Verse. 4144 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

قَالُوْا رَبَّنَاۗ اَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَاَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوْبِنَا فَہَلْ اِلٰى خُرُوْجٍ مِّنْ سَبِيْلٍ۝۱۱
Qaloo rabbana amattana ithnatayni waahyaytana ithnatayni faiAAtarafna bithunoobina fahal ila khuroojin min sabeelin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا ربنا أمتَّنا اثنتين» إماتتين «وأحييتنا اثنتين» إحياءتين لأنهم نطفٌ أموات فأحيوا ثم أميتوا ثم أحيوا للبعث «فاعترفنا بذنوبنا» بكفرنا بالبعث «فهل إلى خروج» من النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا «من سبيل» طريق وجوابهم: لا.

11

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ } إماتتين {وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } إحياءتين لأنهم نطف أموات فأحيوا ثم أميتوا ثم أحيوا للبعث {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } بكفرنا بالبعث {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ } من النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا {مِّن سَبِيلٍ } طريق؟ وجوابهم: لا.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ} إحداهما خلقهم أمواتاً في الأصلاب والأخرى موتهم في الدنيا وحياة في الدنيا والثانية بالبعث أو أحياهم يوم الذر لأخذ الميثاق ثم أماتهم ثم أخرجهم أحياء ثم أماتهم بآجالهم ثم أحياهم للبعث فيكون حياتان وموتتان في الدنيا وحياة في الآخرة، أو أحياهم في الدنيا ثم أماتهم فيها ثم أحياهم في القبور ثم أماتهم ثم أحياهم بالبعث {فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} فاعترفوا بحياتين بعد موتتين وكانوا ينكرون البعث بعد الموت {مِّن سَبِيلٍ} هل من طريق نرجع فيها إلى الدنيا فنقر بالبعث، أو هل عمل نخرج به من النار ونتخلص به من العذاب"ح".

النسفي

تفسير : {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } أي إماتتين وإحياءتين أو موتتين وحياتين، وأراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أولاً وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وصح أن يسمى خلقهم أمواتاً إماتة، كما صح أن يقال: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل، وليس ثمة نقل من كبر إلى صغر، ولا من صغر إلى كبر، والسبب فيه أن الصغر والكبر جائزان على المصنوع الواحد، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه. وبالإحياءتين: الإحياءة الأولى في الدنيا، والإحياءة الثانية البعث، ويدل عليه قوله: {أية : وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }تفسير : [البقرة: 28]. وقيل: الموتة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال، والإحياء الأول إحياؤه في القبر بعد موته للسؤال، والثاني للبعث {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } لما رأوا الإماتة والإحياء قد تكررا عليهم علموا أن الله قادر على الإعادة كما هو قادر على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ } من النار. أي إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء لنتخلص {مِّن سَبِيلٍ } قط أم اليأس واقع دون ذلك فلا خروج ولا سبيل إليه، وهذا كلام من غلب عليه اليأس وإنما يقولون ذلك تحيراً، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك وهو قوله {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ } أي ذلكم الذي أنتم فيه وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ } حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد {ٱلْعَلِىِّ } شأنه، فلا يرد قضاؤه {ٱلْكَبِيرِ} العظيم سلطانه، فلا يحد جزاؤه، وقيل: كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا لله من هذا. وقال قتادة: لما خرج أهل حروراء قال علي رضي الله عنه: من هؤلاء؟ قيل: المحكمون. أي يقولون: لا حكم إلا لله، فقال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل. {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ} من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} وبالتخفيف: مكي وبصري {رِزْقاً } مطراً؛ لأنه سبب الرزق {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله، فإن المعاند لا يتذكر ولا يتعظ، ثم قال للمنيبين: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ } فاعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} من الشرك {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ } ثلاثة أخبار لقوله هو مرتبة على قوله: {الذى يريكم}. أو أخبار مبتدأ محذوف، ومعنى رفيع الدرجات رافع السماوات بعضها فوق بعض، أو رافع درجات عباده في الدنيا بالمنزلة، أو رافع منازلهم في الجنة. وذو العرش مالك عرشه الذي فوق السماوات خلقه مطافاً للملائكة إظهاراً لعظمته مع استغنائه في مملكته، والروح جبريل عليه السلام، أو الوحي الذي تحيا به القلوب {مِنْ أَمْرِهِ } من أجل أمره أو بأمره {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ } أي الله أو الملقى عليه وهو النبي عليه السلام ويدل عليه قراءة يعقوب {لّتُنذِرَ } {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } يوم القيامة لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والأولون والآخرون. {التلاقي}: مكي ويعقوب { يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ } ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ } أي من أعمالهم وأحوالهم {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } أي يقول الله تعالى ذلك حين لا أحد يجيبه، ثم يجيب نفسه بقوله {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي الذي قهر الخلق بالموت، وينتصب {ٱلْيَوْمَ } بمدلول {لِمَنْ } أي لمن ثبت الملك في هذا اليوم، وقيل: ينادي منادٍ فيقول: لمن الملك اليوم فيجيبه أهل المحشر: لله الواحد القهار. {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك وهي أن كل نفس تجزى بما كسبت عملت في الدنيا من خير وشر، وأن الظلم مأمون منه لأنه ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطيء لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلآزِفَةِ } أي القيامة سميت بها لأزوفها أي لقربها، ويبدل من يوم الآزفة {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ } أي التراقي يعني ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروّحوا {كَـٰظِمِينَ } ممسكين بحناجرهم. من كظم القربة شد رأسها، وهو حال من القلوب محمول على أصحابها، أو إنما جمع الكاظم جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ } الكافرين {مِنْ حَمِيمٍ } محب مشفق {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } أي يشفع وهو مجاز عن الطاعة، لأن الطاعة حقيقة لا تكون إلا لمن فوقك، والمراد نفي الشفاعة والطاعة كما في قوله: شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : يريد نفي الضب وانجحاره، وإن احتمل اللفظ انتفاء الطاعة دون الشفاعة، فعن الحسن: والله ما يكون لهم شفيع البتة. {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } وما تسره من أمانة وخيانة، وقيل: هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة مسارقة، ثم يتفكر بقلبه في جمالها ولا يعلم بنظرته وفكرته من بحضرته، والله يعلم ذلك كله ويعلم خائنة الأعين خبر من أخبار هو في قوله: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ }. مثل {يُلْقِى ٱلرُّوحَ } ولكن يلقي الروح قد علل بقوله: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } فبعد لذلك عن أخواته {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ } أي والذي هذه صفاته لا يحكم إلا بالعدل {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْءٍ } وآلهتهم لا يقضون بشيء، وهذا تهكم بهم لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي. {تَدْعُونَ } نافع {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } تقرير لقوله {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ }، ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه، وتعريض بما يدعون من دونه وأنها لا تسمع ولا تبصر {أَوَ لَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ } أي آخر أمر الذين كذبوا الرسل من قبلهم {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } «هم» فصل، وحقه أن يقع بين معرفتين إلا أن أشد منهم ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام، فأجري مجراه. {مّنكُمْ }: شامي. {وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ} أي حصوناً وقصوراً {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ } عاقبهم بسبب ذنوبهم {وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } ولم يكن لهم شيء يقيهم من عذاب الله.

الخازن

تفسير : {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في الدنيا ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهذه موتتان وحياتان وقيل أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في القبر للسؤال ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا للبعث في الآخرة وذلك أنهم عدوا أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة الموتة الأولى ثم الحياة في القبر ثم الموتة الثانية فيه ثم الحياة للبعث فأما الحياة الأولى التي هي من الدنيا فلم يعدوها لأنها ليست من أقسام البلاء وقيل ذكر حياتين وهي حياة الدنيا وحياة القيامة وموتتين وهي الموتة الأولى في الدنيا ثم الموتة الثانية في القبر بعد حياة السؤال ولم يعدوا حياة السؤال لقصر مدتها {فاعترفنا بذنوبنا} يعني إنكارهم البعث بعد الموت فلما شاهدوا البعث اعترفوا بذنوبهم ثم سألوا الرجعة بقولهم {فهل إلى خروج} يعني من النار {من سبيل} والمعنى فهلاّ إلى رجوع إلى الدنيا من سبيل لنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط من الخروج وإنما قالوا ذلك تعللاً وتحيراً والمعنى فلا خروج ولا سبيل إليه ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك وهو قوله تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم} معناه فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعى الله وحده كفرتم يعني إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم ذلك {وإن يشرك به} أي غيره {تؤمنوا} أي تصدقوا ذلك الشرك {فالحكم لله العلي} أي الذي لا أعلى منه {الكبير} أي الذي لا أكبر منه.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين‏} ‏ قال‏:‏ هي مثل التي في البقرة ‏{أية : ‏كنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم‏}‏تفسير : ‏[‏البقرة: 28‏]‏ كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم ثم أخرجهم فأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم بعد الموت‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين‏}‏ قال‏:‏ كنتم أمواتاً قبل أن يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة فهما ميتتان وحياتان‏.‏ فهو كقوله ‏{أية : ‏كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 28‏]‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه قال‏:‏ كانوا أمواتاً فأحياهم الله تعالى، فأماتهم، ثم يحييهم الله تعالى يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين‏} ‏ قال‏:‏ كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة‏.‏ فهما حياتان وموتتان ‏{‏فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل‏؟‏‏}‏ فهل إلى كرة إلى الدنيا من سبيل‏.

