Verse. 417 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِذْ تَقُوْلُ لِلْمُؤْمِنِيْنَ اَلَنْ يَّكْفِيَكُمْ اَنْ يُـمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلٰثَۃِ اٰلٰفٍ مِّنَ الْمَلٰۗىِٕكَۃِ مُنْزَلِيْنَ۝۱۲۴ۭ
Ith taqoolu lilmumineena alan yakfiyakum an yumiddakum rabbukum bithalathati alafin mina almalaikati munzaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذ» ظرف لنصركم «تقول للمؤمنين» توعدهم تطمينا «ألن يكفيكم أن يمدّكم» يعينكم «ربكم بثلاثة آلافِ من الملائكة مُنْزَلينَ» بالتخفيف والتشديد.

124

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر، أو يوم أُحد ويتفرع على هذين القولين بيان العامل في {إِذْ } فإن قلنا هذا الوعد حصل يوم بدر كان العامل في {إِذْ } قوله {أية : نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 123] والتقدير: إذ نصركم الله ببدر وأنتم أذلة تقول للمؤمنين، وإن قلنا إنه حصل يوم أحد، كان ذلك بدلاً ثانياً من قوله {وَإِذْ غَدَوْتَ }. إذا عرفت هذا فنقول: القول الأول: أنه يوم أحد، وهو مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق، والحجة عليه من وجوه: الحجة الأولى: أن يوم بدر إنما أمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف من الملائكة قال تعالى في سورة الأنفال: {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ إِنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [الأنفال: 9] فكيف يليق ما ذكر فيه ثلاثة آلاف وخمسة آلاف بيوم بدر؟. الحجة الثانية: أن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً أو ما يقرب منه والمسلمون كانوا على الثلث منهم لأنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، فأنزل الله تعالى يوم بدر ألفاً من الملائكة، فصار عدد الكفار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين فلا جرم وقعت الهزيمة على الكفار فكذلك يوم أحد كان عدد المسلمين ألفاً، وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فكان عدد المسلمين على الثلث من عدد الكفار في هذا اليوم، كما في يوم بدر، فوعدهم الله في هذا اليوم أن ينزل ثلاثة آلاف من الملائكة ليصير عدد الكفار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين، فيصير ذلك دليلاً على أن المسلمين يهزمونهم في هذا اليوم كما هزموهم يوم بدر ثم جعل الثلاثة آلاف خمسة آلاف لتزداد قوة قلوب المسلمين في هذا اليوم ويزول الخوف عن قلوبهم، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل إذا قلنا إن هذا الوعد إنما حصل يوم أحد. الحجة الثالثة: أنه تعالى قال في هذه الآية {أية : وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف من ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُسَومين} تفسير : [آل عمران: 125] والمراد ويأتوكم أعداؤكم من فورهم، ويوم أحد هو اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء، فأما يوم بدر فالأعداء ما أتوهم، بل هم ذهبوا إلى الأعداء. فإن قيل: لو جرى قوله تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلافٍ مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} في يوم أحد، ثم إنه ما حصل هذا الإمداد لزم الكذب. والجواب عنه من وجهين الأول: أن إنزاله خمسة آلاف من الملائكة كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا في المغانم ثم أنهم لم يصبروا ولم يتقوا في المغانم بل خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط وأما إنزال ثلاثة آلاف من الملائكة فإنما وعد الرسول بذلك للمؤمنين الذين بوأهم مقاعد للقتال وأمرهم بالسكون والثبات في تلك المقاعد، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم إنما وعدهم بهذا الوعد بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد، فلما أهملوا هذا الشرط لا جرم لم يحصل المشروط. الوجه الثاني: في الجواب: لا نسلم أن الملائكة ما نزلت، روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أُحد ولكنهم لم يقاتلوا، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء معصب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم يا مصعب فقال الملك لست بمصعب فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ملك أمد /به، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذ فيرده على رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك، فهذا ما نقوله في تقرير هذا الوجه. إذا عرفت هذا فنقول: نظم الآية على هذا التأويل أنه تعالى ذكر قصة أحد، ثم قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي يجب أن يكون توكلهم على الله لا على كثرة عددهم وعددهم فلقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فكذلك هو قادر على مثل هذه النصرة في سائر المواضع، ثم بعد هذا أعاد الكلام إلى قصة أحد فقال: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ }. القول الثاني: أن هذا الوعد كان يوم بدر، وهو قول أكثر المفسرين، واحتجوا على صحته بوجوه. الحجة الأولى: أن الله تعالى قال: {أية : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} تفسير : [آل عمران:123] {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } كذا وكذا، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى نصرهم ببدر حينما قال الرسول للمؤمنين هذا الكلام، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا الكلام يوم بدر. الحجة الثانية: أن قلة العدد والعدد كانت يوم بدر أكثر وكان الاحتياج إلى تقوية القلب ذلك اليوم أكثر، فكان صرف هذا الكلام إلى ذلك اليوم أولى. الحجة الثالثة: أن الوعد بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقاً غير مشروط بشرط، فوجب أن يحصل، وهو إنما حصل يوم بدر لا يوم أُحد، وليس لأحد أن يقول إنهم نزلوا لكنهم ما قاتلوا لأن الوعد كان بالإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وبمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد بل لا بد من الإعانة، والإعانة حصلت يوم بدر ولم تحصل يوم أحد، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن دلائل الأولين فقالوا: أما الحجة الأولى: وهي قولكم: الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أمد يوم بدر بألف من الملائكة. فالجواب عنها: من وجهين الأول: أنه تعالى أمد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بألف ثم زاد فيهم ألفين فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زاد ألفين آخرين فصاروا خمسة آلاف، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة فقالوا بلى، ثم قال: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف فقالوا بلى، ثم قال لهم: إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف، وهو كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «حديث : أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا نعم قال أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة قالوا نعم قال فإني أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة». تفسير : الوجه الثاني في الجواب: أن أهل بدر إنما أمدوا بألف على ما هو مذكور في سورة الأنفال، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق عليهم ذلك لقلة عددهم، فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة، ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد، بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش، فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف. وأما الحجة الثانية: وهي قولكم: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً فأنزل الله ألفاً من الملائكة ويوم أحد ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف. فالجواب: إنه تقريب حسن، ولكنه لا يوجب أن لا يكون الأمر كذلك، بل الله تعالى قد يزيد وقد ينقص في العدد بحسب ما يريد. وأما الحجة الثالثة: وهي التمسك بقوله {أية : وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 125]. فالجواب عنه: أن المشركين لما سمعوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد تعرضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله تعالى: أنهم إن يأتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة فهذا حاصل ما قيل في تقرير هذين القولين، والله أعلم بمراده. المسألة الثانية: اختلفوا في عدد الملائكة، وضبط الأقوال فيها أن من الناس من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد، فقالوا: لأن الوعد بإمداد الثلاثة لا شرط فيه، والوعد بإمداد الخمسة مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم، فلا بد من التغاير وهو ضعيف، لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة بشرط أن تكون الثلاثة التي هي جزؤها مشروطة بذلك الشرط ومنهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد، أما على تقدير الأول: فإن حملنا الآية على قصة بدر كان عدد الملائكة تسعة آلاف لأنه تعالى ذكر الألف، وذكر ثلاثة آلاف، وذكر خمسة آلاف، والمجموع تسعة آلاف، وإن حملناها على قصة أحد، فليس فيها ذكر الألف، بل فيها ذكر ثلاثة آلاف، وخمسة آلاف، والمجموع: ثمانية آلاف، وأما على التقدير الثاني: وهو إدخال الناقص في الزائد فقالوا: عدد الملائكة خمسة آلاف، ثم ضم إليها ألفان آخران، فلا جرم وعدوا بالألف ثم ضم إليه ألفان فلا جرم وعدوا بثلاثة آلاف، ثم ضم إليها ألفان آخران فلام جر وعدوا بخمسة آلاف، وقد حكينا عن بعضهم أنه قال أمد أهل بدر بألف فقيل: إن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: ألن يكفيكم يعني بتقدير أن يجيء المشركين مدد فالله تعالى يمدكم أيضاً بثلاثة آلاف وخمسة آلاف، ثم إن المشركين ما جاءهم المدد، فكذا ههنا الزائد على الألف ما جاء المسلمين فهذه وجوه كلها محتملة، والله أعلم بمراده. المسألة الثالثة: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون، وهذا قول الأكثرين، وأما أبو بكر الأصم، فإنه أنكر ذلك أشد الإنكار، واحتج عليه بوجوه: الحجة الأولى: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك الأرض، ومن المشهور أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت المدائن الأربع لقوم لوط وبلغ جناحه إلى الأرض السابعة، ثم رفعها إلى السماء وقلب عاليها سافلها، فإذا حضر هو يوم بدر، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ ثم بتقدير حضوره، فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟. الحجة الثانية: أن أكابر الكفار كانوا مشهورين وكل واحد منهم مقابله من الصحابة معلوم وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة. الحجة الثالثة: الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس أو لا يراهم الناس فإن رآهم الناس فإما أن يقال إنهم رأوهم في صورة الناس أو في غير صورة الناس، فإن كان الأول فعلى هذا التقدير صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف، أو أكثر، ولم يقل أحد بذلك، ولأن هذا على خلاف قوله تعالى: {أية : وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } تفسير : [الأنفال: 44] وإن شاهدوهم في صورة غير صور الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق فإن من شاهد الجن لا شك أنه يشتد فزعه ولم ينقل ذلك ألبتة. وأما القسم الثاني: وهو أن الناس ما رأوا الملائكة فعلى هذا التقدير: إذا حاربوا وحزوا الرؤوس، ومزقوا البطون وأسقطوا الكفار عن الأفراس، فحينئذ الناس كانوا يشاهدون حصول هذه الأفعال مع أنهم ما كانوا شاهدوا أحداً من الفاعلين، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات، وحينئذ يجب أن يصير الجاحد لمثل هذه الحالة كافراً متمرداً، ولما لم يوجد شيء من ذلك عرف فساد هذا القسم أيضاً. الحجة الرابعة: أن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا، إما أن يقال: إنهم كانوا أجساماً كثيفة أو لطيفة، فإن كان الأول وجب أن يراهم الكل وأن تكون رؤيتهم كرؤية غيرهم، ومعلوم أن الأمر ما كان كذلك، وإن كانوا أجساماً لطيفة دقيقة مثل الهواء لم يكن فيهم صلابة وقوة، ويمتنع كونهم راكبين على الخيول وكل ذلك مما ترونه. واعلم أن هذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن والنبوّة، فأما من يقر بهما فلا يليق به شيء من هذه الكلمات، فما كان يليق بأبي بكر الأصم إنكار هذه الأشياء مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الأخبار قريب من التواتر، روى عبد الله بن عمر قال لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا، ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر والشبهة المذكورة إذا قابلناها بكمال قدرة الله تعالى زالت وطاحت فإنه تعالى يفعل ما يشاء لكونه قادراً على جميع الممكنات ويحكم ما يريد لكونه منزّهاً عن الحاجات. المسألة الرابعة: اختلفوا في كيفية نصرة الملائكة قال بعضهم: بالقتال مع المؤمنين، وقال بعضهم: بل بتقوية نفوسهم وإشعارهم بأن النصرة لهم وبإلقاء الرعب في قلوب الكفار، والظاهر في المدد أنهم يشركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم، ويجوز أن لا تقع الحاجة إليهم في نفس القتال وأن يكون مجرد حضورهم كافياً في تقوية القلب، وزعم كثير من المفسرين أنهم قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا في سائر الأيام. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } معنى الكفاية هو سد الخلة والقيام بالأمر، يقال كفاه أمر كذا إذا سد خلته، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال قال المفضل: ما كان على جهة القوة والإعانة قيل فيه أمده يمده، وما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده ومنه قوله {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ } تفسير : [لقمان: 27]. المسألة السادسة: قرأ ابن عامر {مُنزَلِينَ } مشدد الزاي مفتوحة على التكثير، والباقون بفتح الزاي مخففة، وهما لغتان. المسألة السابعة: قال صاحب «الكشاف»: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله ومعنى {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ } إنكار أن لا يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بلن التي هي لتأكيد النفي للاشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عددهم كالآيسين من النصر.

