Verse. 415 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِذْ ھَمَّتْ طَّاۗىِٕفَتٰنِ مِنْكُمْ اَنْ تَفْشَلَا۝۰ۙ وَاللہُ وَلِيُّہُمَا۝۰ۭ وَعَلَي اللہِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُوْنَ۝۱۲۲
Ith hammat taifatani minkum an tafshala waAllahu waliyyuhuma waAAala Allahi falyatawakkali almuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذا» بدل من إذ قبله «همت طائفتان منكم» بنو سلمة وبنو حارثة جناحا العسكر «أن تفشلا» تجبنا عن القتال وترجعا لما رجع عبد الله بن أبيّ المنافقُ وأصحابه وقال: عَلام نقتلُ أنفسنا وأولادنا وقال لأبي جابر السمي القائل له أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم لو نعلم قتالا لا تبعناكم فثبتهما الله ولم ينصرفا «والله وليهما» ناصرهما «وعلى الله فليتوكل المؤمنون» ليثقوا به دون غيره.

122

Tafseer

القرطبي

تفسير : العامل في «إذ ـ تبوىء» أو «سميع عليم». والطائفتان: بنو سِلمة من الخزرج، وبنو حارِثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد. ومعنى {أَن تَفْشَلاَ} أن تَجْبُنا. وفي البخاريّ عن جابر قال: فينا نزلت {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سِلمة، وما نحِب أنها لم تنزل؛ لقول الله عز وجل: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا}. وقيل: هم بنو الحارث وبنو الخزرج وبنو النبِيت، والنّبِيت هو عمرو بن مالك من بني الأوس. والفشل عبارة عن الجبن؛ وكذلك هو في اللغة. والهَمّ من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبد الله بن أُبَيّ بمن معه من المنافقين فحفِظ الله قلوبهم فلم يرجعوا؛ فذلك قوله تعالى: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} يعني حافظ قلوبهما عن تحقيق هذا الهمّ. وقيل: أرادوا التقاعد عن الخروج، وكان ذلك صغيرة منهم. وقيل: كان ذلك حديث نفس منهم خطر ببالهم فأطلع الله نبيه عليه السلام عليه فآزدادوا بصيرة؛ ولم يكن ذلك الخَوَرُ مكتسباً لهم فعصمهم الله، وذمّ بعضهم بعضاً، ونهضوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطَلّ على المشركين، وكان خروجه من المدينة في ألفٍ، فرجع عنه عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول بثلاثمائة رجل مغاضباً؛ إذ خولف رأيه حين أشار بالقعود والقتال في المدينة إن نهض إليهم العدوّ، وكان رأيه وافَقَ رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى ذلك أكثر الأنصار، وسيأتي. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فاستشهد منهم من أكرمه الله بالشهادة. قال مالك رحمه الله: قتل من المهاجرين يوم أحد أربعةٌ، ومن الأنصار سبعون رضي الله عنهم. والمقاعِد: جمع مقعد وهو مكان القعود، (وهذا) بمنزلة مَوَاقف، ولكن لفظ القعود دال على الثبوت؛ ولا سِيما أن الرّماة كانوا قعوداً. هذا معنى حديثِ غزاة أحد على الاختصار، وسيأتي من تفصيلها ما فيه شِفاء. وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس عليها خالد بن الوليد، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس. وفيها جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكُسِرت رَباعِيته اليمنى السفلى بحجر وهُشِمت البَيْضَةُ من على رأسه صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن أمّته ودِينه بأفضل ما جزى به نبيّاً من أنبيائه على صبره. وكان الذي تَوَلّى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قَمِيئَة الليثي، وعُتْبة بن أبي وَقّاص. وقد قيل: إن عبد الله بن شِهاب جدّ الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شَجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته. قال الواقِدِي: والثابت عندنا أن الذي رمى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ٱبن قميئة، والذي أدمى شفته وأصاب رباعِيته عُتبةُ بن أبي وَقّاص. قال الواقِدِيّ بإسناده عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقول: شهدت أحُداً فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل (ذلك) يصرف عنه. ولقد رأيت عبد الله ٱبن شِهاب الزّهْرِيّ يقول يومئذٍ: دَلُّونِي على محمد دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا. (وإنّ) رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلِف بالله إنه مِنّا ممنوع خرجنا أربعةً فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله (فلم نخلص إلى ذلك). وأكَبّت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة، كان أبو عامر الرّاهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخرّ عليه السلام على جنبه وٱحتضنه طلحة حتى قام، ومَصّ مالك بن سِنان والد أبي سعيد الخدرِيّ من جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدّم، وتشبّثت حلقتان من دِرع المِغفَر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجرّاح وعَضّ عليهما بِثَنِيتيه فسقطتا؛ فكان أهْتَم يزينه هَتَمُه رضي الله عنه. وفي هذه الغزاة قُتل حمزةُ رضي الله عنه، قتله وحشِي، وكان وَحْشِيّ مملوكاً لجبير بن مُطْعِم. وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمداً جعلنا لك أعِنّة الخيل، وإن أنت قتلت عليّ بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلُّها سُود الحَدَق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حُرٌّ. فقال وحشِيّ: أما محمد فعليه حافظٌ من الله لا يخلُص إليه أحدٌ. وأما عليّ ما برز إليه أحد إلاّ قتله. وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أُصادفه فأقتله. وكانت هِنْد كلما تهيّأ وَحْشِيٌ أو مرّت به قالت: إيْهاً أبا دَسَمَة ٱشْفِ وٱستشفِ. فكَمِن له خلف صَخْرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين؛ فلما رجع من حملته ومرّ بوحشِيّ زَرَقه بالمِزْرَاق فأصابه فسقط مَيِّتاً، رحمه الله ورضي عنه. قال ٱبن إسحاق: فبقرت هِنْدٌ عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مُشْرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:شعر : نحنُ جَزَيْناكم بيَوْم بَدْر والحربُ بعد الحرب ذاتُ سُعْرِ ما كان عن عُتْبَة لي من صَبْرٍ ولا أخِي وعَمِّه وبَكْري شفَيْتُ نفسي وقضَيْتُ نَذْرِي شفيتَ وَحْشِيُّ غلَيلَ صَدْرِي فشكْرُ وحْشِي عليّ عَمْرِي حتى تَرِمّ أعْظُمِي في قَبْرِي تفسير : فأجابتها هِنْدُ بنت أُثَاثة بن عَبّاد بن عبد المطلب فقالت:شعر : خَزِيتِ في بدْرٍ وبعد بدر يا بنت وَقّاعٍ عظيم الكُفْرِ صبّحكِ اللَّهُ غَداةَ الفجرِ مِلْهَاشِمِيِّين الطِّوَال الزُّهْرِ بكل قَطّاعٍ حُسَامٍ يَفْرِي حمزةُ لَيْثي وعَليٌّ صَقْرِي إذْ رَامَ شَيْبَ وأبوكِ غَدْرِي فَخَضَبَا منه ضَوَاحِي النَّحْرِ ونَـذْرِك السّـوءَ فشـرّ نَـذْرِ تفسير : وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة رضي الله عنه:شعر : بكت عيني وحق لها بُكاها وما يغني البكاء ولا العَوِيل على أسَدِ الإله غَداة قالوا أحَمْزَةُ ذاكم الرّجل القتِيل أُصيب المسلمون به جميعا هناك، وقد أُصيب به الرّسول أبا يَعْلَى لك الأركان هُدّت وأنت الماجد البَرّ الوَصُول عليك سلام ربك في جِنانٍ مخالِطها نعيم لا يزول ألا يا هاشم الأخيارِ صبراً فكل فعالِكم حسن جميل رسول اللَّه مصطبِر كرِيم بأمر الله ينطِق إذ يقول ألا من مُبْلِغ عنى لُؤَيّاً فبعد اليومِ دَائِلَةٌ تَدُول وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا وقائِعنا بها يُشْفى الغَلِيل نَسَبْتُم ضربَنا بِقَليبِ بَدْرٍ غداةَ أتاكم الموتُ العَجِيل غَداةَ ثَوَى أبو جهل صريعاً عليه الطَّيْر حَائِمَةً تَجُول وعُتْبَة وٱبنُه خَرَّا جميعا وشَيْبَة عَضّه السيفُ الصّقِيل ومَتْرَكُنا أُمَيَّةَ مُجْلَعِبّاً وفي حَيْزُومِه لَدْنٌ نبيل وهَامَ بنِي ربيعة سائِلوها ففي أسيافِنا منها فُلُول ألا يا هِنْدُ لا تبدي شَمَاتا بحمزةَ إن عِزّكم ذَليل ألا يا هِنْدُ فابكي لا تَمَلِّي فأنتِ الوَالِهِ العَبْرَى الهَبُول تفسير : ورَثَتْه أيضاً أُختُه صفية، وذلك مذكور في السيرة، رضي الله عنهم أجمعين. قوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فيه مسألة واحدة، وهي بيان التوكل. والتوكل في اللغة إظهار العجز والاعتماد على الغير. ووَاكل فلان إذا ضَيّع أمرَه مُتّكلاً على غيره. وٱختلف العلماء في حقيقة التوكل؛ فسئل عنه سهل ابن عبد الله فقال: قالت فرقة الرضا بالضّمان، وقطع الطّمَع من المخلوقين. وقال قوم: التوَكّل ترك الأسباب والركون إلى مُسبِّب الأسباب؛ فإذا شغله السبب عن المسبِّب زال عنه ٱسم التوكل. قال سَهْلٌ: من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل يقول: {أية : فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً}تفسير : [الأنفال: 69] فالغنيمة ٱكتساب. وقال تعالى: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} تفسير : [الأنفال: 12] فهذا عَمَلٌ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يحب العبد المحترِف»تفسير : . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقْرضون على السِرية. وقال غيره: وهذا قول عامّة الفقهاء، وأنّ التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، وٱتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مَطعم ومَشرب وتحرّزٍ من عدوّ وإعدادِ الأسلحة وٱستعمالِ ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق ٱسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب؛ فإنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، بل السبب والمسبَّب فعل الله تعالى، والكل منه وبمشيئته؛ ومتى وقع من المتوكِّل ركونٌ إلى تلك الأسباب فقد ٱنسلخ عن ذلك الاسم. ثم المتوكلون على حالين: الأوّل ـ حال المتمَكِّن في التوكُّل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر. الثاني ـ حال غير المتَمكِّن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحياناً غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية، والأذواق الحالية؛ فلا يزال كذلك إلى أن يُرَقِّيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين، ويلحقه بدرجات العارفين.