ابو السعود

تفسير : {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} صفتانِ لمصدرَيْ الفعلينِ المذكورينِ أيْ إماتتينِ وإحياءتينِ أوْ موتتينِ وحياتينِ عَلى أنَّهما مصدرانِ لهما أيضاً بحذفِ الزوائدِ أو لفعلينِ يدلُّ عليهما المذكوران فإنَّ الإماتةَ والإحياءَ ينبئانِ عن الموتِ والحياةِ حَتْماً كأنَّه قيلَ: أمتنَا فمُتنَا موتتينِ اثنتينِ وأحيـيتَنا فحِيـيَنا حياتينِ اثنتينِ على طريقةِ قولِ مَنْ قالَ: [الطويل] شعر : وعضةُ دهرٍ يا ابْنَ مروانَ لمْ تَدَع منَ المالِ إلاَّ مُسْحَتٌ أو مُجلّفُ تفسير : أيْ لَم تدعَ فلمْ يبقَ إلا مسحتٌ الخ قيلَ: أرادُوا بالإماتةِ الأُولى خلْقَهُم أمواتاً وبالثانيةِ إماتتَهُم عندَ انقضاءِ آجالِهم على أنَّ الإماتةَ جعلُ الشيءِ عادمَ الحياةِ أعمُّ منْ أنْ يكونَ بإنشائِه كذلكَ كما في قولِهم سبحانَ منْ صغَّر البعوضَ وكبَّر الفيلَ أو بجعلهِ كذلكَ بعدَ الحياةِ وبالإحياءينِ الإحياءَ الأولَ وإحياءَ البعثِ وقيل: أرادُوا بالإماتةِ الأُولى ما بعدَ حياةِ الدُّنيا وبالثانيةِ ما بعدَ حياةِ القبرِ وبالإحياءينِ ما في القبرِ وما عند البعثِ وهو الأنسبُ بحالِهم، وأما حديثُ لزومِ الزيادةِ على النصِّ ضرورةَ تحققِ حياةِ الدُّنيا فمدفوعٌ لكنْ لا بما قيلَ من عدم اعتدادِهم بها لزوالِها وانقضائِها وانقطاعِ آثارِها وأحكامِها بل بأنَّ مقصودَهُم إحداثُ الاعترافِ بما كانوا يُنكِرونه في الدُّنيا كما ينطِقُ به قولُهم: {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} والتزامُ العملِ بموجب ذلك الاعترافِ ليتوسلُوا بذلكَ إلى ما علقوا بهِ أطماعَهُم الفارغةَ من الرجْعِ إلى الدُّنيا كما قد صرَّحوا بهِ حيثُ قالوا: {أية : فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } تفسير : [سورة السجدة: الآية 12] وَهُو الذي أرادُوه بقولِهم {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ} معَ نوعِ استبعادٍ لهُ واستشعارِ يأسٍ منْهُ لاَ أنَّهم قالوه بطريقِ القنوطِ البحتِ كما قيلِ: ولا ريبَ في أنَّ الذي كانَ يُنكرونَهُ ويُفرِّعون عليهِ فنونَ الكفرِ والمعاصِي ليسَ إلا الإحياءَ بعدَ الموتِ وأمَّا الإحياءُ الأولُ فلم يكونُوا يُنكرونَه لينظِمُوه في سلكِ ما اعترفُوا بهِ وزعمُوا أنَّ الاعترافَ يُجديهُم نفعاً وإنما ذكرُوا الموتَةَ الأُولى معَ كونِهم معترفينَ بَها في الدُّنيا لتوقف حياةِ القبرِ عليهَا وكَذا حالُ الموتةِ في القبرِ فإنَّ مقصدَهُم الأصليَّ هوَ الاعترافُ بالإحياءينِ وإنَّما ذكرُوا الإماتتينِ لترتيبهِما عليهِما ذكراً حسبَ ترتبهِما عليهِما وجُوداً وتنكيرُ سبـيلٍ للإبهامِ أيْ منْ سبـيلٍ مَا كيفَما كانَ وقولُه تعاَلى: {ذٰلِكُمْ} الخ جوابٌ لَهُم باستحالةِ حصولِ مَا يرجُونه ببـيانِ ما يوجبُها مِن أعمالِهم السيئةِ أيْ ذلكم الذي أنتمُ فيهِ منَ العذابِ مُطلقاٍ لا مقيداً بالخلودِ كَما قيلَ:{بِأَنَّهُ} أيْ بسببِ أنَّ الشأنَ {إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ} فِي الدُّنيا أيْ عُبدَ {وَحْدَهُ} أيْ مُنْفَرِداً {كَفَرْتُمْ} أيْ بتوحيدِهِ {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} أيْ بالإشراكِ به وتسارعوا فيه، وفي إيرادِ إذَا وصيغةِ الماضِي في الشرطيةِ الأُولى وإنْ وصيغةِ المضارعِ في الثانيةِ ما لا يَخْفى منَ الدلالةِ على كمالِ سوءِ حالِهم وحيثُ كان حالُكم كذلكَ {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ} الذي لاَ يحكُم إلا بالحقِّ ولاَ يقضِي إلاَّ بَما تقتضيهِ الحكمةُ {ٱلْعَلِيَّ ٱلْكَبِيرُ} الذي ليسَ كمثلِه شيءٌ في ذاتِه ولا في صفاتِه ولا في أفعالِه يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ لا معقّبَ لحكمهِ وقد حكمَ بأنَّه لا مغفرةَ للمشركِ ولا نهايةَ لعقوبتِه كَما لا نهايةَ لشناعتِه فلا سيبلَ لكُم إلى الخروجِ أَبداً.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} [الآية: 11]. قال بعضهم: أمتّ منا اثنتين السمع والبصر فعجزتنا أن نفقة الحق ونتخذ الرشد سبيلاً وأحييت منا النفس والهوى فكنا نسمع الباطل ونتخذ الغى سبيلاً فاعترفنا بذنوبنا إنا مصرفون تحت القدرة وأنت القادر عليها فهل لنا خروج من سبيل.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}. الإماتةُ الأولى إماتَتُهم في الدنيا ثم في القبر يحييهم، ثم يميتهم فهي الإماتةُ الثانية. والإحياء الأول في القبر والثاني عند النشر. {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا}: أقروا بذنوبهم - ولكن في وقتٍ لا ينفعهم الإقرار. {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} مما نحن فيه من العقوبة، وإنما يقولون ذلك حين لا ينفعهم الندمُ والإقرارُ. فيُقال لهم:- {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ}. أي تُصَدِّقوا المشركين لكفرهم. وهؤلاء إماتَتُهم محصورة، فأمَّا أهلُ المحبةِ فلهم في كلِّ وقتٍ حياةٌ وموتٌ، قال قائلُهم: شعر : أموت إذا فَقَدْتُكَ ثم أحيا فكم أحيا عليك وكم أموت! تفسير : فإنَّ الحقَّ - سبحانه - يُرَدِّدُ أبداً الخواصَّ من عباده بين الفناء والبقاء، والحياة والموت، والمحو والإثبات.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} اى الكفرة حين خوطبوا بهذا الخطاب {ربنا} اى بروردكار مارا {امتنا} اماتتين {اثنتين واحييتنا} احياءتين {اثنتين} فهما صفتان لمصدر الفعلين المذكورين وفى الاماتتين والاحياءتين وجوه الاول ما قال الكاشفى نقلا من التبيان ذريت آدم راكه از ظهر او بيرون آورد وميثاق ازايشان فرا كرفت بميرانيد اماته نخستين آنست ودر رحم كه نطفه بودند زنده كرد بس دردنيا بميرانيد ودر آخرت زنده كردانيد {فاعترفنا} اقررنا بسبب ذلك {بذنوبنا} لا سيما انكار البعث يعنى الانبياء دعونا الى الايمان بالله وباليوم الآخر وكنا نعتقد كالدهرية ان لا حياة بعد الموت فلم نلتفت الى دعوتهم ودمنا على الاعتقاد الباطل حتى متنا وبعثنا فشاهدنا ما نحن ننكره فى الدنيا وهو الحياة بعد الموت فالآن نعترف بذنوبنا {فهل الى خروج} نوع خروج من النار سريع او بطيىء او نوع من الاعمال {من سبيل} من طريق فنسلكه ونتخلص من العذاب او هل الى خروج الى الدنيا من سبيل فنعمل غير الذى كنا نعمل كما قال هل الى مرد من سبيل فيقال فحذف الجواب كما فى عين المعانى او الجواب ما بعده من قوله ذلكم الخ كما فى غيره والثانى انهم ارادوا بالاماتة الاولى خلقهم امواتا وذلك فى الرحم قبل نفخ الروح كما قال تعالى {أية : وكنتم امواتا فاحياكم} تفسير : وبالثانية اماتتهم عند انقضاء آجالهم على ان الاماتة جعل الشىء عادم الحياة وارادوا بالاحياء اولال الاحياء قبل الخروج من البطن وبالثانى احياء البعث ولا يلزم منه ان لا عذاب فى القبر ولا حياة ولا موت فانهم انما لم يذكروها لان حياة القبر ليست كحياة الدنيا ولا كحياة الآخرة كما فى الاسئلة المقحمة وقد ثبت بالتواتر أن النبى عليه السلام استعاذ من عذاب القبر واجمع السلف على ذلك قبل ظهور اهل البدع حتى قال بعضهم فى قوله تعالى {أية : ومن اعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا} تفسير : انه اراد فى القبر لانا نشاهد كثيرا منهم عيشهم ارغد فى الدنيا من عيش كثير من المؤمنين والثالث انهم ارادوا بالاماتة الاولى ما بعد حياة الدنيا وبالثانية ما بعد حياة القبر وبالاحياءتين ما فى القبر وما عند البعث قال فى الارشاد وهو الانسب بحالهم واما حديث لزوم الزيادة على النص ضرورة تحقق حياة الدنيا فمدفوع لكن لا بما قيل من عدم اعتدادهم بها لزوالها وانقضائها وانقطاع آثارها واحكامها بل بان مقصودهم احداث الاعتراف بما كانوا ينكرونه فى الدنيا والتزام العمل بموجب ذلك الاعتراف ليتوسلوا بذلك الى الرجوع الى الدنيا وهو الذى ارادوه بقولهم فهل الى خروج من سبيل مع نوع استبعاد له واستشعار يأس منه لا انهم قالوه بطريق القنوط المحض ولا ريب فى أن الذى كانوا ينكرونه ويفرعون عليه فنون الكفر والمعاصى ليس الا الاحياء بعد الموت واما الاحياء الاول فلم يكونوا لينظموه فى سلك ما اعترفوا به وزعموا ان الاعتراف يجديهم نفعا وانما ذكروا الموتة الاولى لترتبها عليهما ذكرا حسب ترتبها عليهما وجودا والرابع على ما فى التأويلات النجمية انهم ارادوا اماتة القلوب واحياء النفوس ثم اماتة الابدان واحياءها بالبعث

