٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّٰتِ عَدْنٍ } إقامة {ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ } عطف على «هم» في وأدخلهم أو في وعدتهم {مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.
الخازن
تفسير : {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} قيل إذا دخل المؤمن الجنة قال: أين أبي وأين أمي وأين ولدي وأين زوجتي، فيقال: إنهم لم يعملوا عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم فيقال أدخلوهم الجنة فإذا اجتمع بأهله في الجنة كان أكمل لسروره ولذته {وقهم السيئات} أي عقوبات السيئآت بأن تصونهم من الأعمال الفاسدة التي توجب العقاب {ومن تق السيئات يومئذ} يعني من تقه في الدنيا {فقد رحمته} يعني في القيامة {وذلك هو الفوز العظيم} يعني النعيم الذي لا ينقطع في جوار مليك لا تصل العقول إلى كنه عظمته وجلاله قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينادون} يعني يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم {لمقت الله} يعني إياكم في الدنيا {أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} أي اليوم عند حلول العذاب بكم.
البقاعي
تفسير : ولما كانت النجاة من العذاب لا تستلزم الثواب، قالوا مكررين صفة الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بتوفيق أحبابنا الذين لذذونا بالمشاركة في عبادك بالجنان واللسان والأركان {وأدخلهم جنات عدن} أي إقامة لا عناد فيها. ولما كانوا عالمين بأن سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقبح منه شيء، نبهوا على ذلك بقولهم: {التي وعدتهم} مع الزيادة في التملق واللطافة في الحث وإدخالهم لأجل استعمالك إياهم الصالحات. ولما كان الإنسان لا يطيب له نعيم دون أن يشاركه فيه أحبابه الذين كانوا يشاركونه في العبادة قالوا مقدمين أحق الناس بالإجلال: {ومن صلح من آبائهم} ثم أتبعوهم ألصقهم بالبال فقالوا: {وأزواجهم وذرياتهم}. ولما كان فاعل هذا منا ربما نسب إلى ذل أو سفه، وربما عجز عن الغفران لشخص لكثرة المعارضين، عللوا بقولهم مؤكدين لأجل نسبة الكفار العز إلى غيره، ومن ذلك تسميتهم العزى: {إنك أنت} أي وحدك {العزيز} فأنت تغفر لمن شئت غير منسوب إلى وهن {الحكيم *} فكل فعل لك في أتم مواضعه فلذلك لا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه. ولما كان الإنسان قد يغفر له ويكرم، وفيه من الأخلاق ما ربما حمله على بعض الأفعال الناقصة دعوا لهم بالكمال فقالوا: {وقهم السيئات} أي بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها بتطهير القلوب بنزع كل ما يكره منها أو بأن يغفرها لهم ولا يجازيهم عليها، وعظموا هذه الطهارة ترغيباً في حمل النفس في هذه الدار على لزومها بقمع النفوس وإماتة الحظوظ بقولهم: {ومن تق السيئات} أي جزاءها كلها {يومئذ} أي يوم إذ تدخل فريقاً الجنة وفريقاً النار المسببة عن السيئات أو إذ تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين: {فقد رحمته} أي الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها أن يسمى معها رحمة، فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا: {وذلك} أي الأمر العظيم جداً {هو} أي وحده {الفوز العظيم *} فالآية من الاحتباك: ذكر إدخال الجنات أولاً دليلاً على حذف النجاة من النار ثانياً، ووقاية السيئات ثانياً دليلاً على التوفيق للصالحات أولاً، وسر ذلك التشويق إلى المحبوب - وهو الجنان - بعمل المحبوب - وهو الصالح - والتنفير من النيران باجتناب الممقوت من الأعمال، وهو السيء, فذكر المسبب أولاً وحذف السبب لأنه لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة، وذكر السبب ثانياً في إدخال النار وحذف المسبب. ولما أتم الذين آمنوا، فتشوفت النفس إلى معرفة ما لأضدادهم، قال مستأنفاً مؤكداً لإنكارهم هذه المناداة بانكار يومها: {إن الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر ولو لحظة {ينادون} أي يوم القيامة بنداء يناديهم به من أراد الله من جنوده أو في الدار أرفع نعماً - أنهم آثر عند الله من فقراء المؤمنين، أكد قوله: {لمقت الله} أي الملك الأعظم إياكم بخذلانكم {أكبر من مقتكم} وقوله: {أنفسكم} مثل قوله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} جاز على سبيل الإشارة إلى تنزه الحضرة المقدسة عما لزم فعلهم من المقت، فإن من دعا إلى أحد فأعرض عنه إلى غيره كان إعراضه مقتاً للمعرض عنه، وهذا المقت منهم الموجب لمقت الله لهم موصل لهم إلى عذاب يمقتون به أنفسهم، والمقت أشد البغض؛ ثم ذكر ظرف مقتهم العائد وباله عليهم بقوله: {إذ} أي حين، وأشار إلى أن الإيمان لظهور دلائله ينبغي أن يقبل من أي داع كان، فبنى الفعل لما لم يسم فاعله فقال: {تُدعون إلى الإيمان} أي بالله وما جاء من عنده {فتكفرون *} أي فتوقعون الكفر