Verse. 4140 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

اَلَّذِيْنَ يَحْمِلُوْنَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَہٗ يُسَبِّحُوْنَ بِحَمْدِ رَبِّہِمْ وَيُؤْمِنُوْنَ بِہٖ وَيَسْتَغْفِرُوْنَ لِلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا۝۰ۚ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَۃً وَّعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِيْنَ تَابُوْا وَاتَّبَعُوْا سَبِيْلَكَ وَقِہِمْ عَذَابَ الْجَــحِيْمِ۝۷
Allatheena yahmiloona alAAarsha waman hawlahu yusabbihoona bihamdi rabbihim wayuminoona bihi wayastaghfiroona lillatheena amanoo rabbana wasiAAta kulla shayin rahmatan waAAilman faighfir lillatheena taboo waittabaAAoo sabeelaka waqihim AAathaba aljaheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين يحملون العرش» مبتدأ «ومن حوله» عطف عليه «يسبحون» خبره «بحمد ربهم» ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان الله وبحمده «ويؤمنون به» تعالى ببصائرهم أي يصدقون بوحدانيته «ويستغفرون للذين آمنوا» يقولون «ربنا وسعت كل شيءٍ رحمة وعلما» أي وسعت رحمتك كلَّ شيء وعلمك كل شيء «فاغفر للذين تابوا» من الشرك «واتبعوا سبيلك» دين الإسلام «وقهم عذاب الجحيم» النار.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين، بيّن أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، كأنه تعالى يقول إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم ولا تقم لهم وزناً، فإن حملة العرش معك والحافون من حول العرش معك ينصرونك وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى حكى عن نوعين من فرق الملائكة هذه الحكاية: القسم الأول: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ } وقد حكى تعالى أن الذين يحملون العرش يوم القيامة ثمانية، فيمكن أن يقال الذين يحملون في هذا الوقت هم أولئك الثمانية الذين يحملونه يوم القيامة، ولا شك أن حملة العرش أشراف الملائكة وأكابرهم، روى صاحب «الكشاف» أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله تعالى من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله، وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوضع» تفسير : قيل إنه طائر صغير، وروي أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدو ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة، وقيل خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وقيل حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا ويسبح بما لا يسبح به الآخر، هذه الآثار نقلتها من «الكشاف». وأما القسم الثاني: من الملائكة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقوله تعالى: {وَمَنْ حَوْلَهُ } والأظهر أن المراد منهم ما ذكره في قوله {أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } تفسير : [الزمر: 75] وأقول العقل يدل على أن حملة العرش، والحافين حول العرش يجب أن يكونوا أفضل الملائكة، وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجساد إلى الأجساد، فلما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من الأرواح المدبرة للأجساد، وأيضاً يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن تلك الأرواح القاهرة المستعلية لجسم العرش أرواح أُخر من جنسها، وهي متعلقة بأطراف العرش وإليهم الإشارة بقوله {أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } تفسير : [الزمر: 75] وبالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية، وبالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد، إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في اختلاف مراتب عالم الأجساد، فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب عالم الأرواح. المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزّه عن أن يكون في العرش، وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ } وقال في آية أخرى {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17] ولا شك أن حامل العرش يكون حاملاً لكل من في العرش، فلو كان إلٰه العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإلٰه العالم فحينئذ يكونون حافظين لإلٰه العالم والحافظ القادر أولى بالإلٰهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية، فحينئذ ينقلب الإلٰه عبداً والعبد إلٰهاً، وذلك فاسد، فدل هذا على أن إلٰه العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام. واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء: النوع الأول: قوله {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } ونظيره قوله حكاية عن الملائكة {أية : وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ } تفسير : [البقرة: 30] وقوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } تفسير : [الزمر: 75] فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي، والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق، فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام، فقوله {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } قريب من قوله {أية : تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلإكْرَامِ } تفسير : [الرحمٰن: 78]. النوع الثاني: مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } فإن قيل فأي فائدة في قوله {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله؟ قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب «الكشاف»، وقد أحسن فيه جداً فقال إن المقصود منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضراً بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجباً للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضراً جالساً هناك، ورحم الله صاحب «الكشاف» فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخراً وشرفاً. النوع الثالث: مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدماً على الشفقة على خلق الله فقوله {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } مشعر بالتعظيم لأمر الله وقوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } مشعر بالشفقة على خلق الله. ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر، قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون، وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ابدأ بنفسك» تفسير : وأيضاً قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [محمد: 19] فأمر محمداً أن يذكر أولاً الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، وحكى عن نوح عليه السلام أنه قال: {أية : رَّبّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [نوح: 28] وهذا يدل على أن كل من كان محتاجاً إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره، فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لكان اشتغالهم بالاستغفار لأنفسهم مقدماً على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم، ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار، وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليل قوله تعالى لمحمد عليه السلام {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر، والله أعلم. المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين، قال وذلك لأن الملائكة قالوا {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } قال وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر سواء كان مصراً على الفسق أو لم يكن كذلك، لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعاً سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه، وأيضاً إن الملائكة يقولون {وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ } وهذا لا يليق بالفاسقين، لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك، فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والجواب أن نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه الأول: قوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } والاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب. أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً الثاني: قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة الثالث: قوله تعالى: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ } طلب المغفرة للذين تابوا، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة، لأن ذلك واجب على الله عند الخصم، وما كان فعله واجباً كان طلبه بالدعاء قبيحاً، ولا يجوز أيضاً أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر، لأن ذلك أيضاً واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب، لأن ذلك لا يسمى مغفرة، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ } إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق، أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا، فنقول يجب أن يكون المراد منه الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان، وقوله إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائباً ولا متبعاً سبيل الله، قلنا لا نسلم قوله، بل يقال إنه تائب عن الكفر وتابع سبيل الله في الدين والشريعة، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب، ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضارباً وضاحكاً صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه فكذا ههنا. المسألة الثالثة: قال أهل التحقيق: إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت، وذلك لأنهم قالوا في أول تخليق البشر {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } تفسير : [البقرة: 30] فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه. واعلم أنه تعالى لما حكى عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين تابوا، بيّن كيفية ذلك الاستغفار، فحكى عنهم أنهم قالوا {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الدعاء في أكثر الأمر مذكور بلفط {رَبَّنَا } ويدل عليه أن الملائكة عند الدعاء قالوا {رَبَّنَا } بدليل هذه الآية، وقال آدم عليه السلام {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] وقال نوح عليه السلام {أية : رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } تفسير : [هود: 47] وقال أيضاً: {أية : رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } تفسير : [نوح: 5] وقال أيضاً: {أية : رَّبّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوٰلِدَىَّ } تفسير : [نوح: 28] وقال عن إبراهيم عليه السلام: {أية : رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 260] وقال: {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ } تفسير : [إبراهيم: 41] وقال: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } تفسير : [البقرة: 128] وقال عن يوسف {أية : رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ } تفسير : [يوسف: 101] وقال عن موسى عليه السلام: {أية : رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 143] وقال في قصة الوكز {أية : رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [القصص: 16، 17] وحكى تعالى عن داود {أية : فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } تفسير : [صۤ: 24] وعن سليمان أنه قال: {أية : رَبّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً } تفسير : [صۤ: 35] وعن زكريا أنه {أية : نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } تفسير : [مريم: 3] وعن عيسى عليه السلام أنه قال: {أية : رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [المائدة: 114] وعن محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال له: {أية : وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ } تفسير : [المؤمنون: 97] وحكى عن المؤمنون أنهم قالوا {أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } تفسير : [آل عمران: 191] وأعادوا هذه اللفظة خمس مرات، وحكى أيضاً عنهم أنهم قالوا {أية : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [البقرة: 285] إلى آخر السورة. فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادي العبد ربه بقوله يا رب وتمام الإشكال فيه أن يقال لفظ الله أعظم من لفظ الرب، فلم صار لفظ الرب مختصاً بوقت الدعاء؟، والجواب كأن العبد يقول: كنت في كتم العدم المحض والنفي الصرف، فأخرجتني إلى الوجود، وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك في أن لا تخليني طرفة عين عن تربيتك وإحسانك وفضلك. المسألة الثانية: السنة في الدعاء، يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى، ثم يذكر الدعاء عقيبه، والدليل عليه هذه الآية، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين بدأوا بالثناء فقالوا {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } وأيضاً أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء ذكر الثناء أولاً فقال: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ * وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78 ـ 82] فكل هذا ثناء على الله تعالى، ثم بعده ذكر الدعاء فقال: {أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الشعراء: 83]. واعلم أن العقل يدل أيضاً على رعاية هذا الترتيب، وذلك ذكر الله بالثناء والتعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس، فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهباً إبريزاً فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح النطقية، انقلب من نحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة، فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى في جواهر الروح، يصير الروح أقوى صفاء وأكمل إشراقاً، ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل، فكان حصول الشيء المطلوب بالدعاء أقرب وأكمل، وهذا هو السبب في تقديم الثناء على الله على الدعاء. المسألة الثالثة: اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصفات: الربوبية والرحمة والعلم، أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع، وفيه لطيفة أخرى وهي أن قولهم {رَبَّنَا } إشارة إلى التربية، والتربية عبارة عن إبقاء الشيء على أكمل أحواله وأحسن صفاته، وهذا يدل على أن هذه الممكنات، كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه وتعالى وإيجاده، فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله، وأما الرحمة فهي إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر، وأنه تعالى إنما خلق الخلق للرحمة والخير، لا للاضرار والشر، فإن قيل قوله {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } فيه سؤال، لأن العلم وسع كل شيء، أما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء، لأن المضرور حال وقوعه في الضر لا يكون ذلك الضرر رحمة، وهذا السؤال أيضاً مذكور في قوله {أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } تفسير : [الأعراف: 156] قلنا كل وجود فقد نال من رحمة الله تعالى نصيباً وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن، أما الواجب فليس إلا الله سبحانه وتعالى، وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده، وذلك رحمة، فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد وصل إليه نصيب ونصاب من رحمة الله، فلهذا قال: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } وفي الآية دقيقة أخرى، وهي أن الملائكة قدموا ذكر الرحمة على ذكر العلم فقالوا {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } وذلك لأن مطلوبهم إيصال الرحمة وأن يتجاوز عما عليه منهم من أنواع الذنوب، فالمطلوب بالذات هو الرحمة، والمطلوب بالعرض أن يتجاوز عما علمه منهم، والمطلوب بالذات مقدم على المطلوب بالعرض، ألا ترى أنه لما كان إبقاء الصحة مطلوباً بالذات وإزالة المرض مطلوباً بالعرض لا جرم لما ذكروا حد الطب قدموا فيه حفظ الصحة على إزالة المرض، فقالوا الطب علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصلح ويزول عن الصحة لتحفظ الصحة حاصلة وتسترد زائلة، فكذا ههنا المطلوب بالذات هو الرحمة، وأما التجاوز عما علمه منهم من أنواع الذنوب فهو مطلوب بالعرض، لأجل أن حصول الرحمة على سبيل الكمال لا يحصل إلا بالتجاوز عن الذنوب، فلهذا السبب وقع ذكر الرحمة سابقاً على ذكر العلم. المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على أن المقصود بالقصة الأولى في الخلق والتكوين إنما هو الرحمة والفضل والجود والكرم، ودلت الدلائل اليقينية على أن كل ما دخل في الوجود من أنواع الخير والشر والسعادة والشقاوة فبقضاء الله وقدره، والجمع بين هذين الأصلين في غاية الصعوبة، فعند هذا قالت الحكماء: الخير مراد مرضي، والشر مراد مكروه، والخير مقضي به بالذات، والشر مقضي به باللعرض، وفيه غور عظيم. المسألة الخامسة: قوله {وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } يدل على كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات، وأيضاً فلولا ذلك لم يكن في الدعاء والتضرع فائدة لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء، فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعي أن الله سبحانه يعلمه ويعلم دعاءه وعلى هذا التقدير لا يبقى في الدعاء فائدة ألبتة. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على الله تعالى حكى عنهم كيفية دعائهم، وهو أنهم قالوا {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } واعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء من الله تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين، فالمطلوب الأول الغفران وقد سبق تفسيره في قوله {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب، وعلى هذا التقدير فلا فرق بين قوله: فاغفر لهم، وبين قوله {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز والإشارة، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة، واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ } فإن قيل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم في جنّات عدن، قلنا لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك، لأنا بينا أن الدلائل الكثيرة في القرآن دلّت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله في النار، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعداً من الله تعالى لهم بأن يدخلهم في جنّات عدن، إما من غير دخول النار وإما بعد أن يدخلهم النار. قال تعالى: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ } يعني وأدخل معهم في الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث، وهم الصالحون من الآباء والأزواج والذريات، وذلك لأن الرجل إذا حضر معه في موضع عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه أكمل، قال الفرّاء والزجاج {مِنْ صَـٰلِحٌ } نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله {وَأَدْخِلْهُمْ } وإن شئت في {وَعَدْتَّهُمْ } والمراد من قوله {وَمَنْ صَلَحَ } أهل الإيمان، ثم قالوا: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين لأنه لو لم يكن عزيزاً بل كان بحيث يغلب ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه، ولو لم يكن حكيماً لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة، ثم قالوا بعد ذلك {وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ } قال بعضهم المراد وقهم عذاب السيئات، فإن قيل فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله {وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ } وبين ما تقدم من قوله {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } وحينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة وإنه لا يجوز، قلنا بل التفاوت حاصل من وجهين الأول: أن يكون قوله {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } دعاء مذكور للأصول وقوله {وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ } دعاءً مذكوراً للفروع الثاني: أن يكون قوله {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } مقصوراً على إزالة الجحيم وقوله {وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ } يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة وعذاب الحساب والسؤال. والقول الثاني: في تفسير {وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ } هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } وطلبوا إيصال ثواب الجنة إليهم بقولهم {وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة، والأعمال الفاسدة، وهو المراد بقولهم {وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ } ثم قالوا {وَمَن تَقِ ٱلسَّيّئَـٰتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ } يعني ومن تق السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة، ثم قالوا {وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيماً لا ينقطع، وبأعمال حقيرة ملكاً لا تصل العقول إلى كنه جلالته.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين بأنهم يسبحون بحمد ربهم، أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح، {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: خاشعون له، أذلاء بين يديه، وأنهم {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: من أهل الأرض؛ ممن آمنوا بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب؛ كما ثبت في صحيح مسلم: «حديث : إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين، ولك بمثله»تفسير : . وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو ابن أبي شبية، حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره» تفسير : فقال:شعر : زُحَلٌ وثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ والنَّسْرُ للأُخْرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدق» تفسير : فقال:شعر : والشمسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ حَمْراءَ يُصْبِحُ لَوْنُها يَتَوَرَّدُ تَأْبى فَما تَطْلُعْ لَنا في رسلِها إلا مُعَذَّبَةً وإِلاَّ تُجْلَدُ تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدق» تفسير : وهذا إسناد جيد، وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة، كانوا ثمانية؛ كما قال تعالى: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 17] وهنا سؤال، وهو أن يقال: ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية، ودلالة هذا الحديث؟ وبين الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة، فنظر إليها فقال: «حديث : ما تسمون هذه؟» تفسير : قالوا: السحاب، قال: «حديث : والمزن» تفسير : قالوا: والمزن قال: «حديث : والعنان» تفسير : قالوا: والعنان، قال أبو داود: ولم أتقن العنان جيداً، قال: «حديث : هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟» تفسير : قالوا: لا ندري، قال: «حديث : بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر، ما بين أسفله وأعلاه مثل بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين السماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك»تفسير : . ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سماك بن حرب به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية؛ كما قال شهر بن حوشب رضي الله عنه: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي: رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي: وزحزحهم عن عذاب الجحيم، وهو العذاب الموجع الأليم {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ} أي: اجمع بينهم وبينهم؛ لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَـٰهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ} تفسير : [الطور: 21] أي: ساوينا بين الكل في المنزلة، لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل، تفضلاً منا ومنة. وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة، سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة، ثم تلا هذه الآية: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ} الآية، وأغش عباده للمؤمنين الشياطين. وقوله تبارك وتعالى: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} أي: الذي لا يمانع ولا يغالب، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَـٰتِ} أي: فعلها، أو وبالها؛ ممن وقعت منه {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة {فَقَدْ رَحِمْتَهُ} أي: لطفت به، ونجيته من العقوبة {وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ } مبتدأ {وَمَنْ حَوْلَهُ } عطف عليه {يُسَبِّحُونَ } خبره {بِحَمْدِ رَبّهِمْ } ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان الله وبحمده {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } تعالى ببصائرهم أي يصدقون بوحدانيته {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } يقولون {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً } أي وسعت رحمتُك كلَّ شيء وعلمُك كلَّ شيء {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ } من الشرك {وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } دين الإِسلام {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } النار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ربنا وسعت كل شَيْءٍ رحمة وعلماً} فيه وجهان: أحدهما: ملأت كل شيء رحمة وعلماً، أو رحمة عليه وعلماً به، وهو معنى قول يحيى بن سلام. الثاني: معناه: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء. {فاغفر للذين تابوا} قال يحيى: من الشرك. {واتبعوا سبيلك} قال الإسلام لأنه سبيل إلى الجنة. {وقهم عذاب الجحيم} بالتوفيق لطاعتك.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَّحْمَةً} نعمة عليه {وَعِلْماً} به، أو وسعت رحمتك وعلمك كل شيء كقولهم: طبت نفساً {تَابُواْ} من الشرك {سَبِيلَكَ} الإسلام لأنه طريق الجنة {وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} بتوفيقهم لطاعتك.