ابن كثير

تفسير : اختلف المفسرون في هذا الوعد، هل كان يوم بدر، أو يوم أحد؟ على قولين: (أحدهما): أن قوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} متعلق بقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} ورُوي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم، واختاره ابن جرير، قال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} قال: هذا يوم بدر، رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا داود عن عامر، يعني: الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُنزَلِينَ} ـ إلى قوله ـ {مُسَوَِّمِينَ} قال: فبلغت كُرْزاً الهزيمة، فلم يمد المشركين، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة، وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى في قصة بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} إلى قوله {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فالجواب أن التنصيص على الألف ـ ههنا ـ لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: {مُرْدِفِينَ} بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أمد الله المسلمين يوم بدر بخمسة آلاف. (القول الثاني): إن هذا الوعد متعلق بقوله: {أية : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}تفسير : [آل عمران: 121] وذلك يوم أُحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف؛ لأن المسلمين فروا يومئذ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف؛ لقوله تعالى: {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} فلم يصبروا، بل فروا، فلم يمدوا بملك واحد. وقوله: {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} يعني: تصبروا على عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري. وقوله تعالى: {وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} قال الحسن وقتادة والربيع والسدي: أي: من وجههم هذا، وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي: من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا، ويقال: من غضبهم هذا. وقوله تعالى: {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} أي: معلمين بالسيما، وقال أبو إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضاً في نواصي خيولهم، رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الآية: {مُسَوِّمِينَ} قال: بالعهن الأحمر، وقال مجاهد: {مُسَوِّمِينَ} أي: محذفة أعرافها، معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل. وقال العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: أتت الملائكة محمداً صلى الله عليه وسلم، مسومين بالصوف، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف. وقال قتادة وعكرمة: {مُسَوِّمِينَ} أي: بسيما القتال، وقال مكحول: مسومين بالعمائم. وروى ابن مردويه من حديث عبد القدوس بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {مُسَوِّمِينَ} قال: «حديث : معلمين»تفسير : . وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر. وروى من حديث حصين بن مخارق عن سعيد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر، عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون، ثم رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكر نحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة عن يحيى بن عباد: أن الزبير رضي الله عنه، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجراً بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر، رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عبد الله ابن الزبير، فذكره. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} أي: وما أنزل الله الملائكة، وأعلمكم بإنزالهم، إلا بشارة لكم، وتطييباً لقلوبكم وتطميناً، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} ولهذا قال ههنا: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} أي: هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والأحكام، ثم قال تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي: أمركم بالجهاد والجلاد؛ لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً} أي: ليهلك أمة {مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ} أي: يرجعوا {خَآئِبِينَ} أي: لم يحصلوا على ما أملوا. ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} أي: بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ}تفسير : [الرعد: 40] وقال: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة: 272] وقال: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56] وقال محمد بن إسحاق في قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، ثم ذكر تعالى بقية الأقسام، فقال {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي: مما هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضلالة {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: {فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ} أي: يستحقون ذلك. وقال البخاري: حدثنا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر عن الزهري، حدثني سالم عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر: «حديث : اللهم العن فلاناً وفلاناً»تفسير : بعدما يقول: «حديث : سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»تفسير : فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} الآية. وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر، به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل، قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل، صالح الحديث ثقة. حدثنا عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «حديث : اللهم العن فلاناً، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية»تفسير : فنزلت هذه الآية: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ} فتيب عليهم كلهم. وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية الغَلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجلان عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} إلى آخر الآية، قال: وهداهم الله للإسلام. قال محمد بن عجلان عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} الآية، وقال البخاري أيضاً: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم ابن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال: «حديث : سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»تفسير : يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «حديث : اللهم العن فلاناً وفلاناً»تفسير : لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} الآية. وقال البخاري: قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: «حديث : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟»تفسير : فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه، فقال في غزوة أحد: حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: «حديث : اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً»تفسير : بعدما يقول: «حديث : سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»تفسير : ، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} الآية. وعن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث ابن هشام، فنزلت: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ} هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة، وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد آنفاً. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: «حديث : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل؟»تفسير : فأنزل الله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ} انفرد به مسلم، فرواه عن القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح: حدثنا الحسين بن واقد عن مطر، عن قتادة، قال: أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع، وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول: «حديث : كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله عز وجل؟»تفسير : فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ} الآية، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بنحوه، ولم يقل: فأفاق. ثم قال تعالى: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي: الجميع ملك له، وأهلُهما عبيد بين يديه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي: هو المتصرف، فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذْ } ظرف لـ( نصركم) {تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } توعدهم تطميناً {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } يعينكم {رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ مّنَ ٱلْمَلَئِكَةِ مُنزَلِينَ } بالتخفيف والتشديد.