الذي هو تغطية الآيات موضع إظهارها والإذعان بها، وهذا أعظم العقاب عند أولي الألباب، لأن من علم أن مولاه عليه غضبان علم أنه لا ينفعه بكاء ولا يغني عنه شفاعة ولا حيلة في خلاصه بوجه. ولما كان من أعظم ذنوبهم إنكار البعث، وكانوا قد استقروا العوائد، وسبروا ما جرت به الأقدار في الدهور والمدائد، من أن كل ثان لا بد له من ثالث، وكان الإحياء لا يطلق عرفاً إلا من كان عن موت، حكى سبحانه جوابهم بقوله الذي محطه الإقرار بالبعث والترفق بالاعتراف بالذنب حيث لا ينفع لفوات شرطه وهو الغيب: {قالوا ربنا} أي أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا {أمتَّنا اثنتين} قيل: واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر، والصحيح أن تفسيرها آية البقرة {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم}تفسير : [آية: 28] وأما الصعق فليس بموت، وما في القبر فليس بحياة حتى يكون عنه موت، وإنما هو إقدار على الكلام كما أقدر سبحانه الحصى على التسبيح والحجر على التسليم، والضب على الشهادتين، والفرس حين قال لها فارسها ثبي إطلال على قولها وثباً وسورة البقرة {وأحييتنا اثنين} واحدة في البطن، وأخرى بالبعث بعد الموت، أو واحدة بالبعث وأخرى بالإقامة من الصعق، أو الإقامة في القبر، فشاهدنا قدرتك على البعث {فاعترفنا} أي فتسبب عن ذلك أنّا اعترفنا بعد تكرر الإحياء {بذنوبنا} الحاصلة بسبب إنكار البعث لأن من لم يخش العاقبة بالغ في متابعة الهوى، فذلك توبة لنا {فهل إلى خروج} أي من النار ولو على أدنى أنواع الخروج بالرجوع إلى الدنيا فنعمل صالحاً {من سبيل} فنسلكه فنخرج ثم تكون لنا موتة ثالثة وإحياءة ثالثة إلى الجنة التي جعلتها جزاء من أقر بالبعث. ولما كان الجواب قطعاً: لا سبيل إلى ذلك، علله بقوله: {ذلكم} أي القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتاً منه لكم {بأنه} أي كان بسبب أنه {إذا دُعي الله} أي وجدت ولو مرة واحدة دعوة الملك الأعظم من أي داع كان {وحده} أي محكوماً له بالوحدة أو منفرداً من غير شريك {كفرتم} أي هذا طبعكم دائماً رجعتم إلى الدنيا أولاً {وإن يشرَك به} أي يوقع الإشراك به ويجدد ولو بعدد الأنفاس من أي مشرك كان {تؤمنوا} أي بالشركاء وتجددوا ذلك غير متحاشين ومن تجديد الكفر وهذا مفهم لأن حب الله للإنسان أكبر من حبه له الدال عليه توفيقه له في أنه إذا ذكر الله وحده آمن، وإن ذكر معه غيره على طريقة تؤل إلى الشركة كفر بذلك الغير وجعل الأمر لله وحده {فالحكم} أي فتسبب عن القطع بأن لا رجعة، وأن الكفار ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول الراجحة ونفوذ ذلك أن كل حكم {لله} أي المحيط بصفات الكمال خاص به لا دخل للعوائد في أحكامه بل مهما شاء فعل إجراء على العوائد او خرقاً لها {العلي} أي وحده عن أن يكون له شريك، فكذب قول أبي سفيان يوم أحد "اعل هبل" وقول ابن عربي أحد أتباع فرعون أكذب وأقبح وأبطل حيث قال: العلي علا عن من وما ثم إلا هو، فعليه الخزي واللعنة وعلى من قال بقوله وعلى من توقف في لعنه. ولما كانت النفوس لا تنقاد غاية الانقياد للحاكم إلا مع العظمة الزائدة والقدم في المجد، قال معبراً بما يجمع العظمة والقدم: {الكبير *} الذي لا يليق الكبر إلا له، وكبر كل متكبر وكبر كل كبير متضائل تحت دائرة كبره وكبره، وعذابه مناسب لكبريائه فما أسفه من شقي بالكبراء فإنهم يلجئون أنفسهم إلى أن يقولوا ما لا يجديهم {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا}: ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك بقوله ذاكراً من آيات الآفاق العلوية ما يرد الموفق عن غيه: {هو} أي وحده {الذي يريكم} أي بالبصر والبصيرة {آياته} أي علاماته الدالة على تفرده بصفات الكمال تكميلاً لنفوسكم، فينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بإعادة ما تحطم فيها من الحبوب فتفتتت بعد موتها بصيرورة ذلك الحب تراباً لا تميز له عن ترابها, فيتذكر به البعث لمن انمحق فصار تراباً وضل في تراب الأرض حتى لا تميز له عنه من طبعه الإنابة، وهو الرجوع عما هو عليه من الجهل إلى الدليل بما ركز في فطرته من العلم، وذلك هو معنى قوله: {وينزل لكم} أي خاصاً بنفعكم أو ضركم {من السماء} أي جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله {رزقاً} لإقامة أبدانكم من الثمار والأقوات بانزال الماء فهو سبحانه يدلكم عليه ويتحبب إليكم لتنفعوا أنفسكم وأنتم تتبغضون إليه وتتعامون عنه لتضروها {وما يتذكر} ذلك تذكراً تاماً - بما أشار إليه الإظهار - فيقيس عليه بعث من أكلته الهوام، وانمحق باقيه في الأرض {إلا من ينيب *} أي له أهلية التجديد في كل وقت للرجوع إلى الدليل بأن يكون حنيفاً ميالاً للطافته مع الدليل حيثما مال. ما هو بحلف جامد ما الفه، ولا يحول عنه أصلاً، لا يصغي إلي قال ولا قيل، ولو قام على خطابه كل دليل.