الطوسي

تفسير : سبع آيات عند الكل إلا ان الشامي قد خالفهم في التفصيل، وهي عندهم سبع عدوا {يوم التلاق} ولم يعده الشامي، وعد الشامي {يومهم بارزون} ولم يعده الباقون. حكى الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم انهم يقولون بعد حصولهم فى النار والعذاب يا {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال السدي الاماتة الأولى فى الدنيا والثانية فى البرزخ إذا أحيي للمسألة قبل البعث يوم القيامة، وهو اختيار الجبائي والبلخي. وقال قتادة: الاماتة الأولى حال كونهم نطفاً فاحياهم الله، ثم يميتهم، ثم يحيهم يوم القيامة. وفي الناس من استدل بهذه الآية على صحة الرجعة، بأن قال: الاماتة الأولى في دار الدنيا والاحياء الأول حين إحيائهم للرجعة، والاماتة الثانية بعدها. والاحياء الثاني يوم القيامة، فكأنهم اعتمدوا قول السدي، ان حال كونهم نطفاً لا يقال له إماتة، لان هذا القول يفيد اماتة عن حياة والاحياء يفيد عن إماتة منافية للحياة وإن سموا في حال كونهم نطفاً مواتاً. وهذا ليس بقوي لأنه لو سلم ذلك لكان لا بد من أربع احياآت وثلاث إماتات أول إحياء حين أحياهم بعد كونهم نطفاً، لان ذلك يسمى احياء بلا شك. ثم اماتة بعد ذلك في حال الدنيا. ثم أحياء في القبر ثم إماتة بعده ثم إحياء في الرجعة ثم إماتة بعدها. ثم إحياء يوم القيامة لكن يمكن أن يقال: إن إخبار الله عن الاحياء مرتين والاماتة مرتين لا يمنع من احياء آخر وإماتة أخرى، وليس في الآية انه احياهم مرتين وأماتهم مرتين بلا زيادة، فالآية محتملة لما قالوه ومحتملة لما قاله السدي، وليس للقطع على احدهما سبيل. قال ابن عباس وعبد الله والضحاك: هو كقوله {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون}. تفسير : وقوله {فاعترفنا بذنوبنا} إخبار منه تعالى أن الكفار يعترفون بذنوبهم التي اقترفوها في الدنيا لا يمكنهم جحدها، وإنما تمنوا الخروج مما هم فيه من العذاب، فقالوا {فهل إلى خروج من سبيل} والمعنى فهل إلى خروج لنا من سبيل فنسلكه في طاعتك وإتباع مرضاتك. ولو علم الله تعالى انهم يفلحون لردهم إلى حال التكليف، لأنه لا يمنع احساناً بفعل ما ليس باحسان. ولا يؤتى احد من عقابه إلا من قبل نفسه، وكذلك قال في موضع آخر {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} تفسير : تنبيهاً أنهم لو صدقوا في ذلك لأجابهم إلى ما تمنوه، وإنما يقولون هذا القول على سبيل التمني بكل ما يجدون اليه سبيلا في التلطف للخروج عن تلك الحال، وإنه لا يمكن احداً أن يتجلد على عذاب الله، كما يمكن ان يتجلد على عذاب الدنيا. ووجه إتصال قوله {فاعترفنا بذنوبنا} بما قبله هو الاقرار بالذنب بعد الاقرار بصفة الرب، كأنه قيل: فاعترفنا بانك ربنا الذي أمتنا وأحييتنا وطال امهالك لنا فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج لنا من سبيل فنسلكه في طاعتك وإتباع مرضاتك. وفي الكلام حذف وتقديره: فاجيبوا ليس من سبيل لكم إلى الخروج {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم} أي إذا دعي الله وحده دون آلهتكم جحدتم ذلك {وإن يشرك به تؤمنوا} أي إن يشرك به معبوداً آخر من الاصنام والأوثان تصدقوا. ثم قال {فالحكم لله} في ذلك والفاصل بين الحق والباطل {العلي الكبير} فالعلي القادر على كل شيء يجب ان يكون قادراً عليه، ويصح ذلك منه وصفة القادرين تتفاضل، فالعلي القادر الذي ليس فوقه من هو أقدر منه ولا من هو مساو له فى مقدوره، وجاز وصفه تعالى بالعلي، لان الصفة بذلك قد تقلب من علو المكان الى علو الشأن يقال: استعلى عليه بالقوة، واستعلى عليه بالحجة وليس كذلك الرفعة فلذلك لا يسمى بأنه رفيع، والكبير العظيم فى صفاته التي لا يشاركه فيها غيره. وقال الجبائي: معناه السيد الجليل. ثم قال تعالى {هو الذي يريكم آياته} يعني حججه ودلائله {وينزل من السماء رزقاً} من الغيث والمطر الذي ينبت ما هو رزق الخلق {وما يتذكر إلا من ينيب} أي ليس يتفكر فى حقيقة ذلك إلا من يرجع اليه. وقال السدي: معناه إلا من يقبل إلى طاعة الله. ثم امر الله تعالى المكلفين، فقال {فادعوا الله مخلصين له الدين} أي وجهوا عبادتكم اليه تعالى وحده {ولو كره} ذلك {الكافرون} فلا تبالوا بهم. ثم رجع إلى وصف نفسه فقال {رفيع الدرجات} وقيل معناه رفيع طبقات الثواب التي يعطيها الانبياء والمؤمنين في الجنة (ورفيع) نكرة أجراها على الأستئناف أو على تفسير المسألة الأولى، وتقديره، وهو رفيع {ذو العرش} بانه مالكه وخالقه ومعناه عظيم الثواب لهم والمجازاة على طاعتهم {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} قيل: الروح القرآن وكل كتاب أنزله الله على نبي من انبيائه وقيل: معنى الروح - ها هنا - الوحي، لأنه يحيا به القلب بالخروج من الجهالة إلى المعرفة ومنه قوله {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : ذكره قتادة والضحاك وابن زيد. وقيل: الروح - ها هنا - النبوة، وتقديره لينذر من يلقي عليه الروح يوم التلاق: من يختاره لنبوته ويصطفيه لرسالته. وقوله {لينذر يوم التلاق} أي ليخوف يوم يلتقي فيه اهل السماء واهل الأرض - فى قول قتادة والسدي وابن زيد - وقيل يوم يلقى فيه المرؤ عمله، وهو يوم القيامة حذر منه، وقيل يوم يلتقي فيه الأولون والآخرون. والضمير في قوله {لينذر} كناية عن النبي صلى الله عليه وآله. ويحتمل ان يكون فيه ضمير الله، والأول أجود، لانه قد قرىء بالتاء، وهو حسن. ومن أثبت الياء فلأنها الأصل، ومن حذف اجتزأ بالكسرة الدالة عليها. وقوله {يوم هم بارزون} أي يظهرون من قبورهم ويهرعون إلى ارض المحشر وهو يوم التلاق ويوم الجمع ويوم الحشر. ونصب (يوم) على الظرف. وقوله {لا يخفى على الله منهم شيء} إنما خصهم بأنه لا يخفى عليه منهم شيء وإن كان لا يخفى عليه لا منهم ولا (من) غيرهم شيء لاحد أمرين: احدهما - أن تكون (من) لتبيين الصفة لا للتخصيص والتبعيض. والآخر - ان يكون بمعنى يجازيهم من لا يخفى عليه شيء منهم، فذكر بالتخصيص لتخصيص الجزاء بمن يستحقه دون ما لا يستحقه ولا يصح له من المعلوم. وقيل: لا يخفى على الله منهم شيء فلذلك صح أنه انذرهم جميعاً. وقوله {لمن الملك اليوم} قيل في معناه قولان: احدهما - انه تعالى يقرر عباده، فيقول لمن الملك؟ فيقر المؤمنون والكافرون بأنه لله الواحد القهار. والثاني - انه القائل لذلك وهو المجيب لنفسه، ويكون فى الاخبار بذلك مصلحة للعباد في دار التكليف. والأول أقوى لأنه عقيب قوله {يوم هم بارزون} وإنما قال {لمن الملك اليوم} مع أنه يملك الانبياء والمؤمنين في الآخرة الملك العظيم لاحد وجهين: احدهما - لانه على تخصيص يوم القيامة قبل تمليك اهل الجنة ما يملكهم. والثاني - لا يستحق إطلاق الصفة بالملك إلا الله تعالى، لانه يملك جميع الأمور من غير تمليك مملك، فهو أحق باطلاق الصفة. وقوله {اليوم تجزى كل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم} اخبار منه تعالى أن يوم القيامة تجزى كل نفس على قدر عملها لا يؤاخذ أحد بجرم غيره، لا يظلم ذلك اليوم أحد ولا يبخس حقه {إن الله سريع الحساب} لا يشغله محاسبة واحد عن محاسبة غيره، فحساب جميعهم على حد واحد.

