٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
123
Tafseer
الرازي
تفسير : في كيفية النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما ذكر قصة أحد أتبعها بذكر قصة بدر، وذلك لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية الفقر والعجز، والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة، ثم إنه تعالى سلّط المسلمين على المشركين فصار ذلك من أقوى الدلائل على أن العاقل يجب أن لا يتوسل إلى تحصيل غرضه ومطلوبه إلا بالتوكل على الله والاستعانة به والمقصود من ذكر هذه القصة تأكيد قوله {أية : وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } تفسير : [آل عمران: 120] وتأكيد قوله {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [آل عمران: 122] الثاني: أنه تعالى حكى عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل. ثم قال: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يعني من كان الله ناصراً له ومعيناً له فكيف يليق به هذا الفشل والجبن والضعف؟ ثم أكد ذلك بقصة بدر فإن المسلمين كانوا في غاية الضعف ولكن لما كان الله ناصراً لهم فازوا بمطلوبهم وقهروا خصومهم فكذا ههنا، فهذا تقرير وجه النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في بدر أقوال الأول: بدر اسم بئر لرجل يقال له بدر؛ فسميت البئر باسم صاحبها هذا قول الشعبي الثاني: أنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه وهذا قول الواقدي وشيوخه، وأنكروا قول الشعبي وهو ماء بين مكة والمدينة. المسألة الثانية: {أَذِلَّةٍ } جمع ذليل قال الواحديّ: الأصل في الفعيل إذا كان صفة أن يجمع على فعلاء كظريف وظرفاء وكثير وكثراء وشريك وشركاء إلا أن لفظ فعلاء اجتنبوه في التضعيف لأنهم لو قالوا: قليل وقللاء وخليل وخللاء لاجتمع حرفان من جنس واحد فعدل إلى أفعلة لأن من جموع الفعيل: الأفعلة، كجريب وأجربة، وقفيز وأقفزة فجعلوه جمع ذليل أذلة، قال صاحب «الكشاف»: الأذلة جمع قلة، وإنما ذكر جمع القلة ليدل على أنهم مع ذلهم كانوا قليلين. المسألة الثالثة: قوله {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } في موضع الحال، وإنما كانوا أذلة لوجوه الأول: أنه تعالى قال: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقون: 8] فلا بد من تفسير هذا الذل بمعنى لا ينافي مدلول هذه الآية، وذلك هو تفسيره بقلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال وعدم القدرة على مقاومة العدو ومعنى الذل الضعف عن المقاومة ونقيضه العز وهو القوة والغلبة، روي أن المسلمين كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وما كان فيهم إلا فرس واحد، وأكثرهم كانوا رجالة، وربما كان الجمع منهم يركب جملاً واحداً، والكفار قريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة الكاملة الثاني: لعل المراد أنهم كانوا أذلة في زعم المشركين واعتقادهم لأجل قلة عددهم وسلاحهم، وهو مثل ما حكى الله عن الكفار أنهم قالوا {أية : لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } تفسير : [المنافقون: 8] الثالث: أن الصحابة قد شاهدوا الكفار في مكة في القوة والثروة وإلى ذلك الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار، فكانت هيبتهم باقية في قلوبهم واستعظامهم مقرراً في نفوسهم فكانوا لهذا السبب يهابونهم ويخافون منهم. ثم قال تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي في الثبات مع رسوله {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته أو لعلّ الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام، لأنه سبب له.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} كانت بدر يوم سبعة عشر من رمضان، يوم جمعة لثمانية عشر شهراً من الهِجرة، وبدر مَاءٌ هنالك وبه سمى الموضِع. وقال الشعبيّ: كان ذلك الماء لرجل من جُهَينة يسمى بدراً، وبه سمى الموضع. والأوّل أكثر. وقال الواقِدِي وغيره: بدر ٱسم لموضع غير منقول. وسيأتي في قِصة بدرٍ في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. و {أَذِلَّةٌ} معناها قليلون؛ وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلاً. وكان عدوّهم ما بين التسعمائة إلى الألف. و «أذِلة» جمع ذليل. وٱسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلاَّ أعِزّة، ولكن نسبتهم إلى عدوّهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذِلّتهم وأنهم يُغلبون. والنصر العون؛ فنصرهم الله يوم بَدْرٍ، وقتل فيه صنادِيد المشركين، وعلى ذلك اليوم ٱبتني الإسلام، وكان أوّل قتال قاتله النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عن بُريدة قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منهنّ. وفيه. عن أبي إسحاق قال: لقيت زيد بن أرْقَم فقلت له: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال تسع عشرة غزوة. فقلت: فكم غزوتَ أنت معه؟ فقال: سبع عشرة غزوة. قال فقلت: فما أوّل غزوة غزاها؟ قال: ذات العُسَير أو العشير. وهذا كله مخالف لما عليه أهل التواريخ والسير. قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات له: إن غزواتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سبع وعشرون غزوة، وسراياه ست وخمسون، وفي رواية ست وأربعون، والتي قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بَدْرٌ واحُد والمَريْسِيع والخَنْدَق وخَيْبَر وقُرَيْظَة والفتْحُ وحُنَيْن والطائف. قال ٱبن سعد: هذا الذي ٱجتمع لنا عليه. وفي بعض الروايات أنه قاتل في بني النضير وفي وادي القُرى مُنصرفه من خَيْبَر وفي الغَابَة. وإذا تقرّر هذا فنقول: زيد وبُريدة إنما أخبر كل واحد منهما بما في علمه أو شاهده. وقول زيد: «إن أوّل غزاة غزاها ذات العسيرة» مخالف أيضاً لما قال أهل التواريخ والسير. قال محمد بن سعد: كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات، يعني غزاها بنفسه. وقال ٱبن عبد البر في كتاب الدرر في المغازي والسير. أوّل غزاةٍ غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة وَدّان غزاها بنفسه في صَفَر؛ وذلك أنه وصل إلى المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل، أقام بها بقيةَ ربيع الأوّل، وباقي العام كله إلى صفر من سنة ٱثنتين من الهجرة: ثم خرج في صفر المذكور وٱستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ وَدّان فوادع بني ضَمْرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حَرْباً، وهي المسماة بغزوة الأبْوَاء. ثم أقام بالمدينة إلى (شهر) ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم خرج فيها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون حتى بلغ بَوَاط من ناحية رَضْوَى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حرباً، ثم أقام بها بقية ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى، ثم خرج غازياً وٱستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وأخذ على طريق مِلْكٍ إلى العُسَيرْة. قلت: ذكر ٱبن إسحاق حديث : عن عمّار بن ياسر قال: كنت أنا وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن يَنْبُع فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهراً فصالح بها بني مُدْلِج وحلفاءَهم من بني ضَمْرة فوادعهم، فقال لي علي بن أبي طالب: هل لك أبا اليقظان أن تأتي هؤلاء؟ نفر من بني مُدْلِج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون. فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشِينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دَقْعَاء من الأرض فَنِمْنا فيه؛ فوالله ماأهبنا إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه؛ فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «ما بالك يا أبا تراب»؛ فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: «ألا أُخبركم بأشقى الناس رجيلن» قلنا: بلى يا رسول الله؛ فقال: «أُحَيْمِر ثمود الذي عقرالناقة والذي يضربك يا عليّ على هذه ـ ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه ـ حتى يَبَلّ منها هذه»تفسير : ووضع يده على لحيته. فقال أبو عمر: فأقام بها بقية جمادي الأولى وليالي من جمادي الآخرة، ووادع فيها بني مُدْلِج ثم رجع ولم يلق حرباً. ثم كانت بعد غزوة بدرٍ الأولى بأيام قلائل، هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ والسير، فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده. والله أعلم. ويُقال: ذات العسير بالسين والشين، ويزاد عليها هاء فيقال: العشيرة. ثم غزوة بدر الكبرى وهي أعظم المشاهد فضلاً لمن شهدها، وفيها أمدّ الله بملائكته نبيه والمؤمنين في قول جماعة العلماء، وعليه يدل ظاهر الآية، لا في يوم أحُد. ومن قال: إن ذلك كان يوم أحُد جعل قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} إلى قوله: {تَشْكُرُونَ} ٱعتراضاً بين الكلامين. هذا قول عامر الشعبيّ، وخالفه الناس. وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حضرت يوم بَدر وقاتلت؛ ومن ذلك قول أبي أُسيدٍ مالكِ بنِ ربيعة وكان شهيد بدر: لوكنتُ معكم الآن بِبَدْر وَمَعِي بصرى لأريتُكم الشِّعْب الذي خرجتْ منه الملائكةُ، لا أشك ولا أمْتَرِي. رواه عقيل عن الزُّهريّ عن أبي حازم سلمَة بنِ دينار. قال ٱبن أبي حاتم: لا يُعرف للزّهريّ عن أبي حازم غيرُ هذا الحديث الواحد، وأبو أُسَيدٍ يُقال إنه آخر من مات من أهل بدر؛ ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يومِ بَدْر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألْفٌ، وأصحابه ثلاثُ مائةٍ وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدّ يدَيْه فجعل يَهْتِف بربِّه: «حديث : اللَّهُمَّ أنجِزْ لي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إن تَهْلِك هذه العَصَابَةُ مِن أهل الإسلام لاَ تُعْبَدُ فِي الأرْضِ»تفسير : فما زال يَهْتِف بربه مادّاً يديْه مُستقبلَ القِبلة حتى سقط رداؤُه عن مَنْكِبَيْه، فأتاه أبو بكر أخذَ رداءَه فألقاه على مَنْكِبَيْه، ثم الْتَزَمَه من وَرائه وقال: يا نبيّ اللَّهِ، كفاك مناشَدَتُك رَبَّك، فإنه سيُنْجِزُ لك ما وَعَدَك؛ فأنزل الله عزّ وجلّ: {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ}تفسير : [الأنفال: 9] فأمدّه الله تعالى بالملائكة. قال أبو زُمَيْل: فحدّثني ٱبن عباس قال: بيْنما رجلٌ من المسلمين يومئذ يَشْتَدّ في أثرَ رجل من المشركين أمامَه إذْ سمِع ضربةً بالسَّوْط فوقَه وصوتَ الفارِس يقول: أَقِدمْ حَيْزُومُ، فنظر إلى المشرِك أمامه فَخرّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قَدْ خُطِم أنفُه وشُقّ وجهُه (كضربة السوط) فاخْضَرّ ذلك أجْمَعُ. فجاء الأنصاريّ فحدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : صدقتَ ذلك من مَدَد السَّماء الثالثة»تفسير : فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر الحديث. وسيأتي تمامُه في آخر «الأنفال» إن شاء الله تعالىٰ. فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور، والحمد لله. وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِجبْرَيل: «مَنِ القائلُ يوم بدر من الملائكة أقدم حَيْزُوم»؟ فقال جبريل: «يا محمد ما كل أهل السماء أعرف»تفسير : . وعن عليّ رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: بينا أنا أمْتَح من قَلِيب بَدْر جاءت ريحٌ شديدة لم أرَ مثلها قَطّ، ثم ذهبت، ثم جاءت ريحٌ شديدة لم أرَ مثلها قط إلاَّ التي كانت قبلها. قال: وأظنه ذكر: ثم جاءت ريحٌ شديدة، فكانت الرِّيح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الريح الثانية مِيكَائِيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر عن يمينه، وكانت الريح الثالثة إسْرَافِيل نزل في ألف من الملائكة عن مَيْسَرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة. وعن سَهل بن حُنَيف رضي الله عنه قال: لقد رأيتُنا يوم بَدْر وأنّ أحدنَا يُشِير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسُه عن جسده قبل أن يَصِل إليه. وعن الرّبيع بن أنس قال: كان الناس يوم بَدْر يعرفون قتلىٰ الملائكة ممَّن قتلوهم بضربٍ فوقَ الأعْناق وعلى البَنَان مثل سِمَة النار قد أُحرِق به؛ ذكر جميعه البَيْهَقِيّ رحمه الله. وقال بعضهم: إن الملائكة كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة؛ لأن كلَّ موضع أصابتْ ضربتهم ٱشتعلت النار في ذلك الموضع، حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود: أنت قَتلتَنِي؟ٰإنما قتلني الذي لم يصل سِنَانِي إلى سُنْبُك فرسه وإن ٱجتهدتَ. وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين؛ ولأنّ الله تعالىٰ جعل أُولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة؛ فكل عسكر صَبَر وٱحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم. وقال ٱبن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكةُ إلاَّ يوم بَدْر، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما يكونون عدداً أو مدداً. وقال بعضهم: إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يَدْعُون ويسبِّحون، ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ؛ فعلى هذا لم تقاتل الملائكةُ يوم بدر وإنما حضروا للدعاء بالتثّبِيت، والأوّل أكثر. قال قتادة: كان هذا يوم بدر، أمدّهم الله بألفٍ ثم صاروا ثلاثةَ آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف؛ فذلك قوله تعالىٰ: {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} تفسير : [الأنفال: 9] وقوله: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ} وقوله: {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} فصبرَ المؤمنون يوم بَدْر وٱتقوا الله فأمدّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وَعَدَهُم؛ فهذا كله يوم بدر. وقال الحسن: فهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة. قال الشعبيّ: بلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر أن كُرْز بن جابر المُحارِبيّ يريد أن يُمدّ المشركين فشق ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين؛ فأنزل الله تعالى {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} ـ إلى قوله: {مُسَوِّمِينَ} فبلغ كُرْزاً الهزيمةُ فلم يُمدّهم ورجع، فلم يمدهم الله أيضاً بالخمسة آلاف، وكانوا قد مدّوا بألف. وقيل: إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته، وٱتقوا محارمه أن يمدّهم أيضاً في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا محارمه إلاَّ في يوم الأحزاب، فأمدّهم حين حاصروا قُرَيْظة. وقيل: إنما كان هذا يوم أحُد، وعدهم الله المدد إن صبروا، فما صبروا فلم يُمدّهم بملَك واحد، ولو أُمِدّوا لما هُزِمُوا؛ قاله عكرمة والضحاك. فإن قيل: فقد ثبت عن سعد بن أبي وَقّاص أنه قال: رأيت عن يَمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يومَ بَدْر رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشدّ القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ. قيل له: لعل هذا مختص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، خصّه بملكين يقاتلان عنه، ولا يكون هذا إمداداً للصحابة، والله أعلم. الثانية: نزول الملائكةِ سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالىٰ، وإنما يحتاج إليه المخلوق فلْيَعْلَق القلب بالله ولْيَثِق به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب؛ {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يسۤ: 82]. لكن أخبر بذلك ليمتثل الخلقُ ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل، {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [الفتح: 23]، ولا يَقْدَح ذلك في التوَكُّل. وهو ردّ على من قال: إن الأسباب إنما سُنّت في حق الضعفاء لا للأقوياء؛ فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء؛ وهذا واضِحٌ. و «مدّ» في الشر و «أمدّ» في الخير. وقد تقدم في البقرة. وقرأ أبو حَيْوة «مُنْزَلِينَ» بكسر الزاي مخفّفاً، يعني منزلين النصرَ. وقرأ ٱبن عامر مشدّدة الزاي مفتوحة على التكثير. ثم قال: {بَلَىۤ} وتمّ الكلام. {إِن تَصْبِرُواْ} شرط، أي على لقاء العدوّ. {وَتَتَّقُواْ} عطف عليه، أي معصيتَه. والجواب {يُمْدِدْكُمْ}. ومعنى «مِنْ فَوْرِهِمْ» من وجهِهم. هذا عن عكرمة وقتادة والحسن والربيع والسدي وٱبنِ زيد. وقيل: مِن غَضَبِهم؛ عن مجاهد والضحاك. كانوا قد غضبوا يوم أحُد ليوم بَدْر مما لَقُوا. وأصل الفَوْر القصد إلى الشيء والأخذ فيه بِجِدّ؛ وهو من قولهم: فارتِ القِدْر تَفُور فَوْراً وَفَوَرَاناً إذا غَلَت. والفَوْرالغَلَيَان. وفارَ غضبه إذا جاش. وفعله من فَوْرِه أي قبل أن يَسْكُن. والفوّارة ما يَفُور من القِدر. وفي التنزيل {وَفَار التَّنُّورُ}. قال الشاعر:شعر : تَفُـورُ علينـا قِـدْرُهُم فَنُدِيمُهـا تفسير : الثالثة: قوله تعالىٰ: {مُسَوِّمِينَ} بفتح الواو ٱسم مفعول، وهي قراءة ٱبن عامر وحمزة والكِسائي ونافع.أي معَلَّمين بعلامات. و «مُسَوِّمين» بكسر الواو ٱسم فاعل، وهي قراءة أبي عمرو وٱبن كثير وعاصم؛ فيحتمل من المعنى ما تقدّم، أي قد أعلموا أنفسهم بِعلامة، وأعلموا خَيْلَهم. ورجّح الطبرِيّ وغيره هذه القراءة. وقال كثير من المفسرين: مُسَوِّمِينَ أي مُرسلِين خيلهم في الغارة. وذكر المهدوِيّ هذا المعنى في «مُسَوَّمِينَ» بفتح الواو، أي أرسلهم الله تعالىٰ على الكفار. وقاله ٱبن فُورَك أيضاً. وعلى القراءة الأولى ٱختلفوا في سِيما الملائكة؛ فرُوي عن علي بن أبي طالب وٱبن عباس وغيرِهما أن الملائكة ٱعتَمَّت بعمائم بِيضٍ قد أرسلوها بين أكتافهم؛ ذكره البيهقِيّ عن ٱبن عباس، وحكاه المهدوِيّ عن الزجاج. إلاَّ جبريل فإنه كان بعمامة صَفْراء على مِثال الزبير بن العوام، وقاله ٱبن إسحاق. وقال الربيع: كانت سِيماهم أنهم كانوا على خَيْل بُلْق. قلت: ذكر البيهقيّ عن سهيل بن عمرو رضي الله عنه قال: لقد رأيت يوم بدر رجالاً بيضاً على خيلٍ بُلْقٍ بين السماء والأرض معلَّمين يقتلون ويأسِرون. فقوله: «معلمين» دل على أن الخيل البُلْق ليست السيما، والله أعلم. وقال مجاهد: كانت خيلهم مَجْزُوزة الأذناب والأعْرَاف معلَّمة النَواصِي والأذناب بالصّوف والعِهنْ. ورُوي عن ٱبن عباس: تسوَّمَت الملائكة يوم بدر بالصّوف الأبيض في نَوَاصي الخيل وأذنابها. وقال عَبّاد بن عبد الله بن الزبير وهِشام ابن عُروة والكلبي: نزلت الملائكة في سِيما الزُّبِير عليهم عمائم صُفْر مُرْخَاة على أكتافهم. وقال ذلك عبد الله وعروة ٱبنا الزبير. وقال عبد الله: كانت ملاءة صفراء ٱعتمّ بها الزبير رضي الله عنه. قلت: ودلت الآية ـ وهي الرابعة: على ٱتخاذ (الشارة و) العلامة للقبائل والكتائب يجعلها السلطان لهم؛ لتتميّز كل قبيلة وكتِيبة من غيرها عند الحرب، وعلى فضل الخيل البُلْق لنزول الملائكة عليها. قلت: ـ ولعلها نزلت عليها مُوافَقة لفرس المِقْدَاد، فإنه كان أبْلَق ولم يكن لهم فرس غيره، فنزلت الملائكة على الخيل البُلْق إكراماً للمقداد؛ كما نزل جبريل مُعْتَجِراً بعمامة صفراء على مِثال الزبير، والله أعلم. ودلّت الآية أيضاً ـ. وهي الخامسة: على لِباس الصّوف وقد لَبِسه الأنبياء والصالحون. ورَوى أبو داود وٱبن ماجه واللفظ له عن أبي بُرْدة عن أبيه قال قال لي أبي: لو شهدتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابتنا السماء لحسِبت أن رِيحنا ريح الضّأن. ولبس صلى الله عليه وسلم جُبّة رُومِيّة من صوفٍ ضيِّقة الكُمّين؛ رواه الأئمة. ولبِسها يُونُس عليه السَّلام؛ رواه مسلم. وسيأتي لهذا المعنى مزِيد بيان في «النحل» إن شاء الله تعالىٰ. السادسة: قلت: وأما ما ذكره مجاهد من أن خيلهم كانت مَجْزوزة الأذناب والأَعْراف فبعيدٌ؛ فإن في مصنف أبي داود عن عُتْبة بن عبدٍ السُّلمي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا تقُصّوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مَذَابُّها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير»تفسير : . فقول مجاهد يحتاج إلى توقيف من أن خيل الملائكة كانت على تلك الصفة، والله أعلم. ودلّت الآية على حُسْن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول الملائكة بذلك، وقد قال ٱبن عباس: من لبس نَعلاً أصْفَر قضيت حاجته. وقال عليه السَّلام: «حديث : ٱلْبَسوا من ثيابكم البياض فإنه من خير ثيابكم وكفِّنوا فيه موتاكم وأما العمائم فتيجَان العرب ولباسها»تفسير : . ورَوى رُكَانة ـ وكان صارع النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَصرعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ـ قال رُكَانَة: وسمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس»تفسير : أخرجه أبو داود. قال البخاري: إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} تذكير ببعض ما أفادهم التوكل. وبدر ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به. {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} حال من الضمير، وإنما قال أذلة ولم يقل ذلائل تنبيهاً على قلتهم مع ذلتهم لضعف الحال وقلة المراكب والسلاح. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في الثبات. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصره، أو لعلكم بنعم الله عليكم فتشكرون، فوضع الشكر موضع الأنعام لأنه سببه. {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} ظرف لنصركم. وقيل بدل ثان من إذ غدوت على أن قوله لهم يوم أحد وكان مع اشتراط الصبر والتقوى عن المخالفة، فلما لم يصبروا عن الغنائم وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لم تنزل الملائكة. {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ} إنكار أن لا يكفيهم، ذلك وإنما جيء بلن إشعاراً بأنهم كانوا كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم. قيل أمدهم الله يوم بدر أولاً بألف من الملائكة ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف. وقرأ ابن عامر {مُنزَلِينَ} بالتشديد للتكثير أو للتدريج. {بَلَىٰ} إيجاب لما بعد لن، أي بلى يكفيكم. ثم وعد لهم الزيادة على الصبر والتقوى حثاً عليهما وتقوية لقلوبهم فقال: {إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ} أي المشركون. {مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} من ساعتهم هذه، وهو في الأصل مصدر من فارت القدر إذ غلت، فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها ولا تراخي، والمعنى إن يأتوكم في الحال. {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالافٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ} في حال إتيانهم بلا تراخ ولا تأخير. {مُسَوّمِينَ} معلمين من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء لقوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه. «حديث : تسوموا فإن الملائكة قد تسومت»تفسير : أو مرسلين من التسويم بمعنى الأسامة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو. {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } وما جعل إمدادكم بالملائكة. {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ } إلا بشارة لكم بالنصر. {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } ولتسكن إليه من الخوف. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } لا من العدة والعدد، وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد وإنما أمدهم ووعد لهم به إشارة لهم وربطاً على قلوبهم، من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر وحثاً على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم. {ٱلْعَزِيزُ} الذي لا يغالب في أقضيته. {ٱلْحَكِيمُ} الذي ينصر ويخذل بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة. {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} متعلق بنصركم، أو {وَمَا ٱلنَّصْرُ } إن كان اللام فيه للعهد، والمعنى لينقص منهم بقتل بعض وأسر آخرين، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من صناديدهم. {أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أو يخزيهم، والكبت شدة الغيظ، أو وهن يقع في القلب، وأو للتنويع دون الترديد {فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ } فينهزموا منقطعي الأمال. {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْء} اعتراض. {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ } عطف على قوله أو يكبتهم، والمعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء، وإنما أنت عبد مأمور لإِنذارهم وجهادهم. ويحتمل أن يكون معطوفاً على الأمر أو شيء بإضمار أن، أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء. أو ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. وأن تكون أو بمعنى إلا أن. أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتسر به أو يعذبهم فتشفي منهم. روي (أن عتبة بن أبي وقاص شجهُ يوم أحد وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقولحديث : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم)تفسير : فنزلت. وقيل هم أن يدعوا عليهم فنهاه الله لعلمه بأن فيهم من يؤمن. {فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ } قد استحقوا التعذيب بظلمهم. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً فله الأمر كله لا لك. {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} صريح في نفي وجوب التعذيب، والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم. {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً} لا تزيدوا زيادات مكررة، ولعل التخصيص بحسب الواقع. إذ كان الرجل منهم يربي إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «مضعفة». {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما نهيتم عنه. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} راجين الفلاح. {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ} بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم، وفيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكافرين وبالعرض للعصاة. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أتبع الوعيد بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة، ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إلى ما جعل خبراً له.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما هزموا تذكيراً لهم بنعمة الله {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ } موضع بين مكة والمدينة {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } بقلة العدد والسلاح {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمه.
ابن عطية
تفسير : لما أمر الله تعالى بالتوكل عليه، ذكر بأمر "بدر" الذي كان ثمرة التوكل على الله والثقة به، فمن قال من المفسرين إن قول النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: {ألن يكفيكم}. كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر "بدر" وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرضاً على الجد والتوكل على الله، ومن قال: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: {ألن يكفيكم} الآية، إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر} إلى {تشكرون} اعتراضاً بين الكلام جميلاً، والنصر ببدر هو المشهور الذي قتل فيه صناديد قريش، وعلى ذلك اليوم انبنى الإسلام، وكانت "بدر" يوم سبعة عشر من رمضان يوم جمعة لثمانية عشر شهراً من الهجرة، و"بدر" ماء هنالك سمي به الموضع، وقال الشعبي: كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمى بدراً فبه سمي، قال الواقدي: فذكرت هذا لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا: بأي شيء سميت الصفراء والجار وغير ذلك من المواضع؟ قال وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري فقال: سمعت شيوخاً من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا وما ملكه أحد قط يقال له بدر، وما هو من بلاد جهينة إنما هي بلاد غفار، قال الواقدي: فهذا المعروف عندنا، وقوله تعالى: {وأنتم أذلة} معناه قليلون، وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلاً، وكان عدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف، و {أذلة} جمع ذليل، واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة، ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض يقتضي عند التأمل ذلتهم، وأنهم مغلوبون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم: حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبدتفسير : ، وهذه الاستعارة كاستعارة الكذب في قوله في الموطأ، كذب كعب، وكقوله كذب أبو محمد، وكاستعارة المسكنة لأصحاب السفينة على بعض الأقوال، إذ كانت مسكنتهم بالنسبة إلى الملك القادر الغاصب، ثم أمر تعالى المؤمنين بالتقوى، ورجاهم بالإنعام الذي يوجب الشكر، ويحتمل أن يكون المعنى: اتقوا الله عسى أن يكون تقواكم شكراً على النعمة في نصره ببدر. وقوله تعالى: {إذ تقول} العامل في {إذ} فعل مضمر، ويحتمل أن يكون العامل {نصركم} وهذا على قول الجمهور: إن هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم كان ببدر قال الشعبي والحسن بن أبي الحسن وغيرهما إن هذا كان ببدر، قال الشعبي بلغ المؤمنين أن كرز بن جابر بن حسل المحاربي محارب فهر، قد جاء في مدد للمشركين، فغم ذلك المؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين عن أمر الله تعالى، هذه المقالة فصبر المؤمنون واتقوا، وهزم المشركون وبلغت الهزيمة كرزاً ومن معه فانصرفوا ولم يأتوا من فورهم، ولم يمدّ المؤمنون بالملائكة، وكانت الملائكة بعد ذلك تحضر حروب النبي صلى الله عليه وسلم مدداً، وهي تحضر حروب المسلمين إلى يوم القيامة. قال القاضي: وخالف الناس الشعبي في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت بدراً وقاتلت، ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة، لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى، ومنه حديث الغفاري وابن عمه اللذين سمعا من الصحابة، أقدم حيزوم فانكشف قناع قلب أحدهما فمات مكانه، وتماسك الآخر، وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام إلا يوم بدر، وكانوا يكونون في سائر الأيام عدداً ومدداً لا يضربون، ومن ذلك قول أبي سفيان بن الحارث لأبي لهب: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون، وعلى ذلك فوالله ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئاً ولا يقوم لها شيء، ومن ذلك أن أبا اليسر كعب بن عمرو الأنصاري أحد بني سلمة أسر يوم بدر العباس بن عبد المطلب وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً وكان العباس رجلاً طويلاً جسيماً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لقد أعانك عليه ملك كريم، الحديث بطولهتفسير : ، وقد قال بعض الصحابة: كنت يوم بدر أتبع رجلاً من المشركين لأضربه بسيفي فلما دنوت منه وقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعلمت أن ملكاً قتله، وقال قتادة ابن دعامة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف من الملائكة، قال الطبري: وقال آخرون: إن الله وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدهم في حروبهم كلها إن صبروا واتقوا، فلم يفعلوا ذلك إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم حين حاصروا قريظة، ثم أدخل تحت هذه الترجمة عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: حاصرنا قريظة مدة فلم يفتح علينا فرجعنا، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا بغسل يريد أن يغسل رأسه، إذ جاءه جبريل عليه السلام فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها فلف رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بخرقة ولم يغسله، ونادى فينا فقمنا كالين متعبين، حتى أتينا قريظة والنضير، فيؤمئذ أمدنا الله بالملائكة بثلاثة آلاف، وفتح لنا فتحاً يسيراً، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل، وقال عكرمة: كان الوعد يوم بدر، فلم يصبروا يوم أحد ولا اتقوا، فلم يمدوا ولو مدوا لم يهزموا، وقال الضحاك: كان هذا الوعد والمقالة للمؤمنين يوم أحد، ففر الناس وولوا مدبرين فلم يمدهم الله، وإنما مدوا يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، وقال ابن زيد: قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهم ينتظرون المشركين: يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: {ألن يكفيكم} الآية وإنما أمدهم يوم بدر بألف قال ابن زيد: فلم يصبروا، وقوله تعالى: {ألن يكفيكم} تقرير على اعتقادهم الكفاية في هذا العدد من الملائكة، ومن حيث كان الأمر بيناً في نفسه أن الملائكة كافية، بادر المتكلم إلى الجواب ليبني ما يستأنف من قوله عليه فقال: {بلى} وهي جواب المقررين، وهذا يحسن في الأمور البينة التي لا محيد في جوابها، ونحوه قوله تعالى: {أية : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} تفسير : [الأنعام: 19] وفي مصحف أبي بن كعب، "ألا يكفيكم" وقد مضى القول في قوله: {أية : ويمدهم في طغيانهم} تفسير : [البقرة: 15] وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "بثلاثة آلاف"، يقف على الهاء، وكذلك "بخمسة آلاف"، ووجه هذه القراءة، ضعيف، لأن المضاف والمضاف إليه يقتضيان الاتصال، إذ هما كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال للأول، والهاء إنما هي أمارة وقف، فيقلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع، فمن ذلك ما حكاه الفراء أنهم يقولون: أكلت لحماً، شاة، يريدون لحم شاة فمطلوا الفتحة حتى نشأت عنها ألف، كما قالوا في الوقف، قالا: يريدون قال: ثم مطلوا الفتحة في القوافي ونحوها من مواضع الروية والتثبت، ومن ذلك في الشعر قول الشاعر: [عنترة]: [الرجز]: شعر : يَنْبَاعُ مِنْ ذفْرَى غضوبٍ جسرة تفسير : يريد ينبع فمطل ومنه قول الآخر: [الرجز] شعر : أقول إذ جرت على الكلكال يا ناقتا ما جُلْتِ مِن مَجَالِ تفسير : يريد على الكلكل، فمطل ومنه قول الآخر: [لابن هرمة]: [الوافر] شعر : فَأَنْـتَ مِنَ الْغَوَائِلِ حِينَ تَرْمي وَمِنْ ذمِّ الرجالِ بِمُنْتَزاحِ تفسير : يريد بمنتزح، قال أبو الفتح: فإذا جاز أن يعترض هذا التمادي بين أثناء الكلمة الواحدة، جاز التمادي والتأني بين المضاف والمضاف إليه إذ هما في الحقيقة اثنان، وقرأ ابن عامر وحده: "منَزَّلين" بفتح النون والزاي مشددة، وقرأ الباقون: منزلين بسكون النون وفتح الزاي مخففة، وقرأ ابن أبي عبلة: "منَزِّلين" بفتح النون وكسر الزاي مشددة، معناها: ينزلون النصر، وحكى النحاس قراءة ولم ينسبها: "منْزِلين" بسكون النون وكسر الزاي خفيفة، وفسرها بأنهم ينزلون النصر. و {بلى} - جواب للنفي الذي في {ألن} وقد تقدم معناه، ثم ذكر تعالى الشرط الذي معه يقع الإمداد وهو الصبر، والتقى. و"الفور": النهوض المسرع إلى الشي مأخوذ من فور القدر والماء ونحوه، ومنه قوله تعالى: {أية : وفار التنور} تفسير : [هود: 40] فالمعنى ويأتوكم في نهضتكم هذه، قال ابن عباس: {من فورهم هذا}: معناه من سفرهم هذا، قال الحسن والسدي: معناه، من وجههم هذا، وقاله قتادة، وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح مولى أم هاني: من غضبهم هذا. قال القاضي: وهذا تفسير لا يخص اللفظة قد يكون "الفور" لغضب ولطمع ولرغبة في أجر، ومنه الفور في الحج والوضوء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم: "مسوِّمين"، بكسر الواو، وقرأ الباقون: "مسوَّمين" بفتح الواو، فأما من قرأ بفتح الواو فمعناه: معلمين بعلامات، قال أبو زيد الأنصاري: "السومة" العلامة تكون على الشاة وغيرها يجعل عليها لون يخالف لونها لتعرف، وروي أن الملائكة أعلمت يومئذ بعمائم بيض، حكاه المهدوي عن الزجّاج، إلا جبريل عليه السلام فإنه كان بعمامة صفراء على مثال عمامة الزبير بن العوام، وقاله ابن إسحاق، وقال مجاهد: كانت خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن، وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق، وقال عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير: نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر، وقال ذلك عروة وعبد الله ابنا الزبير: وقال عبد الله: كانت ملاءة صفر فاعتم الزبير بها، ومن قرأ: "مسوِّمين" بكسر الواو، فيحتمل من المعنى مثل ما تقدم، أي هم قد أعلموا أنفسهم بعلامة وأعلموا خيلهم، ورجح الطبري وغيره هذه القراءة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين يوم بدر: حديث : سوِّموا فإن الملائكة قد سوَّمت، فهم على هذا مسومون تفسير : ، وقال كثير من أهل التفسير: إن معنى "مسوِّمين"، بكسر الواو أي هم قد سوموا خيلهم: أي أعطوها سومها من الجري والقتال والإحضار فهي سائمة، ومنه سائمة الماشية، لأنها تركت وسومها من الرعي، وذكر المهدوي هذا المعنى في "مسوَّمين" بفتح الواو أي أرسلوا وسومهم. قال القاضي: وهذا قلق: وقد قاله ابن فورك أيضاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِبَدْرٍ} اسم ماء سمي باسم صاحبه "بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة" أو سمي بذلك من غير إضافة إلى صاحب. {أَذِلَّةٌ} ضعفاء عن مقاومة العدو، أو قليل عددكم ضعيف حالكم، كان المهاجرون يومئذ سبعة وسبعين، وكانت الأنصار مائتين وستة وثلاثين، والمشركون ما بين تسعمائة وألف.