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ هَمَّتْ} متعلق بقوله: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أو بدل من إذ غدوت. {طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ } بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر. {أَن تَفْشَلاَ } أن تجبنا وتضعفا. روي (حديث : أنه عليه الصلاة والسلام خرج في زهاء ألف رجل ووعد لهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا الشوط انخذل ابن أبي في ثلاثمائة رجل وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا، فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال: أنشدكم الله والإِسلام في نبيكم وأنفسكم. فقال: ابن أبي لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم).تفسير : والظاهر أنها ما كانت عزيمة لقوله تعالى: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي عاصمهما من اتباع تلك الخطرة، ويجوز أن يراد والله ناصرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره لينصرهم كما نصرهم ببدر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذْ } بدل من (إذ) قبله {هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ } بنو سَلِمَةَ وبنو حارثة جناحا العسكر {أَن تَفْشَلاَ } تجبنا عن القتال وترجعا لمّا رجع عبد الله بن أبيّ المنافقُ وأصحابه وقال: عَلاَمَ نقتل أنفسنا وأولادنا؟ وقال لأبي جابر السلمي القائل له أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم لو نعلم قتالاً لاتبعناكم فثبتهما الله ولم ينصرفا {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } ناصرهما {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } ليثقوا به دون غيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {طَّآئِفَتَانِ} بنو سَلَمة، وبنو حارثة، أو قوم من المهاجرين والأنصار همتا بذلك, لأن ابن أُبي دعاهما إلى الرجوع عن القتال، أو اختلفوا في المقام والخروج إلى العدو حتى هموا بالفشل والجبن.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} أي تجبنا وتضعفا عن القتال والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس كان جناحي العسكر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد مع ألف رجل، وقيل في تسعمائة وخمسين رجلاً وكان المشركون ثلاثة آلاف رجل فلما بلغوا الشوط انخذل عبدالله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاثمائة وقال علام نقتل أنفسنا وأولادنا فتبعه أبو جابر السلمي وقال أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم فقال عبدالله بن أبي لو نعلم قتالاً لاتبعناكم وهمّت الطائفتان بالانصراف مع عبدالله بن أبي فعصمهم الله فثبتوا ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: أضمروا أن يرجعوا فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا فذكرهم الله عظيم نعمته عليهم فقال: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا {والله وليهما} أي ناصرهما وحافظهما ومتولي أمرهما بالتوفيق والعصمة. فإن قلت الهم العزم على فعل الشيء والآية تدل على أن الطائفتين قد عزمتا على الفشل وترك القتال وذلك معصية فكيف مدحهما الله تعالى بقوله والله وليهما. قلت الهم قد يراد به العزم وقد يراد به حديث النفس وإذا كان كذلك فحمل الهم على حديث النفس هنا أولى والله تعالى لا يؤاخذ بحديث النفس ويعضده قول ابن عباس إنهم أضمروا أن يرجعوا فلما عزم الله لهم على الرشد وثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدحهم الله تعالى بقوله والله وليهما (ق) عن جابر قال: نزلت فينا: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} قال نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله والله وليهما ففيه الاستبشار بما حصل لهم من الشرف العظيم، وإنزاله فيهم آياته ناطقة مفصحة بأن الله وليهم وأن تلك الهمة التي هموها ما أخرجتهم من ولاية الله تعالى. وقوله تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} التوكل تفعل من وكل أمره إلى غيره إذا اعتمد عليه في كفايته والقيام به، وقيل التوكل هو العجز والاعتماد على الغير وقيل هو تفويض الأمر إلى الله تعالى ثقة بحسن تدبيره فأمر الله عباده المؤمنين أن لا يتوكلوا إلاّ عليه وأن لا يفوضوا أمرهم إلاّ إليه. قوله عز وجل: {ولقد نصركم الله ببدر} اسم موضع بين مكة والمدينة معروف وقيل هو اسم لبئر هناك وكانت البئر لرجل يقال له بدر فسميت به. ذكر الله المؤمنين منته عليهم بالنصر يوم بدر {وأنتم أذلة} جمع ذليل وهو جمع قلة وأراد به قلة العدد فإن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر وفي رواية وثلاثة عشر رجلاً والمراد بذلتهم ضعف الحال وقلة السلاح والمركوب والمال وعدم القدرة على مقاومة العدو وذلك أنهم خرجوا على مواضح وكان النفر منهم يتعقب على البعير الواحد. وكان أكثرهم رجالة ولم يكن معهم إلاّ فرس واحد وكان عدوهم من كفار قريش في حال الكثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس وكان معهم السلاح والشوكة فنصر الله المؤمنين مع قلتهم على عدوهم مع كثرتهم {فاتقوا الله} يعني في الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لعلكم تشكرون} يعني بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته. قوله عز وجل: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} اختلف المفسرون في أن هذا الوعد بإنزال الملائكة هل حصل يوم بدر أو يوم أحد على قولين أحدهما أنه كان يوم بدر. قال قتادة: كان هذا يوم بدر أمدهم الله بألف من الملائكة كما قال: إن تستغيثون ربكم فاستجاب لكم: {أية : أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} تفسير : [الأنفال: 9] ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خسمة آلاف كما ذكر ههنا {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} فصيروا يوم بدر وتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد. قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في معركة إلاّ يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون إنما يكونون عدداً أو مدداً، وقال الحسن: هؤلاء الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الشعبي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى ألن يكفيكم إلى قوله مسومين فبلغ كرزاً الهزيمة فرجع ولم يأتهم ولم يمدهم فلم يمدهم الله أيضاً بالخمسة آلاف وكانوا قد أمدوا بألف من الملائكة، وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب" تفسير : واحتج لصحة هذا القول أيضاً بأن الله تعالى قال قبل هذه الآية ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وظاهر هذا يقتضي أن الله نصرهم حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ولأن العدد والعدد كانت يوم بدر قليلة وكان الاحتياج إلى الإمداد أكثر. القول الثاني إن هذا الوعد بإنزال الملائكة كان يوم أحد وهو قول عكرمة والضحاك ومقاتل. قال عمير بن إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني النبل أتاه به فنثره وقال ارم أبا إسحاق ارم أبا إسحاق مرتين فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف (ق) عن سعد بن أبي وقاص قال: "رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال ما رأيتهما قبل، ولا بعد يعني جبريل وميكائيل" واحتج لصحة هذا القول بأن المدد كان يوم بدر بألف من الملائكة كما نص عليه في سورة الإنفاق ولم يكن بثلاثة آلاف ولا بخمسة آلاف كما هنا وأيضاً أن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً أو ما يقرب منهم وكان المسلمون على الثلث من ذلك فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر فأنزل الله يوم بدر ألفاً من الملائكة في مقابلة عدد الكفار فوقع النصر يومئذٍ للمسلمين والهزيمة للكفار، وكان عدد المسلمين يوم أحد ألفاً وعدد الكفار ثلاثة آلاف فناسب أن يكون المدد يومئذٍ للمسلمين ثلاثة آلاف من الملائكة ليكون ذلك مقابلاً لعدد الكفار كما في يوم بدر. وأجيب عن الاحتجاج الأول لهذا القول بأن الله تعالى أمدهم يوم بدر بألف كما ذكر في سورة الأنفال ثم لما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإمداد كرز لكفار قريش شق عليهم وعدوا بأن يمدوا بثلاثة آلاف وبخمسة آلاف لتقوى قلوبهم بذلك. وأجيب عن الثاني وهو أن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً فأنزل الله ألفاً وفي يوم أحد كانوا ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف بأن هذا تقريب حسن ولله أن يزيد ما شاء في أي وقت شاء ولهذا قال عكرمة في قوله تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا} قال يوم بدر قال ولم يصبروا ولم يتقوا يوم أحد فلم يمدوا ولو أمدوا لم يهزموا يومئذٍ وقيل لم يصبروا ولم يتقوا إلاّ في يوم الأحزاب فأمدهم الله بالملائكة حتى حاصروا قريظة (ق) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعناه اخرج إليهم قال: فإلى أين؟ قال ههنا وأشار إلى بني قريظة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم" (ق) عن أنس رضي الله عنه قال: "كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم موكب جبريل عليه السلام حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة وقال عبدالله بن أبي أوفى كنا محاصرين قريظة والنضير ما شاء الله فلم يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل عليه السلام فقال: أوضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيوميذٍ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ففتح لنا فتحاً يسيراً" وقال ابن جرير الطبري: وأولى الأقوال بالصواب أن الله تعالى أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: {أية : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة} تفسير : [آل عمران: 124] فوعدهم بثلاثة آلاف من الملائكة مدداً لهم ثم وعدهم بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بهم ولا على أنهم لم يمدوا بهم فقد يجوز أن الله أمدهم وقد يجوز أن لا يكون أمدهم ولا يثبت ذلك إلاّ بنص تقوم به الحجة في ذلك. وقد ثبت بنص القرآن أنهم أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة كما في سورة الأنفال وأما يوم أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها بأنهم أمدوا وذلك أنهم لو أمدوا لم ينهزموا ولم ينل منهم ما نيل منهم. فإن قلت فما تصنع بحديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في يوم أحد وأنه رأى ملكين عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله قلت إنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه صبر ولم ينهزم كما انهزم أصحابه يوم أحد. وأما التفسير فقوله تعالى: إذ تقول للمؤمنين فعلى قول من قال: إن هذا كان يوم بدر. قال نظم الآية ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين ومن قال هذا يوم أحد يقول نظم الآية إن الله ذكر قصة أحد ثم أتبعه بقوله: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} فكذلك هو قادر أن ينصركم في سائر المواطن ثم رجع إلى قصة أحد فقال تعالى: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم} ومعنى الكفاية هو سد الخلة والقيام بالأمر مع بلوغ المراد أن يمدكم ربكم. الإمداد إعانة الجيش فما كان على جهة القوة والإعانة يقال أمده إمداداً وما كان على جهة الزيادة يقال. فيه مده مداً، وقيل المد في الشر والإمداد في الخير بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين إنما وعدهم الله بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويثقوا قلوبهم ويثقوا بنصر الله ويعزموا على الثبات. بلى تصديق لوعد الله أي بلى نمدكم، وقيل بلى إيجاب لما بعد ألن يعني يكفيكم الأمداد بهم فأوجب الكفاية أن تصبروا أي على لقاء عدوكم وتتقوا يعني معصية الله ومخالفة نبيه صلى الله عليه وسلم ويأتوكم يعني المشركين من فورهم هذا قال ابن عباس: ابتداء الأمر يوجد فيه ثم يوصل آخر فمن قال معنى من فورهم من وجههم أراد ابتداء مخرجهم يوم بدر. ومن قال معناه من غضبهم أراد ابتداء غضبهم لقتلاهم يوم بدر لأنهم رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم يوم بدر. يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة لم يرد خسمة آلاف سوى الثلاثة المتقدمة بل أراد معهم فمن قال إن هذا الإمداد كان يوم بدر قال: إن الله تعالى أمدهم بألف فلما سمعوا أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق على المسلمين ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم الآية على تقدير أن يجيء للمشركين المدد، فلما لم يمدوا لم يمد الله المسلمين بغير ألف وروى ابن الجوزي في تفسيره عن جبير بن مطعم عن علي بن أبي طالب قال: بينا أنا امتح من قليب بدر جاءت ريح ريح شديدة لم أر أشد منها ثم جاءت ريح شديدة لم أرَ اشد منها إلاّ التي قبلها ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها إلا التي كانت قبلها فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفين من الملائكة وكانوا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين من الملائكة وكانوا عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم والريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت عن يساره وهزم الله أعداءه ومن الناس من ضم العدد القليل إلى الكثير. فقال لأن الله تعالى ذكر الألف في سورة الأنفال وذكر هنا ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن جعلناه على غزوة أحد فيكون المجموع ثمانية آلاف لأنه ليس فيها ذكر الألف المفردة {مسومين} قرئ بفتح الواو وبكسرها فمن فتح الواو أراد أن الله سومهم ومعناه معلمين قد سوموا فيهم مسومون والسومة والسيما العلامة وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء ليعرف بها قال عنترة: شعر : فتعرفوني أنني أنا ذلكم شاكي سلاح في الحوادث معلم تفسير : ومن كسر الواو نسب الفعل إلى الملائكة والمعنى أنهم أعلموا انفسهم بعلامات مخصوصة أو أعلموا خيلهم واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق وعليهم عمائم صفر. وقال علي وابن عباس: كان عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين اكتافهم وقال هشام بن عروة والكلبي: كانت عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم، وقال قتادة والضحاك: كانوا قد أعلموا بالعهن يعني بالصوف المصبوغ في نواصي خيلهم وأذنابها وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "حديث : تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم" تفسير : ذكره البغوي بغير سند وقيل كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك وقيل كانوا قد سوموا أنفسهم بسيما القتال.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِذْ هَمَّتْ} في هذا الظرف أوجه: أحدها: أنه ظَرْف لـ {غَدَوْتَ}. الثاني: أنه بدل من {وَإِذْ غَدَوْتَ}، فالعامل، فيه هو العامل في المُبْدَل منه. الثالث: أنه ظرف لـ {تُبَوِّىءُ}. وهذه الأوجه تحتاج إلى نقل تاريخي في اتحاد الزمانين. الرابع: أن الناصب له "عَليمٌ" - وحده - ذكره أبو البقاء. الخامس: أن العامل فيه إما "سَمِيعٌ"، وإما "عَلِيمٌ" على سبيل التنازع، وتكون المسألة - حينئذ - من إعمال الثاني، إذ لو أعمل الأول، لأضمر في الثاني. قال الزمخشري: أو عمل فيه معنى: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال أبو حيان: "وهذا غير محرَّر؛ لأن العامل لا يكون مركباً من وصفين، فتحريره أن يقال: عمل فيه معنى سميع، أو عليم، وتكون المسألة من التنازع". قال شهاب الدين: "لم يرد الزمخشري بذلك إلا ما ذكرناه من إرادة التنازع، ويصدق أن يقول: عمل فيه هذا وهذا بالمعنى المذكور؛ لا أنهما عملا فيه معاً، على أنه لو قيل به لم يكن مبتدعاً قولاً؛ إذ الفراء يرى ذلك، ويقول - في نحو: ضربتُ وأكرمتُ زيداً: إن زيداً منصوب بهما، وإنهما سُلِّطَا عليه معاً". فإن قيل: إذا كان الهمُّ العزم فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل، والترك - وذلك معصية - فكيف يليق أن يقال: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا}؟ فالجواب: أن الهَمَّ قد يُرادُ به الكفر، وقد يراد به: حديث النفس، وقد يراد به: ما يظهر من القول الدالِّ على قوة العدو وكثرة عدده، وأيُّ شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف صاحبه بأنه هَمَّ أن يفشل، من حيث ظهر منه ما يوجب ضَعْف القلب، وإذا كان كذلك، فلا يدل على أن المعصية وقعت منهما، وبتقدير أن يقال ذلك، فيكون من باب الصغائر؛ لقوله: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا}. وقيل: الهَمّ دون العزّم، وذلك أن أول ما يمر بقلب الإنسان يُسَمَّى: خاطراً، فإذا قويَ سُمِّيَ: حديث نفسٍ، فإذا قَوِيَ سُمِّيَ: هَمًّا، فإذا قَوِيَ سُمِّيَ: عزماً، ثم بعده إما قول، أو فعل. وبعضهم يُعَبِّر بالهَم عن الإرادة، تقول العرب: هممت بكذا، أهُمَ به - بضم الهاء - ويقال: همت - بميم واحدة - حذفوا إحدى الميمين تخفيفاً، كما قالوا: مِسْت وظلت، وحست - في مَسِسْتُ وظَلِلْتُ وحَسِسْتُ - وهو غير مقيس. والهم - أيضاً -: الحُزْن الذي يُذِيب صاحبه، وهو مأخوذ من قولهم: همت الشحم - أي: أذبته، والهم الذي في النفس قريب منه، لأنه قد يؤثر في نفس الإنسان، كما يؤثر الحُزْن. ولذلك قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1609- وَهَمُّكَ مَا لَمْ تُمْضِهِ لَكَ مُنْصِبٌ تفسير : أي: إنك إذا هممت بشيء، ولم تفعله، وجال في نفسك، فأنت في تعب منه حتى تقضيَه. قوله: {أن تَفْشَلاَ} متعلق بـ "هَمَّتْ"؛ لأنه يتعدى بالباء، والأصل: بأن تفشلا، فيجري في محل "أن" الوجهان المشهوران. والفشل: الجبن والخَوَر. وقال بعضهم: الفشل في الرأي: العجز، وفي البدن: الإعياء، وعدم النهوض، وفي الحرب الجُبْن والخَوَر، والفعل منه فَشِل - بكسر العين - وتفاشل الماء - إذا سال -. وقرأ عبد الله: والله وليهم، كقوله: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجرات: 9]. قوله: {وَعَلى ٱللَّهِ} متعلق بقوله: {فَلْيَتَوَكَّلِ}، قدم للاختصاص، ولتناسب رؤوس الآي. وتقدم القول في نحو هذه الفاء. قال أبو البقاء: "دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى: إن فشلوا فتوكلوا أنتم، أو إنْ صعب الأمر فتوكلوا". قال جابر: نزلت هذه الآية - {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} - فينا - بني سلمة، وبني حارثة وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا}. قال ابنُ الخَطِيبِ: "ومعنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمَّة، ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى". والتوكُّل: تفعُّل، إمَّا من الوكالة - وهي: تفويض الأمر إلى من يوثق بحُسْن تدبيره، ومعرفته في التصرُّف - وإمَّا من وكل أمره إلى فلان، إذا عجز عنه. قال ابنُ فارس: "هو إظهار العَجْز، والاعتماد على غيرك"، يقال: فلان وكله يَكِلُه، أي: عاجز يكلُ أمره إلى غيره، والتاء في تُكَلَة بدل من الواو، كتخمة وتجاه وتراث. فصل اختلف العلماء في حقيقة التوكل، فسئل عنه سَهْل بن عبد الله، فقال: قالت فرقة: هو الرضا بالضمان وقطع الطمع من المخلوقين. وقال قوم: التَّوكُّل: ترك الأسباب، والركون إلى مُسَبِّب الأسباب، فإذا شغله السبب عن المسبب، زال عنه اسم التوكُّل. قال سهل: من قال: التوكل يكون بتَرك السبب، فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول: {أية : فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} تفسير : [الأنفال: 69]، والغنيمة اكتساب، وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُحْتَرِفَ ".

