Verse. 4143 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللہِ اَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ اَنْفُسَكُمْ اِذْ تُدْعَوْنَ اِلَى الْاِيْمَانِ فَتَكْفُرُوْنَ۝۱۰
Inna allatheena kafaroo yunadawna lamaqtu Allahi akbaru min maqtikum anfusakum ith tudAAawna ila aleemani fatakfuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين كفروا ينادوْن» من قبل الملائكة وهم يمقتون أنفسهم عند دخولهم النار «لمقت الله» إياكم «أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعوْن» في الدنيا «إلى الإيمان فتكفرون».

10

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله وهم الذين ذكرهم الله في قوله {أية : مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [غافر: 4] بين أنهم في القيامة يتعرفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب الذي ينزل بهم ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف وفيها أيضاً تقديم وتأخير، أما الحذف فتقديره لمقت الله إياكم، وأما التقديم والتأخير فهو أن التقدير أن يقال لمقت الله لكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم وفي تفسير مقتهم أنفسهم وجوه الأول: أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا الثاني: أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في الدنيا، والرؤساء أيضاً يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضاً بأنهم مقتوا أنفسهم، كما أنه تعالى قال: {أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] والمراد قتل بعضهم بعضاً الثالث: قال محمد بن كعب إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ} تفسير : - إلى قوله - {أية : وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 22] ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم، واعلم أنه لا نزاع أن مقتهم أنفسهم إنما يحصل في يوم القيامة، أما مقت الله لهم ففيه وجهان الأول: أنه حاصل في الآخرة، والمعنى لمقت الله لكم في هذا الوقت أشد من مقتكم أنفسكم في هذا الوقت والثاني: وعليه الأكثرون أن التقدير لمقت الله لكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن ففي تفسير الألفاظ المذكورة في الآية أوجه الأول: أن الذين ينادونهم ويذكرون لهم هذا الكلام هم خزنة جهنم الثاني: المقت أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال، فالمراد منه أبلغ الإنكار والزجر الثالث: قال الفراء {يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ } معناه إنهم ينادون إن مقت الله أكبر يقال ناديت إن زيداً قائم وإن زيداً لقائم الرابع: قوله {إذ تدعون إلى الإيمان} فيه حذف والتقدير لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتأتون بالكفر أكبر من مقتكم الآن أنفسكم. ثم إنه تعالى بيّـن أن الكفار إذا خاطبوا بهذا الخطاب {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ } إلى آخر الآية، والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسداً باطلاً تمنوا الرجوع إلى الدنيا لكي يشتغلوا عند الرجوع إليها بالأعمال الصالحة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا {رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ } فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت الذي يحصل عقيبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر، فإن قيل قال كثير من المفسرين الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا، فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك، والذي يدل على أن الأمر ما ذكرناه قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] والمراد من قوله {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } الحالة الحاصلة عند كونه نطفة وعلقة وتحقيق الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين أحدهما: إيجاد الشيء ميتاً والثاني: تصيير الشيء ميتاً بعد أن كان حياً كقولك وسع الخياط ثوبي، يحتمل أنه خاطه واسعاً ويحتمل أنه صيره واسعاً بعد أن كان ضيقاً، فلم لا يجوز في هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها ميتة، ولا يكون المراد تصييرها ميتة بعد أن كانت حية. السؤال الثاني: أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة. السؤال الثالث: أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر، وبيانه أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها: في الدنيا، وثانيها: في القبر، وثالثها: في القيامة، والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط، فتكون إحداهما الحياة في الدنيا والحياة الثانية في القيامة والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا. السؤال الرابع: أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة في القبر فههنا ما يدل على عدمه وذلك بالمنقول والمعقول، أما المنقول فمن وجوه الأول: قوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ } تفسير : [الزمر: 9] فلم يذكر في هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلاً، ولو كان الأمر كذلك لذكره، ولما لم يذكره علمنا أنه غير حاصل الثاني: أنه تعالى حكى في سورة الصافات عن المؤمنين المحقين أنهم يقولون بعد دخولهم في الجنة {أية : أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأولَىٰ } تفسير : [الصافات: 58، 59] ولا شك أن كلام أهل الجنة حق وصدق ولو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين، وذلك على خلاف قوله {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأولَىٰ } قالوا والاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية التي ذكرتموها، لأنه الآية التي تمسكنا بها حكاية قول المؤمنين الذين دخلوا الجنة والآية التي تمسكتم بها حكاية قول الكافرين الذين دخلوا النار. وأما المعقول فمن وجوه الأول: وهو أن الذي افترسته السباع وأكلته لو أعيد حياً لكان إما أن يعاد حياً بمجموعة أو بأحاد أجزائه، والأول باطل لأن الحس يدل على أنه لم يحصل له مجموع، والثاني باطل لأنه لما أكلته السباع، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السباع وفي أمعائها، وذلك في غاية الاستبعاد. الثاني: أن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل واحد فإنهم يرونه باقياً على موته، فلو جوزنا مع هذه الحالة أنه يقال إنه صار حياً لكان هذا تشكيكاً في المحسوسات، وإنه دخول في السفسطة (والجواب) قوله لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هي الموتة التي كانت حاصلة حال ما كان نطفة وعلقة؟ فنقول هذا لا يجوز، وبيانه أن المذكور في الآية أن الله أماتهم ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصلاً قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال وهذا بخلاف قوله {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } لأن المذكور في هذه الآية أنهم كانوا أمواتاً وليس فيها أن الله أماتهم بخلاف الآية التي نحن في تفسيرها، لأنها تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين، وقد بينا أن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق. أما قوله إن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة، قلنا لما ذكروا ذلك لم يكذبهم الله تعالى إذ لو كانوا كاذبين لأظهر الله تكذيبهم، ألا ترى أنهم لما كذبوا في قولهم {وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنا مُشْرِكِينَ } كذبهم الله في ذلك فقال: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ } تفسير : [الأنعام: 23، 24] وأما قوله ظاهر الآية يمنع من إثبات حياة في القبرة إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث مرات لا مرتين، فنقول (الجواب) عنه من وجوه: الأول: هو أن مقصودهم تعديل أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة، فهذه الأربعة أوقات البلاء والمحنة، فأما الحياة في الدنيا فليست من أقسام أوقات البلاء والمحنة فلهذا السبب لم يذكروها الثاني: لعلهم ذكروا الحياتين: وهي الحياة في الدنيا، والحياة في القيامة، أما الحياة في القبر فأهملوا ذكرها لقلة وجودها وقصر مدتها الثالث: لعلهم لما صاروا أحياء في القبور لم يموتوا بل بقوا أحياء، إما في السعادة، وإما في الشقاوة، واتصل بها حياة القيامة فكانوا من جملة من أرادهم الله بالاستثناء في قوله {أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 68] الرابع: لو لم تثبت الحياة في القبر لزم أن لا يحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذباً وهو على خلاف لفظ القرآن، أما لو أثبتنا الحياة في القبر لزمنا إثبات الحياة ثلاث مرات والمذكور في القرآن مرتين، أما المرة الثالثة فليس في اللفظ ما يدل على ثبوتها أو عدمها، فثبت أن نفي حياة القبر يقتضي ترك ما دل اللفظ عليه، فأما إثبات حياة القبر فإنه يقتضي إثبات شيء زائد على ما دل عليه اللفظ مع أن اللفظ لا إشعار فيه بثبوته ولا بعدمه فكان هذا أولى، وأما ما ذكروه في المعارضة الأولى فنقول قوله {أية : يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ } تفسير : [الزمر: 9] تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت في القبر أو في القيامة، وأما المعارضة الثانية فجوابها أنا نرجح قولنا بالأحاديث الصحيحة الواردة في عذاب القبر. وأما الوجهان العقليان فمدفوعان، لأنا إذا قلنا إن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو عبارة عن جسم نوراني سار في هذا البدن كانت الإشكالات التي ذكرتموها غير واردة في هذا الباب، والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أنا لما أثبتنا حياة القبر فيكون الحاصل في حق بعضهم أربعة أنواع من الحياة وثلاثة أنواع من الموت، والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ } تفسير : [البقرة: 243] فهؤلاء أربعة مراتب في الحياة، حياتان في الدنيا، وحياة في القبر، وحياة رابعة في القيامة. المسألة الثالثة: قوله {ٱثْنَتَيْنِ } نعت لمصدر محذوف والتقدير إماتتين اثنتين، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } فإن قيل الفاء في قوله {فَٱعْتَرَفْنَا } تقتضي أن تكون الإماتة مرتين والإحياء مرتين سبباً لهذا الاعتراف فبينوا هذه السببية، قلنا لأنهم كانوا منكرين للبعث فلما شاهدوا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن ذلك الإحياء وتلك الإماتة، ثم قال: {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ } أي هل إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء من سبيل، أم اليأس وقع فلا خروج، ولا سبيل إليه؟ وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط، واعلم أن الجواب الصريح عنه أن يقال لا أو نعم وهو تعالى لم يفعل ذلك بل ذكر كلاماً يدل على أنه لا سبيل لهم إلى الخروج فقال: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ } أي ذلكم الذي أنتم فيه، وهو أن لا سبيل لكم إلى الخروج قط، إنما وقع بسبب كفركم بتوحيد الله تعالى، وإيمانكم بالإشراك به {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ } حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي، وقوله {ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقابه لا يكون إلا كذلك، والمشبهة استدلوا بقوله تعالى: {ٱلْعَلِيُّ } على العلو الأعلى في الجهة، وبقوله {ٱلْكَبِيرُ } على كبر الجثة والذات، وكل ذلك باطل، لأنا دللنا على أن الجسمية والمكان محالان في حق الله تعالى، فوجب أن يكون المراد من {ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } العلو والكبرياء بحسب القدرة والإلهية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} قال الأخفش: «لمَقْتُ» هذه لام الابتداء وقعت بعد «يُنَادَوْنَ» لأن معناه يقال لهم والنداء قول. وقال غيره: المعنى يقال لهم: «لَمَقْتُ اللَّهِ» إياكم في الدنيا {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} «أَكْبَرُ» من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة؛ لأن بعضهم عادى بعضاً ومقته يوم القيامة، فأذعنوا عند ذلك، وخضعوا وطلبوا الخروج من النار. وقال الكلبي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفس؛ فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت الله إياكم إذ أنتم في الدنيا وقد بعث إليكم الرسل فلم تؤمنوا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. وقال الحسن: يعطون كتابهم فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم فينادون «لَمَقْتُ اللَّهِ» إياكم في الدنيا {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} اليوم. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: المعنى «لَمَقْتُ اللَّهِ» لكم «إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ» «أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» إذ عاينتم النار. فإن قيل: كيف يصح أن يمقتوا أنفسهم؟ ففيه وجهان: أحدهما أنهم أحلوها بالذنوب محل الممقوت. الثاني أنهم لما صاروا إلى حال زال عنهم الهوى، وعلموا أن نفوسهم هي التي أبقتهم في المعاصي مقتوها. وقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل النار لما يئسوا مما عند الخزنة وقال لهم مالك: {أية : إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ}تفسير : [الزخرف: 77] على ما يأتي. قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء! إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون، فهلّم فلنصبر فلعل الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} تفسير : [إبراهيم: 21] أي من ملجأ؛ فقال إبليس عند ذلك: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} تفسير : [إبراهيم: 22] إلى قوله: {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} تفسير : [إبراهيم: 22] يقول: بمغن عنكم شيئاً {أية : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} تفسير : [إبراهيم: 22] فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم. قال: فنودوا {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} إلى قوله: {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} قال فردّ عليهم: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ } ذكره ابن المبارك. قوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ} اختلف أهل التأويل في معنى قولهم: {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} فقال ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم للبعث والقيامة، فهاتان حياتان وموتتان، وهو قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 28]. وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحياهم في القبور للمسألة، ثم أميتوا ثم أحيوا في الآخرة. وإنما صار إلى هذا؛ لأن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة. واستدل العلماء من هذا في إثبات سؤال القبر، ولو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة؟ والروح عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح لا تموت ولا تتغير ولا تفسد، وهو حيّ لنفسه لا يتطرّق إليه موت ولا غشية ولا فناء. وقال ابن زيد في قوله: {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ} الآية قال: خلقهم في ظهر آدم وأخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم. وقد مضى هذا في «البقرة». {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف وندموا حيث لا ينفعهم الندم. {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} أي هل نردّ إلى الدنيا لنعمل بطاعتك؛ نظيره: {أية : هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ}تفسير : [الشورى: 44] وقوله: {أية : فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً}تفسير : [السجدة: 12] وقوله: {أية : يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ}تفسير : [الأنعام: 27] الآية. قوله تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ} «ذَلِكُمْ» في موضع رفع أي الأمر «ذَلِكُمْ» أو «ذَلِكُم» العذاب الذي أنتم فيه بكفركم. وفي الكلام متروك تقديره فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرد. وذلك لأنكم «إِذَا دُعِيَ اللَّهُ» أي وُحِّد الله «وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ» وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله. قال الثعلبي: وسمعت بعض العلماء يقول: {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} بعد الرد إلى الدنيا لو كان {تُؤْمِنُواْ} تصدّقوا المشرك؛ نظيره: «وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه». {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ} عن أن تكون له صاحبة أو ولد.