Verse. 4146 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

ہُوَالَّذِيْ يُرِيْكُمْ اٰيٰتِہٖ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاۗءِ رِزْقًا۝۰ۭ وَمَا يَتَذَكَّرُ اِلَّا مَنْ يُّنِيْبُ۝۱۳
Huwa allathee yureekum ayatihi wayunazzilu lakum mina alssamai rizqan wama yatathakkaru illa man yuneebu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي يريكم آياته» دلائل توحيده «وينزل لكم من السماء رزقا» بالمطر «وما يتذكر» يتعظ «إلا من ينيب» يرجع عن الشرك.

13

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر ما يوجب التهديد الشديد في حق المشركين أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته، ليصير ذلك دليلاً على أنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء لله تعالى في المعبودية، فقال: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ } واعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان، ومصالح الأبدان، فهو سبحانه وتعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان، فالآيات لحياة الأديان، والأرزاق لحياة الأبدان، وعند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات وأكمل الجهات. ثم قال: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } والمعنى أن الوقوف على دلائل توحيد الله تعالى كالأمر المركوز في العقل، إلا أن القول بالشرك والاشتغال بعبادة غير الله يصير كالمانع من تجلي تلك الأنوار، فإذا أعرض العبد عنها وأناب إلى الله تعالى زال الغطاء والوطاء فظهر الفوز التام، ولما قرر هذا المعنى صرح بالمطلوب وهو الإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على الله تعالى فقال: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } من الشرك، ومن الالتفات إلى غير الله {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } قرأ ابن كثير ينزل خفيفة والباقون بالتشديد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي دلائل توحيده وقدرته {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} جمع بين إظهار الآيات وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان. وهذه الآيات هي السموات والأرضون وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والبخار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا. {وَمَا يَتَذَكَّرُ} أي ما يتعظ بهذه الآيات فيوحد الله {إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي يرجع إلى طاعة الله. {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ} أي اعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي العبادة. وقيل: الطاعة. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} عبادة الله فلا تعبدوا أنتم غيره. قوله تعالى: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ} «ذُو الْعَرْشِ» على إضمار مبتدأ. قال الأخفش: ويجوز نصبه على المدح. ومعنى «رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ» أي رفيع الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن جبير: رفيع السموات السبع. وقال يحيـى بن سلام: هو رفعة درجة أوليائه في الجنة فـ«ـرَفِيعُ» على هذا بمعنى رافع فعِيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدراً منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق لها غيره؛ قاله الحليمي. وقد ذكرناه في «الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» والحمد لله. «ذُو الْعَرْشِ» أي خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من قولهم: ثُلَّ عرشُ فلان أي زال ملكه وعزه، فهو سبحانه {ذُو ٱلْعَرْشِ} بمعنى ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيّناه في «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى». {يُلْقِي ٱلرُّوحَ} أي الوحي والنبوة «عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ»، وسمي ذلك روحاً لأن الناس يحيون به؛ أي يحيون من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: الروح القرآن؛ قال الله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]. وقيل: الروح جبريل؛ قال الله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} تفسير : [الشعراء: 193] وقال: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [النحل: 102]. {مِنْ أَمْرِهِ} أي من قوله. وقيل: من قضائه. وقيل: «مِنْ» بمعنى الباء أي بأمره. {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} وهم الأنبياء يشاء هو أن يكونوا أنبياء وليس لأحد فيهم مشيئة. {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} أي إنما يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله: {لِيُنذِرَ} يرجع إلى الرسول. وقيل: أي لينذر الله ببعثه الرسل إلى الخلائق «يَوْمَ التَّلاَقِ». وقرأ ابن عباس والحسن وابن السَّمَيْقَع «لِتُنْذِرَ» بالتاء خطاباً للنبي عليه السلام. «يَوْمَ التَّلاَقِ» قال ابن عباس وقتادة: يوم تلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة أيضاً وأبو العالية ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. وقيل: العابدون والمعبودون. وقيل: الظالم والمظلوم. وقيل: يلقى كل إنسان جزاء عمله. وقيل: يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد؛ روي معناه عن ابن عباس. وكله صحيح المعنى. {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} يكون بدلاً من يوم الأول. وقيل: «هُمْ» في موضع رفع بالابتداء و«بَارِزُونَ» خبره والجملة في موضع خفض بالإضافة؛ فلذلك حذف التنوين من «يَوْمَ» وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا كان الظرف بمعنى إذ؛ تقول لقيتك يومَ زيدٌ أميرٌ. فإن كان بمعنى إذا لم يجز نحو أنا ألقاك يومَ زيدٌ أميرٌ. ومعنى: «بَارِزُونَ» خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء؛ لأن الأرض يومئذٍ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمْتاً على ما تقدّم في «طه» بيانه. {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} قيل: إن هذا هو العامل في «يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ» أي لا يخفى عليه شيء منهم ومن أعمالهم «يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ». {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن: هو السائل تعالى وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجبيه فيجيب نفسه سبحانه فيقول: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}. النحاس: وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر منادٍ ينادي «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم» فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم «لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» فيقول المؤمنون هذا (الجواب) سروراً وتلذذاً، ويقوله الكافرون غماً وانقياداً وخضوعاً. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد؛ لأنه لا فائدة فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل. قلت: والقول الأول ظاهر جداً؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدَّعين وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كلّ مَلِك ومُلْكه ومتكبّر وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودلّ على هذا قوله الحق عند قبض (الأرض) والأرواح وطيّ السماء: حديث : «أنا الملِك أين ملوك الأرض» كما تقدّم في حديث أبي هريرةتفسير : وفي حديث ابن عمر: ثم يطوي الأرض بشماله (والسموات بيمينه)، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون. وعنه قوله سبحانه: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. قال محمد بن كعب قوله سبحانه: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} (يكون) بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكاً ولا مملوكاً فيقول: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فلا يجيبه أحد؛ لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} لأنه بقي وحده وقهر خلقه. وقيل: إنه ينادي منادٍ فيقول: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فيجيبه أهل الجنة: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} فالله أعلم. ذكره الزمخشري. قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} أي يقال لهم إذا أقروا بالملك يومئذٍ لله وحده «الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ» من خير أو شر. {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} أي لا ينقص أحد شيئاً مما عمله. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي لا يحتاج إلى تفكر وعقد يدٍ كما يفعله الحسَّاب؛ لأنه العالم الذي لا يعزب عن عمله شيء فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره؛ وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة». وفي الخبر: ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِ } دلائل توحيده {وَيُنَزِّلُ لَكُم مّنَ ٱلسَّمَاءِ رِزْقاً } بالمطر {وَمَا يَتَذَكَّرُ } يتعظ {إِلاَّ مَن يُنِيبُ } يرجع عن الشرك.