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ } وهو اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به، أو ذكر بدراً بعد أحد للجمع بين الصبر والشكر. {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } لقلة العدد فإنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم زهاء ألف مقاتل والعدد، فإنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد، ومع عدوهم مائة فرس والشكة والشوكة. وجاء بجمع القلة وهو «أذلة» ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلاً «فاتّقوا اللّه» في الثبات مع رسوله {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } بتقواكم ما أنعم الله به عليكم من النصر {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ظرف لـ «نصركم» على أن يقول لهم ذلك يوم بدر أي نصركم الله وقت مقالتكم هذه، أو بدل ثانٍ من «إذ غدوت» على أن تقول لهم ذلك يوم أحد {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰئِكَةِ مُنزَلِينَ} «منزّلين» شامي. «مُنزلِين» أبو حيوة أي للنصرة. ومعنى «ألن يكفيكم» إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وجيء بـ «لن» الذي هو لتأكيد النفي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر {بَلَىٰ } إيجاب لما بعد« لن» أي يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية. ثم قال {إِن تَصْبِرُواْ } على القتال {وَتَتَّقُواْ } خلاف الرسول عليه السلام {وَيَأْتُوكُمْ } يعني المشركين {مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } هو من فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة ثم سميت بها الحالة التي لا ريث بها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل «خرج من فوره» كما تقول «من ساعته لم يلبث» ومنه قول الكرخي «الأمر المطلق على الفور لا على التراخي» والمعنى إن يأتوكم من ساعتهم هذه {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالافٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰـئِكَةِ } في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم يعني أن الله تعالى يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم {مُسَوِّمِينَ } بكسر الواو: مكي وأبو عمر وعاصم وسهل أي معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامة يعون بها في الحرب. والسومة العلامة. عن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها. غيرهم: بفتح الواو أي معلمين. قال الكلبي: معلين بعمائم صفر مرخاة على اكتافهم، وكانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك. قال قتادة: نزلت ألفاً فصاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } الضمير يرجـع إلى الإمداد الذي دل عليه «أن يمدكم» {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ } أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } لا من عند المقاتلة ولا من عند الملائكة ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة {ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغالب في أحكامه {ٱلْحَكِيمُ } الذي يعطي النصر لأوليائه ويبتليهم بجـهاد أعدائه. واللام في {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش متعلقه بقوله: «ولقد نصركم الله». أو بقوله: «وما النصر إلا من عند الله». أو بـ «يمددكم ربكم» {أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، وحقيقة الكبت شدَّة وهن تقع في القلب فيصرع في الوجه لأجله {فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ } فيرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ } اسم ليس «شيء» والخبر «لك» و«من الأمر» حال من «شيء» لأنها صفة مقدمة {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } عطف على «ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم» و«وليس لك من الأمر شيء» اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ } إن أصروا على الكفر وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم. وعن الفراء «أو» بمعنى «حتى». وعن ابن عيسى بمعنى إلا أن كقولك لألزمنك أو تعطيني حقي أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. وقيل: أراد أن يدعو عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه أن فيهم من يؤمن {فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ } مستحقون للتعذيب. {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي الأمر له لا لك لأن ما في السمٰوات وما في الأرض ملكه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} للمؤمنين {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} الكافرين {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } «مضعفَّة» مكي وشامي. هذا نهي عن الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله يقول: إما أن تقضي حقي أو تربي وتزيد في الأجل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في أكله {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه، وقد أمد ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله بقوله {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وفيه رد على المرجئة في قولهم «لا يضر مع الإيمان ذنب ولا يعذب بالنار أصلاً» وعندنا غير الكافرين من العصاة قد يدخلها ولكن عاقبة أمره الجنة. وفي ذكره تعالى «لعل» و «عسى» في نحو هذه المواضع وإن قال أهل التفسير إن «لعل» و «عسى» من الله للتحقيق، ما لا يخفى على العارف من دقة مسلك التقوى وصعوبة إصابة رضا الله تعالى وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه. {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } «سَارَعوا»: مدني وشامي. فمن أثبت الواو عطفها على ما قبلها، ومن حذفها استأنفها. ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يوصل إليهما. ثم قيل: هي الصلوات الخمس أو التكبيرة الأولى، أو الطاعة، أو الإخلاص، أو التوبة، أو الجمعة والجماعات. {عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ} أي عرضها عرض السماوات والأرض كقوله: {أية : عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ }تفسير : [الحديد: 21]. والمراد وصفها بالسعة والبسط فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه. وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وما روي أن الجنة في السماء السابعة أو في السماء الرابعة فمعناه انها في جهتها لا أنها فيها أو في بعضها كما يقال في الدار بستان وإن كان يزيد عليها لأن المراد أن بابه إليها {أُعِدَّتْ } في موضع جر صفة لـ «جنة» أيضاً أي جنة واسعة معدة {لّلْمُتَّقِينَ } ودلت الآيتان على أن الجنة والنار مخلوقتان. ثم المتقي من يتقي الشرك كما قال {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } تفسير : [الحديد: 21] أو من يتقي المعاصي فإن كان المراد الثاني فهي لهم بغير عقوبة، وإن كان الأول فهي لهم أيضاً في العاقبة، ويوقف عليه إن جعل {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَٱلضَّرَّاءِ} في حال اليسر والعسر مبتدأ وعطف عليه «والذين إذا فعلوا فاحشة» وجعل الخبر «أولئك». وإن جعل وصفاً للمتقين وعطف عليه «والذين إذا فعلوا فاحشة» أي أعدت للمتقين والتائبين فلا وقف. فإن قلت: الآية تدل على أن الجنة معدة للمتقين والتائبين دون المصرين. قلت: جاز أن تكون معدة لهما ثم يدخلها بفضل الله وعفوه غيرهما كما يقال «أعدت هذه المائدة للأمير» ثم قد يأكلها أتباعه. ألا ترى أنه قال {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [آل عمران:131] ثم قد يدخلها غير الكافرين بالاتفاق، وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين. وقيل: المراد الإنفاق في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } والممسكين الغيظ عن الإمضاء يقال كظم القربة إذا امتلأها وشد فاها، ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً. والغيظ: توقد حرارة القلب من الغضب، وعن النبي عليه السلام "حديث : من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً"تفسير : {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } أي إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي «حديث : ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا»تفسير : وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، أو للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء. عن الثوري: الإحسان أن تحسن إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة. {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } فعلة متزايدة القبح، ويجوز أن يكون و«والذين» مبتدأ خبره «أولئك» {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } قيل: الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، أو الفاحشة الزنا وظلم النفس القبلة واللمسة ونحوهما {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } فتابوا عنها لقبحهما نادمين. قيل: بكى إبليس حين نزلت هذه الآية {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } «من» مبتدأ و«يغفر» خبره، وفيه ضمير يعود إلى «من» و«إلا الله» بدل من الضمير في «يغفر» والتقدير: ولا أحد يغفر الذنوب إلا الله، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلّت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم. {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } ولم يقيموا على قبيح فعلهم والإصرار الإقامة قال عليه السلام «حديث : ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» تفسير : وروي «حديث : لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» تفسير : {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } حال من الضمير في «ولم يصروا» أي وهم يعلمون أنهم أساؤوا، أو وهم يعلمون أنه لا يغفر ذنوبهم إلا الله {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون {جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } بتوبته {وَجَنَّـٰتٍ } برحمته {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات، نزلت في تمار قال لامرأة تريد التمر: في بيتي تمر أجود، فأدخلها بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فندم. أو في أنصاري استخلفه ثقفي وقد آخى بينهما النبي عليه السلام في غيبة غزوة فأتى أهله لكفاية حاجة فرآها فقبلها فندم فساح في الأرض صارخاً فاستعتبه الله تعالى. {قَدْ خَلَتْ } مضت {مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } يريد ما سنه الله تعالى في الأمم المكذبين من وقائعه {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } فتعتبروا بها هذا أي القرآن أو ما تقدم ذكره {بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى } أي إرشاد {وَمَوْعِظَةٌ} ترغيب وترهيب {لّلْمُتَّقِينَ } عن الشرك {وَلاَ تَهِنُواْ } ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم من الهزيمة {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما فاتكم من الغنيمة أو على من قتل منكم أو جرح، وهو تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية لقلوبهم {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، أو وأنتم الأعلون بالنصر والظفر في العاقبة وهي بشارة لهم بالعلو والغلبة وإن جندنا لهم الغالبون، أو وأنتم الأعلون شأناً لأن قتالكم لله ولإعلاء كلمته وقتاً لهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر، أو لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } متعلق بالنهي أي ولا تهنوا إن صح إيمانكم يعني أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد الله وقلة المبالاة بأعدائه، أو بـ «الأعلون» أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله به ويبشركم به من الغلبة. {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } بضم القاف حيث كان: كوفي غير حفص. ويفتح القاف: غيرهم. وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: بالفتح الجراحة وبالضم ألمها {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } أي إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى القتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا {وَتِلْكَ } مبتدأ {ٱلأَيَّامُ} صفته والخبر {نُدَاوِلُهَا } نصرفها {بَيْنَ ٱلنَّاسِ } أي نصرف ما فيها من النعم والنقم نعطي لهؤلاء تارة وطوراً لهؤلاء كبيت الكتاب: شعر : فيوماً علينا ويوماً لنا ويوماً نساء ويوماً نسر تفسير : {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي نداولها لضروب من التدبير وليعلم الله المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم قبل الوجود {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} وليكرم ناساً منكم بالشهادة يريد المستشهدين يوم أحد، أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة من قوله {أية : لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ }تفسير : [البقرة: 143] {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } اعتراض بين بعض التعليل وبعض، ومعناه والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } التمحيص: التطهير والتصفية {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ويهلكهم يعني إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم} {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي لا تحسبوا {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } أي ولما تجاهدون لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة لأنه منتف بانتفائه، تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه. و«لما» بمعنى «لم» إلا أن فيه ضرباً من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } نصب بإضمار «أن» والواو بمعنى الجمع نحو «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»، أو جزم للعطف على «يعلم الله»، وإنما حركت الميم لالتقاء الساكنين واختيرت الفتحة لفتحة ما قبلها. {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } خوطب به الذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوا كرامة الشهادة، وهم الذين ألحوا على رسول الله في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة، يعني وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم وشارفتم أن تقتلوا، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه. وإنما تمنوا الشهادة لينالوا كرامة الشهداء من غير قصد إلى ما يتضمنه من غلبة الكفار كمن شرب الدواء من طبيب نصراني فإن قصده حصول الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو الله وتنفيقاً لصناعته. لما رمى ابن قميئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته أقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير ــ وهو صاحب الراية ــ حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلت محمداً وخرج صارخ ــ قيل هو الشيطان ــ ألا إن محمداً قد قتل. ففشا في الناس خبر قتله فانكفئوا وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: «حديث : إليّ عباد الله» تفسير : حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فولينا مدبرين فنزل {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ } مضت {مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر قومه {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبيب، والهمزة لأنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد عليه السلام لا للانقلاب عنه، والانقلاب على العقبين مجاز عن الارتداد أو عن الانهزام {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً } وإنما ضر نفسه {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } الذين لم ينقلبوا، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا. {وَمَا كَانَ } وما جاز {لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي بعلمه أو بأن يأذن ملك الموت في قبض روحه، والمعنى أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله، وفيه تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء العدو، وإعلام بأن الحذر لا ينفع، وأن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك {كِتَـٰباً } مصدر مؤكد لأن المعنى كتب الموت كتاباً {مُّؤَجَّلاً } مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر {وَمَن يُرِدْ} بقتاله {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } أي الغنيمة وهو تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد {نُؤْتِهِ مِنْهَا } من ثوابها {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ } أي إعلاء كلمة الله والدرجة في الآخر {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ } وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد. {وَكَأَيّن } أصله أي دخل عليه كاف التشبيه وصارا في معنى «كم» التي للتكثير. وكائن بوزن كاع حيث كان: مكي {مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ } «قتل»: مكي وبصري ونافع. {مَعَهُ } حال من الضمير في قتل أي قتل كائناً معه {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } والربيون الربانيون. وعن الحسن بضم الراء وعن البعض بفتحها، فالفتح على القياس لأنه منسوب إلى الرب، والضم والكسر من تغييرات النسب {فَمَا وَهَنُواْ } فما فتروا عند قتل نبيهم {لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ } عن الجهاد بعده {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } وما خضعوا لعدوهم، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن عند الإرجاف بقتل رسول الله عليه السلام واستكانتهم لهم حيث أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على جهاد الكافرين. {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } أي وما كان قولهم إلا هذا القول وهو إضافة الذنوب إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضماً لها {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } تجاوزنا حد العبودية {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } في القتال {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } بالغلبة. وقدم الدعاء بالاستغفار من الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على الأعداء، لأنه أقرب إلى الإجابة لما فيه من الخضوع والاستكانة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ...} لمَّا أمر اللَّه سبحانه بالتوكُّل عليه، ذَكَّر بأَمْر بَدْرٍ الذي كان ثَمَرَتُهُ التوكُّلَ عَلَى اللَّه سبحانه، والثِّقَةَ به. وقوله سبحانه: {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ}: معناه: قليلون، وٱسْمُ الذُّلِّ في هذا الموضع: مستعارٌ؛ إذ نسبتهم إلى عدوِّهم، وإلى جميعِ الكفَّار في أقطار الأرض تَقْتَضِي عند المتأمِّل ذِلَّتَهُمْ، وأنهم مغلوبُونَ؛ رَوَى ٱبْنُ عمرو «حديث : أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلاَثِمِائَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ حُفَاةٌ، فَٱحْمِلْهُم، اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عُرَاةٌ، فَٱكْسُهُم، اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ جِيَاعٌ، فَأَشْبِعْهُمْ»، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَٱنْقَلَبُوا حِينَ ٱنْقَلَبُوا، وَمَا فِيهِمْ رجُلٌ إلاَّ قَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أوْ جمَلَيْنِ، وَٱكْتَسَوْا، وَشَبِعُوا» تفسير : رواه أبو داود، والحاكمُ في «المستدرك على الصَّحيحَيْن»، واللفظ له، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخَيْن. اهـــ من «السلاح». وقوله سبحانه: {إِذْ تَقُولُ}: العاملُ في «إذ» فعلٌ مضمرٌ، ويحتملُ أنْ يكون العاملُ «نَصَرَكُمْ»، وعلَىٰ هذا قولُ الجمهورِ؛ أَنَّ هذا القولَ مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ ببَدْرٍ، قال ابنُ عبَّاس: لم تقاتِلِ الملائكةُ في يَوْمٍ من الأيامِ إلا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانوا يكونون في سائرِ الأيام عدَداً ومَدداً لا يَضْرِبُون، قال الشَّعْبِيُّ: وهم يحضرون حروبَ المُسْلمين إلى يَوْمِ القيامة، وقال قتادة: أمد اللَّه المؤمنين يَوْمَ بَدْر بخَمْسَة آلاف، قال عِكْرِمَةُ: كان الوعْدُ يوْمَ بدرٍ، فلم يصْبروا يَوْمَ أُحُدٍ، ولا ٱتقَوْا، فلم يُمَدُّوا، ولَوْ مُدُّوا، لَمْ يهزموا، وقال الضَّحَّاك، وابنُ زيدٍ: إنما كان هذا الوعدُ والمقالة للمؤمنين يوم أحُدٍ، ففَرَّ الناس، ووَلَّوْا مدبرين، فلم يمدَّهم اللَّه، وإنما مُدَّوا يوم بدر بألفٍ من الملائكة مُرْدِفِينَ، والفَوْرُ: النهوضُ المُسْرِعُ إلى الشيء؛ مأخوذ من فَوْرِ القِدْرِ، والماءِ ونحوِهِ؛ ومنْه: الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ و {مُسَوِّمِينَ}: معناه: مُعْلِمِينَ بعَلاَماتٍ، وروي أنَّ الملائكةَ أَعْلَمَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بعمائمَ بِيضٍ إلاَّ جِبْرِيل؛ فإنه كان بِعَمَامَةٍ صَفْرَاءَ علَىٰ مثالِ عَمَامَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ للمسلمينَ يَوْمَ بَدْرٍ: «حديث : سُوِّمُوا؛ فَإنَّ المَلاَئِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ».