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ } يوم القيامة فيقال لهم: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ } أي لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء. {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ } ظرف لفعل دل عليه المقت الأول لا له لأنه أخبر عنه، ولا للثاني لأن مقتهم أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جزاء أعمالهم الخبيثة إلا أن يؤول بنحو: بالصَّيْفِ ضيّعْتِ اللَّبَن. أو تعليل للحكم وزمان المقتين واحد. {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ} إماتتين بأن خلقتنا أمواتاً ثم صيرتنا أمواتاً عند انقضاء آجالنا، فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء أو بتصيير كالتصغير والتكبير، ولذلك قيل سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل، وإن خص بالتصيير فاختيار الفاعل المختار أحد مفعوليه تصيير وصرف له عن الآخر. {وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } الإحياءة الأولى وإحياءة البعث. وقيل الإِماتة الأولى عند انخرام الأجل والثانية في القبر بعد الإِحياء للسؤال والإِحياءان ما في القبر والبعث، إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه ولم يكترثوا به ولذلك تسبب بقوله: {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } فإن اقترافهم لها من اغترارهم بالدنيا وإنكارهم البعث. {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ } نوع خروج من النار. {مّن سَبِيلٍ } طريق فنسلكه وذلك إنما يقولونه من فرط قنوطهم تعللاً وتحيراً ولذلك أجيبوا بقوله: {ذٰلِكُمْ } الذي أنتم فيه. {بِأَنَّهُ } بسبب أنه. {إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ } متحداً أو توحد وحده فحذف الفعل وأقيم مقامه في الحالية. {كَفَرْتُمْ } بالتوحيد. {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ } بالإِشراك. {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ} المستحق للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم. {ٱلْعَلِىُّ } عن أن يشرك به ويسوى بغيره. {ٱلْكَبِيرُ} حيث حكم على من أشرك وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب السرمد. {وَهُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ} الدالة على التوحيد وسائر ما يجب أن يعلم تكميلاً لنفوسكم. {وَيُنَزّلُ لَكُم مّنَ ٱلسَّمَاءِ رِزْقاً} أسباب رزق كالمطر مراعاة لمعاشكم. {وَمَا يَتَذَكَّرُ} بالآيات التي هي كالمركوزة في العقول لظهورها المغفول عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى. {إِلاَّ مَن يُنِيبُ } يرجع عن الإِنكار بالإِقبال عليها والتفكر فيها، فإن الجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه. {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} من الشرك. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } إخلاصكم وشق عليهم. {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ} خبران آخران للدلالة على علو صمديته من حيث المعقول والمحسوس الدال على تفرده في الألوهية، فإن من ارتفعت درجات كماله بحيث لا يظهر دونها كمال وكان العرش الذي هو أصل العالم الجسماني في قبضة قدرته لا يصح أن يشرك به، وقيل الدرجات مراتب المخلوقات أو مصاعد الملائكة إلى العرش أو السموات أو درجات الثواب. وقرىء «رَفِيعَ» بالنصب على المدح. {يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ } خبر رابع للدلالة على أن الروحانيات أيضاً مسخرات لأمره بإظهار آثارها وهو الوحي، وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد والروح الوحي ومن أمره بيانه لأنه أمر بالخير أو مبدؤه والآمر هو الملك المبلغ. {عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} يختاره للنبوة، وفيه دليل على أنها عطائية. {لّيُنذِرَ} غاية الإلقاء والمستكن فيه لله، أو لمن أو للروح واللام مع القرب تؤيد الثاني. {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } يوم القيامة، فإن فيه تتلاقى الأرواح والأجساد وأهل السماء والأرض أو المعبودون والعباد أو الأعمال والعمال. {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ} خارجون من قبورهم أو ظاهرون لا يسترهم شيء أو ظاهرة نفوسهم لا تحجبهم غواشي الأبدان، أو أعمالهم وسرائرهم. {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ} من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم، وهو تقرير لقوله {هُم بَـٰرِزُونَ } وإزاحة لنحو ما يتوهم في الدنيا. {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به، أو لما دل عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط، وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائماً. {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} كأنه نتيجة لما سبق، وتحقيقه أن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيئات توجب لذتها وأملها لكنها لا تشعر بها في الدنيا لعوائق تشغلها، فإذا قامت قيامتها زالت العوائق وأدركت لذاتها وألمها. {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } ينقص الثواب وزيادة العقاب. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } إذ لا يشغله شأن عن شأن فيصل إليهم ما يستحقونه سريعاً. {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلآزِفَةِ } أي القيامة سميت بها لأزوفها أي قربها، أو الخطة الآزفة وهي مشارفتهم النار وقيل الموت. {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} فإنها ترتفع عن أماكنها فتلصق بحلوقهم فلا تعود فيتروحوا ولا تخرج فيستريحوا. {كَـٰظِمِينَ} على الغم حال من أصحاب القلوب على المعنى لأنه على الإِضافة، أو منها أو من ضميرها في لدى وجمعه كذلك لأن الكظم من أفعال العقلاء كقوله: {أية : فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ }تفسير : [الشعراء: 4] أو من مفعول {أَنذَرَهُمْ} على أنه حال مقدرة. {مَا لِلظَّالِمينَ مِنْ حَمِيمٍ} قريب مشفق. {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} ولا شفيع مشفع، والضمائر إن كانت للكفار وهو الظاهر كان وضع الظالمين موضع ضميرهم للدلالة على اختصاص ذلك بهم وأنه لظلمهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكفار: أنهم ينادون يوم القيامة، وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك عندما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم، وأبغضوها غاية البغض؛ بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار، فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخباراً عالياً، نادوهم نداء بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان فيكفرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة. قال قتادة في قوله تعالى: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ} يقول: لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه، وأبوا أن يقبلوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة، وهكذا قال الحسن البصري ومجاهد والسدي وذر بن عبيد الله الهمداني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير الطبري رحمة الله عليهم أجمعين. وقوله: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه: هذه الآية كقوله تعالى: { أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 28] وكذا قال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو مالك، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية. وقال السدي: أميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا، ثم أحيوا يوم القيامة، وقال ابن زيد: أحيوا حين أخذ عليهم المثياق من صلب آدم عليه السلام، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، وهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان؛ لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات، والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما، والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة، وهم وقوف بين يدي الله عز وجل في عرصات القيامة؛ كما قال عز وجل: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12] فلا يجابون، ثم إذا رأوا النار وعاينوها، ووقفوا عليها ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة، فلا يجابون، قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [الأنعام: 27 ــــ 28] فإذا دخلوا النار، وذاقوا مسّها وحسيسها ومقامعها وأغلالها، كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم {أية : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} تفسير : [فاطر: 37] {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 107 ــــ 108] وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال، وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة، وهي قولهم: {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} أي: قدرتك عظيمة؛ فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتاً، ثم أمتنا ثم أحييتنا، فأنت قادر على ما تشاء، وقد اعترفنا بذنوبنا، وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا، {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}؟ أي: فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك؛ لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ماكنا فيه، فإنا ظالمون، فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا، ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه، بل تجحده وتنفيه، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} أي: أنتم هكذا تكونون، وإن رددتم إلى الدار الدنيا؛ كما قال عز وجل: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 28] وقوله جل وعلا: {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـىِّ ٱلْكَبِيرِ} أي: هو الحاكم في خلقه، العادل الذي لا يجور، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، لا إله إلا هو. وقوله جل جلاله: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ} أي: يظهر قدرته لخلقه؛ بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس؛ من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه، وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء {وَمَا يَتَذَكَّرُ} أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء، ويستدل بها على عظمة خالقها {إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي: من هو بصير منيب إلى الله تبارك وتعالى. وقوله عز وجل: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام، يعني: ابن عروة بن الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام ابن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة، ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة: «حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له» تفسير : وذكر تمامه. وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: «حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع، حدثنا الخصيب بن ناصح، حدثنا صالح، يعني: المري، عن هشام ابن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ادعوا الله تبارك وتعالى وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ } من قبل الملائكة وهم يمقتون أنفسهم عند دخولهم النار {لَمَقْتُ ٱللَّهِ } إياكم {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ } في الدنيا {إِلَى ٱلإِيمَٰنِ فَتَكْفُرُونَ }.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه حال أصحاب النار، وأنها حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم أصحاب النار ذكر أحوالهم بعد دخول النار، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ }. قال الواحدي: قال المفسرون: إنهم لما رأوا أعمالهم، ونظروا في كتابهم، وأدخلوا النار، ومقتوا أنفسهم بسوء صنيعهم ناداهم حين عاينوا عذاب الله مناد: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ } إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان، فتكفرون {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ } اليوم. قال الأخفش: هذه اللام في لمقت هي: لام الابتداء أوقعت بعد ينادون؛ لأن معناه: يقال لهم، والنداء قول. قال الكلبي: يقول كل إنسان لنفسه من أهل النار: مقتك يا نفس، فتقول الملائكة لهم، وهم في النار: لمقت الله إياكم في الدنيا أشدّ من مقتكم أنفسكم اليوم. وقال الحسن: يعطون كتابهم، فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم، فينادون: لمقت الله إياكم في الدنيا {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ } أكبر من مقتكم أنفسكم إذ عاينتم النار، والظرف في: {إِذْ تَدْعُونَ } منصوب بمقدّر محذوف دلّ عليه المذكور، أي: مقتكم وقت دعائكم. وقيل: بمحذوف هو: اذكروا. وقيل: بالمقت المذكور، والمقت أشدّ البغض. ثم أخبر سبحانه عما يقولون في النار، فقال: {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } اثنتين في الموضعين نعتان لمصدر محذوف، أي: أمتنا إماتتين اثنتين، وأحييتنا إحياءتين اثنتين، والمراد بالإماتتين: أنهم كانوا نطفاً لا حياة لهم في أصلاب آبائهم، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا، والمراد بالإحياءتين: أنه أحياهم الحياة الأولى في الدنيا، ثم أحياهم عند البعث، ومثل هذه الآية قوله: {أية : وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } تفسير : [البقرة: 28]. وقيل: معنى الآية: أنهم أميتوا في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم الله في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا، ثم أحياهم الله في الآخرة، ووجه هذا القول: أن الموت سلب الحياة، ولا حياة للنطفة. ووجه القول الأوّل: أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل، وقد ذهب إلى تفسير الأوّل جمهور السلف. وقال ابن زيد: المراد بالآية: أنه خلقهم في ظهر آدم، واستخرجهم، وأحياهم، وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم. ثم ذكر سبحانه اعترافهم بعد أن صاروا في النار بما كذبوا به في الدنيا، فقال حاكياً عنهم: {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } التي أسلفناها في الدنيا من تكذيب الرّسل، والإشراك بالله، وترك توحيده، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، وقد جعلوا اعترافهم هذا مقدّمة لقولهم: {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ } أي: هل إلى خروج لنا من النار، ورجوع لنا إلى الدنيا من سبيل، ومثل هذا قولهم الذي حكاه الله عنهم: {أية : فَهَلْ إِلَىٰ مَرَدّ مّن سَبِيلٍ } تفسير : [الشورى: 44]، وقوله: {أية : فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً } تفسير : [السجدة: 12]، وقوله: {أية : يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ } تفسير : [الأنعام: 27] الآية. ثم أجاب الله سبحانه عن قولهم هذا بقوله: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ } أي: ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به، وتركتم توحيده {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ } غيره من الأصنام، أو غيرها {تُؤْمِنُواْ } بالإشراك به، وتجيبوا الدّاعي إليه، فبيّن سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله، وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدّعاء، ومحل ذلكم الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلكم، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بذلك السبب، وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرّدّ، وذلك لأنكم كنتم إذا دعي الله... إلخ {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ }: وحده دون غيره، وهو الذي حكم عليكم بالخلود في النار، وعدم الخروج منها، و {ٱلْعَلِىُّ }: المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته، ولا صفاته، و {ٱلْكَبِيرُ }: الذي كبر عن أن يكون له مثل، أو صاحبة، أو ولد، أو شريك {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ } أي: دلائل توحيده، وعلامات قدرته {وَيُنَزّلُ لَكُم مّنَ ٱلسَّمَاء رِزْقاً } يعني: المطر، فإنه سبب الأرزاق. جمع سبحانه بين إظهار الآيات، وإنزال الأرزاق، لأن بإظهار الآيات قوام الأديان، وبالأرزاق قوام الأبدان، وهذه الآيات هي: التكوينية التي جعلها الله سبحانه في سمٰواته، وأرضه، وما فيهما، وما بينهما. قرأ الجمهور: {ينزل} بالتشديد. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتخفيف {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } أي: ما يتذكر، ويتعظ بتلك الآيات الباهرة، فيستدلّ بها على التوحيد، وصدق الوعد، والوعيد إلا من ينيب، أي: يرجع إلى طاعة الله بما يستفيده من النظر في آيات الله. ثم لما ذكر سبحانه ما نصبه من الأدلة على التوحيد أمر عباده بدعائه، وإخلاص الدّين له، فقال: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي: إذا كان الأمر كما ذكر من ذلك، فادعوا الله وحده مخلصين له العبادة التي أمركم بها {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } ذلك، فلا تلتفتوا إلى كراهتهم، ودعوهم يموتوا بغيظهم، ويهلكوا بحسرتهم. {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ }، وارتفاع رفيع الدرجات على أنه خبر آخر عن المبتدأ المتقدّم أي: هو الذي يريكم آياته، وهو رفيع الدرجات. وكذلك {ذُو ٱلْعَرْشِ } خبر ثالث، ويجوز أن يكون رفيع الدرجات مبتدأ، وخبره {ذُو ٱلْعَرْشِ }، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف، ورفيع صفة مشبهة، والمعنى: رفيع الصفات، أو رفيع درجات ملائكته، أي: معارجهم، أو رفيع درجات أنبيائه، وأوليائه في الجنة. وقال الكلبي، وسعيد بن جبير: رفيع السمٰوات السبع، وعلى هذا الوجه يكون رفيع بمعنى: رافع، ومعنى، ذو العرش: مالكه، وخالقه، والمتصرف فيه، وذلك يقتضي علوّ شأنه، وعظم سلطانه، ومن كان كذلك، فهو الذي يحقّ له العبادة، ويجب له الإخلاص، وجملة: {يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ } في محل رفع على أنها خبر آخر للمبتدأ المتقدّم، أو للمقدّر، ومعنى ذلك: أنه سبحانه يلقي الوحي {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ }، وسمي الوحي: روحاً، لأن الناس يحيون به من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح، وقوله: {مِنْ أَمْرِهِ } متعلق بـ {يلقى}، و «من» لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الروح، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52]. وقيل: الروح جبريل كما في قوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194]، وقوله: {أية : نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبّكَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [النحل: 102]، وقوله: {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } هم: الأنبياء، ومعنى {مِنْ أَمْرِهِ }: من قضائه {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } قرأ الجمهور: {لينذر} مبنياً للفاعل، ونصب اليوم، والفاعل هو: الله سبحانه، أو الرسول، أو من يشاء، والمنذر به محذوف تقديره: لينذر العذاب يوم التلاق. وقرأ أبيّ، وجماعة كذلك إلا أنه رفع اليوم على الفاعلية مجازاً. وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن السميفع: (لتنذر) بالفوقية على أن الفاعل ضمير المخاطب، وهو: الرسول، أو ضمير يرجع إلى الرّوح؛ لأنه يجوز تأنيثها. وقرأ اليماني: (لينذر) على البناء للمفعول، ورفع يوم على النيابة، ومعنى {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ }: يوم يلتقي أهل السمٰوات، والأرض في المحشر، وبه قال قتادة. وقال أبو العالية، ومقاتل: يوم يلتقي العابدون، والمعبودون، وقيل: الظالم، والمظلوم. وقيل: الأوّلون، والآخرون. وقيل: جزاء الأعمال، والعاملون. وقوله: {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ } بدل من يوم التلاق. وقال ابن عطية: هو منتصب بقوله: {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ } وقيل: منتصب بإضمار اذكر، والأوّل أولى، ومعنى بارزون: خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء، وجملة: {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْء } مستأنفة مبينة لبروزهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير بارزون، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً للمبتدأ، أي: لا يخفى عليه سبحانه شيء منهم، ولا من أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وجملة: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } مستأنفة جواب عن سؤال مقدّر كأنه قيل: فماذا يقال عند بروز الخلائق في ذلك اليوم؟، فقيل: يقال: لمن الملك اليوم؟ قال المفسرون: إذا هلك كل من في السمٰوات، والأرض، فيقول الرّبّ تبارك وتعالى: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } يعني: يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فيجيب تعالى نفسه، فيقول: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } قال الحسن: هو السائل تعالى، وهو المجيب حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه. وقيل: إنه سبحانه يأمر منادياً ينادي بذلك، فيقول أهل المحشر مؤمنهم، وكافرهم: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } وقيل: إنه يجيب المنادي بهذا الجواب أهل الجنة دون أهل النار. وقيل: هو حكاية لما ينطق به لسان الحال في ذلك اليوم لانقطاع دعاوي المبطلين، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدّينِ * يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } تفسير : [الانفطار: 17 ــ 19]، وقوله: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } من تمام الجواب على القول بأن المجيب هو: الله سبحانه، وأما على القول بأن المجيب هم العباد كلهم، أو بعضهم، فهو: مستأنف لبيان ما يقوله الله سبحانه بعد جوابهم أي: اليوم تجزى كل نفس بما كسبت من خير وشرّ لا ظلم اليوم على أحد منهم بنقص من ثوابه، أو بزيادة في عقابه {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي: سريع حسابه، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى تفكر في ذلك كما يحتاجه غيره لإحاطة علمه بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة. ثم أمر الله سبحانه رسوله: بإنذار عباده، فقال: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } أي: يوم القيامة سميت بذلك لقربها، يقال: أزف فلان، أي: قرب يأزف أزفاً، ومنه قول النابغة:شعر : أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل بركابنا وكأن قد تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ } تفسير : [النجم: 57] أي: قربت الساعة. وقيل: إن يوم الآزفة هو: يوم حضور الموت، والأوّل أولى. قال الزجاج: وقيل لها: آزفة؛ لأنها قريبة، وإن استبعد الناس أمرها، وما هو كائن، فهو: قريب {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ } وذلك أنها تزول عن مواضعها من الخوف حتى تصير إلى الحنجرة كقوله: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } تفسير : [الأحزاب: 10]. {كَـٰظِمِينَ } مغمومين مكروبين ممتلئين غمًّا. قال الزجاج: المعنى: إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم. قال قتادة: وقعت قلوبهم في الحناجر من المخافة، فهي لا تخرج، ولا تعود في أمكنتها. وقيل: هو إخبار عن نهاية الجزع، وإنما قال كاظمين باعتبار أهل القلوب، لأن المعنى: إذ قلوب الناس لدى حناجرهم، فيكون حالاً منهم. وقيل: حالاً من القلوب، وجمع الحال منها جمع العقلاء؛ لأنه أسند إليها ما يسند إلى العقلاء فجمعت جمعه. ثم بين سبحانه: أنه لا ينفع الكافرين في ذلك اليوم أحد، فقال: {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } أي: قريب ينفعهم {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } في شفاعته لهم، ومحل {يطاع} الجر على أنه صفة لـ {شفيع}. ثم وصف سبحانه شمول علمه لكل شيء، وإن كان في غاية الخفاء فقال: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ }، وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحلّ النظر إليه، والجملة خبر آخر لقوله: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ } قال المؤرج: فيه تقديم، وتأخير، أي: يعلم الأعين الخائنة. وقال قتادة: خائنة الأعين: الهمز بالعين فيما لا يحب الله. وقال الضحاك: هو قول الإنسان ما رأيت، وقد رأى، ورأيت، وما رأى. وقال سفيان: هي: النظرة بعد النظرة. والأول أولى، وبه قال مجاهد {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } من الضمائر، وتسرّه من معاصي الله {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقّ } فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير، وشرّ {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ } أي: تعبدونهم من دون الله {لاَ يَقْضُونَ بِشَىْء }، لأنهم لا يعلمون شيئاً، ولا يقدرون على شيء. قرأ الجمهور: {يدعون} بالتحتية يعني: الظالمين، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، وقرأ نافع، وشيبة، وهشام بالفوقية على الخطاب لهم {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ }، فلا يخفى عليه من المسموعات، والمبصرات خافية. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } قال: هي مثل التي في البقرة {أية : كُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] كانوا أمواتاً في صلب آبائهم، ثم أخرجهم، فأحياهم، ثم أماتهم، ثم يحييهم بعد الموت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: كنتم تراباً قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم، فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم، فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة، فهما موتتان، وحياتان كقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } الآية. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } قال: يوم القيامة يلتقي فيه آدم، وآخر ولده. وأخرج عنه أيضاً قال: {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } يوم الآزفة، ونحو هذا من أسماء يوم القيامة عظمه الله، وحذره عباده. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية عنه أيضاً قال: «ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، فيسمعها الأحياء، والأموات، وينزل الله إلى السماء الدنيا، فيقول: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ }». وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث، والديلمي عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن مسعود قال: «يجمع الله الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط، فأوّل ما يتكلم أن ينادي منادٍ: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فأول ما يبدأ به من الخصومات الدماء». وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } قال: الرجل يكون في القوم، فتمرّ بهم المرأة، فيريهم أنه يغضّ بصره عنها، وإذا غفلوا لحظ إليها، وإذا نظروا غضّ بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ودّ أن ينظر إلى عورتها. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عنه في الآية قال: إذا نظر إليها يريد الخيانة أم لا {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } قال: إذا قدر عليها أيزني بها أم لا؟ ألا أخبركم بالتي تليها {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقّ } قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة. وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن مردويه عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة أمن النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، وقال: «حديث : اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة»تفسير : منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به. فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى بيعته، ثم بايعه، ثم أقبل على أصحابه، فقال: حديث : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته، فيقتله؟ تفسير : فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك؟، فقال: حديث : إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين كفروا ينادَوْنَ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم ينادون يوم القيامة، قاله قتادة. الثاني: ينادون في النار، قاله السدي. {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعوْن إلى الإيمان فتكفرون} فيه وجهان: أحدهما: لمقت الله بكم في الدنيا إذا دعيتم إلى الإيمان فكفرتم أكبر من مقتكم لأنفسكم في الآخرة حين عاينتم العذاب وعلمتم أنكم من أهل النار، قاله الحسن وقتادة. الثاني: معناه: إن مقت الله لكم إذ عصيتموه أكبر من مقت بعضكم لبعض حين علمتم أنهم أضلوكم، حكاه ابن عيسى. فإن قيل: كيف يصح على الوجه الأول أن يمقتوا أنفسهم؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنهم أحلوها بالذنوب محل الممقوت. الثاني: أنهم لما صاروا إلى حال زال عنهم الهوى وعلموا أن نفوسهم هي التي أوبقتهم في المعاصي مقتوها. وفي اللام التي في {لمقت الله} وجهان: أحدهما: أنها لام الابتداء كقولهم لزيد أفضل من عمرو، قاله البصريون. الثاني: أنها لام اليمين تدخل على الحكاية وما ضارعها، قاله ثعلب. قوله عز وجل: {قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث، فهما ميتتان إحداهما في أصلاب الرجال، الثانية في الدنيا، وحياتان: إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، قاله ابن مسعود وقتادة. الثاني: أن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم قوله {أية : وإذ أخذ رَبُكَ مِن ابني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذرِيتَهُمْ} تفسير : [الأعراف: 171] الآية. ثم إن اللَّه أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث فتكون حياتان وموتتان في الدنيا وحياة في الآخرة، قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. الثالث: أن الله أحياهم حين خلقهم في الدنيا، ثم أماتهم فيها عند انقضاء أجالهم، ثم أحياهم في قبورهم للمساءلة، ثم أماتهم إلى وقت البعث. ثم أحياهم للعبث، قاله السدي. {فاعترفنا بذنوبنا} أنكروا البعث في الدنيا وأن يحيوا بعد الموت، ثم اعترفوا في الآخرة بحياتين بعد موتتين. {فهل إلى خروج مِن سبيل} فيه وجهان: أحدهما: فهل طريق نرجع فيها إلى الدنيا فنقر بالبعث، وهو معنى قول قتادة. الثاني: فهل عمل نخرج به من النار، ونتخلص به من العذاب؟ قاله الحسن. وفي الكلام مضمر تقديره: لا سبيل إلى الخروج. قوله عز وجل: {ذلكم بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم} أي كفرتم بتوحيد الله. {وإن يُشرك به تؤمنوا} فيه وجهان: أحدهما: معناه تصدقوا من أشرك به، قاله النقاش. الثاني: تؤمنوا بالأوثان، قاله يحيى بن سلام. {فالحكم لله} يعني في مجازاة الكفار وعقاب العصاة. {العلي الكبير} إنما جاز وصفه بأنه علي ولم تجز صفته بأنه رفيع لأنها صفة قد تنقل من علو المكان إلى علو الشأن والرفيع لا يستعمل إلا في ارتفاع المكان.

