٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهراً للآيات منزلاً للأرزاق، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ } قال صاحب «الكشاف» ثلاثة أخبار لقوله {هُوَ } مرتبة على قوله {أية : ٱلَّذِى يُرِيكُمُ } تفسير : [غافر: 13] أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً، قرىء {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ } بالنصب على المدح، وأقول لا بد من تفسير هذه الصفات الثلاثة: الصفة الأولى: قوله {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ } واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول::أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة والثاني: رافع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة، فهو سبحانه عين لكل أحد من الملائكة درجة معينة، كما قال: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال: {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ } تفسير : [المجادلة: 11] وعين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية عنصرية، وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني، وأيضاً جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل، فقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ } تفسير : [الأنعام: 165] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه، وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي، الذي هو أول لكل ما سواه، وليس له أول وآخر لكل ما سواه، وليس له آخر، أما في العلم: فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات، كما قال: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] وأما في القدرة: فهو أعلى القادرين وأرفعهم، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه، وأما في الوحدانية: فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير، وأقول: الحق سبحانه له صفتان أحدهما: استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني: افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام، وإن فسرناه بالرافع، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته. الصفة الثانية: قوله {ذُو ٱلْعَرْشِ } ومعناه أنه مالك العرش ومدبره وخالقه، واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ } وحملوه على أن المراد بالدرجات، السموات، وبقوله {ذُو ٱلْعَرْشِ } أنه موجود في العرش فوق سبع سموات، وقد أعظموا الفرية على الله تعالى، فإنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسماً وفي جهة محال، وأيضاً فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه، لأن قوله {ذُو ٱلْعَرْشِ } لا يفيد إلا إضافته إلى العرش ويكفي في إضافته إليه بكونه مالكاً له ومخرجاً له من العدم إلى الوجود، فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام، والمقصود بيان كمال إلهيته ونفاذ قدرته، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم، كانت دلالته على كمال القدرة أقوى. الصفة الثالثة: قوله {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وفيه مباحث: البحث الأول: اختلفوا في المراد بهذا الروح، والصحيح أن المراد هو الوحي، وقد أطنبنا في بيان أنه لم سمي الوحي بالروح في أول سورة النحل في تفسير قوله {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النحل: 2] وقال أيضاً: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 122] وحاصل الكلام فيه: أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية، فإذا كان الوحي سبباً لحصول هذه الأرواح سمي بالروح، فإن الروح سبب لحصول الحياة، والوحي سبب لحصول هذه الحياة الروحانية. واعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات، وذلك لأن كمال كبرياء الله تعالى لا تصل إليه العقول والأفهام، فالطريق الكامل في تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلي العقلي، ثم يذكر عقيبه شيء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلي ليصير الحصر بهذا الطريق معاضداً للعقل، فههنا أيضاً كذلك، فقوله {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ } إما أن يكون بمعنى كونه رافعاً للدرجات، وهو إشارة إلى تأثير قدرة الله تعالى في إيجاد الممكنات على احتلاف درجاتها وتباين منازلها وصفاتها، أو إلى كونه تعالى مرتفعاً في صفات الجلال ونعوت العزة عن كل الموجودات، فهذا الكلام عقلي برهاني، ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلي بمزيد تقرير، وذلك لأن ما سوى الله تعالى إما جسمانيات وإما روحانيات، فبين في هذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخير الحق سبحانه وتعالى، أما الجسمانيات فأعظمها العرش، فقوله {ذُو العرش } يدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام، ولما كان العرش من جنس المحسوسات كان هذا المحسوس مؤكداً لذلك المعقول، أعني قوله {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ } وأما الروحانيات فكلها مسخرة للحق سبحانه، وإليه الإشارة بقوله {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ }. واعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي، والوحي إنما يتم بأركان أربعة فأولها: المرسل وهو الله سبحانه وتعالى، فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال: {يُلْقِى ٱلرُّوحَ } والركن الثاني: الإرسال والوحي وهو الذي سماه بالروح والركن الثالث: أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة، وهو المشار إليه في هذه الآية بقوله {مِنْ أَمْرِهِ } فالركن الروحاني يسمى أمراً، قال تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } تفسير : [فصلت: 12] وقال: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54] والركن الرابع: الأنبياء الذين يلقي الله الوحي إليهم وهو المشار إليه بقوله {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } والركن الخامس: تعيين الغرض والمقصود الأصلي من إلقاء هذا الوحي إليهم، وذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانيات، وإليه الإشارة بقوله {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ } فهذا ترتيب عجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية. وبقي ههنا أن نبين أنه ما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق؟ وكم الصفات التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ليوم التلاق؟ أما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه: الأول: أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق الثاني: أن الخلائق يتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض الثالث: أن أهل السماء ينزلون على أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً } تفسير : [الفرقان: 25] الرابع: أن كل أحد يصل إلى جزاء عمله في ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق وهو مأخوذ من قولهم فلان لقي عمله الخامس: يمكن أن يكون ذلك مأخوذاً من قوله {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } تفسير : [الكهف: 110] ومن قوله {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } تفسير : [الأحزاب: 44] السادس: يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون السابع: يوم يلتقي فيه آدم عليه السلام وآخر ولده الثامن: قال ميمون بن مهران يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم فربما ظلم الرجل رجلاً وانفصل عنه ولو أراد أن يجده لم يقدر عليه ولم يعرفه ففي يوم القيامة يحضران ويلقى بعضهم بعضاً، قرأ ابن كثير عنه التلاقي والتنادي بإثبات الياء في الوصل والوقف، وهادي وواقي بالياء في الوقف وبالتنوين في الوصل. وأما بين أن الله تعالى كم عدد من الصفات ووصف بها يوم القيامة في هذه الآية، فنقول: الصفة الأولى: كونه يوم التلاق وقد ذكرنا تفسيره. الصفة الثانية: قوله {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ } وفي تفسير هذا البروز وجوه الأول: أنهم برزوا عن بواطن القبور الثاني: بارزون أي ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، وليس عليهم أيضاً ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في الحديث: «حديث : يحشرون عراة حفاة غرلا» تفسير : الثالث: أن يجعل كونهم بارزين كناية عن ظهور أعمالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ } تفسير : [الطارق: 9] الرابع: أن هذه النفوس الناطقة البشرية كأنها في الدنيا انغمست في ظلمات أعمال الأبدان فإذا جاء يوم القيامة أعرضت عن الاشتغال بتدبير الجسمانيات وتوجهت بالكلية إلى عالم القيامة ومجمع الروحانيات، فكأنها برزت بعد أن كانت كامنة في الجسمانيات مستترة بها. الصفة الثالثة: قوله {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْء } والمراد يوم لا يخفى على الله منهم شيء، والمقصود منه الوعيد فإنه تعالى بيّن أنهم إذا برزوا من قبورهم واجتمعوا وتلاقوا فإن الله تعالى يعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازي كلاً بحسبه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فهم وإن لم يعلموا تفصيل ما فعلوه، فالله تعالى عالم بذلك ونظيره قوله {أية : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 18] وقال: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ } تفسير : [الطارق: 9] وقال: {أية : إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ * وَحُصّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [العاديات: 9، 10] وقال: {أية : يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا } تفسير : [الزلزلة: 4] فإن قيل الله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء في جميع الأيام، فما معنى تقييد هذا المعنى بذلك اليوم؟ قلنا إنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم، فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في الدينا، قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ } تفسير : [فصلت: 22] وقال: {أية : يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 108] وهو معنى قوله: {أية : وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } تفسير : [إبراهيم: 48]. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } والتقدير يوم ينادي فيه لمن الملك اليوم؟ وهذا النداء في أي الأوقات يحصل فيه قولان: الأول: قال المفسرون إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ }؟ يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } قال أهل الأصول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه الأول: أنه تعالى بيّن أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، والناس في ذلك الوقت أحياء، فبطل قولهم إن الله تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات والأرض والثاني: أن الكلام لا بد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير، أو حال ما لا يحضر الغير، والأول: باطل ههنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل، والثاني: أيضاً باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئاً كالذي يكرر على الدرس وذلك على الله محال، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضاً على الله محال، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضاً على الله محال، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له. والقول الثاني: أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى منادٍ {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة {لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } فالمؤمنون يقولون تلذذاً بهذا الكلام، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر والندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا، وقال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء، وأقول أيضاً على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى، ولا يبعد أيضاً أن يكون السائل جمعاً من الملائكة والمجيب جمعاً آخرين، الكل ممكن وليس على التعيين دليل، فإن قيل وما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذا النداء؟ فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة، وكان الشيخ الإمام الوالد عمر رضي الله عنه يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب، وفي يوم القيامة زالت الأسباب، وانعزلت الأرباب، ولم يبق ألبتة غير حكم مسبب الأسباب، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة، واعلم أنه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبداً، وذلك لأن قولنا: الله اسم لواجب الوجود لذاته، وواجب الوجود لذاته واحد وكل ما سواه ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ومعنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم، وذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبداً، ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحداً قهاراً، فإذا كان كونه قهاراً باقياً من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } باقياً في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد. الصفة الخامسة: من صفات ذلك اليوم قوله {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ }. واعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل في ذلك اليوم فقال: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة: أولها: إثبات الكسب للإنسان والثاني: أن كسبه يوجب الجزاء والثالث: أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين، وقد سبق تقرير هذه الأصول مراراً، ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول: فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه، فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذلك الفعل أو الترك عنه. وأما الثاني: وهو بيان ترتب الجزاء عليه، فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم الدنيا، ومنها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر كمالها إلا في عالم الآخرة وقد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسخة، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا وفي الجسمانيات، فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ويعظم عليه البلاء، ومن غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء، فهذا هو معنى الكسب، ومعنى كون ذلك الكسب موجباً للجزاء، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم القيامة، فهذا قانون كلي عقلي، والشريعة الحقة أتت بما يقوي هذا القانون الكلي في تفاصيل الأعمال والأقوال، والله أعلم. المسألة الثانية: هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه، وذلك لأنا نقول لو كان شيء من أنواع الضرر مشروعاً لكان إما أن يكون مشروعاً لكونه جزاء على شيء من الجنايات أو لا لكونه جزاء والقسمان باطلان، فبطل القول بكونه مشروعاً، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعاً ليكون جزاء على شيء من الأعمال فلأن هذا النص يقتضي تأخير الأجزية إلى يوم القيامة، فإثباته في الدنيا يكون على خلاف هذا النص، وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعاً للجزاء لقوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] ولقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] ولقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» تفسير : عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية، وفيما ورد نص في الإذن فيه كذبح الحيوانات، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه، فثبت بما ذكرنا أن الأصل في المضار والآلام التحريم، فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على الشرعية قضينا به تقديماً للخاص على العام، وإلا فهو باق على أصل التحريم، وهذا أصل كلي منتفع به في الشريعة، والله علم. الصفة السادسة: من صفات ذلك اليوم قوله {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } والمقصود أنه لما قال: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ذلك اليوم نوع من أنواع الظلم، قال المحققون وقوع الظلم في الجزاء يقع على أربعة أقسام أحدها: أن يستحق الرجل ثواباً فيمنع منه وثانيها: أن يعطي بعض بعض حقه ولكنه لا يوصل إليه حقه بالتمام وثالثها: أن يعذب من لا يستحق العذاب ورابعها: أن يكون الرجل مستحقاً للعذاب فيعذب ويزداد على قدر حقه فقوله تعالى: {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة، قال القاضي هذه الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالباً وشاهداً إلا من الله، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم والجواب عنه معلوم. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } وذكر هذا الكلام في هذا الموضع لائق جداً، لأنه تعالى لما بيّن أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب. وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال، والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته؛ كالسقف لها؛ كما قال تعالى: {أية : مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [المعارج: 3 ــــ 4] وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة في قول جماعة من السلف والخلف، وهو الأرجح إن شاء الله. وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء، اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقد تقدم في حديث الأوعال ما يدل على ارتفاعه عن السموات السبع بشيء عظيم. وقوله تعالى: {يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} كقوله جلت عظمته: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [النحل: 2] وكقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلاَْمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 192 ــــ 194] ولهذا قال عز وجل: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يوم التلاق اسم من أسماء يوم القيامة، حذر الله منه عباده، وقال ابن جريج: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يلتقي فيه آدم وآخر ولده. وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد. وقال قتادة والسدي وبلال ابن سعد وسفيان بن عيينة: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق، وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم، وقد يقال: إن يوم التلاق يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر؛ كما قاله آخرون. وقوله جل جلاله: {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ} أي: ظاهرون بادون كلهم، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم، ولهذا قال: {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ} أي: الجميع في علمه على السواء. وقوله تبارك وتعالى: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ} قد تقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه تعالى يطوي السموات والأرض بيده، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وفي حديث الصور: أنه عز وجل إذا قبض أرواح جميع خلقه، فلم يبق سواه وحده لا شريك له، حينئذ يقول: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلاً: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي: الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن غالب الدقاق، حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر عن أبيه، حدثنا أبو نضرة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، فيسمعها الأحياء والأموات. قال: وينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا ويقول: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ}. وقوله جلت عظمته: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه: أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسيئة واحدة، قال تبارك وتعالى: {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يحكي عن ربه عز وجل أنه قال: «حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا ــــ إلى أن قال ــــ يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله تبارك وتعالى، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه»تفسير : وقوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي: يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفساً واحدة؛ كما قال جل وعلا: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28] وقال جل جلاله: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50].