الجنابذي

تفسير : {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} قد سبق فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} تفسير : [البقرة:28] بيان الاماتتين والاحيائين، والغرض من مثل هذا النّداء والتّضرّع والمناجاة استرحامه تعالى ولذلك قالوا بعده {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} سؤال للخروج بصورة الاستفهام ويأتون بالخروج منكّراً اشعاراً بفرط قنوطهم كأنّهم يسألون شيئاً يسيراً من الخروج.

اطفيش

تفسير : {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا} موتتين* {اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا} حياتين* {اثْنَتَيْنِ} أو المراد فيهما مرتين اثنتين فهما مفعولان مطلقان أو ظرفان. ذكره ابن هشام والاماتة الأولى خلفهم لا حياة فيهم ثم كانت وانما سماه اماتة لشبهه به أو كما يقال سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل أو كما تقول لحافر البئر ضيق فهما ووسع أسفلها وليس ثم كبر نقلت منه البعوضة الى صغر ولا صغر نقل منه الفيل الى كبر ولا وسع نقل منه فم البئر الى ضيق ولا ضيق نقل منه أسفلها الى وسع وانما أريد الانشاء من أول مرة على الصغر والكبر والضيق والوسع وذلك أن الصغر والكبر مثلاً جائزان في الأمر واحد من غير ترجيح فى قوة موجدها فاذا اختار الموجد الصانع أحدهما فقد صرفه عن الجائز الآخر حتى كأنه كان المصنوع كبيراً ثم صغره وكذا الضيق والوسع والاماتة الثانية اعدام حياتهم عند انقضاء آجالهم والحياة الأولى اجراء الروح فيهم اى آجالهم والثانية البعث. قاله ابن عباس ويدل له قوله تعالى: {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً} تفسير : الخ وقال السدي: الحياة الأولى احياؤهم في قبورهم للسؤال والثانية احياء البعث والاماتة الأولى اخراجهم من الدنيا والثانية اماتتهم في قبورهم بعد السؤال ولم يعودوا للحياة التى في الدنيا لانهم بصدد ذكر ما انتبهوا به وذكر مواطن البلاء وقيل الحياة الاولى الحياة الدنيا والثانية احياء يوم القيامة والاماتة الاولى اخراجهم من الدنيا والثانية اماتتهم بعد السؤال ولم يعدوا أحياء السؤال لقصر مدته أو قيل احياء الدنيا والاحياء فى القبر مستمر الى البعث لا يموتون بموت الصعق داخلين فى قوله {أية : الا ما شاء الله} تفسير : واماتة خلقه بلا روح واماتة الاخراج من الدنيا أصح والفاء فى قوله* {فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} للسببية أي اعترفنا بذنوبنا لانا رأينا الحياتين والاماتتين لما رأوا تكرر الاحياء والاماتة علموا انه قادر على الاعادة كما قدر على الانشاء فأقروا انهم مسيئون فيما فعلوا واعتقدوا وقت لم يخشوا العاقبة فتخرقوا في المعاصي من انكار البعث وغيره ومعنى الآية كلها متصل بمعنى بغضهم أنفسهم لما تيقنوا العذاب {فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ} من النار الى الدنيا لنطيع ربنا* {مِّن سَبِيلٍ} التنكير للتنويع أى الى نوع من الخروج سريع أو بطيء أم لا سبيل وهذا كلام من غلبة اليأس والقنوط قيل وجوابهم محذوف أي لا خروج وعلى هذا وعلى يأسهم وقنوطهم جاء قوله {ذَلِكُم} العذاب الدائم الذي أنتم فيه وذلكم المقت الواقع منكم أو المنع من الخروج والزجر أو ذلك كله {بِأَنَّهُ} أي لأنه {إِذَا دُعِىَ اللهُ وَحْدَهُ} بأن قيل لا اله الا الله وحده (حال) أي (منفرداً) واما كونه مفعولاً مطلقاً لحال محذوف ناب عنها أي نوحده توحيداً وحده* {كَفَرْتُمْ} بالتوحيد {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} بنحو اللات والعزى* {تُؤْمِنُواْ} بالاشراك* {فَالْحُكْمُ للهِ} المستحق العبادة حيث حكم عليكم بالعذاب الدائم* {الْعَلِىِّ} الشأن* {الْكَبِيرُ} المتعال عن أن يشرك به والذي يطابق كبرياؤه أن يكون عقابه كذلك لا التى كنتم تشركونها ولم يأخذ أصحاب العلم قولهم (لا حكم الا لله) من الآية فان المراد بالحكم فيها حكمه على أهل النار لأن أريد العموم لفظاً ومعنى وأُريد المعنى الخصوص واللفظ يقضي بالعموم والعبرة به لا بخصوص السبب وعلى كل حال فالحق مع من قال (لا حكم الا لله) فان غيره لا يحكم الا فيما لم يحكم فيه وأما ما حكم فيه فلا معقب لحكمه.