ابن عطية

تفسير : هذه ابتداء مخاطبة في معنى توحيد الله تعالى وتبيين علامات ذلك، وآيات الله: تعم آيات قدرته وآيات قرآنه والمعجزات الظاهرة على أيدي رسله. وتنزيل الرزق: هو في تنزيل المطر وفي تنزيل القضاء والحكم، قيل ما يناله المرء في تجارة وغير ذلك وقرأ جمهور الناس: "ويُنْزِل" بالتخفيف. وقرأ الحسن والأعرج وعيسى وجماعة: "وينَزِّل" بفتح النون وشد الزاي. وقوله تعالى: {وما يتذكر إلا من ينيب} معناه: وما يتذكر تذكراً يعتد به وينفع صاحبه، لأنا نجد من لا ينيب يتذكر، لكن لما كان ذلك غير نافع عد كأنه لم يكن. وقوله: {فادعوا الله} مخاطبة للمؤمنين أصحاب محمد عليه السلام. "وادعوا": معناه: اعبدوا. وقوله تعالى: {رفيع الدرجات} صفاته العلى، وعبر بما يقرب لأفهام السامعين، ويحتمل أن يريد بـ {رفيع الدرجات} التي يعطيها للمؤمنين ويتفضل بها على عباده المخلصين في جنة. و: {العرش} هو الجسم المخلوق الأعظم الذي السماوات السبع والأرضون فيه كالدنانير في الفلاة من الأرض. وقوله تعالى: {يلقي الروح} قال الضحاك: {الروح} هنا هو الوحي القرآن وغيره مما لم يتل. وقال قتادة والسدي: {الروح} النبوءة ومكانتها كما قال تعالى: {أية : روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى: 52] ويسمى هذا روحاً لأنه يحيي به الأمم والأزمان كما يحيي الجسد بروحه، ويحتمل أن يكون إلقاء الروح عاماً لكل ما ينعم الله به على عباده المعتدين في تفهيمه الإيمان والمعتقدات الشريفة. والمنذر على هذا التأويل: هو الله تعالى. قال الزجاج: {الروح}: كل ما به حياة الناس، وكل مهتد حي، وكل ضال كالميت. وقوله: {من أمره} إن جعلته جنساً للأمور فـ {من} للتبعيض أو لابتداء الغاية، وإن جعلنا الأمر من معنى الكلام: فـ {من} إما لابتداء الغاية، وإما بمعنى الباء، ولا تكون للتبعيض بتة وقرأ أبي بن كعب: وجماعة: "لينذِر" بالياء وكسر الذال، وفي الفعل ضمير يحتمل أن يعود على الله تعالى، ويحتمل أن يعود على {الروح}، ويحتمل أن يعود على {من} في قوله: {من يشاء}. وقرأ محمد بن السميفع اليماني: "لينذَر" بالياء وفتح الذال، وضم الميم من "يومُ" وجعل اليوم منذراً على الاتساع. وقرا جمهور الناس: "لتنذر" بالتاء على مخاطبة محمد عليه السلام، ويومَ" بالنصب. وقرأ أبو عمرو ونافع وجماعة: "التلاق" دون ياء. وقرأ أبو عمرو أيضاً وعيسى ويعقوب: "التلاقي" بالياء، والخلاف فيها كالخلاف الذي مر في {أية : التنادي} تفسير : [غافر: 32]، ومعناه: تلاقي جميع العالم بعضهم ببعض، وذلك أمر لم يتفق قبل ذلك اليوم، وقال السدي: معناه: تلاقي أهل السماء وأهل الأرض، وقيل معناه تلاقي الناس مع بارئهم، وهذا المعنى الأخير هو أشدها تخويفاً، وقيل يلتقي المرء وعمله. وقوله تعالى: {يوم هم بارزون} معناه في براز من الأرض ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، ونصب {يوم} على البدل من الأول فهو نصب المفعول، ويحتمل أن ينصب على الظرف ويكون العامل فيه قوله: {لا يخفى} وهي حركة إعراب لا حركة بناء، لأن الظرف لا يبنى إلا إذا أضيف إلى غير متمكن كيومئذ، وكقول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الطويل] شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمّا أصحُ والشيب وارع تفسير : وكقوله تعالى: {أية : هذا يوم ينفع الصادقين} تفسير : [المائدة: 119] وأما في هذه الآية فالجملة أمر متمكن كما تقول: جئت يوم زيد فلا يجوز البناء، وتأمل. وقوله تعالى: {لا يخفى على الله منهم} أي من بواطنهم وسرائرهم ودعوات صدورهم، وفي مصحف أبي بن كعب: "لا يخفى عليه منهم شيء" بضمير بدل المكتوبة. وقوله تعالى: {لمن الملك اليوم} روي أن الله تعالى يقرر هذا التقدير ويسكت العالم هيبة وجزعاً، فيجيب هو نفسه قوله: {لله الواحد القهار} قال الحسن بن أبي الحسن هو تعالى السائل وهو المجيب. وقال ابن مسعود: أنه تعالى يقرر فيجيب العالم بذلك، وقيل ينادي بالتقرير ملك فيجيب الناس. قال القاضي أبو محمد: وإذا تأمل المؤمن أنه لا حول لمخلوق ولا قوة إلا بالله، فالزمان كله وأيام الدهر أجمع إنما الملك فيها {لله الواحد القهار}، لكن ظهور ذلك للكفرة والجهلة يتضح يوم القيامة، وإذا تأمل تسخير أهل السماوات وعبادتهم ونفوذ القضاء في الأرض فأي ملك لغير الله عز وجل. ثم يعلم تعالى أهل الموقف بأنه يوم المجازاة بالأعمال صالحها وسيئها، وهذه الآية نص في أن الثواب والعقاب معلق باكتساب العبيد، وأنه يوم لا يوضع فيه أمر غير موضعه، وذلك قوله: {لا ظلم اليوم}. ثم أخبرهم عن نفسه بسرعة الحساب، وتلك عبارة عن إحاطته بالأشياء علماً، فهو يحاسب الخلائق في ساعة واحدة كما يرزقهم، لأنه لا يحتاج إلى عد وفكرة، لا رب غيره، وروي أن يوم القيامة لا ينتصف حتى يقيل المؤمنون في الجنة والكافرون في النار.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {هو الذي يريكم آياته} أي عجائب مصنوعاته التي تدل على كمال قدرته {وينزل لكم من السماء رزقاً} يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق {وما يتذكر} أي يتعظ بهذه الآيات {إلا من ينيب} أي يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره {فادعوا الله مخلصين له الدين} أي الطاعة والعبادة {ولو كره الكافرون}. قوله تعالى: {رفيع الدرجات} أي رافع درجات الأنبياء والأولياء والعلماء في الجنة وقيل معناه المرتفع أي إنه سبحانه وتعالى هو المرتفع بعظمته في صفات جلاله وكماله ووحدانيته المستغني عن كل ما سواه وكل الخلق فقراء إليه {ذو العرش} أي خالقه ومالكه، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر لأنه أعظم الأجسام والمقصود بيان كمال التنبيه على كمال القدرة فكل ما كان أعظم كانت دلالته على كمال القدرة أقوى {يلقي الروح} يعني ينزل الوحي سماه روحاً لأن به تحيا الأرواح كما تحيا الأبدان بالأرواح {من أمره} قال ابن عباس: من قضائه وقيل بأمره وقيل من قوله {على من يشاء من عباده} يعني الأنبياء {لينذر يوم التلاق} يعني لينذر النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي يوم التلاق وهو يوم القيامة لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، وقيل يلتقي الخلق والخالق وقيل يلتقي العابدون والمعبودون وقيل يلتقي المرء مع عمله وقيل يلتقي الظالم والمظلوم {يوم هم بارزون} أي خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء {لا يخفى على الله منهم شيء} أي من أعمالهم وأحوالهم، فإن قلت إن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام فما وجه تخصيص ذلك اليوم، قلت كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله تعالى لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم وهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه في الدنيا {لمن الملك اليوم} أي يقول الله عز وجل في ذلك اليوم بعد فناء الخلق لمن الملك فلا أحد يجيبه فيجيب نفسه تعالى فيقول {لله الواحد القهار} أي الذي قهر الخلق بالموت وقيل إذا حضر الأولون والآخرون في يوم القيامة نادى مناد لمن الملك فيجيبه جميع الخلائق في يوم القيامة {لله الواحد القهار} فالمؤمنون يقولونه تلذذاً حيث كانوا يقولونه في الدنيا ونالوا به المنزلة الرفيعة في العقبى والكفار يقولونه على سبيل الذل والصغار والندامة حيث لم يقولوه في الدنيا {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} يعني يجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته {لا ظلم اليوم} أي إن الخلق آمنون في ذلك اليوم من الظلم لأن الله تعالى ليس بظلام للعبيد {إن الله سريع الحساب} أي إنه تعالى لا يشغله حساب عن حساب بل يحاسب الخلق كلهم في وقت واحد. قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الآزفة} يعني يوم القيامة سميت آزفة لقرب وقتها وكل ما هو آت فهو قريب {إذ القلوب لدى الحناجر} وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر فلا هي تعود إلى أماكنها ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا {كاظمين} أي مكروبين ممتلئين خوفاً وحزناً حتى يضيق القلب عنه {ما للظالمين من حميم} أي من قريب ينفعهم {ولا شفيع} أي يشفع لهم {يطاع} أي فيهم {يعلم خائنة الأعين} أي خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل وقيل هو نظر الأعين لما نهى الله عنه {وما تخفي الصدور} أي يعلم مضمرات القلوب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} ليدل على كمال قدرته وحكمته وأنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصور شركاء لله تعالى في المعبودية، ثم قال {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرٍ "ينزل" خفيفة والباقون بالتشديد. واعلم أن أهم المُهّمات رعايةُ مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فالله تعالى يراعي مصالح أديان العباد بإظهار البَيِّنات والآيات وراعى مصالح العباد بأبدانهم بإنزال الرزق من السماء فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولها يحصل الإنعام الكامل. ثم قال: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي ما يتعظ بهذه الآيات إلا من يرجع إلى الله في جميع أموره فيعرض عن غير الله ويقبل الكليّة على الله تعالى ولهذا قال {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} عن الشرك وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ. قوله تعالى: "رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ" فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر "ذو العرش" و "يُلْقِي الروح" يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً، ويجوز أن يكونَ الثلاثة أخباراً لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الثلاثة أخباراً لقوله {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ} قال الزمخشري: ثلاثة أخبار يجوز أن تكون مترتبة على قوله {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ} أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً، قال شهاب الدِّين: أما الأول ففيه طول الفصل وتعدد الأخبار، وليست في معنى خبر واحد، (وأما الثاني ففيه تعدد الأخبار وليس في معنى واحد) وهي مسألة خلاف ولا يجوز أن يكون "ذُو العَرْشِ" صفة "لِرَفيعِ الدرجات" إن جعلناه صفة مشبهة، أما إذا جعلناه مثال مبالغة أي يرفع درجات المؤمنين فيجوز ذلك على أن يجعل إضافته محضة، وكذلك عند من يُجَوِّزُ تَمَحُّضَ إضافة الصفة المشبهة أيضاً. وقد تقدم، وقرىء "رَفِيعَ" بالنصب على المدح. فصل لما ذكر من صفات كبريائه كونه مظهراً للآيات منزلاً للأرزاق ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله رفيع الدرجات وهذا يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، فإن حملناهُ على الأول ففيه وجوه: الأول: أن الله يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة. والثاني: يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة فجعل لكل أحد من الملائكة درجةً معيّنة كما قال: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : الصافات:164]، وجعل لكل أحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى: {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}تفسير : [المجادلة:11] وعين لكل جسم درجةً معينة فجعل بعضها سُفْليّة كدرة، وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، وأيضاً جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخَلْقِ والخُلُقِ والرزق والأجل فقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}تفسير : [الأنعام:165] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة وفي الآخرة تظهر تلك الآثار. وإن جعلنا "الرفيع" على "المرتفع" فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال. وقوله "ذُو العرْشِ" أي خالقه ومالكه ومدبره، و "يُلْقِي الرُّوح" أي ينزل الوحي من السماء روحاً لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح وقوله "مِنْ أَمْرِهِ" متعلق بـ "يُلْقِي"، و "مِنْ" لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حَالٌ من "الروح". فصل قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: معنى من أمره أي من قضائه، وقيل: من قوله. وقال مقاتل بأمره على من يشاء من عباده. وقوله: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} العامة على بنائه للفاعل، ونصب اليوم والفاعل هو الله تعالى أو الروح أو "مَنْ يَشَاءُ" أو الرسول، ونصب "اليوم" إما على الظرفية والمُنْذَرُ به محذوف تقديره لينذر العذابُ يوم التلاق، وإما على المفعول به اتساعاً في الظرف وقرأ أبيّ وجماعة كذلك إلا أنه رفع اليوم على الفاعلية مجازاً أي لينذر الناس العذاب يوم التلاق. وقرأ الحسن واليمانيّ "لتنذر" ـ بالتاء من فوق ـ وفيه وجهان: أحدهما: أن الفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ. والثاني: أن الفاعل ضمير الروح فِإنها مؤنثة على رأيٍ. وقرأ اليماني أيضاً "لينذر" مبنياً للمفعول "يوم" بالرفع وهي تؤيد نصبه في قراءة الجمهور على المفعول به اتساعاً. وأثبت ياء "التلاق" وصلاً ووقفاً ابن كثير، وأثبتها في الوقف دون الوصل من غير خلاف ورشٌ، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً إلا قَالُونُ، فإنه روي عنه وجهان، وجهٌ كورشٍ، ووجه كالباقين، وكذلك هذا الخلاف بعينه جارٍ في "يَوْم التَّنَادِ". وقد تقدم توجيه هنذه الوجهين في الرَّعْد في قوله: {أية : ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ}تفسير : [الرعد:9]. قوله" {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} في "يوم" أربعةُ أوجه: أحدها: أنه بدل من "يوم التلاق" بدل كل من كل. الثاني: أن ينتصب بالتلاق أي يقع التلاق في يوم بُرُوزِهِمْ. الثالث: أن ينتصب بقوله لا يَخْفَى عَلَى اللهِ (مِنْهُمْ شَيْءٌ) ذكره ابن عطية. وهذا على أحد الأقوال الثلاثة في "لا" هل يعمل ما بعدها فيما قبلها؟ ثالثها التفصيل بين أن تقع جواب قسم فيمتنع أو لا فيجوز هذا على قولين من هذه الأقوال. الرابع: أن ينتصب بإضمار "اذكر" و "يوم" ظرف مستقبل "كإذا". وسيبويه لا يرى إضافة الظرف المستقبل إلى الجمل الاسمية والأخفش يراه ولذلك قدر سيبويه في قوله {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}تفسير : [الإنشقاق:1] ونحوه فعلاً قبل الاسم، والأخفش لم يقدرْه، وعلى هذا فظاهر الآية مع الأخفش. ويجاب عن سيبويه بأن "هُمْ" ليس مبتدأ بل مرفوعاً بفعل محذوف يفسره اسمُ الفاعل، أي يوم برزوا ويكون "بارزون" خبرَ مبتدأ مضمر، فلما حذف الفعل انفصل الضمير فَبَقِيَ كما ترى، وهذا كما قالوا في قوله (ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ): شعر : 4322ـ لَوْ بغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ كُنْتُ كالغَصَّانِ بِالمَاءِ اعْتِصَارِي تفسير : في أَنَّ "حَلْقِي" مرفوعٌ بفعل يفسره "شَرِقٌ"؛ لأنَّ "لَوْ" لا يليها إلا الأفعال، وكذا قوله (شعرا) شعر : 4323ـ ............................ إليَّ فَهَلاَّ نَفْسُ لَيْلَى شَفِيعُها تفسير : لأنَّ "هَلاَّ" لا يليها إلا الأفعال، فالمفسَّر في هذه المواضع ِأسماء مشتقة وهو نظير: أنا زَيْداً أضَارِبُهُ من حين التفسير، وحركة "يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ" حركة إعراب على المشهور، ومنهم من جوز بناء الظرف وإن أضيف إلى فعلٍ مضارع أو جملة اسمية وهم الكوفيون، وقد وَهَمَ بعضُهم فَحَتَّم بناء الظرف المضاف للجمل الاسمية وقد تقدم أنه لا يبنى عند البصريين إلا ما أضيف إلى (فعل) ما نُصَّ كقوله: شعر : 4324ـ عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ........ ............................ تفسير : وتقدم هذا مُسْتَوْفًى في آخر المائدة. وكتبوا "يَوْمَ" هنا وفي الذاريات منفصلاً، وهو الأصل. قوله: {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ} يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً من ضمير "بَارِزُونَ"، وأن تكون خبراً ثانياً. فصل قال بعض المفسرين: يوم التلاق هو يوم يلتقي أهلُ السماء وأهل الأرض. وقال قتادة ومقاتل: يلتقي الخلق والخالق. وقال ابن زيد: يتلاقى العباد. وقال مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ: يلتقي الظالم والمظلوم، وقيل: يلتقي العابد والمعبود، وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله، وقيل: يلتقي الأرواح مع الأجساد، بعد مفارقتها إياها يوم هم بارزون، كناية عن ظهور أعمالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ}تفسير : [الطارق:9]. {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ} أي من أحوالهم شيء ويقول الله سبحانه بعد فناء الخلق {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه فيقول {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} الذي قهر الخلق بالموت. فإن قيل: الله تعالى لا يخفى عليه شيء منهم في جميع الأيام فما معنى تقييد هذا العلم بذلك اليوم؟. فالجواب: أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحِيطَان والحُجُب أن الله لا يراهم ويخفى عليه أعمالهم فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حالة لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في الدنيا، كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [فصلت:22]، وقال تعالى: {أية : يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ}تفسير : [النساء:108] وهو معنى قوله: {أية : وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}تفسير : [إبراهيم:48]. فصل قال المفسرون: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى: لِمن الملك اليوم؟ يعني يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فهو تعالى يجيب نفسه فيقول: لله الواحد القهار، قال ابن الخطيب: قال أهل الأصول هذا القول ضعيف من وجوه: الأول: أنه تعالى بين أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق يوم هم بارزون، ويوم تجزى كل نفس ما كسبت، والناس في ذلك الوقت أحياء فبطل قولهم إنما ينادى هذا النداء حين يَهْلِكُ كُلُّ من في السموات ومن في الأرض. الثاني: أن الكلام لا بد فيه من فائدة؛ لأن الكلام إما أن يذكر حالَ حُضُور الغير أو حالَ ما لا يَحْضُرُ الغير، والأول باطل ههنا؛ لأن القوم قالوا: إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل. والثاني أيضاً باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأن يحفظ به شيئاً كتكريره على الدرس وذلك على الله تعالى محال أو لأجل أن يعدي الله بذلك الذكر وهذا ايضاً على الله تعالى محال فثبت (أن) قولهم: إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل، وقال بعض المفسرين: إنه في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى منادٍ: لمن الملك اليوم؟ فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة: لله الواحد القهار، فالمؤمنون يقولونه تلذذاً بهذا الكلام حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة، والكفار يقولونه تحسراً وصَغَاراً وندامةً على تفويتهم هذا الذكر في الدنيا، وقال القائلون بهذا القول الأول عن ابن عباس وغير إن هذا النداء بعد هلاك البشر لم يمنع أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء ويجيبون بقولهم: لله الواحد القهار. وقال ابن الخطيب: أيضاً على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى، ولا يبعد أيضاً أن يكون السائل جمعاً من الملائكة والمجيب جمع آخرون وليس على التعيين دليل. قوله: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} يجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.