ابن عطية

تفسير : ثم أخبر تعالى بحال الكفار وجعل ذلك عقب حال المؤمنين ليبين الفرق، وروي أن هذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار، فإنهم إذا أدخلوا فيها مقتوا أنفسهم، أي مقت بعضهم بعضاً. ويحتمل أن يمقت كل واحد نفسه، فإن العبارة تحتمل المعنيين، والمقت هو احتقار وبغض عن ذنب وريبة. هذا حده، وإذا مقت الكفار أنفسم نادتهم ملائكة العذاب على جهة التوبيخ، فيقولون لهم: مقت الله إياكم في الدنيا إذ كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون {أكبر من مقتكم أنفسكم} اليوم، هذا هو معنى الآية، وبه فسر مجاهد وقتادة وابن زيد. وأضاف المصدر إلى الفاعل في قوله: {لمقت الله} والمفعول محذوف لأن القول يقتضيه. واللام في قوله: {لمقت} يحتمل أن تكون لام ابتداء، ويحتمل أن تكون لام القسم، وهذا أصوب. و: {أكبر} خبر الابتداء، والعامل في: {إذ} فعل مضمر تقديره: مقتكم إذ، وقدره قوم اذكروا، وذلك ضعيف يحل ربط الكلام، اللهم إلا أن يقدر أن مقت الله لهم هو في الآخرة، وأنه أكبر من مقتهم أنفسهم، فيصح أن يقدر المضمر اذكروا، ولا يجوز أن يعمل فيه قوله: {لمقت} لأن خبر الابتداء قد حال بين المقت و {إذ}، وهي في صلته، ولا يجوز ذلك. واختلف المفسرون في معنى قولهم: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين} فقال ابن عباس وقتادة والضحاك وأبو مالك: أرادوا موته كونهم ماء في الأصلاب ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم الموت ثم أحياهم يوم القيامة، قالوا وهي كالتي في سورة البقرة: {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} تفسير : [البقرة: 28]. وقال ابن زيد: أرادوا أنه أحياهم نسماً عند أخذ العهد عليهم وقت أخذهم من صلب آدم ثم أماتهم بعد ذلك ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم ثم أحياهم، وهذا قول ضعيف، لأن الإحياء فيه ثلاث مرات. وقال السدي: أرادوا أنه أحياهم في الدنيا ثم أماتهم تم أحياهم في القبر وقت سؤال منكر ونكير، ثم أماتهم فيه ثم أحياهم في الحشر، وهذا أيضاً يدخله الاعتراض الذي في القول قبله، والأول أثبت الأقوال. وقال محمد بن كعب القرظي: أرادوا أن الكافر في الدنيا هو حي الجسد ميت القلب فكأن حالهم في الدنيا جمعت إحياء وإماتة، ثم أماتهم حقيقة ثم أحياهم بالبعث. والخلاف في هذه الآية مقول كله في آية سورة البقرة، وهذه الآية يظهر منها أن معناها منقطع من معنى قوله تعالى: {إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} وليس الأمر كذلك، بل الآيتان متصلتا المعنى، وذلك أن كفرهم في الدنيا كان أيضاً بإنكارهم البعث واعتقادهم أنه لا حشر ولا عذاب، ومقتهم أنفسهم إنما عظمه، لأن هذا المعتقد كذبهم، فلما تقرر مقتهم لأنفسهم ورأوا خزياً طويلاً عريضاً رجعوا إلى المعنى الذي كان كفرهم به وهو البعث وخرج الوجود مقترناً بعذابهم فأقروا به على أتم وجوهه، أي قد كنا كفرنا بإنكارنا البعث ونحن اليوم نقر أنك أحييتنا اثنتين وأمتنا اثنتين، كأنهم قصدوا تعظيم قدرته تعالى واسترضاءه بذلك، ثم قالوا عقب هذا الإقرار طمعاً منهم، فها نحن معترفون بذنوبنا {فهل إلى خروج من سبيل}؟ وهذا كما تكلف إنساناً أن يقر لك بحق وهو ينكرك، فإذا رأى الغلبة وضرع أقر بذلك الأمر متمماً أوفى مما كنت تطلب به أولاً، وفيما بعد قولهم: {فهل إلى خروج من سبيل} محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر، تقديره: لا إسعاف لطلبتكم أو نحو هذا من الرد والزجر. وقوله تعالى: {ذلكم} يحتمل أن يكون إشارة إلى العذاب الذي هم فيه، ويحتمل أن يكون إشارة إلى مقت الله إياهم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى مقتهم أنفسهم، ويحتمل أن تكون إشارة إلى المنع والزجر والإهانة التي قلنا إنها مقدرة محذوفة الذكر لدلالة ظاهر القول عليها، ويحتمل أن تكون المخاطبة بــ {ذلكم} لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم فى الدنيا، ويحتمل أن تكون في الآخرة للكفار عامة. وقوله: {إذا دعي الله وحده} معناه: بحالة توحيد ونفي لما سواه من الآلهة والأنداد. وقوله: {وإن يشرك به} أي إذا ذكرت اللات والعزى وغيرهما صدقتم واستقرت نفوسكم، فالحكم اليوم بعذابكم وتخليدكم في النار، لا لتلك التي كنتم تشركونها معه في الألوهية. و: {العلي الكبير} صفتا مدح لا في المكان ومضادة السفل والصغر.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُنَادَوْنَ} في القيامة، أو في النار {لَمَقْتُ اللَّهِ} لكم إذا دعيتم إلى الإيمان فكفرتم {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ} أنفسكم لما عاينتم العذاب وعلمتم أنكم من أهل النار "ح"، أو مقته إياكم إذا عصيتموه أكبر من مقت بعضكم لبعض حين علمتم أنهم أضلوكم واللام في "لمقت" لام اليمين تدخل على الحكاية، أو ما ضارعها، أو لام ابتداء قاله البصريون.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ...} الآية، رُوِي أنَّ هذه الحالَ تَكُونُ للكُفَّارِ عِنْدَ دخولِهِمُ النَّارَ؛ فإنَّهم إذا دَخَلُوا فيها مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ وتُنَادِيهِمْ مَلاَئِكَةُ العَذَابِ عَلَىٰ جهة التوبيخِ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيَّاكُمْ في الدُّنْيَا؛ إذْ كُنْتُمْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فتكفرونَ، أكْبَرُ مِنْ مقتِكُمْ أنْفُسَكُمْ اليَوْمَ، هذا هو معنى الآية؛ وبه فسَّر مجاهد وقتادة وابن زيد، واللامُ في قوله: {لَمَقْتُ} يحتملُ أنْ تكونَ لامَ ابتداءٍ، ويحتملُ أن تكونَ لامَ قَسَمِ، وهو أصوبُ، و{أَكْبَرُ} خبر الابْتِدَاءِ، وٱخْتُلِفَ في مَعْنَى قَوْلِهِم: {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ...} الآية، فقال ابن عبَّاس وغَيره: أرادوا مَوْتَةً كَوْنَهُمْ في الأَصْلاَبِ، ثم إحياءَهم في الدنيا، ثم إماتَتَهم الموتَ المعروفَ، ثم إحياءَهم يوم القيَامَةِ، وهي كالتي في سورة البقرة {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } تفسير : [البقرة:28] الآية، وقال السُّدِّيُّ: أرادوا أنه أحيَاهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحْياهم في القبر وقتَ السُّؤال، ثم أماتَهم فيه، ثم أحياهم في الحَشْر، قال * ع *: هذا فيه الإحياءُ ثلاثَ مِرَارٍ، والأول أثْبَتُ، وهذه الآية متَّصلةُ المعنى بالتي قَبْلَهَا، وبَعْدَ قولهم: {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} محذوفٌ يَدُلُّ عليه الظاهِرُ، تقديرهُ. لا إسْعَافَ لِطَلبَتِكُمْ، أو نَحْوَ هذا من الرَّدِّ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ} أي يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} أي لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند دُخُول العذاب قاله البغوي. واعلم أن الله تعالى عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله، وهم المذكورون في قوله {أية : مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [غافر:4] وبين أنهم في القيامة يعترفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط مِنْهُمْ. قوله "إذْ تُدْعَوْنَ" منصوب بمقدر يدل عليه (هذا الظاهر، تقديره مقتكم إذ تدعون، وقدّره بعضهم: اذكروا إذ تدعون). وجوز الزمخشري أن يكون منصوباً بالمقت الأول. ورد عليه أبو حيان بأنه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبي وهو الخبر، وقال: هذا من ظواهر علم النحو التي لا تكاد تَخْفَى على المُبْتَدِىءِ، فضلاً عن من يَدَّعِي من العجم أنه شيخ العرب والعجم، قال شهاب الدين: وَمِثْلُ هذا لا يخفى على أبي القاسم، وإنما أراد أنه دال على ناصبه، (و) على تقدير ذلك فهو مذهب كوفي قال به. أو لأن الظَّرْفَ يُتَّسَعُ فيه ما لا يُتَّسَعُ في غيره، وأيُّ غموض في هذا حتى يُنْحي عليه هذا الإنحاء؟ ولله درّ القائل: شعر : 4321ـ حَسَدُوا الفَتَى إذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ فالقَوْمُ أعْدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ كَضَرَائِرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا كَذِباً وَزُوراً إنَّهُ لَذَمِيمُ تفسير : وهذا الرد سبقه إليه أبو البقاء فقال: ولا يجوز أن يعمل فيه مقت الله؛ لأنه مصدر أخبر عنه وهو قوله "أَكْبَرُ" فمن ثم أخذه أبو حيان، ولا يجوز أن ينتصب بالمقت الثاني لأنهم لم يمقتوا أنفسهم وقت دعائهم إلى الإيمان إنما مَقتُوهَا يَوْمَ القيامة. والظاهر أن "مقت الله" واقع في الدنيا كما تقدم في تفسير الآية. وجوز الحسن أن يكون في الآخرة وضعفه أبو حيان بأنه يبقى "إذْ تُدْعَوْنَ" مفلّتاً من الكلام لكونه ليس له عامل مقدم فلا يفسر قائلاً فإذا كان المقت في الدنيا أمكن أن يضمر له عامل تقديره (مقتكم). قال شهاب الدين: وهذا التجري على مثل الحسن يهون عليك تَجَرِّيه على الزمخشري ونحوه. واللام في "لَمَقْتُ" لام ابتداء، أو قسم، ومفعوله محذوف أي لمقت الله إياكم أو أنفسكم فهو مصدر مضاف لفاعله كالثاني. ولا يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع في "أنفسكم" بين المقتين؛ لئلا يلزم الفصل بالخبر بين المقت الأول ومعموله على تقدير إعماله. لكن قد اختلف النحاة في مسألة وهي التنازع في فِعْلَي التعجب فمن منع اعتل بما ذكرته لأنه لا يُفْصَلُ بين فعل التعجب ومعموله، ومن جوز فقال: يلتزم (إعمال) الثاني حتى لا يلزم الفصل فليكن هذا منه، والحق عدم الجواز فإنَّه على خلاف قاعدة التنازع. فصل ذكروا في تفسير مقتهم أنفسهم وجوهاً: الأول: أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا. الثاني: أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دَعَوْهُم إلى الكفر في الدنيا، والرؤساء أيضاً يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضاً بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة:54]، والمراد قتل بعضهم بعضاً. الثالث: قال محمد بن كعب (القُرَظِيّ): إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ}تفسير : إلى قوله: {أية : وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [إبراهيم:22] ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم، وأما الذين ينادُون الكفار بهذا الكلام فهم خزنةُ جَهَنَّمَ. فصل المقت: أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال، فالمراد منه الإنكار والزجر، قال الفراء قوله {يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ} معناه ينادون أن مقت الله، يقال: ناديت إن زيداً قائمٌ، وناديت لَزَيْدٌ قائم. ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطابُ قالوا: {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ...} الآية: "اثنتين" نعت مصدر محذوف تقديره إمَاتَتَيْنِ اثْنَتَيْن. قال عباس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهما موتان وحياتان، وهو كقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}تفسير : [البقرة:28]. وقال السديّ: أميتُوا في الدنيا ثم أُحْيُوا في قبورهم للسؤال ثم أميتُوا في قبورهم، ثم أُحْيُوا في الآخرة. وقوله {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} أي من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك، وَمَّر نظيرُ: {أية : هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ}تفسير : [الشورى:44] والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسداً باطلاً تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليشتغلوا بالأعمال الصالحة. فإن قيل: الفاء في قوله: "فاعْتَرَفْنَا" يقتضي أن تكون الإماتةُ مرتين (والإحياءُ مرتين) سبباً لهذا الاعتراض فما وجه هذه السَّبَبِيَّةِ؟. فالجواب: لأنهم كانوا منكرين البعث فلما شاهدوا هذا الأحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن تلك الإماتة والإحياء. واعلم أنهم لما قالوا فهل إلى خروج من سبيل فالجواب الصريح عنه أن يقال: لا أو نعم وهو تعالى لم يَقُلْ ذلك بل قال كلاماً يدل على أنه لا سبيل لهم إلى الخروج وهو قوله {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ} أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب والخلود من النار وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط إنما وقع بسبب كفرهم بتوحيد الله، أي إذا قيل لا إله إلا الله كفرتم وقلتمْ {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً}تفسير : [ص:5] {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} أي تصدقوا ذلك الشرك. قوله "وَحْدَهُ" فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال، وجاز كونه معرفة لفظاً لكونة في قوة النكرة، كأنه قيل: منفرداً. والثاني ـ وهو قول يُونُسَ ـ: أنه منصوب على الظرف والتقدير: دُعِيَ عَلَى حِيَالِهِ. وهو مصدر محذوف الزوائد، والأصل أوْحَدتُهُ إيحاداً. قوله "فَالحُكْمُ للهِ" حيث حكم عليكم بالعذاب السَّرْمَدِ. وقوله: "العَلِيِّ الكِبِيرِ" يدل على الكبرياء والعظمة الذي لا أعلى منه ولا أكبر.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة فرأوا ما صاروا إليه مقتوا أنفسهم فقيل لهم ‏{‏لمقت الله‏} ‏ إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإِيمان فتكفرون ‏{‏أكبر من مقتكم أنفسكم‏} ‏ اليوم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ مقتوا أنفسهم لما دخل المؤمنون الجنة وأدخلوا النار، فأكلوا أناملهم من المقت قال‏:‏ ينادون في النار ‏ {‏لمقت الله‏}‏ إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإِيمان فتكفرون ‏{‏أكبر من مقتكم أنفسكم‏} ‏ في النار‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ يقول‏:‏ لمقت الله أهل الضلالة حين يعرض عليهم الإِيمان في الدنيا فتركوه وأبوا أن يقبلوا أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن زر الهمداني رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ هذا شيء يقال لهم يوم القيامة حين مقتوا أنفسهم، فيقال لهم ‏ {‏لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة حين مقتوا أنفسهم الآن حين علمتم أنكم من أصحاب النار‏.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ}[10] قال: المقت غاية الإبعاد من الله عزَّ وجلَّ، والكفار إذا دخلوا النار مقتوا أنفسهم، ومقت الله عملهم أشد من دخول النار.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ}. قال سهل: المقت هو غاية الإبعاد من الله فالكفار إذا دخلوا النار مقتوا أنفسهم ومقت الله لهم أشد عليهم من دخول النار.

القشيري

تفسير : أشَدُّ العقوباتِ التي يُوصلها الحقُّ إليهم آثارُ سُخْطِه وغَضَبِه، وأجَلُّ النِّعم التي يغروهم بها آثارُ رضاه عنهم. فإذا عَرَفَ الكافرُ في الآخرة أنَّ ربَّه عليه غضبانُ فلا شيء أصعبُ على قلبه من ذلك؛ لأنه عَلِمَ أنه لا بُكاء ينفعه، ولا عناءَ يزيل عنه ما هو فيه ويدفعه، ولا يُسْمَعُ له تضرُّعٌ، ولا تُرْجَى له حيلة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين كفروا ينادون} المناداة والندآء الدعوة ورفع الصوت وذلك ان الكفار يمقتون فى جهنم انفسهم الامارة بالسوء التى وقعوا فيما وقعوا من العذاب المخلد باتباع هواها اى يغضبون عليها حتى يأكلون اناملهم ويبغضونها اشد البغض وينكرونها اشد الانكار ويظهرون ذلك على رؤوس الاشهاد فعند ذلك تناديهم الملائكة وهم خزنة جهنم من مكان بعيد تنبيها على بعدهم عن الحق وبالفارسية بوقتى كه كفار بدوزخ درايند وبانفسها دشمن آغاز كرده روبان عتاب وملامت بكشايندكه جرادر زمان اختيار ايمان نياوردند ملائكه آواز ميدهند ايشانرا وكويند {لمقت الله} جواب قسم محذوف والمقت البغض الشديد لمن يراه متعاطيا لقبيح والبغض نفار النفس من الشىء ترغب عنه وهو ضد الحب وهو انجذاب النفس الى الشىء الذى ترغب فيه ومقت الله غضبه وسخطه وهو مصدر مضاف الى فاعله وحذف مفعوله لدلالة المقت الثانى عليه والمعنى والله لمقت الله انفسكم الامارة بالسوء {اكبر} بزر كترست {من مقتكم انفسكم} اذكروا {اذ تدعون} فى الدنيا من جهة الانبياء {الى الايمان} فتأبون قبوله {فتكفرون} بالله تعالى وتوحيده اتباعا لانفسكم ومسارعة الى هواها ويجوز ان يتعلق اذ بالمقت الاول ولا يقدح فيه وجود الخبر فى البين لأن فى الظروف اتساعا فالمعنى غضب الله تعالى حين اغضبتموه فى الدنيا حين كفرتم اكبر مقتكم انفسكم اليوم. يقول الفقير دل قوله اذ تدعون الخ على أن سبب المقت هو الكفر كأنه قال اذكروا ذلك فهو سبب المقت فى الدنيا والآخرة والدخول فى النار المحرقة القاهرة كما قال فيما سيأتى ذلكم بأنه اذا دعى الله الخ وحقيقته ان الله تعالى احب المحبين فى الحقيقة كما أن النفس اعدى الاعدآء فمن صرف محبة احب المحبين الى اعدى الاعدآء وجرى على حكمه صرف الله نظره عنه وابغضه (كما قال الشيخ سعدى) شعر : نظر دوست نادر كند سوىتو جودر روى دشمن بود روى تو كرت دوست بايد كزو برخورى نبايدكه فرمان دشمن برى ندانى كه كمتر نهد دوست باى جوبيندكه دشمن بود در سراى تفسير : ومقت الله على الكفر أزلى خفى لم يظهر اثره الا فى وقت وجود الكفر من الكافر وابدى لأنه لا ينقطع بانقطاع الدنيا فالكافر مغضوب فى الدنيا والآخرة وانما كان مقت الله اكبر من مقت العبد لأن مقت العبد مأخوذ من مقت الله اذ لو لم يأخذه الله بجريمته لما وقع فى مقت نفسه ولأن اشد العقوبات آثار سخط الله وغضبه على العباد كما أن اجل النعم آثار رضاه عنهم فاذا عرف الكافر فى الآخرة ان ربه عليه غضبان فلا شىء اصعب على قلبه منه على انه لا بكاء ينفعه ولا غناء يزيل عنه ما هو فيه ويدفعه ولا يسمع منه تضرع ولا يرجى له حيلة نسأل الله عفوه وعطاه وهو حسبنا مما سواه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن الذين كفروا يُنَادَوْنَ} يوم القيامة، من قِبل الخزنة ـ وهم في النار: {لَمقْتُ الله} إياكم اليوم، وإهانته لكم، {أكْبرُ من مقتكم أنفسَكُم} في الدنيا، حيث حرمتموها الإيمان وعرضتموها للهوان، {إِذْ تُدْعَون إلى الإِيمان} من قِبَل الرسل {فتكفرون}، والحاصل: أنهم مقتوا أنفسهم في الدنيا، وأهانوها، حيث لم يؤمنوا، فإذا دخلوا النار حصل لهم من المقت والغضب من الله أشد وأعظم من ذلك، فـ "إذا": ظرف للمقت الثاني، لا الأول، على المشهور. {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} أي: إماتتين وإحياءتين، أو: موتتين وحياتين. قال ابن عباس: كانوا أمواتاً في الأصلاب، ثم أحياهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بُد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، وهذا كقوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ...} تفسير : [البقرة: 28] الآية. قال السدي: أُميتوا في الدنيا، ثم أُحْيوا في قبورهم للسؤال، ثم أُميتوا في قبورهم، ثم أُحيوا في الآخرة. والحاصل: أنهم أجابوا: بأن الأنبياء دعوهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وكانوا يعتقدون ما يعتقده الدهرية: ألاَّ حياة بعد بالموت، فلم يلتفتوا إلى دعوتهم، وداموا على الإنكار، فلمّا رأوا الأمر عياناً، اعترفوا. ووجه مطابقة قوله: {قالوا ربنا...} الخ لما قبله: الإقرار بما كانوا منكرين له من البعث، الذي أوجب لهم المقت والعذاب؛ طمعاً في الإرضاء له بذلك؛ ليتخلصوا من العذاب، ولذلك قالوا: {فاعترفنا بذنوبنا}، لمّا رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّر عليهم، عَلِموا أن الله قادر على الإعادة، كما هو قادر على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما يتبعه من جرائمهم. ومقصدهم بهذا الإقرار: التوسل بذلك إلى ما علَّقوا به أطماعهم الفارغة من الرجوع إلى الدينا، كما صرّحوا به في قولهم: {فهل إلى خُروج} أي: نوع من الخروج، سريع أو بطيء، {من سبيلٍ} أو: لا سبيل إليه قط. وهذا كلامُ مَن غلب عليه اليأس، وإنما يقولون ذلك تحيُّراً، مع نوع استبعاد واستشعار يأس منه، ولذلك أُجيبوا بقوله: {ذلِكُم} أي: ذلكم الذي أنتم فيه من العذاب، وألاَّ سبيل إلى الخروج، {بأنه} أي: بسبب أن الشأن {إِذا دُعِيَ الله} في الدنيا، أي: عُبد {وَحْدَه} منفرداً {كفرتم} بتوحيده، {وإِن يُشْرَكْ به تؤمنوا} بالإشراك وتُسارعوا فيه، أي: كنتم في الدنيا تكفرون بالإيمان، وتُسارعون إلى الشرك. قيل: والتعبير بالاستقبال، إشارة إِلى أنهم لو رُدوا لعادوا، وحيث كان حالكم كذلك، {فالحُكم لله} الذي لا يحكم إلا بالحق، ولا يقضي إلا بما تقتضيه حكمته، {العَلِيّ} شأنه، فلا يُردّ قضاؤه، أو: فالحكم بعذابكم وتخليدكم في النار لله؛ لا لتلك الأصنام التي عبدتموها معه، {الكبير}: العظيم سلطانه، فلا يُحدّ جزاؤه. وقيل: إنَّ الحرورية أَخذوا قولهم: لا حكم إلا لله، من هذه الآية. قال عليّ رضي الله عنه لَمَّا سمع مقالتهم: كلمة حق أُريد بها باطل. هـ. الإشارة: إِنَّ الذين كفروا بطريق الخصوص، وأنكروا وجود التربية، حتى ماتوا محجوبين عن الله، وبُعثوا كذلك، يُنادون يوم القيامة بلسان الحال: لمقتُ الله لكم اليوم ـ حيث سقطتم عن درجات المقربين ـ أكبرُ من مقتكم أنفسكم حيث حرمتموها معرفة العيان ومقام الإحسان، حين كنتم تُدْعون إلى تربية الإيمان، وتحقيق الإيقان، على ألسنة شيوخ التربية، فتكفرون وتقولون: انقطعت التربية منذ زمان، ثم يطلبون الخروج من عالم الآخرة إلى عالم الدنيا، ليحصلوا المعرفة التي فاتتهم، فيقال لهم: هيهات، قد فات الإبّان، "الصيفَ ضيعتِ اللبن". فامكثوا في حجابكم، ذلك بأنه إذا دُعي الله وحده، وأن لا موجود سواه، كفرتم بإنكاركم سبيله، وهي طريق التجريد والتربية، وإن يُشرك به بالتعمُّق في الأسباب، والمكث فيها، تؤمنوا. والحاصل: أنهم كانوا يُنكرون طريق التجريد، ويؤمنون بطريق الأسباب، فالحُكم لله العلي الكبير، فيرفع مَن يشاء، ويضع مَن يشاء بعلوه وكبير شأنه. ثم برهن على عدو شأنه بقوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه سئل: هذا حال المؤمنين فما حال هؤلاء الكافرين الّذين يجادلون بالباطل ويهمّون برسولهم؟ او ما حال هؤلاء الّذين كفروا بولاية علىٍّ (ع)؟ وهذا هو المراد ولتأكيد عقوبتهم والتّغليظ عليهم أتى بانّ ههنا {يُنَادَوْنَ} يعنى يناديهم الملائكة تهكّماً بهم {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} الامّارة او ذواتكم، او المراد بأنفسهم ائمّتهم الحقّة فانّهم انفسهم حقيقةً لا نفسيّة لهم الاّ بائمّتهم (ع) ويؤيّده قوله تعالى {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ} بالله او بالرّسول (ص) او بولاية علىٍّ (ع) وهو المراد {فَتَكْفُرُونَ} فانّه بظاهره متعلّق بالمقت الثّانى ومقتهم فى الدّنيا ليس الاّ مقت من كانوا يدعون اليه يعنى مقت الله فى الدّنيا لكم اكبر من مقتكم فى الدّنيا امامكم، او مقت الله فى القيامة لكم اكبر من مقتكم فى الدّنيا امامكم، ويجوز ان يكون المراد انّ مقت الله فى القيامة اكبر من مقتكم انفسكم الامّارة او ذواتكم فى القيامة، ويكون اذ تدعون متعلّقاً بمحذوفٍ او تعليلاً لمقت الله، وعن القمّىّ الّذين كفروا بنو اميّة والى الايمان يعنى الى ولاية علىٍّ (ع).