اطفيش

تفسير : {قالُوا} إذعانا لقدرة الله على البعث {ربَّنا} يا ربنا {أمتَّنا اثْنَتَيْن} اماتتين اثنتين {وأحْييتنا اثْنَتيْن} احياءتين اثنتين، فالنصب على المفعولية المطلقة على القياس من لفظ الفعل، ولاحاجة الى دعوى خلاف الأصل من تقدير اسم مصدر الفعلين، هكذا موتتين اثنتين، وحياتين اثنتين، وتفسير اسم المصدر بالمصدر، فليقدر المصدر من أول أولى من تقدير فعل ثلاثى ومصدره والأصل عدم الحذف، أى أمتنا فمتنا موتتين اثنتين، وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين. روى ابن جرير، عن ابن عباس، والحاكم، عن ابن مسعود: أن الاماتة الأولى خلقهم أمواتا، والثانية اماتتهم لأجلهم، والاحياءة الأولى نفخ الروح فيهم، وهم فى البطون، والثانية نفخ الروح فيهم يوم البعث كقوله تعالى: " أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم" تفسير : [البقرة: 28] ويجوز اعتبار موت النطفة بانفصالها عن الصلب، وهى فيه حية حال خروجها أيضا،واطلاق الامانة على خلق الشىء بلا روح مجاز، والحقيقة سلب الحياة مما هى فيه، وذلك من باب حمل الفعل على الصرف على غيره. فمعنى أماتهم أولا: صرف الحياة عنهم، أى تركها كوسع الدار، ووسع الباب بمعنى أنه بناهما من أول الأمر واسعين، ولا يشترط فى ذلك القدرة على المصروف عنه كما يوهم كلام بعض المحققين، وذلك كقولنا: سبحان من صغر البعوضة، وكبر جسم الفيل، وليس فى ذلك نقل من كبر الى صغر، ومن صغر الى كبر، وذلك أن الكبر والصغر جائزان فى الشىء واذا صرفه عن أحدهما فصرفه كنقله عنه، وجعل بعضهم ذلك استعارة بالكتابة، يترتب عليها المجازالمرسل، وفى ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، وهو عدم الحياة هكذا مطلقا والاحياء والحياة لا يحتاجان الى سبق موت مسبوق بالحياة، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز فى الاحياء المذكور فافاضة الروح على الجنين احياء حقيقة، وعلى الموتى يوم البعث حقيقة أيضا. وقال السيد: الاماتة الأولى إماتتهم لأجلهم، والاحياءة الأولى احياءهم فى القبر للسؤال، والاماتة الثانية اماتتهم الى قيام الساعة بعد الاحياء للسؤال، والاحياءة الثانية ايحاءهم فى البعث، ولا يبحث بأن فى ذلك ثلاث احياءات، لأنه لم يذكر حياة الدنيا، لأن انكارهم فى الدنيا انما هو لاحيائهم فى القبر، واحياءهم للبعث، ولم يفسر كلامهم بالثلاث، وهو فى الآية باثنين، ولا اشكال فى ذلك، وقال ابن زيد: أحاؤهم نسما عند "ألست بربكم" واماتتهم بعد أخذ العهد، واحياءهم فى الدنيا، واماتتهم فيها، ثم احياءهم أى فى القبر على أن يعده، ويعد احياء البعث واحدا، أو أراد احياء البعث، ولا يبحث بأن فيه احياءات واماتات، أنه لم يفسر الآية ذلك، بل أراد ذكر ما كان. وعبارة بعض الصوفية عدوا أوقات البلاء والمحنة أربعة: الموتة الأولى فى الدنيا، ثم الحياة فى القبر للسؤال، والموتة الثانية فى القبر، ثم الحياة للجزاء، ولم يعدوا الحياة الدنيا لأنها ليست من أقسام البلاء، وقيل حياتان: حياة الدنيا وحياة الآخرة، وموتتان: الموتة الأولى فى الدنيا، ثم الموتة الثانية فى القبر بعد حياة السؤال، ولم يعدوا حياة السؤال لقصرها، ويشكل فى الباب ما ورد من الأخبار فى تعذيب الكفار فى قبورهم استمرارا، وتعدد حياتهم وموتهم فيها مع العذاب، كلما رجع اليهم أرواحهم، ولا يصح أن يقال: التثنية فى الآية للكثير، فتشمل الاحياءات كلها، والاماتات كلها، مثل:"أية : ثم ارجع البصر كرتين" تفسير : [الملك: 4] وفلان يفعل كذا مرة بعد أخرى، يراد أنه يكثر فعله، لأن ذلك يصح اذا لم يذكر لفظ اثنين والثنتين، أما اذا ذكر فلا. {فاعْتَرفْنا بذُنُوبنا} بسبب الاماتتين والاحياءتين التى شاهدنا من انكار البعث، وسائر المعاصى {فَهَل إلى خُروجٍ} ما من النار الى الدنيا، أو موضع من المواضع ندارك فيه ما فات، والظاهر أنهم أرادوا الخروج العاجل، ويحتمل أن يريدوا العاجل والآجل وهو خبر {مِنْ سَبيلٍ} مبتدأ، ومن صلة للعموم أى الى سبيل ما ولو ضيقا أو قليلا أو عسرا، واجيب طمعهم فى الخروج بالاقناط فى قوله تعالى: {ذلِكُم} الخ أى تستمرون فى النار كما استمررتم على الشرك، حتى متم لا خروج لكم، وهذا أولى من أن يقال: أرادوا بقولهم: فهل الخ غير ظاهره من طلب الخروج، بل كلاماً يقوله القانط تعللا وتحيزاً، ولا يقال: لو أريد الخروج ليتداركوا لقال: اخسئوا فيها، لأن فى معناه قوله تعالى: {ذلكم} وقد يناسب ارادة التسحر دون الطمع فى الخروج قوله تعالى: {ذلكم بأنه} الخ أى ذلكم الذى أذعنتم لدوامه من العذاب، وتحسرتم فيه، أو ذلكم المقت بأوجهه السابقة {بأنَّه} أى ذلكم العذاب الذى أنتم فيه ثابت دائم بسبب أنه، أى أن الشأن {إذا دُعِيَ الله وحْدَه} أى عبد وحده، أو ذكر بالألوهية وحده، ووحده فى معنى اسم مفرد غير مضاف هو حال، أى منفردا أو هو مصدر مفعول مطلق لمحذوف هو حال، أى يوحده وحده. {كَفَرتُم} بتوحيده، تعالى: {وإنْ يُشْرك بهِ تُؤمنُوا} بالاشراك وتعتقدونه {فالحُكْم لله} الَّذى لا يقضى إلا بالحق {العَلىِّ الكَبير} المتصف بغاية العلم والحكمة وعلو الشأن، فيشتد عقابه على العصاة بحسب ذلك، فيكون بنار دائمة.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } صفتان لمصدري الفعلين، والتقدير أمتنا إماتتين اثنتين وأحييتنا إحياءتين اثنتين. وجوز كون المصدرين موتتين وحياتين وهما إما مصدران للفعلين المذكورين أيضاً بحذف الزوائد أو مصدارن لفعلين آخرين يدل عليهما المذكوران فإن الإماتة والإحياء ينبئان عن الموت والحياة حتماً فكأنه [قيل] أمتنا فمتنا موتتين اثنتين وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين على على طرز قوله: شعر : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف تفسير : أي لم يدع فلم يبق إلا مسحت الخ. واختلف في المراد بذلك فقيل: أرادوا بالإماتة الأولى خلقهم أمواتاً وبالثانية إماتتهم عند انقضاء آجالهم وبالإحياءة الأولى إحياءتهم بنفخ الروح فيهم وهم في الأرحام وبالثانية إحياءتهم بإعادة أرواحهم إلى أبدانهم للبعث. وأخرج هذا ابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس وجماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن مسعود، وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة، وروي أيضاً عن الضحاك وأبـي مالك وجعلوا ذلك نظير آية [البقرة: 28] {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }تفسير : والإماتة إن كانت حقيقة في جعل الشيء عادم الحياة سبق بحياة أم لا فالأمر ظاهر وإن كانت حقيقة في تصيير الحياة معدومة بعد أن كانت موجودة كما هو ظاهر كلامهم حيث قالوا: إن صيغة الإفعال وصيغة التفعيل موضوعتان للتصيير أي النقل من حال إلى حال ففي إطلاقها على ما عد إماته أولى خفاء لاقتضاء ذلك سبق الحياة ولا سبق فيما ذكر، ووجه بأن ذلك من باب المجاز كما قرروه في ضيق فم الركية ووسع أسفلها قالوا: إن الصانع إذا اختار أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع الجائز عن الآخرة فجعل صرفه عنه كنقله منه يعني أنه تجوز بالإفعال أو التفعيل الدال على التصيير وهو النقل من حال إلى حال أخرى عن لازمه وهو الصرف عما في حيز الإمكان، ويتبعه جعل الممكن الذي تجوز إرادته بمنزلة الواقع، وكذا جعل الأمر في ضيق فم الركية مثلاً بإنشائه على الحال الثانية بمنزلة أمره بنقله عن غيرها، ولذا جعله بعض الأجلة بمنزلة الاستعارة / بالكناية فيكون مجازاً مرسلاً مستتبعاً للاستعارة بالكناية، فالمراد بالإماتة هناك الصرف لا النقل، وذكر بعضهم أنه لا بد من القول بعموم المجاز لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في الآية أو استعمال المشترك في معنييه بناء على زعم أن الصيغة مشتركة بين الصرف والنقل، ومن أجاز ما ذكر لم يحتج للقول بذلك. وفي «الكشف» آثر جار الله أن