ابن عادل

تفسير : قوله: "الَّذِينَ يَحْمِلُونَ" مبتدأ و "يُسَبِّحُونَ" خبره، والعامة على فتح عين العَرش وابن عباس في آخرينَ بضَمِّها. فقيل: يحتمل أن يكون جمعاً لعَرْش كسُقُفٍ في سَقْفٍ وقوله "مِنْ حَوْلِهِ" يحتمل أن يكون مرفوع المحل عطفاً على "الذين يحملون العرش" أخبر عن الفريقين بأنهم يسبحون، وهذا هو الظاهر، وأن يكون منصوب المحل عطفاً على "العَرْشِِ" يعني أنهم يحملون أيضاً الملائكة الحافين بالعرش، وليس بظاهر. فصل لما بين أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين بين أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافّون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تلتفت إليهم ولا تُقِمْ لهم وزناً فإن حملة العرش معك، والحافّون من حول العرش ينصرونك وهم الكُرُبِيُّونَ، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمِائةِ عام، وروى جعفرُ بْنُ محمد عن أبيه عن جده أنه قال: بين القائمةِ من قوائم العرش والقائمة الثانية خَفَقان الطير المسرع ثلاثين ألف عامٍ. وقال مجاهد: بينَ السماءِ الثانية وبين العرش سبعونُ ألف حجابٍ: حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وقال وهب بن منبه: إن حول العرشِ سبعونَ ألف صفٍّ من الملائكة، صفّ خلف صفّ يطوفون بالعرش. قوله {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} قال شهر بن حوشب: حملةُ العرش ثمانيةٌ، فأربعةٌ منهم يَقُولُون: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلَى حِلْمك بعد عِلْمك، وأربعةٌ منهم يقولون: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لك الحمدُ على عَفْوِك بعْدَ قدْرَتِكَ؛ قال: وكأنهم يرون ذنوب بني آدَمَ. وقوله: "ويُؤمِنُونَ بِهِ" فيه سؤال وهو أن يقال: ما الفائدة في قوله "ويؤمنون به" مع أن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا بعد سبق الإيمان بالله؟ وأجاب الزمخشري: بأن المقصودَ منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضراً لكان حملة العرش والحافون بالعرش يشاهدونه ويعاينونه، ولو كان كذلك لما كان إيمانهم بوجود الله موجباً للمدْحِ والثناء لأن الإقرارَ بوُجُود شيءٍ مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وبكونها مضيئةً لا يوجب المدح والثناء؟ فلما ذكر الله سبحانه وتعالى إيمانهم بالله على سبيل المدح والثناء والتعظيم دل على أنهم إنما آمنوا به مع أنهم ما شاهدوه حاضراً جالساً هُنَاكَ. قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} اعلم أن كمال السعادة بأمرين: أحدِهِمَا: التعظيم لأمر الله. والثاني: الشفقة على خلق الله، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدماً على الشفقة على خلق الله، فقوله تعالى: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} مشعر بالتعظيم لأمر الله، وقوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} مشعرٌ بالشفقة على خلق الله، واحتج كثير من العلماء بهذه الآية على أن المَلَكَ أفضلُ من البشر؛ لأنها دلت على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله تعالى بالثناء والتقدير اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون وهذا يدل على أنهم مستغنون بأنفسهم؛ إذ لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لاستغفروا لأنفسهم أولاً، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : ابدأ بنفسك"تفسير : ولقوله تعالى لمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [محمد:19]ٍ وقال عن نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [نوح:28] وهذا يدل على أن من كان محتاجاً إلى الاستغفار (فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره والملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار) لاستغفروا لأنفسهم أولاً ثم استغفروا لغيرهم، ولما لم يذكر الله تعالى استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم لم يكونوا محتاجين إلى الاستغفار، وأما الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فهم كانوا محتاجين إلى الاستغفار لقوله تعالى لمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ "واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ" فظهر أن الملك أفضل من البشر والله أعلم. قوله "رَبَّنَا" معمول لقول مضمر تقديره يقولون ربنا، والقول المضمر في محل نصب على الحال من فاعل "يستغفرون" أو خبرٌ بعد خبر، و "رَحْمَةً وعِلْماً" تمييز منقول من الفاعلية أي وسع كل شيء رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ. واعلم أن الدعاء في أكثر الأمر مذكور بلفظ "الرب"؛ لأن الملائكة قالوا في هذه الآية "ربنا"، وقال آدمُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف:23] وقال نوحٌ: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}تفسير : [نوح:5] وقال {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}تفسير : [نوح:28] وقال إبراهيم: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [البقرة:260] وقال: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}تفسير : [البقرة:128] وقال يوسفُ {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [يوسف:101] وقال مُوسى عليه الصلاة والسلام: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف:143] وقال: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ}تفسير : [القصص:16] وحكى عن داود ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه استغفر ربه وخر راكعاً وقال سليمانُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ {أية : رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ}تفسير : [ص:35]، وحكى عن زَكَرِيَّا ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه {أية : نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً}تفسير : [مريم:3] وقال عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {أية : رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [المائدة:114] وقال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام: {أية : وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ}تفسير : [المؤمنون:97] وحكى عن المؤمنين أنهم قالوا: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً....}تفسير : [آل عمران:191]. فإن قيل: لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ الربِّ بالدعاء؟ فالجواب: بأن العبد يقول: كنتُ في العدم المحض والنفي الصِّرْفِ فأخرجتَنِي إلى الوجود وربَّيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك في أن لا تُخَلِّينِي طرفة عين عن تربيتك وإحسانك (وفضلك)، لإجابة دعائي. فإن قيل: قوله ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلماً فيه سؤال، لأن العلم وسعَ كل شيء وأما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء؛ لأن المضرورَ حال وقوعه في الضرر لا يكون ذلك في حقه رحمة وهذا السؤال أيضاً مذكور في قوله: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأعراف:156]. فالجواب: كل موجود فقد نال من رحمة الله نصيباً؛ لأن الوجود إما واجب وإما ممكن أما الواجب فليس إلا الله (سبحانه) وتعالى. وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده وذلك رحمة فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد حصل له نصيب من الرحمة فلهذا قال: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} هذه الآية دلت على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات. قوله: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} دينك {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}. فإن قيل: لا معنى للغُفْران إلا إسقاط العذاب وعلى هذا فلا فرق بين قوله "فاغْفِرْ لَهُمْ" وبين قوله {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}. فالجواب: قولهم: فاغفر فيه رمز وإشارة لإسقاط العذاب، فلهذا أردفوه بذكره على سبيل التصريح تأكيداً ومبالغة. واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب (عنهم) أردفوه بطلب إيصال الثواب إليهم فقالوا: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ}. فإن قيل: أنتم زعمتم أن الشفاعة إنما جعلت للمذنبين وهو الآية تُبْطِلُ ذَلِك، لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم جنات عَدْن. فالجواب: (لا نسلم أنه) ما وَعَدَهُمْ بذلك، لأن الدلائل الكثيرة دلت على أنه لا يخلد أهل "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" في النار، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعد من الله بأن يدخلهم جنات عدن إما من غير دخول النار، وإما بعد أن يدخلهم النار. قوله: "وَمَنْ صَلَحَ" في محل نصب إما عطفاً على مفعول "أَدْخِلْهُمْ" وإما على مفعول "وَعَدتَهُمْ" وقال الفراءُ والزجاج نصبه من مكانين إن شئت على الضمير في "أَدْخِلْهُمْ" وإن شئت على الضمير في "وَعَدتَهُمْ". والعامة على فتح لام "صَلَحَ" يقال: صَلَحَ فهو صَالِحٌ، وابنُ أبي عبلة بضمها، يقال: صَلُحَ فَهُو صَلِيحٌ. والعامة على "ذرِّيّاتهم" جمعاً، وعيسى "ذُرِّيَّتهم" إفراداً. والمراد بقوله ومن صلح من أهل الإيمان. ثم قالوا {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين، لأنه لو لم يكن عزيزاً بل كان بحيث يغلب ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه ولو لم يكن حكيماً لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة. ثم قالوا: بعد ذَلِكَ "وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ" (قال بعضُ المفسرين المراد منه عذاب السيئات. فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله: "وقهم السيئات") وبين قوله {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} وحينئذ يلزم التكرار الخالي من الفائدة وهو لا يجوز! فالجواب: أنّ التفاوت حاصلٌ من وجهين: الأول: أن يكون قوله {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}، دعاء مذكوراً (للأصُولِ وقوله "وقهم السيئات" دعاء مذكوراً) للفروع وهم الآباء والأزواج والذريات. الثاني: أن يكون قوله {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} مقصوراً على إزالة عذاب الجحيم، وقوله "وقهم السَّيِّئَات" يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة والحساب والسؤال. وقال بعض المفسرين: المراد بقوله: "وَقِهِم السيئات" هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم: "عذاب الجحيم" وطلبوا إيصال الثواب (إليهم) بقولهم: {وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ} ثم طلبوا بعده ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة بقولهم: "وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ" ثم قالوا {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} يعني من تقِ السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة، ثم قالوا {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيماً لا ينقطع وبأفعالٍ حقيرة مُلْكاً لا تصل العقول إلى كُنْهِ جلالته و الله أعلم. قوله: "يَوْمَئِذٍ" التنوين عوض من جملة محذوفة، ولكن ليس في الكلام جملة مصرحٌ بها عوض من هذه التنوين بخلاف قوله: {أية : وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ}تفسير : [الواقعة:84] أي حين إذْ بَلَغَتِ الحلقومَ لِتَقَدُّمِهَا في اللفظ فلا بدّ من تقدير جملة يكون هذا عوضاً منها تقديره: يَوْمَ إذْ يُؤَاخَذُ بِهَا. فَصْلٌ قال مُطرفٌ: أنصحُ عباد الله للمؤمنين الملائكة وأغشُّ الخلقِ للمؤمنين هم الشياطين، قال سعيد بن جبير في تفسير قوله {وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ} يدخل المؤمن الجنة فيقول: ابن أبي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ فيقال لهم: إنهم لم يعملوا مثل عملك فيقول: إن كنت أعمل لي ولهم فيقال: أدخلوهم الجنة.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو يعلى وابن مردويه بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه الأرض السابعة، والعرش على منكبيه وهو يقول‏:‏ سبحانك أين كنت وأين تكون‏؟‏‏!‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه‏،‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش،‏ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حبان بن عطية رضي الله عنه قال‏:‏ حملة العرش ثمانية‏.‏ أقدامهم مثقفة في الأرض السابعة، ورؤوسهم قد جاوزت السماء السابعة، وقرونهم مثل طولهم عليها العرش‏. وأخرج أبو الشيخ عن ذاذان رضي الله عنه قال‏:‏ حملة العرش أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور‏.‏ وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن هرون بن رباب رضي الله عنه قال‏:‏ حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم‏.‏ يقول أربعة منهم‏:‏ سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك‏.‏ وأربعة منهم يقولون‏:‏ سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك‏. وأخرج أبو الشيخ وابن أبي حاتم من طريق أبي قبيل أنه سمع عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول‏:‏ حملة العرش ثمانية‏.‏ ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينيه مسيرة خمسمائة عام‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال‏:‏ حملة العرش الذي يحملونه لكل ملك منهم أربعة وجوه، وأربعة أجنحة: جناحان على وجهه ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يطير بهما‏.‏ أقدامهم في الثرى، والعرش على أكتافهم‏.‏ لكل واحد منهم وجه ثور، ووجه أسد، ووجه إنسان، ووجه نسر‏.‏ ليس لهم كلام إلا أن يقولوا‏:‏ قدوس الله القوي، ملأت عظمته السموات والأرض‏. وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال‏:‏ حملة العرش أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين‏.‏ ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في أرزاقهم، وملك منهم في سورة نسر يشفع للطير في أرزاقهم، وملك منهم في صورة ثور يشفع للبهائم في أرزاقهم، وملك في صورة أسد يشفع للسباع في أرزاقهم‏.‏ فلما حملوا العرش وقعوا على ركبهم من عظمة الله، فلقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله، فاستووا قياماً على أرجلهم‏. وأخرج أبو الشيخ عن مكحول رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن في حملة العرش أربعة أملاك‏:‏ ملك على صورة سيد الصور وهو ابن آدم، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور فما زال غضبان مذ يوم العجل إلى ساعتي هذه، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أم سعد رضي الله عنها قالت‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : العرش على ملك من لؤلؤة على صورة ديك رجلاه في تخوم الأرض، وجناحاه في الشرق، وعنقه تحت العرش‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ حملة العرش كلهم على صور‏.‏ قيل‏:‏ يا عكرمة وما صور‏؟‏ فأمال خده قليلا‏ً. وأخرج عبد بن حميد عن ميسرة رضي الله عنه قال‏:‏ لا تستطيع الملائكة الذين يحملون العرش أن ينظروا إلى ما فوقهم من شعاع النور‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ حملة العرش ما بين منكب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، وذكر‏:‏ إن خطوة تلك الملك ما بين المشرق والمغرب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ميسرة رضي الله عنه قال‏:‏ حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها، وأهل السماء التي تليها أشد خوفاً من التي تليها‏.‏ وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال‏:‏ حملة العرش منهم من صورته صورة الإِنسان، ومنهم من صورته صورة النسر، ومنهم من صورته صورة الثور، ومنهم من صورته صورة الأسد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ إن الملائكة الذين يحملون العرش يتكلمون بالفارسية‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما جمعكم قالوا‏:‏ اجتمعنا نذكر ربنا، ونتفكر في عظمته فقال‏: لن تدركوا التفكر في عظمته‏.‏ ألا أخبركم ببعض عظمة ربكم‏؟‏ قيل‏:‏ بلى يا رسول الله قال‏:‏ إن ملكاً من حملة العرش يقال له إسرافيل، زاوية من زوايا العرش على كاهله‏.‏ قد مرقت قدماه في الأرض السابعة السفلى، ومرق رأسه من السماء السابعة في مثله من خليقة ربكم تعالى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ في بعض القراءة ‏"‏الذين يحملون العرش فالذين حوله الملائكة يسبحون بحمد ربهم‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ويستغفرون للذين آمنوا‏} ‏ قال مطرف بن عبد الله بن الشخير‏:‏ وجدنا أنصح عباد الله لعباده الملائكة عليهم السلام، ووجدنا أغش عباد الله لعباده الشياطين‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ في بعض القراءة ‏ {‏الذين يحملون العرش‏}‏ في قوله ‏{‏فاغفر للذين تابوا - من الشرك - واتبعوا سبيلك‏} ‏ قال‏:‏ طاعتك وفي قوله ‏ {‏وأدخلهم جنات عدن‏}‏ قال‏:‏ إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ يا كعب ما عدن‏؟‏ قال‏:‏ قصور من ذهب في الجنة يسكنها النبيون، والصديقون، وأئمة العدل وفي قوله ‏{‏وقهم السيئآت‏} ‏ قال‏:العذاب‏.