ابن عادل
تفسير : في كيفية النظم وجهان: أحدهما: أنه - تعالى - لمَّا ذكر قصةَ أحُد أتبعها بقصة بدر؛ لأن المشركين كانوا في غاية القوة، ثم سلط المسلمين عليهم، فصار ذلك دليلاً على أن العاقل يجب أن لا يتوسل إلى غرضه إلا بالتوكل على الله، ويكون ذلك تأكيداً لقوله: {أية : وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} تفسير : [آل عمران: 120]، وقوله: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُون}تفسير : [آل عمران: 122]. الثاني: أنه - تعالى - حكى عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل، ثم قال: {أية : وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [آل عمران: 122]. يعني: من كان الله ناصراً له ومعيناً له فكيف يليق به الفشل؟ ثم أكَّد ذلك بقصة بدر؛ فإن المسلمين كانوا في غاية الضعف، ولكن لمَّا كان الله تعالى ناصراً لهم، فازوا بمطلوبهم، وقهروا خصومهم، فهذا وجه النظم. والنصر: العون، نصرهم الله يوم بدر، وقتل فيه صناديد المشركين، وعلى ذلك اليوم ابتني الإسلام، وكان أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: {بِبَدْرٍ} متعلق بـ {نَصَرَكُمُ}، وفي الباء - حينئذ - قولان: أحدهما: - وهو الأظهر -: أنها ظرفية، أي: في بدر، كقولك: زيد بمكة، أي: في مكة. الثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها باء المصاحبة، فمحلُّها النصب على الحال، أي: مصاحبين لبدر، و "بدر": اسم لماء بين مكة والمدينة، سُمِّي بذلك لصفائه كالبدر. وقيل: لاستدارته وقيل: اسم بئر لرجل يقال له: بدر، وهو بدر بن كلدة، قاله الشعبي، وأنكر عليه بذكر الله - تعالى - مِنَّتَه عليهم بالنُّصْرَةِ يوم بدر وقيل: إنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه. قاله الواقدي وشيوخه. وقيل: اسم وادٍ, وكان يوم بدر السابع عشر من رمضان وكان يوم الجمعة، لثمانية وعشرين شهراً من الهجرة. قوله: {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} في محل نصب على الحال من مفعول: {نَصَرَكُمُ} و {أَذِلَّةٌ} جمع ذليل وهو جمع قلة؛ إشعاراً بقلتهم مع هذه الصفة، و "فعيل" الوصف - قياس جمعه على فعلاء، كظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء، إلا أنه تُرِك في المضعَّف؛ تخفيفاً ألا ترى إلى ما يؤدي إليه جمع ذليل وخليل على ذُللاء وخُللاء من الثقل؟ فإن قيل: قال الله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين} تفسير : [المنافقون: 8] فما معنى قوله: {وَأنْتُمْ أَذِلَّةٌ}؟ فالجواب من وجوه: الأول: أنه بمعنى: القلة وضعف الحال، وقلة السلاح والمال، وعدم القدرة على مقاومة العدو، وأن نقيضه العِز، وهو القوة والغلبة. رُوِيَ أن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ولم يكن فيهم إلا فرس واحد، وأكثرهم رَجَّالة، وربما كان الجمع منهم يركبون جَمَلاً واحداً، والكفار كانوا قريبين من ألف مقاتل، ومعهم مائة فرس، مع الأسلحة الكثيرة، والعُدَّة الكاملة. قال القرطبيُّ: واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزَّة، لكن نسبتهم إلى عدوهم، وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض، تقتضي عند التأمل ذِلّتَهُمْ، وأنهم يغلبون. الثاني: لعل المراد: أنهم كانوا أذلة في زَعْم المشركين، واعتقادهم؛ لأجل قلة عددهم، وسلاحهم وهو مثل ما حكى الله - تعالى - عن الكفار قولهم: {أية : لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} تفسير : [المنافقون: 8]. الثالث: أن الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار بمكة في قوتهم، وثروتهم، إلى ذلك الوقت، ولم يَبْقَ للصحابة عليهم استيلاء، فكانت هيبتهم باقية في قلوبهم، فلهذا السبب كانوا يهابونهم ويخافونهم. ثم قال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: في الثَّباتِ مع رسوله. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} بتقواكم ما أنعم الله به عليكم من نصرته، أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام؛ لأنه سبب له. قوله: {إذْ تَقُولُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار اذكر. الثاني: إن قلنا: إن هذا الوعد حصل يوم بَدْر، فالعامل في "إذْ" قوله: {نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} والتقدير: إذ نصركم الله ببدر، وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين. وإن قلنا: إن هذا الوعد حصل يوم أُحُد، فيكون بَدَلاً من قوله: {أية : إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ} تفسير : [آل عمران: 122]، فهذه ثلاثة أوجه. فصل رُوِي عن ابن عبَّاسٍ والكَلْبِيِّ والواقِدِيِّ ومُقَاتِلٍ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ: أنه يوم أُحُد، لوجوه: أحدها: أن يوم بدر إنما أمِدَّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم بألف من الملائكة لقوله: {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَة} تفسير : [الأنفال: 9]، فكيف يليق به ما ذكر فيه ثلاثة آلاف، وخمسة آلاف؟ وثانيها: أن الكفارَ كانوا يوم بدر ألفاً، وما يقرب منه، والمسلمون كانوا على الثلث منهم؛ لأنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، فأنزل الله تعالى يوم بدر ألفاً من الملائكة، فصار عدد الكُفَّار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين، فلا جرم، وقعة الهزيمة على الكفار، فكذلك يوم اُحُد، كان عدد المسلمين ألفاً، وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فكان عدد المسلمين على الثلث من عدد الكفار في هذا اليوم، فوعدهم الله في هذا اليوم أن ينزل ثلاثة آلاف من الملائكة؛ ليصير عدد الكفار مقابلاً لعدد الملائكةِ، مع زيادة عدد المسلمين، فيصير ذلك دليلاً على أن المسلمين يهزمونهم، كما هزموهم يوم بدر، ثم جعل الثلاثة آلاف خمسة آلاف لتزداد قوة المسلمين في هذا اليوم ويزول الخوف عن قلوبهم. وثالثها: أنه قال في هذه الآية: {وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}. والمراد: ويأتيكم أعداؤكم من فورهم، ويوم أحُد هذا اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء، فأما يوم بدر، فإنهم لم يأتوهم، بل هم ذهبوا إلى الأعداء. فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم وعدهم بخمسة آلاف يوم أُحُد، فحصول الإمداد بثلاثة آلاف يلزم منه الخلف في الوعد؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن إنزال الآلاف الخمسة، كان مشروطاً بأن يصبروا، ويتَّقوا في المغانم، فَخَالَفُوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فلما فات الشرط، فات المشروط، وأمَّا إنزال الآلاف الثلاثة، فقد وَعَدَ المؤمنين بها حين بوَّأهُم مقاعدَ القتال. الثاني: أنا لا نسلم أنَّ الملائكة ما نزلت. روى الواقدي عن مجاهد قال: حضرت الملائكة يومَ أُحُد، ولكنهم لم يقاتلوا، ورُوِيَ حديث : أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى اللواءَ مُصْعَبَ بن عُمَيْر، فقُتِل مُصْعَبٌ، فأخذه ملك في صورة مُصْعَب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقدم يا مصعب، فقال الملك: لستُ بمُصعَب، فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مَلَك أمِدَّ به . تفسير : وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهمَ يومئذٍ، فيرد علي رجل أبيض، حسن الوجه، وما كنت أعرفه، وظننت أنه مَلَك. فعلى هذا القول يكون قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} مُعْتَرِضاً بين الكلامين. وقال قتادة: أمدَّهم الله يوم بدر بألفٍ من الملائكة، على ما قال: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَة} تفسير : [الأنفال: 9]، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسةَ آلاف، كما قال هاهنا: {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ} [آل عمران: 125]، فصبروا يوم بدر واتقوا، فأمدم الله بخمسة آلاف كما وعد، ويدل على ذلك أنَّ قلة العَدَد والعُدَد كانت يومَ بدر أكثر، فكان الاحتياج إلى المَدَد يقوي القلب - في ذلك اليوم - أكثرَ، فصَرْف الكلام إليه أوْلَى؛ ولأن الوعدَ بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقاً، غير مشروط بشرطٍ، فوجب أن يحصل، وإنَّما حصل يوم بدر، لا يوم أُحُد، وليس لأحد أن يقول: إنهم نزلوا، لكن ما قاتلوا؛ لأنهم وُعِدوا بالإمداد، وبمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد، بل لا بدّ من الإعانة، والإعانة حصلت يوم بدر، لا يوم أُحُد. وأما الجواب عن أدلة الأولين، فأما قولهم - في الحُجَّة الأولى - إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، إنما أمِدَّ يَوْمَ بدر بألف، فالجواب من وجهين: الأول: أنه - تعالى - أمد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بألف، ثم زاد فيهم ألفين، فصاروا ثلاثةَ آلاف، ثم زاد ألفين آخرين، فصاروا خمسةَ آلاف فكأنه صلى الله عليه وسلم قال لهم:حديث : ألن يكفيكم أن يُمِدَّكُم رَبُّكم بثلاثة آلاف؟ فقالوا: بلى فقال لهم: إن تصبروا وتتقوا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بخمسة آلافٍ . تفسير : الثاني: أن أهل بدر إنَّما أمِدُّوا بألْف - على ما ذكر في سورة الأنفال ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قُرَيْش بعدد كثير، فخافوا، وشَقَّ عليهم ذلك، لقِلَّة عددهم، فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءَهم مدد، فأنا أمِدُّكم بخمسة آلاف من الملائكة، ثم إنه لم يأتِ قريشاً ذلك المدد بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قُرَيشٍ، فاستغنى إمداد المسلمين عن الزيادة على الألف. وأما قولهم: إن الكفارَ كانوا - يوم بَدْرٍ - ألْفاً، فأنزل الله تعالى ألفاً من الملائكة، ويوم أُحُد كانوا ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثةَ آلاف، فهذا لا يوجب أن يكون الأمر كذلك، بل يفعل الله ما يشاء من زيادةٍ ونَقْصٍ بحسب ما يريد، وأما التمسك بقوله: {وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ} فالجواب: أن المشركين لمّا سمعوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه قد تعرَّضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم، واجتمعوا، وقصدوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ثم إن الصحابةَ لما سمعوا ذلك، خافوا فأخبر الله تعالى أنهم إن يأتوكم من فَوْرِهم يُمْدِدكم بخمسةِ آلاف من الملائكة. فصل قال القرطبيُّ: "نزول الملائكة سبب من أسباب النصر، لا يحتاج إليه الرَّبُّ تعالى، وإنما يحتاج إليه المخلوق، فلْيَعْلَق القلبُ بالله، ولْيَثِقْ به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون}تفسير : [يس: 82]، لكن أخبر بذلك ليمتثل الخَلْقُ ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلا} تفسير : [الأحزاب: 62]، ولا يقدح ذلك في التوكُّل، وهو رَدٌّ على مَنْ قال: إن الأسبابَ إنما سُنَّتْ في حَقِّ الضعفاء، لا الأقوياء؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا أقوياءَ، وغيرهم هم الضعفاء، وهذا واضح". فصل في اختلافهم في عدد الملائكة اختلفوا في عدد الملائكة، فمن الناس مَنْ ضَمَّ العدد الناقص إلى العدد الزائد؛ فقالوا: الوعد بإمداد الثلاثة لا شرط فيه، والوعد بإمداد الخمسة مشروط بالصبر والتَّقْوَى، ومجيء الكفار من فورهم، فلا بد من التغاير، وهذا القول ضعيف، لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة، أن تكون الثلاثة التي هي جزؤها مشروطة بذلك الشرط. ومنهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد. فعلى القول الأول إن حَمَلْنا الآية على قصة بدر، كان عدد الملائكة تسعة آلاف؛ لأنه تعالى ذكر الألف وذكر ثلاثة آلاف، وذكر خمسة آلاف، فالمجموع تسعة آلاف. وإن حملناها على قِصَّة أُحُدٍ، فإنما فيها ذكر الثلاثة والخمسة، فيكون المجموع ثمانية آلاف. وعلى القول الثاني: وهو إدخال الناقص في الزائد، فإن حملنا الآية على قصة بدر، فقالوا: عدد الملائكة: خمسة آلاف؛ لأنهم وُعِدوا بالألف، ثم ضُمَّ إليه الألفان، فصاروا ثلاثةً، ثم ضُمَّ إليه ألفان، فلا جرم، وعدوا بخمسة آلاف. وقد رُوِيَ "حديث : أن أهْلَ بَدْر أمِدُّوا بألْف، فقيل: إن كُرْز بن جابر المحاربيّ يريد أن يُمِدَّ المشركين، فشَقَّ ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ" تفسير : يعني بتقدير أن يجيء المشركين مَدَدٌ، فالله - تعالى - يمدكم - أيضاً - بثلاثة آلاف وخمسة آلاف، ثم إن المشركين ما جاءهم المَدَدُ. وإن حملناها على قصة أُحُد، فيكون عدد الملائكة ثلاثة آلاف؛ لأن الخمسةَ، وعدوا بها بشرط أن يَصْبروا ويتقوا، ويأتوهم من الفور. فصل أجمع المفسرون وأهلُ السِّير على أن الله - تعالى - أنزل الملائكةَ يوم بدر، وأنهم قاتلوا الكفارَ. قال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدرٍ، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال، ولا يقاتلون، إنما يكونون عدداً ومدداً وهذا قول الأكثرين. وقال الحسن: هؤلاء الخمسة آلافٍ ردء المؤمنين إلى يوم القيامة في المعركة. وأنكر ابو بكر الأصم ذلك أشد الإنكار، واحْتَجَّ عليه بوجوه: الأول: أن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض؛ فإنَّ المشهور أنَّ جبريل - عليه السلام - أدخل جناحه تحت المدائن السبع لقوم لوط، وبلغ جناحُه إلى الأرض السابعة، ثم رفعها إلى السماء، فجعل عاليها سافلَها، فإذا حضر هو يوم بدر، فأيُّ حاجة إلى مقاتلةِ الناسِ مع الكفار؟ ثم بتقدير حضوره، فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟ الثاني: أن أكابر الكفار كانوا مشهورين، وكل واحد منهم مقابله من الصحابة معلوم، وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة. الثالث: أن الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس، أوْ لا، فإن رآهم الناس، فإما أن يروهم في صورة الناس، أو في صورة غيرهم، فإنْ رَأوْهُمْ في صورة الناس، صار المشاهَد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف أو أكثر، ولم يَقُلْ بذلك أحدٌ؛ لأنه مخالف لقوله تعالى: {أية : وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِم}تفسير : [الأنفال: 44] وإن شاهدوهم في صور غير صور الناس، لزم وقوع الرُّعْب الشديد في قلوب الخلق؛ لأن من شاهد الجن، لا شك أنه يشتد فَزَعُه - ولم ينقل ذلك ألبتة - وإن لم يَرَوْهُم، فعلى هذا التقدير إذا حاربوا، وحزوا الرؤوس، وشقُّوا البطون، وأسقطوا الكفار عن الأفراس، فحينئذ إذا شاهد الكفار هذه الأفعال مع أنهم لم يشاهدوا أحَداً من الفاعلين، وهذا يكون من أعظم المعجزات، فيجب أن لا يبقى منهم كافر ولا متمرد، ولما لم يوجد شيء من ذلك عُرفَ فسادُه. الرابع: أن الملائكة الذين نزلوا، إما أن يكونوا أجساماً لطيفةً أو كثيفة، فإن كانت كثيفةً وجب أن يراهم الكل كرؤية غيرهم، ومعلوم أن الأمر ما كان كذلك، وإن كانت لطيفةً مثل الهواء - لم يكن فيهم صلابة وقوة، ويمتنع كونهم راكبين على الخيول. والجواب: أن نص القرآن ناطق بِها، وقد وردت في الأخبار قريب من التواتر قال عبد الله بن عُمَيْر لما رجعت قريش من أحد، جعلوا يتحدثون في أنْدِيَتِهم بما ظفروا، ويقولون: لم نَرَ الخيل البُلْق، ولا الرجالَ البيضَ الذين كُنَّا نراهم يومَ بدر. وقال سعدُ بن أبي وقاص: رأيتُ عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بِيضٌ، ما رأيتهما قبل، ولا بعد. قال سعدُ بن إبراهيمَ: يعني: جبريل وميكائيل. وهذه الشبهة إنما تليق بمن يُنكر القرآن والنبوة، فأما من يُقِرُّ بهما، فلا يليق به شيءٌ من هذا، وهذه الشبهة إذا قابلناها بكمال قدرة الله - تعالى - زالت؛ فإنه - تعالى - يفعل ما يشاء؛ لأنه قادر على جميع الممكنات. فصل اختلفوا في كيفية نُصْرة الملائكة. فقال بعضهم: بالقتال مع المؤمنين. وقال بعضهم: بل بتقوية نفوسهم، وإشعارهم بأن النُّصْرة لهم، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار. وقال أكثر المفسرين: إنهم لم يقاتلوا في غير بدر. قوله: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} معنى الكفاية: هو سَدُّ الخلة، والقيام بالأمر. يقال: كَفَاهُ أمر كذا، أي: سَدَّ خلته. والإمداد: إعانة الجيش بالجيش، وهو في الأصل إعطاء الشيء حالاً بعد حال. قال المفضَّل: ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمَدَّه يُمِدُّه، وما كان على جهة الزيادة، قيل فيه: مَدَّه يَمُدُّه مَدًّا ومنه: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر}تفسير : [لقمان: 27]. وقيل: المَدُّ في الشر، والإمداد في الخير؛ لقوله تعالى: {أية : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [البقرة: 15] وقوله: {أية : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} تفسير : [مريم: 79] وقال في الخير: {أية : أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْف} تفسير : [الأنفال: 9] وقال: {أية : وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِين}تفسير : [الإسراء: 6]. قوله: {أَن يُمِدَّكُمْ} فاعل، {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} أي: ألن يكفيكم إمدادُ ربكم، والهمزة لما دخلت على النفي قررته على سبيل الإنكار، وجيء بـ "لن" دون "لا"؛ لأنها أبلغ في النفي، وفي مصحف أبيّ "ألا" بدون "لن" وكأنه قصد تفسير المعنى. و "بثلاثة" متعلق بـ {يُمِدَّكُمْ}. وقرأ الحسن البصريّ "ثلاثة آلافٍ" - بهاء - ساكنة في الوصل - وكذلك "بخمسة آلافٍ" كأنه أجْرَى الوصل مُجْرَى الوقف، وهي ضعيفة؛ لأنها في متضايفين تقتضيان الاتصال. قال ابن عطية: ووجْه هذه القراءة ضعيف؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد يقتضيان الاتصال إذْ هما كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال الأول، والهاء إنما هي أمارة وقف، فيتعلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضعَ، من ذلك ما حكاه الفرَّاء من قولهم: أكلت لحما شاةٍ - يريدون لحم شاة - فَمَطلُوا الفتحةَ، حتى نشأت عنها ألِفٌ، كما قالوا في الوقف قالا - يريدون قال - ثم مَطَلُوا الفتحة في القوافي، ونحوها من مواضع الرؤية والتثبيت. ومن ذلك في الشعر قوله: [الكامل] شعر : 1610- يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ زَيَّافَةٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ المُكْدَمِ تفسير : يريد: "ينبع"، فمطل ومثله قول الآخر: [الرجز] شعر : 1611- أقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلَى الْكَلْكَالِ يَا نَاقَتَا مَا جُلْتُ مِنْ مَجَالِ تفسير : يريد: "الكلكل"، فمطل ومثله قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1612- فَأنْتَ مِنَ الْغَوَائِلِ حِينَ تُرْمَى وَمَنْ ذَمِّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ تفسير : يريد: بمنتزح. قال أبو الفتح: "فإذا جاز أن يعترض هذا [الفتور] والتمادي بين أثناء الكلمة الواحدة، جاز التمادي بين المضاف والمضاف إليه، إذ هما اثنان". قال أبو حيان - بعد نقل كلام ابن عطية -: "وهو تكثير وتنظير بغير ما يناسب، والذي يناسب توجيه هذه القراءة الشاذة أنها من إجراء الوَصْل مُجْرَى الوَقْف، وإجراء الوَقْف مُجْرَى الوصل والوصل مجرى الوقف موجود في كلامهم وأما قوله: لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع، وجميع ما ذكر إنما هو من باب إشباع الحركة، وإشباع الحركة ليس نحو إبدال التاء هاء في الوَصْل، وإنما نظير هذا قولهم: ثلاثة أربعة، أبدل التاء هاء، ثم نقل حركة همزة أربعة إليها، وحذف الهمزة، فأجْرَى الوصل مُجْرَى الوقف في الإبدال، ولأجل الوصل نقل فأجرى الوصل مُجْرى الوقف؛ إذْ لا يكون هذا النقل إلا في الوَصْل". وقرئ شاذًّا - أيضاً -: بثلاثةْ آلاف - بتاء ساكنة، وهي أيضاً من إجراء الوصل مجرى الوقف من حيث السكون واختلفوا في هذه التاء الموقوف عليها الآن، أهي تاء التأنيث التي كانت، فسكنت فقط، أو هي بدل من هاء التأنيث المبدلة من التاء؟ ولا طائل تحته. قوله: {مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ} يجوز أن تكون "مِنْ" للبيان، وأن تكون "مِنْ" ومجرورها في موضع الجر صفة لـ "لَثَلاثَةِ" أو لِـ "آلافٍ". قوله: {مُنْزَلِينَ} صفة لـ "ثلاثة آلاف"، ويجوز أن يكون حالاً من "الْمَلاَئِكَةِ" والأول أظهر. وقرأ ابن عامر "مُنزَّلين" - بالتضعيف - وكذلك شدد قوله في سورة العنكبوت: {أية : إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [العنكبوت: 34] إلا أنه هنا - اسم مفعول، وهناك اسم فاعل. والباقون خفَّفوها وقرأها ابن أبي عَبْلَة - هنا - مُنَزِّلين - بالتشديد مكسور الزاي، مبنياً للفاعل. وبعضهم قرأه كذلك، إلا أنه خفف الزاي، جعله من أنزل - كأكرم - والتضعيف والهمزة كلاهما للتعدية، ففعَّل وأفْعل بمعنًى، وقد تقدم أن الزمخشري جعل التشديد دالاًّ على التنجيم وتقدم البحث معه في ذلك وفي القراءتين الأخيرتين يون المفعول محذوفاً، أي: منزلين النصر على المؤمنين، والعذاب على الكافرين. قوله: {بَلَىۤ} حرف جواب، وهو إيجاب للنفي في قوله: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ} وقد تقدم الكلام عليه وجواب الشرط قوله: {يُمْدِدْكُمْ}. والفوز: العجلة والسرعة، ومنه: فارت القِدْرُ، إذا اشتد غليانها وسارع ما فيها إلى الخروج، و الفوز مصدر، يقال: فَار يفُورُ فَوْراً، قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّور} تفسير : [هود: 40]، ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة، يقال: جاء فلان من فوره وفيه قول الأصوليين الأمر للفور ويعبّر به عن الغضب والحِدة؛ لأن الغضبان يسارع إلى البطش بمن يغضب عليه، فالفَوْر - في الأصل -: مصدر، ثم يُعَبَّر به عن الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء سواها وقال ابن عباس والحسن وقتادة وأكثر المفسرين: معنى "مِنْ فَورِهم هَذَا": من وجههم هذا. وقال مجاهد والضَّحَّاكُ: من غضبهم هذا؛ لأنهم إنَّما رجعوا للحرب يوم أُحُد من غَضَبِهم ليوم بدر. قوله: {مُسَوِّمِينَ} كقوله: {مُنزَلِينَ}، وقرأ ابْنُ كَثيرٍ وأبُو عَمْروٍ وعَاصِمٌ بكسر الواو، على اسم الفاعل، والباقون بفتحها على اسم المفعول، فأما القراءة الأولى، فيحتمل أن تكون من السوم - وهو ترك الماشية ترعى - والمعنى: أنهم سَوَّموا خَيْلَهم، أي أعطوها سَوْمَها من الجَرْي والجَوَلان، وتركوها كذلك، كما يفعل من يسيم ماشيته في المرعى. ويحتمل أن تكون من السومة - وهي العلامة - على معنى أنهم سوموا أنفسهم، أو خيلهم. روي أنهم كانوا على خَيْلٍ بُلْقٍ، قال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خَيْل بُلْقٍ، عليهم عمائمُ بِيضٌ، قد أرسلوها بين أكتافهم. وقال هشام بن عروة: عمائم صفر. وروي أنهم كانوا بعمائم بيضٍ، إلا جبريل فبعمامة صفراء، على مثال الزبير بن العوام. قال قتادةُ والضَّحَّاكُ: كانوا قد علموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها. ورُوِيَ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: حديث : تسوموا، فإنَّ الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهمتفسير : . وأما القراءة الثانية، فواضحة بالمعنيين المذكورين، فمعنى السوم فيها: أن الله أرسلهم، إذ الملائكة كانوا مرسلين من عند الله لنُصْرة نبيه والمؤمنين. قال أبو زيد: سوم الرجل خَيْلَه، أي أرسلها. وحكى بعضهم: سومت غلامي، أي: أرسلته، ولهذا قال الأخفش: معنى "مُسَوَّمِينَ" مُرْسَلِين. ومعنى السومة فيها: أن الله - تعالى - سومهم، أي جعل عليهم علامة، وهي العمائم، أو أن الملائكة جعلوا خيلهم نوعاً خاصاً - وهي البلق - فقد سوموا خيلهم. فصل قال القُرْطُبِيُّ: "وفي الآية دلالة على اتخاذ الشارة، والعلامة للقبائل، والكتائب، يجعلها السلطان لهم؛ لتتميز كل قبيلة وكتيبة من غيرها عند الحرب، وعلى فضل الخيل البُلْق؛ لنزول الملائكة عليها". قال القرطبي: "ولعلها نزلت على البلق موافقة لفرس المقداد؛ فإنه كان أبلق، ولم يكن له فرس غيره، فنزلت الملائكة على الخيل البُلْق، إكراماً للمقداد، كما نزل جبريل معتماً بعمامة صفراء على مثال الزبير". قوله: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} الكناية في "جَعَلَهُ" عائدة على المصدر، أي: ما جعل الإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تُنصرون، وهذا الاستثناء فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مفعول من أجله، وهو استثناء مفرغ؛ إذ التقدير: وما جعله لشيء من الأشياء إلا للبُشْرَى، وشروط نصبه موجودة، وهي اتحاد الفاعل، والزمان، وكونه مصدراً سيق للعلة. والثاني: أنه مفعول ثانٍ لِـ "جَعَل" على أنها تصييرية. والثالث: أنه بدل من الهاء في "جَعَلَهُ" قاله الحوفيّ وجعل الهاء عائدةً على الوعد بالمدد. والبشرى: مصدر على "فُعْلَى" كالرُّجْعَى. وقيل: اسم من الإبشار، وتقدَّم الكلام في معنى البُشْرَى في قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَات} تفسير : [البقرة: 25]. قوله: {وَلِتَطْمَئِنَّ} فيه وجهان: أحدهما: أنًّه معطوف على "بُشْرَى" هذا إذا جعلناها مفعولاً من أجله، وإنما جُرَّ باللام؛ لاختلال شرط من شروط النصب - وهو عدم اتحاد الفاعل - فإن فاعل الجَعْل هو الله - تعالى - وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه لاستكمال الشروط، وجر المعطوف باللام لاختلال شرطه، وقد تقدم، والتقدير: وما جعله إلا للبشرى وللطمأنينة. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف، أي: ولتطمئن قلوبكم، فعلى ذلك، أو كان كيت وكيت. وقال أبو حيان: و "تطمئن" منصوب بإضمار "أن" بعد لام "كي"، فهو من عطف الاسم على توهم موضع اسم آخر. ثم نقل عن ابن عطية أنه قال: "اللام في {وَلِتَطْمَئِنَّ} متعلقة بفعل مضمر يدل عليه "جَعَلَهُ" ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به، ولتطمئن به قلوبكم. قال أبو حيان: "وكأنه رأى أنه لا يمكن - عنده - أن يُعطف {وَلِتَطْمَئِنَّ} على {بُشْرَىٰ}، على الموضع؛ لأن من شرط العطف على الموضع - عند أصحابنا - أن يكون ثَمَّ مُحْرِز للموضع، ولا محرز هنا؛ لأن عامل الجَرِّ مفقود، ومَنْ لم يشترط المحرز، فيجوز ذلك على مذهبه وسيكون من باب العطف على التوهُّم". قال شهاب الدين: "وقد جعل بعضهم الواو في {وَلِتَطْمَئِنَّ} زائدة، وهو لائق بمذهب الأخفش، وعلى هذا فتتعلق اللام بالبشرى، أي: أن البشرى عِلَّة للجَعْل، والطمأنينة علة للبُشْرَى، فهي علة العلة". قال ابْنُ الخَطِيبِ: في ذكر الإمداد مطلوبان وأحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر: فأحدهما: إدخال السرور في قلوبهم، وهو المراد بقوله: {إلاَّ بُشْرَىٰ}. الثاني: حصول الطمأنينة بالنصر، فلا يجنبون، وهذا هو المقصود الأصلي، ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين الأمرين في المطلوبية، فعطف الفعل على الاسم، ولما كان الأقوى حصول الطمأنينة، أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة، فقال: {وَلِتَطْمَئِنَّ} ونظيره قوله: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} تفسير : [النحل: 8] لما كان المقصود الأصلي هو الركوب، أدخَل عليه حرف التعليل، فكذا هاهنا. قال أبو حيان: "ويناقش في قوله: عطف الفعل على الاسم؛ إذْ ليس من عطف الفعل على الاسم وفي قوله: أدخل حرف التعليل، وليس ذلك كما ذكره". انتهى. قال شهَابُ الدِّينِ: "إن عنى الشيخ أنه لم يدخل حرف التعليل ألبتة، فهذا لا يمكن إنكاره ألبتة، وإن عنى أنه لم يدخله بالمعنى الذي قصده الإمام فسَهْل". وقال الجُرْجَانِيُّ في نظمه: "هذا على تأويل: وما جعله الله إلا ليبشركم ولتطمئن، ومن أجاز إقحام الواو - وهو مذهب الكوفيين - جعلها مقحمة في {وَلِتَطْمَئِنَّ} فيكون التقدير: وما جعله الله إلا بشرى لكم؛ لتطمئنَّ قلوبكم به". والضميران في قوله {وَمَا جَعَلَهُ}، و "بِهِ" يعودان على الإمداد المفهومِ من الفعل المتقدم، وهو قوله: "يمددكم". وقيل: يعودان على النصر. وقيل: على التسويم. وقيل: على التنزيل. وقيل: على المدد. وقيل: على الوعد. فصل قال في هذه الآية: "لَكُمْ" وتركها في سورة الأنفال؛ لأن تيك مختصر هذه، فكان الإطناب - هنا- أوْلَى؛ لأن القصة مكملة هنا، فناسب إيناسهم بالخطاب المواجه، وأخر - هنا - "به" وقدمه في سورة الأنفال؛ لأن الخطاب - هنا - موجود في "لَكُمْ" فأتبع الخطاب الخطاب، وهنا جاء بالصفتين تابعتين في قوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} وجاء بهما في جملة مستأنفة في سورة الأنفال، في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 10]؛ لأنه لما خاطبهم - هنا - حسن تعجيل بشارتهم بأنه عزيز حكيم، أي: لا يغالب، وأن أفعاله كلها متقنة حكمة وصواب، فالنصر من عنده, فاستعينوا به، وتوكلوا عليه؛ لأن العز والحُكْم له. قوله: {لِيَقْطَعَ} في متعلق هذه اللام سبعة أوجه: أحدها: أنها متعلقة بقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} قاله الحوفيّ، وفيه بُعْدٌ؛ لطول الفَصْل. الثاني: أنها متعلقة بالنصر في قوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} والمعنى: أن المقصود من نصركم، هو أن تقطعوا طرفاً من الذين كفروا، أي: تملكوا طائفة منهم، وتقتلوا قطعة منهم، وفي هذا نظر من حيث إنه قد فصل بين المصدر ومتعلقه بأجنبيّ، وهو الخبر. الثالث: أنها متعلقة بما تعلَّق به الخبر، وهو قوله: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}، والتقدير: وما النصر إلا كائن، أو إلا مستقر من عند الله ليقطع. والرابع: أنها متعلقة بمحذوف، تقديره: أمَدَّكُم، أو نَصَرَكُم، ليقطَعَ. الخامس: أنها معطوفة على قوله: "ولتطمئن" حذف حرف العطف لفهم المعنى؛ لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف، كقوله: {أية : ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22] وقول السيد لعبده: أكرمتك لتخدمني، لتعينني، لتقوم بخدمتي، فحذف العاطف لقُرْب البعض من البعض، فكذا هنا وعلى هذا فتكون الجملة في قوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو ساقط الاعتبار. السادس: أنها متعلقة بالجَعْل قاله ابن عطية. السابع: أنها متعلقة بقوله: {يُمْدِدْكُمْ} وفيه بُعْدٌ؛ للفواصل بينهما. والطرف: المراد به: جماعة، وطائفة، وإنما حَسُنَ ذِكْر الطرف - هنا- ولم يحسن ذكر الوسط؛ لأنه لا وصول إلى الوَسَطِ إلا بعد الأخذ من الطرف، وهذا يوافق قوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ} تفسير : [التوبة: 123] وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} تفسير : [الرعد: 41]. قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ} يجوز أن يكون متعلِّقاً بالقَطْع، فتكون "مِنْ" لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة لـ "طَرَفاً" وتكون "مِنْ" للتبعيض. قوله: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} عطف على "لِيَقْطَعَ". و "أو"؛ قيل: على بابها من التفصيل، أي: ليقطع طرفاً من البعض، ويكبت بعضاً آخرين. وقيل: بل هي بمعنى الواو، أي: يجمع عليهم الشيئين. والكبت: الإصابة بمكروه. وقيل: هو الصَّرع للوجْه واليدين، وعلى هذين فالتاء أصلية، ليست بدلاً من شيء، بل هي مادة مستقلة. وقيل: أصله من كبده، إذا أصابه بمكروه أثر في كبده وَجَعاً، كقولك: رأسته، أي: أصبت رأسه، ويدل على ذلك قراءة لاحق بن حُمَيد: أو يكبدَهم - بالدال - والعرب تُبْدِل التاء من الدال، قالوا: هَرَتَ الثوبَ، وهردَه، وسَبَتَ رأسَه، وسَبَدَه - إذا حَلَقَه -. وقد قيل: إنّ قراءة لاحق أصلها التاء، وإنما أُبدِلت دالاً، كقولهم: سبد رأسه، وهرد الثوب، والأصل فيهما التاء. فصل معنى قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا} أي: ليُهْلِكَ طائفة. وقال السُّدِّيُّ: لِيَهْدِمَ رُكْناً من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقُتِل من قادتهم وسادتهم يوم بدر - سبعون، وأُسِر سبعون، ومَنْ حَمَل الآيةَ على أحُد، فقد قُتِل منهم يومئذ ستة عشر، وكانت النُّصرة للمسلمين، حتى خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقلبت عليهم. {أَوْ يَكْبِتَهُمْ}. قال الكلبي: يهزمهم. وقال السُّدي: يلعنهم. وقال أبو عبيدة: يُهْلِكهم ويصرعهم على وجوههم. وقيل: يُخْزِيهم والمكبوت الحزين. وقيل: يَغِيظهم. وقيل: يُذلهم. قوله: {فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ} لن ينالوا خيراً مما كانوا يرجون من الظفر بكم. والخيبة لا تكون إلا بعد التوقُّع، وأما اليأس فإنه يكون بعد التوقُّع وقبلَه، فنقيض اليأس الرجاء، ونقيض الخيبة: الظفر يقال: خَابَ يَخِيبُ خَيْبَةً. و {خَآئِبِينَ} نُصِبَ على الحال.