الماوردي

تفسير : {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} يعني يوم بدر. {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَن يُمدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ ءَالآفٍ مِنَ الْمَلآَئِكَةِ مُنزَلِينَ} والكفاية مقدار سد الخلة، والاكتفاء الاقتصار عليه، والإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال، والأصل في الإمداد هو الزيادة ومنه مد الماء وهو زيادته. {بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيِأْتُوكُم مِّن فَورِهِم هَذَا} فيه تأويلان: أحدهما: يعني من وجههم هذا، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة. والثاني: من غضبهم هذا، وهو قول مجاهد والضحاك وأبي صالح، وأصل الفور فور القِدْر، وهو غليانها عند شدة الحمى، ومنه فَوْرُ الغضب لأنه كَفَوْرِ القِدْر. {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسِةِ ءالآفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} قرأ بكسر الواو ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ومعناها: أنهم سوّموا خليهم بعلامة، وقرأ الباقون بفتح الواو، ومعناها: أنها سائمة وهي المرسلة في المرعى. واختلفوا في التسويم على قولين: أحدهما: أنه كان بالصوف في نواصي الخيل وآذانها، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك. الثاني: أن الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق وعليهم عمائم صفر، وهو قول هشام بن عروة. واختلفواْ في عددهم فقال الحسن: كانواْ خمسة آلاف، وقال غيره كانواْ ثمانية آلاف. قال ابن عباس لم يقاتل الملائكة إلا يوم بدر. {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَروا} فيه قولان: أحدهما: أنه كان يوم بدر بقتل صناديدهم وقادتهم إلى الكفر، وهذا قول الحسن وقتادة. والثاني: أنه كان يوم أحد، كان الذي قتل منهم ثمانية عشر رجلاً، وهذا قول السدي. {لِيَقْطَعَ طَرَفاً} ولم يقل وسطاً لأن الطرف أقرب للمؤمنين من الوسط، فاختص القطع بما هو إليهم أقرب كما قال تعالى: {أية : الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ}. تفسير : [التوبة:123] {أَوْ يَكْبِتَهُم فَيَنقَلِبُوا خَآئِبِينَ}، وفي {يَكْبِتَهُم} قولان: أحدهما: يحزنهم، وهو قول قتادة، والربيع. والثاني: الكبت: الصرع على الوجه، وهو قول الخليل. والفرق بين الخائب والآيس أن الخيبة لا تكون إلا بعد أمل، واليأس قد يكون قبل أمل. {لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ليس لك من الأمر شيء في عقابهم واستصلاحهم، وإنما ذلك إلى الله تعالى في أن يتوب عليهم أو يعذبهم. والثاني: ليس لك من الأمر شيء فيما تريده وتفعله في أصحابك وفيهم، وإنما ذلك إلى الله تعالى فيما يفعله من اللطف بهم في التوبة والاستصلاح أو في العذاب والانتقام. والثالث: أنزلت على سبب لما كسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم. واختلفوا في السبب فيه على قولين: أحدهما: أن قوماً قالوا بعد كسر رباعيته: كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم، وهو حريص على هدايتهم فنزلت هذه الآية، وهذا قول ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن وقتادة، والربيع. والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم هَمَّ بعد ذلك بالدعاء فأستأذن فيه، فنزلت هذه الآية فكف وإنما لم يؤذن فيه لما في المعلوم من توبة بعضهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} يوم بدر. {أَلَن يَكْفِيَكُمْ} الكفاية: قدر سد الخَلَّة، والاكتفاء: الاقتصار عليه. {يُمِدَّكُمْ} الإمداد: إعطاء الشيء حالاً بعد حال، من الإمداد: وهو الزيادة، ومنه مد الماء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فانزل الله {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف} إلى قوله {مسوّمين} قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين؛ ولم يمد المسلمون بالخمسة. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه إلا أنه قال {ويأتوكم من فورهم هذا} يعني كرزاً وأصحابه {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين} فبلغ كرزاً وأصحابه الهزيمة فلم يمدهم ولم تنزل الخمسة، وأمدوا بعد ذلك بألف فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {إذ تقول للمؤمنين} الآية. قال: هذا يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. وذلك يوم بدر. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {بلى إن تصبروا وتتقوا...