المحلي و السيوطي
تفسير : {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ } أي الله عظيم الصفات، أو رافع درجات المؤمنين في الجنة {ذُو ٱلْعَرْشِ } خالقه {يُلْقِى ٱلرُّوحَ } الوحي {مِنْ أَمْرِهِ } أي قوله {عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ } يُخَوِّف الملقى عليه الناس {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } بحذف الياء وإثباتها يوم القيامة لتلاقي أهل السماء والأرض،والعابد والمعبود، والظالم والمظلوم فيه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {رفيع الدرجات} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: رفع السموات السبع، قاله سعيد بن جبير والكلبي. الثاني: عظيم الصفات، قاله ابن زياد. الثالث: هو رفعه درجات أوليائه، قاله يحيى. {ذو العرش} فيه وجهان: أحدهما: أن عرشه فوق سماواته، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنه رب العرش، قاله يحيى. {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} فيه ستة تأويلات: أحدها: أن الروح الوحي، قاله قتادة. الثاني: النبوة، قاله السدي. الثالث: القرآن، قاله ابن عباس. الرابع: الرحمة، حكاه إبراهيم الجوني. الخامس: أرواح عباده، لا ينزل ملك إلا ومعه منها روح، قاله مجاهد. السادس: جبريل يرسله الله بأمره، قاله الضحاك. {لينذر يوم التلاق} فيه قولان: أحدهما: لينذر الله به يوم القيامة، قاله الحسن. الثاني: لينذر أنبياؤه يوم التلاق وهو يوم القيامة وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، قاله السدي وابن زيد. الثاني: لأنه يلتقي فيه الأولون والآخرون، وهو معنى قول ابن عباس. الثالث: يلتقي فيه الخلق والخالق، قاله قتادة. قوله عز وجل: {يومَ هم بارزون} يعني من قبورهم. {لا يخفى على الله منهم شَيْءٌ} فيه وجهان: أحدهما: أنه أبرزهم جميعاً لأنه لا يخفى على الله منهم شيء. الثاني: معناه يجازيهم من لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. {لمن الملك اليوم} هذا قول الله، وفيه قولان: أحدهما: أنه قوله بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى - غير نفسه - مالكاً ولا مملوكاً: لمن الملك اليوم فلا يجيبه لأن الخلق أموات، فيجيب نفسه فيقول: {لله الواحد القهار} لأنه بقي وحده وقهر خلقه، قاله محمد بن كعب. الثاني: أن هذا من قول الله تعالى في القيامة حين لم يبق من يدَّعي ملكاً، أو يجعل له شريكاً. وفي المجيب عن هذا السؤال قولان: أحدهما: أن الله هو المجيب لنفسه وقد سكت الخلائق لقوله، فيقول: لله الواحد القهار، قاله عطاء. الثاني: ان الخلائق كلهم يجيبه من المؤمنين. والكافرين، فيقولون: لله الواحد القهار، قاله ابن جريج.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} رفيع السموات السبع، أو رافع درجات أوليائه، أو عظيم الصفات {الرُّوحَ} الوحي، أو النبوة أو القرآن "ع"، أو الرحمة، أو أرواح عباده لا ينزل ملك [إلا] ومعه منها روح أو جبريل ـ عليه السلام ـ يرسله بأمره {لِيُنذِرَ} الله ـ تعالى ـ أو الأنبياء ـ عليه الصلاة والسلام ـ {يَوْمَ التَّلاقِ} القيامة يلتقي فيه الخالق والخلق، أو أهل السماء وأهل الأرض، أو الأولون والآخرون "ع".
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ} ويحتملُ أنْ يريدَ بالدرجاتِ صفاتِه العُلَٰ، وعبَّر بما يَقْرُبُ من أفهامِ السامعينَ، ويحتمل أنْ يريدَ: رفيعُ الدرجاتِ التي يُعْطِيها للمؤمنينَ، ويتفضَّلُ بها علَىٰ عبادِهِ المُخْلِصِينَ في جَنَّتِهِ، و{ٱلْعَرْشِ} هو الجِسْمُ المخلوقُ الأعْظَمُ الذي السمٰواتُ السَّبْعُ والكرسيُّ والأَرَضُونَ فيه كالدنانيرِ في الفَلاَةِ من الأَرْضِ. وقوله تعالى: {يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} قال الضَّحَّاك: الرُّوحُ هنا هُو: الوَحْيُ القُرْآنُ وغيره مما لَمْ يُتْلَ وقال قَتَادَةُ والسُّدِّيُّ: الرُّوحُ: النُّبُوَّة ومكانتُها؛ كما قال تعالى: {أية : رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى:52] وسَمَّىٰ هذا رُوحَاً؛ لأنه تَحْيَا به الأمَم والأزمانُ كما يَحْيَا الجَسَدُ برُوحِهِ، ويحتملُ أَن يكونَ إلقاءُ الرُّوحِ عامًّا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ على عبادِهِ المهتَدِينَ في تفهيمه الإيمانَ والمعقولاتِ الشريفةَ، والمُنْذِرُ بيومِ التَّلاقِ على هذا التأويلِ هو اللَّهُ تعالى، قال الزَّجَّاج: الرُّوحُ كُلُّ ما فيهِ حَيَاةُ النَّاسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكلُّ ضَالٍّ كالمَيتِ. وقوله: {مِنْ أَمْرِهِ} إنْ جعلته جِنْساً للأمورِ فـ«مِنْ» للتَّبعيضِ أو لابتداءِ الغَايَةِ، وإنْ جَعَلْتَ الأمْرَ مِنْ معنى الكلامِ فـ«مِنْ» إما لابتداءِ الغايةِ، وإمَّا بمعنى الباءِ، ولا تكونُ للتبعيضِ بَتَّةً، وقرأ الجمهور: «لتنذر» بالتاء على مخاطبةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقرأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وجماعةٌ: «لينذر» بالياء، و{يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} معناه: تلاقِي جميعِ العالمِ بعضِهم بعضاً، وذلك أمرٌ لَمْ يَتَّفِقْ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقوله: {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ} معناه في بَرَازٍ من الأَرْضِ يَسْمَعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ. وقوله تعالى: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} رُوِيَ أَنَّ اللَّه تعالَىٰ يُقَرِّرُ هٰذَا التقريرَ، ويَسْكُتُ العَالَمُ هَيْبَةً وجَزعاً، فيجيبُ ـــ سبحانه ـــ هو نفسُهُ بقوله: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، ثم يُعْلِمُ اللَّهُ تعالَىٰ أَهْلَ المَوْقِفِ بأنَّ اليَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نفسٍ بما كسبتْ، وَبَاقِي الآيةِ تَكَرَّر مَعْنَاهُ، فانْظُرْهُ في مواضِعه. ثم أمر اللَّه تعالى نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ بإنْذارِ العَالَمِ وتحذيرِهِمْ مِنْ يومِ القيامةِ وأهوالِه، و«الآزِفَة»: القريبةُ مِنْ أَزِفَ الشيءُ إذا قَرُبَ، و{ٱلأَزِفَةِ} في الآية: صِفَةٌ لمحذوفٍ قَدْ عُلِمَ واسْتَقَرَّ في النفوس هولُه، والتقديرُ يَوم الساعة الآزفة، أو الطَّامَةُ: الآزفةُ، ونحو هذا. وقوله ـــ سبحانه ـــ: {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} معناه: عندَ الحناجِر، أي قد صَعِدَتْ من شِدَّةِ الهولِ والجزع، والكَاظِمُ الَّذِي يردُّ غيظَهُ وجزعَهُ في صَدْرِهِ، فمعنى الآية: أنهم يَطْمَعُونَ في رَدِّ ما يجدونه في الحناجر، والحال تغالبهم، و{يُطَاعُ} في مَوْضِعِ الصفةِ لـ{شَفِيعٍ}؛ لأن التقدير: ولا شفيعٍ مطاعٍ، قال أبو حيان {يُطَاعُ} في مَوْضِعِ صفة لـ{شَفِيعٍ}، فيحتملُ أنْ يكونَ في موضعِ خَفْضٍ على اللفظِ، أو في موضِع رفعٍ على الموضِعِ، ثم يحتملُ النَّفيُ أنْ يكونَ مُنْسَحِباً على الوصْفِ فقَطْ، فيكونُ ثَمَّ شَفِيعٌ، ولكنَّه لا يُطَاعُ، ويحتملُ أن يَنْسَحِبَ على الموصوفِ وصفتهِ، أي: لا شفيعَ فيطاعَ، انتهى. وهذا الاحتمالُ الأخير هو الصوابُ، قال * ع *: وهذهِ الآيةُ كُلُّها عندي اعتراضٌ في الكلام بليغٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {يلقي الروح من أمره} قال: الوحي والرحمة {لينذر يوم التلاق} قال: يوم يتلاقى أهل السماء وأهل الأرض، والخالق وخلقه {يوم هم بارزون} ولا يسترهم جبل ولا شيء. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يوم التلاق، ويوم الآزفة ونحو هذا من أسماء يوم القيامة عظمة الله، وحذره عباده. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء} قال: واليوم لا يخفى على الله منهم شيء، ولكنهم برزوا لله يوم القيامة لا يستترون بجبل ولا مدر. وأخرج عبد بن حميد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات، وينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}. وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث والديلمي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ينادي مناد بين الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة - ومد بها صوته يسمعه الأحياء والأموات - وينزل الله إلى السماء الدنيا، ثم ينادي مناد: لمن الملك اليوم لله...؟ الواحد القهار ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ}[15] أي رافع الدرجات يرفع درجات من يشاء بالمعرفة به، {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ}[15] أي ينزل الوحي من السماء إلى الأرض بأمره.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ} [الآية: 15]. قال سهل: يرفع درجات من يشاء بالمعرفة وقال فى قوله: {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} أى ينزل الوحى من السماء بأمره. وقال ابن عطاء: يرفع درجات من يشاء فى الدارين يجعله عزيزًا فيهما وخلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته يلقى الروح من أمره على ضروب فمن ألقى إليه روح الصفاء انطقه بها وأحياه حياة الأبد والروح روحان روح بها حياة الخلق وأخرى لطيفة بها ضياء الخلق. وقال فارس: زين العرش بأنوار ذاته فلا يوازيه شىء ولا يقابله مثل. وقال الحسين: العرش غاية ما أشار إليه الخلق. وقال ابن عطاء فى قوله: {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} قال: حياة الخلق على حسب ما ألقى إليهم من الروح فمنهم من ألقى إليه روح الرسالة ومنهم من ألقى إليه روح النبوة ومنهم من ألقى إليه روح الصديقية ومنهم من ألقى إليه روح الهداية ومنهم من ألقى إليه روح الحياة فقط فهو ميت فى الباطن وإن كان حيًا فى الظاهر. قوله تعالى: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} [الآية: 15]. قال ابن عطاء: نبيًا كان أو داعيًا إليه يرويه من غير أن تحدث له رؤية لأنهم لم يغيبوا عنه قط. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار بمصر قال: قال ابن عطاء: يلقى المرء خصمه وعمله وأحباءه ومواعيده.