السيوطي

تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبدالله قال: فينا نزلت. في بني حارثة، وبني سلمة {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله {والله وليهما}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {إذ همت طائفتان} قال: بنو حارثة كانوا نحو أحد، وبنو سلمة نحو سلع. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {إذ همَّت طائفتان} قال: ذلك يوم أحد "والطائفتان" بنو سلمة، وبنو حارثة، حيان من الأنصار هموا بأمر فعصمهم الله من ذلك، وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرنا أنَّا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله أنه ولينا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {إذ همَّت طائفتان} قال: هم بنو حارثة، وبنو سلمة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت في بني سلمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس {إذ همت طائفتان} الآية. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال ابن عباس: الفشل الجبن والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {إِذْ هَمَّتْ} بدلٌ من إذ غدوت مبـينٌ لما هو المقصودُ بالتذكير أو ظرفٌ لسميعٌ عليمٌ، على معنى أنه تعالى جامعٌ بـين سماعِ الأقوالِ والعلمِ بالضمائر في ذلك الوقتِ إذ لا وجهَ لتقيـيد كونِه تعالى سميعاً عليماً بذلك الوقت. قال الفراءُ: معنى قولِك: ضربتُ وأكرمتُ زيداً أن زيداً منصوبٌ بهما وأنهما تسلّطا عليه معاً. {طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} متعلقٌ بهمَّتْ والباءُ محذوفةٌ أي بأن تفشَلا أي تجبُنا وتضعُفا وهما حيانِ من الأنصار بنو سلمةَ من الخزرج وبنو حارثةَ من الأوس، وهما الجناحانِ من عسكر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا ألفَ رجل وقيل: تسعَمائةٍ وخمسين وَعَدهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفتحَ إن صبَروا فلما قاربوا عسكرَ الكفرةِ وكانوا ثلاثةَ آلافٍ انخذل عبدُ اللَّه بنُ أبـيَ بثلث الناسِ فقال: يا قومُ علامَ نَقتُل أنفسَنا وأولادَنا فتبِعَهم عمروُ بنُ حزم الأنصاري فقال: أنشُدكم الله في نبـيكم وأنفسِكم، فقال عبدُ اللَّه: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم فهمّ الحيانِ باتِّباع عبدِ اللَّه فعصمَهم الله تعالى فمضَوْا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أضمَروا أن يرجِعوا فعزم الله لهم على الرشد فثبَتوا والظاهرُ أنها ما كانت إلا همَّةً وحديثَ نفس قلما تخلو النفسُ عنه عند الشدائدِ {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي عاصِمُهما عن اتباع تلكِ الخَطرةِ، والجملةُ اعتراضٌ ويجوز أن تكون حالاً من فاعل همَّتْ أو من ضميره في تفشلا مفيدةٌ لاستبعاد فشلِهما أو همِّهما به مع كونهما في ولاية الله تعالى، وقرىء والله وليُّهم كما في قوله تعالى: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجرات، الآية 9] {وَعَلَى ٱللَّهِ} وحده دون ما عداه مطلقاً استقلالاً أو اشتراكاً {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} في جميع أمورِهم فإنه حسبُهم. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ للتبرك والتأميل فإن الألوهيةَ من موجبات التوكلِ عليه تعالى، واللامُ في المؤمنين للجنس فيدخلُ فيه الطائفتان دخولاً أولياً، وفيه إشعارٌ بأن وصفَ الإيمان من دواعي التوكلِ وموجباتِه.