ابو السعود

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ} الدالةَ عَلى شؤونِه العظيمةِ الموجبةِ لتفرده بالألوهيةِ لتستدلوا بها على ذلك وتعملوا بموجبِهَا فتوحِّدوه تعالَى وتخُصُّوه بالعبادةِ {وَيُنَزّلُ} بالتشديدِ وقُرىءَ بالتخفيفِ منَ الإنزالِ {لَكُم مّنَ ٱلسَّمَاء رِزْقاً} أيْ سببَ رزقٍ وهو المطرُ وإفرادُه بالذكرِ مع كونِه من جملةِ الآياتِ الدالةِ على كمالِ قُدرتِهِ تَعَالى لتفردِّه بعنوانِ كونِه من آثارِ رحمتِه وجلائلِ نعمتِه الموجبةِ للشكرِ، وصيغةُ المضارعِ في الفعلينِ للدِّلالةِ على تجددِ الإراءةِ والتنزيلِ واستمرارِهِما، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعولِ لما مَرَّ غيرَ مرةٍ {وَمَا يَتَذَكَّرُ} بتلكَ الآياتِ الباهرةِ ولا يَعملُ بمقتضَاهَا {إِلاَّ مَن يُنِيبُ} إلى الله تَعَالى ويتفكرُ فيما أودَعهُ في تضاعيفِ مصنوعاتِهِ من شواهدِ قدرتِه الكاملةِ ونعمتِه الشاملةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ تَعالَى ومن ليسَ كذلكَ فهُو بمعزلٍ منَ التذكرِ والاتعاظِ {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} أيْ إِذا كانَ الأمرُ كَما ذكرَ منَ اختصاصِ التذكرِ بمنْ ينيبُ فاعبدُوه أيُّها المؤمنونَ مخلصينَ له دينَكُم بموجبَ إنابتِكم إليهِ تعالَى وإيمانِكم به {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} ذلكَ وغاظَهُم إخلاصُكم. {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ} نحوُ بديعِ السمواتِ عَلى أنه صفةٌ مشبّهةٌ أضيفتْ إلى فاعِلها بعدَ النقلِ إلى فُعُلٍ بالضمِّ كما هُوَ المشهورُ وتفسيرُه بالرافعِ ليكونَ منْ إضافِه اسمِ الفاعلِ إلى المفعولِ بعيدٌ في الاستعمالِ أيْ رفيعُ درجاتِ ملائكتِه أي معارجِهم ومصاعدِهم إلى العرشِ {ذُو ٱلْعَرْشِ} أيْ مالكُه وهُمَا خبرانِ آخرانِ لقولِه تعالى: (هوَ) أخبرَ عنْهُ بهما إيذاناً بعلوِّ شأنِه تَعَالى وعظمِ سُلطانِه الموجبَـيْنِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ وإخلاصِ الدينِ لهُ إمَّا بطريقِ الاستشهادِ بهمَا عليهَما فإنَّ ارتفاعَ معارجَ ملائكتِه إلى العرشِ وكونَ العرشِ العظيمِ المحيطِ بأكنافِ العالمِ العلويِّ والسفليِّ تحتَ ملكوتِه وقبضةِ قدرتِه مما يقضِي بكونِ علوِّ شأنِه وعظمِ سُلطانِه في غايةٍ لاغايةَ وراءَهَا وإمَّا بجعلَهما عبارةً عنهما بطريقِ المجازِ المتفرعِ على الكنايةِ كالاستواءِ على العرشِ وتمهيداً لما يعقُبهما من قولِه تعالى {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} فإنَّه خبرٌ آخرُ لمَا ذكرَ منبىءٌ عن إنزالِ الرزقِ الرُّوحانِيِّ الذي هُو الوحيُ بعدَ بـيانِ إنزالِ الرزقِ الجُسمانيِّ الذي هُو المطرُ أي ينزلُ الوحيَ الجاريَ من القلوبِ منزلةَ الروحِ منَ الأجسادِ وقولُه تعالَى مِنْ أمرِه بـيانٌ للروحِ الذي أريدَ بهِ الوحيُ فإنَّه أمرٌ بالخيرِ أو حالٌ منِهُ أيْ حالَ كونِه ناشئاً ومبتدأً منْ أمرِهِ أو صفةٌ لهُ عَلى رأْي منْ يجوزُ حذفَ الموصولِ معَ بعضِ صلتِه أي الروحَ الكائنَ منْ أمرهِ أو متعلقٌ بـيُلقِي وَمنْ للسببـيةِ كالباءِ مثلُ ما في قولِه تَعَالى: { أية : مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ} تفسير : [سورة نوح: الآية 25] أي يُلقِي الوحيَ بسببِ أمرهِ {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} وهوَ الذي اصطفاهُ لرسالتِه وتبليغِ أحكامِه إليهمْ {لّيُنذِرَ} أي الله تعالَى أو المُلقىٰ عليه أو الروح، وقرىء لتنذر على أن الفاعل هو الرسول عليه الصلاة والسلام أو الرُّوحُ لأنَّها قد تؤنث {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} إما ظرفٌ للمفعولِ الثانِي أي لينذرَ الناسَ يوم العذابَ التلاقِ وهو يومُ القيامةِ لأنَّه يتلاقَى فيهِ الأرواحُ والأجسامُ وأهلُ السمواتِ والأرضِ أو هُو المفعولُ الثانِي اتساعاً أوْ أصالةً فإنَّه منْ شدةِ هولِه وفظاعتِه حقيقٌ بالإنذارِ أصالةً وقُرىَء ليُنْذرَ عَلَى البناءِ للمفعولِ ورفعِ اليومِ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} [الأية: 13]. قال أبو بكر بن طاهر: من آياته فى الأرض للعوام سَوْق الأرزاق إليهم من غير حركة وسعى منهم فى ذلك ومن آياته للخواص من عباده مكان أوليائه وأهل صفوته فمن صحبهم وتبعهم وصبر على موافقتهم كُفِى اهتمام طلب الأرزاق ورُزق من حيث لا يحتسب قال الله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً}. قال ابن عطاء: من آياته أنك لا تنظر إلى شىء من الموجودات إلا وهو يخاطبك بحقيقة التوحيد ويدلك على الحق وذلك ظاهر لمن تبين وكشف له وأيّد بالعناية.

القشيري

تفسير : يُريهم آياتِ فَضْلِه فيما يُلاطِفُهم، ويريهم آياتِ قَهْرِه فيما يكاشفهم، ويريهم آياتِ عَفْـوِه إذا تَنَصَّلُوا، وآياتِ جوده إذا توسَّلُوا، وآياتِ جلالِه إذا هابوا فغابوا، وآياتِ جمالِه إذا آبوا واستجابوا. {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} لأبدانكم وهو توفيق المجاهدات، ولقلوبكم وهو تحقيق المشاهدات، ولأسراركم وهو فنون المواصلات والزيادات. {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ}: يرجع من العادة إلى العبادة، ومن الشَّكِّ إلى اليقين، ومن الخَلْقِ إلى الحقِّ، من الجهل إلى العِلْم، ومن النَّكرة إلى العرفان.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو} تعالى وحده {الذى يريكم آياته} دلائل قدرته وشواهد وحدته فى الانفس والآفاق رعاية لمصالح اديانكم وفيه اشارة الى ان ليس للانسان ان يرى ببصيرته حقائق الاشيا الا بارآءة الحق تعالى اياه {وينزل لكم من السماء رزقا} اى سبب رزق وهو المطر مراعاة لمصالح ابدانكم فان آيات الحق بالنسبة الى حياة الاديان بمنزلة الارزاق بالنسبة الى حياة الابدان {وما يتذكر} التذكر بند كرفتن. اى ما يتعظ وما يعتبر بتلك الآيات الباهرة ولا يعمل بمقتضاها {الا من ينيب} يرجع الى الله تعالى عن الانكار ويتفكر فيما اودعه فى تضاعيف مصنوعاته من شواهد قدرته الكاملة ونعمته الشاملة الظاهرة والباطنة الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى ومن ليس كذلك وهو المعاند فهو بمعزل من التذكر والاتعاظ فاذا كان الامر كذلك اى كما ذكر من اختصاص التذكر بمن ينيب