القشيري
تفسير : رافعُ الدرجات للعُصاةِ بالنجاة، وللمطيعين بالمثوبات، وللأصفياء والأولياء بالكرامات، ولذوي الحاجات بالكفايات، وللعارفين بتنقيبهم عن جميع أنواع الإرادات. ويقال درجاتُ المطيعين بظواهرهم في الجنة، ودرجاتُ العارفين بقلوبهم في الدنيا؛ فيرفع درجاتهم عن النظر إلى الكَونيْن دون المساكنه إليهما. وأمَّا المحبون فيرفع درجاتِهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعُقبى شيئاً غيرَ رضاءِ محبوبهم. {ذُو ٱلْعَرْشِ}: ذو المُلْكِ الرفيع. ويقال العرش الذي هو قِبْلَةُ الدعاء، خَلَقَه أرفعَ المخلوقاتِ وأعظمَها جُثة. {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} روحٌ بها ضياءُ أبدانهم - وهو سلطانُ عقولهم، وروحٌ بهاء ضياء قلوبهم - وهو شفاءُ علومهم، وروحٌ بها ضياء أرواحهم - والذي هو للرُّوح رَوْحٌ - بقاؤهم بالله. ويقال: روحٌ هو روح إلهام، وروح هو روح إعلام، وروح هو روح إكرام. ويقال: روح النبوة، وروح الرسالة. وروح الولاية، وروح المعرفة. ويقال: روح بها بقاءُ الخلق، وروح بها ضياء الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {رفيع الدرجات} خبر آخر لقوله هو والرفيع صفة مشبهة اضيفت الى فاعلها بعد النقل الى فعل بالضم كما هو المشهور وتفسيره بالرافع ليكون من اضافة اسم الفاعل الى المفعول بعيد فى الاستعمال كما فى الارشاد والدرجة مثل المنزلة لكن يقال للمنزلة درجة اذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على نحو درجة السطح والسلم قاله الراغب وفى انوار المشارق الدرجة ان كانت بمعنى المرقاة فجمعها درج وان كانت بمعنى المرتبة والطبقة فجمعها درجات واختلف العلماء فى تفسير هذه الآية ففى الارشاد هو تعالى رفيع الدرجات ملائكته اى مرتفعة معارجهم ومقاعدهم الى العرش وفى تفسير ابى الليث خالق السموات ورافعها مطلقا بعضها فوق بعض من طبق الى طبق خمسمائة عام (وفى كشف الاسرار) بر دارنده درجهاى بندكانست وبر يكديكر جه در دنيا جه در عقبا در دنيا آنست كه كفت ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم يعنى بر داشت شمارا زير يكديكر درجهاى افزونى يكى را بدانش يكى رابنسب يكى را بمال يكىرا بشرف يكى را بصورت يكى را بقوت جاى ديكر كفت ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا يعنى برداشتيم ايشانرا بريكديكر درعز ومال در رزق ومعيشت يكى مالك يكى مملوك يكى خادم يكى مخدوم يكى فرمانده يكى فرمانبر اما درجات آنست كفت وللآخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا هركه دردنيا بمعرفت وطاعت افزونتردر عقبى بحق نزد يكتر وكرامت وى بيشتر فهو رافع الدرجات فى الدنيا بتفاوت الطبقات وفى العقبى بتباين المراتب والمقامات روى ان اسفل اهل الجنة درجة ليعطى مثل ملك الدنيا كلها عشر مرار وانه ليقول اى رب لو اذنت لى اطعمت اهل الجنة وسقيتهم لم ينقص ذلك مما عندى شيئا وان له من الحور العين ثنتين وسبعين زوجة سوى ازواجه من الدنيا وقال بعضهم رافع درجات انبباست عليهم السلام درجه آدم را بصفوت بر داشت ونوح را بدعوت وابراهيم رابخلت وموسى را بقربت وعيسى را بزهادت ومحمد را بشفاعت وقال بعضهم رافع درجات العصاة بالنجاة والمطيعين بالمثوبات وذى الحاجات بالكفايات والاولياء بالكرامات والعارفين بالارتقاء عن الكونين والمحبين بالفناء عن المحبية والبقاء بالمحبوبية عزيزى فرموده كه لا يوجد البقاء الا بالفناء تا شربت فنا ننوشى شعر : بنوش درد فناكر بقاهمى خواهى كه زاد راه بقاى دردى خراباتست زحال خويش فناشود درين ره اىعطار كه باقى ره عشاق فانى الذاتست تفسير : يقول الفقير حقيقة الآية عند السادت الصوفية قدس الله اسرارهم انه تعالى رفيع درجات اسمائه وصفاته وطبقات ظهوراته فى تنزلاته واسترسالاته فانه تعالى خلق العقل الاول وهو اول ما وجد من الكائنات وهو آدم الحقيقى الاول والروح الكلى المحمدى والعلم الاعلى وهو اول موجود تحقق بالنعم الالهية وآخر الموجودات تحققا بهذه النعم هو عيسى عليه السلام لأنه لا خليفة لله بعده الى يوم القيامة بل لا يبقى بعد انتقاله وانتقال من معه مؤمن على وجه الارض فضلا عن ولى كامل وفى الحديث "حديث : لا تقوم الساعة وفى الارض من يقول الله الله" تفسير : اى الملازم الذكر لا الذاكر فى الجملة فلا بد للمصلى من أن يستحضر عند قوله صراط الذين انعمت عليهم جميع من انعم الله عليه من العلم الاعلى الى عيسى ثم خلق الله النفس الكلية التى فى الاجسام الجزئية وبواسطتها ظهر الفعل والانفعال فى الاشياء ثم الهباء ثم الشكل الكلى وهو الهيولى الجسمية ثم جسم الكلى ثم الفلك الاطلس الذى هو العرش الكريم ثم الكرسى على ما ذكره داود القيصرى واما حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فلم يجعل الفلك الاطلس هو العرش بعينه فالترتيب عنده العرش ثم الكرسى ثم فلك الاطلس سمى به لخلوه عن الكواكب كخلو الاطلس عن النقش ثم المنازل ثم سماء كيوان ثم سماء المشترى ثم سماء المريخ ثم سماء الشمس ثم سماء الزهرة ثم سماء عطارد ثم سماء القمر ثم عنصر النار ثم عنصر الهوآء ثم عنصر الماء ثم عنصر التراب ثم المعدن ثم النبات ثم الحيوان ثم الملك ثم الجن ثم الانسان الذى هو مظهر الاسم الجامع ثم ظهر فى مرتبته التى هى مظهر الاسم الرفيع فتم الملك والمكوت وهذه الحقائق كلها درجات الهية ومراتب رحمانية دل عليها قوله تعالى رفيع الدرجات {ذو العرش} خبر آخر لقوله هو اى هو تعالى مالك العرش العظيم المحيط باكناف العالم العلوى والسفلى وله اربعمائة ركن من الركن الى الركن اربعمائة الف سنة خلقه فوق السموات السبع وفوق الكرسى اظهارا لعظمته وقدرته لا مكانا لذاته فانه الآن على ما كان عليه وانما ذكره على حد العقول لأن العقول لا تصل الا الى مثله والا فهو اقل من خردلة فى جنب جلاله تعالى وعظمته ايضا خلقه ليكون مطافا لملائكته وليكون قبلة الدعاء ومحل نزول البركات لأنه مظهر لاستوآء الرحمة الكلية ولذا ترفع الايدى الى السماء وقت الدعاء لأنه بمنزلة ان يشير سائل الى الخزانة السلطانية ثم يطلب من السلطان ان يفيض عليه سجال العطاء من هذه الخزانة قال العلماء يكره النظر الى السماء فى الصلاة واما فى غيرها فكرهه بعض ولم يكرهه الاكثرون لأن السماء قبلة الدعاء وايضا خلقه ليكون موضع كتاب الابرار كما قال تعالى {أية : ان كتاب الابرار لفى عليين} تفسير : وليكون مرءآة للملائكة فانهم يرون الآدميين من تلك المرءآة ويطلعون على احوالهم كى يشهدوا عليهم يوم القيامة وليكون ظلة لاهل المحشر من الابرار والمقربين يوم تبدل السموات والارض وليكون محلا لاظهار شرف محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كما قال تعالى {أية : عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا} تفسير : وهو مقام تحت العرش فيه يظهر اثر الشفاعة العظمى للمؤمنين ويقال ان الله تعالى رفع من كل شىء شيئا المسك من الطيب والعرش من الاماكن والياقوت من الجواهر والشمس من الانوار والقرءآن من الكتب والعسل من الحلوى والحرير من اللباس والزيتون من الاشجار و الأسد من السباع وشهر رمضان من الشهور والجمعة من الايام وليلة القدر من الليالى والتوحيد من المقال والصلاة من الفعال ومحمدا عليه السلام من الرسل وامته من الامم هذا اذا كان العرش بمعنى الجسم المحيط ويقال العرش الملك والبسطة والعز يقال فلان ثل عرشه اى زالت قوته ومكنته وروى أن عمر رضى الله عنه رؤى فى المنام فقيل له ما فعل الله بك قال لولا ان تداركنى الله لثل عرشى فيكون معنى ذو العرش على ما فى التأويلات النجمية ذو الملك العظيم لأنه تعالى خلقه ارفع الموجودات واعظمها جثة اظهارا للعظمة وايضا ذو عرش القلوب فانها العرش الحقيقى لأن الله تعالى استوى على العرش بصفة الرحمانية ولا شعور للعرش به واستوى على قلوب اوليائه بجميع الصفات وهم العلماء بالله مستغرقين فى بحر معرفته فاذا كان العرش الصورى والمعنوى فى قبضة قدرته وهو مستولٍ عليه ومتصرف فيه لا مالك ولا متصرف له غيره لا يصح ان يشرك به مطلقا بل يجب ان يعبد ظاهرا وباطنا حقا وصدقا {يلقى الروح} بيان لانزال الرزق المعنوى الروحانى من الجانب العلوى بعد بيان انزال الرزق الجسمانى منه ولذا وصف نفسه بكونه رفيع الدرجات وذا العرش لأن آثار الرحمة مطلقا انما تظهر من جانب السماء خصوصا العرش مبدأ جميع الحركات والمعنى ينزل الوحى الجارى من القلوب منزلة الروح من الاجساد فكما ان الروح سبب لحياة الاجسام كذلك الوحى سبب لحياة القلوب فان حياة القلوب انما هى بالعارف الالهية الحاصلة بالوحى فاستعير الروح للوحى لأنه يحيى به القلب بخروجه من الجهل والحيرة الى المعرفة والطمأنينة وسمى جبرائيل روحا لأنه كان يأتى الانبياء بما فيه حياة القلوب وسمى عيسى روح الله لأنه كان من نفخ جبرائيل واضيف الى الله تعظيما. واعلم أن ما سوى الله تعالى اما جسمانى واما روحانى والقسمان مسخران تحت تسخيره تعالى اما الجسمانى فاعظمه العرش فقوله ذو العرش يدل على استيلائه على جميع عالم الاجسام كله وقوله يلقى الروح يدل على