البقاعي
تفسير : ولما كان ظاهر الحال فيما أصاب الكفار من المسلمين في هذه الغزوة ربما كان سبباً في شك من لم يحقق بواطن الأمور ولا له أهلية النفوذ في الدقائق من عجائب المقدور في قوله تعالى: {أية : إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً}تفسير : [آل عمران: 10] {أية : قل للذين كفروا ستغلبون}تفسير : [آل عمران: 12] ذكرهم الله تعالى نصره لهم في غزوة بدر، وهم في القلة دون ما هم الآن بكثير، مشيراً لهم إلى ما أثمره توكلهم من النصر، وحالهم إذ ذاك حال الآيس منه، ولذلك كانوا في غاية الكراهة للّقاء بخلاف ما كانوا عليه في هذه الكرة، حثاً على ملازمة التوكل، منبهاً على أنه لا يزال يريهم مثل ذلك النصر ويذيق الكفار أضعاف ذلك الهوان حتى يحق الحق ويبطل الباطل ويظهر دينه الإسلام على الدين كله فقال - عاطفاً على ما تقديره: فمن توكل عليه نصره وكفاه وإن كان قليلاً, فلقد نصركم الله أول النهار في هذه الغزوة حيث صبرتم واتقيتم بطاعتكم للرسول صلى الله عليه وسلم في ملازمة التعب والإقبال على الحرب وغير ذلك بما أمركم به صلى الله عليه وسلم ولم تضركم قلتكم ولا ضعفكم بمن رجع عنكم شيئاً -: {ولقد نصركم الله} بما له من صفات الجلال والجمال {ببدر} المشار إليها أول السورة بقوله تعالى: {أية : قد كان لكم آية في فئتين التقتا} تفسير : [آل عمران: 13] لما صبرتم واتقيتم. ولما كانوا في عدد يسير أشار إليه بجمع القلة فقال: {وأنتم أذلة} أي فاذكروا ذلك واجعلوه نصب أعينكم لينفعكم، وكان الإتيان بأمر بدر بعد آية الفشل المختتمة بالحث على التوكل في الغاية من حسن النظم، وهو دليل أيضاً على منطوق قوله تعالى: {أية : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً}تفسير : [آل عمران: 120] كما كان أمر أحد دليلاً على منطوقها ومفهومها معاً: دل على منطوقها بنصرهم أول النهار عند صبرهم، وعلى مفهومها بإدالة العدو عليهم عند فشلهم آخره - والله الموفق؛ على أنك إذا أنعمت التأمل في قصة أحد من السير وكتب الأخبار علمت أن الظفر فيها ما كان إلا للنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي الخبر به في قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران: 52]، فإن الصحابة رضي الله عنهم هزموهم - كما مضى - في أول النهار حتى لم يبق في عسكرهم أحد, ولا بقي عند نسائهم حامٍ، فلما خالف الرماة أمره صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على الغنيمة أراد الله تأديبهم وتعريفهم أن نصرته لنبيه صلى الله عليه وسلم غير محتاجة في الحقيقة إليهم حين انهزموا حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم غير نفر يسير ما يبلغون الخمسين، والكفار ثلاثة آلاف وخيلهم مائتان، فاستمر عليه الصلاة والسلام في نحورهم يحاولهم ويصاولهم، يرامونه مرة ويطاعنون أخرى، ويجتمعون عليه كرة ويفترقون عنه أخرى، والله تعالى يمنعه منهم بأيده ويحفظه بقوته حتى تدلت الشمس للغروب، وقتل بيده صلى الله عليه وسلم أُبي بن خلف مبارزة، تصديقاً لما كان أوعده به قبل الهجرة، وخالطوه غير مرة ولم يمكنهم الله منه ولا أقدرهم على أسر أحد من أصحابه، ثم ردهم خائبين بعد أن تراجع إليه من أصحابه في أثناء النهار، ولم يرجع صلى الله عليه وسلم من أحد إلا بعد انصرافهم ودفن من استشهد من أصحابه، وأما هم فاستمروا راجعين ولم يلووا على أحد ممن قتل منهم، وهم اثنان وعشرون رجلاً من سرواتهم وحمال راياتهم، وقال الجلال الخجندي في كتابه فردوس المجاهدين: إنه صح النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن نصرته في يوم أحد - انتهى. كفى على ذلك دليلاً ما نقل موسى بن عقبة - وسيرته أصح السير في غزوة الفتح - عن قائد الجيش بأحد أبي سفيان بن حرب أنه قال عندما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام: يا محمد! قد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد ظهرت عليك، وإنما كانت الهزيمة وقتل من قتل لحكم ومصالح لا تخفى على من له رسوخ في الشريعة وثبات قدم في السنن، ويمكن أن تكون هذه القصة مندرجة في حكم النهي في القصة التي قبلها عن طاعة فريق من أهل الكتاب عطفاً على قوله تعالى: {نعمة} في قوله: {أية : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم}تفسير : [آل عمران: 103] لتشابه القصتين في الإصغاء إلى الكفار قولاً أو فعلاً، المقتضي لهدم الدين من أصله، لأن همّ الطائفتين بالفشل إنما كان من أجل رجوع عبد الله بن أبي المنافق حليف أهل الكتاب ومواليهم ومصادقهم ومصافيهم، ويؤيد ذلك نهيه تعالى في أثناء هذه عن مثل ذلك بقوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} تفسير : [آل عمران: 149]، ويكون إسناد الفعل في {غدوت}، وأمثاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الإسناد إلى الجمع، لأنه الرئيس فخطابه خطابهم، ولشرف هذا الفعل، فكان الأليق إفراده به صلى الله عليه وسلم، وأما الفشل ونحوه فأسند إليهم وقصر- كما هو الواقع - عليهم. ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال: {فاتقوا الله} أي في جمع أوامره ونواهيه بأن التقوى التنزه عن المعاصي، والشكر فعل ينبىء عن تعظيم المنعم، وشكر الله صرف جميع ما أنعم به في طاعاته, فحينئذ التقوى من الشكر, فإن أريد العموم انحل الكلام إلى: اشكروا لعلكم تشكرون، ولا يتحرر الجواب إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: الواقية ما وقاك الشر، وكل شيء وقيت به شيئاً فهو وقاء له ووقاية، وقوله سبحانه وتعالى: {لعلكم تتقون} قال ابن عرفة - أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم به وقاية بينكم وبين النار - انتهى. فاتضح أن حقيقة {واتقوا}: اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، وأن سبب اتخاذ الوقاية الخوف من ضاره فالظاهر - والله أعلم - أن اتقوا بمعنى: خافوا - مجازاً مرسلاً من إطلاق اسم المسبب على السبب، فالمعنى: خافوا الله لتكونوا على رجاء من أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد والاستمرار، ولئن سلمنا أن التقوى من الشكر فالمعنى: اشكروا هذا الشكر الخاص ليحملكم على جميع الشكر، وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر هو أصل الباب الذي يثمر باقيه، وهوالمراد بقول ابن هشام في السيرة: إن المعنى: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي، ويجوز أن يكون: لعلكم تزدادون نعماً فتشكرون عليها - إقامة للمسبب مقام السبب - والله أعلم. ولما اشتملت هذه القصة على المصيبة التي سيقص الله كثيراً منها، وهي مستوفاة في السير كان أنسب من قصها وبيان ما اتفق لها - لوعظ من يأتي - البداءةُ بتذكير من باشرها بما وعدهم الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قبل وقوع القتال من النصر المشروط بالصبر والتقوى تنبيهاً لهم على أن الخلل من جهتهم أتى، ثم وعظمهم بالنهي عما منعهم النصر، والأمر بما يحصله لهم كما سيحثهم على ذلك بما يقص عليهم من نبأ من قاتل مع الأنبياء قبلهم بأنهم لما أصابهم القتل لم يهنوا وعلموا أن الخلل من أنفسهم، فبادروا إلى إصلاحه بأفعال المتقين من الصبر والتضرع والإقرار بالذنب، فقال - مبدلاً من {إذ غدوت} عوداً على بدء تعظيماً للأمر حثاً على النظر في موارده ومصادره والتدبر لأوائله وأواخره -: {إذ تقول للمؤمنين} أي الذين شاورتهم في أمر أحد - وفي غمارهم المنافقون - لما زلزلوا برجوع أكثر المنافقين به، حتى كاد بعض الثابتين أن يرجع ضعفاً وجبناً، مع ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم به من تلك الرؤيا التي أولها بذبح يكون في أصحابه، ليكون إقدامهم على بصيرة، أو يصدهم ذلك عن الخروج إلى العدو كما كان ميل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر أصحابه وإعلامهم إلى المكث في المدينة قال منكراً آتياً بأداة التأكيد للنفي: {ألن يكفيكم} أي أيها المؤمنون {أن يمدكم} إمداداً خفياً - بما أشار إليه الإدغام {ربكم} أي المتولي لتربيتكم ونصر دينكم {بثلاثة آلاف} ثم عظم أمرهم بقوله: {من الملائكة} ثم زاد في إعظامهم بأنهم من السماء بقوله: {منزلين *} ثم تولى سبحانه وتعالى هو الجواب عنهم تحقيقاً للكفاية فقال: {بلى} أي يكفيكم ذلك، ثم استأنف قوله: {إن تصبروا وتتقوا} أي توقعوا الصبر والتقوى لله ربكم، فتفعلوا ما يرضيه وتنتهوا عما يسخطه {ويأتوكم} أي الكفار {من فورهم} أي وقتهم، استعير للسرعة التي لا تردد فيها، من: فارت القدر - إذا غلت {هذا} أي في هذه الكرة {يمددكم} أي إمداداً جلياً - بما أشار إليه إشارة لفظية: الفك، وإشارة معنوية: التسويم {ربكم} أي المحسن إليكم بأكثر من ذلك {بخمسة آلاف من الملائكة} ثم بين أنهم من أعيان الملائكة بقوله: {مسومين *} أي معلمين بما يعرف به مقامهم في الحرب، والظاهر من التعبير بالتسويم إفهام القتال، ومن الاقتصار على الإنزال عدمه، ويكون فائدة نزولهم البركة بهم وإرهاب الكفار بمن يرونه منهم. قال البغوي: قال ابن عباس ومجاهد: لم يقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عدداً ومدداً. ولما كان التقدير: وليس الإمداد بهم موجود للنصر، وكان قد قدم في أول السورة قوله: {أية : والله يؤيد بنصره من يشاء} تفسير : [آل عمران: 13] قال هنا قاصراً للأمر عليه: {وما جعله الله} أي الإمداد المذكور وذكره لكم على ما له من الإحاطة بصفات الكمال التي لا يحتاج مراقبها إلى شيء أصلاً {إلا بشرى}. وما كانت الهزيمة عليهم في هذه الكرة، وكان المقتول منهم أكثر قال: {لكم} لئلا يتوهم أن ذلك بشرى لضدهم، ولمثل هذا قدم القلوب فقال: {ولتطمئن} وعلم أن التقدير - لتكون الآية من الاحتباك: لتستبشر نفوسكم به وطمأنينة لكم لتطمئن {قلوبكم به} أي الإمداد، فحكم هنا بأنه بشرى مقيداً بلكم، فكانت العناية بضمير أشد حتى كأنه قيل: إلا وبشرى لكم وطمأنينتكم، فوجب تأخير ضميره عنهم، والمعنى أنهم كانوا أولاً خائفين، فلما وردت البشرى اطمأنوا بها رجاء أن يفعل بهم مثل ما فعل في بدر، فلما اطمأنوا بها وقع النصر كما وقع به الوعد ثم لما اطمأنت قلوبهم إلى شيء ألزّ قوتها لأنه قد سبق لها نصر وسرور بضرب وطعن في بدر وغيرها فلمحت نحو شيء من ذلك؛ حصلت الهزيمة ليصيروا إلى حق اليقين بأنه لا حول لهم ولا قوة، ولذلك قال تعالى: {وما النصر} أي في ذلك غيره {إلا من عند الله} أي المستجمع لصفات الكمال، لا بمدد ولا غيره فلا تجدوا في أنفسكم من رجوع من رجع ولا تأخر من تأخر ولا هزيمة من انهزم. ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة، وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة قال: {العزيز} الذي لا يغالب، فلا يحتاج إلى قتال أحد ولا يحتاج في نصره - إن قاتل - إلى معونة أحد {الحكيم *} الذي يضع الأشياء في أتقن محالها من غير تأكيد, أي الذي نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها، ليس لكم ولا لغيركم ناصر غيره، فمتى التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل، فاحذروه لتطيعوه طاعة أولي الإحسان في كل أوان، وهذا بخلاف ما في قصة بدر في الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك الحال، والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال، ولما قرر الوعد ذكر ثمرته فقال معلقاً الجار بيمددكم: {ليقطع} أي بالقتل {طرفاً} أي طائفة من كرامهم، يهنون بهم {من الذين كفروا} أي ويهزم الباقين {أو يكبتهم} أي يكسرهم ويردهم بغيظهم مع الخزي أذلاء، وأصل الكبت صرع الشيء على وجهه {فينقلبوا} أي كلهم مهزومين {خائبين *} وذلك في كلتا الحالتين بقوتكم عليهم بالمد وضعفهم عنكم به، ويجوز تعليق {ليقطع} بفعل التوكل، أي فليتوكلوا عليه ليفعل بأعدائهم ما يشاءه من نصرهم عليهم، فيقبل بهم إلى الإسلام رغبة أو رهبة، أو يميتهم على كفرهم فيديم عذابهم مع عافيتهم منهم؛ ورأيت في سير الإمام محمد بن عمر الواقدي ما يدل على تعليقه بجعل من قوله: {وما جعله الله إلا بشرى} أو بقوله: {ولتطمئن} وهو حسن أيضاً.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وابن حبان عن عياض الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض. وليس عياض هذا قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة... فكتبنا إليه أنه قد حاس إلينا الموت واستمددناه. فكتب ألينا أنه قد جاءني كتابكم تستمدونني، وإني أدلكم على من هو أعز نصراً وأحضر جنداً، الله عز وجل، فاستنصروه فإن محمداً صلى الله عليه وسلم قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني. فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {ولقد نصركم الله ببدر} إلى {أية : ثلاثة آلاف من الملائكة منزلين}تفسير : [آل عمران: 124] في قصة بدر. وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: بدر بئر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن الشعبي قال: كانت بدر بئراً لرجل من جهينة يقال له بدر فسميت به. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: بدر ماء عن يمين مكة، بين مكة والمدينة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: بدر ماء بين مكة والمدينة، التقى عليه النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون، وكان أوّل قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ: إنهم اليوم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وألف المشركون يومئذ أو راهقوا ذلك. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: كانت بدر متجراً في الجاهلية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وأنتم أذلَّة} يقول: وأنتم قليل، وهم يومئذ بضعة عشر وثلاثمائة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن أبي حاتم عن رافع بن خديج قال:"حديث : قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تعدون من شهد بدراً فيكم؟ قال: خيارنا. قال: وكذلك نعد من شهد بدراً من الملائكة فينا "تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: على كل مسلم أن يشكر الله في نصره ببدر. يقول الله {لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن الزهري قال: سمعت ابن المسيب يقول: غزا النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة غزوة قال: وسمعته مرة أخرى يقول أربعاً وعشرين غزوة، فلا أدري أكان وهماً منه أو شيئاً سمعه بعد ذلك؟ قال الزهري: وكان الذي قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء ذكر في القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة، قاتل في ثمان: يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، ويوم قديد، ويوم خيبر، ويوم فتح مكة، ويوم ماء لبني المصطلق، ويوم حنين.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لإيجاب الصبرِ والتقوى بتذكير ما ترتب عليهما من النصر إثرَ تذكيرِ ما ترتب على عدمهما من الضرر، وقيل: لإيجاب التوكلِ على الله تعالى بتذكير ما يوجبه، وبدرٌ اسمُ ماءٍ بـين مكةَ والمدينة، كان رجل اسمُه بدرُ بنُ كِلْدةَ فسُمِّيَ باسمِه، وقيل: سمِّي به لصفائه كالبدر واستدارتِه، وقيل: هو اسمُ الموضِعِ أو الوادي وكانت وقعةُ بدرٍ في السابعَ عشرَ من شهر رمضانَ سنةَ اثنتين من الهجرة {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} حالٌ من مفعول نصركم وأذلةٌ جمعُ ذليلٍ وإنما جُمع جَمْعُ قِلةً للإيذان باتصافهم حينئذ بوصفي القِلة والذِلة إذ كانوا ثلثَمائةٍ وبضعةَ عشرَ وكان ضعفُ حالِهم في الغاية خرجوا على النواضِح يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحدِ ولم يكن في العسكر إلا فرسٌ واحدٌ، وقيل: فرَسانِ للمقداد ومرْثَد وتسعون بعيراً وستُّ أدرعٍ وثمانيةُ سيوفٍ وكان العدو زهاءَ ألفٍ ومعهم مائةُ فرسٍ وشكة وشوْكة {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} اقتصر على الأمر بالتقوى مع كونه مشفوعاً بالصبر فيما سبق وما لحِق للإشعار بأصالته، وكونِ الصبرِ من مباديه اللازمةِ له ولذلك قُدم عليه في الذكر وفي ترتيب الأمرِ بالتقوى على الإخبار بالنصر إيذانٌ بأن نصرَهم المذكورَ كان بسبب تقواهم أي إذا كان الأمرُ كذلك فاتقوا الله كما اتقيتم يومئذ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي راجين أن تشكُروا ما يُنعِم به عليكم بتقواكم من النصرة كما شكرتم فيما قبلُ، أو لعلكم يُنعم الله عليكم بالنصر كما فعل ذلك من قبل، فوُضِع الشكرُ موضِعَ سببِه الذي هو الإنعامُ. {إِذْ تَقُولُ} تلوينٌ للخطاب بتخصيصه برسول الله صلى الله عليه وسلم لتشريفه والإيذانِ بأن وقوعَ النصرِ كان ببشارته عليه السلام {لَهُمْ} وإذ ظرفٌ لنصَرَكم قدِّم عليه الأمرُ بالتقوى لإظهار كمالِ العنايةِ به، والمرادُ به الوقتُ الممتدُ الذي وقع فيه ما ذكر بعده وما طُويَ ذكرُه تعويلاً على شهادة الحالِ مما يتعلق به وجودُ النصرِ، وصيغةُ المضارعِ لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي نصركم وقت قولك: {لِلْمُؤْمِنِينَ} حين أظهروا العجزَ عن المقاتلة. قال الشعبـي: بلغ المؤمنين أن كُرْزَ بنَ جابرٍ الحنفي يريد أن يُمِدَّ المشركين فشق ذلك على المؤمنين فنزل حينئذ ثم حكي هٰهنا {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ ربكم بثلاثة آلافٍ} الكفايةُ سدُّ الخَلّةِ والقيامُ بالأمر، والإمدادُ في الأصل إعطاءُ الشيءِ حالاً بعد حال. قال المفضّل: ما كان منه بطريق التقويةِ والإعانةِ يقال فيه: أمَدَّه يُمِدُّه إمداداً وما كان بطريق الزيادة يقال فيه: مَدَّه يمُدّه مداً ومنه {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } تفسير : [لقمان، الآية 27] وقيل: المَدّ في الشر كما في قوله تعالى: {أية : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [البقرة، الآية 15] وقولِه: {أية : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً } تفسير : [مريم، الآية 79] والإمدادُ في الخير كما في قوله تعالى: {أية : وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ } تفسير : [الإسراء، الآية 6] والتعرُّضُ لعنوان الربوبـية هٰهنا وفيما سيأتي مع الإضافة إلى ضمير المخاطبـين لإظهار العنايةِ بهم والإشعارِ بعلةِ الإمداد، والمعنى إنكارُ عدمِ كفايةِ الإمدادِ بذلك المقدار ونفيُه. وكلمة {لَنْ} للإشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم وقلّتِهم وقوةِ العدوّ وكثرتهم {مِنَ ٱلْمَلَٰـئِكَةِ} بـيانٌ أو صفة لآلافٍ أو لما أُضيف إليه أي كائنين من الملائكة {مُنزَلِينَ} صفةٌ لثلاثةِ آلافٍ ثم خمسةِ آلافٍ. وقرىء مبنياً للفاعل من الصيغتين أي مُنزِلين النصرَ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} [الآية: 123]. لضعفكم وصحة توكلكم على ربكم وانقطاعكم عن حولكم وقوتكم وردكم الأمر إليه بالكلية، وأنتم أذلة عند أنفسكم لقلتكم وما كان يدٌ وعزّ قط إلا بتذليل النفس ومنعها من الشهوات، فأنزل الله عليكم نصره وأيدكم { أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً } تفسير : [التوبة: 25].