ابو السعود

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} وَهُم أعلى طبقاتِ الملائكةِ عليهم السلامُ وأولُهم وجُوداً وحملهم إيَّاهُ وحفيفُهم حولَهُ مجازٌ عن حفظِهم وتدبـيرِهم له وكنايةٌ عن زُلفاهُم منْ ذِي العرشِ جَلَّ جَلالُه ومكانتِهم عِنْدُه وَمحلُّ الموصولِ الرفعُ عَلى الابتداءِ خبرُه: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتسليةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ببـيانِ أنَّ أشرافَ الملائكةِ عليهمُ السلامُ مثابروِنَ عَلَى ولايةِ مَنْ معهُ منَ المُؤمنينَ ونُصْرتِهم واستدعاءِ مَا يُسعِدُهم في الدارينِ أيْ ينزهونهُ تعالى عن كُلِّ ما لاَ يليقُ بشأنِه الجليلِ ملتبسينَ بحمدِهِ عَلى نعمائِه التي لاَ تتناهَى {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} إِيماناً حقيقياً بحالِهم، والتصريحُ بهِ مع الغنِىَ عن ذِكْرِهِ رَأْساً لإظهارِ فضيلةِ الإيمانِ وإبرازِ شرفِ أهلِه والإشعارِ بعلةِ دُعَائهم للمؤمنينَ حسبما ينطِقُ بهِ قولُه تَعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} فَإِنَّ المشاركةَ في الإيمانِ أقْوَى المناسباتِ وأتمُّها وأدعى الدَّواعِي إِلى النصحِ والشفقةِ، وفي نظمِ استغفارهم لهم في سلكِ وظائِفهم المفروضةِ عليهم منْ تسبـيحهم وتحميدِهم وإيمانهم إيذانٌ بكمالِ اعتنائِهم بهِ وإِشعارٌ بوقوعِهِ عندَ الله تعالى فِي مَوقعِ القَبولِ. رُوي أنَّ حملةَ العرشِ أرجلُهم في الأَرْضِ السُّفلى ورؤوسُهم قدْ خرقتِ العرشَ وهم خشوعٌ لا يرفعونَ طَرفهم. وعن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تتفكروا في عِظَمِ ربكم ولكنْ تفكروا فيمَا خلقَ الله من الملائكةِ فإنَّ خلقاً من الملائكةِ يقالُ لهُ إسرافيلُ زاويةٌ منْ زَوَايا العرشِ عَلى كاهلِهِ وقدماهُ في الأرضِ السُّفْلى وَقَدُ مرقَ رأسُهُ منْ سبعِ سمواتٍ وإنَّه ليتضاءلُ منْ عظمةِ الله حتَّى يصيرَ كأنُه الوصعُ » تفسير : وَفِي الحديثِ: « حديث : إِنَّ الله أمرَ جميعَ الملائكةِ أَنْ يغدُوا ويروحُوا بالسلامِ عَلى حملةِ العرشِ تفضيلاً لهم عَلى سائِرهم » تفسير : وقيل: خلقَ الله تعالى العرشَ من جوهرةٍ خضراءَ وبـينَ القائمتينِ من قوائمِهِ خفقان الطيرِ المسرعِ ثمانينَ عامٍ وقيل: حولَ العرشِ سبعونَ ألفَ صفّ منَ الملائكةِ يطوفونَ به مهللينَ مكبرينَ ومن ورائهم سبعونَ ألفَ صفٍ قيامٌ قد وضعُوا أيديَهُم عَلى عواتقِهم رافعينَ أصواتَهُم بالتهليلِ والتكبـيرِ ومنْ ورائِهم مائةُ ألفِ صفٍ قدْ وضعُوا أيمانَهُم عَلى الشمائلِ ما منهمْ أحدٌ إلا وهو يسبحُ بما لا يسبحُ بهِ الآخرُ {رَبَّنَا} عَلى إرادةِ القولِ أيْ يقولونَ ربَّنا عَلى أنَّه إمّا بـيانٌ لاستغفارِهم أوْ حالٌ. {وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْء رَّحْمَةً وَعِلْماً} أيْ وَسِعتْ رحمتُكَ وعلمُكَ فأزيلَ عنْ أصلِه للإغراقِ في وصفهِ تعالَى بالرحمةِ والعلمِ والمبالغةِ في عمومهمَا وتقديمُ الرحمةِ لأنَّها المقصودةُ بالذات هنها والفاءُ في قولِه تعالَى {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} أي للذين عملتَ منهم التوبةَ واتباعَ سبـيلِ الحقِّ لترتيبِ الدعاءِ عَلَى ما قبلها مِنْ سعةِ الرحمةِ والعلمِ {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} وَاحفظْهُم عنْهُ وهُوَ تصريحٌ بعدَ إِشعارٍ للتأكيدِ.

التستري

تفسير : قوله: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ}[7] قال: هم الذين تابوا من الغفلة، وأنسوا بالذكر، واتبعوا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ} [الآية: 7]. قال سهل: هم الذين تابوا من الغفلة وأنسِوا بالذكر واتبعوا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

