا الألوهية، وكيف أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه، ماذا فعل فرعون؟ راح يبحث عن الأطفال ويقتلهم، وهو لا يعلم أن الله يدَّخر له هذا الغلام فيأتيه ويطرق بابه وهو في مهده على الهيئة التي تعرفونها، ومع ذلك يطمئن إليه ويتخذه ولداً له، وتقول زوجته {أية : قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ..} تفسير : [القصص: 9] فيأخذه ويُربِّيه في بيته، هذا معنى {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. إذن: فقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [غافر: 6] ما حقتْ عليهم بقهر وجبروت، إنما حقَّتْ عليهم باختيار منهم، والحق سبحانه وتعالى بعلمه الأزلي علم اختيارهم، فحكم عليهم بسابق علمه فيهم، ولا يمكن أنْ يأتي واقعٌ يخالف هذا الحكم لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله. وسبق أنْ أوضحنا أن الكلمة تُطلق على اللفظ المفرد، وتُطلق على الكلام ومن ذلك قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ..} تفسير : [المؤمنون: 100] وقوله سبحانه في الذين قالوا {أية : ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً ..} تفسير : [يونس: 68] قال: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} تفسير : [الكهف: 5] ونحن نسمي الخطبة الطويلة كلمة. فالكلمة التي حقَّتْ ووجبتْ وثبتتْ ليسَت مطلق كلمة، إنما هي {كَلِمَةُ رَبِّكَ ..} [غافر: 6] وكلمة الله لا بدَّ أنْ تحقّ ولا بدَّ أنْ تثبت، وما كان الله تعالى ليقول كلمة، ثم يأتي واقع الأحداث ويكذبها، والكلمة التي حقّتْ على الذين كفروا هي {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [غافر: 6].

الجيلاني

تفسير : {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ} وثبتت {كَلِمَةُ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل في لوح قضائه وحضرة علمه {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بك وبدينك وكتابك {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [غافر: 6] أي: ملازموها وملاصقوها أبد الآباد، لا نجاة لهم منها، فـ {أية : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 127]. ثم أشار سبحانه إلى حثِّ المؤمنين الموحدين على الإيمان، ومواظبة الشكر على إنعام الله إياهم باليقين، فقال: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ} وهم الكروبيون الذين سبقوا بحمل العرش الإلهي، وحفظ ما انعكس فيهم من تجلياته الجمالية بدوام المراقبة والمطالعة بوجهه الكريم {وَمَنْ حَوْلَهُ} من الملائكة الذين يطوفون حول العرش، ويقتفون أثر أولئك الحملة السابقين كلهم {يُسَبِّحُونَ} وينزهون الحق عن سمات الحدوث والإمكان، ويقدسونه عن عروض السهو والنيسان؛ إذ كمال ما يدرك المدرك منه سبحانه إنما هو التسبيح والتقديس، وإلا فالأمر أعز وأعلى من أن يحيط به الآراء ويحوم حوله الأهواء، ويواظبون {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} على ما أولاهم نعمة التوجه إليه والتحنن نحوه. {وَ} بالجملة: {يُؤْمِنُونَ بِهِ} سبحانه، ويوحدونه، ويعتقدون أوصافه العليا وأسماؤه الحسنى، وإن عجزوا عن كنه ذاته {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: يطلبون العفو والستر منه سبحانه لذنوب إخوانهم الذين آمنوا بوحدة الحق وكمالات أسمائه وصفاته، مثل إيمانهم سواء كانوا سماويين أو أرضيين، قائلين مناجين مع ربهم حين استغفارهم: {رَبَّنَا} يا من ربانا على فطرة تسبيحك وتقديسك، ومداومة حمدك وثنائك، أنت بذاتك بمقتضى كرمك وجودك {وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي: وسعت رحمتك، وأحاطت حضرة علمك على كل ما لمع عليه بروق تجلياتك وشروق شمس ذاتك {فَٱغْفِرْ} لسعة رحمتك وجودك {لِلَّذِينَ تَابُواْ} ورجعوا نحو بابل نادمي، وامحُ عن عيون بصائرهم سبل الغير والسوى في جنب بابك {وَٱتَّبَعُواْ} بالعزيمة الصادقة الخالصة {سَبِيلَكَ} الذي أرشدتهم إليه بوحيك على رسلك { وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [غافر: 7] أي: احفظهم عن عذاب الطرد والحرمان المعد لأصحاب الخسران في جميع حجتهم الخذلان. {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ} بفضلك ولطفك {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي: متنزههات العلم والعين والحق {ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} في كتابك لعموم أرباب العناية من عبادك {وَ} كذا أدخل {مَن صَـلَحَ} عندك لفيضان جودك وإحسانك {مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} الذين تناسلوا منهم على فطرة التوحيد، وحلية الإيمان والعرفان {إِنَّكَ} بذاتك وأسمائك وصفاتك {أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} المنيع ساحة عز حضوره عن أن يحوم حوله شائبة وهم أحد من مظاهرك ومصنوعاتك {ٱلْحَكِيمُ} [غافر: 8] في جميع أفعالك الصادرة عنك على كمال الإحكام والإتقان. {وَقِهِمُ} بمقتضى حكمتك المتقنة {ٱلسَّيِّئَاتِ} أي: الجرائم والآثام المستتبعة لإدخالهم إلى دركات النيران، {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ} أي: من تحفظه أنت بمقتضى لطفك وتوفيقك عن المعاصي في النشأة الأولى {فَقَدْ رَحِمْتَهُ} ألبتة في النشأة الأخرى {وَذَلِكَ} أي: وقايتك وحفظك إياهم عن أسباب الخذلان والحرمان {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [غافر: 9] والكرم العميم واللطف الجسيم.

همام الصنعاني

تفسير : 2656- حدثنا معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {حَقَّتْ (كلمات) رَبِّكَ}: [الآية: 6]، قال: حق عليهم عذَابُ الله بأَعمالِهِم.