القشيري
تفسير : تذكير ما سَلَفَ من الإنْعَام فتحٌ لباب التملق في اقتضاء أمثاله في المُسْتَأنَف.
البقلي
تفسير : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} اى من كان ذلته عند كشوف انوار الكبرياء والعظمة يصير عظيما فى عيون الخلق منصور بتأيد الازلية على كل منكر لان عليه كسوة جلال الله نفرق مه من تعزر بنفسه وكان اميرا المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه موصوفا به لقوله عليه السلام ان الشيطان يفر من ظل عمر وقال الشيخ اوب عبد الرحمن فى قوله ولقد نصركم الله لضعفكم وصحة توكلكم على ربكم وانقطاعكم عن حولكم وقوتكم الامر بالكلية اليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد نصركم الله ببدر} تذكير ببعض ما افادهم التوكل. وبدر بئر ماء بين مكة والمدينة حافرها رجل اسمه بدر فسمى به وكانت وقعة بدر فى السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة {وانتم اذلة} حال من الضمير جمع ذليل وانما قال اذلة ولم يقل ذلائل بجمع الكثرة ليدل على انهم على ذلتهم كانوا قليلا وذلتهم ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال والمركوب وذلك انهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم الا فرس واحد للمقداد بن الاسود وهو اول من قاتل على فرس فى سبيل الله وتسعون بعيرا وست ادرع وثمانية سيوف وقلتهم انهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ستة وسبعون من المهاجرين وبقيتهم من الانصار وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء الف مقاتل ومعهم مائة فرس والشكة والشوكة وكان صاحب راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بن ابى طالب رضى الله عنه وصاحب راية الانصار سعد بن عبادة رضى الله عنه {فاتقوا الله} فى الثبات مع رسوله كما اتقيتم يومئذ {لعلكم تشكرون} اى راجين ان تشكروا بما ينعم به عليكم بتقواكم من النصرة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {بدر}: بئر بين مكة والمدينة، كانت لرجل اسمه بدر، فسميت باسم صاحبها، وقعت فيها الغزوة التي نصر الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم، فسميت الغزوة باسم المكان، وجملة: {وأنتم أذلة}: حال من الكاف، و {أذلة}: جمع ذليل، كأعزة، جمع عزيز. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد نصركم الله} في وقعة بدر {وأنتم أذلة} ليس معكم مراكب ولا كثرة سلاح، مع قوة عدوكم بالعُدة والعدد، {فاتقوا الله} وأثبتو مع رسوله، وانتظروا النصر من الله كما عودكم، {لعلكم} تكونون شاكرين، لما أنعم به عليكم من العز والنصر، فيزيدكم منه كما وعدكم. الإشارة: جعل الله سبحانه وتعالى الأِياء كامنة في أضدادها، فمن أراد العز والنصر فليتحقق بالذل والمسكنة، ومن أراد الغنى فليتحقق بالفقر، ومن أراد الرفعة فليتحقق بالضعة وإسقاط المنزلة، ومن أراد القوة فليتحقق فالضعف، وهكذا: {تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه}. فاتقوا الله يا معشر المريدين، واطلبوا الأشياء في أضدادها لتظفروا بها، واشكروا الله على ما أولاكم يزدكم من فضله ونواله.
الطوسي
تفسير : النزول واللغة: هذه الآية نزلت في وصف ما من الله تعالى على المؤمنين من النصر والامداد بالملائكة وظفر المؤمنين بالمشركين مع قلة المؤمنين وقوة المشركين. فانه روي عن ابن عباس (ره) أنه قال كان المهاجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا والانصار مئتين وستة وثلاثين رجلا الجميع ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا. وكان المشركون نحواً من ألف رجل. وبدر ما بين مكة والمدينة وقال الشعبي سمي بدراً لأن هناك ماء لرجل يسمى بدراً، فسمي الموضع باسم صاحبه. وقال الواقدي عن شيوخه إنما هو اسم للموضع كما يسمى كل بلد باسم يخصه من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه. وقوله: {وأنتم أذلة} جملة في موضع الحال. والذلة الضعف عن المقاومة، وضدها العزة، وهي القوة على الغلبة، ويقال للجمل المنقاد من غير صعوبة: ذلول لانقياده انقياد الضعيف، فأما الذليل فانما ينقاد على مشقة. ومنه تذليل الطريق، ونحوه، وهو توطئة الأصل. وفيه الضعف عن المقاومة. وقوله: "أذلة" جمع ذليل وفعيل قياسه أن يجمع على فعلاء إذا كان صفة، مثل ظريف وظرفاء، وكريم وكرماء، وعليم وعلماء، وشريك وشركاء، فجمع على أفعلة كراهية التضعيف، فعدل إلى جمع الاسماء نحو قفيز وأقفزة، فقيل ذليل وأذلة وعزيز وأعزة. المعنى: ووصفهم الله بأنهم أذلة لأنهم كانوا ضعفاء قليلي العدد قليلي العدة. وروي عن بعض السلف الصالح أنه قرأ {وأنتم ضعفاء} قال ولا يجوز وصفهم بأنهم أذلة، وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وكان صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم بدر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). وصاحب راية الانصار سعد بن عبادة. وقوله {فاتقوا الله} معناه اتقوا معاصيه واعملوا بطاعته. ويجوز أن يكون المراد اتقوا عقاب الله بترك المعاصي، والعمل بطاعته، لأن أصل الاتقاء هو الحجز بين الشيئين بما يمنع من وصول أحدهما إلى الآخر كما تقول اتقاه بالترس أو غيره، ووجه ادخال هذه الآية وهي متعلقة بقصة بدر بين قصة أحد أن الله تعالى وعد المؤمنين النصر يوم أحد إن صبروا وثبتوا أن يمدهم بالملائكة كما نصرهم يوم بدر، وأمدهم بالملائكة فلما لم يصبروا وتركوا مراكزهم أصاب العدو منهم ما هو معروف.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر} الآية وذللهم ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال، وكانوا ثلاثمائة وبضع عشرة معهم فرسان وكان قريش ألف مقاتل، قوله: {مسومين} روي أنهم كانوا على خيل بلق، وقيل: معلمين، وروي أن عمامة الزبير كانت يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لأصحابه: "حديث : تسوَّموا فإن الملائكة تسومت" تفسير : وقرئ بفتح الواو وكسرها بمعنى معلَمين ومعلِمين أنفسهم أو حيلهم، قال الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم، قوله تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى} يعني النصر يوم بدر، قوله تعالى: {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش {أو يكبتهم} أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة فينقلبوا خائبين غير ظافرين، قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} الآية نزلت يوم أُحد، قيل لما كان من المشركين يوم أُحد من كسر رباعية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشج وجهه وقتل المؤمنين وقتل أمير المؤمنين حمزة سيد الشهداء قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم وهو مع هذا حريصٌ على دعائهم إلى ربهم" تفسير : فنزلت، وقيل: همَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو عليهم بأُحُدٌ ويلعنهم، فنزلت الآية تسكيناً له ويعلمه أن فيهم من يؤمن فكف، والمعنى أن الله مالك أمرهم فأما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا {أو يعذبهم} إنْ أصرُّوا على الكفر وليس لك من أمرهم شيء، إنَّما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم، قوله تعالى: {يغفر لمن يشاء} لمن يتوب عليه {ويعذب من يشاء} من لقيه ظالماً {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} نهى عن الربا وكان الرجال منهم إذا باع الذين محله زاد في الأجل فاستغرق بالشيء اللطيف مال المديون، قوله تعالى: {سارعوا إلى مغفرة من ربكم} يعني سارعوا إلى عمل الطاعة كلها، وقيل: التكبيرة الأولى {وجنة عرضها السموات} أي عرضها عرض السموات والأرض والمراد: وصفها بالسعة، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): كعرض سبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأنْتُم أذِلَّةٌ}: بدر: اسم موضع بين مكة والمدينة، وقيل: اسم قرية هناك، سمى الموضع باسمها، أو سمى الموضع باسم الرجل الذى نسبت إليه، وسميت باسمه أيضاً وهو بدر بن مخلد ابن النضر بن كنانة كان قد نزلها، وقيل: بدر بن الحارث حافر بئرها، وقيل بدر: اسم البئر التى بها سميت، لاستدارتها ولصفائها، ورؤية البدر فيها. و{أذلة}: جمع ذليل، جمع قلة، والمراد الكثرة، وتأتى إن شاء الله قصة بدر فى سورة الأنفال، ووجه الذل أنهم قليل وكانوا ثلثمائة رجل وثلاثة عشر، وقيل خمسة عشر، وقيل غير ذلك، وأنهم خرجوا على نواضح ينعقب النفر على البعير الواحد، وأكثرهم يمشون على أرجلهم، ولم يكن معهم إلا فرس واحد، وكان المشركون ألفاً، معهم مائة فرس، وفيهم سلاح ونصر الله المؤمنين عليهم إذ صبروا واتقوا. {فَاتَّقُوا اللهَ}: خافوه فى جميع أمره، ومنه الثبات مع رسوله صلى الله عليه وسلم. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: نعمه التى أنعم بها عليكم، بتقواكم، ومنها نصره، أو لعل الله ينعم عليكم فتشكرون، فكنى بالشكر عن سببه وهو الإنعام، قال ابن عمر: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فى ثلثمائة وخمسة عشر، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم"تفسير : ففتح الله عليهم يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجل إلا قد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ} لتوكلكم {بِبَدْر} فى بدر، موضع ما بين مكة والمدينة، سمى لبئر فيه، تسمى بدرا، لصفاء مائها ورؤية البدر فيه، أو لاستدراتها كالبدر، أو لكونها لرجل من جهينة يسمى بدرا، وقيل، اسم لموضع، وقيل اسم للوادى {وَأَنْتُمْ أذِلَّةٌ} لم يقل ذلائل لمناسبة جمع القلة قلتهم، وقلة المركب والسلاح، وكانوا يتعاقبون على نواضحهم، سبعين بعيراً، معهم ثلاثة أذرع، وثمانية سيوف، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من الأنصار إلا ستة وسبعين من المهاجرين، فيهم فرس واحد للمقداد بن عمرو، وهو المقداد ابن الأسود، وهو أول من قاتل من المسلمين على فرس، وقيل فرسان والمشركون ألف، معهم مائة فرس، وبسطت بدرا فى شرح النونية، والذل بحسب ما ذكر بمعنى القلة، لا بمعنى ذل القلب أو اللسان أو البدن، أو المراد أذلة فى ظن الأعداء لما يرون من قلتهم وقلة ما لهم، وإما بالحجة وحسن العاقبة فهم الأعزة لقوله تعالى: {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : [المنافقون: 8]، والآية إغراء بالتوكل وتذكير للنعمة ولقدرة الله {فَاتَّقُوا اللهَ} فى الثبات {لَعَلَّكُمْ تّشْكُرُونَ} بالتقوى نعمه من النصر وغيره، أو لعلكم ينعم الله عليكم، فسمى الإنعام شكراً لأن الإنعام سببه وملزومه.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ } بيان لما يترتب على الصبر والتقوى إثر بيان ما ترتب على عدمهما أو مساقة لإيجاب التوكل على الله تعالى بتذكير ما يوجبه. وبدر كما قال الشعبـي بئر لرجل من جهينة يقال له بدر فسميت به، وقال الواقدي: اسم للموضع، وقيل: للوادي وكانت كما قال عكرمة متجراً في الجاهلية. وقال قتادة: إن بدراً ماء بين مكة والمدينة التقى عليه النبـي صلى الله عليه وسلم والمشركون وكان أول قتال قاتله النبـي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك في السابع عشر من شهر رمضان يوم الجمعة سنة اثنتين من الهجرة، والباء بمعنى ـ في ـ أي نصركم الله في بدر {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } حال من مفعول نصركم وأذلة جمع قلة لذليل، واختير على ذلائل ليدل على قلتهم مع ذلتهم، والمراد بها عدم العدة لا الذل المعروف فلا يشكل / دخول النبـي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب إن قلنا به، وقيل: لا مانع من أن يراد المعنى المعروف ويكون المراد وأنتم أذلة في أعين غيركم وإن كنتم أعزة في أنفسكم، وقد تقدم الكلام على عددهم وعدد المشركين إذ ذاك. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } باجتناب معاصيه والصبر على طاعته ولم يصرح بالأمر بالصبر اكتفاءاً بما سبق وما لحق مع الإشعار على ما قيل بشرف التقوى وأصالتها وكون الصبر من مباديها اللازمة لها وفي ترتيب الأمر بها على الإخبار بالنصر إعلام بأن نصرهم المذكور كان بسبب تقواهم فمعنى قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لعلكم تقومون بشكر ما أنعم به عليكم من النصر القريب بسبب تقواكم إياه، ويحتمل أن يكون كناية أو مجازاً عن نيل نعمة أخرى توجب الشكر كأنه قيل: فاتقوا الله لعلكم تنالون نعمة من الله تعالى فتشكرونه عليها فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ومستعد إياه.