ابو السعود
تفسير : {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ} عطفٌ عَلى قِهِمْ وتوسيطُ النداءِ بـينَهما للبمالغةِ في الجؤارِ {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ} أيْ وعَدَتهم إيَّاهَا وقُرِىءَ جَنَّةَ عَدْنٍ {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ} أيْ صلاحاً مصحَّحاً لدخولِ الجنةِ في الجملةِ وإنْ كانَ دونَ صلاحِ أصولِهم وهُوَ عطفٌ على الضميرِ الأولِ أيْ وأدخلها معهم هؤلاء ليتم سرورهم ويتضاعفُ ابتهاجُهم أوْ عَلى الثانِي لكنْ لا بناءً عَلى الوعدِ العام للكلِّ كما قيل إذ لا يبقى حينئذ للعطف وجه بل بناء على الوعد الخاصِّ بهمْ بقولِه تعالَى: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } تفسير : [سورة الطور: الآية 21] بأنْ يكونُوا أعلى درجةً منْ ذريتِهم قالَ سعيدُ بنُ جُبـيرٍ: يدخلُ المؤمنُ الجنةَ فيقولُ أينَ أبـي أينَ ولدي أينَ زَوْجي فيقالُ إِنَّهم لمْ يعملُوا مثلَ عملكَ فيقولُ إني كنتُ أعملُ لي ولهُم فيقالُ أَدخلوهم الجنةَ. وسبقُ الوعدِ بالإدخالِ والإلحاقِ لاَ يستدعي حصولَ الموعودِ بلا توسطِ شفاعةٍ واستغفارٍ وعليهِ مَبْنى قولِ منْ قالَ فائدةُ الاستغفارِ زيادةُ الكرامةِ والثوابِ والأولُ هو الأَولى لأنَّ الدعاءَ بالإدخالِ فيه صريحٌ وفي الثاني ضمنيٌّ وقُرىءَ صَلُح بالضَّمِ وذرّيتِهمُ بالإفرادِ {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ} أي الغالبُ الذَّي لاَ يمتنعُ عليه مَقْدورٌ {ٱلْحَكِيمُ} أي الذي لا يفعلُ إلاَّ ما تقتضيهِ الحكمةُ الباهرةُ مَن الأمورِ التي منْ جُمْلتها إنجازُ الوعدِ فالجملةُ تعليلٌ لما قَبْلها. {وَقِهِمُ ٱلسَّيّئَـٰتِ} أي العقوباتِ لأَنَّ جزاءَ السيئةِ سيئةٌ مثلُهَا أو جزاءَ السيئاتِ عَلَى حذْفِ المُضافِ وَهُوَ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ أوْ مخصوصٌ بالأتْباعِ أو المعاصي في الدُّنيا فمعنى قولِه تعالَى {وَمَن تَقِ ٱلسَّيّئَـٰتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ}: ومن تقه المعاصي في الدنيا فقد رحمته فِي الآخرةِ كأنَّهم طلَبوا لهُمْ السببَ بعدَ مَا سألُوا المُسبَّبَ {وَذَلِكَ}إشارةٌ إلى الرحمةِ المفهومةِ من (رَحْمتَه) أوْ إليَها وإِلى الوقايةِ وَمَا فيه منْ مَعْنى البُعدِ لما مَرَّ مِراراً منَ الإشعارِ ببُعْدِ درجةِ المُشارِ إليهِ {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذِي لاَ مطمعَ وَرَاءَهُ لطامعٍ. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} شروعٌ في بـيانِ أحوالِ الكفرة بعدَ دخولِهم النَّارَ بعدَ ما بـينَ فيما سبقَ أنهُمْ أصحابُ النارِ {يُنَادَوْنَ} أيْ مِنْ مكانٍ بعيدٍ وهُمْ في النارِ وقَدْ مقتُوا أنفسَهُم الأمَّارةَ بالسُّوءِ التي وقعُوا فيمَا وقعُوا باتباعِ هَوَاهَا أوْ مقَتَ بعضُهم بعضاً من الأحبابِ كقولِه تَعَالَى: { أية : يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} تفسير : [سورة العنكبوت: الآية 25] أيْ أبغضوهَا أشدَّ البغضِ وَأنكروهَا أبلغَ الإنكارِ وَأظهرُوا ذلكَ على رؤوسِ الأشهادِ فيقالُ لهم عندَ ذلكَ {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} أيْ لمقتُ الله أنفسَكُم