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هو الذي يُريكم آياته} الدالة على كبريائه، وكمال قدرته، من الرياح، والسحاب، والرعد، والبرق، والصواعق، وغير ذلك، لتستدلوا على ذلك، وتعملوا بموجبها، فتُوحدوه تعالى، وتخصُّوه بالعبادة، {ويُنزّل لكم من السماء رزقاً}؛ مطراً؛ لأنه سبب الرزق. وأفرده بالذكر مع كونه مِن جملة الآيات؛ لتفرُّده بكونه من آثار رحمته، وجلائل نِعَمه الموجبة للشكر؛ إذ به قوام الحيوانات بأسرها. وصيغة المضارع في الفعلين؛ للدلالة على تجدُّد الإراءة والتنزيل، واستمرارهما. {وما يتذكَّرُ إِلا مَن يُنيب} أي: وما يتعظ ويعتبر بهذه الآيات الباهرة، ويعمل بمقتضاها إلا مَن يتوب ويرجع عن غيّه إلى الله تعالى، فيتفكّر فيما أودعه في تضاعيف مصنوعاته من شواهد قدرته الكاملة، ونِعَمه الشاملة. وأما المعاند فلا يتعظ ولا يعتبر؛ لسفح الران على قلبه. وإذا كان الأمر كما ذكرنا، من اختصاص التذكير بمَن ينيب، {فادْعُوا الله}، أو: تقول: لَمَّا ذكر أحوال المشركين، وأراد أن يشفع بأضدادهم، جعل قوله: {هو الذي يُريكم آياته...} الخ، توطئة لقوله: {فادعوا الله} أي: اعبدوه {مخلِصين له الدين} من الشرك الجلي والخفي، بموجب إنابتكم إليه تعالى وإيمانكم، {ولو كَرِه الكافرون}؛ وإن غاظ ذلك أعداءكم، ممن لم يتب مثلكم، فإن الله يُكرم مثواكم، ويرفع درجاتكم، فإنه {رفيعُ الدرجات} أي: رافع درجات أوليائه المؤمنين، الداعين إليه، المخلصين في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالعز والنصر، وفي الآخرة بالقُرب والاختصاص، أو: رفيع السموات التي هي مصاعد الملائكة، ومهابطها، للسفارة بين المرسِل والمرسَل إليه، وهو كالمقدمة لقوله: {يُلقي الروح...} الخ. هذا على أنه اسم فاعل، مبالغة، وقيل: هو صفة مشبهة أُضيفت إلى فاعلها، أي: رفيعٌ درجاتُه بالعلو والقهرية. {ذو العرش} أي: مالكه، وهما خبران آخران عن {هو الذي...} الخ، إيذاناً بعلو شأنه، وعِظم سلطانه، الموجبين لتخصيص العبادة به، وإخلاص الدين له بطريق الاستشهاد بهما عليهما؛ فإنَّ ارتفاع الدرجات والاستيلاء على العرش ـ مع كون العرش محيطاً بأكناف العالم العلوي والسفلي، وهو تحت ملكوته وقبضة قهره مما يقضي بكون علو شأنه وعظيم سلطانه ـ في غاية لا غاية ورائها. قاله أبو السعود. ثم ذكر سبب رفع الدرجات بقوله: {يُلقي الروح} أي: ينزل الوحي، الجاري من القلوب بمنزلة الروح من الأجسام، وكأنه لَمَّا ذكر رزق الأجسام أتبعه برزق الأرواح، الذي هو العلم بالله، وطريقُه الوحي. والتعبير بالمضارع، قال الطيبي: يفيد استمرار الحي من لدن آدم إلى زمن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اتصاله إلى قيام يوم التنادي، بإقامة مَن يقوم بالدعوة، على ما روى أبو داود، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إِنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ لهذه الأمة على رأسِ كلِّ مائةِ سنَة مَن يُجَدِّدُ لها دِينَها" تفسير : ومعنى التجديد: إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسُنَّة، والأمر بمقتضاهما. هـ. قلت: وقد رزتُ شيخنا البوزيدي رضي الله عنه مرة، فلما وقع بصره عليّ، قال: واللهِ، حتى يُحْيي الله بك الدين المحمدي. وكتب لي شيخ الجماعة، وقطب دائرة التربية، مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه، فقال في آخر كتابه: وأرجو من الله ألا تموت حتى تكون داعياً إلى الله، تُذكّر أهل المشرق والمغرب. أو ما هذا معناه، وقد وقع ذلك، والحمد لله. وقوله: {مِنْ أَمره} أي: من قضائه، أو: بأمره، فيجوز أن يكون حالاً من الروح، أو متعلقاً بـ (يُلقِي) أي: يُلقِي الروح حال كونه ناشئاً، أو: مبتدئاً من أمره، أو: يُلقي الوحي بسبب أمره {على مَن يشاءُ من عباده} هو الذي اصطفاه لرسالته، وتبليغ أحكامه إلى عباده، {ليُنذر} أي: الله، أو: المُلْقَى عليه، وهو النبي عليه السلام، ويؤيده قراءة يعقوب بالخطاب، أي: لتخوُّف {يومَ التلاقِ}؛ يوم القيامة؛ لأنه يتلاقى فيه أهل السموات وأهل الأرض، والأولون والآخرون، و (يوم): ظرف للمفعول الثاني، أي: ليُنذر الناسَ العذابَ يوم التلاق، أو: مفعول ثان ليُنذر، فإنه من شدة هوله وفظاعته حقيق بالإنذار. {يوم هم بارزون}: بدل من "يوم التلاق" أي: خارجون من قبورهم، أو: ظاهرون، لا يستترون بشيء من جبل أو أكمة أو بناء؛ لكون الأرض يومئذ قاعاً صفصفاً، ولا عليهم ثياب، إنما هم حفاةٌ عراةٌ، كما في الحديث. أو: بارزة نفوسهم لا يحجبها غواش الأبدان، أو: بارزة أعمالهم وسرائرهم، {لا يخفى على الله منهم شيءٌ} من أعمالهم وأحوالهم، الجلية والخفية، السابقة واللاحقة، وهو استئناف لبيان بُروزهم، وإزاحة لِما كان يتوهمه المتوهمون في الدنيا من الاستتار توهماً باطلاً، فإذا برزوا وحُشروا، نادى الحق ـ جلّ جلاله: {لمَن الملكُ اليومَ}؟ فلا يجيبه أحد، ثم يعود ثلاثاً، فيجيب نفسه بنفسه بقوله: {لله الواحدِ القهارِ} أي: الذي قهر العباد بالموت. رُوي أن الله تعالى يجمع الخلائق في صعيد واحد، في أرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة، لم يُعصَ الله عليها قط، فأول ما يُتكلم به أن يُنادي مناد: لِمن المُلكُ اليوم؟ فيجيب نفسه: "لله الوحد القهّار". وقيل: المجيب أهلُ المحشر، ورُوي أيضاً: أن هذا القول يقوله الحق تعالى عند فناء الخلق وقبل البعث، ولعله يقال مرتين. قال تعالى: {اليوم تُجزَى كلُّ نَفْس} من النفوس البرّة والفاجرة، {بما كسبتْ} من خير أو شر، وهذا من تتمة الجواب، أو: حكاية لما سيقوله تعالى يومئذ عقب السؤال والجواب، {لا ظُلمَ اليومَ} بنقص ثواب أو زيادة عذاب، {إِن الله سريعُ الحساب}؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن، فكما أنه يرزقهم دفعة، يُحاسبهم دفعة، فيحاسب الخلق قاطبة في أقرب زمان، كما نُقل عن ابن عباس: أنه تعالى إذا أخذ في حسابهم لم يقِلْ أهلُ الجنة إلا فيها، وأهل النار إلا فهيا. هـ. قلت: المراد بالحساب: إظهار ما يستحق كل واحد من النعيم أو العذاب، وأما ما ورد من طول المكث في المحشر على الكفار والفجّار؛ فإنما ذلك تعذيب بعد فراغ المحاسبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: هو الذي يُريكم آياته الدالة على توحيده، ويُنزل لكم من سماء الغيوب علماً، تتقوّت به قلوبكم وأرواحكم، فتغيبون في مشاهدة المدلول عن الدليل، وما يتذكّر بهذا ويهتدِ إليه إلا مَن يُنيب، ويصحب أهل الإنابة. فادعوا الله، أي: اعبدوه وادعوا إلى عبادته وإخلاص العمل، ولو كره الجاحدون، فإنَّ الله رفيع درجاتِ الداعين إليه مع المقربين، في مقعد صدق عند ذي العرش المجيد. قال القشيري: يرفع درجات المطيعين بظواهرهم في الجنة، ودرجات العارفين بقلوبهم في الدنيا، فيرفع درجتهم عن النظر إلى الكونين، والمساكنة إليهما، وأما المحبُّون فيرفع درجتهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعقبى شيئاً غير رضا محبوبهم. هـ. يُلْقِي الروح من أمره على مَن يشاء من عباده، هو وحي أحكام للأنبياء، ووحي إلهام للأولياء، فيحيي الله بهم الدين في كل زمان، وقال القشيري: بعد كلام: ويقال: روح النبوة، وروح الرسالة، وروح الولاية، وروح المعرفة. هـ. والمراد بالروح: مطلق الوحي، ليُنذر الداعي يومَ التلاقي، فيحصل اللقاء السرمدي مع الحبيب للمقربين، ويحصل الافتراق والبُعد للغافلين، حين تبرز الخلائق بين يدَي الله، لا دعوى لأحد يومئذ، فيقول الحق تعالى: {لمَن الملك اليوم لله الواحِد القهَّار}. قال القشيري: لا يتقيّد مُلْكُه بيومٍ، ولا يختصُّ بوقتٍ، ولكنَّ دَعَاوَى الخلقِ ـ اليوم ـ لا أصلَ لها، ترتفع غداً، وتنقطع تلك الأوهام. هـ. ومثله في الإحياء، وأنه إذا كشف الغطاء شهد الأمر كذلك، كما كان كل يوم، لا في خصوص ذلك اليوم. فإذا حصل للعبد مقام الفناء، لم يرَ في الدارين إلا الله، فيقول: لمَن المُلكُ اليوم؟ فيجيب: لله الواحدِ القهّار. اليوم تُجزَى كُلُّ نفس بما كسبت من التقريب أو الإبعاد. قال القشيري: يجازيهم على أعمالهم الجنانَ، وعلى أحوالهم الرضوان، وعلى أنفاسهم ـ أي: على حفظ أنفاسهم ـ القُرب، وعلى محبتهم الرؤية، ويجازي المذنبين على توبتهم الغفران، وعلى بكائهم الضياء والشفاء. هـ. لا ظُلم اليوم، بل كل واحد يرتفع على قدر سعيه اليوم. وقوله تعالى: {إِنَّ الله سريعُ الحساب} قال القشيري: وسريعُ الحساب مع أوليائه في الحال، يُطالبهم بالنقير والقطمير. هـ. قلت: يدقق عليهم الحساب في الحال، ويرفع مقدارهم في المآل. وبالله التوفيق. ثم حذَّر من هول ذلك اليوم، فقال: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ}.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} ابتداء كلام منقطع عن سابقه، او جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ان كان الحكم له وحده فما له لا يحكم على العباد بالايمان؟! واراءة الآيات امّا باراءة معجزات الانبياء (ع) او باراءة آيات صدقهم، او باراءة آيات قدرته وحكمته وعلمه، او باراءة آيات تدبيره على وفق حكمته، او باراءة الآيات الانفسيّة الّتى لا يخلو احدٌ منها {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} اى رزقاً عظيماً هو الرّزق الانسانىّ من العلم والحكمة {وَ} لكن {مَا يَتَذَكَّرُ} بالآيات ولا بنزول رزق الانسان من السّماء {إِلاَّ مَن يُنِيبُ} الى الله بالتّوبة على يد ولىّ امره.

الأعقم

تفسير : {هو الذي يريكم آياته} من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها {وينزل لكم من السماء رزقاً} يعني المطر {وما يتذكر إلا من ينيب} وما يتيقظ ويتذكر بآيات الله إلا من ينيب من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله من المعاصي بالتوبة {فادعوا الله مخلصين له الدين} أي الطاعة والعبادة {ولو كره الكافرون} {رفيع الدرجات}، كقوله: {أية : ذي المعارج} تفسير : [المعارج: 3] وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش، وعن ابن جبير سماء فوق سماء والعرش من فوقهن، وقيل: هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه في الجنة {ذو العرش} أي خالقه ومالكه، وقيل: العرش الملك أي ذو الملك {يلقي الروح} أي ينزل الوحي، وقيل: يرسل جبريل، وقيل: ينزل القرآن، وقيل: هو كل كتاب أنزله الله {بأمره على من يشاء من عباده} ممن يعلم أنه يصلح أن ينذر أي يخوف {يوم التلاق} أي يوم القيامة، وسمي بذلك لأنه يلتقي فيه الأولون والآخرون، وقيل: يلتقي أهل السماء وأهل الأرض ويلقى المرء مع عمله، وقيل: يلتقي الظالم والمظلوم، وقيل: العابد والمعبود، وقيل: يلتقي كل واحد مع قرينه {يوم هم بارزون} من القبور فلا يستترون بشيء {لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم} يعني يوم القيامة {لله الواحد القهار} حكاية لمن سأل عنه في ذلك اليوم، ومعناه أنه ينادي منادي فيقول: {لمن الملك}؟ فيجيبه أهل الحشر: لله الواحد القهار، وقيل: يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط فأول ما يتكلم به ينادي منادي {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} {اليوم تجزى كل نفسٍ} الآية وهذا يقتضي أن يكون المنادي هو المجيب، لما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدّد نتائج ذلك اليوم، وهو أن كل نفس تجزى {بما كسبت} والظلم مأمون لأن الله ليس بظلاّم للعبيد {إن الله سريع الحساب} إن الحساب لا يبطئ لأن الله لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين، وعن ابن عباس: إذا أخذ في حسابهم لم يقل لأهل الجنة إلا فيها ولم يقل لأهل النار إلا فيها {وأنذرهم يوم الأزفة}، قيل: هو يوم القيامة لأن كل آت قريب وهو الذي يعرب القلوب ويبلغ الأرواح إلى الصدور والحناجر، يعني من الخوف زالت عن صدورهم فتعلقت بحلوقهم فلا هي تعود إلى مكنتها ولا تخرج فيموتون {كاظمين} لها أي للقلوب والنفوس {ما للظالمين} يومئذ {من حميم} قريب وصديق {ولا شفيع يطاع} أي يخاف فيطاع محار {يعلم خائنة الأعين}، قيل: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة، وقيل: هو مسارقة النظر إلى المرأة عن ابن عباس، وقيل: نظر العين إلى ما نهى الله عنه {وما تخفي الصدور} أي يعلم سرائر الصدور.