} الآية. قال هذا يوم أحد فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد، ولو مدوا لم يهزموا يومئذ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لم يمد النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ولا بملك واحد لقول الله {إن تصبروا وتتقوا} الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {إن تصبروا وتتقوا} الآية. قال: كان هذا موعداً من الله يوم أحد عرضه على نبيه صلى الله عليه وسلم، أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أيدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ففر المسلمون يوم أحد وولوا مدبرين فلم يمدهم الله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال ""حديث : قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ينتظرون المشركين: يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} فإنما أمدكم يوم بدر بألف قال: فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا "تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من سفرهم هذا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال {من فورهم} من وجههم. وأخرج ابن جرير عن الحسن والربيع وقتادة والسدي. مثله. وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن عكرمة {من فورهم} قال: فورهم ذلك كان يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {من فورهم} قال: من غضبهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح مولى أم هانئ. مثله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {ويأتوكم من فورهم} يقول: وجههم وغضبهم. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {مسوّمين} قال: معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائمَ سوداً، ويوم أحد عمائمَ حمراً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتمراً أو مُعْتَماً بها فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر. وأخرج ابن إسحق والطبراني عن ابن عباس قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً، قد أرسلوها في ظهورهم. ويوم حنين عمائم حمراً، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عدداً ومدداً لا يضربون. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى {مسوّمين} قال: الملائكة عليهم عمائم بيض مسوّمة فتلك سيما الملائكة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الشاعر يقول: شعر : ولقد حميت الخيل تحمل شكة جرداء صافية الأديم مسوّمة تفسير : وأخرج ابن جريرعن أبي أسيد وكان بدرياً أنه كان يقول: لو أن بصري معي ثم ذهبتم معي إلى أحد لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر، قد طرحوها بين أكتافهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عروة قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء. وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن عروة قال: نزل جبريل يوم بدر على سيما الزبير، وهو معتم بعمامة صفراء. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن عباد بن عبد الله بن الزبير، أنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر، وهم طير بيض عليهم عمائم صفر، وكان على رأس الزبير يومئذ عمامة صفراء من بين الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نزلت الملائكة على سيما أبي عبد الله. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعليهِ عمامة صفراء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمير بن إسحق قال: إن أول ما كان الصوف ليوم بدر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت. فهو أول يوم وضع الصوف ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله {مسوّمين} قال: بالعهن الأحمر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {مسوّمين} قال: أتوا مسوّمين بالصوف، فسوّم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {مسوّمين} قال: معلمين مجزوزة أذناب خيولهم ونواصيها، فيها الصوف والعهن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {مسوّمين} قال: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابهم، وأنهم على خيل بلق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة {مسوّمين} قال عليهم سيما القتال. وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: كانوا يومئذ على خيل بلق. وأخرج عبد بن حميد عن عمير بن إسحق قال "لما كان يوم أحد أجلى الله الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقي سعد بن مالك يرمي، وفتى شاب ينبل لهُ كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال: ارم أبا إسحق، ارم أبا إسحق. فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وما جعله الله بشرى لكم} يقول: إنما جعلهم لتستبشروا بهم ولتطمئنوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم يومئذ لا قبله ولا بعده، إلا يوم بدر. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {وما النصر إلا من عند الله} قال: لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} قال: قطع الله يوم بدر طرفاً من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤوسهم وقادتهم في الشر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن {ليقطع طرفاً} قال: هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ذكر الله قتلى المشركين بأحد، وكانوا ثمانية عشر رجلاً فقال {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} ثم ذكر الشهداء فقال {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} الآية. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد {أو يكبتهم} قال: يخزيهم. وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع. مثله.