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنادَوْنَ} بفتح الدال عندنا بالبناء للمفعول أي تناديهم الملائكة يوم القيامة وفسر النداء بقوله: {لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} فالجملة مفسرة أو هو مبني للفاعل فتضم الدال أي (يُنادُون) الله والملائكة وأنفسهم فجملة {لمقت الله أكبر} مفعول أو نائب لمحذوف معطوف أو محذوف حال أي فيقال لهم أو فيقال (الله والملائكة) أو ينادون الله قائلاً والملائكة قائلين وعلى أنهم ينادون أنفسهم ينادون تكون الجملة تفسيراً أو مفعولاً للنداء انهم ينادون بناء على ان ما تضمن معنى القول ينصب الجمل وهو قول الكوفيين والمقت البغض وقيل أشده ومفعوله محذوف دل عليه أنفسكم أي لمقت الله اياكم في الدنيا اذ تدعون الى الايمان فتأبون أكبر من مقتكم أنفسكم الآن اذا وقعتم في النار باتباع هواهن وهن أمارات بالسوء وعن الحسن لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: اذا دخلوا النار مقتوا أنفسهم وتناديهم ملائكة العذاب على جهة التوبيخ (لمقت الله اياكم في الدنيا اذ تدعون الى الايمان وتختارون عليه الكفر أكبر من مقتكم أنفسكم الآن) وقيل: معنى (مقت الله اياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض الآن) كما قال (يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً) واللام لام ابتداء للتأكيد واختار بعض انها في جواب قسم محذوف زيادة في التأكيد. {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} اذ ظرف متعلق بالمقت الأول، قاله الزمخشري وفيه الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو الخبر لانه لو كان معمولاً للمبتدأ متمما له لكان من جهة كونه مبتدأ لا من جهة كونه مصدرا وبأجنبى آخر وهو من مقتكم أنفسكم وفيه الاخبار عن المصدر قبل تمام معموله ويجاب بانه نوسع في ذلك لان المعمول ظرف فجاز الفصل بينه وبين المصدر نص عليه ابن الحاجب فقول بعضهم وأقره شيخ الاسلام ان ذلك فيما اذا كان عامله قوياً وهو هنا ضعيف لكونه مصدراً مردوداً وقيل يتعلق (بمقت محذور فأدل عليه (لمقت) الاول وصوبه ابن هشام ولا يتعلق بمقتكم لانهم لم يمقتوا أنفسهم اذ دعوا بل حين رأوا العذاب اللهم الا أن يعلق به على جهة التهكم والتنديم كأنه قيل أكبر من المقت الذي مقتم أنفسكم في الدنيا اذ تدعون ولم يمقتوا أنفسهم فيها ولكن تهكم عليهم به قال تركتم مقت أنفسكم فى الدنيا على حد (الصيف ضيعت اللبن) ثم ظهر أنه يجوز تعليقه بمقتكم على معنى اذا صح كونكم تدعون أي مقتوا أنفسهم فى الآخرة وهى التي صح فيها عندهم انهم يدعون فى الدنيا الى ما ينجيهم وببعض تعليقه به على أن المراد بأنفسكم أمثالكم من المؤمنين فيكون (إذ) للدنيا أو للتعليل لمحذوف أي يفعل بكم ذلك الذى هو نداء الملائكة أو (الله) لهم بالمقت أو جعلهم منادين ومقت الله ومقتهم أنفسهم لانكم تدعون فتأبون

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذين كفرُوا يُنادَونْ} يناديهم الملائكة خزنة النار بعد دخولهم، أو يناديهم المؤمنون بعد الدخول، وذلك اعظام لحسرتهم، والمؤمنون والملائكة علموا أنهم مقتوا أنفسهم، فيقول الملائكة أو المؤمنون: يا أصحاب النار، أويا أعداء الله {لَمقْتُ الله} اللام للابتداء، وهى للتأكيد، ولا دليل على أن هنا قسما محذوفا واللام فى جوابه، والأصل عدم الحذف، أى لبغض الله لكم، والمفعول محذوف أى لبغضكم الله برفع لفظ الجلالة على الفاعلية للمصدر، والكاف مفعول به مضاف اليه، وأجاز بعضهم أن يقدر لبغض الله اياكم، والمراد بالأنفس فى الآية الأجساد الشاملة للنفس الأمارة بالسوء، وقيل: المراد النفوس الأمارات بالسوء، وبغض الله عدم الرضا عنهم، واعداد كالعذاب لهم، والمقت أشد البغض، وفسر هنا بأشد الاذكار. {أكْبَر مِنْ مَقتِكم أنْفسَكُم} مقت كل واحد نفسه، أو مقت بعضكم بعضا تمقت الاتباع الرؤساء لأنهم أضلوهم والرؤساء الأتباع، لأنهم حملوا مثل أوزارهم لاضلالهم، والأول أولى، اشتد بغضهم لأنفسهم، اذ دخلوا النار باتباعها، حتى أنهم يعضون أناملهم حتى تسقط، فترجع ويعضونها كذلك، وهكذا، أو ذكر أنهم يأكلونها كذلك، وجه قال الحسن، ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض،ويلعن بعضكم بعضا، ويحتمل أنه اراد العض الشديد، ولا يخفى أنهم يمقتون أنفسهم من حين ماتوا الى الأبد، وعبارة بعض حين يعلمون أنهم من أصحاب النار، فيحتمل حين يعطون كتبهم بشمائلهم، ويحتمل حين الموت ففى حينه يعلمون، وقيل حين يقول لهم الشيطان: فلا تلومونى ولوموا أنفسكم، ويجمع ذلك أن مقتا فى وقت أشد منه فى آخر، والجملة مفعول لحاله محذوفة، أى ينادون مقولا لهم لمقت الله الخ، واجاز بعض أن يقدر ينادون فيقال لهم: لمقت الله الخ، وأجيز أن يكون مفعولا به لينادون، لتضمن معنى القول، ويبحث بأن القول لا يتعدى لمفعولين، الا ان كان بمعنى الظن وقد أخذ مفعله وهو الواو النائب عن الفاعل. {إذْ تُدْعَون إلى الإيمانِ} يدعوكم الأنبياء وغيرهم من أتباعهم، وإذ متعلق بأكبر،وزمان المقتين واحد، الا أن مقت الله أزلى مستمر، والمضارع للتجدد، ويجوز تعليقه بمقت الثانى، مع أنهم لم يمقتوا أنفسهم حال الدعوة، لأنها سبب كفرهم الموجب للمقت، أو يقدر اذ تبين انكم دعيتم الى الايمان فكرتم، وزمان المقتين واحد كذلك، واذا جعلت للتعليل فليس التعليل بالدعاء الى الإيمان، بل بما ترتب عليه من الكفر به، وقال الحسن: زمان المقتين مختلف، أى لمقت الله أنفسكم فى الدنيا، إذ تدعون الى الايمان فتكفرون أشد من مقتكم اياها اليوم، وأنتم فى النار، أو وأنتم متحققون أنكم من أصحابها لم يجيزوا الفصل بين المصدر وخبره، لأن الاخبار عنه يؤذن بتمام المعنى، وقيل: لا بأس بالفصل بين المصدر وما فى صلته بأجنبى، وهو الخبر للتوسع فى الظروف {فتَكْفُرون} تحدثون كفرا كلما حدثكم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو تصرون على الكفر.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } شروع في بيان أحوال الكفار بعد دخول النار. {يُنَادَوْنَ } وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم الأمارة بالسوء التي وقعوا فيما وقعوا باتباع هواها حتى أكلوا أناملهم من المقت كما أخرج ذلك عبد بن حميد عن الحسن. وفي بعض الآثار أنهم يمقتون أنفسهم حين يقول لهم الشيطان:{أية : فلا َتلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [إبراهيم: 22] وقيل: يمقتونها حين يعلمون أنهم من أصحاب النار، والمنادي الخزنة أو المؤمنون يقولون لهم إعظاماً لحسرتهم: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ } وهذا معمول للنداء لتضمنه معنى القول كأنه قيل ينادون مقولاً لهم لمقت الخ أو معمول لقول مقدر بفاء التفسير أي ينادون فيقال لهم: لمقت الخ، وجعله معمولاً للنداء على حذف الجار وإيصال الفعل بالجملة ليس بشيء، و {مَقْتُ} مصدر مضاف إلى الاسم الجليل إضافة المصدر لفاعله، وكذا إضافة المقت الثاني إلى ضمير الخطاب. وفي الكلام تنازع أو حذف معمول الأول من غير تنازل أي لمقت الله إياكم أو أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، واللام للابتداء أو للقسم. والمقت أشد البغض؛ والخلف يؤولونه مسنداً إليه تعالى بأشد الإنكار. {إِذْ تَدْعُونَ } أي إذ يدعوكم الأنبياء ونوابهم {إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ } فتأبون قبوله {فَتَكْفُرُونَ } وهذا تعليل للحكم أو للمحكوم به ـ فإذ ـ متعلقة ـ بأكبر ـ وكان التعبير بالمضارع للإشارة إلى الاستمرار التجددي كأنه قيل: لمقت الله تعالى أنفسكم أكبر من مقتكم إياها لأنكم دعيتم مرة بعد مرة إلى الإيمان فتكرر منكم الكفر، وزمان المقتين واحد على ما هو المتبادر وهو زمان مقتهم أنفسهم الذي حكيناه آنفاً. ويجوز أن يكون تعليلاً لمقتهم أنفسهم و(إذ) متعلقة ـ بمقت ـ الثاني فهم مقتوا أنفسهم لأنهم دعوا مراراً إلى الإيمان فكفروا، والتعبير بالمضارع كما في الوجه السابق، وزمان المقتين كذلك، والعلة في الحقيقة إصرارهم على الكفر مع تكرر دعائهم إلى الإيمان، وجوز أن يكون تعليلاً لمقت الله و {إِذْ } متعلقة به، ويعلم مما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما عليه وما له، وظاهر صنيع جماعة من الأجلة اختيار كون {إِذْ } ظرفية لا تعليلية فقيل: هي ظرف ـ لمقت ـ الأول، والمعنى لمقت الله تعالى أنفسكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أشد من مقتكم إياها اليوم وأنتم في النار أو وأنتم متحققون أنكم من أصحابها فزمان المقتين مختلف، وكون زمان الأول الدنيا وزمان الثاني الآخرة مروي عن الحسن، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد، واعترض عليه غير واحد بلزوم الفصل بين المصدر وما في صلته بأجنبـي هو الخبر، وفي «أمالي ابن الحاجب» لا بأس بذلك لأن الظروف متسع فيها وقيل: هي لمصدر آخر يدل عليه الأول أو لفعل يدل عليه ذلك كما في «البحر». وفي «الكشف» فيه أن المقدر لا بد له من جزاآت أن استقل ويتسع الخرق وإن جعل بدلاً فحذفه وإعمال / المصدر المحذوف لا يتقاعد عن الفصل بالخبر وليس أجنبياً من كل وجه؛ وتقدير الفعل أي مقتكم الله إذ تدعون أبعد وأبعد. وقيل: هي ظرف لمقت الثاني. واعترض بأنهم لم يمقتوا أنفسهم وقت الدعوة بل في القيامة. وأجيب بأن الكلام على هذا الوجه من قبيل قول الأمير كرم الله تعالى وجهه: إنما أكلت يوم أكل الثور الأحمر وقول عمرو بن عدس التميمي لمطلقته دختنوس بنت لقيط وقد سألته لبناً وكانت مقفرة من الزاد: الصيف ضيعت اللبن وذلك بأن يكون مجازاً بتنزيل وقوع السبب وهو كفرهم وقت الدعوة منزلة وقوع المسبب وهو مقتهم لأنفسهم حين معاينتهم ما حل بهم بسببه، وقيل: إن المراد عليه إذ تبين أنكم دعيتم إلى الإيمان المنجي والحق الحقيق بالقبول فأبيتم أو إن المراد بأنفسهم جنسهم من المؤمنين فإنهم كانوا يمقتون المؤمنين في الدنيا إذ يدعون إلى الإيمان وهو أبعد التأويلات. وقال مكي: {إِذْ } معمولة لاذكروا مضمراً والمراد التحير والتنديم واستحسنه بعضهم وأراه خلاف المتبادر. وادعى صاحب «الكشف» أن فيه تنافراً بيناً وعلله بما لم يظهر لي وجهه فتأمل. وتفسير {مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ } بمقت كل واحد نفسه هو الظاهر، وجوز أن يراد به مقت بعضهم بعضاً