إحدى الإماتتين ما ذكر في قوله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }تفسير : [البقرة: 28] وإطلاقها عليه من باب المجاز وهو مجاز مستعمل في القرآن، وقد ذكر وجه التجوز، وتحقيق ذلك يبتني على حرف واحد وهو أن الإحياء معناه جعل الشيء حياً فالمادة الترابية أو النطفية إذا أفيضت عليها الحياة صدق أنها صارت ذات حياة على الحقيقة إذ لا يحتاج إلى سبق موت على الحقيقة بل إلى سبق عدم الحياة فهناك إحياء حقيقة، وأما الإماتة فإن جعل بين الموت والحياة التقابل المشهوري استدعى المسبوقية بالحياة فلا تصح الإماتة قبلها حقيقة، وإن جعل التقابل الحقيقي صحت، لكن الظاهر في الاستعمال بحسب عرفي العرب والعجم أنه مشهوري انتهى. وأراد بالمشهوري والحقيقي ما ذكروه في التقابل بالعدم والملكة فإنهم قالوا: المتقابلان بالعدم والملكة وهما أمران يكون أحدهما وجودياً والآخر عدم ذلك الوجودي في موضوع قابل له إن اعتبر قبوله بحسب شخصه في وقت اتصافه بالأمر العدمي فهو العدم والملكة المشهوران كالكوسجية فإنها عدم اللحية عما من شأنه في ذلك الوقت أن يكون ملتحياً فإن الصبـي لا يقال له كوسج، وإن اعتبر قبوله أعم من ذلك بأن لا يقيد بذلك الوقت كعدم اللحية عن الطفل أو يعتبر قبوله بحسب نوعه كالعمى للأكمه أو جنسه القريب كالعمى للعقرب أو البعيد كعدم الحركة الإرادية عن الجبل فإن جنسه البعيد أعني الجسم الذي هو فوق الجماد قابل للحركة الإرادية فهو العدم والملكة الحقيقيان لكن في بناء اقتضاء المسبوقية بالحياة وعدمه على ذلك خفاء، وإن ضم إليه التعبير بصيغة الماضي كما لا يخفى على المتدبر. ثم وجه تسبب الإماتة مرتين والإحياء كذلك لقوله تعالى: {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } أنهم قد أنكروا البعث فكفروا وتبع ذلك من الذنوب ما لا يحصى لأن من لم يخش العاقبة تخرق في المعاصي فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرر عليهم علموا بأن الله تعالى قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم. وقال السدي: أرادوا بالإماتة الأولى إماتتهم عند انقضاء آجالهم وبالإحياءة الأولى إحياءتهم في القبر للسؤال وبالإماتة الثانية إماتتهم بعد هذه الإحياءة إلى قيام الساعة وبالإحياءة الثانية إحياءتهم للبعث، واعترض عليه بأنه يلزم هذا القائل ثلاث إحياءات فكان ينبغي أن يكون المنزل أحييتنا ثلاثاً فإن ادعى عدم الاعتداد بالإحياءة المعروفة وهي التي كانت في الدنيا لسرعة انصرامها وانقطاع آثارها وأحكامها لزمه أن لا يعتد بالإماتة بعدها. وقال بعض المحققين في الانتصار له: إن مراد الكفار من هذا القول اعترافهم بما كانوا ينكرونه في الدنيا ويكذبون الأنبياء حين كانوا يدعونهم إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر لأن قولهم هذا كالجواب عن النداء في قوله تعالى: {أية : يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ }تفسير : [غافر: 10] كأنهم أجابوا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعونا وكنا نعتقد أن لا حياة بعد الموت فالآن نعترف بالموتين والحياتين لما قاسينا من شدائدهما وأحوالهما فالذنب المعترف به تكذيب البعث، ولهذا جعل مرتباً على القول وإنما ذكروا الإماتتين ليذكروا الإحياءين إذ كلتا الحياتين كانتا منكرتين عندهم دون الحياة المعروفة ومقام هذه الآية غير مقام قوله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] فإن هذه / كما سمعت لبيان الإقرار والاعتراف منهم في الآخرة بما أنكروه في الدنيا وتلك لبيان الامتنان الذي يستدعي شكر المنعم أو لبيان الدلائل لتصرفهم عن الكفر. ويرجح هذا القول إن أمر إطلاق الإماتة على كلتا الإماتتين ظاهر. وتعقبه في «الكشف» بأنه لا قرينة في اللفظ تدل على خروج الإحياء الأول مع أن الإطلاق عليه أظهر والمقابلة تنادي على دخوله. ويكفي في الاعتراف إثبات إحياء واحد منهما غير الأول. وقيل: إنما قالوا: {أَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } لأنهما نوعان إحياء البعث وإحياء قبله، ثم إحياء البعث قسمان إحياء في القبر وإحياء عند القيام ولم يذكر تقسيمه لأنهم كانوا منكرين لقسميه. وتعقب بأن ذكر الإماتة الثانية التي في القبر دليل على أن التقسيم ملحوظ، والمراد التعدد الشخصي لا النوعي نعم هذا يصلح تأييداً لما اختاره جار الله، وروي عن جمع من السلف من أن الإحياءات وإن كانت ثلاثاً إنما سكت عن الثانية لأنها داخلة في إحياءة البعث قاله صاحب «الكشف» ثم قال: وعلى هذا فالإماتة على مختار جار الله إماتة قبل الحياة وإماتة بعدها وطويت إماتة القبر كما طويت إحياءته ولك أن تقول إن الإماتة نوع واحد بخلاف الإحياء فروعي التعدد فيها شخصاً بخلافه، وذكر الإماتة الثانية لأنها منكرة عندهم كالحياتين، ويجب الاعتراف بها لا للدلالة على أن التعدد في الإحياء شخصي والحق أن ذلك وجه لكن قوله تعالى: {ٱثْنَتَيْنِ } ظاهر في المرة فلذا آثر من آثر الوجه الأول وإن كانت الإماتة فيه غير ظاهرة ذهاباً إلى أن ذلك مجاز مستعمل في القرآن فتأمل. وقال الإمام: إن أكثر العلماء احتجوا بهذه الآية في إثبات عذاب القبر وذلك أنهم أثبتوا لأنفسهم وموتتين فإحدى الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت الذي عقيبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر، وأطال الكلام في تحقيق ذلك والانتصار له، والمنصف يرى أن عذاب القبر ثابت بالأحاديث الصحيحة دون هذه الآية لقيام الوجه المروي عمن سمعت أولاً فيها، وقد قيل: إنه الوجه لكني أظن أن اختيار الزمخشري له لدسيسة اعتزالية، وقال ابن زيد في الآية أريد إحياؤهم نسماً عند أخذ العهد عليهم من صلب آدم ثم إماتتهم بعد ثم إحياؤهم في الدنيا ثم إماتتهم ثم إحياؤهم وهذا صريح في أن الإحياءات ثلاث، وقد أطلق فيه الإحياء الثالث؛ والأغلب على الظن أنه عنى به إحياء البعث، وقيل: التثنية في كلامهم مثلها في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ }تفسير : [الملك: 4] مراد بها التكرير والتكثير فكأنهم قالوا: أمتنا مرة بعد مرة وأحييتنا مرة بعد مرة فعلمنا عظيم قدرتك وأنه لا يتعاصاها الإعادة كما لا يتعاصاها غيرها فاعترفنا بذنوبنا التي اقترفناها من إنكار ذلك، وحينئذ فلا عليك أن تعتبر الموت في صلب آدم ثم الإحياء لأخذ العهد ثم الإماتة ثم الإحياء بنفخ الروح في الأرحام ثم الإماتة عند انقضاء الأجل في الدنيا ثم الإحياء في القبر للسؤال أو لغيره ثم الإماتة فيه ثم الإحياء بنفخ الروح في الأرحام ثم الإماتة عند انقضاء الأجل في الدنيا ثم الإحياء في القبر للسؤال أو لغيره ثم الإماتة فيه ثم الإحياء للبعث ولا يخفى أنه على ما فيه إنما يتم لو كان المقول أمتنا إماتتين أو كرتين وأحييتنا إحياءتين أو كرتين مثلاً دون ما في المنزل، فإن {ٱثْنَتَيْنِ } فيه وصف لإماتتين ولإحياءتين وهو دافع لاحتمال إرادة التكثير كما قيل في {أية : إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ }تفسير : [النحل: 51] وبناء الأمر على أن العدد لا مفهوم له لا يخلو عن بحث، ومن غرائب ما قيل في ذلك ما روي عن محمد بن كعب أن الكافر في الدنيا حي الجسد ميت القلب فاعتبرت الحالتان فهناك إماتة وإحياء للقلب والجسد في الدنيا ثم إماتتهم عند انقضاء الآجال ثم إحياؤهم للبعث، ومثل هذا يحكى ليطلع على حاله. {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ } أي إلى نوع خروج من النار أي فهل إلى خروج سريع أو بطيء أو من مكان منها إلى آخر أو إلى الدنيا أو غيرها / {مّن سَبِيلٍ } طريق من الطرق فنسلكه ومثل هذا التركيب يستعمل عند اليأس، وليس المقصود به الاستفهام وإنما قالوه من فرط قنوطهم تعللاً أو تحيراً ولذلك أجيبوا بذكر ما أوقعهم في الهلاك وهو قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ}.