القشيري

تفسير : كان تسكينُ الحقِّ سبحانه لقلبِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بلا واسطة من الله - سبحانه، والربطُ على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم - فلولا بقية بقيت عليهم ما ردَّهم في حديث النصرة إلى إنزال المَلَك، وأنَّى بحديث المَلَك - والأمرُ كلُّه بِيَدِ المَلِك؟!

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ تقول} ظرف لنصركم وقت قولك {للمؤمنين} حين اظهروا العجز عن المقاتلة {ألن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة} الكفاية سد الخلة والقيام بالامر. والامداد اعانة الجيش بالجيش والمعنى انكار عدم كفاية الامداد بذلك المقدار ونفيه وكلمة ان للاشعار بانهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرته {منزلين} اى حال كونهم نازلين من السماء باذنه تعالى. قيل امدهم الله اولا بالف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة وانما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذا}: ظرف لنصركم، إذا قلنا: إن الإمداد يوم بدر فقط، أو بدل من {إذ غدوت}، إذا قلنا: كان الإمداد يوم أحد بشرط الصبر، فملا لم يصبروا لم يقع. والتسويم: التعليم. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولقد نصركم الله ببدر حين كنت {تقول للمؤمنين} حين رأوا كثرة عدوهم وقلة عدتهم وعددهم: {ألن يكفيكم} في القوة والكثرة، {أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنزلين} في السحاب؟ {بلى} يكفيكم كما وعدكم، {إن تصبروا} وتثبتوا {وتتقوا} الله {ويأتوكم من فورهم} أي: من سرعتهم {هذا} الوقت، {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} بلا تراخ ولا تأخير، {مسومين} أي: مُعَلَّمين بعمائم بيض إلا جبريل، فإنه كان عمامته صفراء. أو معلمين أنفسَهم أو خيلَهم. قيل: كانت مجزوزة الأذناب، وقيل: كانت بُلْقاً. فإن قلت: ما ذكر في الأنفال إلا ألفاً، هنا خمسة آلاف. فالجواب: أن الله تعالى أمدهم أولاً بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال معنا، ولا يقاتلون. هـ. الإشارة: كل من توجَّه لجهاد نفسه في الله، واشتغل بذكر مولاه، أمده الله في الباطن بالأنوار والأسرار، وفي الظاهر بالملائكة الأبرار، وقد شوهد ذلك في الفقراء أصحابنا، إذا كانوا ثلاثة رآهم العامة ثلاثين، وإذاكانوا ثلاثين رأوهم ثلاثمائة، وقد كنا في سَفْره سبعين، فرأونا سبعمائة على ما أخبرونا به،{أية : وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [آل عِمرَان: 13].