فقيل: إن الأتباع يمقتون الرؤساء لما ورطوهم فيه من الكفر والرؤساء يمقتون الأتباع لما أنهم اتبعوهم فحملوا أوزاراً مثل أوزارهم فلا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : مقابلةُ سؤال الملائكةِ للمؤمنين بالنعيم الخالص يوم القيامة بما يخاطَب به المشركون يومئذٍ من التوبيخ والتنديم وما يراجِعون به من طلب العفو مؤذنة بتقدير معنى الوعد باستجابةِ دعاء الملائكة للمؤمنين، فطيُّ ذكرِ ذلك ضرب من الإِيجاز. والانتقال منه إلى بيان ما سيحل بالمشركين يومئذٍ ضرب من الأسلوب الحكيم لأن قوله: {إنَّ الذين كفروا ينادون} الآيات مستأنف استئنافاً بيانياً كأنَّ سائلاً سأل عن تقبل دعاء الملائكة للمؤمنين فأجيب بأن الأهم أن يسأل عن ضد ذلك، وفي هذا الأسلوب إيماء ورمز إلى أن المهم من هذه الآيات كلها هو موعظة أهل الشرك رجوعاً إلى قوله: {أية : وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار}تفسير : [غافر: 6] والمراد بــ {الذين كفروا} هنا مشركو أهل مكة، فإنهم المقصود بهذه الأخبار كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : ويستغفرون للذين آمنوا}تفسير : [غافر: 7]. والمعنى: أنهم يناديهم الملائكة تبليغاً عن رب العزة، قال تعالى: {أية : أولئك ينادون من مكان بعيد}تفسير : [فصلت: 44] وهو بعد عن مرتبة الجلال، أي ينادون وهم في جهنم كما دل عليه قوله: {أية : فهل إلى خروج من سبيل} تفسير : [غافر: 11]. واللام في {لَمَقْتُ الله} لام القسم. والمقت: شدة البغض. و {إذْ تُدْعَون} ظرف لــــ {مَقتكم أنفسكم}. و {إذ} ظرف للزمن الماضي، أي حينَ كنتم تدعون إلى الإيمان على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك في الدنيا بقرينة {تُدعون} وجيء بالمضارع في {تُدعَون} و {تَكفرون} للدلالة على تكرر دعوتهم إلى الإِيمان وتكرر كفرهم، أي تجدده. ومعنى: مقتهم أنفسهم حينئذٍ أنهم فعلوا لأنفسهم ما يُشبه المقت إذ حرموها من فضيلة الإِيمان ومحاسن شرائعه ورضُوا لأنفسهم دين الكفر بعد أن أوقظوا على ما فيه من ضلال ومَغِبَّة سوءٍ، فكان فعلهم ذلك شبيهاً بفعل المرء لبغيضه من الضر والكيد، وهذا كما يقال: فلان عدو نفسه. وفي حديث سعد بن أبي وقاص عن عمر بن الخطاب أن عمر قال لنساء من قريش يسألْنَ النبي صلى الله عليه وسلم ويستكثرن، فلما دخل عمر ابتدَرْن الحجاب فقال لهن: «يا عدُوَّاتتِ أنفسهن أتهبنَني ولا تهِبْنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمقت مستعار لِقلة التدبر فيما يضر. وقد أشار إلى وجه هذه الاستعارة قوله: {إذْ تُدْعون إلى الإيمان فتكفرون} فمناط الكلام هو {فتكفرون} وفي ذكر {ينادون} ما يدل على كلام محذوف تقديره: أن الذين كفروا يمقتهم الله وينادَون لمقتُ الله الخ. ومعنى مقت الله: بغضه إياهم وهو مجاز مرسل أطلق على المعاملة بآثار البغض من التحقير والعقاب فهو أقرب إلى حقيقة البغض لأن المراد به أثره وهو المعاملة بالنكال، وهو شائع شيوع نظائره مما يضاف إلى الله مما تستحيل حقيقته عليه، وهذا الخبر مستعمل في التوبيخ والتنديم. و {أكبر} بمعنى أشد وأخطر أثَراً، فإطلاق الكِبَر عليه مجاز لأن الكبر من أوصاف الأجسام لكنه شاع إطلاقه على القوة في المعاني. ولما كان مقتهم أنفسهم حَرَمهم من الإِيمان الذي هو سبب النجاة والصلاح وكان غضب الله عليهم أوقعهم في العذاب كان مقت الله إياهم أشدّ وأنكى من مقتهم أنفسهم لأن شدة الإِيلام أقوى من الحرمان من الخير. والمقت الأول قريب من قوله: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم}تفسير : [البقرة: 16]، والمقت الثاني قريب من قوله تعالى: {أية : ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلاّ مقتاً}تفسير : [فاطر: 39] وهو مقت العذاب. هذا هو الوجه في تفسير الآية الملاقي لتناسق نظمها، وللمفسرين فيها وجوه أخر تدنو وتبعد مما ذكرنا فاستعرِضْها واحكم فيها. و {أنفسكم} يتنازعه {مقتُ الله}، و {مقتِكم} فهو مفعول المصدرين المضافين إلى فاعلَيهما. وبني فعل {تدعون} إلى النائب للعلم بالفاعل لظهور أن الداعي هو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الرسل عليهم السلام. وتفريع {فتكفرون} بالفاء على {تدعون} يفيد أنهم أعقبوا الدعوة بالكفر، أي بتجديد كفرهم السابق وبإعلانه أي دون أن يتمهلوا مهلة النظر والتدبر فيما دُعوا إليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ينادون لمقت الله: أي تناديهم الملائكة لتقول لهم لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنتم لأنفسكم، والمقت أشد البغض. إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون: أي مقت الله تعالى لكم عندما كنتم في الدنيا تدعوْن إلى الإِيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم لما رأيتم العذاب. أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين: أي أمتنا مرتين الأولى عندما كنا عدماً فخلقتنا، والثانية عندما أمتنا في الدنيا بقبض أرواحنا، وأحييتنا مرتين الأولى لما أخرجتنا من بطون أمهاتنا أحياء فهذه مرة والثانية بعد أن بعثتنا من قبورنا أحياء. فاعترفنا بذنوبنا: أي بذنوبنا التي هي التكذيب بآياتك ولقائك والشرك بك. فهل إلى خروج من سبيل: أي فهل من طريق إلى العودة إلى الحياة الدنيا مرة ثانية لنؤمن بك ونوحدك ونطيعك ولا نعصيك. ذلكم: أي العذاب الذي أنتم فيه. بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم: أي بسبب أنه إذا دعي الله وحده كفرتم بالتوحيد. يريكم آياته: أي دلائل توحيده وقدرته على بعثكم ومجازاتكم. وما يتذكر إلا من ينيب: أي وما يتعظ إلا من ينيب إلى الله ويرجع إليه بتوحيده. يلقي الروح من أمره: أي يلقي بالوحي من أمره على من يشاء من عباده. لينذر يوم التلاق: أي لينذر من يوحي إليه من البشر وهو الرسول يوم تلاقي أهل السماء وأهل الأرض وذلك يوم القيامة. يوم هم بارزون: أي لا يسترهم شيء لا جبل ولا شجر ولا حجر. لمن الملك اليوم: أي لمن السلطان اليوم. معنى الآيات: بعد أن بين تعالى حال المؤمنين وأنهم هم وأزواجهم وذرياتهم في دار النعيم يبين في هذه الآيات الثلاث حال الكافرين في النار جريا على أسلوب القرآن في الترغيب والترهيب فقال تعالى مخبراً عن أهل النار: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بربهم ولقائه وتوحيده ينادون أي تناديهم الملائكة فتقول لهم - بعد أن يأخذوا في مقت أنفسهم ولعن بعضهم بعضا - {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} وذلك لأنكم كنتم تدعون إلى الإِيمان بالله وتوحيده وطاعته فتكفرون وتجحدون متكبرين. وهنا في الآية الثانية [11] يقولون وهم في جهنم {رَبَّنَآ} أي يا ربنا {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} يعنون بالموتتين الأولى وهم نطف ميتة والثانية بقبض أرواحهم عند نهاية آجالهم، ويعنون بالحياتين الأولى التي كانت لهم في الدنيا قبل موتهم والثانية التي بعد البعث، وقولهم: {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} أي التي قارفناها في الحياة الدنيا وهي الكفر والشرك والمعاصي. وقولهم بعد هذا الاعتذار {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} أي فهل من طريق إلى الخروج من النار والعودة إلى الحياة الدنيا لنْصلح ما أفسدنا، ونطيع من عصينا؟ والجواب قطعاً لا سبيل إلى ذلك أبداً، وبقاؤكم في العذاب ليس ظلماً لكم وإنما هو جزاء وفاق لكم ثم ذكر تعالى علة عذابهم بقوله {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ} بالله وتوحيده {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} أي وإن يشرك بالله تؤمنوا كقولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملك وما ملك وقوله فالحكم لله العلي الكبير، وقد حكم بعذابكم فلا سبيل إلى نجاتكم. فامقتوا أنفسكم ونوحوا على أرواحكم فما ذلكم بمجديكم ولا بمخفف العذاب عنكم. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} هذا خطاب للناس في هذه الحياة الدنيا خطاب لمشركي قريش بعد أن عرض عليهم صورة صادقة حية لحالهم في جهنم يوم القيامة عاد يخاطبهم داعياً لهم إلى الإِيمان فقال هو أي المعبود بحق الله الذي يريكم آياته أي حججه ودلائل وحدانيته وقدرته على بعثكم ومجازاتكم {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} من المطر وغيره. ومع ذاك البيان وهذا الإِفصال، {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي فلا يتعظ إلا من شأنه الإِنابة إلى ربه تعالى في كل شأنه. وقوله تعالى: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} هذا خطاب للموحدين يأمرهم تعالى بالاستمرار على توحيد الله في عباداته والاخلاص لله تعالى في كل أعمالهم، ولو كره الكافرون ذلك منهم فإنه غير ضائرهم. وقوله تعالى: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ} أي هو الله ذو الدرجات الرفيعة والعرش العظيم {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي يلقي بالوحي من أمره الذي يريد إنفاذه إلى خلقه على من يشاء من عباده ممن يصطفيهم وينبئهم من اجل أن ينذروا عباده يوم التلاقي وهو يوم القيامة إذ يلتقي أهل الأرض بأهل السماء والمخلوقون بخالقهم وهو قوله {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} من قبورهم لا شيء يسترهم، {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} وفي هذا الموقف العظيم يقول الجبار سبحانه وتعالى: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}؟ فلا يجيبه أحد رهبة منه وخوفاً فيُجيب نفسه بنفسه قائلا: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} من خير وشر لتمام العدالة الإِلهية، ويؤكد ذلك قوله: {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} ويأخذ في محاسبتهم فلا ينتصف النهار إلا وأهل الجنة في الجنة قائلون في أحسن مقيل اللهم اجعلني منهم ومن قال آمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- عدم جدوى الاعتذار يوم القيامة هذا فيما لو أذن للعبد أن يعتذر فلا ينفعه اعتذار. 2- تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد. 3- بيان أفضال الله على العباد إذ يريهم آياته لهدايتهم ويرزقهم وهم يكفرون به. 4- وجوب إخلاص الدعاء وسائر العبادات لله وحده ولو كره ذلك المشركون. 