ابن عاشور

تفسير : جواب عن النداء الذي نودوا به من قِبل الله تعالى فحكي مقالهم على طريقة حكاية المحاورات بحذف حرف العطف، طمعوا أن يكون اعترافهم بذنوبهم وسيلة إلى منحهم خروجاً من العذاب خروجاً مَّا ليستريحوا منه ولو بعضَ الزمن، وذلك لأن النداء الموجه إليهم من قبل الله أوهمهم أن فيه إقبالاً عليهم. والمقصود من الاعتراف هو اعترافهم بالحياة الثانية لأنهم كانوا ينكرونها وأما الموتتان والحياة الأولى فإنما ذُكِرْن إِدماجاً للاسْتدلال في صُلب الاعتراف تزلفاً منهم، أي أيقَنَّا أن الحياة الثانية حق وذلك تعريض بأن إقرارهم صدق لا مواربة فيه ولا تصنع لأنه حاصل عن دليل، ولذلك جعل مسبباً على هذا الكلام بعطفه بفاء السببية في قوله: {فاعترفنا بذُنُوبنا}. والمراد بإحدى الموتتين: الحالةُ التي يكون بها الجنين لَحْماً لا حياة فيه في أول تكوينه قبل أن يُنفخ فيه الروح، وإطلاق الموت على تلك الحالة مجاز وهو مختار الزمخشري والسكاكي بناء على أن حقيقة الموت انعدام الحياة من الحي بعد أن اتصف بالحياة، فإطلاقه على حالة إنعدام الحياة قبلَ حصولها فيه استعارةٌ، إلا أنها شائعة في القرآن حتى ساوت الحقيقة فلا إشكال في استعمال {أمتنا} في حقيقته ومجازه، ففي ذلك الفعل جمع بين الحقيقة والاستعارة التبعية تبعاً لِجريان الاستعارة في المصدر، ولا مانع من ذلك لأنه واقع ووارد في الكلام البليغ كاستعمال المشتركِ في معنييه، والذين لا يرون تقييد مدلول الموت بأن يكون حاصلاً بعد الحياة يكون إطلاق الموت على حالة ما قبل الاتصاف بالحياة عندهم واضحاً، وتقدم في قوله تعالى: {أية : وكنتم أمواتاً فأحياكم}تفسير : في سورة [البقرة: 28]، على أن إطلاق الموت على الحالة التي قبل نفخ الروح في هذه الآية أسوغ لأن فيه تغليباً للموتة الثانية. وأما الموتة الثانية فهي الموتة المتعارفة عند انتهاء حياة الإنسان والحيوان. والمراد بالاحياءتَيْن: الاحياءة الأولى عند نفخ الروح في الجسد بعد مبدأ تكوينه، والإِحياءة الثانية التي تحصل عند البعث، وهو في معنى قوله تعالى: {أية : وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} تفسير : [البقرة: 28]. وانتصب {اثنتين} في الموضعين على الصفة لمفعول مطلق محذوف. والتقدير: موتتين اثنتين وإحياءتَيْن اثنتين فيجيء في تقدير موتتين تغليب الاسم الحقيقي على الاسم المجازي عند من يُقيِّد معنى الموت. وقد أورد كثير من المفسرين إشكال أن هنالك حياةً ثالثة لم تذكر هنا وهي الحياةُ في القبر التي أشار إليها حديث سؤال القَبر وهو حديث اشتهر بين المسلمين من عهد السلف، وفي كون سؤال القبر يقتضي حياة الجسم حياة كاملة احتمال، وقد يُتأول بسؤال روح الميت عِند جسده أو بحصول حياة بعض الجسد أو لأنها لما كانت حياة مؤقتة بمقدار السؤال ليس للمتصف بها تصرف الإِحياء في هذا العالم، لم يعتد بها لاسيما والكلام مراد منه التوطئة لسؤال خروجهم من جهنم، وبهذا يعلم أن الآية بمعزل عن أن يستدل بها لثبوت الحياة عند السؤال في القبر. وتفرع قولهم: {فاعترفنا بذُنُوبنا} على قولهم: {وأحييتنا اثنتين} اعتبار أن إحدى الإِحياءتين كانت السبب في تحقق ذنوبهم التي من أصولها إنكارهم البعث فلما رأوا البعث رأي العين أيقنوا بأنهم مذنبون إذ أنكروه ومذنبون بما استكثروه من الذنوب لاغترارهم بالأمن من المؤاخذة عليهم بعد الحياة العاجلة. فجملة {فاعترفنا بذُنُوبنا} إنشاء إقرار بالذنوب ولذلك جيء فيه بالفعل الماضي كما هو غالب صيغ الخبر المستعمل في الإِنشاء مثل صيغ العقود نحو: بعتُ. والمعنى: نعترف بذنوبنا. وجعلوا هذا الاعتراف ضرباً من التوبة توهماً منهم أن التوبة تنفع يومئذٍ، فلذلك فرعوا عليه: {فَهَل إلى خُرُوج مِن سبيل}، فالاستفهام مستعمل في العَرض والاستعطاف كلياً لرفع العذاب، وقَد تكرر في القرآن حكاية سؤال أهل النار الخروجَ أو التخفيف ولو يوماً. والاستفهام بحرف {هَل} مستعمل في الاستعطاف. وحرف {مِن} زائد لتوكيد العموم الذي في النكرة ليفيد تطلبهم كل سبيل للخروج وشأن زيادة {مِن} أن تكُون في النفي وما في معناه دون الاثبات. وقد عُدّ الاستفهام بــــ {هل} خاصة من مواقع زيادة {مِن} لتوكيد العموم كقوله تعالى: {أية : وتقول هل من مزيد}تفسير : [ق:30]، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا}تفسير : في سورة [الأعراف: 53]، وأن وجه اختصاص {هَل} بوقوع {مِن} الزائدة في المستفهم عنه بها أنه كثر استعمال الاستفهام بها في معنى النفي، وزيادةُ {من} حينئذٍ لتأكيد النفي وتنصيص عموم النفي، فخف وقوعها بعد {هل} على ألسن أهل الاستعمال. وتنكير خروج للنَّوعية تلطفاً في السؤال، أي إلى شيء من الخروج قليلٍ أو كثير لأن كل خروج يتنفعون به راحةٌ من العذاب كقولهم: {أية : ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب}تفسير : [غافر: 49]. والسبيل: الطريق واستعير إلى الوسيلة التي يحصل بها الأمر المرغوب، وكثُر تصرف الاستعمال في إطلاقات السبيل والطريق والمسلك والبلوغ على الوسيلة وبحصول المقصود. وتنكير {سبيل} كتنكير {خروج} أي من وسيلة كيف كانت بحق أو بعفو بتخفيف أو غير ذلك. قال في «الكشاف» «وهذا كلامُ من غلب عليه اليأس والقنوط» يريد أَنَّ في اقتناعهم بخروج مَّا دلالة على أنهم يستبعدون حُصول الخروج.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}. التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه، أن المراد بالإماتتين في هذه الآية الكريمة، الإماتة الأولى، التي هي كونهم في بطون أمهاتهم نطفاً وعلقاً، ومضغاً. قبل نفخ الروح فيهم، فهم قبل نفخ الروح فيهم لا حياة لهم، فأطلق عليهم بذلك الاعتبار اسم الموت. والإماتة الثانية هي إماتتهم وصيرورتهم إلى قبورهم عند انقضاء آجالهم في دار الدنيا. وأن المراد بالإحياءتين، الإحياءة الأولى في دار الدنيا، والإحياءة الثانية، التي هي البعث من القبور إلى الحساب، والجزاء والخلود الأبدي، الذي لا موت فيه، إما في الجنة وإما في النار. والدليل من القرآن على أن هذا القول في الآية هو التحقيق، أن الله صرح به واضحاً في قوله جل وعلا {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 28] وبذلك تعلم أن ما سواه من الأقوال الآية لا معوّل عليه. والأظهر عندي أن المسوغ الذي سوغ إطلاق اسم الموت على العلقة، والمضغة مثلاً، في بطون الأمهات، أن عين ذلك الشيء، الذي هو نفس العلقة والمضغة، له أطوار كما قال تعالى: {أية : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} تفسير : [نوح: 14] {أية : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} تفسير : [الزمر: 6]، ولما كان ذلك الشيء، تكون فيه الحياة في بعض تلك الأطوار، وفي بعضها لا حياة له، صح إطلاق الموت والحياة عليه من حيث إنه شيء واحد، ترتفع عنه الحياة تارة وتكون فيه أخرى، وقد ذكر له الزمخشري مسوغاً غير هذا، فانظره إن شئت. قوله تعالى: {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}. قد بين جل وعلا في غير هذا الموضع، أن الاعتراف بالذنب في ذلك الوقت لا ينفع، كما قال تعالى: {أية : فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 11] وقال تعالى: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: فهل إلى خروج من سبيل، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى {أية : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} تفسير : [الأعراف: 53].