أن الروحانيات ايضا مسخرات لامره فان جبرائيل اذا كان مسخرا له فى تبليغ الوحى الى الانبياء وهو من افاضل الملائكة فما ظنك بغيره واما الوحى نفسه فهو من الامور المعنوية وانما يتصور بصورة اللفظ عند الالقاء {من امره} بيان للروح الذى اريد به الوحى فانه امر بالوحى وبعث للمكلف عليه فيما يأتيه ويذره فليس المراد بالامر هنا ما هو بمعنى الشان او حال منه اى حال كونه ناشئا ومبتدأ من امره تعالى {على من يشاء من عباده} وهو الذى اصطفاه لرسالته وتبليغ الاحكام اليهم وقال الضحاك الروح جبرائيل اى يرسله الى من يشاء من اجل امره يخاطب بهذا من كره نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وفى التأويلات النجمية روح الدراية للمؤمنين وروح الولاية للعارفين وروح النبوة للنبيين وفى الآية دليل على ان النبوة عطائية لا كسبية وكذا الولاية فى الحقيقة اذ لا ينظر الى الاسباب الخارجة بل الى الاختصاص الالهى {لينذر} غاية للالقاء اى لينذر الله تعالى او الملقى عليه او الروح والانذار دعوة ابلاغ مع تخويف {يوم التلاق} اما ظرف للمفعول الثانى اى لينذر الناس العذاب يوم التلاق وهو يوم القيامة او هو المفعول الثانى اتساعا او اصالة فانه من شدة هوله وفظاعته حقيق بالانذار اصالة وسمى يوم القيامة يوم التلاق لانه تتلاقى فيه الارواح والاجساد واهل السموات والارض والعابدون والمعبودون والعاملون والاعمال والاولون والآخرون والظالمون والمظلومون واهل النار مع الزبانية
الجنابذي
تفسير : {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ} خبرٌ بعد خبرٍ لقوله هو فى هو الّذى يريكم، او صفة لله مقطوعة عن الوصفيّة بناءً على اكتسابه التّعريف من المضاف اليه على قراءة الرّفع، او باقية على الوصفيّة على قراءة النّصب، او حالٌ عنه بناءً على عدم اكتسابه التّعريف عن المضاف اليه، والرّفع بمعنى المرفوع بمعنى انّ درجات وجوده مرفوعة بحيث لا يناله ادراك مدرك سواه، او بمعنى الرّافع بمعنى انّه رافع درجات عباده، او درجات خلقه، او درجات فعله وصفاته {ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ} قد فسّر الرّوح ههنا بالقرآن وبالوحى وبالنّبوّة وبجبرئيل وورد فى اخبارٍ عديدةٍ انّ الرّوح ملك اعظم من جبرائيل ولم يكن مع احدٍ من الانبياء (ع) وكان مع محمّدٍ (ص) وهو كان مع الائمّة (ع)، وفسّر الرّوح فى الاخبار بمعانٍ اُخر مثل روح الايمان وروح القوّة وروح الشّهوة وغير ذلك، ويجوز ان يفسّر بالولاية الّتى هى مصدر النّبوّة والرّسالة وروحهما فانّها حقيقة المشيّة الّتى هى متّحدة مع ربّ النّوع الانسانىّ الّذى هو ربّ جميع الارباب وعنه يعبّر بروح القدس الّذى لم يكن مع احدٍ من الانبياء (ع) وكان مع محمّدٍ (ص) {مِنْ أَمْرِهِ} اى من عالم امره، او من امره الّذى هو كلمة كن الوجوديّة، وهى المشيّة الّتى هى فعله وكلمته وأمره {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} اى يوم تلاقى اهل الارض واهل السّماء، او تلاقى المحسن والمسيء، او تلاقى الاحبّاء، او تلاقى المظلوم والظّالم، او تلاقى المسرع والبطيء وتلاحق الكلّ، او تلاقى الاتباع والمتبوعين وهو يوم القيامة.
اطفيش
تفسير : {رَفِيعُ} خبر ثان لهو أو خبر لمحذوف* {الدَّرَجَاتِ} أي الصفات وعظم الصفات صفة معقولة أثبتها دلالة على الوحداينة فانه مرتفع الصفات عما سواه كله فلا شيء يشاركه فى الربوبية فرفع الدرجات كناية عن علو شأنه وقيل (رافع) درجات الأنبياء والأولياء والعلماء فى الدنيا والآخرة. وقال ابن جبير: سماء فوق سماء والعرش فوقهن وقيل مصاعد الملائكة الى أن تبلغ العرش وهو دليل عزته وملكوته وعلى الأول فانما عبر بالدرجات افهاما للسامعين وقيل مصاعد الملائكة الى السموات وقرئ (رفيعَ) بالنصب على المدح* {ذُو الْعَرْشِ} خبر آخر دليل محسوس على الوحدانية فان من كان العرش الذي هو جسم عظيم السموات والكرسي والأرضون فيه كالدنانير فى الفلاة وقبضته لا يصح أن يشرك به وهو كامل القدرة حتى انه (ذو العرش) أي مالكه وخالقه وخص العرش بالذكر لانه أعظم* {يُلْقِى الرُّوحَ} خبر آخر للدلالة على أن الروحانيات أيضاً مسخرات لأمره باظهار آثارها وهو الوحي فى تمهيد النبوة بعد تقدير التوحيد. قاله القاضي وأقول الالقاء الانزال والروح الوحي القرآن وغيره مما لم يتل. قاله الضحاك وقال السدي الروح النبوة ومكانتها ويجوز أن يكون الروح عاماً لكل ما ينعم الله به على عباده المهتدين في تفهم الايمان والمعقولات الشرعية وقيل الروح جبرائيل وسمى ذلك كله روحاً لان النفع به كالنفع بالروح فى البدن وبه تحيا الأرواح* {مِنْ أَمْرِهِ} بيان للروح على أن الروح الوحي لانه أمر بالخبر ومبدئه والآمر بالمد هو الملك المبلغ أو يتعلق بـ (يلقي) مطلقاً وقيل (من) بمعنى الباء. قال ابن عباس: أمره قضاه قال بعض ان جعلت الأمر جنساً للامور (فمن) للتبعيض أو (لابتداء الغاية) وان جعلنا الأمر من معنى الكلام (فمن) إما (لابتداء الغاية) أو بمعنى (الباء)* {عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} هو الأنبياء على أن الروح الوحي أو جبرائيل أو النبوة أو الصالحون كلهم على أن الروح ما أنعم الله به عليهم فى الايمان {لِيُنذِرَ} علة للالقاء {يَوْمَ التَّلاَقِ} أي ليخوف من ألقى الله عليه الروح الناس بيوم تلاقي أهل السماء والأرض والارواح والاجساد والعابدين والمعبودين والظالم والمظلوم ومعنى ملاقاة المعبود كالذي في {أية : ومن كان يرجو لقاء ربه} تفسير : لكن لقاء بعض لقاء خير ولقاء بعض لقاء شر وقيل يلتقى الخالق والمخلوق وقيل الظالم والمظلوم وقيل المرء وعمله ويؤيد عود ضمير (ينذر) الى (لام التعليل) والقرب وقيل يعود الى (الله) وقيل الى (الروح) قيل واذا فسر الروح بما أنعم به على المسلمين فالضمير (لله) لا (لمن) وقرئ (لتنذر) بالتاء الفوقية خطاباً للنبي أو ارجاعاً للروح لانها تؤنث. وعن بعضهم انها قراءة الجمهور وان الياء التحتية قراءة أبيّ بن كعب وجماعة وقرئ (لينذر يوم) بالياء للمفعول والتحتية ورفع (يوم) وقرئ باسقاط ياء التلاقي
اطفيش
تفسير : {رَفيعُ الدَّرجات} هو رفيع أو مبتدأ خبره ذو، ولو كانت اضافته لفظية أو خبر لذو أو هما، ويلقى أخبار لهو السابق، ولفظ رفيع صفة مشبهة مضافة لفاعلها، ولا مفعول له، لأنه لازم، وفعله رفع بضم الفاء بمعنى علا، والدرجات صفاته وأفعاله، او درجات ملائكته الى عرش سبحانه، وقيل: سمواته لأنها معارج، وفيه أن المتبادر من ذلك أن لا تكون درجات بين السماء والسماء، وبين السماء والعرش، وهو خلاف الظاهر، ولو جاز، ويجوز أن يكون المراد الكتابة عن عزة شأنه، وهو الذى يتبادر الى الفهم، وأن يكون من رفع المتعدى بفتح الفاء صفة مبالغة مضافة الى مفعولها بمعنى أنه رفع درجات من أطاعه، ودرجات الدنيا، ودرجات الآخرة، وهو أنسب بقوله تعالى: {أية : فادعوا الله}تفسير : [غافر: 14] الخ أو رفع سماء فوق سماء، أو رفع درجات ملائكته الى العرش على ما مر. {ذُو العَرْش} ذو الملك، ومنه العرش المحمول، أو هو المراد وهو أنسب بتفسير رفيع الدرجات بعزيز الشأن {يُلقي الرُّوحَ} الوحى وعن ابن عباس القرآن وهما للقلب كروح الحياة، كالرزق للجسد، وفسره بعض بفهم الشريعة، ويبعد تفسيره بجبريل، وعليه فالمعنى أن أن الله ينزل جبريل على من يشاء أنه نبى {مِنْ أمْره} من قضائه أو ملكه، ومن للابتداء، وقيل: بيان للروح، أى هو أمره، ولو فسر الروح بجبريل لكانت سببية، أى لتبليغ أمره، وقيل بأمره {عَلَى مَنْ يشاءُ مِنْ عِبادِه} وهو الأنبياء والرسل، ويتوسط أيضا أتباعهم فى التبليغ داخل المئات، وعلى رءوسها كما روى أبو داود، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها "تفسير : أى باحياء ما اندرس من العلم، والعمل بالكتاب والسنة، وما استخرج منهما. {ليُنْذر} متعلق بيلقى، والضمير لله، لأنه المحدث عنه، وهو المتبادر، أو لمن يشاء لقربه، ولأنه منذر بلا توسط، ولو كان بتوسط الأتباع، ويبعد عوده للروح أو للأمر {يَوْم التَّلاق} مفعول ثان لينذر، والأول محذوف أى لينذرهم أى العباد، أو لينذر الناس، أو يقدر الباء أى بيوم التلاقى أو متعلق بمحذوف أى الانتقام، أو العقاب يوم التلاقى، وهوتلاقى الخالق والمخلوق، لقوله عز وجل: "أية : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل" تفسير : [الكهف: 110] وقوله تعالى: " أية : إن الذين لا يرجون لقاءنا" تفسير : [يونس: 7] وقوله جل وعلا: "أية : وقال الذين لا يرجون لقاءنا" تفسير : [الفرقان: 21] وقوله سبحانه: " أية : إنهم ملاقوا ربهم" تفسير : [هود: 29] وقوله تعالى: " أية : تحيَّتهم يَوْم يلقونه سلام" تفسير : [الأحزاب: 44] ونحو ذلك. وقيل: تلاقى الخلائق فيه، لجريان الكلام على الحقيقة، ونفى توهم استواء الخالق والمخلوق، وقيل التقاء أهل السماء والأرض، وقال ميمون بن مهران: التقاء الظالم والمظلوم، وقيل: التقاء كل أحد وعمله، وقيل: التقاء العابدين والمعبودين، ولا مانع من الحمل على الالتقاءات المذكورة كلها الا أن لقاء الله مجاز، ومر كلام فى الجمع بين الحقيقة والمجاز.