5- تقرير النبوة، وبيان الحكمة فيها وهي إنذار الناس من عذاب يوم القيامة حيث الناس بارزون لله لا يخفى على الله منهم شيء فيحاسبهم بعلمه وعدله فلا ينقضي نهار إلا وقد استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار اللهم أعذنا من نار جهنم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِيمَانِ} (10) - وَحِينَمَا يُلْقَى الكَافِرُونَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، لِيَذوقُوا العَذَاب الأَلِيمَ، يَمْقُتُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيَكْرَهُونَهَا أَشَدَّ الكُرْهِ، بِسَبَبِ مَا أَسْلَفُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ عَمَلٍ سَيِّئٍ أَوْصَلَهُمْ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، فَتُنَادِيهم المَلاَئِكَةُ وَيَقُولُونَ لَهُمْ: إِنَّ مَقْتَ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حِينَ كَانَ الإِيْمَانُ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ فَيَكْفرُونَ، كَانَ أَشَدَّ مِنْ مَقْتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتَلَظَّوْنَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. المَقْتُ - الكُرْهُ الشَّدِيدُ والغَضَبُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لو تتبعنا هذه المسألة من أولها نجد أن الحق سبحانه دعا الخلق بواسطة رسله ومنهجه إليهم، فمنهم مَن استجاب فآمن، ومنهم مَنْ كفر {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} [غافر: 10] وهؤلاء الذين لم يستجيبوا لداعي الحق أرادوا ألاَّ يرتبطوا بمنهج الله في افعل ولا تفعل وألاَّ يُضيِّقوا على أنفسهم بالالتزام بالمنهج، وأنْ يسيروا في الدنيا على هواهم، هذا الذي دعاه إلى أنْ يكفر. فحين يعاين العذاب في الآخرة يندم ساعةَ لا ينفع الندم، ويكره نفسه أشد الكره، لأنها لم تتبع منهج الإيمان. هذا معنى قوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} [غافر: 10] والمقت أشد البغض. أراد الحق سبحانه أن يقول لهم: إنْ كنتم كرهتم أنفسكم أشد الكره لأنها لم تؤمن بمحمد وبمنهج الحق الذي جاء به، فاعلموا أن مقْتَ الله لكم لكفركم به أشدّ وأعظم من مقتكم لأنفسكم، إنكم مقتّم أنفسكم لأنها حرمتكم الخير وجلبتْ لكم الشر حين كفرتْ بالله. والحق سبحانه يمقتكم لأنكم أبعدتم أنفسكم عن مجال الخير منه وخرجتم من حضنه ودائرة رحمته، لأنه سبحانه يغضب أشدّ الغضب حين يخرج عنده عن ساحته ويحرم نفسه من خيره، وهذا يعني أنَّ ربك يحبك ويحب لك الخير ويريدك في جنبه وفي معيته ويَغار عليك حين تشرد أو تشذ عن منهجه، فأنت عبده وصنعته. فكَأن مقته سبحانه للكافر رحمةٌ به وغيرة عليه. لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : لو خلقتموهم لرحمتموهم ". تفسير : إذن: الحق سبحانه أثبت أولاً بُغْضهم لأنفسهم، ثم بيَّن لهم بَغْضه سبحانه للكافر أشدّ من هذا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} معناه مَقتُ الله إيّاكُم في الدُّنيا كَان أكبرَ من مَقتِكُم أَنفسكُم إذا عاينتُم العَذابَ.

الجيلاني

تفسير : ثم أشار سبحانه إلى تفضيح من كفر بالله، وكذَّب بما نزل من عنده من الأوامر والنواهي الجارية بمقتضى وحيه على ألسنة رسله وكتبه في النشأة الأولى، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله وأنكروا بوحدة ذاته وسريان وجوده الواحداني الذاتي على جميع مظاهر الكائنات حسب شئون الأسماء والصفات، بأن أشركوا فيه سبحانه، وأثبتوا وجوداً لغيره، وادعوا ترتب الآثار عليه {يُنَادَوْنَ} في الطامة الكبرى، والنشأة الأخرى حين ظهر الحق، واستقر على مقر العز والتمكين، وانقهر الباطل الزاهق الزائل، واضمحل التلون والتخمين {لَمَقْتُ ٱللَّهِ} أي: طرده وتحريمه لكم اليوم {أَكْبَرُ} وأفظع {مِن مَّقْتِكُمْ} وتحريمكم {أَنفُسَكُـمْ} من موائد لطفه وإحسانه سبحانه. وذلك {إِذْ تُدْعَوْنَ} أي: وقت دعوة الأنبياء والرسل إياكم بإذن الله ووحيه {إِلَى ٱلإِيمَانِ} به سبحانه وبتوحيده {فَتَكْفُرُونَ} [غافر: 10] حينئذ، وتسترون شروق شمس ذاته بغيوم هوياتكم الباطلة جهلاً وعناداً، بل تشركون له غيره في الألوهية والوجود، وتعبدون له كعبادته سبحانه. وبعدما سمعوا ما سمعوا من النداء الهائل المهول {قَالُواْ} بلسان استعداداته متحسرين متضرعين: {رَبَّنَآ} يا من ربانا على فطرة معرفتك وتوحيدك، فكرناك وأشركنا بك غيرك، قد ظهر لنا اليوم حقية ما ورد علينا من قبل بعدما {أَمَتَّنَا} وافنيتنا في هوتك مرتين {ٱثْنَتَيْنِ} مرة في النشأة الأولى بانقضاء الأجل المقدرمن عندك، ومرة في النشأة الأخرى بعد النفحة {وَ} كذا {أَحْيَيْتَنَا} وأبقيتنا ببقائك مرتين {ٱثْنَتَيْنِ} مرة عند حشرنا من أجداث طبائعنا، ومرة بعد النفخة الثانية للعرض والجزاء. وبعدما لاح علينا من دلائل توحيدك وكمال قدرتك ما لاح {فَٱعْتَرَفْنَا} الآن {بِذُنُوبِنَا} التي صدرت عنَّا من غاية غفلتنا وجهلنا بك وبقدرتك، ووحدة ذاتك واستقلالك في آثارك الصادرة عنك {فَهَلْ} لنا اليوم مجال {إِلَىٰ خُرُوجٍ} من عذابك الذي أعددت لنا بمقتضى عدلك حسب جرائمنا وآثمانا {مِّن سَبِيلٍ} [غافر: 11] إلى الخلاص والنجاة منه. ثم بعدما تضرعوا من شدة هولهم وفظاعة أمرهم ما تضرعوا، نودوا من وراء سرادقات القهر والجلال: {ذَلِكُم} أي: العذاب الذي أنتم فيه {بِأَنَّهُ} أي: بسبب أنه {إِذَا دُعِيَ} وذكر {ٱللَّهُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {وَحْدَهُ} أي: على صرافة وحدته، واستغنائه عن العالم وما فيه {كَـفَرْتُمْ} وأنكرتم وجوده وكمال أوصافه وأسمائه، وكذبتم رسله المبعوثين إليكم للتبليغ والتبيين {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} ويثبت له شركاء {تُؤْمِنُواْ} وتقروا بالشركاء، وتعتقدوا وجودها، وتصدقوا من تفوه بها {فَٱلْحُكْمُ} المحكم والقضاء الحتم المبرم الآن {للَّهِ} المنزه ذاته عن أن يتردد فيه أو يشرك {ٱلْعَلِـيِّ} الغني شأنه عن إيمان المؤمن وكفر الكافر {ٱلْكَبِيرِ} [غافر: 12] المتعال وحدة ذاته عن أن يحوم حوله إقدام الإقرار والإنكار. وكيف تنكرون له سبحانه، وتشركون فيه مع أنه سبحانه {هُوَ} الله الكامل في الألوهية والربوبية {ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} الدالة على وحدة ذاته {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: سماء الأسماء المربية لكم من لدنه {رِزْقاً} صورياً ومعنوياً تتميماً لتربيتكم وتكميلكم {وَمَا يَتَذَكَّرُ} ويتعظ منكم بآياته {إِلاَّ مَن يُنِيبُ} [غافر: 13] إليه، ويرجع نحوه طالباً الترقي من حضيض التقليد والتخمين إلى ذروة التحقيق واليقين. وإذا سمعتم كمال تربيته وتكميله سبحانه {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد، وتوجهوا نحوه، واعبدوا حق عبادته أيها المكلفون بمعرفته وتوحيده حال كونكم { مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي: الإطاعة والانقياد بلا رؤية الوسائل والأسباب العادية في البين {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} [غافر: 14] المكابرون إطاعتكم إياه، ورجوعكم إليه على وجه الإخلاص والختصاص.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن الفضيحة والخزي الذي يصيب الكافرين، وسؤالهم الرجعة، والخروج من النار، وامتناع ذلك عليهم وتوبيخهم، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أطلقه ليشمل أنواع الكفر كلها، من الكفر بالله، أو بكتبه، أو برسله، أو باليوم الآخر، حين يدخلون النار، ويقرون أنهم مستحقونها، لما فعلوه من الذنوب والأوزار، فيمقتون أنفسهم لذلك أشد المقت، ويغضبون عليها غاية الغضب، فينادون عند ذلك، ويقال لهم: { لَمَقْتُ اللَّهِ } أي: إياكم { إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ } أي: حين دعتكم الرسل وأتباعهم إلى الإيمان، وأقاموا لكم من البينات ما تبين به الحق، فكفرتم وزهدتم في الإيمان الذي خلقكم الله له، وخرجتم من رحمته الواسعة، فمقتكم وأبغضكم، فهذا { أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي: فلم يزل هذا المقت مستمرًا عليكم، والسخط من الكريم حَالا بكم، حتى آلت بكم الحال إلى ما آلت، فاليوم حلَّ عليكم غضب الله وعقابه حين نال المؤمنون رضوان الله وثوابه. فتمنوا الرجوع و { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ } يريدون الموتة الأولى وما بين النفختين على ما قيل أو العدم المحض قبل إيجادهم، ثم أماتهم بعدما أوجدهم، { وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } الحياة الدنيا والحياة الأخرى، { فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ } أي: تحسروا وقالوا ذلك، فلم يفد ولم ينجع، ووبخوا على عدم فعل أسباب النجاة، فقيل لهم: { ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ } أي: إذا دعي لتوحيده، وإخلاص العمل له، ونهي عن الشرك به { كَفَرْتُمْ } به واشمأزت لذلك قلوبكم ونفرتم غاية النفور. { وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا } أي: هذا الذي أنزلكم هذا المنزل وبوأكم هذا المقيل والمحل، أنكم تكفرون بالإيمان، وتؤمنون بالكفر، ترضون بما هو شر وفساد في الدنيا والآخرة، وتكرهون ما هو خير وصلاح في الدنيا والآخرة. تؤثرون سبب الشقاوة والذل والغضب وتزهدون بما هو سبب الفوز والفلاح والظفر {أية : وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا }. تفسير : { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } العلي: الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر ومن علو قدره، كمال عدله تعالى، وأنه يضع الأشياء مواضعها، ولا يساوي بين المتقين والفجار. { الْكَبِير } الذي له الكبرياء والعظمة والمجد، في أسمائه وصفاته وأفعاله المتنزه عن كل آفة وعيب ونقص، فإذا كان الحكم له تعالى، وقد حكم عليكم بالخلود الدائم، فحكمه لا يغير ولا يبدل.

همام الصنعاني

تفسير : 2660- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ}: [الآية: 10]، قال: يقول: لمقت الله إياكم في الدنيا حين دُعِيتُم إلى الإِيمان فلم تؤمنوا أكبر من مقتكم أنفسكم حين رأيتم العذاب.