القشيري

تفسير : حَملَةُ العرش من حـَوْلَ العرش من خواص الملائكة، مأمورون بالتسبيح لله، ثم بالاستغفار للعاصين - لأنَّ الاستغفار للذنبِ والتوبةُ إنما تحصل من الذنب - ويجتهدون في الدعاء لهم على نحو ما في هذه الآية وما بعدها؛ فيدعون لهم بالنجاة، ثم بِرفع الدرجات، ويحيلون الأمر في كل ذلك على رحمة الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} وصف الله عرّاف ملائكته الذين البسهم الله قوّة جبروته ونور ملكوته وهم اللاهوتيون يحملون كنز الاعظم بعظمه الله وقوّته والسكر من شراب وفيه ---- ومحبته وفيض مشاهدته يطيرون فى هواء هيوته بالاجنحة القدوسية والرفارف السبوحية مع مرأة الوجود كنوز الجور حيث يشاء الحق سبحانه من الاماكن والمشاهد يسبحون مما يجدون منه القدس والتنزيه حمد الافضاله وبانه منزه عن النظير والشبيه يومنون به فى كل لحظة بما يرون منه من كشوف صفات الازليات وانوار حقائق الذات الى تطمس فى كل لمحة مسالك رسوم العقليات وهم يقرون كل لحظة بجهلهم عن معرفة وجوده ثم بين انهم اهلا لرقة والرحمة والشفقة على اولياءه لانهم اخوانهم فى نسب المعرفة والمحبة يستغفرون لهم حين اقروا كلهم بانه تعالى لا يدركه غوص الاوهام ولا يحويه بطون الافهام سالوا غفرانهم لما جرى على قلوبهم من انهم على شئ فى معرفته {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} اوجدت الوجود برحمتك القديمة وعلمك الازلى حتى يخلوا ذرة من العرش الى الثرى من رحمتك وعلمك وجعلت الكل مرأة نفسك تجليت منها لاهل الخضوع من العارفين تظهروا انوار جمالك منها لاهل رحمتك وهم اهل المحبة والعشق والشوق وتبرز منها بنعت الجلال والالوهية والقدم والبقاء لاهل المعرفة والتوحيد {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} اى اغفر للذين تابوا من وجودهم فى وجودك ورجعوا من دونك اليك واستقاموا سبيل المعرفة بعظمتك وجلالك وعجزهم عن ادراك عزتك بانك ----الى كناف قربك المصرين على الذنوب عن استغفار هذه قطعة زهد وقعت فى مسالكهم اين هم من قوله سيد البشر صلى الله عليه وسلم حين أذوه قومه قال اللهم اهد قوم فانهم لا يعلمون اعمّوا الاشياء بالرحمة ثم اخصوا منها لتائبين يا ليت لو بقوا على القول الاول وسالوا الغفران للجميع التائبين والعاصين قال ابن عطا فى هذه الأية من خلقوا مطيعين قائمين لله بالتسبيح والتنزيه يستغفرون لمذنبى المؤمنين يخالف نفسه ومراده وقال سهل فى قوله فاغفر الذين تابوا من الغفلة وأنسوا بالذكر واتبعوا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ} يرفع درجات المريدين الى الكرامات ويرفع درجات المحبين الى المشاهدات ويرفع درجات العارفين الى معرفة الذات والصفات ويرفع اهل المواجيد الى شهود الاجمال واهل السلوك الى مشهد العظمة والجلال ويرفع الزاهدين الى الجان ويرفع المنقطعين اليه الى درجة الايقان والعرفان ويرفع النفوس بعد تقديسها بالمجاهدة والرياضة الى جثته يرفع العقول الى رؤية انوار سلطانه فى برهانه ويرفع الاروح الى قرب مجالس الانس ويرفع الاسرار الى مراقد القدس ويرفع اليه سرا خلاصا من جميع الدرجات حتى لا يبقى بينه وبين الحق درجة وصار انوار الذات والصفات منازل شهوده فيكشف كل نور له فيغيب فى الانوار ويفنى فى الاسرار ثم يفنى فى البقاء ويبقى الحق بالحق ولا فوق الحق الا بالحق وهو فوق كل الدرجات بقهر الربوبية وسلطنة الكبرياء وذلك قوله {ذُو ٱلْعَرْشِ} اى ذو العرش الذى يحيط بجميع الكائنات وهو اقل من خردلة فى جلال عزة كبريائه وذكر العرش على حد العقول لان العقل لا يصل الا الى مثله وهناك عالم العقل فتستقر العقول هناك وهو متعلق بافعاله تعالى والافعال قائمة بصفاته وصفاته قائمة بذاته وذلك سر استوائه على العرش فجواب الاستواء قوله ذو العرش اى مقهور لسلطان عزته محتاج الى لباس نور قدته مكن بايجاده تعالى الله بذاته وصفاته عن ان يشهده الاماكن والجهات هو منور بنور تجلى صفاته وهو مرأة فعله يظهر منها مقدورات والايات وقضيات والعلم والقضاء والقدر وهو روح فعلى فوقه روح صفتى وفوق تلك الروح روح ذاتى وذلك تجلى الصفات وتجلى الذات للعارفين وذلك قوله {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} فيقع الامر على ما ذكرنا فامره فعله وقوله وصفاته وذاته فظهور نور الذات امر خاص للانبياء والمرسلين وظهور نور الصفات امر خاص لاهل المعرفة والتوحيد ونور العقل امر بديهى لاهل محبته والمؤقنين فى رؤية اياته فهؤلاء مخصوصون بتلك الارواح من حيث الوحى والرسالة والالهام والحديث والكلام والكشف والعيان ليخوّفوا العباد من المشهد العظيم وبروز سطوات عظمة العظيم يوم المشاهدة ويوم المكاشفة ويوم المخاطبة حيث يلقى المحب المحبوب والعاشق المعشوق والعبد الرب والعارف المعروف الموحد الموّحد تعالى بقوله {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} اى يوم كشف اللقاء ثم وصف ذلك اليوم بقوله {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} اى يوم بروزهم فى ميادين ملكوته وصحارى جبروته بارزون على مراكب النور فى ميادين السرور لو رايت يا حبيبى هنالك زفرات الوالهين وعبرات الشائقين وشهقات للمشتاقين وغلبات المحبين وعربد العاشقين وانبساط الصديقين وسكر العارفين ووله الموحدين وذلك عند كشف نقابة وظهور جمال وجهه تعالى وهو يعلم اسرار الجميع لا يخفى عليه احوالهم واسرارهم قال الله سبحانه {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} محيط بضمايرهم ويعلم مراداتهم فلما تمكنوا يرفع عن ابصارهم جميع الحجب ويريهم سبحات جمال القومية فيفتى فيها الاولون والأخرون فلما سكنت الارواح وهدأت والاصوات ولا يبقى الا حى قيوم قديم يقول بعزته {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} اى اين المدّعون فى المعارف والتوحيد والمبارزة بالعربدة والانبساط فى مقام المحبة لمن البقاء السرمدى ولمن الجلال الازلى ولمن الكبرياء القدمى اين اصحاب الانائية فاخرس الكل وافنى الكل وافنى الكل فيجيب نفسه اذ لا يستحق لجواب خطابه الا هو فيقول {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} الواحد فى وحدانيته القهار فى فردانيته ثبت نسبة الوحدانية اذ الكل مبهوتون فى غشاوة التفرقة القهار من حيث قهر الجمهور ولا يبقى عنه سطوات عظمته احد من خلقه فلما اوجدهم من صعقات الفناء يجازى الكل على قدر مقاماته يجازى الزاهدين بالجنة ويجازى العابدين بالدرجة ويجازى المحبين بالمشاهدة ويجازى المشتاقين بالمكاشفة ويجازى العارفين بالوصلة ويجازى الموحدين بمطالعة سر الاولية والاخرية.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين يحملون العرش} العرش هو الجسم المحيط بجميع الاجسام سمى به لارتفاعه او للتشبيه بسرير الملك فى ممكنه عليه عند الحكم لنزول احكام قضائه وقدره منه ولا صورة ولا جسم ثمة وهو الفلك التاسع خلقه الله من جوهرة حضرآء وبين القائمتين من قوآئمه خفقان الطير المسرع ثمانين الف عام والمراد أن حملة العرش افضل كما ان خادم اشرف الكائنات مطلقا وهو جبرآئيل الخادم للنبى عليه السلام اشرف وفى الحديث ان الله امر جميع الملائكة ان يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائرهم وهم اربعة من الملائكة يسترزق احدهم لبنى آدم وهو فى صورة رجل والثانى للطيور وهو فى صورة نسر والثالث للبهائم وهو فى صورة ثور والرابع للسباع وهو فى صورة اسد وبينهم وبين العرش سبعون حجابا من نور واذا كان يوم القيامة يكون حملته ثمانية دل عليه قوله تعالى {أية : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} تفسير : وفى بعض الروايات كلهم فى صورة الاوعال والعرش على قرونهم او على ظهورهم لما اخرجه الترمذى وابو داود فى حديث طويل آخره "حديث : ثم فوق السابعة بحر بين اعلاه واسفله كما بين سماء الى سماء وفوق ذلك ثمانية اوعال بين اظلافهن وركبهن ما بين سماء الى سماء ثم فوق ظهورهن العرش بين اسفله واعلاه مثل ما بين سماء الى سماء" تفسير : وفى الحديث "حديث : اذن لى ربى ان احدث عن ملك من حملة عرشه ما بين شحمة اذنه الى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" تفسير : وروى ان حملة العرش ارجلهم فى الارض السفلى ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم اشد خوفا من اهل السماء السابعة وكل اهل سماء اشد خوفا من اهل السماء التى دونها قال ابن عباس رضى الله عنهما لما خلق الله تعالى حملة العرش قال لهم احملوا عرشى فلم يطيقوا فخلق كل ملك من اعوانهم مثل جنود من فى السموات والارض من الملائكة والخلق فلم يطيقوا فخلق مثل ما خلق عدد الحصى والثرى فلم يطيقوا فقال جل جلاله قولوا لا حول ولا قوة الا بالله فلما قالوا استقلوا العرش فنفذت اقدامهم فى الارض السابعة على متن الثرى فقال ابن عباس رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تتفكروا فى عظمة ربكم ولكن تفكروا فى خلقه فان خلقا من الملائكة يقال له اسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه فى الارض السفلى فانه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كالوصع" تفسير : وهو بالصاد المهملة الساكنة وتحرك طائر أصغر من العصفور كما فى القاموس وان الله خلق العرش من جوهرة خضرآء له ألف ألف رأس وستمائة ألف رأس فى كل رأس ألف ألف وستمائة ألف لسان يسبح بالف الف لغة ويخلق الله بكل لغة من لغات العرش خلقا فى ملكوته يسبحه ويقدسه بتلك اللغة والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من نور لا يستطيع ان ينظر اليه خلق من خلق الله والاشيا كلها فى العرش كحلقة ملقاة فى فلاة واحتجب الله بين العرش وحامليه سبعين حجابا من نار وسبعين حجابا من ماء وسبعين حجابا من ثلج وسبعين حجابا من در ابيض وسبعين حجابا من زبرجد أخضر وسبعين حجابا من ياقوت احمر وسبعين من نور وسبعين من ظلمة ولا ينظر احدهم الى العرش مخافة ان يصعق. يقول الفقير دل ما ذكر من الرويات على ان حملهم اياه اى العرش محمول على حقيقته وليس بمجاز عن حفظهم وتدبيرهم كما ذهب اليه بعض المفسرين ولعمرى كونه مع سعة دآئرته وعظم محله على قرون الملائكة او على ظهورهم او على كواهلهم ادل على كمال عظمة الله وجلال شأنه فالملائكة الاربعة اليوم والثمانية يوم القيامة كالاسطوانات له فكما أن القصر محمول على الاسطوانات فكذا العرش محمول على الملائكة فلا ينافى ذلك ما صح من قوآئمه وكونه بحيث يحيط الاجسام لانه يجوز ان يكون معلقا فى الحقيقة وان الملائكة تحمله بالكلية {ومن حوله} فى محل الرفع بالعطف على قوله الذين وحول الشىء جانبه الذى يمكنه أن يحول اليه ومحل الموصول الرفع على الابتدآء خبره قوله {يسبحون بحمد ربهم} اى ينزهونه تعالى عن كل مالا يليق بشأنه الجليل ملتبسين بحمده على نعمائه التى لا تتناهى وفى فتح الرحمن يقولون سبحان ذى العزة والجبروت سبحان ذى الملك والملكوت سبحان الملك الحى الذى لا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح وجعل التسبيح اصلا والحمد حالا لأن الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح لأنه انما يحتاج اليه لعارض الرد على من يصفه بما لا يليق به قيل حول العرش سبعون الف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورآئهم سبعون ألف صف قياما قد وضعوا ايديهم على عواتقهم رافعين اصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا أيمانهم على شمائلهم ما منهم احد الا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر وما ورآءهم من الملائكة لا يعلم حدهم الا الله ما بين جناحى احدهم مسيرة ثلاثمائة عام. درمعالم از شهر بن حوشب نقل ميكندكه حمله عرش هشت اند جهار ميكويند سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك وكوييا ايشان بنسبت كرم الهى باذنوب بنى آدم ابن كلمات ميكويند وفى بعض التفاسير كأنهم يرون ذنوب بنى آدم وفى هذه الكلمات فوآئد كثيرة بيرطريقت ابو القاسم بشر ياسين كه از جمله مشاهير علما ومشايخ دهر بود شيخ ابو السعيد الخير را كفت اين كلمات ازماياد كيرو ييوسته ميكوى ابو سعيد كفت اين كلمات يادكر فتم وييوسته ميكفتم وازان منتفع شدم {ويؤمنون به} اى بربهم ايمانا حقيقا بحالهم والتصريح به مع اغنياء ما قبله عن ذكره لاظهار فضيلة الايمان وابراز شرف اهله وقد قيل اوصاف الاشراف اشراف الاوصاف. يقول الفقير اشار بالايمان الى انهم فى مرتبة الادراك بالبصائر محجوبون عن ادراكه تعالى بالابصار كحال البشر ما داموا فى موطن الدنيا واما فى الجنة فقيل لا يراه الملائكة وقيل يراه منهم جبريل خاصة مرة واحدة ويراه المؤمنون من البشر فى الدنيا بالبصائر وفى الآخرة بالابصار لأن قوله لا تدركه الابصار قد استثنى منه المؤمنون فبقى على عمومه فى الملائكة والجن وذلك لأن استعداد الرؤية انما هو لمؤمنى البشر لكمالهم الجامع {ويستغفرون للذين آمنوا} استغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة والهامهم ما يوجب المغفرة وفيه اشعار بأنهم يطلعون على ذنوب بنى آدم وتنبيه على ان المشاركة فى الايمان توجب النصح والشفقة وان تخالفت الاجناس لانها اقوى المناسبات واتمها كما قال تعالى {أية : انما المؤمنون اخوة} تفسير : ولذلك قال الفقهاء قتل الاعوان والسعادة والظلمة فى الفترة مباح وقاتلهم مثاب وان كانوا مسلمين لأن من شرط الاسلام الشفقة على خلق الله والفرح بفرحهم والحزن بحزنهم وهم على عكس ذلك وقلما يندفع شرهم بالحبس ونحوه قال الامام قد ثبت أن كمال السعادة مربوط بامرين التعظيم لامر الله والشفقة على خلق الله ويجب ان يكون الاول مقدما على الثانى فقوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به مشعر بالتعظيم لامر الله ويستغفرون للذين آمنوا بالشفقة على خلق الله انتهى قال مجاهد يسألون ربهم مغفرة ذنوب المؤمنين من حين علموا امر هاروت وماروت او لقولهم اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال الراغب المغفرة من الله ان يصون العبد عن ان يمسه العذاب والاستغفار طلب ذلك بالمقال والفعال فان الاستغفار بالمقال فقط فعل الكاذبين ثم لا يلزم من الآية افضلية الملائكة على البشر حيث اشتغلوا بالاستغفار للمؤمنين من غير أن يتقدم الاستغفار لانفسهم لاستغنائهم وذلك لأن هذا بالنسبة الى عوام المؤمنين واما خواصهم وهم الرسل فهم افضل منهم على الاطلاق وانما يصلون عليهم بدل الاستغفار لهم تعظيما لشأنهم ونعم ما قال ابو الليث رحمه الله فى الآية بيان فضل المؤمنين لأن الملائكة مشتغلون بالدعاء لهم وفى التأويلات النجمية يشير الى أن الملائكة كما امروا بالتسبيح والتحميد والتمجيد لله تعالى فكذلك امروا بالاستغفار والدعاء لمذنبى المؤمنين لأن الاستغفار للمذنب ويجتهدون فى الدعاء لهم فيدعون لهم بالنجاة ثم برفع الدرجات كما قال {ربنا} على ارادة القول اى يقولون ربنا على انه بيان الاستغفارهم او حال اى قائلين {وسعت كل شىء رحمة وعلما} نصب على التمييز والاصل وسعت رحمتك وعلمك لا ذاتك لامتناع المكان فى حقه فازيل عن اصله للاغراق فى وصفه بالرحمة والعلم كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شىء وتقديم الرحمة وان كان العلم اشمل واقدم تعلقا من الرحمة لأنها المقصودة بالذات ههنا وفى عين المعانى ملأت كل شىء نعمة وعلما به. يقول الفقير دخل فى عموم الآية الشيطان ونحوه لأن كل موجود فله رحمة دنيوية ألبتة واقلها الوجود وللشيطان انظار الى يوم الدين ويكون من الرحمة الدنيوية الى غير ذلك {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} الفاء لترتيب الدعاء على ما قبلها من سعة الرحمة والعلم فما بعد الفاء مسبب عن كل واحد من الرحمة والعلم اذ المعنى فاغفر للذين علمت منهم التوبة من الكفر والمعاصى واتباع سبيل الايمان والطاعة وفيه اشارة الى أن الملائكة لا يستغفرون الا لمن تاب ورجع عن اتباع الهوى واتبع بصدق الطلب وصفاء النية سبيل الحق تعالى وفى الاسئلة المقحمة قوله فاغفر الخ صيغة دالة على أن الشفاعة للتائبين والجواب ان الشفاعة للجميع ولكن لما كانت حاجة التائب اليها اظهر قرنوه بالذكر ثم لا يجب على الله قبول توبة التائب عندنا انتهى والاظهر ان التخصيص للحث على التوبة والاتباع وهو اللائح بالبال ومن اعجب ما قيل فى هذا المقام قول البقلى فى تأويلاته عجبت من رحمة الملائكة كيف تركوا المصرين على الذنوب عن استغفارهم هذه قطعة زهد وقعت فى مسالكم اين هم من قول سيد البشر عليه السلام حين اذاه قومه اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون عمموا الاشياء بالرحمة ثم خصوا منها التائبين يا ليت لو بقوا على القول الاول وسألوا الغفران لمجموع التائبين والعاصين انتهى. يقول الفقير العاصى اما مؤمن او كافر والثانى لا تتعلق به المغفرة لانها خاصة بالمؤمنين مطلقا فلما علم الملائكة ان الله لا يغفر ان يشرك به خصوها بالتائبين ليخرج المشركون {وقهم عذاب الجحيم} امر من وقى يقى وقاية وهى حفظ الشىء مما يؤذيه ويضره اى واحفظهم من عذاب جهنم وهو تصريح بعد اشعار للتأكيد وذلك لأن معنى الغفران اسقاط العذاب وفيه اشارة الى أنه بمجرد التوبة لا تحصل النجاة فلا بد من الثبات عليها وتخليص العمل من شوب الرياء والسمعة وتصفية القلب عن الاهوآء والبدع