الالوسي
تفسير : {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ } صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رَفُعَ الشيء بالضم إذا علا، وجوز أن يكون صيغة مبالغة من باب أسماء الفاعلين وأضيف إلى المفعول وفيه بعد، و {ٱلدَّرَجَـٰتِ} مصاعد الملائكة عليهم السلام إلى أن يبلغوا العرش أي رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه. وفسرها ابن جبير بالسماوات ولا بأس بذلك فإن الملائكة يعرجون من سماء إلى سماء حتى يبلغوا العرش إلا أنه جعل رفيعاً اسم فاعل مضافاً إلى المفعول فقال: أي رفع سماء فوق سماء والعرش فوقهن، وقد سمعت آنفاً أن فيه بعداً، ووصفه عز وجل بذلك للدلالة على سبيل الإدماج على عزته سبحانه وملكوته جل شأنه. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه عز شأنه وسلطانه كما أن قوله تعالى: {ذُو ٱلْعَرْشِ } كناية عن ملكه جل جلاله، ولا نظر في ذلك إلى أن له سبحانه عرشاً أو لا، فالكناية وإن لم تناف إرادة الحقيقة لكن لا تقتضي وجوب إرادتها فقد وقد؛ وعن ابن زيد أنه قال: أي عظيم الصفات وكأنه بيان لحاصل المعنى الكنائي، وقيل: هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه تعالى يوم القيامة، وروي ذلك عن ابن عباس وابن سلام، وهذا أنسب بقوله تعالى: {أية : فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ }تفسير : [غافر: 14] والمعنى الأول أنسب بقوله تعالى: {يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ } لتضمنه ذكر الملائكة عليهم السلام وهم المنزلون بالروح كما قال سبحانه: {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النحل: 2] وأياً ما كان ـ فرفيع الدرجات ـ و {ذُو ٱلْعَرْشِ } وجملة {يُلْقِي} أخبار ثلاثة قيل: ـ لهو ـ السابق في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ } تفسير : [غافر: 13] الخ واستبعده أبو حيان بطول الفصل، وقيل: لهو محذوفاً، والجملة كالتعليل لتخصيص العبادة وإخلاص الدين له تعالى، وهي متضمنة بيان إنزال الرزق الروحاني بعد بيان إنزال الرزق الجسماني في {أية : وَيُنَزّلٍ لَكُم مّنَ ٱلسَّمَاء رِزْقاً }تفسير : [غافر: 13] فإن المراد بالروح على ما روي عن قتادة الوحي وعلى ما روي عن ابن عباس القرآن وذلك جار من القلوب مجرى الروح من الأجساد، وفسره الضحاك بجبريل عليه السلام وهو عليه السلام حياة القلوب باعتبار ما ينزل به من العلم. وجوز ابن عطية أن يراد به كل ما ينعم الله تعالى به على عباده المهتدين في تفهيم الإيمان والمعقولات الشريفة وهو كما ترى. وقوله تعالى: {مِنْ أَمْرِهِ } قيل: بيان للروح، وفسر بما يتناول الأمر والنهي، وأوثر على / لفظ الوحي للإشارة إلى أن اختصاص حياة القلوب بالوحي من جهتي التخلي والتحلي الحاصلين بالامتثال والانتهاء. وعن ابن عباس تفسير الأمر بالقضاء فجعلت {مِنْ } ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع حالاً من {ٱلرُّوحُ } أي ناشئاً من أمره أو صفة له على رأي من يجوز حذف الموصول مع بعض صلته أي الكائن من أمره، وفسره بعضهم بالملك وجعل {مِنْ } ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع حالاً أو صفة على ما ذكر آنفاً، وكون الملك مبدأ للوحي لتلقيه عنه، ومن فسر الروح بجبريل عليه الصلاة والسلام قال: {مِنْ } سببية متعلقة ـ بيلقي ـ والمعنى ينزل الروح من أجل تبليغ أمره. {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وهو الذي اصطفاه سبحانه لرسالته وتبليغ أحكامه إليهم، والاستمرار التجددي المفهوم من {يُلْقِي } ظاهر فإن الإلقاء لم يزل من لدن آدم عليه السلام إلى انتهاء زمان نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو في حكم المتصل إلى قيام الساعة بإقامة من يقوم بالدعوة على ما روى أبو داود عن أبـي هريرة عن النبـي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»تفسير : أي بإحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وأمر ذلك التجدد على ما جوزه ابن عطية لا يحتاج إلى ما ذكر. وقرىء {رفيع } بالنصب على المدح. {لّيُنذِرَ } علة للإلقاء، وضميره المستتر لله تعالى أو لمن وهو الملقى إليه أو للروح أو للأمر، وعوده على الملقى إليه وهو الرسول أقرب لفظاً ومعنى لقرب المرجع وقوة الإسناد فإنه الذي ينذر الناس حقيقة بلا واسطة، واستظهر أبو حيان رجوعه إليه تعالى لأنه سبحانه المحدث عنه، وقوله تعالى: {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } مفعول ـ لينذر ـ أو ظرف والمنذر به محذوف أي لينذر العذاب أو نحو يوم التلاق.
ابن عاشور
تفسير : {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ * يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شيء}. {رفيعُ الدرجات} خبر عن مبتدأ محذوف هو ضمير اسم الجلالة في قوله: {أية : فادعوا الله}تفسير : [غافر: 14] وليس خبراً ثانياً بعد قوله: {أية : هُو الَّذي يُريكم آياته} تفسير : [غافر: 13] لأن الكلام هنا في غرض مستجدّ، وحذف المسند إليه في مثله حذف اتِّبَاع للاستعمال في حذف مثله، كذا سماه السكاكي بعد أن يَجري من قبل الجملة حديثٌ عن المحذوف كقول عبد الله بن الزَّبِير أو إبراهيم بن العباس الصولي أو محمد بن سعيد الكاتب:شعر : سأَشكُر عَمْراً إِنْ تَراختْ منيتي أَيَادِيَ لَم تُمْنَنْ وإنْ هِيَ جَلَّتِ فَتًى غير محجوب الغِنى عن صديقه ولا مُظْهِرا للشكوى إذا النعل زَلّت تفسير : و {رفيع} يجوز أن يكون صفة مشبهة. والتعريف في {الدرجات} عوض عن المضاف إليه. والتقدير: رفيعةٌ درجاتُه، فلما حُول وصف ما هو من شؤونه إلى أن يكون وصفاً لذاته سلك طريق الإضافة وجُعلت الصفة المشبهة خبراً عن ضمير الجلالة وجعل فاعل الصفة مضافاً إليه، وذلك من حالات الصفة المشبهة يقال: فلان حسنٌ فعلُه، ويقال: فلان حسَنُ الفعل، فيؤُول قوله: {رَفِيعُ الدَّرَجات} إلى صفة ذاته. و {الدرجات} مستعارة للمجد والعظمة، وجمعها إيذان بكثرة العظمات باعتبار صفات مجد الله التي لا تحصر، والمعنى: أنه حقيق بإخلاص الدعاء إليه. ويجوز أن يكون {ٱلْكَـٰفِرُونَ} من أمثلة المبالغة، أي كثير رفعِ الدرجات لمن يشاء وهو معنى قوله تعالى: {أية : نرفع درجات من نشاء} تفسير : [يوسف: 76]. وإضافته إلى {الدرجات}من الإِضافة إلى المفعول فيكون راجعاً إلى صفات أفعال الله تعالى. والمقصود: تثبيتهم على عبادة الله مخلصين له الدين بالترغيب بالتعرض إلى رفع الله درجاتهم كقوله: {أية : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}تفسير : في سورة [المجادلة: 11]. و {ذُو العَرْش} خبر ثان وفيه إشارة إلى أن رفع الدرجات منه متفاوت. كما أن مخلوقاته العليا متفاوتة في العظم والشرف إلى أن تنتهي إلى العرش وهو أعلى المخلوقات كأنه قيل: إن الذي رفع السماوات ورفع العرش مَاذَا تُقَدِّرون رَفعه درجات عابديه على مراتب عبادتهم وإخلاصهم. وجملة {يُلْقِي الرُّوح مِن أمْرِه} خبر ثالث، أو بدلُ بعض من جملة {رَفِيعُ الدرجات} فإن مِنْ رفع الدرجات أَنْ يرفع بعض عِباده إلى درجة النبوءة وذلك أعظم رفع الدرجات بالنسبة إلى عِباده، فبدل البعض هو هنا أهم أفراد المبدل منه. والإِلقاء: حقيقته رميُ الشيء من اليد إلى الأرض، ويستعار للاعطاء إذا كان غير مترقب، وكثر هذا في القرآن، قال: {أية : فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذٍ السلم}تفسير : [النحل: 86، 87]. واستعير هنا للوحي لأنه يجيء فجأة على غير ترقب كإلقاء الشيء إلى الأرض. والروح: الشريعة، وحقيقة الروح: ما به حياة الحيّ من المخلوقات، ويستعار للنفيس من الأمور وللوحْي لأنه به حياة الناس المعنوية وهي كمالهم وانتظام أمورهم، فكما تستعار الحياة للإِيمان والعِلمِ، كذلك يستعار الروح الذي هو سبب الحياة لكمال النفوس وسلامتها من الطوايا السيئة، ويطلق الروح على المَلَك قال: {أية : فأرسلنا إليها روحَنا فتمثل لها بشراً سويا} تفسير : [مريم:17]. و {مِنْ} ابتدائية في {مِن أمْرِهِ}، أي بأمره، فالأمر على ظاهره. ويجوز أن تكون {من} تبعيضية ظرفاً مستقراً صفة {الروح} أي بَعْضَ شؤونه التي لا يطلع عليها غيره إلا من ارتضى فيكون الأمر بمعنى الشأن، أي الشؤون العجيبة، وقيل: {من} بيانية وأن الأمر هو الروح وهذا بعيد. وهذه الآية تشير إلى أن النبوءة غير مكتسبة لأنها ابتدئت بقوله: {أية : فادعوا الله مخلصين له الدين}تفسير : [غافر: 14] ثم أُعقب بقوله: {رفيع الدرجات} فأشار إلى عبادة الله بإخلاص سبب لرفع الدرجات، ثم أعقب بقوله: {يُلقِي الرُّوح من أمرِه} فجيء بفعل الإِلقاء وبكون الروح من أمره وبصلة {مَن يَشاء مِن عِباده}، فآذن بأن ذلك بمحض اختياره وعلمه كما قال تعالى: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته}تفسير : [الأنعام:124]. وهذا يرتبط بقوله في أول سورة الزمر (2) {أية : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين} تفسير : فأمَر رسولَه صلى الله عليه وسلم بالإخلاص في العبادة مفرعاً على إنزال الكتاب إليه، وجاء في شأن الناس بقوله: {أية : فادعوا الله مُخْلِصين}تفسير : [غافر: 14] ثم أعقبه بقوله: {رَفِيع الدرجات}. وقد ضَرب لهم العرشَ والأنبياء مثلين لرفع الدرجات في العوالم والعقلاء، وفيه تعريض بتسفيه المشركين {أية : فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه} تفسير : [القمر:24]، {أية : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [الزخرف: 31] و{أية : قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله}تفسير : [الأنعام:124]. وتخلص من ذكر النبوءة إلى النذارة بيوم الجزاء ليعود وصف يوم الجزاء الذي انقطع الكلام عليه من قوله تعالى: {أية : ذلكم بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم} تفسير : [غافر:12] الخ. والإِنذار: إِخبار فيه تحذير مما يسوء، وهو ضد التبشير إذ هو إخبار بما فيه مسرة. وفعله المجرد: نَذِر كعلم، يقال: نَذِر بالعدوّ فحَذِره. والهمزة في أنذر للتعدية فحقه أن لا يتعدى بالهمزة إلا إلى مفعول واحد، وهو الذي كان فاعل الفعل المجرد، وأن يتعدى