الهواري

تفسير : قوله: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي: ما يرى العباد من قدرته {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا} أي: مطراً؛ أي في المطر أرزاق العباد. {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي: إلا من يرجع إلى الله فيخلص العبادة له، يعبده لا يشرك به شيئاً. {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} كان المشركون يكرهون أن يظهر دين الله، كقوله: (أية : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) تفسير : [التوبة:33]. قوله: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} أي: هو رفيع الدرجات، أي: درجات المؤمنين في الجنة {ذُو الْعَرْشِ} رب العرش {يُلْقِي الرُّوحَ} أي: ينزل الوحي {مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} أي: الأنبياء مع جبريل {لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ} أي: يوم القيامة، يوم يلتقي فيه الخلائق من أهل السماء وأهل الأرض عند الله يوم القيامة. {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} أي: لا يتوارى عنه شيء في الدنيا والآخرة. {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} يسأل الخلائق فلا يجيبه أحد، فيردّ على نفسه فيقول: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}. قهر العباد بالموت وبما شاء من أمره. قال بعضهم: هذا مابين النفختين، حين لا يبقى أحد غيره، حيث تكون الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه. وقال بعضهم: هذا بعد البعث حين يجمع الخلائق، ولا أدري لعله في الموطنين جميعاً، والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} دلائل توحيده من الريح والسحاب والرعد والبرق وغير ذلك لتوحدوه وتمتثلوا أوامره وتنتهوا عن مناهيه. {وَيُنَزِّلُ لَك مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقاً} مطراً سبباً للرزق وريحاً سبباً لصلاح الاثمار وحراً وبرداً كذلك وغير ذلك من أسباب الرزق والماء نفسه رزق أيضاً* {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي وما يتعظ ويعتبر بآيات الله الا من يتوب من الشرك ويرجع الى الله والمعاند لا سبيل الى تذكره واتعاظه لانهماكه فى التقليد والاتباع بخلاف من أقبل اليها وتبع الدليل فان يجزم بالحق

اطفيش

تفسير : {هُو الَّذي يُريكم آياته} دلائله على وجوده وألوهيته {ويُنزل من السَّماء رزْقاً} سبب رزق بهو المطر، وهو من جملة أياته فذكره تخصيص بعد تعميم، ووجهه أنه من آثار نعمه الموجبة للشكر {وما يتَذكَّر} بتلك الآيات الظاهرة المركوزة فى العقول {إلا مَنْ يُنيبُ} لانهماك غيرهم فى التقليد والهوى.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ} الدالة على شؤنه العظيمة الموجبة لتفرده بالألوهية لتستدلوا بها على ذلك وتعملوا بموجبها فإذا دعي سبحانه وحده تؤمنوا وإن يشرك به تكفروا، وهذه الآيات ما يشاهد من آثار قدرته عز وجل: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : {وينزل } بالتشديد وقرىء بالتخفيف من الإنزال {لَكُم مّنَ ٱلسَّمَاء رِزْقاً } أي سبب رزق وهو المطر. وإفراده بالذكر مع كونه من جملة تلك الآيات لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته وجلائل نعمته الموجبة للشكر. وصيغة المضارع في الفعلين للدلالة على تجدد الإراءة والتنزيل واستمرارهما. وتقديم الجار والمجرور على المفعول لما مر غير مرة. {وَمَا يَتَذَكَّرُ } بتلك الآيات التي هي كالمركوزة في العقول لظهورها المغفول عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى {إِلاَّ مَن يُنِيبُ } يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها والتفكر فيها، فإن الجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه فمن لا ينيب بمعزل عن التذكر.

ابن عاشور

تفسير : هذا استئناف ابتدائي إقبالٌ على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بعد أن انقضى وصف ما يلاقي المشركون من العذاب، وما يدعون من دعاء لا يستجاب، وقرينة ذلك قوله: {أية : ولو كره الكافرون}تفسير : [غافر: 14]. ومناسبة الانتقال هي وصفَا {أية : العلي الكبير} تفسير : [غافر: 12] لأن جملة {يريكم آياته} تناسب وصف العلوّ، وجملة {ينزل لكم من السماء رزقاً} تناسب وصف {الكبير} بمعنى الغَنِيّ المطلق. والآيات: دلائل وجوده ووحدانيتِه. وهي المظاهر العظيمة التي تبدو للناس في هذا العالم كقوله: {أية : هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً}تفسير : [الرعد: 12] وقوله: {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}تفسير : [آل عمران: 190]. وتنزيل الرزق من السماء هو نزول المطر لأن المطر سبب الرزق وهو في نفسه آية أدمج معها امتنان، ولذلك عُقب الأمران بقوله: {ومَا يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنيب}. وصيغة المضارع في {يريكم} و {ينزل} تدل على أن المراد إراءة متجددة وتنزيل متجدد وإنما يكون ذلك في الدنيا، فتعين أن الخطاب مستأنف مراد به المؤمنون وليس من بقية خطاب المشركين في جهنم، ويزيد ذلك تأييداً قوله: {أية : فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون}تفسير : [غافر: 14]. وعُدي فعلاً (يرى) و {ينزل} إلى ضمير المخاطبين وهم المؤمنون لأنهم الذين انتفعوا بالآيات فآمنوا وانتفعوا بالرزق فشكروا بالعمل بالطاعات فجُعل غيرهم بمنزلة غير المقصودين بالآيات لأنهم لم ينتفعوا بها كما قال تعالى: {أية : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}تفسير : [العنكبوت: 43] فجَعل غير العالمين كمن لا يعقل ولا يفقه. ولذلك ذيلت إراءة الآيات وإنزالُ الرزق لهم بقوله: {وما يتذكر إلا من ينيب} أي من آمن ونبذ الشرك لأن الشرك يصدّ أهله عن الإِنصاف وإعمال النظر في الأدلة. والإِنابة: التوبة، وفي صيغة المضارع إشارة إلى أن الإِنابة المحصلة للمطلوب هي الإِنابة المتجددة المتكررة، وإذ قد كان المخاطبون منيبين إلى الله كان قوله: {وما يتذكر إلاّ من ينيب} دَالاً بدلالة الاقتضاء على أنهم رأوا الآيات واطمأنوا بها وأنهم عرفوا قدر النعمة وشكروها فكان بين الإِنابة وبين التذكر تلازم عادي، ولذلك فجملة {وما يتذكر إلاّ من ينيب} تذييل. وتقديم {لكم} على مفعول {يُنزل} وهو {رزقاً} لكمال الامتنان بأن جُعل تنزيل الرزق لأجل الناس ولو أخر المجرور لصار صفة لــــ {رِزْقاً} فلا يفيد أن التنزيل لأجل المخاطَبين بل يفيد أن الرزق صالح للمخاطبين وبين المعنيين بون بعيد، فكان تقديم المجرور في الترتيب على مفعول الفعل على خلاف مقتضى الظاهر لأن حق المفعول أن يتقدم على غيره من متعلِّقات الفعل وإنما خولف الظاهر لهذه النكتة. وجُعل تنزيل الرزق لأَجل المخاطبين وهم المؤمنون إشارة إلى أن الله أراد كرامتهم ابتداء وأن انتفاع غيرهم بالرزق انتفاع بالتبع لهم لأنهم الذين بمحل الرضى من الله تعالى. وتُثار من هذه الآية مسألة الاختلاف بين الأشعرية مع الماتريدي ومع المعتزلة في أن الكافر منعَم عليه أوْ لا؟ فعن الأشعري أن الكافر غير منعم عليه في الدنيا ولا في الدين ولا في الآخرة، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني والماتريدي: هو منعم عليه نعمةً دنيوية، لا دينية ولا أُخروية، وقالت المعتزلة: هو منعم عليه نعمةً دنيوية ودينية لا أخروية، فأما الأشعري فلم يعتبر بظاهر الملاذ التي تحصل للكافر في الحياة فإنما ذلك إملاء واستدراج لأن مآلها العذاب المؤلم فلا تستحق اسم النعمة. وأنا أقول: لو استُدل له بأنها حاصلة لهم تبعاً فهي لذائد وليست نعماً لأن النعمة لذة أريد منها نفع من وصلت إليه كما أشرتُ إليه آنفاً. وأما الباقلاني فراعى ظاهر الملاذّ فلم يمنع أن تكون نعماً وإن كانت عواقبُها آلاماً، وآياتُ القرآن شاهدة لقوله. وأما المعتزلة فزادوا فزعموا أن الكافر منعم عليه دِينَا، وأرادوا بذلك أن الله مكَّن الكافر من نعمة القدرة على النظر المؤدي إلى معرفة الله وواجبِ صفاته. والذي استقر عليه رأي المحققين من المتكلمين أن هذا الخلاف لفظي لأنه غير ناظر إلى حقيقة حالة الكافر في الدنيا والدين، وإنما نظر كل شِق من أهل الخلاف إلى ما حفّ بأحوال الكافر في تلك النعمة فرجع إلى الخلاف في الألفاظ المصطلح عليها ومدلولاتها لا في حقائق المقصود منها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جل وعلا هو الذي يُري خلقه آياته، أي الكونية القدرية ليجعلها علامات لهم على ربوبيته، واستحقاقه العبادة وحده ومن تلك الآيات الليل والنهار والشمس والقمر كما قال تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : [فصلت:37] الآية. ومنها السماوات والأرضون، وما فيهما والنجوم، والرياح والسحاب، والبحار والأنهار، والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 164]. وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [آل عمران: 190]. وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الجاثية: 3ـ5] وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} تفسير : [يونس: 6]. وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن هذه، من أنه هو الذي يُرِي خلقه آياته، بينه وزاده إيضاحاً في غير هذا الموضع، فبين أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حق، كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. والآفاق جمع أفق وهو الناحية، والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه، وعجائبه، في نواحي سماواته وأرضه، ما يتبين به لكل عاقل أنه هو الرب المعبود وحده. كما أشرنا إليه، من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والجبال، والدواب والبحار، إلى غير ذلك. وبين أيضاً أن من آياته التي يريهم ولا يمكنهم أن ينكروا شيئاً منها تسخيره لهم الأنعام ليركبوها ويأكلوا من لحومها، وينتفعوا بألبانها، وزبدها وسمنها، وأقطها ويلبسوا من جلودها، وأصوافها وأوبارها وأشعارها، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ} تفسير : [غافر: 79ـ81]. وبين في بعض المواضع، أن من آياته التي يريها بعض خلقه، معجزات رسله، لأن المعجزات آيات، أي دلالات، وعلامات على صدق الرسل، كما قال تعالى في فرعون {أية : وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} تفسير : [طه: 56] وبين في موضع آخر، أن من آياته التي يريها خلقه، عقوبته المكذبين رسله، كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط {أية : وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 35] وقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل إلخ: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ} تفسير : [الأعراف: 133] الآية. قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً}. أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة، الرزق وأراد المطر، لأن المطر سبب الرزق، وإطلاق المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما، أسلوب عربي معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب كقوله: شعر : أكنت دماً إن لم أرعْكِ بضرَّةٍ بعيدة مهوى القرط طيبة النشر تفسير : فأطلق الدم وأراد الدية، لأنه سببها. وقد أوضحنا في رسالتنا المسمات: منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإعجاز، أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه، يجب الرجوع إليه. وإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله، في غير هذا الموضع كقوله تعالى في أول سورة الجاثية {أية : وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} تفسير : [الجاثية: 5] فأوضح بقوله {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أن مراده بالرزق المطر، لأن المطر هو الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها. وقد أوضح جل وعلا، أنه إنما سمي المطر رزقاً، لأن سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 22] الآية، والباء في قوله فأخرج به سببية كما ترى. وكقوله تعالى في سورة إبراهيم: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} تفسير : [إبراهيم: 32] الآية. وقوله تعالى في سورة ق: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} تفسير : [ق: 9ـ11]. وبين في آيات أخر أن الرزق المذكور، شامل لما يأكله الناس، وما تأكله الأنعام، لأن ما تأكله الأنعام، يحصل بسببه للناس الانتفاع بلحومها، وجلودها وألبانها، وأصوافها وأوبارها، وأشعارها، كما تقدم كقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [السجدة: 27] وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ } تفسير : [النحل: 10ـ11] الآية. فقوله: فيه تسيمون، أي تتركون أنعامكم سائمة فيه تأكل منه من غير أن تتكلفوا لها مؤونة العلف كما تقدم إيضاحه بشواهده العربية، في سورة النحل وكقوله تعالى {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} تفسير : [طه: 53ـ54] الآية. وقوله تعالى: {أية : أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [النازعات: 31ـ33] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الناس ما يتذكر منهم، أي ما يتعظ بهذه الآيات المشار إليها في قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي من رزقه الله الإنابة إليه. والإنابة: الرجوع عن الكفر والمعاصي، إلى الإيمان والطاعة. وهؤلاء المنيبون، المتذكرون، المتعظون، هم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، المذكورون في قوله تعالى في أول سورة آل عمران: {أية : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } تفسير : [آل عمران: 7] وفي قوله تعالى في سورة إبراهيم {أية : وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [إبراهيم: 52] إلى غير ذلك من الآيات. وقد دلت آية المؤمن هذه، وما في معناها من الآيات، على أن غير أولي الألباب المتذكرين المذكورين آنفاً، لا يتذكر ولا يتعظ بالآيات، بل يعرض عنها أشد الإعراض. وقد جاء هذا المعنى موضحاً، في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون} تفسير : [يوسف: 105]. وقوله تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} تفسير : [القمر: 2] وقوله {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} تفسير : [الصافات: 14]. وقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُون} تفسير : [يونس: 101] وقوله {أية : وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} تفسير : [الأنعام: 4] في الأنعام ويس إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِهِ} (13) - وَاللهُ تَعَالَى يُظْهِر قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي العَالَمَيْن العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ مِنَ الآيَاتِ العَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ خَلْقِهَا، وَقُدْرَةِ مُبْدِعِهَا، وَتَفَرُّدِهِ بالألوهِيةِ، فَيُنَزِّلُ المَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ فَيُخْرِجُ بِهِ الزَّرْعَ والنَّبَاتَ والثِّمَارَ بِأَلْوَانٍ وَطُعُومٍ وَأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبِقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ فَاوَتَ بَيْنَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ التِي تُسْقَى كُلُّهَا مِنْ مَاء وَاحِدٍ، وَمَا يَعْتَبِرُ بِهَذِهِ الآيَاتِ، وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى عَظَمَةِ خَالِقَهَا إِلاَّ مَنْ هُوَ بَصِيرٌ مُنِيبٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى. مَنْ يُنِيبُ - مَنْ يَرْجِعُ إِلَى التَّفَكُّرِ فِي الآيَاتِ.