القشيري

تفسير : يُبْرِزُ الجميعَ في صدار الاختيار؛ كأنَّ الأمر إليهم في نفيهم وإتيانهم، وفعلهم وتركهم، وفي الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة، وتقليب القدرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ همت} بدل من اذ غدوت مبين لما هو المقصود بالتذكير. والهم تعلق الخاطر بماله قدر {طائفتان منكم} ايها المؤمنون وهما بنوا سلمة من الخزرج وبنوا حارثة من الاوس {ان تفشلا} اى بان تجبنا وتضعفا وترجعا لظنهما الصواب فيه. والفشل الضعف والظاهر ان همهما ليس بمعنى العزم والقصد المصمم وانما هو خطرات وحديث نفس كما لا تخلو النفس عند الشدائد من بعض الهلع ثم يردها صاحبها الى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه {والله وليهما} اى عاصمهما من اتباع تلك الخطرات والجملة اعتراض {وعلى الله} وحده دون ما عداه مطلقا استقلالا واشتراكا {فليتوكل المؤمنون} فى جميع امورهم فانه حسبهم وفيه اشعار بان وصف الايمان من دواعى التوكل وموجباته والتوكل الاعتماد على الغير واظهار العجز. قال الامام وفى الآية اشارة الى انه ينبغى ان يدفع الانسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله وان يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل. قال سهل بن عبد الله التسترى جملة العلوم ادنى باب من التعبد وجملة التعبد ادنى باب من الورع وجملة الورع ادنى باب من الزهد وجملة الزهد ادنى باب من التوكل. وقال ايضا علامة المتوكل ثلاث لا يسأل ولا يرد ولا يحبس. وكان ابراهيم الخواص رحمه الله مجردا فى التوكل وكان لا يفارقه ابرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل له يا ابا اسحق لم تحمل هذا وانت ممتنع من كل شىء فقال مثل هذا لا ينقص التوكل لان لله علينا فرائض والفقير لا يكون عليه غير ثوب واحد فربما يتمزق ثوبه فاذا لم يكن معه ابرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته. قال ابو حمزة الخراسانى حججت سنة من السنين فبينما انا امشى فى الطريق اذ وقعت فى بئر فنازعتنى نفسى ان استغيث فقلت لا والله لا استغيث فما استتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال احدهما للآخر تعالى حتى نسدّ رأس هذه البئر لئلا يقع فيها احد فاتوا بقصب وطمسوا البئر فهممت ان اصيح ثم قلت فى نفسى اشكو الى من هو اقرب منهما فسكت فبينما انا بعد ساعة اذا انا بشىء قد جاء وكشف عن رأس البئر وادخل رجله وكأنه يقول لى تعلق بى فى هينمة له كنت اعرف ذلك منها فتعلقت به فاخرجنى فاذا هو سبع فمر وهتف بى هاتف يا ابا حمزة أليس هذا احسن نجيناك من التلف بالتلف فمشيت. قال بعضهم من وقع فى ميدان التفويض يزف اليه المراد كما تزف العروس الى اهلها. ولما زج بابراهيم عليه السلام فى المنجنيق واتاه جبريل فقال ألك حاجة قال اما اليك فلا واما الى الله فبلى قال سله قال حسبى من سؤالى علمه بحالى وقد قال نبينا عليه السلام "حديث : يقول الله تعالى فمن شغله ذكرى عن مسألتى اعطيته افضل ما اعطى السائلين " .تفسير : فعلى السالك ان يتوكل على الله ويفوض امره اليه فان كل ما قضى وقدر لا يرد البتة وان تعدت نفسك فى ذلك شعر : قضا كشتى آنجا كه خواهد برد وكرنا خدا جامه برتن درد تفسير : يكفيك علم الله بحالك فاقطع نظرك عن الاسباب والفتح ليس الا من مفتح الابواب شعر : مكن سعديا ديده بردست كس كه بخشنده بروردكارست وبس اكر حق برستى زدرها بسست كه كروى بداند نخواند كسست

الطوسي

تفسير : التقدير واذكر {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} وقال الزجاج العامل في {إذ} {همت أن تفشلا} والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت. والطائفتان: هما بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الأنصار في قول ابن عباس، وجابر بن عبد الله: والحسن وقتادة، ومجاهد، والربيع، والسدي، وابن اسحاق، وابن زيد، وأبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقال الجبائي: هما قوم من المهاجرين، والانصار. والفشل الجبن في قول ابن عباس تقول فشل يفشل فشلا. والجبن ليس من فعل الانسان وتحقيقه على هذا همت بحال الفشل إلا أنه وضع كلام موضع كلام. وليس في الآية أن همهما بالفشل كان معصية، لأنه قد يكون من غير عزم على حال الفشل بل بحديث النفس به، ومن قال كان معصية قال هي صغيرة، لقوله {والله وليهما} وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال فينا نزلت وما أحب أنها لم تكن، لقوله: {والله وليهما} وكان سبب همهم بالفشل في قول السدي، وابن جريج أن عبد الله ابن أبي بن سلول دعاهما إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به ولم يفعلاه. وقال أبو علي: بل كان ذلك باختلافهم في الخروج إلى العدو أو المقام حتى هموا بالفشل. والتاء مدغمة في الطاء في قوله: {إذ همت طائفتان} لأنها من مخرجها فصارت بمنزلتها مع مثلها نحو همت تفعل ومثله {أية : وقالت طائفة}تفسير : ويجوز أيضاً إدغام الطاء في التاء إلا انك تبقي الاطباق نحو {أية : أحطت بما لم تحط} تفسير : والأول أحسن.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ هَمَّتْ} بدل من اذ غدوت او ظرف لسميع وعليم {طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ} هما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الاوس وكانا جناحى العسكر وقيل: كانتا طائفة من الانصار وطائفة من المهاجرين وكان سبب همّهم بالفشل انّ عبد الله بن ابىّ بن سلول دعاهما الى الرّجوع الى المدينة عن لقاء المشركين يوم احد فهمّتا به ولم تفعلاه {أَن تَفْشَلاَ} تضعفا وتجبنا {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} فلا يدعهما ان تفشلا وتفرّا وهو جملة حاليّة، او المعنى والله وليّهما فلا ينبغى لهما ان تفشلا {وَعَلَى ٱللَّهِ} لا على غيره كعبد الله بن ابىّ {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} عطف على قوله {والله وليّهما} او حال والمقصود الاشارة الى تعليل الامر بالتّوكّل وتعليل ولايته {بِبَدْرٍ} موضع بين المدينة ومكّة كان لرجلٍ يسمّى بدراً فسمّى به {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} فى انظار النظّار من حيث العدّة والعدّة اذ كنتم قليلين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً وكنتم رثّ الهيئة من حيث اللّباس ولم يكن فيكم سلاح ولا مراكب الاّ قليلاً {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى الاعتماد على الغير والاستمداد من الغير {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تتّصفون بمقام الشّكر او تشكرون نعمة نصرته لكم او تنعّمون بنعمة اخرى من النّصر وغيره فتشكرون على ان يكون تشكرون قائماً مقام تنعّمون من قبيل اقامة المسبّب او السّبب مقام السّبب او المسبّب.

اطفيش

تفسير : {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ}: أى بأن تفشلا، أى بأن تتأخرا عن القتال وتنصرفا مع عبد الله بن أبى، وهما بنو حارثة وبنو سلمة، وكانا جناحى العسكر، كما مر، ولما انخذل عبد الله بن أبى بثلثمائة وقال: عَلاَم نقتل أنفسنا وأولادنا؟ تبعه أبو جابر السلمى واسمه عمرو. وابن حزم الأنصارى رحمه الله يقول: أنشدكم الله فى نبيكم، وأنفسكم فقال عبد الله: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وعصم الله الطائفتين فثبتتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد، فثبتوا فذكرهم الله عظيم نعمته، وإذ بدل من إذ قبلها بدل كل، لأن الوقت واحد وقع فى بعض الغدو، وفى بعض: ألهم بالفشل، ومتعلق بسميع، أو عليم، ويقدر مثله لآخر لا على التنازع، وإنما فسرت الفشل بالتأخر لا بالجبن، كما فسره بعض، لأن الجبن ليس باختيارى، نعم يجوز أن يراد بالهم بالفشل مقاربة النفس إلى الجبن، والظاهر أنها ما كانت إلا همة، وحديث النفس كما لا تخلو النفس عند الشدة عن القلق ثم تثبت كما فى بيت النحو: شعر : أقول لها إذا جاءت وجاست مكانك تحملى أو تستريحى تفسير : وهو شعر لعمرو بن الإطنابة، قال معاوية: عليك بحفظ الشعر، وقد كدت أضع رجلى فى الركاب يوم صفين، لأهرب فما ثبت إلا بقول عمرو بن الإطنابة، أقول: البيت. ولو كان ذلك منهم عزيمة لم تثبت معه ولاية الله لهم، والله يقول: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}: مُتَولى أمرهما بالعصمة عن الفشل، ويجوز أن يكون المعنى: كيف تفشلان ولا تتوكلان والله متولى أمرهما بالنصر؟ والجملة حال من ألف تفشلا، ثم إنه لا مانع من التعنيف. قال جابر بن عبد الله: نزلت فينا بنى حارثة وبنى سلمة: "إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما" والله ما يسرنا أنا لم نهم بالذى هممنا به وقد أخبرنا الله بأنه ولينا، وذلك استشار منه إذ لو لم ينزل فيهم {والله وليهما} وذلك أنه ليس ذلك عزماً وتصميماً، وقيل ذلك عزم وتصميم لكن منعه من إمضاء ذلك فضلا منه، فالجملة مستأنفة، وقرأ عبد الله بن مسعود: {والله وليهم}. {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: قدم {على الله} للحصر، والفاصلة أى لا تكلوا أمركم أى لا تتركوه إلا إلى الله اعتماداً عليه ولقيامه به ولا تظهروا العجز إلا لله معتمدين عليه، أو لا تفوضوا الأمر إلا إليه ثقة به فينصركم كما نصركم يوم بدر، كما قال الله جل وعلا: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ}.