الأمَّارةَ بالسوءِ أوُ مقتُه إِيَّاكم في الدُّنيا {إِذْ تَدْعُونَ} منْ جهةِ الأنبـياءِ {إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ} فتأبَوْنَ قَبولَهُ {فَتَكْفُرُونَ} اتّباعاً لأنفسكمْ الأمَّارةِ ومسارعةً إِلى هَوَاها أوِ اقتداءً بِأَخِلاَّئِكُم المضلينَ واستحباباً لآرائِهم أكبرُ منْ مقتِكم أنفسَكُم الأمارةَ بالسوءِ أوْ مِنْ مقتِ بعضِكم بعضاً اليومَ فإذ ظرفٌ للمقتِ الأولِ وإنْ توسطَ بـينَهما الخبرُ لما فِي الظروفِ من الاتساعِ وقيل: لمصدرٍ آخرَ مقدرٍ أيْ مقتُه إيَّاكم إذْ تدعونَ وقيلَ: مفعولٌ لأذكرُوا والأولُ هو الوجْه وقيلَ: كلا المقتينِ في الآخرةِ وإذْ تدعَونَ تعليلٌ لَما بـينَ الظرفِ والسببِ منْ علاقةِ اللزومِ والمعنى لمقتُ الله إِيَّاكم الآنَ أكبرُ منْ مقتكم أنفسَكم لمَّا كنتمُ تُدعَونَ إِلى الإيمانِ فتكفرونَ، وتخصيصُ هَذَا الوجهِ بصورةِ كونِ المرادِ بأنفسِهم أضرابَهُم مما لاَ دَاعيَ إليهِ.
القشيري
تفسير : {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ}: فلئن سلَّطَ عليك أراذل من خَلْقه - وهُم الشياطين - فلقد قيَّض بالشفاعة أفاضلَ من خَلْقِه ومن الملائكة المقرَّبين.
اسماعيل حقي
تفسير : {ربنا وادخلهم} عطف على قهم وتسيط الندآء بينهما للمبالغة فى الجؤار وهو رفع الصوت بالدعاء والتضرع والاستغاثة {جنات عدن} در بوستانهاى اقامت {التى وعدتهم} اى وعدتهم اياها وقد وعد الله بان يدخل من قال لا اله الا الله محمد رسول الله جنات عدن اما ابتدآء أو بعد ان يعذبهم بقدر عصيانهم وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لكعب الاحبار ما جنات عدن قال قصور من ذهب فى الجنة يدخلها النبيون وائمة العدل فعلى هذا يكون جنات عدن موضع اهل الخصوص لا اهل العموم ومثلها الفردوس اذ لكل مقام عمل يخص به فاذا كان العمل اخص وارفع كان المقام ارقى واعلى {ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم} فى محل النصب عطف على الضمير فى و{ادخلهم} والمعنى وادخل معهم من صلح من هؤلاء صلاحا مصححا لدخول الجنة فى الجملة وان كان دون صلاح اصولهم وذلك ليتم سرورهم ويتضاعف ابتها جهم وفيه اشارة الى ان بركة الرجل التائب تصل الى آبائه وازواجه وذرياته لينالوا بها الجنة ونعيمها قال سعيد ابن جبير يدخل المؤمن الجنة فيقول اين ابى أين ولدى اين زوجى فيقال انهم لم يعملوا مثل عملك فيقول انى كنت اعمل لى ولهم فيقال ادخلوهم الجنة شعر : اميد است از آنان كه طاعت كنند كه بى طاعتا نرا شفاعت كنند تفسير : وعن انس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا كان يوم القيامة نودى فى اطفال المسلمين ان اخرجوا من قبوركم فيخرجون من قبورهم فينادى فيهم ان امضوا الى الجنة زمرا فيقولون يا ربنا ووالدينا معنا فينادى فيهم الثانية ان امضوا الى الجنة زمرا فيقولون ووالدينا معنا فيبتسم الرب تعالى فيقول ووالديكم معكم فيثب كل طفل الى ابويه فيأخذون بايديهم فيدخلونهم الجنة فهم اعرف بآبائهم وامهاتهم يومئذ من اولادكم الذين فى بيوتكم" تفسير : وفى الواقعات المحمودية نقلا عن حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره من كان من اهل الجنة وزوجته لم تكن كذالك يخلق الله تعالى مثل زوجته فى