الثعلبي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} بأدرار الغيث {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ * فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} العبادة والطاعة {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ * رَفِيعُ} أيّ هو رفيع {ٱلدَّرَجَاتِ} يعني رافع طبقات الثواب للأنبياء والمؤمنين في الجنّة. قال ابن عبّاس: رافع السماوات وهو فوق كل شيء وليس فوقه شيء. {ذُو ٱلْعَرْشِ} خالقه ومالكه {يُلْقِي ٱلرُّوحَ} ينزل الوحي، سمّاه وحياً، لأنه يحيي به القلوب كما يحيي بالأرواح الأبدان {مِنْ أَمْرِهِ} من قوله وقيل بأمره {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ}. قراءة العامة: بالياء أي ينذر الله تعالى. وقرأ الحسن: بالتاء، يعني لتنذر أنت يامحمّد يوم التلاق. أخبرنا أبو الحسين بن الفضل الفقيه حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا محمّد بن عبيد الله حدثنا أبو أُسامة حدثنا المبرك بن فضالة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} قال: يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. ابن زيد: يتلاقى العباد. ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم. وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} خارجون من قبورهم، ظاهرون لايسترهم شيء {يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ} من أعمالهم وأحوالهم {شَيْءٌ} ومحل (هم) رفع على الابتداء و(بارزون) خبره {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} وذلك عند فناء الخلق، وقد ذكرنا الأخبار فيه. قال الحسن: هو السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه فيقول: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} الذي قهر الخلق بالموت. أخبرنا شعيب أخبرنا مكي حدثنا أبو الأزهر حدثنا روح حدثنا حماد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة بصعيد واحد، بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضّة لم يعص الله تعالى فيها قط، فأول ما تتكلم به أن ينادي مناد {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}. {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} فأول مايبدؤن به من الخصومات الدماء {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} أي بيوم القيامة،سمّيت بذلك لأنها قريبة، إذ كل ماهو آت قريب. قال النابغة: شعر : أزف الترحل غير أن ركابنا لمّا تزل برحالنا وكأن قد تفسير : أي: قَرُب، ونظيرها هذه الآية قوله تعالى: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ}تفسير : [النجم: 57] أيّ قربت القيامة. {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} من الخوف قد زالت وشخصت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم فلا هي تعود إلى أماكنها ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا فليسوا سواء نظيره قوله: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}تفسير : [إبراهيم: 43] {كَاظِمِينَ} مكروبين ممتلئين خوفاً وحزناً، والكاظم الممسك للشيء على مافيه، ومنه كظم قربته إذا شد رأسها، فهم قد أطبقوا أفواههم على مافي قلوبهم من شدة الخوف، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في القلب حين يضيق به. يقول العرب للبئر الضيقة وللسقاية المملؤة: ماء كظامة وكاظمة، ومنه الحديث: كيف بكم [إذا] بعجت مكة كظائم. قال الشاعر: شعر : يخرجن من كاظمة العصن الغرب يحملن عبّاس بن عبد المطلب تفسير : ونصب كاظمين على الحال والقطع. {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} قريب وصديق، ومنه قيل للأقرباء والخاصة حامّة {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيشفع فيهم {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ}. وقال المؤرخ: فيه تقديم وتأخير مجازه أي الأعين الخائنة قال ابن عبّاس: هو الرجل يكون جالساً مع القوم، فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها. وقال مجاهد: هي نظر الأعين إلى ما نهى الله تعالى عنه. قتادة: هي همزة بعينه وإغماضه فيما لايحب الله تعالى ولايرضاه. {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ * وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} لأنها لاتعلم شيء ولا تقدر على شي. وقرأ أهل المدينة وأيوب: تدعون بالتاء، ومثله روى هشام عن أهل الشام والباقون: بالياء. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ * أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}. قرأه العامة: بالهاء. وقرأ ابن عامر: منكم بالكاف. وكذلك هو في مصاحفهم. {وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} فلم ينفعهم ذلك حين أخذهم الله {بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } يعني من عذاب الله من واق ينفعهم ويدفع عنهم {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ * فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ} يعني فرعون وقومه {ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ}. قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول، لأن فرعون كان أمسك عن قتل الولدان، فلما بُعث إليه موسى أعاد القتل عليهم. {وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ} ليصدوهم بقتل الأبناء واستحياء النساء عن متابعة موسى ومظاهرته {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ} وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ} لملائه {ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منّا {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ} يغير {دِينَكُـمْ} الذي أنتم عليه بسحر {أَوْ أَن}. قرأ أبو عمر وأهل المدينة وأهل الشام وأهل مكة: وأن بغير ألف، وكذلك هي في مصاحف أهل الحرمين والشام. وقرأ الكوفيون وبعض البصريين: (أو أن) بالألف، وكذلك هي في مصاحف أهل العراق. وقال أبو عبيد: وبها يقرأ للزيادة التي فيها، ولأن (أو) ربما كانت في تأويل الواو، ولا تكون الواو في معنى أو. {يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ}. قرأ أهل المدينة والبصرة: (يُظهِر) بضم الياء وكسر الهاء، و(الفسادَ) بنصب الدال على التعدية. ومثله روى حفص عن عاصم وهي اختيار أبي عبيد قال لقومه: يبدل دينكم،فكذلك يظهر ليكون الفعلان على نسق واحد. وقرأ الآخرون: بفتح الياء والهاء ورفع الدال على اللزوم، وهي اختيار أبي حاتم. والفساد انتقاص الأمر، وأراد فرعون به تبديل الدين وعبادة غيره. {وَقَالَ مُوسَىٰ} لما توّعده فرعون بالقتل: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} اختلفوا في هذا المؤمن. فقال بعضهم: كان من آل فرعون، غير أنه كان آمن بموسى، وكان يكتم إيمانه من فرعون وقومه خوفاً على نفسه. قال السدّي ومقاتل: كان ابن عم فرعون وهو الذي أخبر الله تعالى عنه فقال: {أية : وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ}تفسير : [القصص: 20]. وقال آخرون: كان إسرائيلياً، ومجاز الآية: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون. واختلفوا أيضاً في اسمه. فقال ابن عبّاس وأكثر العلماء: اسمه حزبيل. وهب بن منبه: اسمه حزيقال. ابن إسحاق: خبرل. أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمّد بن خالد أخبرنا داود بن سليمان أخبرنا عبد الواحد أخبرنا أحمد بن يونس حدثنا خديج بن معاوية عن أبي إسحاق قال: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون (حبيب). {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن} أي لأن {يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} من العذاب. وقال بعض أهل المعاني: أراد يصبكم كل الذي يعدكم. والعرب تذكر البعض وتريد الكل، كقول لبيد: شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : أي كل النفوس. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} مشرك. وقال السدي: قتّال. {كَذَّابٌ} على الله. أخبرنا الامام أبو منصور محمّد بن عبد الله الجمشاذي حدثنا أبو العبّاس الأصم حدثنا العبّاس بن محمّد الثوري حدثنا خالد بن مخلد القطواني حدثنا سليمان بن بلال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عمرو بن العاص قال: ما تؤول من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء كان أشد من أن طاف بالبيت فلقوه حين فرغ فأخذوا بمجامع ردائه فقالوا: أنت الذي تنهانا عمّا كان يعبد آباؤنا؟ فقال: "أنا ذاك". فقام أبو بكر رضي الله عنه فالتزمه من ورائه وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} إلى آخر الآية رافع صوته بذلك، وعيناه تسفحان حتّى أرسلوه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الآيات جمع آية وقلنا: إنها على أنواع ثلاثة: آيات كونية تدل على القدرة العالية والحكمة الفائقة للإله الحق صاحب العلو والكبرياء، وآيات المعجزات التي يمنحها سبحانه لتثبيت الرسل والإيمان بصدق بلاغهم عن الله، ثم آيات الأحكام التي تحمل أحكام الله. يقول سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [غافر: 13] أي: الكونية لتؤمنوا بالإله الأعلى ويُريكم المعجزات على أيدي الرسل، ثم يُنزِّل لكم آيات الأحكام التي تحمي أديانكم وعقائدكم، لأنني كما حميت أبدانكم بما أنزلتُ من ماء السماء وما نشأ عنه من رزق لكم تقتاتون به وتعيشون عليه، فكذلك خذوا مني الشيء الآخر الذي جعلتُه لقوام أديانكم، وهو الأحكام التي تحمي عقيدتكم في الحركة الحُكْمية بافعل ولا تفعل. فقوله سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} [غافر: 13] يُراعي الأمرين معاً بحيث لا تهمل أحدهما على حساب الآخر. {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} [غافر: 13] أي: يرجع إلى الله ويخلع عن نفسه كبرياء الجحود بذلك الإله، وينفض عن نفسه غبار الغفلة حتى يرجع إلى إيمان الفطرة التي أرادها الحق سبحانه في قوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] وكانت الإجابة أن قال الجميع (بَلَى) أي: أنت ربنا الحق.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى نعمه العظيمة على عباده، بتبيين الحق من الباطل، بما يُرِي عباده من آياته النفسية والآفاقية والقرآنية، الدالة على كل مطلوب مقصود، الموضحة للهدى من الضلال، بحيث لا يبقى عند الناظر فيها والمتأمل لها أدنى شك في معرفة الحقائق، وهذا من أكبر نعمه على عباده، حيث لم يُبْقِ الحق مشتبهًا ولا الصواب ملتبسًا، بل نوَّع الدلالات ووضح الآيات، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة وكلما كانت المسائل أجل وأكبر، كانت الدلائل عليها أكثر وأيسر، فانظر إلى التوحيد لما كانت مسألته من أكبر المسائل، بل أكبرها، كثرت الأدلة عليها العقلية والنقلية وتنوعت، وضرب الله لها الأمثال وأكثر لها من الاستدلال، ولهذا ذكرها في هذا الموضع، ونبه على جملة من أدلتها فقال: { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }. ولما ذكر أنه يُرِي عباده آياته، نبه على آية عظيمة فقال: { وينزل لكم من السماء رزقا } أي: مطرًا به ترزقون وتعيشون أنتم وبهائمكم، وذلك يدل على أن النعم كلها منه، فمنه نعم الدين، وهي المسائل الدينية والأدلة عليها، وما يتبع ذلك من العمل بها. والنعم الدنيوية كلها، كالنعم الناشئة عن الغيث، الذي تحيا به البلاد والعباد. وهذا يدل دلالة قاطعة أنه وحده هو المعبود، الذي يتعين إخلاص الدين له، كما أنه -وحده- المنعم. { وَمَا يَتَذَكَّرُ } بالآيات حين يذكر بها { إِلا مَنْ يُنِيبُ } إلى الله تعالى، بالإقبال على محبته وخشيته وطاعته والتضرع إليه، فهذا الذي ينتفع بالآيات، وتصير رحمة في حقه، ويزداد بها بصيرة. ولما كانت الآيات تثمر التذكر، والتذكر يوجب الإخلاص للّه، رتب الأمر على ذلك بالفاء الدالة على السببية فقال: { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، والإخلاص معناه: تخليص القصد للّه تعالى في جميع العبادات الواجبة والمستحبة، حقوق الله وحقوق عباده. أي: أخلصوا للّه تعالى في كل ما تدينونه به وتتقربون به إليه. { وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } لذلك، فلا تبالوا بهم، ولا يثنكم ذلك عن دينكم، ولا تأخذكم بالله لومة لائم، فإن الكافرين يكرهون الإخلاص لله وحده غاية الكراهة، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }. تفسير : ثم ذكر من جلاله وكماله ما يقتضي إخلاص العبادة له فقال: { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ } أي: العلي الأعلى، الذي استوى على العرش واختص به، وارتفعت درجاته ارتفاعًا باين به مخلوقاته، وارتفع به قدره، وجلت أوصافه، وتعالت ذاته، أن يتقرب إليه إلا بالعمل الزكي الطاهر المطهر، وهو الإخلاص، الذي يرفع درجات أصحابه ويقربهم إليه ويجعلهم فوق خلقه، ثم ذكر نعمته على عباده بالرسالة والوحي، فقال: { يُلْقِي الرُّوحَ } أي: الوحي الذي للأرواح والقلوب بمنزلة الأرواح للأجساد، فكما أن الجسد بدون الروح لا يحيا ولا يعيش، فالروح والقلب بدون روح الوحي لا يصلح ولا يفلح، فهو تعالى { يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ } الذي فيه نفع العباد ومصلحتهم. { عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } وهم الرسل الذين فضلهم الله واختصهم الله لوحيه ودعوة عباده. والفائدة في إرسال الرسل، هو تحصيل سعادة العباد في دينهم ودنياهم وآخرتهم، وإزالة الشقاوة عنهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ولهذا قال: { لِيُنْذِرَ } من ألقى الله إليه الوحي { يَوْمَ التَّلاقِ } أي: يخوف العباد بذلك، ويحثهم على الاستعداد له بالأسباب المنجية مما يكون فيه. وسماه { يوم التلاق } لأنه يلتقي فيه الخالق والمخلوق والمخلوقون بعضهم مع بعض، والعاملون وأعمالهم وجزاؤهم. { يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ } أي: ظاهرون على الأرض، قد اجتمعوا في صعيد واحد لا عوج ولا أمت فيه، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. { لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } لا من ذواتهم ولا من أعمالهم، ولا من جزاء تلك الأعمال. { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } أي: من هو المالك لذلك اليوم العظيم الجامع للأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، الذي انقطعت فيه الشركة في الملك، وتقطعت الأسباب، ولم يبق إلا الأعمال الصالحة أو السيئة؟ الملك { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي: المنفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء منها بوجه من الوجوه. { الْقَهَّارِ } لجميع المخلوقات، الذي دانت له المخلوقات وذلت وخضعت، خصوصًا في ذلك اليوم الذي عنت فيه الوجوه للحي القيوم، يومئذ لا تَكَلَّمُ نفس إلا بإذنه. { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } في الدنيا، من خير وشر، قليل وكثير. { لا ظُلْمَ الْيَوْمَ } على أحد، بزيادة في سيئاته، أو نقص من حسناته. { إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } أي: لا تستبطئوا ذلك اليوم فإنه آت، وكل آت قريب. وهو أيضا سريع المحاسبة لعباده يوم القيامة، لإحاطة علمه وكمال قدرته.