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الذين}: مبتدأ، و {يُسبّحون}: خبره، والجملة: استئناف مسوق لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان أن أشراف الملائكة ـ عليهم السلام ـ مثابرون على ولاية مَن معه من المؤمنين، ونصرتهم، واستدعاء ما يُسعدهم في الدارين. يقول الحق جلّ جلاله: {الذين يحملون العرش} على عواتقهم ـ وهم محمولون أيضاً بلطائف القدرة، {ومَن حَوْله} أي: الحافِّين حوله، وهم الكروبيّون، سادات الملائكة، وأعلى طبقاتهم. قال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، وقيل: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم خرقت العرش، وهم خشوعٌ، لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفاً من سائر الملائكة. وقال أيضاً: لمَّا خلق الله حملة العرش، قال لهم: احملوا عرشي؛ فلم يطيقوا، فخلق الله مع كل ملك من أعوانهم مثل جنود مَن في السموات ومَن في الأرض مِن الخلق، فقال لهم: احملوا عرشي، فلم يطيقوا، فخلق مع كل واحد منهم مثل جنود سبع سموات وسبع أرضين، وما في الأرض من عدد الحصى والثرى، فقال: احملوا عرشي، فلم يطيقوا، فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقالوها، فاستقلوا عرش ربنا، أي: لَمَّا حملوه بالله أطاقوه، فلم يحمل عرشه إلا قدرته، وفي الحديث: "حديث : إن الله أمر جميع الملائكة أن يَغدُوا، ويَرُوحوا بالسلام على حملة العرش، تفضيلاً لهم على سائر الملائكة ". تفسير : وقال وهب بن منبه: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة، صف خلف صف، يدورون حول العرش، يطوفون به، يُقبل هؤلاء، ويُدبر هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضاً، هلّل هؤلاء، وكبَّر هؤلاء، ومِن ورائهم سبعون ألف صف قيام، أيديهم إلى أعناقهم، قد وضعوها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير هؤلاء وتهليلهم، رفعوا أصواتهم، فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلَّك، أنت الله لا إله غيرك، أنت الأكبر، الخلقُ كلهم راجون رحمتك، ومِن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة، قد وضعوا اليمنى على اليسرى، ليس منهم أحد إلا يُسبح الله ـ تعالى ـ بتسبيح لا يُسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام، واحتجب الله عزّ وجل ـ بينه وبين الملائكة الذين هم حول العرش ـ بسبعين حجاباً من ظُلمة، وسبعين حجاباً من نور، وسبعين حجاباً من دُرٍّ أبيض، وسبعين حجاباً من ياقوتٍ أحمر، وسبعين حجاباً من زمُردٍ أخضر، وسبعين حجاباً من ثلجٍ، وسبعين حجاباً من ماءٍ، إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى. هـ. قلت: لمّا أظهر الله العرشَ تجلّى بنورٍ جبروتي رحموتي، استوى به على العرش، كما يتجلّى يوم القيامة لفصل القضاء، ثم ضرب الحُجُب بين هذا التجلي الخاص وبين الملائكة الحافِّين، ولا يلزم عليه حصر ولا تجسيم؛ إذ تجليات الذات العالية لا تنحصر، وليست هذه الحُجُب بين الذات الكلية وبين الخلق؛ إذ لا حجاب بينها وبين سائر المخلوقات إلا حجاب القهر والوهم. واخْتُلف في هيئة العرش، فقيل: إنه مستدير، والكون كله في جوفه كخردلة في الهواء، حتى قيل: هو الفلك التاسع، وقيل: هو منبسط كهيئة السرير، وله سواري وأعمدة، وهو ظاهر الأخبار النبوية. رَوى جعفرُ الصادق عن أبيه عن جده، أنه قال: إن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية من خفقان الطير المسرعة قياس ألف عام، وإن ملَكاً يقال له: حزقائيل، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح والجناح خمسمائة عام، فأوحى الله إليه: أن طِرْ، فطار مقدار عشرين ألف سنة، فلم ينل رأسُه قائمةً من قوائم العرش، ثم طار مقدار ثلاثين ألف سنة فلم ينلها، فأوحى الله إليه: لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ ساق عرشي. هـ. مختصراً. وفي حديث آخر: " حديث : إن بين القائمة والقائمة من قوائم العرش ستين ألف صحراء، في كل صحراء ستون ألف عالم، في كل عالم قدر الثقلين"تفسير : . ومع هذا كله يسعه قلب العارف حتى يكون في زاوية منه؛ لأنه محدود، وعظمة الحق غير محدودة، وقلب العارف قد تجلّت فيه عظمة الحق، فوسعها، بدليل الحديث: "حديث : لن تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن" تفسير : أي: الكامل. ثم أخبر تعالى عن حَمَلة العرش ومَن حوله بقوله: {يُسَبِّحُونَ بحمد ربهم} أي: ينزهونه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل، ملتبسين بحمده على نعمائه التي لا تتناهى، {ويُؤمنون به} إيماناً يناسب حالهم. وفائدة ذكره مع علمنا بأن حملة العرش ومَنْ حوله الذي يُسبِّحون بحمد ربهم مؤمنون؛ إظهار لشرف الإيمان وفضيلته، وإبراز لشرف أهله، والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في بعض المواضع بالصلاح. وفيه تنبيه على أن الملائكة لم يحصل لهم العيان، وإنما وًصفوا بالإيمان بالغيب، وهم طبقات: منهم العارفون أهل العيان، ومنهم أهل الإيمان. ثم قال تعالى: {ويستغفرون للذين آمنوا} أي: ويستغفرون لمَن شاركهم في حالهم من الإيمان، وفيه دليل على أن الإشراك يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة، وإن تباعدت الأماكن، وفي نظم استغفارهم لهم في سلك وظائفهم المفروضة عليهم، من تسبيحهم، وتحميدهم، وإيمانهم، إيذان بكمال اعتنائهم به، وإشعار بوقوعه عند الله ـ تعالى ـ موقع القبول. {ربَّنا} أي: يقولون: ربنا، إمّا بيان لاستغفارهم، أو حال، {وَسِعْتَ كلَّ شيء رحمةً وعلماً} أي: وسعت رحمتُك وعلمك كلَّ شيء، فأزيل الكلام عن أصله، بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، ونُصبا على التمييز، مبالغةً في وصفه ـ تعالى ـ بالرحمة والعلم، وفي عمومهما، وتقديم الرحمة؛ لأنها السابقة والمقصودة هنا، {فاغفرْ للذين تابوا} أي: للذين علمتَ منهم التوبة، ليُناسب ذكر الرحمة، {واتَّبعُوا سبيلَك} أي: طريق الهُدى التي دعوت إليها. والفاء لترتيب الدعاء على ما قبلها من سعة الرحمة والعلم، {وَقِهِم عذاب الجحيم} أي: احفظهم منه، وهو تصريح بعد إشعار؛ للتأكيد. {ربنا وأَدْخِلهم جناتِ عدنٍ التي وعدتَّهم} إياها، {ومَن صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} أي: صلاحاً مصححاً لدخول الجنة في الجملة، وإن كانوا دون صلاح أصولهم، و (مَن): عُطف على ضمير (وعدتهم)، أي: وأَدْخل معهم هؤلاء؛ ليتم سرورهم، ويتضاعف ابتهاجهم. قال سعيد بن جبير: (يدخل الرجل الجنة، فيقول: أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ فيقال له: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنتُ أعمل لي ولهم، فيقال: أَدخلوهم الجنة). وسبق الوعد بالإدخال والإلحاق لا يستدعي حصول الموعود بلا توسُّط شفاعة واستغفار، وعليه بنى قول مَن قال: فائدة الاستغفار للمنيب الكرامة والثواب. انظر أبا السعود. {إِنك أنت العزيزُ الحكيم} أي: الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور، وأنت مع مُلكك وعزتك لا تفعل شيئاً خالياً عن حكمة، وموجب حكمتك أن تفي بوعدك. {وقِهمْ السيئاتِ} أي: جزاء السيئات، وهو العذاب، أو المعاصي في الدنيا، {ومَن تقِ السيئاتِ يومئذ فقد رَحِمْتَه} أي: ومَن تقه عقاب السيئات يومئذ فقد رحمته، أو: ومَن تقه المعاصي في الدنيا فقد رحمته في الآخرة، وكأنهم طلبوا لهم السبب بعدما طلبوا المسبّب، {وذلك هو الفوزُ العظيم}؛ الإشارة إلى الرحمة المفهومة من رحمته، أو: إليها وإلى الوقاية، أي: ذلك التوقي هو الفوز العظيم الذي لا مطمع وراءه لطامع. الإشارة: العرش وحملته، والحافُّون به محمولون بلطائف القدرة؛ لا حاملون في الحقيقة، بل لا وجود لهم مع الحق، وإنما هم شعاع من أنوار الذات الأقدس وتجلِّ من تجلياتها. وقوله تعالى: {يُسبحون بحمد ربهم}، قال الورتجبي: يُسبّحون الله بما يجدونه من القدس والتنزيه، حمداً لأفضالِه، وبأنه منزّه عن النظير والشبيه، ويؤمنون به في كل لحظة، بما يرون منه من كشوف صفات الأوليات، وأنوار حقائق الذات، التي تطمس في كل لمحة مسالك رسوم العقليات، وهم يُقرون كل لحظة بجهلهم عن كنه معرفة وجوده، ثم بيّن أنهم أهل الرأفة، والرحمة، والشفقة على أوليائه، لأنهم إخوانهم في نسب المعرفة والمحبة. انظر تمامه. والحاصل: أنهم مع تجلّي أنوار ذاته، قاصرون عن كنهه، وحقيقة ذاته، وغايتهم الإيمان به، قاله في الحاشية. قلت: والتحقيق أن المقربين منهم تحصل لهم المعرفة العيانية، والرؤية للذات في مظاهر التجليات، كما تحصل لخواص الأولياء في الدنيا، ولكن معرفة الآدمي أكمل؛ لاعتدال حقيقته وشريعته، لمَّا اعتدل فيه الضدان، وأما معرفة الملائكة فتكون مائلة لجهة الشكر والهيمان؛ للطاقة أجسامهم، فمثلهم كالمرآة بلا طلاء خلفها، وأمّا ما ورد في بعض الأخبار: أن جبريل لم يرَ الله قط قبل يوم القيامة، فلا يصح؛ إلا أن يُحمل على أنه لم يره من غير مظهر، وهذا لا يمكن له ولا لغيره، وأما رؤيتهم الله يوم القيامة فهم كسائر المؤمنين، يرونه على قدر تفاوتهم في المراتب والقُرب. قال إمام أهل السنة، أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه، في كتاب "الإبانة في أصول الديانة": أفضل اللذات لأهل الجنة رؤية الله تعالى، ثم رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم، فلذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسَلين، وملائكته المقرّبين، وجماعة المؤمنين، والصدّيقين النظرَ إلى وجهه تعالى. هـ. وفي الآية حث على الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب، والاستغفار لهم، وهو من شأن الأبدال، أهل الحرمة لعباد الله، اقتداءً بالملأ الأعلى. ثم شفع بضد أهل الإيمان، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ}.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ ومقابلٌ لقوله: ما يجادل فى آيات الله كأنّه قيل: هذا حال الكافرين والمجادلين فى آيات الله فما حال المؤمنين؟ - فقال: حالهم انّ الّذين يحملون العرش {وَمَنْ حَوْلَهُ} عطف على الّذين يحملون العرش او عطفٌ على العرش {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} قد مضى فى اوّل الفاتحة وفى غيرها وجه تقييد التّسبيح بالحمد {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} ذكرهم بوصف الايمان تفخيماً لشأن الايمان وتعظيماً لاهله وبشارةً لهم {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} واستغفارهم مستجاب لخلوّهم عن الهوى واغراض النّفس، والمراد بالّذين آمنوا الّذين يستغفر لهم الملائكة من آمن بالايمان الخاصّ والبيعة الخاصّة الولويّة دون من اسلم بالبيعة العامّة النّبويّة فقط، فانّهم وان كانوا مغفورين اذا لم يتنبّهوا بالبيعة الاخرى ولم يتذكّروا بالولاية، وانّ الايمان ليس الاّ بالبيعة الخاصّة الولويّة وكانوا فى متابعتهم للرّسل (ص) ثابتين غير متلوّنين لكن ما به استغفار الملائكة ليس الاّ انفحّة الولاية كما ورد فى اخبارنا تفسيرهم بشيعتهم، فعن الرّضا (ع) للّذين آمنوا بولايتنا، وعن الصّادق (ع) انّ لله ملائكةً يسقطون الذّنوب عن ظهور شيعتنا كما تسقط الرّيح الورق فى اوان سقوطه وذلك قوله تعالى: الّذين يحملون العرش (الآية) قال استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق {رَبَّنَا} استينافٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول، او حالٌ بتقدير القول {وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ} يعنى بالتّوبة الخاصّة الولويّة الجارية على يد ولىّ الامر فى ضمن البيعة الخاصّة {وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} فى مقام عملوا الصّالحات المذكور فى سائر الآيات مع الايمان {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ} هى جنّات الاقامة الّتى لا يخرج منها الى غيرها لكونها آخرة الجنّات {ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ} عطف على مفعول وعدتهم او على مفعول أدخلهم والمراد بالصّلاح استعداد الصّلاح فانّه نحو صلاحٍ لا الصّلاح بالفعل الحاصل بالولاية والبيعة الخاصّة فانّه لو اريد ذلك الصّلاح لم يكن دخولهم بتبعيّة الغير ولم يثبت بذلك للمتبوع شرافةٌ فانّ شرافة المؤمن بان يكون يدخل الجنّة بواسطته آباءه واتباعه الّذين لم يستحقّوا دخولها بانفسهم، فانّ من لم يبطل استعداده من آباء المؤمنين واولادهم وازواجهم يدخل الجنّة ان شاء الله بواسطتهم، ويجوز ان يراد بالصّلاح الصّلاح بالفعل فيكون للآباء والاتباع استحقاق الدّخول بسبب الايمان وبسبب نسبتهم الى المؤمن فانّهم ينتفعون بتلك النّسبة ايضاً {وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} تقديم الازواج لمراعاة التّرتيب فى الوجود لا فى الشّرف ولا فى النّسبة {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} اى الغالب الّذى لا يمنع من مراده {ٱلْحَكِيمُ} الّذى يعلم دقائق الاستعداد والاستحقاق وتفعل على حسبها بحيث لا يمكن ابطال فعلك والسّؤال عنك فيه.