إلى الأمر المخبَر به بالباء، يقال: أنذرتُهم بالعَدوّ، غير أنه غلب في الاستعمال تضمينه معنى التحذير فعدوه إلى مفعول ثان وهو استعمال القرآن، وأما قوله في أول [الأعراف: 2] {أية : لتنذر به}تفسير : فالباء فيه للسببية أو الآلة المجازية وليست للتعدية. وضمير (به) عائداً إلى (الكتاب). والضمير المستتر في {لينذر} عائد إلى اسم الجلالة من قوله: { أية : فادعوا الله}تفسير : [غافر:14]، والأحسن أن يعود على {مَن} الموصولة لينذر من ألقَى عليه الروحَ قومَه، ولأن فيه تخلصاً إلى ذكر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي هو بصدد الإِنذار دون الرسل الذين سبقوا إذ لا تلائمهم صيغة المضارع ولأنه مرجِّح لإِظهار اسم الجلالة في قوله: {لا يخفى على الله منهم شيء} كما سيأتي. و {يوم التَلاَقي} هو يوم الحشر، وسمي يوم التلاقي لأن الناس كلهم يلتقون فيه، أو لأنهم يلقون ربهم لقاء مجازياً، أي يقفون في حضرته وأمام أمره مباشرة كما قال تعالى: {أية : الذين لا يرجون لقاءنا} تفسير : [يونس:7] أي لا يرجُون يوم الحشر. وانتصبَ {يوم التلاقي} على أنه مفعول ثان لــــ {ينذر}، وحذف المفعول الأول لظهوره، أي لينذر الناسَ. وبَين {التَّلاَقي} و {يُلْقي} جناس. وكتب {التَّلاَقي} في المصحف بدون ياء. وقرأه نافع وأبو عمرو في رواية عنه بكسرة بدون ياء. وقرأه الباقون بالياء لأنه وقع في الوصل لا في الوقف فلا موجب لطرح الياء إلا معاملة الوصل معاملة الوقف وهو قليل في النثر فيقتصر فيه على السماع. وكفى برواية نافع وأبي عمرو سماعاً. و {يَوْمَ هُم بٰرِزُون} بدل من {يَوْمَ التَّلاَقي}. و {هم بارزون} جملة اسمية، والمضاف ظرف مستقبل وذلك جائز على الأرجح بدون تقدير. وضمير الغيبة عائد إلى { أية : الكافِرُونَ}تفسير : [غافر: 14] من قوله: {أية : وَلَوْ كَرِهَ الكافرون}تفسير : [غافر: 14]. وجملة {لا يَخْفَى على الله منهم شيءٌ} بيان لجملة {هُم بٰرِزُون} والمعنى: أنهم واضحة ظواهرهم وبواطنهم فإن ذلك مقتضى قولهم: {مِنْهم شَيءٌ}. وإظهار اسم الجلالة لأن إظهاره أصْرح لبعد معاده بما عقبه من قوله: {على مَن يَشَاءُ من عِبادهِ}، ولأن الأظهر أن ضمير {ليُنذِر} عائد إلى {مَن يَشَاء}. ومعنى {مِنهُم} من مجموعهم، أي من مجموع أحوالهم وشؤونهم، ولهذا أوثر ضمير الجمع لما فيه من الإِجمال الصالح لتقدير مضاف مناسب للمقام، وأوثر أيضاً لفظ {شَيْءٌ} لتوغله في العموم، ولم يقل لا يخفى على الله منهم أحد، أو لا يخفى على الله من أحدٍ شيءٌ، أي من أجزاء جسمه، فالمعنى: لا يخفى على الله شيء من أحوالهم ظاهرها وباطنها. {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ القهار} مقول لقول محذوف، وحذف القول من حديث البحر. والتقدير: يقول الله لمن الملك اليوم، ففعل القول المحذوف جملة في موضع الحال، أو استئناف بياني جواباً عن سؤال سائل عما ذا يقع بعد بروزهم بين يدي الله. والاستفهام إما تقريري ليشهد الطغاة من أهل المحشر على أنفسهم أنهم كانوا في الدنيا مخطئين فيما يزعمونه لأنفسهم من مُلك لأصنامهم حين يضيفون إليها التصرف في ممالك من الأرض والسماء، مثل قول اليونان بإلٰه البحر وإلٰه الحرب وإلٰه الحكمة، وقول أقباط مصر بإلٰه الشمس وإلٰه الموت وإلٰه الحكمة، وقول العرب باختصاص بعض الأصنام ببعض القبائل مثل اللاتِ لثقيف، وذي الخَلَصة لدوْس، ومناةَ للأوس والخزرج. وكذلك ما يزعمونه لأنفسهم من سلطان على الناس لا يشاركهم فيه غيرهم كقول فرعون: {أية : ما علمت لكم من إله غيري}تفسير : [القصص:38] وقولِه: {أية : أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي}تفسير : [الزخرف: 51]، وتلقيب أكاسرة الفرس أنفسهم بلقب: ملك الملوك (شاهنشاه)، وتلقيب ملوك الهند أنفسهم بلقب ملك الدنيا (شاه جهان). ويفسر هذا المعنى ما في الحديث في صفة يوم الحشر «ثم حديث : يقول الله أنا المَلِك أين ملوك الأرضتفسير : » استفهاماً مراداً منه تخويفهم من الظهور يومئذٍ، أي أين هم اليوم لماذا لم يظهروا بعظمتهم وخيلائهم. ويجوز أيضاً أن يكون الاستفهام كناية عن التشويق إلى ما يرد بعده من الجواب لأن الشأن أن الذي يسمع استفهاماً يترقب جوابه فيتمكن من نفسه الجوابُ عند سماعه فَضْلَ تمكُّن، على أن حصول التشويق لا يفوت على اعتبار الاستفهام للتقرير، وقريب منه: {أية : وإذَا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دَعان}تفسير : [البقرة: 186]. و {اليوم} المعرف باللام هو اليوم الحاضر، وحضوره بالنسبة إلى القول المحكي أنه يقال فيه، أي اليوم الذي وقع فيه هذا القول كما هو شأن أسماء الزمان الظروف إذا عُرِّفت باللام. وجملة {لله الوٰحِد القَهَّار} يجوز أن تكون من بقية القول المقدر الصادر من جانب الله تعالى بأن يصدر من ذلك الجانب استفهام ويصدر منه جوابه لأنه لما كان الاستفهام مستعملاً في التقرير أو التشويق كان من الشأن أن يتولى الناطق به الجواب عنه، ونظيره قوله تعالى: {أية : عَمَّ يتساءَلُون عَنِ النبإ العَظِيم} تفسير : [النبأ: 1، 2]. ويجوز أن تكون مقول قول آخر محذوف، أي فيقول المسؤولون: {لله الواحد القهَّار} إقراراً منهم بذلك، والتقدير: فيقول البارزون لله الواحد القهار، فتكون معترضة. وذكر الصفتين {الوٰحِدِ القَهَّار} دون غيرهما من الصفات العُلَى لأن لمعنييهما مزيد مناسبة بقوله: {لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ} حيث شوهدت دلائل الوحدانية لله وقهره جميعَ الطغاة والجبارين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ}. قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في أول سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [النحل: 2]. وقوله تعالى في آية المؤمن هذه {يوم هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} [غافر: 16] جاء مثله في آيات كثيرة، كقوله في بروزهم ذلك اليوم {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 48] وقوله تعالى: {أية : وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} تفسير : [إبراهيم: 21] الآية وكقوله في كونهم لا يخفى على الله منهم شيء ذلك اليوم {أية : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 18]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} تفسير : [العاديات: 11]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [آل عمران: 5] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} تفسير : [هود: 5] الآية، وذكرنا طرفاً من ذلك، في أول سورة سبأ، في الكلام على قوله تعالى: {أية : عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [سبأ: 3] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلدَّرَجَاتِ} (15) - فَاللهُ تَعَالَى أَرْفَعُ المَوْجُودَاتِ، وَأَعْظَمُهَا شَأْناً، لأَنَّ كُلَّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَهُوَ تَعَالَى ذُو العَرْشِ المُسْتَوي عَلَيْهِ، فَهُوَ مُسْتَوْل عَلَى الأَجْسَامِ والأَرْوَاحِ وَيُلْقِي الوَحْيَ بِقَضَائِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ يَصْطَفِيهِمْ لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ، وَلِيُنْذِرَ بِالعَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي تَلْتَقِي فِيهِ الخَلاَئِقُ جَمِيعُهَا. رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ - أَيْ العَلِيُّ الأَعْلَى الَّذِي اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ واخْتَصَّ بِهِ وَارْتَفَعَتْ دَرَجَاتُهُ تَعَالَى ارْتِفَاعاً بَايَنَ بِهِ مَخْلُوقَاتِهِ وارْتَفَعَ بِهِ قَدْرُهُ، وَجَلَّتْ أَوْصَافُهُ وَتَعَالَتْ ذَاتُهُ أَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَيْهِ إِلاَ بِالعَمَلِ الزَّكِيِّ الطَّاهِرِ المُطَهَّرِ وَهُوَ الإِخْلاَصُ الذِي يَرْفَعُ دَرَجَاتِ أصْحَابِهِ، وَيُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ، وَيَجْعَلُهُمْ فَوَقَ خَلْقِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (رَفيع) على وزن (فعيل) من الفعل رفع، وهذا الوزن يأتي بمعنى فاعل مثل (رحيم) مبالغة من راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل يعني مقتول، كذلك كلمة (رفيع) يصح أنْ تكون بمعنى رافع. أي: أنه سبحانه رافع لغيره، كما يرفع سبحانه بعض الخلق على بعض. ويصح أنْ تكون (رفيع) بمعنى مفعول أي مرتفع في ذاته، والرافع لا يرفع غيره إلا إذا كان مرتفعاً في ذاته، فرفيع هنا بمعنى مرتفع عن كل شيء، كما نقول: الله أكبر والله أعلى وأجلّ. فالله تعالى مرتفع الوجود لأن وجوده أزليٌّ لا عن عدم، أما وجودنا نحن فعن عدم، ووجوده سبحانه إلى دوام ووجودنا إلى عدم، وهو موجود سبحانه بذاته ووجودنا نحن به سبحانه، إذن: فهو سبحانه أحسن مرتفع في الوجود، نعم. والله سبحانه مرتفع في قيوميته، فنحن نعمل ونتعب وننام لنرتاح، أما هو سبحانه فلا يُتبعه عمل ولا ينام ليستريح، لذلك قال سبحانه: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} تفسير : [البقرة: 255] وكأن الحق سبحانه يقول لنا: ناموا أنتم مِلْءَ جفونكم لأني لا تأخذني سِنَةٌ ولا نوم، يريد أنْ نطمئن ونحن في معيته سبحانه. وبهذه القيومية يرفع الله مَنْ يشاء، وبطلاقة قدرته سبحانه يُبقي مَنْ يشاء في الرفعة ويُنزل مَنْ يشاء إلى الضِّعَة {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 26]. وقوله: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ} [غافر: 15] لأن الرفع يقتضي منزلة أعلى من منزلة، وهذه هي الدرجات أي: ما بين كل منزلة وأخرى، والدرجات لا تكون إلا في العُلُو، أما النزول إلى أسفل فتسمى مراحله دركات. والحق سبحانه يرفع من خَلْقه ما يشاء على ما يشاء، كما رفع من الزمان رمضان على غيره من الشهور، ورفع من المكان البيتَ الحرام وبيت المقدس، ورفع من الملائكة كما في قوله تعالى على لسان الملائكة: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164]. ورفع من الرسل أُولي العزم منهم، كما قال تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [البقرة: 253] ويرفع من عامة الخَلْق كما قال سبحانه: {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} تفسير : [المجادلة: 11] وكما رفع الله سبحانه أُولِي العلم كذلك رفع أصحاب الحركة في الحياة الذين ما أُوتوا علماً، إنما عندهم حركة تنفذ هذا العلم وتُطبِّقه وتحقق مطلوبه في الحياة، فالعلم يحتاج في تنفيذه ليد عاملة كأصحاب الحِرَف والعمال والصُّناع، لذلك قال سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الأنعام: 165]. إذن: عندنا رفعةٌ للزمان، ورفعة للمكان، ورفعة للملائكة، ورفعة للأنبياء، ورفعة للمؤمنين، ورفعة لأُولي العلم، وأخيراً رفعة للخلائق في الأرض، وتأمل العدالة الإلهِية في رفعة الخلائف بعضهم على بعض. فالحق سبحانه لم يَقُل لنا أيَّ بعض مرفوع وأيَّ بعض مرفوع عليه، ليبين لنا أن كل بعض مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، إذن: لا يرفع الغني على الفقير، ولا الجميل على القبيح، ولا الذكي على الغبي، إنما يُرفع كلٌّ بحسْب عمله، كما ورد في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} تفسير : [الحجرات: 13]. فكل الخَلْق غير ما تقدم ممَّنْ رفعهُ الله مرفوعٌ في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالنجار الذي يصنع لي المكتب مرفوع عليَّ في هذا العمل ومُفضَّل عليَّ فيه، لأنه يعرف هذه الصَّنعة ويتقنها وأنا لا أعرفها. فإذا ما جاء هذا العامل يسألني في مسألة كنت أنا مرفوعاً عليه فيها، لأنني أعرفها وهو لا يعرفها، وقلنا: إن الحق سبحانه أراد لحركة الحياة بين الخلق أنْ تُبْنى على الحاجة لا على التفضل، فكُلٌّ منا يحتاج الآخر ولا تكتمل حركةُ حياته إلا به. ولو قامتْ حركة الحياة على التفضّل لتعطلتْ أكثر المصالح ولما استقامتْ الحياة، وتصور أننا جميعاً تخرَّجنا في الجامعة وصرْنا علماء، مَنْ سيؤدي لنا الأعمال الأخرى؟ مَنْ يكنس الشارع؟ ومَنْ يعمل في المجاري؟ ومن يبيع في الأسواق؟ .. إلخ وهذا هو مقصود الشاعر الذي قال: شعر : النَّاسِ للنَّاسِ مِن بَدْوٍ وَحَاضِرَةٍ بَعْضٌ لِبَعْضٍ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا خَدَمُ تفسير : فليس منا مَنْ هو مُسخَّر فقط، بل كل منا مُسخَّر في شيء ومُسخر له في شيء آخر، لذلك يقول تعالى وهو يُعلِّمنا هذا الدرس: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} تفسير : [الحجرات: 11]. لذلك لا تنظر إلى عمل على أنه أفضل من عمل، إنما هناك عامل أفضل من عامل، والأفضل هو الذي يتقن عمله أكثر، فالعامل الذي يتقن عمله في الأدنى أفضل من العامل الذي لا يتقن عمله في العمل الأعلى. لذلك قال الإمام علي كرَّم الله وجه: (قيمة كل امرئ ما يُحسنه) فمَنْ أراد من العلو الأفضلية فليتقن عمله مهما كان هذا العمل حقيراً - أي: في نظر البعض منا - فليس في الإسلام عمل حقير، إنما هناك عامل حقير، وهو المتهاون الذي لا يجيد ولا يتقن ما في يده ولا يخلص فيه. وسبق أنْ ضربنا مثلاً من فرنسا ومن مناقشات مجلس الشعب الفرنسي، وقد كانوا يعرضون علينا بعض المواقف الحاسمة في هذه المناقشات، منها أن نقيب العمال كان كثير المطالب لصالح العمال، وكان يسرف في ذلك، لكن كان الوزير المسئول عن تنفيذ هذه المطالب تحكمه ميزانية وأرقام وحسابات. ومرَّت الأيام وصار نقيب العمال هذا وزيراً للعمل، ووقف نقيب العمال الجديد يقول له: لا أطلب منك إلا ما كنت تطلبه أنت من سابقك، فقال: لكن تحكمني ميزانيات وحسابات، فأراد أن يثير عاطفته نحو العمال، أو أراد أنْ يحرجه فقال له: لا تنْسَ أنك كنتَ في يوم من الأيام ماسح أحذية، فأخذها الوزير بصدر رَحْب وروح رياضية وردَّ عليه: نعم نعم لكنني كنتُ أجيدها. إذن: العظمة ليست في العمل إنما في إجادته. لذلك نقول: لو علم العامل المخلص في عمله والمتقن له عن غيب من صاحب العمل يعني يتقنه ويجيده لله، لو علم هذا العامل ما أدَّاه لمواجيد الإيمان بالله لافتخر بهذا العمل على العلماء. قالوا: كيف ذلك؟ وماذا يؤدي العامل لمواجيد الإيمان؟ نقول: لأن كل مَنْ يرى عمله المتقن يقول: الله، فكأن العمل المتقن يُشيع كلمة الجمال في الكون، ويؤدي إلى ذكر الله، وفي هذا من الثواب ما لا يَخْفى على أحد. وقوله تعالى: {ذُو ٱلْعَرْشِ} [غافر: 15] يعني: الذي يملك كوناً استقر له بدون شغب عليه، وهو المستقر في كمال قدرته وألوهيته، والملك لا يُتاح له الجلوس والاستواء على عرشه إلا بعد أن يستتبَّ له الأمر مع الفارق بين جلوسه سبحانه واستوائه على عرشه وبين جلوس ملوك الدنيا على عروشهم، فنحن نؤمن بهذا الجلوس دون تكييف أو تشبيه، وما دام وجوده تعالى ليس كوجودنا فكذلك جلوسه ليس كجلوسنا، وقلنا: إننا نأخذ هذه المسائل في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. والحق سبحانه وتعالى استتبَّ له الأمر في الكون دون منازع، بدليل قوله سبحانه: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11]. ولأنه سبحانه رفيع الدرجات، وهو سبحانه ذو العرش أراد سبحانه أنْ يضفي من رفعته على المؤمنين به، وأن يرفعهم على غيرهم، وألاَّ يتركهم هَمَلاً وهمجاً بدون منهج، لذلك أنزل عليهم رُوحاً منه سبحانه: {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15]. فما كان سبحانه ليستعبد الخَلْق ثم يتركهم، إنما أنزل لهم المنهج الذي يحكم حركتهم في الحياة بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وهذا هو قانون الصيانة الذي يضمن للبشر الصلاح والرِّفْعة وعُلُوَّ المنزلة، وجعل هذا المنهج اختياراً، مَنْ شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، مَنْ شاء أطاع ومَنْ شاء عصى، ليرى المؤمن أثر رفعة الله له في الآخرة حين يُدخِله الجنةَ دار النعيم الباقي، حيث لا فَوْتَ للنعمة، ولا مَوْتَ للوجود. وهذا المنهج جاءنا في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ينظم حركة حياتنا حتى تتكامل الحركات ولا تتصادم، فحين ترى شرع الله يقيد حركتك في شيء، فاعلم أنه قيَّد حركات الملايين من أجلك، فحين ينهاك عن السرقة مثلاً يُقيّد حركتك وأنت فرد ويمنع يدك أنْ تمتد لما لا تملك، وفي المقابل قيَّد ملايين الأيدي حتى لا تمتد إلى مالك أنت، حين أمرك بغضِّ البصر وحفظ المحارم أمر الخَلْق جميعهم أنْ يغضُّوا أبصارهم عن محارمك .. إلخ فتأمل مَنِ المستفيد من تطبيق هذا المنهج؟ وقوله: {يُلْقِي ٱلرُّوحَ} [غافر: 15] الروح لها معَانٍ عدَّة. فالذي يتبادر إلى الذِّهْن أنها هي الروح التي تدبّ في المادة فتمنحها الحياة والحركة، وهذه هي الروح التي ألقاها الخالق سبحانه في آدم فتحرَّك وأدت كل الجوارح وظائفها بعد أنْ كانت طيناً. ثم أراد سبحانه أنْ يحرس حركة المادة حتى لا تنطق في شهواتها، فأنزل روحاً أخرى من عنده سبحانه هي المنهج القيمي في القرآن الكريم؛ لذلك قال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24]. كيف يُحييهم وهم أحياء مخاطبين بهذا الكلام؟ نعم هم أحياء حياةَ المادة بالروح التي دبَّتْ في أجسامهم فتحركوا بها، إنما المراد هنا حياة أرقى من حياة المادة هي حياة القيم التي تُرقِّي حركة الإنسان وتجعلها دائماً في الخير لنفسه ولمن حَوْله، وكما أن حياة المادة لها روح كذلك حياة القيم لها روح. لذلك سمَّى القرآنَ روحاً، وسمَّى الذي نزل به من الملائكة رُوحاً، فقال سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]. وقال: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. هذه هي حياة القيم والمثُل الرفيعة، الحياة التي تُؤهلك لحياة أخرى باقية لا تفنى، ولك أنْ توازن بين حياة تُؤهِّلك للدنيا الفانية وحياة تؤهلك للآخرة الباقية، لابدَّ أنك ستجد الروح الثانية أعظم وأفضل من الأولى. ويكفي في التفريق بينهما أن الروح الأولى، وهي روح المادة تسري في المؤمن والكافر، وبهذه الروح يأتي كفر الكافر ومعصية العاصي، أمَّا روح المنهج والقيم فلا تكون إلا للمؤمن، ولا تُحرِّكه إلا في الخير حركةً سويّة تُسعده وتسعد مَنْ حوله في الدنيا قبل الآخرة. لذلك قال سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64] ومعنى (الحيوان) يعني: الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا ينتهي نعيمها ولا يدركها فناء، وإنْ كان نعيم البشر في الدنيا على قَدْر حركتهم وإمكاناتهم فنعيمهم في الآخرة على قدر المنعم سبحانه. ثم أنت تعيش في الدنيا عُرْضة للموت يهددك في كل لحظة، وربما يهجم عليك بغتة فليس له وقتٌ ولا سِنٌّ معين، وليس له سبب يرتبط به، فمنا مَنْ يموت بعد عام، ومنا مَنْ يموت بعد مائة عام، ومنا مَنْ يموت وهو في بطن أمه، الموت لا يفرق بين كبير أو صغير، ولا بين مريض أو سليم. لذلك أبهمه الله، لماذا؟ لِنظلَّ دائماً ذاكرين له منتظرين هجمته، فكأن الإبهام هنا هو عَيْن البيان. لذلك الحق سبحانه ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الملك: 1-2]. تأمل {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} تفسير : [الملك: 2] فبدأ بالموت وقدَّمه على الحياة، وكأنه سبحانه يقول لنا: لا تستقبلوا الحياة إلا وفي أذهانكم الموت، لماذا؟ لأن ذكر الموت يمنع الغرور بالدنيا والركون إليها ويضبط سلوك الإنسان، فلا يتحرك إلا في الخير لأنه دائماً يعمل حسابَ العواقب التي تنتظره. وقوله سبحانه: {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15] يعني: على مَنْ يختاره ويصفيه لهذه المنزلة، وهذا مثل قوله تعالى {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج: 75]. وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]. ثم يوضح الحق سبحانه العلة من قوله: {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15] لماذا؟ {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} [غافر: 15] يعني: إياك أنْ تفهم أن المسألة تنتهي بنهاية الحياة الدنيا، ويفلت أهل المعاصي بمعاصيهم وأهل الظلم بظلمهم لا، إنما هناك مرجع ومردٌّ إلى هذا الإله الذي كفرت به أو الذي عصيته وتجرأت على محارمه، تذكّر هذه الحقيقة مهما نفرت عنه بالكفر أو نَبَا جانبك عن جانب ربك، فأنت مردود إليه رغماً عنك، موقوفٌ بين يديه، لا مهربَ لك منه أبداً، ولا مفرَّ. وقلنا: إن الإنذار يعني التخويف من شرٍّ قبل أوانه لتستعدَّ له بأنْ تتجنب دواعي ما يخيف لتسلم منها، ولا معنى للأنذار ساعة وقوع الحدث، لابدَّ أنْ يكون قبل الحدوث بفترة كافية تمكنني من أن أتدارك الأمر وأعمل حسابي. وقوله {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} [غافر: 15] أي: التلاقي، والتلاقي لا ينشأ إلا عن تباعد كان موجوداً بين شيئين، فبين أيِّ الأشياء يكون هذا التلاقي؟ قالوا: التلاقي هنا والمراد يوم القيامة سيكون في عدة صور، ففي الآخرة سترى الملائكة الذين آمنتَ بهم في الدنيا إيماناً غيبياً وتلتقي بهم مشهداً. وفي الآخرة سترى رحمك وأسرتك الكبيرة من لَدُنْ أبيك آدم حتى آخر ولد له في الدنيا، ستلتقي بهم جميعاً، وسترى هذا الرحم الذي قطعته في الدنيا، ستتمثل لك هذه الشجرة الكبيرة متشابكة الأغصان متداخلة الفروع، وعندها ستقول: كيف قطعتُ هذه الرحم؟ وكيف جفوتُ هذه القربات لسبب وبدون سبب، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلكم لآدم، وآدم من تراب ". تفسير : ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : أنا الرحمن، وهذه الرحم اشتققتُ لها اسماً من اسمي، فمَنْ وصلها وصلْتُه، ومَنْ قطعها قطعتُه ". تفسير : وسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه دخل عليه حاجبه في يوم من الأيام وقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب يقول أنه أخوك، فقال له: أَلاَ تعرف إخوتي؟ قال: هكذا يقول الرجل، قال أدْخِلْه، فلما دخل على معاوية قال له: أيّ إخوتي أنت؟ قال: أنا أخوك من آدم، فضحك معاوية، وقال: رحمٌ مقطوعة، والله لأكُوننَّ أول مَنْ وصلها، ثم قرَّبه وأعطاه ما يريد. ومن التلاقي الذي سيكون في الآخرة أنْ يلتقي المظلومُ بظالمه، والخصمُ بمخصومه، نعم وعند الله تجتمع الخصومُ، وعلى العاقل أن يحسب لهذا اللقاء ألف حساب، ومَنْ تدبَّر العواقب نجا. ومن التلاقي في الآخرة أنْ يلتقي الإنسان بصحيفة أعماله التي أحصتْ عليه كل صغيرة وكبيرة {أية : أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ} تفسير : [المجادلة: 6]. {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً} تفسير : [آل عمران: 30]. يوم يقول لك ربك: {أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14]. ثم يرتفع التلاقي إلى قمته، فيلتقي المؤمنون بربهم عز وجل حين يتجلَّى عليهم سبحانه فيروْنَه، وتكون هذه أعظم النعم تفضلاً من الله وكرماً واقرأ: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-25]. وإذا كانت رؤية الحق سبحانه هي أعظم النعم للمؤمنين فهي أشدّ ألوان العذاب للكافرين لأنهم سيُحرمون منها {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين: 15] يومها ستشتد حسرتهم وأسفهم: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. وجد اللهَ الذي كفر به في الدنيا، ووجد العاقبة التي طالما حذَّرناه منها وذكّرناه بها. وقوله تعالى: {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} [غافر: 16] أي: في هذا اليوم يوم التلاقي يأتون بارزين علانية بعد أن كانوا مُستترين بسيئاتهم في الدنيا، اليوم يُفتضح أمرهم ويُكشف سترهم {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} [غافر: 16] الجميع في ساحة واحدة: الملوك والسُّوقة، السادة والعبيد، الرؤساء والمرؤوسون، الجميع في مقام العبودية. لذلك سينادي الحق سبحانه: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} [غافر: 16] يقولها الحق سبحانه لأنه تعالى كان يُملِّك بعضنا في الدنيا، أما في الآخرة فلا مُلْك إلا لله وحده، لذلك يجيب على هذا السؤال المؤمن والكافر، الجميع يقولون {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} [غافر: 16] نعم لأنه إله غيره ولا ملك سواه. ومعنى {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} [غافر: 16] أن المُلْك لله اليوم وقبل اليوم، فهذه الحقيقة التي أنكرها الكفار في الدنيا اعترف بها المؤمنون الذين رضوا بالله رباً، يُؤتي الملك مَنْ يشاء، وينزع الملْك ممَّنْ يشاء، ويُعز من يشاء ويُذلُّ مَنْ يشاء. فكلمة {ٱلْيَوْمَ} مُوجَّهة هنا إلى الكافرين الذين أنكروا هذه الحقيقة في دنياهم، لكنهم اعترفوا بها في الآخرة فأقرّوا {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} [غافر: 16].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} معناه الوَحي. وقوله تعالى: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} فيومُ التَّلاقِ: هو يومُ القِيامةِ، حينَ يلتقي الخَلقُ من الأَولينَ والآخرينَ، وقد بَرزوا من قِبورِهم، فيقالُ لَهُمْ لمن المُلكُ وقَدْ تَفردتُم بأربابٍ كَثيرةٍ وآلهةٍ شَتّى، فيجيبون أن المُلكَ لله الواحدِ القَهارِ. والقولُ فيهِ مُضمرٌ كَقولهِ تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} تفسير : [البقرة: 127] وأضمرَ يقولان رَبّنا تَقبل مِنَّا.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا يدعون ويعبدون له سبحانه، مع أنه هو في ذاته {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ} أي: درجات قربه ووصوله رفعية، وساحة عز حضوره منيعة لا يسع لكل قاصد أن يحوم حولها، إلا بتوفيق منه سبحانه وجذب من جانبه {ذُو ٱلْعَرْشِ} العظيم؛ إذ لا ينحصر مقر استيلائه وظهوره بمظهر دون مظهر ومجلى دون مجلى، بل له مجالي إلى ما شاء الله؛ إذ هو بمقتضى تجليه الجمالي {يُلْقِي ٱلرُّوحَ} على وجه الأمانة ويمد الظل {مِنْ أَمْرِهِ} بمقتضى حبه الذاتي {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: استعدادات مظاهرة المسظلين بظلال أسمائه وصفاتخ، وبعد إلقائه ومدِّة إياهم، كلفهم بما كلفهم من الأوامر والنواهي المصححة للعبودية اللازمة للألوهية والربوبية، وإنما كلفهم بما كلفهم {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} [غافر: 15] أي: يخوفهم عن زمان الوصول والرجوع في النشأة الأخرى، والطامة الكبرى التي ترد فيها الأمانات إلى أهلها على وجهها. إذ هو {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} خارجون من أجداث أجسامهم، راجعنن إلى الله جميعاً بأرواحهم، محشورون عنده معرضون عليه؛ بحيث {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ} المحيط بهم {مِنْهُمْ شَيْءٌ} من أعيانهم وأعمالهم ونياتهم، وبعدما برزوا لله ورجعوا نحوه صائرين إليه، فانين فيه، قيل لهم من قِبل الحق بعد فناء الكل إظهاراً لكمال قدرته وجلاله: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} أي: ملك الوجود والتحقق والثبوت، فأجيب أيضاً من قِبله؛ إذ لا موجود سواه، ولا شيء غيره: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ} من كل الوجوه {ٱلْقَهَّارِ} [غافر: 16] لنقوش استوى سبحانه على الملك المطلق بالإطاعة والاستحقاق على ما كان ويكون في ازل الآزال وأبد الآباد، أشار إلى سرائر ما ظهر منه في النشأة الأولى فقال: {ٱلْيَوْمَ} أي: يوم الجزاء والنشأة الأخرى {تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} أي: طبق ما كسبت واقترفت في النشأة الأولى، التي هي نشأة التكلف والاختبار بلا ازدياد وتنقيص عليه؛ إذ {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} أي: يوم الجزاء؛ لأنه إنما وضع لظهور العدالة الإلهية والقسط الحقيقي، بل تجزى فيه كل من النفوس بجميع ما صدرت عنها، خيراً وشراً نفعاً وضراً {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على عموم ما ظهر وبطن من عباده {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 17] عليهم بلا فترة وتلبيس؛ إذ لا يشغله شأن عن شأن، ولا يطرأ عليه سهو ونيسان. {وَأَنذِرْهُمْ} يا أكمل الرسل؛ أي: عموم المكلفين {يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} والمشارفة على العذاب الأبدي، حين أحضروا على شفير جهنم للطرح فيها {إِذِ ٱلْقُلُوبُ} أي: قلوب أولئك المحضرين ترتفع حينئذ {لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} وتلتصق بحلاقيمهم من كمال هولهم واضطرابهم، وكانوا حينئذ {كَاظِمِينَ} ومملوئين من الغم والحزن وأنواع الكآبة والخذلان، وبالجملة: {مَا لِلظَّالِمِينَ} أي: لهؤلاء المسرفين المقصورين على الخيبة والخسران حينئذ {مِنْ حَمِيمٍ} قريب يدركهم، ويولي أمرهم، ويسعى في استخلاصهم {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] أي: شفيع يشفع ويقبل الشفاعة منه لأجلهم. مع أنه سبحانه {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} أي: خيانتهم التي يتغامزن بعيونهم نحو محارم الله {وَ} يعلم أيضاً {مَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} [غافر: 19] أي: ما تخفي صدورهم من الميل إلى الشهوات المحرمة بلا مباشرة الآلات. {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع بظواهرهم وضمائرهم {يَقْضِي} ويحكم بهم، ويجازي عليهم بمقتضى علمه وخبرته منهم {بِٱلْحَقِّ} بلا حيف وميل إظهاراً لكمال عدالته {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} سبحانه من الأوثان والأصنام {لاَ يَقْضُونَ} ولا يحكمون لا لهم ولا عليهم {بِشَيْءٍ} من نفع وضر؛ إذ هم جمادات لا شعور لها {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على أنواع الإنعام والانتقام {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لجميع ما صدر من ألسنة استعداداته {ٱلْبَصِيرُ} [غافر: 20] بما ظهر على هياكل هوياتهم.
همام الصنعاني
تفسير : 2664- حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة: {يُلْقِي ٱلرُّوحَ}: [الروح: 15]، قال: الوحي والرحمة. 2665- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ}: [الآية: 15]، يَوْمَ يتلاقى أهل السماء، وأهل الأرض، والخالق وخلقه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):