القطان

تفسير : أمتّنا اثنتين، وأحييتنا اثنتين: خلقتنا من العدم، ثم أمتّنا بعد انقضاء آجالنا. وأحييتنا اثنتين: عند ميلادنا، ويوم البعث يوم القيامة. يوم التلاق: يوم القيامة. بارزون: ظاهرون. ويقول الكافرون يوم القيامة: يا ربنا أمتّنا موتَتين: الأولى حين خلقْتَنا من العدم، والثانية يوم توفّيتنا عند انقضاء أجلنا. وأحييتنا مرتين: مرة هي حياتنا الدنيا، والثانية يوم بعثِنا هذا فاعترفنا أننا أنكرنا البعث وكفرنا وأذنبنا. ونحن الآن قادمون، فهل من سبيل الى الخروج من النار، ولك منا عهدَ الطاعة والامتثال؟ فيجيبهم الله: لا. {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} إنكم ان عدتم الى الدنيا فلن تؤمنوا، فقد كفرتم بالله، وآمنتم بالشركاء، وهذا العذابُ الذي أنتم فيه من حُكم الله عليكم نتيجة لأعمالكم {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ}. هو الذي يريكم دلائل قدرته، وينزل لكم من السماء ماءً يكون سببَ رزقكم، لكنه لا يعتبر بتلك الآيات ويستدلّ بها على عظمة الخالقِ الأوحد الا من يُنيب إلى الله ويرجع اليه. ثم لما ذكر ما وجّههم اليه من الأدلة على وحدانيته - أمر عباده بالدعاء والتوجه اليه: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} فادعوا الله مخلصين له العبادةَ ولو كره الكافرون عبادتكم.. ولن يرضوا عنكم ابدا. والدعاء عبادة، وفي الحديث الصحيح: "حديث : ادعوا الله تباركَ وتعالى وأَنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءَ قلبٍ غافل لاهٍ ". تفسير : ثم ذكر الله تعالى بعض صفاته بقوله: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ}. فهو وحده صاحبُ المقام العالي، وصاحب المُلك والسلطة المطلقة، وهو الذي يلقي الوحيَ على من يشاء من رسُله. وسمّى الوحيَ روحاً لأنه روحٌ وحياة للبشر. وذلك لينذر هؤلاء الرسلُ الناسَ أنهم سيُبعثون يوم التلاقي (وهو يوم القيامة) حيث يتلاقون - في ذلك اليوم يبرزون مكشوفين ظاهرين لا يخفى على الله من أمرهم شيء، ويسمعون نداءً رهيباً: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ؟} ويأتي الجواب الحاسم {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}. وفي ذلك اليوم يتضاءل المتكبرون، ويقف الوجود كله خاشعاً، والعباد كلهم خاضعين. في ذلك اليوم الرهيب يُثاب كلُّ عامل بعمله، ويقال بوضوح: {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} فإنه يوم الجزاء الحق، ويوم العدل، والقضاء الفصل، وهذا كله يسير بسرعة {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.

د. أسعد حومد

تفسير : (11) - فَيَقُولُ الكَافِرُونَ: رَبَّنَا خَلَقْتَنَا مِنْ عَدَمٍ وَلَمْ تَكُنْ لَنَا حَيَاةٌ، وَأَمَتَّنَا حِينَ انْقَضَتْ آجَالُنَا، وَأَحْيَيْتنَا أَوَلاً بِنَفْخِ الأَرْوَاحِ فِينَا وَنَحْنُ فِي الأَرْحَامِ، وَأَحْيَيْتَنَا بِإِعَادَةِ أَرْوَاحِنَا إِلَى أَبْدَانِنَا يَوْمَ البَعْثِ والنُّشُورِ، فَاْعْتَرَفْنَا بِأَنَّنَا كُنَّا أَنْكَرْنَا البَعْثَ فَكَفَرْنَا، وَاجْتَرَحْنَا السَّيِّئَاتِ، فَهَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى إِخْرَاجِنَا مِنَ النَّارِ، وَإِعَادَتِنَا إِلَى الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَعْمَلَ غَيَرَ الذِي كُنَّا نَعْمَلُ؟ فَأَنْتَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لنفهم معنى {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] لابدَّ أن نعرف ما هو الموت أولاً، الموت هو إذهاب الحياة بعد أنْ كانت موجودة، فما دام سيكون الموت فهو دليل على الحياة قبله، والموت أيضاً يعني عدم الحياة مطلقاً، يعني: عدم لم تسبقه حياة مطلقاً. لذلك قال سبحانه: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 28] وهذا استفهام للتعجب يعني: قولوا لنا كيف يتأتَّى منكم الكفر {أية : وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] أي: كنتم عدماً فوهبكم الحياة {أية : ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] أي: يُذهب الحياة الموجودة {أية : ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] أي: في الآخرة. إذن: فالموت مرتان والحياة مرتان كذلك، والخلاف في هذه المسألة: أيكون الموت بعد حياة؟ أم يكفي أن يكون عدمٌ تأتي بعده الحياة؟ نقول: الموت هو العدم المطلق، سواء كان قبله حياة أم لم تكن قبله حياة؟ وأنت مثلاً ترى البعوضة صغيرة، والفيل ضخماً كبيراً فتقول: سبحان مَنْ صغّر البعوضة وكبّر الفيل، أكانت البعوضة كبيرة ثم صغّرها الله أم خُلقت هكذا؟ إذن: الموت ليس من الضروري أن يسبقه حياة، فيكفي أنه لم تكُنْ فيه حياة، بعد ذلك أحيانا الله واستوفينا الأجل في الدنيا ثم يأتي الموت. إذن: الآية جمعت بين المعنيين: الموت المطلق أو العدم الذي لم تسبقه حياة، والموت بمعنى نَقْض الحياة الموجودة بالفعل، فقال سبحانه: {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} [غافر: 11]. بعضهم يرى أن الموت الأول هو إذهاب الحياة بعد انقضاء الأجل، ثم يحيا في القبر للسؤال ثم يموت في القبر ثم يُبعث يوم القيامة، والأول الذي اخترناه أليق. وقوله سبحانه: {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} [غافر: 11] الاستفهام في {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} [غافر: 11] استفهام للتمني لكن هيهات، فلو رُدُّوا لَعَادوا لما كانوا عليه، فلا فائدةَ من تكرار هذه التجربة، والحق سبحانه بيَّن هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} تفسير : [المؤمنون: 100]. ولو رُدُّوا لعادوا بطباع الشر فيهم وكفروا، والخروج أي من المأزق الذي نحن فيه ومن العذاب الذي نعاينه {مِّن سَبِيلٍ} [غافر: 11] من طريق للخروج وللنجاة. هذا الذي ذكرناه خاصٌّ بحياة القوالب وموتها، أما حياة القلوب والأرواح فلها طريق آخر، ذكره الحق سبحانه في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24]. لا شكَّ أنه سبحانه يخاطبهم وهم أحياء الحياة المادية إذن: هناك حياة أخرى يدعوهم إليها، إنها حياةُ المعنويات التي لا يأتي بعدها موت وهي الحياة في الجنة. إذن: عندنا حياة للمادة بها تحيا وتتحرك وتأكل وتشرب وتنشط، وهناك حياة أخرى معنوية بها تدخل الجنة حيث نعيمٌ بلا فَوْت، وحياة بلا موت. الحياة المادية لها روح تناسبها وهي حياة تنتهي بالموت، أما حياة القيم والمعنويات فلا بدَّ لها من روح عُلْوية تأتي بالالتزام بالمنهج في: افعل ولا تفعل، لذلك يسميها الله روحاً: {أية : أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] وسمُّي مَنْ يحملها روحاً: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. وكل من الحياتين لها ما يناسبها من البقاء، فالأولى موقوتة بالأجل، والأخرى ممتدة باقية؛ لذلك قلنا في الشهيد الذي جاد بنفسه وأنهى حياته في سبيل منهجه أن الله يُجازيه على ذلك بأنْ يعصمه من الموت بعد ذلك.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} معناه كُنّا أَمواتاً في أَصلابِ آبائِنا، ثُمَّ أَحييتَنا، ثُمَّ أَمَتنا فيهَا، ثُمَّ أحييتَنا فِي الآخرةِ. ومثلُهُ {أية : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] [أي] أمواتاً في أصلابِ آبائِكُمْ ثُمَّ أحياكُم في أَرحامِ أُمهاتِكُم وأَخرجَكُمْ منهَا ثُمَّ أَماتكم في الدُّنيا ثُمَّ أحياكم في الآخرةِ. وقوله تعالى: {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} معناه أقررنا بهَا.

همام الصنعاني

تفسير : 2661- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر: مَرَّ بالكلبي رجلٌ، فقال له: أرأيت قوله: {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}: [الآية: 11]، قال قد عرفت حيث تذهب إنَّما كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم ثم يميتهم، ثم يحييهم.