الجنة فيتسلى بها فان قلت كيف يكون التسلى بمثلها قلت لا يعلم انها مثلها فلو ظن انها مثلها لاعبنها لا يتسلى بل يحزن والجنة دار السرور لا دار الحزن ولذلك ارسل آدم عليه السلام الى لدنيا لئلا يحزن فى الجنة {انك انت العزيز} الغالب الذى لا يمتنع عليه مقدور يعنى ازهيج مقدور عاجزنشوى {الحكيم} الذى لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة الباهرة من الامور التى من جملتها انجاز الوعد والوفاء به وفى التأويلات النجمية انت العزيز تعز التائبين وتحبهم وان اذنبوا الحكيم فيما لم تعصم محبيك عن الذنوب ثم تتوب عليهم شعر : زمن سر زحكمت بدرمى برم كه حكمت جنين ميرود بر سرم
اطفيش
تفسير : {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدتَّهُمْ} اياها ومن جاز الاتصال مع اتحاد الرتبة اذا وجد اختلاف ما أجاز تقدير وعدتهما وقرئ (جنة عدن) بالافراد {وَمَن صَلَحَ} بفتح اللام وقريء بضمها. {مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} وقرئ وذريتهم بالافراد عن سعيد ابن جبير ان الرجل يدخل الجنة قبل قرابته فيقول: أين أبي أين أمي أين ابني أين زوجتي فيلحقون به لصلاحهم ولتنبيهه عليهم وطلبه اياهم واشتياقه اليهم وقيل يقال له لم يعلموا عملك فيقول اني كنت أعمل لي ولهم فيقال لهم ادخلوها الجنة فاذا اجتمع بأهله في الجنة كان أكمل لسروره ولذاته. وأقول: أما هذا على ظاهره فلا يصح لانه لا يدخل أحد بعمل أحد وقد قال المصطفي صلى الله عليه وسلم لعمه وبنته وغيرهما "حديث : اعملوا لأنفسكم" تفسير : وانما يلحقون به لصلاحهم كما قال ابن جبير ومعناه أن عملهم لا يدخلون به في ذلك الوقت لقصوره بل يبطئ بهم فيقال رحمة له ادخلوها الآن وقد سبق في علم الله دخولهم الآن فلم يخرج ذلك عن معنى الشفاعة. {إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} معنى العزيز الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور والحكيم الذى يفعل ما تقتضيه الحكمة ومما اقتضته الوفاء بالوعد فمعزته لا يفعل الا بالحكمة
اطفيش
تفسير : {ربنَّا} يا ربنا متعلق بقوله: " أية : وقهم"تفسير : [غافر: 7] أو " أية : وسعت" تفسير : [غافر: 7] كأنه قيل: ربنا ربنا، أو بمحذوف أى افعل ذلك يا ربنا {وأدْخِلهُم جنَّات عَدْن التي وَعدْتَهم} أى وعدتهم إيَّاها، والمراد دخولها أو يقدر هذا المفعول لفظ الدخول، أو الادخال المدلول عليه بأدخلهم، اى وعدتهم ادخالها أو دخولها، فان الادخال أيضا يدل على الدخول {ومَنْ} معطوف على هاء أدخلهم قيل: أو هاء وعدتهم كما تقول: أعطنى ما وعدتنى أن تعطينيه، وزيدا تريد حصتك {صَلُح مِنْ آبائهم وأزْواجِِهِم وذرِّياتهمْ} والدعاء لمن صلح الخ صريحا اذا عطف على هاء أدخلهم، وضمنى اذا عطف على هاء وعدتهم، وهذا الدعاء لهم تذييل للدعاء للمذكورين فى أدخلهم لأن السرور يتضاعف بالاجتماع فى الجنة مع الآباء والأزواج والذرية، لا حرمنا الله من ذلك، وطلبوا ما علموا بأنه موعود لهم، مع أنه لا يخلف الله الميعاد للتأكيد، أو زيادة الدرجات، أو أرادوا من ظهر خيره فى الدين، ولا يدرون أهو سعيد، والصلاح الدينى متفاوت، والقول شامل للكل،والرحمة الواسعة للتأبين {إنَّك أنْتَ العَزيزُ} لا يعجزه شىء {الحَكِيمُ} لا يفعل الا صوابا.