فرات الكوفي

تفسير : {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيءٍ رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك 7} قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثني أحمد بن الحسين [العلوي] عن محمد بن حاتم عن هارون بن الجهم. عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر [عليه السلام. أ، ب] يقول: قول الله [تعالى. ر. أ، ب: في كتابه]: {الذين يحملون العرش ومن حوله [يسبحون}. ب] يعني محمداً وعلياً والحسن والحسين [ع. ب] وإبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين [ب: عليهم السلام]. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال الله في كتابه: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا} قال: يستغفرون [أ: ليستغفرون] لشيعة آل محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] وهم الذين آمنوا {يقولون: ربنا وسعت كل شيءٍ رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} يعني الذين اتبعوا ولاية علي و [علي] هو السبيل. فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد قال: حدثنا الحسن بن جعفر [قال: حدثنا الحسين (الشوا. أ) قال: حدثنا محمد - يعني ابن عبد الله الحنظلي- قال: حدثنا وكيع. أ، ر] قال: حدثنا سليمان الأعمش! قال: دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام وقلت له [أ، ر: قلت] جعلت فداك إن الناس يسمونا روافض فما الروافض؟ فقال [أ: قال:] والله ما هم سموكموه و [لكن. ر] الله سماكم به في التوراة والإنجيل على لسان موسى ولسان عيسى، وذلك أن سبعين رجلاً من قوم فرعون رفضوا فرعون ودخلوا في دين موسى [ع. أ] فسماهم الله [تعالى. ر] الرافضة، وأوحى إلى موسى أن أثبت لهم [هذا. ب. الاسم. أ، ب] في التوراة حتى يملكونه على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ففرقهم الله فرقاً كثيرة [وتشعبوا شعباً كثيرة. أ، ر] فرفضوا الخير ورفضتم الشر واستقمتم مع أهل بيت نبيكم [عليه و. أ] عليهم [الصلاة و. أ] السلام فذهبتم حيث ذهب نبيكم واخترتم من اختار الله ورسوله، فأبشروا ثم أبشروا [ثم أبشروا. أبـ] فأنتم المرحومون المتقبل من محسنهم والمتجاوز عن مسيئهم ومن لم يلق الله بمثل ما لقيتم لم تقبل حسنته ولم يتجاوز عن سيئته، يا سليمان هل سررتك؟ فقلت: زدني جعلت فداك فقال: إن لله عز وجل ملائكة يستغفرون لكم حتى يتساقط ذنوبكم كما يتساقط ورق الشجر في يوم ريح وذلك قول الله تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا} هم شيعتنا وهي والله لهم، يا سليمان هل سررتك؟ فقلت: زدني جعلت فداك، قال: ما على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا وسائر الناس منها براء. فرات قال: حدثني [أ: ثنا] علي بن الحسين معنعناً: حديث : عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: مكث جبرئيل أربعين يوماً لم ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رب قد اشتد شوقي إلى نبيك فاذن لي فأوحى الله تعالى إليه [وقال. ر]: يا جبرئيل اهبط إلى حبيبي ونبيي فاقرأه مني السلام وأخبره أني [قد. ب] خصصته بالنبوة وفضلته على جميع الأنبياء واقرأ وصيه مني [أ: منا] السلام وأخبره أني خصصته بالوصية وفضلته على جميع الأوصياء. قال: فهبط جبرئيل [عليه السلام. ر] على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان إذا هبط وضعت له وسادة من آدم حشوها ليف! فجلس بين يدي النبي [أ، ب: رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد إن الله تعالى يقرؤك السلام ويخبرك أنه خصّك بالنبوة وفضلك على جميع الأنبياء ويقرأ وصيك السلام ويخبرك أنه خصه بالوصية وفضله على جميع الأوصياء. قال: فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه فدعاه وأخبره بما قال جبرئيل [عليه السلام. ب]، قال: فبكا علي بكاءاً شديداً ثم قال: أسأل الله أن لا يسلبني ديني ولا ينزع مني كرامته وأن يعطيني ما وعدني. فقال جبرئيل عليه السلام: يا محمد حقيق على أن لا يعذب علياً ولا أحداً تولاه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبرئيل على ما كان منهم أوكلهم ناج؟ فقال جبرئيل: يا محمد نجا من تولا شيثاً بشيث ونجا شيث بآدم ونجا آدم بالله، ونجا من تولى ساماً بسام ونجا سام بنوح ونجا نوح بالله، ونجا من تولى آصف بآصف ونجا آصف بسليمان ونجا سليمان بالله، ونجا من تولى يوشع بيوشع ونجا يوشع بموسى ونجا موسى بالله، ونجا من تولى شمعون بشمعون ونجا شمعون بعيسى ونجا عيسى بالله، ونجا من تولى علياً بعلي ونجا علي بك ونجوت أنت بالله، وإنما كل شيءٍ بالله، وإن الملائكة والحفظة ليفخرون على جميع الملائكة لصحبتها إياه. قال: فجلس علي عليه السلام يسمع كلام جبرئيل [عليه السلام. ر] ولا يرى شخصه . تفسير : قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما الذي كان من حديثهم إذا اجتمعوا؟ قال: ذكر الله [تبارك و. أ، ب] تعالى ولم [ر: فلم] تبلغ عظمته، ثم ذكروا فضل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أعطاه الله من علم وقلده من رسالته، ثم ذكروا أمر شيعتنا والدعاء لهم، وختمهم بالحمد والثناء على الله. قال: قلت: جعلت فداك يا أبا عبد الله وإن الملائكة لتعرفنا؟ قال: سبحان الله وكيف لا يعرفونكم وقد وكلوا بالدعاء لكم والملائكة حافين من حول العرش {يسبحون بحمد ربهم} {ويستغفرون للذين آمنوا} ما استغفارهم إلا لكم دون هذا العالم.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ } وهو جسم عظيم له قوائم، الكرسي وما تحته بالنسبة إليه كحلقة في فلاة. / وفي بعض الآثار «خلق الله تعالى العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام». وذكر بعضهم في سعته أنه لو مسح مقعره بجميع مياه الدنيا مسحاً خفيفاً لقصرت عن استيعابه ويزعم أهل الهيئة ومن وافقهم أنه كري وأنه المحدد وفلك الأفلاك وأنه كسائر الأفلاك لا يوصف بثقل ولا خفة وليس لهم في ذلك خبر يعول عليه بل الأخبار ظاهرة في خلافه. والظاهر أن الحمل على حقيقته وحملته ملائكة عظام. أخرج أبو يعلى وابن مردويه بسند صحيح عن أبـي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه الأرض السابعة السفلى والعرش على منكبيه وهو يقول: سبحانك أين كنت وأين تكون»تفسير : . وأخرج أبو داود وجماعة بسند صحيح عن جابر بلفظ «حديث : أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام»تفسير : وهم على ما في بعض الآثار ثمانية. أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في «شعب الإيمان» عن هٰرون بن رباب قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم يقول أربعة منهم سبحانك وبحمدك على حلمك بعد عفوك وأربعة منهم سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك. وأخرج أبو الشيخ وابن أبـي حاتم من طريق أبـي قبيل أنه سمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينيه مسيرة خمسمائة عام، وفي بعض الآثار أنهم اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية. أخرج أبو الشيخ عن وهب قال: حملة العرش أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين، ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في أرزاقهم، وملك منهم في صورة نسر يشفع للطير في أرزاقهم، وملك منهم في صورة ثور يشفع للبهائم في أرزاقهم، وملك منهم في صورة أسد يشفع للسباع في أرزاقهم فلما حملوا العرش وقعوا على ركبهم من عظمة الله تعالى فلقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله فاستووا قياماً على أرجلهم. وجاء رواية عن وهب أيضاً أنهم يحملون العرش على أكتافهم وهو الذي يشعر به ظاهر خبر أبـي هريرة السابق. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حبان بن عطية قال: حملة العرش ثمانية أقدامهم مثبتة في الأرض السابعة ورؤوسهم قد جاوزت السماء السابعة وقرونهم مثل طولهم عليها العرش. وفي بعض الآثار أنهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وفي بعض لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور، وهم على ما أخرج ابن أبـي شيبة عن أبـي أمامة يتكلمون بالفارسية أي إذا تكلموا بغير التسبيح وإلا فالظاهر أنهم يسبحون بالعربية، على أن الخبر الله تعالى أعلم بصحته، وفي بعض الآثار عن وهب أنهم ليس لهم كلام إلا أن يقولوا قدوس الله القوي ملأت عظمته السماوات والأرض، وما سيأتي إن شاء الله تعالى بعيد هذا في الآية يأبـى ظاهر الحصر. {وَمَنْ حَوْلَهُ } أي والذين من حول العرش وهم ملائكة في غاية الكثرة لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وذكر في كثرتهم / أن مخلوقات البر عشر مخلوقات البحر والمجموع عشر مخلوقات الجو والمجموع عشر ملائكة السماء الدنيا والمجموع عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا إلى السماء السابعة والمجموع عشر ملائكة الكرسي والمجموع عشر الملائكة الحافين بالعرش، ولا نسبة بين مجموع المذكور وما يعلمه الله تعالى من جنوده سبحانه: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ }تفسير : [المدثر: 31]. ويقال لحملة العرش والحافين به الكَروبيون جمع كَروبـي بفتح الكاف وضم الراء المهملة المخففة وتشديدها خطأ ثم واو بعدها باء موحدة ثم ياء مشددة من كرب بمعنى قرب، وقد توقف بعضهم في سماعه من العرب وأثبته أبو علي الفارسي واستشهد له بقوله:شعر : كروبية منهم ركوعٌ وسُجَّدٌ تفسير : وفيه دلالة على المبالغة في القرب لصيغة فعول والياء التي تزاد للمبالغة، وقيل: من الكرب بمعنى الشدة والحزن وكأن وصفهم بذلك لأنهم أشد الملائكة خوفاً. وزعم بعضهم أن الكروبيين حملة العرش وأنهم أول الملائكة وجوداً ومثله لا يعرف إِلا بسماع. وعن البيهقي أنهم ملائكة العذاب وكأن ذلك إطلاق آخر من الكرب بمعنى الشدة والحزن، وقال ابن سيناء في «رسالة»: الملائكة الكروبيون هم العامرون لعرصات التيه الأعلى الواقفون في الموقف الأكرم زمراً الناظرون إلى المنظر الأبهى نظراً وهم الملائكة المقربون والأرواح المبرؤون، وأما الملائكة العاملون فهم حملة العرش والكرسي وعمار السماوات انتهى. وذهب بعضهم إلى أن حمل العرش مجاز عن تدبيره وحفظه من أن يعرض له ما يخل به أو بشيء من أحواله التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، وجعلوا القرينة عقلية لأن العرش كري في حيزه الطبيعي فلا يحتاج إلى حمل ونسب ذلك إلى الحكماء وأكثر المتكلمين، وكذا ذهبوا إلى أن الحفيف والطواف بالعرش كناية أو مجاز عن القريب من ذي العرش سبحانه ومكانتهم عنده تعالى وتوسطهم في نفاذ أمره عز وجل، والحق الحقيقة في الموضعين؛ وما ذكر من القرينة العقلية في حيز المنع. وقرأ ابن عباس وفرقة {العرش} بضم العين فقيل: هو جمع عرش كسقف وسقف أو لغة في العرش، والموصول الأول مبتدأ والثاني عطف عليه والخبر قوله تعالى: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } والجملة استئناف مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن الملائكة الذين هم في المحل الأعلى مثابرون على ولاية من معه من المؤمنين ونصرتهم واستدعاء ما يسعدهم في الدراين أي ينزهونه تعالى عن كل ما لا يليق بشأنه الجليل - كالجسمية وكون العرش حاملاً له عز وجل - ملتبسين بحمده جل شأنه على نعمائه التي لا تتناهى. {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } إيماناً حقيقياً كاملاً، والتصريح بذلك مع الغنى عن ذكره رأساً لإظهار فضيلة الإيمان وإبراز شرف أهله والإشعار بعلة دعائهم للمؤمنين حسبما ينطق به قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } فإن المشاركة في الإيمان أقوى المناسبات وأتمها وأدعى الدواعي إلى النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس وتباعدت الأماكن، وفيه على ما قيل: إشعار بأن حملة العرش وسكان الفرش سواء في الإيمان بالغيب إذ لو كان هناك مشاهدة للزومها من الحمل بناء على العادة الغالبة أو على أن العرش جسم شفاف لا يمنع الأبصار البتة لم يقل يؤمنون لأن الإيمان هو التصديق القلبـي أعني العلم أو ما يقوم مقامه مع اعتراف وإنما يكون في الخبر ومضمونه من معتقد علمي أو ظني ناشىء من البرهان أو قول الصادق كأنه اعترف بصدق المخبر أو البرهان / وأما العيان فيغني عن البيان، ففي ذلك رمز إلى الرد على المجسمة، ونظيره في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تفضلوني على ابن متى»تفسير : كذا قيل، وينبغي أن يعلم أن كون حملة العرش لا يرونه عز وجل بالحاسة لا يلزم منه عدم رؤية المؤمنين إياه تعالى في الدار الآخرة. {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } على إرادة القول أي يقولون ربنا الخ، والجملة لا محل لها من الإعراب على أنها تفسير ليستغفرون أو في محل رفع على أنها عطف بيان على تلك الجملة بناء على جوازه في الجمل أو في محل نصب على الحالية من الضمير في {يَسْتَغْفِرُونَ }. وفسر استغفارهم على هذا الوجه بشفاعتهم للمؤمنين وحملهم على التوبة بما يفيضون على سرائرهم، وجوز أن يكون الاستغفار في قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [الشورى: 5] المفسر بترك معاجلة العقاب وإدرار الرزق والارتفاق بما خلق من المنافع الجمة ونحو ذلك وهو وإن لم يخص المؤمنين لكنهم أصل فيه فتخصيصهم هنا بالذكر للإشارة إلى ذلك، والأظهر كون الجملة تفسيراً، ونصب {رَّحْمَةً وَعِلْماً } على التمييز وهو محول عن الفاعل والأصل وسعت رحمتك وعلمك كل شيء وحول إلى ما في النظم الجليل للمبالغة في وصفه عز وجل بالرحمة والعلم حيث جعلت ذاته سبحانه كأنها عين الرحمة والعلم مع التلويح إلى عمومها لأن نسبة جميع الأشياء إليه تعالى مستوية فتقتضي استواءها في شمولهما، ووصفه تعالى بكمال الرحمة والعلم كالتمهيد لقوله سبحانه: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } الخ، وتسبب المغفرة عن الرحمة ظاهر، وأما تسببها عن العلم فلأن المعنى فاغفر للذين عملت منهم التوبة أي من الذنوب مطلقاً بناء على أنه المتبادر من الإطلاق واتباع سبيلك وهو سبيل الحق التي نهجها الله تعالى لعباده ودعا إليها الإسلام أي علمك الشامل المحيط بما خفي وما علن يقتضي ذلك، وفيه تنبيه على طهارتهم من كدورات الرياء والهوى فإن ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى وحده. ويتضمن التمهيد المذكور الإشارة إلا أن الرحمة الواسعة والعلم الشامل يقتضيان أن ينال هؤلاء الفوز العظيم والقسط الأعلى من الرضوان وفيه إيماء إلى معنى: شعر : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما تفسير : فإن العبد وإن بالغ حق المبالغة في أداء حقوقه تعالى فهو مقصر، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمته»تفسير : وتقديم الرحمة لأنها المقصودة بالذات هٰهنا، وفي تصدير الدعاء بربنا من الاستعطاف ما لا يخفى ولذا كثر تصدير الدعاء به. وقوله تعالى: {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } أي واحفظهم عنه تصريح بعد تلويح للتأكيد فإن الدعاء بالمغفرة يستلزم ذلك، وفيه دلالة على شدة العذاب.