ابن عاشور
تفسير : إذ قد كانت وقعة أحُد لم تنكشف عن نصر المسلمين، عَقَّب الله ذكرها بأن ذكَّرهم الله تعالى نَصره إيّاهم النصر الَّذي قدّره لهم يوم بدر، وهو نصر عظيم إذ كان نصرَ فئة قليلةٍ على جيش كثير، ذي عُدد وافرة، وكان قتلى المشركين يومئذ سادةَ قريش، وأيمّة الشرك، وحسبك بأبي جهل بن هشام، ولذلك قال تعالى: {وأنتم أذلة} أي ضعفاء. والذلّ ضد العزّ فهو الوهن والضعف. وهذا تعريض بأنّ انهزام يوم أحُد لا يفلّ حدّة المسلمين لأنّهم صاروا أعزّة. والحرب سجال. وقوله: {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} اعتراض بين جملة {ولقد نصركم الله ببدر} ومتعلّق فعلها أعني {إذ تقول للمؤمنين}. والفاء للتفريع والفاء تقع في الجملة المعترضة على الأصحّ، خلافاً لمن منع ذلك من النحويين.. فإنَّه لمّا ذكّرهم بتلك المنّة العظيمة ذكّرهم بأنَّها سبب للشكر فأمرهم بالشكر بملازمة التَّقوى تأدّباً بنسبة قوله تعالى: {أية : لئن شكرتم لأزيدنكم}تفسير : [إبراهيم: 70]. ومن الشكر على ذلك النَّصر أن يثبتوا في قتال العدو، وامتثالُ أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم وأن لا تَفُلّ حدّتَهم هزيمة يوم أحُد. وظرف {إذ تقول للمؤمنين} زماني وهو متعلّق «بنصركم» لأنّ الوعد بنصرة الملائكة والمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحُد. هذا قول جمهور المفسّرين. وخصّ هذا الوقت بالذكر لأنَّه كان وقت ظهور هذه المعجزة، وهذه النِّعمة، فكان جديراً بالتذكير والامتنان. والمعنى: إذ تعِد المؤمنين بإمداد الله بالملائكة، فما كان قول النَّبي صلى الله عليه وسلم لهم تلك المقالة إلاّ بوعد أوحاه الله إليه أن يقوله. والاستفهام في قوله: {ألن يكفيكم} تقريري، والتقريري يكثر أن يورد على النَّفي، كما قدّمنا بيانه عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم}تفسير : في سورة [البقرة: 243]. وإنَّما جيء في النَّفي بحرف لَن الَّذي يفيد تأكيد النَّفي للإشعَار بأنّهم كانوا يوم بدر لقلّتهم، وضعفهم، مع كثرة عدوّهم، وشوكته، كالآيسين من كفاية هذا المدد من الملائكة، فأوقع الاستفهام التَّقريري على ذلك ليكون تلقيناً لِمن يخالج نفسَه اليأس من كفاية ذلك العدد من الملائكة، بأن يصرّح بما في نفسه، والمقصود من ذلك لازمهُ، وهذا إثبات أنّ ذلك العدد كاف. ولأجل كون الاستفهام غير حقيقي كان جوابه من قِبَل السائل بقوله: {بلى} لأنّه ممَّا لا تسع المماراة فيه كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم}تفسير : في سورة [الأنعام:19]، فكان (بلى) إبطالاً للنفي، وإثباتاً لكون ذلك العدد كافياً، وهو من تمام مقالة النَّبي للمؤمنين. وقد جاء في سورة الأنفال [9] عند ذكره وقعة بدر أن الله وعدهم بمدد من الملائكة عدده ألف بقوله: {أية : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنِّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين}تفسير : وذكر هنا أنّ الله وعدهم بثلاثة آلاف ثُمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف. ووجه الجمع بين الآيتين أنّ الله وعدهم بثلاثة آلاف ثُمّ صيّرهم إلى خمسة آلاف. ووجه الجمع بين الآيتين أنّ الله وعدهم بألف من الملائكة وأطمعهم بالزّيادة بقوله: {أية : مردفين}تفسير : [الأنفال: 9] أي مردَفيْن بعدد آخر، ودلّ كلامه هنا على أنَّهم لم يزالوا وجلين من كثرة عدد العدوّ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين»تفسير : أراد الله بذلك زيادة تثبيتهم ثمّ زادهم ألفين إن صبروا واتَّقوا. وبهذا الوجه فسّر الجمهور، وهو الذي يقتضيه السياق. وقد ثبت أنّ الملائكة نزلوا يوم بدر لنصرة المؤمنين، وشاهد بعض الصّحابة طائفة منهم، وبعضهم شهد آثار قتلهم رجالاً من المشركين. ووصف الملائكة بمُنْزَلين للدلالة على أنَّهم يَنزلون إلى الارض في موقع القتال عناية بالمسلمين قال تعالى: {أية : ما تَنَزَّل الملائكة إلاّ بالحق}تفسير : [الحجر: 8]. وقرأ الجمهور: مُنْزلين ـــ بسكون النُّون وتخفيف الزاي ـــ وقرأه ابن عامر ـــ بفتح النُّون وتشديد الزاي ـــ. وأنزل ونزّل بمعنى واحد. فالضميران: المرفوعُ والمجرور، في قوله: {ويأتوكم من فورهم} عائدان إلى الملائكة الَّذين جرى الكلام عليهم، كما هو الظاهر، وعلى هذا حمله جمع من المفسّرين. وعليه فموقع قوله: {ويأتوكم} موقع وعد، فهو المعنى معطوف على {يمددكم ربكم} وكان حقّه أن يرِد بعده، ولكنَّه قدّم على المعطوف عليه، تعجيلاً للطمأنينة إلى نفوس المؤمنين، فيكون تقديمه من تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وإذا جاز ذلك التَّقديم في عطف المفردات كما في قول صَنَّان بن عَبَّاد اليَشْكُرِي: شعر : ثمّ اشتَكَيْتُ لأَشْكانِي وسَاكنُه قَبْرٌ بِسِنْجَارَ أوْ قبر على قَهَدِ تفسير : قال ابن جنّي في شرح أبيات الحماسة: قدّم المعطوف على المعطوف عليه، وحَسَّنه شدّة الاتِّصال بين الفعل ومرفوعه (أي فالعامل وهو الفعل آخذ حظَّه من التقديم ولا التفات لكون المعطوفِ عليه مؤخّراً عن المعطوف) ولو قلت: ضربت وزيداً عمراً كان أضعف، لأنّ اتّصال المفعول بالفعل ليس في قوّة اتّصال الفاعل به، ولكن لو قلت: مررت وزيد بعمرو، لم يجز من جهة أنَّك لم تقدم العامل، وهو الباء، على حرف العطف. ومن تقديم المفعول به قول زيد: شعر : جمعتَ وعيباً غِيبةً ونَمِيمَةً ثلاثَ خصال لستَ عنها بمُرْعوِيْ تفسير : ومنه قول آخر: شعر : لعن الإلهُ وزوجَها مَعَها هِنْدَ الهنود طَوِيلَةَ الفعل تفسير : ولا يجوز وعيباً جمعت غيبة ونميمة. وأمَّا قوله: شعر : عليكِ ورحمةُ الله السلامُ تفسير : فممَّا قرب مأخذه عن سيبويه، ولكن الجماعة لم تتلقّ هذا البيت إلاّ على اعتقاد التَّقديم فيه، ووافقه المرزوقي على ذلك، وليس في كلامهما أن تقديم المعطوف في مثل ما حسُن تقديمه فيه خاص بالضرورة في الشعر، فلذلك خرّجنا عليه هذا الوجه في الآية وهو من عطف الجمل، على أن عطف الجمل أوسع من عطف المفردات لأنَّه عطف صوري. ووقع في «مغني اللبيب» ـــ في حرف الواو ـــ أنّ تقديم معطوفها على المعطوف عليه ضرورة، وسبقه إلى ذلك ابن السِّيد في شرح أبياتتِ الجمل، والتفتزاني في شرح المفتاح، كما نقله عنه الدماميني في «تحفة الغريب». وجعل جمع من المفسّرين ضميري الغيبة في قوله: {ويأتوكم من فورهم} عائديْن إلى طائفة من المشركين، بلغ المسلمين أنَّهم سيمدّون جيش العدوّ يوم بدر، وهم كرز بن جابر المحاربي، ومن معه، فشقّ ذلك على المسلمين وخافوا، فأنزل الله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم} الآية، وعليه درج «الكشاف» ومتابعوه. فيكون معادُ الضّميرين غير مذكور في الكلام، ولكنَّه معلوم للنَّاس الَّذين حضروا يوم بدر، وحينئذ يكون {يأتوكم} معطوفاً على الشرط: أي إن صبرتم واتّقيتم وأتاكم كرز وأصحابه يعاونون المشركين عليكم يمددكم ربّكم بأكثر من ألف ومن ثلاثة آلاف بخمسة آلاف، قالوا فبلغت كرزاً وأصحابه هزيمة المشركين يوم بدر فعدل عن إمدادهم فلم يمدّهم الله بالملائكة، أي بالملائكة الزائدين على الألف. وقيل: لم يمدّهم بملائكة أصلاً، والآثار تشهد بخلاف ذلك. وذهب بعض المفسّرين الأوّلين: مثل مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والزهري: إلى أن القول المحكي في قوله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين} قول صادر يوم أحُد، قالوا وعدهم الله بالمدد من الملائكة على شرط أن يصبروا، فلمّا لم يصبروا واستَبَقُوا إلى طلب الغنيمة لم يمددهم الله ولا بملَك واحد، وعلى هذا التفسير يكون {إذ تقول المؤمنين} بدلاً من {وإذ غَدَوْت} وحينئذ يتعيّن أن تكون جملة {ويأتوكم} مقدمة على المعطوفة هي عليها، للوجه المتقدّم من تحقيق سرعة النَّصر، ويكون القول في إعراب {ويأتوكم} على ما ذكرناه آنفاً من الوجهين. ومعنى {من فورهم هذا} المبادرة السَّريعة، فإنّ الفور المبادرة إلى الفعل، وإضافة الفور إلى ضمير الآتين لإفادة شدّة اختصاص الفَور بهم، أي شدّة اتّصافهم به حتَّى صار يعرف بأنَّه فورهم، ومن هذا القبيل قولهم خرج من فوره. و(من) لابتداء الغاية. والإشارة بقوله (هذا) إلى الفور تنزيلاً له منزلة المشاهد القريب، وتلك كناية أو استعادة لكونه عاجلاً. {ومسوّمين} قرأه الجمهور ـــ بفتح الواو ـــ على صيغة اسم المفعول من سوّمه، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب ـــ بكسر الواو ـــ بصيغة اسم الفاعل. وهو مشتقّ من السُّومة ـــ بضم السين ـــ وهي العلامة مقلوب سمة لأنّ أصل سمة وسمة. وتطلق السومة على علامة يجعلها البطل لنفسه في الحرب من صوف أو ريش ملوّن، يجعلها على رأسه أو على رأس فرسه، يرمز بها إلى أنَّه لا يتّقي أن يعرفه أعداؤه، فيسدّدوا إليه سهامهم، أو يحملون عليه بسيوفهم، فهو يرمز بها إلى أنَّه واثق بحمايته نفسه بشجاعته، وصِدقِ لقائه، وأنَّه لا يعبأ بغيره من العدوّ. وتقدّم الكلام عليها في تفسير قوله تعالى: {أية : والخيل المسومة}تفسير : [آل عمران: 14] في أوّل هذه السورة. وصيغة التفعيل والاستفعال تكثران في اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة. ووصف الملائكة بذلك كناية على كونهم شداداً. وأحسب أنّ الأعداد المذكورة هنا مناسبة لجيش العدوّ لأنّ جيش العدوّ يوم بدر كان ألفاً فوعدهم الله بمدد ألف من الملائكة فلمَّا خشُوا أن يلحق بالعدوّ مدد من كُرْز المحاربي. وعدهم الله بثلاثة آلاف أي بجيش له قلب. وميمنة وميسرة كلّ ركن منها ألف، ولمَّا لم تنقشع خشيتهم من إمداد المشركين لأعدائهم وعدهم الله بخمسة آلاف، وهو جيش عظيم له قلب وميمنة وميسرة ومقدّمة وساقة، وذلك هو الخميس، وهو أعظم تركيباً وجعل كُلّ ركن منه مساوياً لجيش العدوّ كلّه.
القطان
تفسير : أذلة: جمع ذليل، وهو الضعيف المقهور. ان يمدكم: يرسل لكم مددا. منزلين: من السماء. بلى: حرف جواب يأتي بعد النفي والاستفهام المقترن بالنفي. من فورهم هذا: من ساعتهم هذه. مسوّمين: مرسَلين، أو معلَّمين. ليقطع طرفا من الذين كفروا: يُضْعِفهم بقتل رؤسائهم وصناديدهم. يكبتهم: يخزيهم. يوم بدر (ثانية). جاء التنزيل بهذه الآيات ليذكّر المؤمنين أن الله نصرهم يوم بدرٍ رغم كونهم قلة ضعفاء، لأنهم ثبتوا وصبروا، فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا انكم إن تصبروا ينصركم الله دائماً كما نصركم في ذلك اليوم العصيب. ويقع ماء بدر على مسيرة مائة وعشرين ميلاً الى الجنوب الغربي من المدينة، وكان اللقاء فيها بين المسلمين وكفار قريش يوم الثلاثاء في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة. وكان عدد المسلمين 313 رجلاً معهم ثمانية سيوف فقط ويحمل الباقون منهم قوساً أو عصا عزّلاً. اما المشركون فكانوا نحو ألف مقاتل بكامل أسلحتهم وعُددهم. وقد انجز الله وعده في هذه المعركة غير المتكافئة، فكان النصر للمؤمنين رغم قلّتهم وندرة سلاحهم. وبفضل ذلك الانتصار صارت كلمة الايمان هي العليا. وكانت بدر مقدمةً لانتصارات متلاحقة عَقَبتها حتى امتد ظل الاسلام على الجزيرة كلها. ولقد نصركم الله ببدرٍ حينما كنت يا محمد تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم لتطمئن نفوسكم ان يُعينكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة يرسلهم من عنده مدداً لكم! بلى، ان تصبروا على لقاء العدو، وتتقوا الله، ويأتِكم اعداؤكم على الفور - يرفع ربكم عدد الملائكة الى خمسة آلاف. بذلك يعجّل لكم النصر عليهم ويسهّل عليكم أمرهم. كل هذا بشارة لكم بالغلبة عليهم، ولتسكنَ به قلوبكم، اذ ما النصر الا من عند الله، فهو الذي يدبِّر الأمور على خير السنن وأقوم الوسائل. وقد نصركم الله يا محمد في ذلك اليوم ليُهلك طائفة من الذين كفروا، (وقد تم فعلاً قتل عدد كبير من صناديد قريش وكبرائهم يوم بدر) أو يذلّهم بالأسر والهزيمة والعار فيرجعوا خائبين. ليس لك أيها الرسول من التصرف في أمر العباد شيء، بل الأمر لله، يقضي فيهم ويحكم بما يشاء، فإما ان يتوب عليهم بالإيمان، أو يعذبهم بالقتل والخزي جزاء ظلمهم لأنفسهم وابتعادهم عن الهدى. وقد دل قول الله هذا دلالة لا تقبل التأويل أنه جلّت قدرته قد أمد المسلمين بالملائكة في بعض حروبهم. وقد دلت الروايات الكثيرة، واتفق المسلمون على أن الله أنزل الملائكة يوم بدر لنصرة المؤمنين، واختلفوا في انزالهم يوم أحد، وليس من شك ان الله سبحانه أنزل الملائكة يوم بدر لنُصرة المؤمنين ولكن لا نعلم نوع هذا النصر: هل كان نصراً مادياً كالقتال، أو نصراً معنوياً كتخويف المشركين، وحصول الطمأنينة للمؤمنين؟ الله أعلم ولا يجب علينا البحث والتنقيب عن ذلك، على أنه إذا بحثنا فلن نصل الى يقين. قراءات: قرأ ابن عامر "منزلين" بتشديد الزاي، والباقون "مُنزَلين". وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب: "مسوِّمين" بكسر الواو، والباقون بفتحها.
د. أسعد حومد
تفسير : (123) - لَقَدْ نَصَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ فِي مَوْقِعَةِ (بَدْرٍ)، وَكَانُوا قَلِيلِي العَدَدِ أذِلاَّءَ، وَأذَلَّ اللهُ الشِّرْكَ، وَهَزَمَ حِزْبَهُ، وَذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، لاَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ، فَإنْ تَصْبِرُوا لأمْرِ اللهِ يَنْصُرْكُمْ كَمَا نَصَرَكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَاتَّقُوا اللهَ بِطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، لِتُعِدُّوا أَنْفُسَكُمْ لِشُكْرِهِ عَلَى مَا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى أعْدَائِكُمْ، وَإظْهَارِ دِينِكُمْ. (لَقَدْ كَانَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ 317 رَجُلاً، بَيْنَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَ 900 وَ 1000 رَجُلٍ). أَذِلَّةٌ - ذَلِيلُونَ لاَ مَنْعَةَ لَكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد نقلهم من معركة فيها شبه هزيمة أو عدم انتصار إلى نصر، فكأنه يريد أن يقول: إن الأمر بالنسبة لكم أمر إلهكم الذي يرقبكم ويعينكم ويمدكم ويرعاكم. وإياكم ان تعتمدوا على العدد والعُدة ولكن اعتمدوا على الحق سبحانه وتعالى وعلى ما يريده الحق توجيها لكم، لأن مدد الله إنما يأتي لُمستَقْبل لمدد الله، ولا يأتي المدد لغير مستقبل لمدد الله. ونعرف أن فيه فرقاً بين الفاعل وبين القابل، فالفاعل شيء والقابل للانفعال بالفعل شيء آخر. وضربنا لذلك مثلاً: بأن الفاعل قد يكون واحداً، ولكن الانفعال يختلف، وحتى نقرب المسألة نقول: كوب الشاي تأتي لتشرب منه فتجده ساخناً فتنفخ فيه ليبرد، وفي الشتاء تصبح لتجد يدك باردة فتنفخ فيها لتدفأ، إنك تنفخ مرة لتبرد كوب الشاي، ومرة تنفخ لتدفئ يدك، إذن فالفاعل واحد وهو النافخ، ولكن القابل للانفعال شيء آخر، ففيه فاعل وفيه قابل، ومثال آخر: إن القرآن كلام الله ولو أنه نزل على الجبال لخرّت خاشعة، ومع ذلك يسمعه أناس، لا يستر الله عليهم بل يكشفهم لنا ويفضحهم بعظمة ألوهيته: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 16]. إنهم لم ينفعلوا بالقرآن، وقولهم: "ماذا قال آنفاً" معناه استهتار بما قيل. ونجد الحق يرد على ذلك بقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 16]. إن الفاعل واحد والقابل مختلف. ويتابع الحق بلاغه الحكيم في قوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]. إذن فمدد الله لكم إنما يتأتى لمستقبلٍ إيماني، فان لم يوجد المستقبل - بكسر الباء - فلا يوجد المدد. فاذا كنت لا تستطيع ان تستقبل ما ترسله السماء من مدد نقول لك: أصلح جهاز استقبالك؛ لأن جهاز الاستقبال كالمذياع الفاسد، إن الإرسال من الإذاعات مستمر، لكن المذياع الفاسد هو الذي لا يستقبل. إذن فإن كنت تريد أن تستقبل عن الله فلا بد أن يكون جهاز استقبالك سليماً. ويوضح الحق ذلك بقوله جل جلاله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} وهو اسمٌ لِموضِعٍ كَانَ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بَدرٌ؛ فَسُمِيَ بِهِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا امتنان منه على عباده المؤمنين، وتذكير لهم بما نصرهم به يوم بدر وهم أذلة في قلة عَددهم وعُددهم مع كثرة عدد عدوهم وعُددهم، وكانت وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بثلاث مئة وبضعة عشر من أصحابه، ولم يكن معهم إلا سبعون بعيرا وفرسان لطلب عير لقريش قدمت من الشام، فسمع به المشركون فتجهزوا من مكة لفكاك عيرهم، وخرجوا في زهاء ألف مقاتل مع العدة الكاملة والسلاح العام والخيل الكثيرة، فالتقوا هم والمسلمون في ماء يقال له "بدر" بين مكة والمدينة فاقتتلوا، ونصر الله المسلمين نصرا عظيما، فقتلوا من المشركين سبعين قتيلا من صناديد المشركين وشجعانهم، وأسروا سبعين، واحتووا على معسكرهم ستأتي - إن شاء الله - القصة في سورة الأنفال، فإن ذلك موضعها، ولكن الله تعالى هنا أتى بها ليتذكر بها المؤمنون ليتقوا ربهم ويشكروه، فلهذا قال { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } لأن من اتقى ربه فقد شكره، ومن ترك التقوى فلم يشكره، إذ تقول يا محمد للمؤمنين يوم بدر مبشرا لهم بالنصر. { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا } أي: من مقصدهم هذا، وهو وقعة بدر { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } أي: معلمين بعلامة الشجعان، فشرط الله لإمدادهم ثلاثة شروط: الصبر، والتقوى، وإتيان المشركين من فورهم هذا، فهذا الوعد بإنزال الملائكة المذكورين وإمدادهم بهم، وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط الله له الشرطين الأولين كما تقدم في قوله: {أية : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } . تفسير : { وما جعله الله } أي: إمداده لكم بالملائكة { إلا بشرى } تستبشرون بها وتفرحون { ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله } فلا تعتمدوا على ما معكم من الأسباب، بل الأسباب فيها طمأنينة لقلوبكم، وأما النصر الحقيقي الذي لا معارض له، فهو مشيئة الله لنصر من يشاء من عباده، فإنه إن شاء نصر من معه الأسباب كما هي سنته في خلقه، وإن شاء نصر المستضعفين الأذلين ليبين لعباده أن الأمر كله بيديه، ومرجع الأمور إليه، ولهذا قال { عند الله العزيز } فلا يمتنع عليه مخلوق، بل الخلق كلهم أذلاء مدبرون تحت تدبيره وقهره { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، وله الحكمة في إدالة الكفار في بعض الأوقات على المسلمين إدالة غير مستقرة، قال تعالى: {أية : ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض } .
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [123] 94- أنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر حديث : أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله، ليَدْخُلَنَّ حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبت، [لا يدخلها]؛ فإنه شهد بدرا والحديبية ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):