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وحده منزلين بتشديد الزاي الباقون بالتخفيف. التقدير اذكروا {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم} وفيه إخبار أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لقومه: ألن يكفيكم يوم بدر بأن أمدكم بثلاثة الاف من الملائكة منزلين، ثم قال {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} يعني يوم أحد. وقال ابن عباس، والحسن وقتادة، ومالك بن ربيعة وغيرهم: ان الامداد بالملائكة كان يوم بدر. وقال ابن عباس لم يقاتل الملائكة (ع) إلا يوم بدر، وكانوا في غيره من الايام عدة ومدداً. وقال الحسن: كان جميعهم خمسة آلاف. وقال غيره: كانوا ثمانية آلاف. اللغة: وقوله: {ألن يكفيكم} فالكفاية مقدار يسد به الخلة تقول: كفاه يكفيه كفاية، فهو كاف: إذا قام بالأمر، واستكفيته أمراً فكفاني، واكتفى به اكتفاء. وكفاك هذا الأمر أى حسبك. والفرق بين الاكتفاء والاستغناء، أن الاكتفاء هو الاقتصار على ما ينفي الحاجة والاستغناء الاتساع فيما ينفي الحاجة، فلذلك يوصف تعالى بأنه غني بنفسه لاتساع مقدوره من حيث كان قادراً لنفسه لا يعجزه شيء. وقوله: {أن يمدكم} فالامداد هو إعطاء الشيء حالا بعد حال. والمعني في الآية ان الله أعطاهم القوة في أنفسهم ثم زادهم قوة بالملائكة والمد في السير هو الاستمرار عليه. وامتد بهم السير: إذا طال، واستمر، ومددت الشيء إذا جذبته. والمد زيادة الماء تقول: مد الماء وأمد الجرح وامددت العسكر. والمادة زيادة مستمرة، والمدة أوقات مستمرة إلى غاية. والمداد ما يكتب به. والمد مكيال مقداره ربع الصاع.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ تَقُولُ} ظرف لنصركم او بدل من قوله {اذ همّت} او بدل ثانٍ من قوله {اذ غدوت} يعنى انّ الله كان سميعاً اذ تقول {لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} فى مقام الاستدلال على صدق النّبىّ (ص) ووعده، او فى مقام المحاجّة على الاعداء، او فى مقام المقاتلة مع الاعداء، والاتيان بلن الدّالّة على تأبيد النّفى للاشارة الى انّهم ظنّوا بحسب غفلتهم وعدم تفكّرهم وضعف انتقالهم او بحسب قلّة عددهم وعُددهم انّه لن يكفيهم ابداً {أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَىۤ} محكّى لقول النبىّ (ص) او ابتداء كلام من الله خطاباً لمحمّد (ص) وامّته كأنّه قال الله تعالى بلى يكفيكم فهى ايجاب للكفاية وليس قوله تعالى {إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} بياناً لما افادته بلى بل هو وعد لهم بالزّيادة على هذا العدد فى الامداد بشرط الثّبات والتّقوى عن الفشل والفرار فان تصبروا {وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} الفور مصدر فار اذا غلى استعير للسّرعة ثمّ استعمل فى الزّمان الحاضر الّذى لا تراخى فيه اصلاً، او من فوران الغضب يعنى ان يأتوكم من اجل شدّة غضبهم {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} معلّمين بعلامات يمتازون بها عن غيرهم وقرئ بكسر الواو من سوّم على القوم اغار عليهم ويستفاد من بعض الاخبار انّه كما كان النّصر ببدر كان هذا الوعد ايضاً ببدر وانّ الملائكة النّازلة كانت اوّلاً ثلاثة آلاف ثمّ لحق بهم الفان، وفى بعض الاخبار اشارة الى انّ هذا الوعد كان فى غزوة احد.

الهواري

تفسير : قوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} رجع إلى قصة أحد {أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنزَلِينَ} أي ينزلهم عليهم من السماء. {بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا} أي من وجههم هذا في تفسير الحسن. وقال مجاهد: أي: من غضبهم هذا. {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} أي مُعلَمين. قال أمِدّوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. وقال بعضهم في قوله: (أية : أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ) تفسير : [الأنفال: 9] قال: وثلاثة آلاف منزلين، فصاروا أربعة آلاف. وقال: {بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}، وعَدَه خسمة آلاف [إن جاءوا من ذلك الفور، فلم يجيئوا من ذلك الفور ولم يُمِدّه بخمسة آلاف، وإنما أمدّه بألف مردفين وبثلاثة آلاف منزلين] فهم أربعة آلاف، وهم اليوم في جنود المسلمين. قوله: مسوَّمين، أي: معلَمين. قال مجاهد: بالصوف الأبيض في نواصي خيلهم. وقال بعضهم: كان سيما الملائكة يوم بدر العمائم. وقال بعضهم مسوّمين، أي: عليهم سيما القتال، وذلك يوم بدر. قال: وسيماهم الصوف الأبيض في نواصي خيلهم وأذنابها، وهم على خيل بُلق. وذكر بعضهم أن الخيل البلق لم تر بعد غزوة الأحنف.

اطفيش

تفسير : {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ}: إذ متعلق بنصر، فيكون الوعد بثلاثة آلاف من الملائكة، واقعاً يوم بدر، أو بدل ثان من إذ غدوت على جواز تعدد البدل، فيكون القول لهم يوم أحد، والوعد فى قصته، وشرط الصبر والتقوى فلم يصبروا على الغنائم، فلم تنزل الملائكة. {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ}: يعينكم بزيادة. {بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنَزَّلِين}: قال بعضهم {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِين أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} رجوع إلى قصة أحد بعد الاعتراض، بذكر بدر واعترض بذكره ليعلمهم أنهم فى أحد ينصرون كما نصروا فى بدر، إن صبروا واتقوا، وممن قال هذه الآيات من قوله {أية : وإذ غدوت}تفسير : إلى {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا}تفسير : فى بدر، قال قتادة: إن هذا يوم بدر أمدكم الله بألف من الملائكة، كما قال فى سورة الأنفال {أية : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين}تفسير : ثم زاد ألفين فصاروا ثلاثة آلاف كما ذكر فى هذه الآية، ثم زاد ألفين فكانوا خمسة آلاف كما قال: {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِين}.