اطفيش

تفسير : {إِذْ} متعلق بعليم ويقدر مثله لسيمع أو بدل من إذ {همَّت} عزمت أو أرادت، وذلك عزموا، وذلك عزم وإرادة لأتباع عبد الله بن أبى، ويقال أول ما يخطر بالقلب خاطر، وإذا قوى فحديث نفس، وإذا زاد قوة فعزم، وبعد ذلك قول أو فعل، قال بعضهم: شعر : مَرَاتِبُ القَصْدِ خَمْسٌ هَاجِسٌ ذَكَرُوا وَخَاطِرٌ فَحَدِيثُ النّفْسِ فَاسْـتَمِعَا بَلِيهِ هَمٌّ فَعَزْمٌ كُلُّهَا رُّفِعَتْ إلاّ الأَخِيرَ فَفِيهِ الأَخذُ قَدْ وَقَعا تفسير : يعنى العقاب، وقيل المراد فى الآية حديث النفس لا العزم والإرادة، لقوله تعالى: والله وليهما، والله لا يكون وليا لمن عزم عَلَى خذلان الرسول صلى الله عليه وسلم وأما مجرد التحدث فى النفس فلا يأباه ذلك، لأن النفس لا تخلو عند الشدة من بعض الجزع فتثبت بولاية الله عَلَى الحق، قلت، لا يأبى قوله، والله وليهما من أن يراد العزم والإرادة لأن الله عز وجل يكون ولياً ولو للمشرك، بأن يرده إلى الإسلام إلا أن يراد المتبادر {طَّآئِفَتَانِ مِنْكُمْ} أيها المؤمنون، بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وقيل طائفة من المهاجرين وطائفة من الأنصار، جناحا العسكر يميناً وشمالاً، والثالث القلب، وهو وسطه، والرابع والخامس مقدمه ومؤخره، فسمى الجيش خميسا {أن تَفْشَلآَ} بأن تفشلا عن الحرب جبنا، وقالتا، علام نقتل أنفسنا وأولادنا، وثبتنا لقول أبى جابر السلمى لعبد الله بن أبى، أنشدكم الله إلى آخر ما مر، قال عبد الله بن أبى، لو نعلم قتالا {وَاللهُ وَلِيُّهُمَا} يليهما بالمنع عن الفشل، أو ناصرهما، وعليه فهذا توبيخ، كيف تفشلان والحال أن الله وعدهما النصر عَلَى لسان نبيه إن صبرنا، والتوبيخ كما يكون عَلَى الفعل يكون عَلَى العزم والتردد {وَعَلَى اللهِ} لا على غيره، متعلق بيتوكل من قوله {فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} قدم للحصر وطريق الاهتمام، والفاصلة والفاء صلة، أو فى جواب شرط تقديره إن فشلتا فتوكلوا أنتم، أو إن صعب الأمر فليتوكلا هما وغيرهما على الله، لينصرهم كما نصرهم ببدر لتوكلهم، وأخرج فاء الجواب عن الصدر على القلة فى جواب غير أما.

الالوسي

تفسير : {إِذْ هَمَّتْ } قيل: بدل من {أية : وإِذْ غَدَوْتَ } تفسير : [آل عمران: 121] مبين لما هو المقصود بالتذكير. وجوز أن يكون ظرفاً لتبوىء أو لغدوت أو لسميع عليم على سبيل التنازع أو لهما معاً في رأي، وليس المراد تقييد كونه سميعاً عليماً بذلك الوقت {طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ } أي فرقتان من المسلمين وهما حيان من الأنصار بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وجابر بن عبد الله والحسن وخلق كثير، وقال الجبائي: همت طائفة من المهاجرين وطائفة من الأنصار {أَن تَفْشَلاَ } أي تضعفا وتجبنا حين رأوا انخذال عبد الله بن أبـيّ بن سلول مع من معه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنسبك من أن والفعل متعلق ـ بهمت ـ والباء محذوفة أي همت بالفشل وكان المراد به هنا لازمه لأن الفعل الاختياري الذي يتعلق الهم به والظاهر أن هذا الهم لم يكن عن عزم وتصميم على مخالفة النبـي صلى الله عليه وسلم ومفارقته لأن ذلك لا يصدر مثله عن مؤمن بل كان مجرد حديث نفس ووسوسة كما في قوله:شعر : أقول لها إذا جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي تفسير : ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } أي ناصرهما والجملة اعتراض. وجوز أن تكون حالاً من فاعل همت أو من ضميره في تفشلا مفيدة لاستبعاد فشلهما أو همهما مع كونهما في ولاية الله تعالى، وقرأ عبد الله والله وليهم بضمير الجمع على حد {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ }تفسير : [الحجرات: 9]. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي عليه سبحانه لا على غيره كما يؤذن به تقديم المعمول وإظهار الاسم الجليل للتبرك به والتعليل وأل في {ٱلْمُؤْمِنُونَ } للجنس ويدخل فيه الطائفتان دخولاً أولياً، وفي هذا العنوان إشعار بأن الإيمان بالله تعالى من موجبات التوكل عليه، وحذف متعلق التوكل ليفيد العموم أي ليتوكلوا عليه عز شأنه في جميع أمورهم جليلها وحقيرها سهلها وحزنها.