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي اقتضاه الانتقال من ذكر الوعيد المؤذن بذم الذين كفروا إلى ذكر الثناء على المؤمنين، فإن الكلام الجاري على ألسنة الملائكة مثل الكلام الجاري على ألسنة الرسل إذ الجميع من وحي الله، والمناسبة المضادَّةُ بين الحالين والمقالين. ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن وعيد المجادلين في آيات الله أن يسأل سائل عن حال الذين لا يجادلون في آيات الله فآمنوا بها. وخص في هذه الآية طائفة من الملائكة موصوفة بأوصاف تقتضي رفعة شأنهم تذرعاً من ذلك إلى التنويه بشأن المؤمنين الذين تستغفر لهم هذه الطائفة الشريفة من الملائكة، وإلا فإن الله قد أسند مثل هذا الاستغفار لعموم الملائكة في قوله في سورة [الشورى:5] { أية : والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض}تفسير : أي من المؤمنين بقرينة قوله فيها بعده: {أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء اللَّه حفيظ عليهم}تفسير : [الشورى: 6]. و {الذين يحمِلُون العَرْش} هم الموكَّلون برفع العرش المحيط بالسماوات وهو أعظم السماوات، ولذلك أضيف إلى الله في قوله تعالى: {أية : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}تفسير : [الحاقة: 17]. و {من حَوله} طائفة من الملائكة تحفّ بالعرش تحقيقاً لعظمته قال تعالى: {أية : وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم}تفسير : [الزمر: 75]، ولا حاجة إلى الخوض في عددهم {أية : وما يعلم جنود ربك إلا هو}تفسير : [المدثر: 31]. والإِخبار عن صنفي الملائكة بأنهم يسبحون ويؤمنون به؛ توطئة وتمهيد للإخبار عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا فذلك هو المقصود من الخبر، فقدم له ما فيه تحقيق استجابة استغفارهم لصدوره ممن دأبهم التسبيح وصفتهم الإِيمان. وصِيغةُ المضارع في {يسبحون} و {يؤمنون} و {يستغفرون} مفيدة لتجدد ذلك وتكرره، وذلك مشعر بأن المراد أنهم يفعلون ذلك في الدنيا كما هو الملائم لقوله: {فاغفر للذين تابوا} وقوله: {أية : وأدخِلهم جَنَّات عَدنٍ التي وعَدتَّهُم}تفسير : [غافر: 8] وقوله: {أية : ومَن تَقِ السَّيِئات}تفسير : [غافر: 9] الخ وقد قال في الآية الأخرى {أية : ويستغفرون لمن في الأرض}تفسير : [الشورى: 5] أي من المؤمنين كما تقدم. ومعنى تجدد الإِيمان المستفاد من {ويؤمنون}تجدد ملاحظته في نفوس الملائكة وإلا فإن الإِيمان عقد ثابت في النفوس وإنما تجدده بتجدد دلائله وآثاره. وفائدة الإخبار عنهم بأنهم يؤمنون مع كونه معلوماً في جانب الملائكة التنويهُ بشأن الإِيمان بأنه حال الملائكة، والتعريضُ بالمشركين أن لم يكونوا مثل أشرف أجناس المخلوقات مثل قوله تعالى في حق إبراهيم {أية : وما كان من المشركين}تفسير : [الأنعام: 161]. وجملة {رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شيء رَحْمَة وعِلمَاً} مبيّنة لــــ {يستغفرون}، وفيها قول محذوف دلت عليه طريقة التكلم في قولهم: {ربنا}. والباء في {بِحَمْد رَبهِم} للملابسة، أي يسبحون الله تسبيحاً مصاحباً للحمد، فحذف مفعول {يسبحون} لدلالة المتعلِّق به عليه. والمراد بــــ {الذين آمنوا} المؤمنون المعهودون وهم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم المقصود في هذا المقام وإن كان صالحاً لكل المؤمنين. وافتتح دعاء الملائكة للمؤمنين بالنداء لأنه أدخل في التضرع وأرجى للإِجابة، وتوجهوا إلى الله بالثناء بسعة رحمته وعلمه لأن سعة الرحمة مما يُطمِع باستجابة الغفران، وسعة العلم تتعلق بثبوت إيماننِ الذين آمنوا. ومعنى السعة في الصفتين كثرة تعلقاتهما، وذكر سعة العلم كناية عن يقينهم بصدق إيمان المؤمنين فهو بمنزلة قول القائل، أنت تعلم أنهم آمنوا بك ووحّدوك. وجيء في وصفه تعالى بالرحمة الواسعة والعلم الواسع بأسلوب التمييز المحوَّل عن النسبة لما في تركيبه من المبالغة بإسناد السعة إلى الذات ظاهراً حتى كأنَّ ذاته هي التي وَسِعَتْ، فذلك إجمال يستشرف به السامع إلى ما يرِد بعدَه فيجيء بعده التمييز المبيِّن لنسبة السعة أنها من جانب الرحمة وجانب العلم، وهي فائدة تمييز النسبة في كلام العرب، لأن للتفصيل بعد الإِجمال تمكيناً للصفة في النفس كما في قوله تعالى: {أية : واشتعل الرأس شيباً}تفسير : [مريم: 4]. والمراد أن الرحمة والعلم وَسِعَا كل موجود، الآن، أي في الدنيا وذلك هو سياق الدعاء كما تقدم آنفاً، فما من موجود في الدنيا إلا وقد نالته قسمة من رحمة الله سواء في ذلك المؤمن والكافر والإِنسان والحيوان. و {كُلَّ شيءٍ} كل موجود، وهو عام مخصوص بالعقل بالنسبة للرحمة، أي كل شيء محتاج إلى الرحمة، وتلك هي الموجودات التي لها إدراك تدرك به الملائم والمنافر والنافع والضار، من الإِنسان والحيوان، إذ لا فائدة في تعلق الرحمة بالحَجر والشجر ونحوهما. وأما بالنسبة إلى العلم فالعموم على بابه قال تعالى: {أية : ألا يعلم من خلق}تفسير : [الملك: 14]. ولما كان سياق هذا الدعاء أنه واقع في الدنيا كما تقدم اندفع ما عسى أن يقال إن رحمة الله لا تسع المشركين يوم القيامة إذ هم في عذاب خالد فلا حاجة إلى تخصيص عموم كل شيء بالنسبة إلى سعة الرحمة بمخصصات الأدلة المنفصلة القاضية بعدم سعة رحمة الله للمشركين بعد الحساب. وتَفَرع على هذه التوطئة بمناجاة الله تعالى ما هو المتوسَّل إليه منها وهو طلب المغفرة للذين تابوا لأنه إذا كان قد عَلم صدق توبة من تاب منهم وكانت رحمته وسعت كلَّ شيء فقد استحقوا أن تشملهم رحمته لأنهم أحرياء بها. ومفعولُ {فاغفر} محذوف للعلم، أي اغفر لهم ما تابوا منه، أي ذنوب الذين تابوا. والمراد بالتوبة: الإِقلاع عن المعاصي وأعظمها الإشراك بالله. واتباع سبيل الله هو العمل بما أمرهم واجتنابُ ما نهاهم عنه، فالإِرشاد يشبه الطريق الذي رسمه الله لهم ودلهم عليه فإذا عملوا به فكأنهم اتبعوا السبيل فمشَوا فيه فوصلوا إلى المقصود. {وَقِهم عذاب الجحيم} عطف على {فاغفر} فهو من جملة التفريع فإن الغفران يقتضي هذه الوقاية لأن غفران الذنب هو عدم المؤاخذة به. وعذاب الجحيم جعله الله لِجزاء المذنبين، إلا أنهم عضدوا دلالة الالتزام بدلالة المطابقة إظهاراً للحرص على المطلوب. والجحيم: شدة الالتهاب، وسميت به جهنم دارُ الجزاء على الذنوب.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 7- الذين يحملون العرش من الملائكة والمحيطون به، ينزِّهون مالك أمرهم ومربيهم عن كل نقص تنزيهاً مقترناً بالثناء عليه، ويؤمنون به ويطلبون المغفرة للمؤمنين قائلين: ربنا وسعت رحمتك كل شئ، وأحاط علمك بكل شئ، فاصفح عن سيئات الذين رجعوا إليك واتبعوا طريقك، وجَنِّبْهُم عذاب الجحيم. 8- ويقول هؤلاء الملائكة: ربنا وأدخل المؤمنين جنات الإقامة التى وعدتهم بها على لسان رسلك، وأدخل معهم الصالحين من الآباء والأزواج والذرية. إنك أنت - وحدك - الغالب الذى لا يغلب، الحكيم الذى لا يخطئ. 9- ويقولون فى دعائهم: جنِّب المؤمنين جزاء سيئاتهم، ومن جنبته جزاء سيئاته يوم الجزاء فقد رحمته بفضلك، والوقاية من جزاء السيئات هو الظفر البالغ العظم. 10- إن الذين كفروا يُنادون: لكراهة الله وبُغضه لكم أكبر من كراهتكم أنفسكم التى أوردتكم موارد العذاب، حين كنتم تدعون إلى الإيمان مرة بعد مرة فتسارعون إلى الكفر. 11- قال الكافرون: ربنا أمتنا موتتين: موتة من حياتنا الدنيا، وموتة من حياتنا فى البرزخ وأحييتنا مرتين: مرة هى حياتنا الدنيا، ومرة أخرى بالبعث من القبور، فهل إلى خروجنا من العذاب من طريق.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الذين يحملون العرش: أي الملائكة حملة العرش. ومن حوله: أي والملائكة الذي يحفون بالعرش من جميع جوانبه. يسبحون بحمد ربهم: أي يقولون سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم هذه صلاتهم وتسبيحهم. ويؤمنون به: كيف لا وهم عنده، ولكن هذا من باب الوصف بالكمال لهم. ويستغفرون للذين آمنوا: أي يطلبون المغفرة للمؤمنين لرابطة الإِيمان بالله التي تربطهم بهم. ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما: أي يقولون يا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما. فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك: أي فبما أن رحمتك وعلمك وسعا كل مخلوقاتك فاغفر للذين تابوا إليك فعبدوك ووحدوك واتبعوا سبيلك الذي هو الإِسلام. وقهم عذاب الجحيم: أي احفظهم من النار فلا تُعذّبهم بها. جنات عدن: أي بساتين فيها قصور وأنهار للإِقامة الدائمة. التي وعدتهم: أي بقوله تعالى: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتهم الأنهار. ومن صلح من آبائهم: أي ومن صلح بالإِيمان ولم يفسد بالشرك والكفر. وقهم السيئات: أي احفظهم من جزاء السيئات التي عملوها فلا تؤاخذهم بها. ومن تق السيئات يومئذ: أي ومن تقه جزاء سيئاته يوم القيامة فلم تؤاخذه. فقد رحمته: أي حيث سترته ولم تفضحه وعفوت عنه ولم تعذبه. وذلك: أي الوقاية من العذاب وإدخال الجنة هو الفوز العظيم. معنى الآيات: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ} يخبر تعالى عن عظمته وموجبات الإِيمان به وبآياته وتوحيده ولقائه فيقول الذي يحملون العرش أي عرشه من الملائكة كالملائكة الذين يحفون بعرشه الجميع {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} تسبيحاً مقروناً بالحمد بأن يقولوا سبحان الله وبحمده ويؤمنون به أي يؤمنون بوحدانيته وعدم الإِشراك في عبادته {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} لرابطة الإِيمان التي ربطتهم بهم ولعل هذا السرَّ في ذكر إيمانهم لأن المؤمنين إخوة واستغفارهم هو طلب المغفرة من الله للمؤمنين من عباده. وهو معنى قوله: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي يقولون متوسلين إليه سبحانه وتعالى بصفاته {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي يا ربنا وسعت رحمتك وعلمك سائر المخلوقات فاغفر للذين تابوا أي إليك فتركوا الشرك واتبعوا سبيلك الذي هو الإِسلام فانقادوا لأمرك ونهيك، وقهم عذاب الجحيم أي احفظهم يا ربنا من عذاب النار وأدخلهم جنات عَدْنٍ أي إقامة من دخلها لا يخرج منها ولا يبغي عنها حولا لكمال نعيمها ووفرة السعادة فيها. ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريَّتهم أي وادخل كذلك من صلح بالإِيمان والتوحيد من آبائهم وأزواجهم وذريَّاتهم فألحقهم بدرجاتهم ليكونوا معهم وإن قصرت بهم أعمالهم. وقولهم إنك أنت العزيز الحكيم توسل أيضاً إليه تعالى بصفتي العزة والغلبة والقهر لكل المخلوقات والحكمة المتجلية في سائر الكائنات. وقولهم: {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي واحفظهم من جزاء سيئاتهم بأن تغفرها لهم وتسترها عليهم حتى يتأهّلوا للحاق بأبنائهم الذين نسألك أن تلحقهم بِهِمْ، {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة {فَقَدْ رَحِمْتَهُ}، {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم لقوله تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}تفسير : [آل عمران: 185]. ومعنى ومن تق السيئآت أي تقيه عذابها وذلك بأن يغفرها لهم ويعفو عنهم فلا يؤاخذهم بها، فينجوا من النار ويدخلوا الجنة وذلك أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان عظم الرب تعالى. 2- بيان فضل الإِيمان وأهله. 3- فضل التسبيح بقول: سبحان الله وبحمده فقد صح أن من قالها مائة مرة حين يصبح أو حين يمسي غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر أي في الكثرة. 4- بشرى المؤمنين بأن الله تعالى يجمعهم بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم في الجنة، وقد استجاب الله للملائكة وقد أخبر تعالى عن ذلك بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [الطور: 21].