الالوسي
تفسير : {وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ } أي وعدتهم إياها فالمفعول الآخر مقدر والمراد وعدتهم دخولها، وتكرير النداء لزيادة الاستعطاف، وقرأ زيد بن علي والأعمش «جنة عدن» بالإفراد وكذا في مصحف عبد الله {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْوٰجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ } عطف على الضمير المنصوب في {أَدْخِلْهُمْ} أي وأدخل معهم هؤلاء ليتم سرورهم ويتضاعف ابتهاجهم، وجوز الفراء والزجاج العطف على الضمير في {وَعَدْتَّهُمْ } أي وعدتهم ووعدت من صلح الخ فقيل: المراد بذلك الوعد العام. وتعقب بأنه لا يبقى على هذا للعطف وجه فالمراد الوعد الخاص بهم بقوله تعالى: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذريتهم }تفسير : [الطور: 21] والظاهر العطف على الأول والدعاء بالإدخال / فيه صريح، وفي الثاني ضمني والظاهر أن المراد بالصلاح الصلاح المصحح لدخول الجنة وإن كان دون صلاح المتبوعين، وقرأ ابن أبـي عبلة {صلح} بضم اللام يقال: صلح فهو صليح وصلح فهو صالح، وقرأ عيسى «ذريتهم» بالإفراد. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ } أي الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور {ٱلْحَكِيمُ } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة الباهرة من الأمور التي من جملتها إدخال من طلب إدخالهم الجنات فالجملة تعليل لما قبلها.
ابن عاشور
تفسير : إعادة النداء في خلال جمل الدعاء اعتراض للتأكيد بزيادة التضرع، وهذا ارتقاء من طلب وقايتهم العذاب إلى طلب إدخالهم مكان النعيم. والعَدْن: الإِقامة، أي الخلود. والدعاء لهم بذلك مع تحققهم أنهم موعودون به تأدُب مع الله تعالى لأنه لا يُسأل عما يفعل، كما تقدم في سورة [آل عمران: 194] قوله: {أية : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك}تفسير : . ويجوز أن يكون المراد بقولهم: {وأدخلهم} عَجِّل لهم بالدخول. ويجوز أن يكون ذلك تمهيداً لقولهم: {وَمَن صَلَح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} فإن أولئك لم يكونوا موعودين به صريحاً. و {من صلح} عطف على الضمير المنصوب في {أدخلهم}. والمعنى دعاء بأن يجعلهم الله معهم في مساكن متقاربة، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : هم وأزواجهم في ظلال}تفسير : في سورة [يس: 56]، وقوله: {أية : ألحقنا بهم ذرياتهم}تفسير : في سورة [الطور: 21]. ورُتبت القرابات في هذه الآية على ترتيبها الطبيعي فإن الآباء أسبق علاقة بالأبناء ثم الأزواجُ ثم الذريات. وجملة {إنَّك أنت العَزِيز الحَكِيم} اعتراض بين الدعوات استقصاء للرغبة في الإِجابة بداعي محبة الملائكة لأهل الصلاح لما بين نفوسهم والنفوس الملكية من التناسب. واقتران هذه الجملة بحرف التأكيد للاهتمام بها. و (إنَّ) في مثل هذا المقام تُغني غَناء فاء السببية، أي فعزتُك وحكمتك هما اللتان جَرَّأَتَانَا على سؤال ذلك من جلالك، فالعزة تقتضي الاستغناء عن الانتفاع بالأشياء النفيسة فلما وَعد الصالحين الجنة لم يكن لله ما يضنه بذلك فلا يصدر منه مطل، والحكمةُ تقتضي معاملة المحسن بالإِحسان. وأعقبوا بسؤال النجاة من العذاب والنعيم بدار الثواب بدعاء بالسلامة من عموم كل ما يسوءهم يوم القيامة بقولهم: {وَقِهِم السيئات} وهو دعاء جامع إذ السيئات هنا جمع سيئة وهي الحالة أو الفعلة التي تسوء من تعلقت به مثل ما في قوله: {أية : فوقاه اللَّه سيئات ما مكروا}تفسير : [غافر:45] وقوله تعالى: {أية : وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه}تفسير : [الأعراف: 131] صيغت على وزن فَيْعَلَة للمبالغة في قيام الوصف بالموصوف مثل قيّم وسيّد وصيقل، فالمعنى: وقِهِمْ من كل ما يسوءهم. فالتعريف في {السَّيّئَاتِ} للجنس وهو صالح لإِفادة الاستغراق، فوقوعه في سياق ما هو كالنفي وهو فعل الوقاية يفيد عموم الجنس، على أن بساط الدعاء يقتضي عموم الجنس ولو بدون لام نفي كقول الحريري:شعر : يا أهلَ ذا المغنى وُقيتم ضُرا تفسير : وفي الحديث «حديث : اللهم أعط منفقاً خَلفاً، ومُمسكاً تلَفاً»تفسير : أي كلّ منفق ومُمسك. والمراد: إبلاغ هؤلاء المؤمنين أعلى درجات الرضى والقبول يومَ الجزاء بحيث لا ينالهم العذاب ويكونون في بحبوحة النعيم