الواحدي

تفسير : {إذ همَّت طائفتان منكم} بنو سَلِمة وبنو حارثة {أن تفشلا} أَنْ تجبنا، وذلك أنَّ هؤلاء همُّوا بالانصراف عن الحرب، فعصمهم الله {والله وليُّهما} ناصرهما وموالٍ لهما {وعلى الله فليتوكل} فليعتمد في الكفاية {المؤمنون}. {ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلَّةٌ} بقلَّة العدد وقلَّة السِّلاح {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} أَيْ: فاتقونِ فإنه شكر نعمتي. {إذ تقول للمؤمنين} يوم بدرٍ: {ألن يكفيكم أَنْ يمدَّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين}. {بلى} تصديقٌ لوعد الله {إن تصبروا} على لقاء العدوِّ {وتتقوا} معصية الله ومخالفة النبيِّ عليه السَّلام [ {ويأتوكم من فورهم} قيل: من وجههم: وقيل: من غيظهم] {يمددكم ربكم بخسمة آلاف من الملائكة مسوِّمين} مُعلَّمين، وكانت الملائكة قد سوِّمت يوم بدر بالصُّوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها، ثمَّ صبر المؤمنون يوم بدر فأُمدّوا بخمسة آلاف من الملائكة. {وما جعله الله} أَيْ: ذلك الإِمداد {إلاَّ بشرى} أَيْ: بشارةً لكم {ولتطمئن قلوبكم به} فلا تجزع من كثرة العدو {وما النصر إلاَّ مِنْ عند الله} لأنَّ مَن لم ينصره الله فهو مخذولٌ وإنْ كثرت أنصاره. {ليقطع طرفاً} أَيْ: نصركم ببدرٍ [ليقطع طرفاً، أي:] ليهدم ركناً من أركان الشِّرك بالقتل والأسر {أو يكبتهم} أَيْ: يخزيهم ويُذلَّهم. يعني: الذين انهزموا. قوله: {ليس لك من الأمر شيء...} الآية. لمَّا كان يوم أُحدٍ من المشركين ما كان من كسر رباعيَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وشجِّه، فقال: كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية يُعلمه أنَّ كثيراً منهم سيؤمنون، والمعنى: ليس لك من الأمر في عذابهم أو استصلاحهم شيءٌ، حتى يقع إنابتهم أو تعذيبهم، وهو قوله: {أو يتوب عليهم أو يعذبهم} فلمَّا نفى الأمر عن نبيِّه عليه السَّلام ذكر أنَّ جميع الأمر له، فمَنْ شاء عذَّبه، ومن شاء غفر له، وهو قوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء} أَي: الذَّنب العظيم للموحِّدين {ويعذّب من يشاء} يريد: المشركين على الذَّنب الصَّغير {والله غفورٌ} لأوليائه {رحيمٌ} بهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَّآئِفَتَانِ} (122) - وَكَانَتْ فِي الأنْصَارِ طَائِفَتَانِ (هُمَا بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلمَةَ) قَدْ أَثَّرَتْ فِيهِمَا حَرَكَةُ انْسِحَابِ ابْنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وَعَوْدَتِهِ إِلى المَدِينَةِ، فَكَادَتَا أنْ تَفْشَلا، وَتَرْجِعَا إلى المَدِينَةِ، وَلَكِنَّ عِنَايَةَ اللهِ تَدَارَكَتْهُمَا وَثَبَّتَتْهُمَا، وَأَيَّدَتْهُما بِوِلاَيَتِهِ. وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوكَّلِ المُؤْمِنُونَ، فَلَيْسَ لَهُمْ سَنَدٌ غَيْرُهُ. الهَمُّ - حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَوَجُّهُها إلَى الشَّيءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والفشل هو الجبن، والطائفتان هما "بنو حارثة" من الأوس، "وبنو سلمة" من الخزرج، وهؤلاء كانوا الجناح اليمين والجناح اليسار، فجاءوا في الطريق إلى المعركة, وسمعوا كلام المنافق ابن سلول، إذ قال لهم: لن يحدث قتال؛ لأنه بمجرد أن يرانا مقاتلو قريش سيهربون. وقال ابن سلول المنافق للرسول: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم. إلا أن عبد الله ابن حارثة قال: أنشدكم الله وأنشدكم رسول الله وأنشدكم دينكم. فساروا إلى القتال وثبتوا بعد أن همّوا في التراجع. وما معنى "الهمّ" هنا؟ إن الهم هو تحرك الخاطر نحو عملية ما، وهذا الخاطر يصير في مرحلة ثانية قصداً وعزماً، إذن فالذي حدث منهم هو مجرد هَمّ بخاطر الانسحاب، لكنهم ثبتوا. ولماذا ذلك؟ لقد أراد الله بهذا أن يُثبت أن الإسلام منطقي في نظرته إلى الإنسان، فالإنسان تأتيه خواطر كثيرة. لذلك يورد الحق هذه المسألة ليعطينا العلاج. فقال: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} [آل عمران: 122]. وقد قال واحد من الطائفتين: والله ما يسرني أني لم أهم - أي لقد انشرح قلبي لأني هممت - لأني ضمنت أين من الذين قال الله فيهم: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران: 122]، وحسبي ولاية الله. لقد فرح لأنه أخذ الوسام، وهو ولاية الله. وهكذا نلتقط العبر الموحية من الآيات الكريمات حول غزوة أحُد، ونحن نعلم أن هذه الغزوة التالية لغزوة بدر الكبرى. وغزوة بدر الكبرى انتهت بنصر المسلمين وهم قلة في العدد والعُدة، ففي بدر لم يذهب المسلمون إلى المعركة ليشهدوا حرباً، وإنما ليصادروا أموال قريش في العِير تعويضاً لأموالهم التي تركوها في مكة. ومع ذلك شاء الله ألاّ يواجهوا العِير المحملة, ولكن ليواجهوا الفئة ذات الشوكة، وجاء النصر لهم. ولكن هذا النصر، وإن يكن قد ربّى المهابة للمسلمين في قلوب خصومهم، فإنه قد جمّع همم أعداء الإسلام ليتجمعوا لتسديد ضربة يردون بها اعتبار الكفر؛ ولذلك رأينا رءوس قريش وقد منعت نساءها أن يبكين على قتلاهم؛ لأن البكاء يُريح النفس المتعبة، وهم يُريدون أن يظل الحزن مكبوتاً ليصنع مواجيد حقدية تحرك النفس البشرية للأخذ بثأر هؤلاء، هذا من ناحية العاطفة التي يحبون أن تظل مؤججة، ومن ناحية المال فإنهم احتفظوا بمال العير الذي نجا ليكون وسيلة لتدبير معركة يردون فيها اعتبارهم. وقد حاولوا قبل أحُد أن يفعلوا شيئاً، ولكنهم كانوا يُرَدّون على أعقابهم. فمثلاً قاد أبو سفيان حملة مكونة من مائة، وأراد أن يهاجم بها المدينة فلما نمى خبرها إلى سيدنا رسول الله نهض بصحابته إليهم، فبلغ أبا سفيان خروج رسول الله، ففرّ هارباً وألقى ما عنده من مؤنة في الطريق ليخفف الحمل على الدواب لتسرع في الحركة، ولذلك يسمونها "غزوة السويق" لأنهم تركوا طعامهم من السويق. كَمَا حاول بعض الكفار أن يُغيروا على المدينة بعد ذلك أكثر من مرة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليهم على رأس مقاتلين, فمرة عددهم مائة ومرة مائة وخمسون ومرة مائتان، وفعلاً شتت الرسول صلى الله عليه وسلم شملهم. وكان من خطته صلى الله عليه وسلم حين يذهب إلى قوم كان يبلغه أنهم يُريدون أن يتآمروا لغزو المدينة أن يظل في بلدهم وفي معسكرهم وقتاً ليس بالقليل. كل ذلك سبق غزوة أُحد. وبعد ذلك تجمعوا ليجيئوا لغزوة أُحد، وكان ما كان، والآيات التي تعالج هذه الغزوة فيها إيحاءات بما جاء في المعركة، فالرسول صلى الله عليه وسلم بوأ للمقاتلين مقاعد للقتال، وأمرهم بالثبات في تلك المواقع لكن بعضاً من المقاتلين ترك مكانه، والبعض الآخر همّ بالانسحاب، لكنه ثبت أخيراً، وفرّ كفار قريش. وقد تجلت في هذه المعركة آيات الله الكبيرة. فحين نصر الله سبحانه وتعالى المسلمين "ببدر" وهم قلة، لم يخرجوا لمعركة وإنما خرجوا لمصادرة عير. وربما ظن أناس أنهم بمجرد نسبتهم إلى الله وإلى الإسلام سيُنصرون على هذه الوتيرة، ويتركون الأسباب فأراد الله أن يعلمهم أنه لابد من استنفاد الأسباب، إعداداً لعدة ولعدد، وطاعة لتوجيه قائد. فلما خالفوا كان ولابد أن يكون ما كان. والمخالفة لم تنشأ إلا بعد استهلالٍ بالنصر، ولذلك سيجيء فيما بعد ستون آية حول هذه الغزوة؛ لتبين لنا مناط العبرة في كل أطوارها لنستخرج منها العظة والدرس. ونعلم أن المنتصرين عادةً يكون الجو معهم رخاءً. ولكن الكلام هنا عن هزيمة من لا يأخذون بأسباب الله، وهذا أمر يحتاج إلى وقفة، فجاء القرآن هنا ليقص علينا طرفاً من الغزوة لنستخرج منها العبرة والعظة، العبرة الأولى: أنّهم حينما خرجوا، تخلف المنافقون بقيادة ابن أبَيّ، إذن فالمعركة إنما جاءت لتمحص المؤمنين. والتمحيص يأتي في الشيء الواحد، أما التمييز فيأتي في شيئين: هذا مؤمن، وهذا كافر، إنما التمحيص يأتي للمؤمن ويعركه عركاً، ويبين منه مقدار ما هو عليه من الثبات ومن اليقين، والحق إنما يمحص الفئة المؤمنة لأنها ستكون مأمونة في التاريخ كله إلى أن تقوم الساعة على حماية هذه العقيدة، فلا يمكن أن يتولى هذا الأمر إلا أناس لهم قلوب ثابتة، وجأش قوي عند الشدائد، وهمة دونها زخارف الدنيا كلها. وبعد ذلك يعالج النفس البشرية في أوضاعها البشرية، فعقائد الإيمان لا تنصب في قلوب المسلمين بمجرد إعلان الإيمان، ولكن كل مناسبة تعطي دفعة من العقيدة يتكون بعد ذلك الأمر العقدي كله .. ولذلك يبين لنا الحق أن طائفتين من المؤمنين قد همت بالتراجع، فهم نفوس بشرية، ولكن أَنَفَذَّت الطائفتان ذلك الهم أم رجعت وفاءت إلى أمر الله؟ لقد رجعت الطائفتان. وهكذا رأينا بين الذين أعلنوا إيمانهم فئة نكصت من أول الأمر، وفئة خرجت ثم عادت. لقد تحدثت النفوس ولكن أفراد تلك الفئة لم يقفوا عند حديث النفس بل ثبتوا إلى نهاية الأمر، ومنهم من ثبت إلى الغاية السطحية من الأمر كالرماة الذين رأوا النصر أولاً، وهؤلاء من الذين ثبتوا، ما فرّوا أولاً مع ابن أبيّ، وما كانوا من الطائفة التي همت، ولكنهم كانوا من الذين ثبتوا. لكنهم عند بريق النصر الأول اشتاقوا للغنائم، وخالفوا أمر الرسول، ولنقرأ قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 152]. وبعد ذلك تأتي لقطة أخرى وهي ألا نفتن في أحد من البشر، فخالد بن الوليد بطل معسكر الكفر في أُحد، وهو الذي استغل فرصة نزول الرماة عن أماكنهم، وبعد ذلك طوق جيش المؤمنين، وكان ما كان، من خالد قبل أن يسلم، ألم يكن في غزوة الخندق؟ لقد كان في غزوة الخندق. وكان في غزوات كثيرة غيرها مع جند الشرك، فأين كانت عبقريته في هذه الغزوات؟. إن عبقرية البشر تتصارع مع عبقرية البشر, ولكن لا توجد عبقرية بشرية تستطيع أن تصادر ترتيباً ربانياً، ولذلك لم يظهر دور خالد في معركة الخندق، لقد ظهر دوره في معركة أُحد؛ لأن المقابلين لخالد خالفوا أمر القيادة فبقيت عبقرية بشر لعبقرية بشر، ولكنهم لو ظلوا في حضن المنهج الإلهي في التوجيه لما استطاعت عبقرية خالد أن تطفو على تدبيرات ربه أبداً. والتحقيق التاريخي لكل العسكريين الذين درسوا معركة أُحد قالوا: لا هزيمة للمسلمين ولا انتصار للكفار؛ لأن النصر يقتضي أن يُجلي فريق فريقاً من أرض المعركة، ويظل الفريق الغالب في أرض المعركة. فهل قريش ظلت في أرض المعركة أو فرّت؟ لقد فرّت قريش. ويُفسر النصر أيضاً بأن يؤسر عدد من الطائفة المقابلة، فهل أسرت قريش أحداً من المسلمين؟ لا. ولقد علموا أن المدينة خالية من المؤمنين جميعاً وليس فيها إلا من تخلف من المنافقين والضعاف من النساء والأطفال، ولم يؤهلهم فوزهم السطحي لأن يدخلوا المدينة. إذن فلا أسروا، ولا أخذوا غنيمة، ولا دخلوا المدينة، ولا ظلوا في أرض المعركة، فكيف تسمي هذا نصراً؟ فلنقل: إن المعركة ماعت. وظل المسلمون في أرض المعركة. وهنا تتجلّى البطولة الحقة؛ لأننا كما قلنا في حالة النصر يكون الأمر رخاء، حتى من لم يُبْلِ في المعركة بلاءً حسناً ينتهز فرصة النصر ويصول ويجول، ولكن المهزومين والذين أصيب قائدهم صلى الله عليه وسلم، وضعف أن يصعد الجبل، حتى أن طلحة بن عبيد الله يطأطئ ظهره لرسول الله ليمتطيه فيصعد على الصخرة. ورسول الله يسيل منه الدم بعد أن كسرت رباعيته وتأتي حلقتان من حلق المغفر في وجنته، بعد هذا ماذا يكون الأمر؟ حتى لقد أرجف المرجفون وقالوا: إن رسول الله قد قُتل. وكل هذا هو من التمحيص، فمن يثبت مع هذا، فهو الذي يؤتمن أن يحمل السلاح لنصرة كلمة الله إلى أن تقوم الساعة. ويتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاً من أبطال المسلمين كان حوله فلا يجده، إنه "سعد بن الربيع". يقول عليه الصلاة والسلام: "مَن رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات"؟ فقال رجل من الأنصار هو أُبَيُّ بن كعب: فذهبت لأتحسسه، فرأيته وقد طُعن سبعين طعنة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية قوس. فلما رآه قال له: رسول الله يقرئك السلام، ويقول لك: كيف تجدك - أي كيف حالك -؟ قال سعد بن الربيع: قل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جزاك الله عنّا خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل للأنصار ليس لكم عند الله عُذر إن خَلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف. ثم فاضت روحه. انظروا آخر ما كان منه، حين أُثخن في المعركة فلم يقو على أن يحارب بنصاله، انتهز بقية الحياة ليحارب بمقاله، ولتصير كلماته دوياً في آذان المسلمين. وليعلم أن هؤلاء الذين أثخنوه جراحاً ما صنعوا فيه إلا أن قربوه إلى لقاء ربه، وأنه ذاهب إلى الجنة. وتلك هي الغاية التي يرجوها كل مؤمن. ونجد أيضاً أن الذين يعذرهم القرآن في أن يشهدوا معارك الحرب، يتطوعون للمعارك! فمثلاً عمرو بن الجموح، كان أعرج، والعرج عذر أقامه الله مع المرض والعمى؛ لأنه سبحانه هو القائل: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ}تفسير : [النور: 61]. وكان لعمرو بن الجموح بنون أربعة مثل الأُسْد قد ذهبوا إلى المعركة، ومع ذلك يطلب من رسول الله أن يذهب إلى المعركة ويقول له: يا رسول الله إن بَنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمّا أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك. وقال لبنيه: ما عليكم ألاَّ تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه فقتل. وهذا مؤمن آخر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن ابني الذي استشهد ببدر رأيته في الرؤيا يقول لي: "يا أبت أقبل علينا" فأرجو أن تأذن لي بالقتال في "أحُد" فأن له فقاتل فقُتل فصار شهيداً. وتتجلى الروعة الايمانية والنسب الإسلامي في حذيفة بن اليمان، لقد كان أبوه شيخاً كبيراً مسلماً فأخذ سيفه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقه الشهادة في سبيل الله، فدخل في المعركة ولا يعلم به أحد فقتله المسلمون ولا يعرفونه، فقال ابنه حذيفة، أبي والله. فقالوا والله ما عرفناه، وصدقوا، قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤدي ديته، فقال له حذيفة بن اليمان: وأنا تصدقت بها على المسلمين. هذه الأحداث التي دارت في المعركة تدلنا على أن غزوة أُحد كان لا بد أن تكون هكذا، لتمحص المؤمنين تمحيصاً يؤهلهم لأن يحملوا كلمة الله ويعلوها في الأرض. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {تَفْشَلاَ} معناه تَضْعَفا.

همام الصنعاني

تفسير : 454- عبد الرزاق، قال: أنبأنا سفيان بن عُيَيْنة عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ}: [الآية: 122]، قال: هم بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحب أن لو لم تكن لقول الله تعالى: { وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا}: [الآية: 122]. 455- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أُحُد، حين كسر رباعيته وَدَمَّى وجهه، فقال: "حديث : اللهم لا تَحِلْ عليه الحَوْل حتى يموت كافراً"!تفسير : فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار. 456- عبد الرزاق قال: أخبرني ابن جريج عن إبراهيم بن ميسرة، عن يعقوب بن عاصم قال: الذي دَمَّى وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد رجل من هذيل يقال له: عبد الله بن قميئة، فكان حتفه أن سَلَّط الله عليه تَيْساً فَنَطَحهُ حتى قتله.