القطان

تفسير : العرش: المُلْك، وسرير الملك. وهنا معناه مركز تدبير العالم، ولا نعرف صفاته وكيف هو. قِهِم: احفظهم، من الفعل: وقَى يقي. مقْتُ الله: اشدّ غضبه. ثم بين الله تعالى ان حملة العرش من الملائكة، ومَن حول العرش مِنهم {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} وهم من بين القوى المؤمنة في هذا الوجود، يذكُرون المؤمنين عند ربهم ويستغفرون لهم ضارعين الى الله تعالى بقولهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ} اغفر لهم ذنوبهم بعد ان تابوا واستقاموا على هداك، وجنّبهم عذاب النار. ويقول الملائكة: ربنا أدخِل المؤمنين جناتِ الاقامة التي وعدْتهم بها على لسان رسُلك، وأدخل معهم الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذريّاتهم، {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. ويقولون في دعائهم ايضاً: واحفظْهم يا رب من سوء عاقبة سيّئاتهم التي وقعوا فيها، ومَنْ جنّبتَه سيئاتِه يوم القيامة فقد رَحِمتَه بفضلك، {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} بل هو اكبر فوز يحصل عليه المؤمن مكافأة له على ما قدّم من صالحات الأعمال. وتنادي الملائكةُ الكافرين يوم القيامة وهم في اشد العذاب فيقولون لهم: إن مَقْتَ الله لكم وغضبه عليكم في الدنيا على كفركم أشدُّ من مقتكم الآن لأنفسِكم، فقد دعاكم سبحانه بواسطة رسُله الى الإيمان فأبيتم إلا الكفر. وما أوجعَ هذا التأنيبَ في هذا الموقف العصيب!!.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} (7) - إِنَّ المَلاَئِكَةَ الذِينَ يَحْمِلُونَ عَرْشَ رَبِّهِمْ، وَالمَلاَئِكَةَ الذِينَ هُمْ مِنْ حَوْلِهِ يُنَزِّهُونَ اللهَ تَعَالَى، وَيَحْمَدُونَهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلاَئِهِ، وَلاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْأَلُونَهُ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لِلمُسِيئِينَ الذِينِ تَابُوا وَأَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهِمْ مِنْ فِعْلِ الخَيرِ، وَتَرَكِ المُنْكَرِ، وَيَسْأَلُونَهُ تَعَالَى أَنْ يُجَنِّبَ (يَقِي) هَؤُلاَءِ التَّائِبِينَ الْمُنِيبِينَ عَذَابَ النَّارِ. سَبِيلَكَ - طَرِيقَ الهُدَى - الدِينَ القَوِيمَ. قِهِمْ - احْفَظْهُمْ وَجَنِّبْهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هؤلاء هم الملائكة الذين خلقهم الله لتسبيحه سبحانه، فلا عملَ لهم غير تسبيح الله وهم حملة العرش ومَنْ حوله. والتسبيح كما قلنا من المقاليد، ومعنى {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ..} [غافر: 7] أي: يُنزهونه سبحانه عن مشابهة خَلْقه في الأسماء والأفعال والصفات. لذلك قلنا: إذا اشترك الحق سبحانه مع خَلْقه في شيء فلا بدَّ أنْ نأخذه في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. فلله فعل ولك فعل، لكن لا تَقِسْ فعلك بفعل ربك سبحانه، وهذه المسألة أوضحناها في شرح أول سورة الإسراء، فلما كان الحدث مُستغرباً بدأ الله تعالى السورة بالتسبيح {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 1] قالها بداية حتى لا نقيس فعل الله على فعل البشر ولا قدرة الله بقدرة البشر، فلله تعالى فعل ولك فعل، لكن فعل الله ليس كفعلك، فإياك أنْ تقول المسافة والزمن. وكلمة (سبحان الله) تعني تنزيه الله تعالى عن كل ما يشبه البشر، لذلك قالوا: كلُّ ما يخطر ببالك فالله خلاف ذلك، وهذا التنزيه ليس طارئاً بوجود مَنْ ينزه الله إنما هو أزليّ قبل أنْ يخلق الله مَنْ ينزهه، فهو سبحانه مُنزَّه في ذاته قبل أنْ يوجد مَنْ ينزهه. لذلك لما وُجدَتْ السماء والأرض قال: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الحديد: 1] أي: سبَّحوا الله ساعة خُلِقوا فقالوا: سبحان الله الخالق العظيم، ولا يزالون يُسبِّحون، كما قال: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجمعة: 1] فالتسبيح موصول دائم، فإذا كان الكون كله سبَّح لله ولا يزال يُسبِّح، والكون مخلوق لك أيها الإنسان فأنت أَوْلَى بالتسبيح منه، لذلك قال: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1]. وتسبيح الله تنزيه له سبحانه في أفعاله وفي صفاته، فحين تتأمل مثلاً مسألة الخلق تجد خَلْق الإنسان من طين، فهل يمكنك أنْ تأخذ قطعة من الطين فتُسويها على هيئة إنسان ثم تنفخ فيها أنت الروح؟ هذه العملية لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه. لذلك سيدنا عيسى عليه السلام لما أراد الله أنْ يجعل له آية ومعجزة في مسألة الخَلْق قال: {أية : أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [آل عمران: 49] فقال في نفخ الروح {أية : بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [آل عمران: 49] لأنه بذاته لا يستطيع هذه العملية، إنما كوني أُصوِّر تمثالاً على هيئة إنسان أو طائر فهذه مسألة سهلة. إذن: كان عليك أيها الإنسان الذي كرَّمه الله، كان عليك أن تسبح، لأن الكون والجماد الذي خلقه الله لك سبَّح وما يزال. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ ..} [غافر: 7] هم الملائكة حملة العرش. إذن: العرش محمول، وهؤلاء الملائكة حتى عددهم فيه إعجاز، فالحق سبحانه أخبر أنهم ثمانية {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 17]. فلماذا لم يجعلهم أربعة فيكون كما تعوّدنا في أيِّ بناء له أربعة أركان، ولماذا لم يكونوا خمسة مثلاً. إذن: لابدَّ أن في هذا العدد بالذات حكمة وإعجازاً. وهذا الإعجاز العددي واضح أيضاً في قوله تعالى: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسير : [المدثر: 30] فلماذا تسعة عشر بالذات؟ لماذا لم يجعلهم عشرين مثلاً، هذا دليل على أن وراء هذا العدد حكمة، وقد أخبر الله تعالى أن هذا العدد فتنة {أية : وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} تفسير : [المدثر: 31]. والإيمان يقتضي التصديق بما أخبر به الحق سبحانه وألاَّ تناقش مثل هذه المسائل، المهم قال أو لم يَقُل: حدث الشيء أو لم يحدث، لذلك سيدنا أبو بكر لما أخبروه أن صاحبك يدَّعي أنه رسول، ماذا قال؟ قال: ألا وقد قالها؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق ولم يبحث في المسألة، كذلك نحن في كل أمر يقف فيه العقل، ما دام قد جاءنا فيه خبرٌ من عند الله فعلينا أنْ نقبله ونؤمن به {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 87]. وكَوْن عقلك يستوعب هذا الخبر أو لا يستوعبه فهذا موضوع آخر، لأن هناك فرقاً بين الوجود وكيفية الوجود، فقد يوجد الشيء لكنك لا تعرف كيف وُجِد. تأمل في قصة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ..} تفسير : [البقرة: 260]. تجد السطحيين في الفهم عن الله يتهمون القرآن في هذه المسألة بالتعارض، كيف؟ يقولون: معنى (بلى) يعني آمنت والإيمان يقتضي اطمئنان القلب إلى العقيدة، فلماذا يقول بعدها: {أية : وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ..} تفسير : [البقرة: 260]؟ ونقول له: أنت معذور، لأنك لم تفهم معنى السؤال، ولو فهمتَ معناه ما اتهمتَ القرآن، هل قال إبراهيم لربه: أتحيي الموتى أم قال {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ..} تفسير : [البقرة: 260] فهو إذن لم يسأل عن إمكانية الفعل ولم يشُكّ في قدرة الله، ولكنه يسأل عن الكيفية {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 260] إذن: فإحياء الموتى أمر سابق يسأل إبراهيم عن كيفيته، فلو قلت لك: كيف بنيتَ هذا البيت؟ فهذا يعني أن البيت قائم بالفعل. إذن: فقوله (بَلَى) يعني: آمنت يا رب أنك تحيي الموتى، وطلب الاطمئنان بعد ذلك للكيفية والسؤال عن الكيفية أمر ضروري في مسألة الخَلْق وكيفية الإيجاد لأنها عملية لا تتأتى كلاماً، لأن فِعْل الله تعالى ليس علاجاً كفعل البشر. فلو قلت لك: كيف بنيت هذا البيت؟ تقول: حفرتُ الأساس وأحضرتُ الحديد والأسمنت وفعلتُ كذا وكذا، فلان صمم، وفلان نفّذ، وفلان بنى، وفلان (غفق) .. إلخ فأعطيك كيفية الفعل بحيث تستطيع تطبيقها إنْ أردت ولا تجد فيها اختلافاً، لكن إنْ أردنا أنْ نُبين كيفية الإحياء، فكيف نبنيها؟ إنها مسألة لا تتأتى بالكلام، ولا بدّ من إجراء العملية بالفعل، وتأمل أن الله تعالى أراد أن يُجريها إبراهيم بنفسه، وألاَّ تجرى له إنما يمارسها بنفسه. وفَرْقٌ بين أنْ تُعدِّى قدرتك لغيرك فتنفعل له، وأنْ تُعدِّى قدرتك لغيرك فتجعله يفعل بنفسه، فمثلاً قد تعجز عن حمل شيء فأحمله عنك وهذا أمر طبيعي، لكن العظمة في أن أجعلك تقدر أنت بنفسك عن حمله. وهذا ما فعله الحق سبحانه مع نبيه إبراهيم عليه السلام: {أية : قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ..} تفسير : [البقرة: 260] أي: ضُمهن إليك واعرف أوصافهن {أية : ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ..} تفسير : [البقرة: 260] يعني: اذبحهن وفرِّقْ أجزاءهن على الجبال {أية : ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ..} تفسير : [البقرة: 260]. إذن: هو الذي يذبح، وهو الذي يُقطِّع الأجزاء، وهو الذي يُفرِّقها، وهو الذي ينادي عليها بنفسه فتتجمع بقدرة الله ويأتينَ سَعْياً كما كُنَّ من قبل، فإذا كنت أقدرت ما لا يقدر على القدرة ألا أقدر أنا عليها؟ والعرش هو سمة استتباب الملْك والسيطرة على الحكم والاستيلاء عليه، وليس من الضروري أنْ يقعد على العرش بالفعل، لذلك لما تكلم الهدهد عن ملكة سبأ قال: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23] لأن الملك لا يقعد على العرش إلا عندما تستقر له الأمور، وتدين له البلاد، فإنْ كانت هناك منطقة معترضة أو مشاغبة للملك تفرغ لها حتى تدين له، وعندها يستقر له الملْك. ولما تكلم الحق سبحانه عن استوائه على العرش قال سبحانه: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ..} تفسير : [فصلت: 9-12]. إذن: فاستواؤه سبحانه على العرش جاء بعد أن انتهى من الخَلْق وتَمَّ له كل شيء من أمور الملك والسيطرة الكاملة. فقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ ..} [غافر: 7] هم الملائكة الثمانية حملة العرش. {وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [غافر: 7] وهؤلاء نوع آخر من الملائكة، وهم الكروبيون الذين لا عملَ لهم إلا تسبيح الله، وليس في بالهم هذا الكون كله، ولا يدرون عنه شيئاً، فقط {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ..} [غافر: 7]. لكن هؤلاء الكروبيين الذين يحيطون بالعرش ويُسبِّحون الله ولا عملَ لهم غير ذلك، هل يروْنَ الله سبحانه وهو على العرش؟ قال علماؤنا رحمهم الله: أنهم رغم منزلتهم هذه إلا أنهم لا يروْنَ الله تعالى، وأظهر هذه الأقوال قول الفخر الرازي رحمه الله، فلما تكلم في هذه الآية {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ..} [غافر: 7] استأنس برأي صاحب الكشاف الذي سبقه وقال: إن معنى {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ..} [غافر: 7] أنهم لا يرونه سبحانه لأن المشهديات ليس فيها إيمان، الإيمان للغيبيات، فلو أنهم شهدوا الله وهو على العرش ما قال في حقهم {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ..} [غافر: 7] ثم قال الفخر الرازي: ولو لم يكُنْ للإمام صاحب الكشاف إلا هذه لكفتْهُ طيلة حياته، هذا مع ما بين الإمامين من خلاف في الرأي. إذن: لا نفهم من مكانة هؤلاء الملائكة وقربهم من ذي الجلال سبحانه أنهم يروْنَه، لا بل هو سبحانه بالنسبة لهم غيب لا يرونه، يؤكد هذا قوله سبحانه {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ..} [غافر: 7] فأنت الآن في هذا المجلس لا تقول مثلاً: آمنتُ بأن الشيخ الشعراوي جالس وحوله مُحبِّوه ويتكلم في كذا وكذا، لأن ما نحن فيه الآن مشهد لا دخْلَ للإيمان فيه، الإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي وهذه ميزة الإيمان، لذلك كثيراً ما يتكرر قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ..} تفسير : [البقرة: 3]. وسبق أنْ ضربنا مثلاً قلنا: هَبْ أنني أخاف من اللصوص فأخذت مالي الذي أخاف عليه وذهبتُ إلى مكان بعيد في الحديقة مثلاً ووضعت المال وفوقه حجر ثقيل، ولما احتجتُ لهذا المال ناديتُ العامل: يا فلان ارفع هذا الحجر، فقال: لا أستطيع وحدي فهو ثقيل، فقلت له: تدري ماذا تحت هذا الحجر؟ تحته المال الذي سأعطيك منه راتبك، عندها يتقدم إلى الحجر ويرفعه، إذن: المهم ليس إطاعة الأمر الذي عُلِم منفعته، إنما إطاعة الأمر وهو غيب عنك. ومعنى {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ..} [غافر: 7] أي: تسبيحاً مقروناً بالحمد، لأن التسبيح ثناءٌ على الله، أما الحمد فشكرٌ لله على نعمه التي سبقتْ، ومن أجلِّ النعم أنه سبحانه لا يشبهه شيء ولو وجد له شبيه لحدثَ تعارض في الكون: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [المؤمنون: 91] فهو وحده المعبود، وهو وحده المستحق للحمد. ثم بعد ذلك {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [غافر: 7] أي: أن هؤلاء الملائكة من ضمن مهمتهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، كما حكى عنهم القرآن يقولون: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [غافر: 7]. هذا من دعاء الملائكة للذين آمنوا، والدعاء عادة بـ (ربنا) محذوف الياء التي للنداء فلم يقُلْ: يا ربنا لأن النداء بالياء يدل على بُعْد المنادَى، أما الأبعد فيُنادى بأيا، والقريب يُنادى بالهمزة مثل: أمحمد. أما الحق سبحانه وتعالى فهو من القرب بحيث لا نستخدم في ندائه أيَّ حرف من حروف النداء، لأنه أقربُ لعبده من حبل الوريد، لذلك نناديه سبحانه مباشرة (ربنا)، ولك أنْ تستقرئ القرآن كله فلن تجد في ندائه سبحانه حرفاً من أحرف النداء. حتى الكفار لما نادوا الحق سبحانه قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ..} تفسير : [الأنفال: 32] ومعلوم أن الميم في آخر لفظ الجلالة هنا عِوَضٌ عن ياء النداء، فلم يقولوا: يا الله إنما قالوا: اللهم. ثم يتابع الحق سبحانه ذكر دعاء الملائكة للذين آمنوا، فيقول: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أحوال حملة العرش وأعمالهم بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} [غافر: 7]، يشير إلى أن الملائكة كما أمروا بالتسبيح والتحميد والتمجيد لله تعالى فكذلك أمروا بالاستغفار والدعاء لمذنبي المؤمنين؛ لأن الاستغفار للذنب. ويجتهدون في الدعاء لهم فيدعون لهم بالنجاة، ثم برفع الدرجات كما قال تعالى: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} [غافر: 7] فارحمهم وأعف عنهم ما علمت لهم ومنهم، وبقوله: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} [غافر: 7]، يشير إلى أنه الملائكة لا يستغفرون إلا لمن تاب ورجع عن إتباع الهوى، واتبع بصدق الطلب وصفاء النية سبيل الحق تعالى وبقوله: {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [غافر: 7]، يشير إلى أن بمجرد التوبة لا تحصل النجاة إلا بالثبات عليها، وتخليص العمل عن شوب الرياء والسمعة، وتصفية القلب عن الهواء والبدع. وبقوله: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [غافر: 8]، يشير إلى أن بركة الرجل التائب تصل إلى آبائه وأزواجه وذرياته لينالوا بها الجنة ونعيمها، {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} [غافر: 8] تعز التائبين وتحبهم وإن أذنبوا، {ٱلْحَكِيمُ} [غافر: 8] فيما لم تعتصم محبتك عن الذنوب، ثم يتوب عليهم. {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ} [غافر: 9]؛ يعني: بعد أن تابوا؛ لئلا يرجعوا إلى المعاصي والذنوب، {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [غافر: 9]، يحيلون الأمر فيه إلى رحمته، وبرحمته لئن سلط على المؤمنين أراذل في خلقه وهم الشياطين فقد قيض بشفاعة أفاضل من خلقه وهم الملائكة المقربون. ثم أخبر عن أراذل الخلق دون الأفاضل بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} [غافر: 10]، يشير إلى أن مقت الحق تعالى مودع في محبة العبد نفسه؛ لأنها أعدى عدوه، وقد صرف محبة الله الذي هو أحب محبته إلى أعدى عدوه بدل صفته فمقته الله عز وجل؛ فمعنى الآية: إن العبد لو مقت نفسه في الله لكان أحبه ولم يمقته، فلما أحب نفسه ولم يمقتها في الله ومقت الله له يضره نفسه فمقته الله، فمقت الله للعبد أكبر على العبد من مقته نفسه؛ لأن مقته لنفسه ينفعه وينفع نفسه ومقت الله له يضره نفسه، ولأن أشد العقوبات التي توصل الحق إلى العباد آثار سخطه وغضبه، وأجل النعم التي يفردها بها آثار رضاه عنهم، فإذا عرف الكافر في الآخرة أن ربه عليه غضبان فلا شيء أصعب على قلبه منه على أنه لا بكاء ينفعه، ولا غناء يزيل عنه ما هو فيه ويدفعه، ولا يسمع له تضرع في الآخرة ولا ترجى له حيله، {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} [غافر: 10]. {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] إماتة القلوب وإحياء النفوس، إماتة الأبدان وإحياؤها بالبعث {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} [غافر: 11]، وإن كان تقدير الأعمال والإماتة والإحياء منك {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} [غافر: 11] اليوم بنوع من الأعمال، ولما لم يحبهم الله؛ لأنه لا سبيل لكم إلى الخروج من النار بنوع من الأعمال فلعله خلى موضع الرجاء بكرمه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين، وما قيض لأسباب سعادتهم من الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار الملائكة المقربين لهم، ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب ذلك منهم فقال: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ } أي: عرش الرحمن، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها وأوسعها وأحسنها، وأقربها من الله تعالى، الذي وسع الأرض والسماوات والكرسي، وهؤلاء الملائكة، قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة وأعظمهم وأقواهم، واختيار الله لهم لحمل عرشه، وتقديمهم في الذكر، وقربهم منه، يدل على أنهم أفضل أجناس الملائكة عليهم السلام، قال تعالى: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }. تفسير : { وَمَنْ حَوْلَهُ } من الملائكة المقربين في المنزلة والفضيلة { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } هذا مدح لهم بكثرة عبادتهم للّه تعالى، وخصوصًا التسبيح والتحميد، وسائر العبادات تدخل في تسبيح الله وتحميده، لأنها تنزيه له عن كون العبد يصرفها لغيره، وحمد له تعالى، بل الحمد هو العبادة للّه تعالى، وأما قول العبد: "سبحان الله وبحمده" فهو داخل في ذلك وهو من جملة العبادات. { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } وهذا من جملة فوائد الإيمان وفضائله الكثيرة جدًا، أن الملائكة الذين لا ذنوب عليهم يستغفرون لأهل الإيمان، فالمؤمن بإيمانه تسبب لهذا الفضل العظيم. ثم ولما كانت المغفرة لها لوازم لا تتم إلا بها -غير ما يتبادر إلى كثير من الأذهان، أن سؤالها وطلبها غايته مجرد مغفرة الذنوب- ذكر تعالى صفة دعائهم لهم بالمغفرة، بذكر ما لا تتم إلا به، فقال: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا } فعلمك قد أحاط بكل شيء، لا يخفى عليك خافية، ولا يعزب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ورحمتك وسعت كل شيء، فالكون علويه وسفليه قد امتلأ برحمة الله تعالى ووسعتهم، ووصل إلى ما وصل إليه خلقه. { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا } من الشرك والمعاصي { وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ } باتباع رسلك، بتوحيدك وطاعتك. { وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } أي: قهم العذاب نفسه، وقهم أسباب العذاب. { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ } على ألسنة رسلك { وَمَنْ صَلَحَ } أي: صلح بالإيمان والعمل الصالح { مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ } زوجاتهم وأزواجهن وأصحابهم ورفقائهم { وَذُرِّيَّاتِهِمْ } { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ } القاهر لكل شيء، فبعزتك تغفر ذنوبهم، وتكشف عنهم المحذور، وتوصلهم بها إلى كل خير { الْحَكِيمُ } الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا نسألك يا ربنا أمرا تقتضي حكمتك خلافه، بل من حكمتك التي أخبرت بها على ألسنة رسلك، واقتضاها فضلك، المغفرة للمؤمنين. { وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ } أي: الأعمال السيئة وجزاءها، لأنها تسوء صاحبها. { وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ } أي: يوم القيامة { فَقَدْ رَحِمْتَهُ } لأن رحمتك لم تزل مستمرة على العباد، لا يمنعها إلا ذنوب العباد وسيئاتهم، فمن وقيته السيئات وفقته للحسنات وجزائها الحسن. { وَذَلِكَ } أي: زوال المحذور بوقاية السيئات، وحصول المحبوب بحصول الرحمة، { هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي لا فوز مثله، ولا يتنافس المتنافسون بأحسن منه. وقد تضمن هذا الدعاء من الملائكة كمال معرفتهم بربهم، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، التي يحب من عباده التوسل بها إليه، والدعاء بما يناسب ما دعوا الله فيه، فلما كان دعاؤهم بحصول الرحمة، وإزالة أثر ما اقتضته النفوس البشرية التي علم الله نقصها واقتضاءها لما اقتضته من المعاصي، ونحو ذلك من المبادئ والأسباب التي قد أحاط الله بها علمًا توسلوا بالرحيم العليم. وتضمن كمال أدبهم مع الله تعالى بإقرارهم بربوبيته لهم الربوبية العامة والخاصة، وأنه ليس لهم من الأمر شيء وإنما دعاؤهم لربهم صدر من فقير بالذات من جميع الوجوه، لا يُدْلِي على ربه بحالة من الأحوال، إن هو إلا فضل الله وكرمه وإحسانه. وتضمن موافقتهم لربهم تمام الموافقة، بمحبة ما يحبه من الأعمال التي هي العبادات التي قاموا بها، واجتهدوا اجتهاد المحبين، ومن العمال الذين هم المؤمنون الذين يحبهم الله تعالى من بين خلقه، فسائر الخلق المكلفين يبغضهم الله إلا المؤمنين منهم، فمن محبة الملائكة لهم دعوا الله، واجتهدوا في صلاح أحوالهم، لأن الدعاء للشخص من أدل الدلائل على محبته، لأنه لا يدعو إلا لمن يحبه. وتضمن ما شرحه الله وفصله من دعائهم بعد قوله: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } التنبيه اللطيف على كيفية تدبر كتابه، وأن لا يكون المتدبر مقتصرًا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ. والذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه. وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني. وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحًا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له وقد كان في تفسيرنا هذا، كثير من هذا من به الله علينا. وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة، ونسأله تعالى أن يفتح علينا من خزائن رحمته ما يكون سببًا لصلاح أحوالنا وأحوال المسلمين، فليس لنا إلا التعلق بكرمه، والتوسل بإحسانه، الذي لا نزال نتقلب فيه في كل الآنات، وفي جميع اللحظات، ونسأله من فضله، أن يقينا شر أنفسنا المانع والمعوق لوصول رحمته، إنه الكريم الوهاب، الذي تفضل بالأسباب ومسبباتها. وتضمن ذلك، أن المقارن من زوج وولد وصاحب، يسعد بقرينه، ويكون اتصاله به سببًا لخير يحصل له، خارج عن عمله وسبب عمله كما كانت الملائكة تدعو للمؤمنين ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وقد يقال: إنه لا بد من وجود صلاحهم لقوله: { وَمَنْ صَلَحَ } فحينئذ يكون ذلك من نتيجة عملهم والله أعلم.

همام الصنعاني

تفسير : 2657- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}: [الآية: 7]، قال: قال مطرِّف بن عبد الله بن الشخير، وجَدْنا أنصح عبد الله لعباد الله الملائكة، ووَجَدْنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان. 2658- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ}: [الآية: 7]، قال: تابوا من الشرك {وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ}: [الآية: 7]، أيْ طاعَتك.