ولا يعتريهم ما يكدرهم من نحو التوبيخ والفضيحة. وقد جاء هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : فوقاهم اللَّه شر ذلك اليوم}تفسير : [الإنسان: 11]. وجملة {ومن تَققِ السَّيئات يومئذ فقد رحمته} تذييل، أي وكل من وقي السيئات يوم القيامة فقد نالته رحمة الله، أي نالته الرحمة كاملة ففعل {رحمته} مراد به تعظيم مصدره. وقد دل على هذا المراد في هذه الآية قوله: {وَذٰلِك هُوَ الفَوْزُ العَظِيم} إذ أشير إلى المذكور من وقاية السيئات إشارةً للتنويه والتعظيم. ووصف الفوز بالعظيم لأنه فوز بالنعيم خالصاً من الكدرات التي تنقص حلاوة النعمة. وتنوين {يومئذ} عوض عن المضاف إليه، أي يوم إذ تدخلهم جنات عدن.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}. لم يبين هنا الآية المتضمنة لوعدهم بالجنات، هم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. ولكنه جل وعلا أوضح وعده إياهم بذلك في سورة الرعد في قوله تعالى: {أية : وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} تفسير : [الرعد: 22ـ23] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتِ} {آبَآئِهِمْ} {أَزْوَاجِهِمْ} {ذُرِّيَّاتِهِمْ} (8) - وَتُتَابعَ المَلاَئِكَةُ الأَطْهَارُ دُعَاءَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ التَّائِبِينَ، فَيَسْأَلُونَ رَبَّهُم تَعَالَى أَنْ يُدْخِلَهُم الجَنَّاتِ التِي وَعَدَهُمْ تَعَالَى بِهَا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَأَنْ يُدْخِلَ مَعَهُم الجَنَّاتِ الصَّالِحِينَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِيَّاتِهِمْ لِتَقَرَّ بِهِمْ أَعْيُنُهُمْ، فَإِن الاجْتِمَاعَ بِالأَهْلِ والعَشِيرَةِ فِي مَوَاضِعِ السُّرُورُ يَكُونَ أَكْمَلَ لِلْبَهْجَةِ والأُنْسِ، فَأَنْتَ يَا رَبّ الغَالِبُ الذِي لاَ يُقَاوَمُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَفِعْلِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {جَنَّاتِ عَدْنٍ ..} [غافر: 8] أي: إقامة دائمة. وتأمل ثمرة الإيمان بالله، ثمرة لا إله إلا الله، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالملائكة في أعلى عليين يذكرونك وينشغلون بك أيها المؤمن، ويدعون لك لأنك آمنتَ بالله، وهذه تسلية لسيدنا رسول الله ولأمته الذين تحمَّلوا مشاقّ الدعوة ومَنْ تبعهم إلى يوم الدين. فيا محمد إن كان كفار مكة قد وقفوا منك ومن أتباعك هذا الموقف المعاند فلا تحزن، ويكفيك وأمتك أنْ تستغفر لك الملائكة، وأيّ ملائكة؟ حملة العرش والذين يحيطون به. وحين تقرأ هذا الدعاء من الملائكة تجد فيه إشارات ووقفات تستحق التأمل أولها أنك أيها المؤمن مذكورٌ بين حملة العرش، وأنت موضع اهتمامهم مع دُنُوِّ منزلتك وعُلُوِّ منزلتهم، هؤلاء الملائكة لا عملَ لهم إلا أن يسبحوا بحمد ربهم ويستغفروا للذين آمنوا. وتأمل في دعائهم مسألة التخلية ثم التحلية يقولون: {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [غافر: 7] هذه هي التخلية أولاً من المؤلم، ثم تأتي التحلية بالنعمة التي تسرّ، وذلك في {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ ..} [غافر: 8] لأن التخلية والنجاة من العذاب أوْلى من التنعم، والقاعدة أن دفع الضرر مقدم على جَلْب النفع، لذلك قال تعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..} تفسير : [آل عمران: 185]. ثم إن دعاءهم لم يخص المؤمنين فحسب، إنما يشمل العائلة كلها {وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ..} [غافر: 8] فذكروا الشجرة كلها، لأن الآباء يُسرُّون بوجودهم مع الأبناء فلم يقطع عليهم هذه النعمة. وفي موضع آخر ذكر حيثيات هذه النعمة، فقال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ..} تفسير : [الطور: 21] إذن: المقصود هنا الإيمان، والإلحاق دلَّ على أن أحدهما كامل والآخر أقل، وإلا لو كانوا متساوين في العمل لأخذ كل منهم (بفتحة ذراعيه). ومعنى: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ..} تفسير : [الطور: 21] لا يقصد بها أنْ نأخذ المتوسط الحسابي يعني: ما عمله الآباء وما عمله الأبناء ويقسم على الاثنين، لا {أية : وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ..} تفسير : [الطور: 21] يعني: ما نقصنا شيئا من أجورهم، فالإلحاق تفضُّل من الحق سبحانه لِقُرَّة عيون الآباء بالأبناء لكن بشرط الإيمان، لماذا؟ لأنهم لو لم يكونوا مؤمنين لكره الآباءُ معيَّتهم ومصاحبتهم. فإنْ قلت: إذن يكون للإنسان ما لم يَسْعَ به. يعني: يأخذ ثمرة عمل الغير، نقول: لا لأنه آمن والإيمان من عمله، صحيح {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]. لكن لا تنظر لسعيه هو، إنما وسع الدائرة وانظر لمن جعله يسعى هذا السَّعْي الطيب، إنها التربية الصالحة، لذلك ورد في الحديث الشريف "حديث : إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، منها: أو ولد صالح يدعو له"تفسير : فكلمة (صالح) هذه من عمل مَنْ؟ من عمل الآباء. إذن: حين نعطي الأب ثواب الدعاء الصالح من الابن إنما نعطيه حقه وثمرة عمله وسَعْيه في هذا الابن، والأب إذا كان صالحاً تحرَّى انْ ينفق على ولده من حِلٍّ، وحين يتحرى ذلك ربما يضيق عليه في النفقة، لأن بعض الأغنياء الذين لا يتحرَّوْن الحلال في الكسبْ ينفقون على أولادهم ببذخ وإسراف في الملبس والمأكل والسيارات الفارهة .. إلخ لأنهم جمعوا هذه الأموال من مهاوش. والرجل الصالح ينأى بنفسه وأولاده عن الحرام، لذلك ربما يشقى الصالح بالصلاح في الدنيا ويصبر على هذا الشقاء وهذا الحرمان، وهذا كله من عمله. لذلك كانوا كثيراً ما يناقشوننا في قوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]. يقصدون كيف ينتفع الإنسان بعمل غيره؟ وقلنا لبيان ذلك مثلاً: إننا نُؤْمر بالصلاة على الميت، هذه الصلاة تفيده أم لا؟ إنْ كانت لا تفيده فهي إذن عبث، وإنْ كانت تفيده فهل استفاد بعمل غيره؟ نعم يستفيد الميت بدعاء الحي له في صلاة الجنازة، لكن هذا الدعاء في حَدِّ ذاته يُعتبر من عمل الميت، لأن ثمرة إيمانه بالله، ولولا أنه مؤمن ما صلَّينا عليه، فأنت حين تصلي صلاة الجنازة لا تصلي على مطلق ميت، إنما على ميت آمن بربه عز وجل، والإيمان من عمله، وبالتالي صلاتك عليه أيضاً من عمله. أو نقول في قوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39] أي: ليس للإنسان حَقٌّ، فهي منعت العدل ولم تمنع الفضل من الله، وفَرْق بين العدل والفضل، فالعامل عندك مثلاً أجره خمسون وهذا الاتفاق بينكما لا يمنع أن تعطيه سبعين مثلاً. ثم تُذيل الآية بقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [غافر: 8] ولم يَقُلْ مثلاً: إنك أنت الغفور الرحيم لتناسب الدعاء المذكور في الآية. وهذه مثل قوله تعالى في قصة سيدنا عيسى عليه السلام: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 116] ثم يقول: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118]. فلم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم، لماذا؟ لأنهم استحقوا العذاب، إنما لو غفرت لهم لا يجرؤ أحد على نَقْض هذه المغفرة لأنه لا معقِّبَ لحكمة سبحانه ولا رادَّ لفضله، فعزتك يا رب وحكمتك هي التي جعلتْك تغفر لهم مع أنهم يستحقون العذاب. إذن: فالمغفرة لم تأتِ من ناحية أنك أنت الغفور الرحيم، إنما من ناحية أنك أنت العزيز الحكيم. والعزيز هو الغالب الذي لا يُغلب ولا يُعَارض. لذلك قلنا: إن إبليس كان ناصحاً حين قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] والمعنى: فبعزتك عن خَلْقك وغِنَاك عنهم، مَنْ شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر، بهذه العزة لأغوينهم، إنما لو أردتهم جميعاً مؤمنين ما تعرضتُ لهم ولا جرؤتُ على إغوائهم، بدليل أنه استثنى فقال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83] فهؤلاء لا سلطانَ لي عليهم ولا قدرةَ لي على إغوائهم، إذن: المسألة ليست بين إبليس وربه عز وجل، إنما هي بين إبليس وبني آدم. ثم يقول الحق سبحانه من دعاء الملائكة للمؤمنين: {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2654- معمر، عنْ قَتادة في قَوْلِه: {وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ}: [الآية: 8]، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب، قال لكعب، ما عَدَنٌ؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يَسْكُنُها النَّبِيُّون والصديقونَ والشهداء، وأئمة العَدْل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):