اطفيش

تفسير : {إِذْ تَقُولُ} متعلقة بنصر، فالكلام فى وقعة بدر، وهو الراجح، أو بدل ثان إن جعلت إذ قبلها بدلا، أو بدل من إذ قبلها، أو منصوبة باذكر، والجمهور أن هذا من تمام قصة بدر وقيل، من تمام قصة أحد، فصل بينهما بقوله: ولقد نصركم، وأفرد الخطاب بالنبى صلى الله عليه وسلم، لأن وقوع النصر ببشارته، والمراد بهذا الوقت الوقت الممتد الذى وقع فيه ما ذكر بعده، وصيغة المضارع لاستحضار الحال الماضية، كأنها مشاهدة، إلا فمقتضى الظاهر إذ قلت {لِلْمُؤْمِنِينَ} حين أظهروا العجزعن القتال، لكون كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين، وذلك فى بدر، ولما بلغته الهزيمة لم يمدهم {أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ} يعينكم، ويقال فى الزيادة مده مدا، وقيل أمده فى الخير ومده فى الشر، والإمداد والمد إعطاء الشىء حالا بعد حال، ولو فسر بالزيادة مطلقا رباعيا أو ثلاثيا فى الخير والشر لجاز {رَبُّكَمِ بِثَلاَثَةِ ءَالآفِ مِّنَ المَلآَئِكَةِ مُنزَلِينَ} من السماء الثالثة، الاستفهام توبيخ أو تقرير، وكان النفى بلن، لأنها أبلغ، وهى التأييد، أظهر ما فيهم من شبه الإياس من النصر لضعفهم وقلتهم بالنسبة لعدوهم وفى وجوههم بالإنزال تعظيم، أى ثلاثة آلاف من الملائكة.

الالوسي

تفسير : {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ظرف لِـ {أية : نَصَرَكُمُ } تفسير : [آل عمران: 123]، والمراد به وقت ممتد وقدم عليه الأمر بالتقوى إظهاراً لكمال العناية، وقيل: بدل ثان من {أية : إِذْ غَدَوْتَ}تفسير : [آل عمران: 121] وعلى الأول: يكون هذا القول ببدر، وعلى ذلك الحسن وغيره. وأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبـي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربـي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى {أَلَنْ يَكْفَيكُمْ } الخ فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين. وعلى الثاني: يكون القول بأحد وكان مع اشتراط الصبر والتقوى عن المخالفة ولم يوجدا منهم فلم يمدوا، ونسب ذلك إلى عكرمة وقتادة في إحدى الروايتين عنه. {أَلَنْ يَكْفَيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالَٰفٍ مّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُنزَلِينَ } الكفاية سد الحاجة وفوقها الغنى بناءاً على أنه الزيادة على نفي الحاجة والإمداد في الأصل إعطاء الشيء حالاً بعد حال، ويقال مد في السير إذا استمر عليه، وامتد بهم السير إذا طال واستمر، وعن بعضهم ما كان بطريق التقوية والإعانة يقال فيه أمده يمده إمداداً وما كان بطريق الزيادة يقال فيه: مده مداً، وقيل: يقال: مده في الشر وأمده في الخير والهمزة لإنكار أن لا يكفيهم ذلك، وأتى بلن لتأكيد النفي بناءاً على ما ذهب إليه البعض، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعددهم، وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار، وأن يمدكم في تأويل المصدر فاعل بيكفيكم ومن الملائكة بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. ومنزلين صفة لثلاثة آلاف، وقيل: حال من (الملائكة) وفي وصفهم بذلك إشارة إلى أنهم من أشرف الملائكة وقد أنزلوا على ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره من السماء الثالثة وذكر سر ذلك في «الفتوحات»، وقرىء منزلين بالتشديد للتكثير أو للتدريج، وقرىء مبنياً للفاعل من الصيغتين على معنى منزلين الرعب في قلوب أعدائكم أو النصر لكم والجمهور على كسر التاء من ثلاثة، وقد أسكنت في الشواذ ووقف عليها بإبدالها هاءاً أيضاً على أنه أجرى الوصل مجرى الوقف فيهما ويضعف ذلك أن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 124- وكان النصر حين قال الرسول للمؤمنين: ألن يكفيكم فى طمأنينة نفوسكم إعانة ربكم إياكم بثلاثة آلاف من الملائكة مرسلين من عند الله لتقويتكم. 125- بلى يكفيكم ذلك الإمداد، وإن تصبروا على القتال، وتلتزموا التقوى، ويأتكم أعداؤكم على الفور يزد ربكم الملائكة إلى خمسة آلاف مرسلين من عند الله لتقويتكم. 126- وما جعل اللَّه الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم بالنصر، ولتسكن به قلوبكم، ليس النصر إلا من عند الله الذى يضع الأشياء فى مواضعها، ويدير الأمور لعبادة المؤمنين. 127- وقد نصركم ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل، أو يذلهم ويغيظهم بالهزيمة والعار والخزى، فيرجعوا خائبين. 128- ليس لك من التصرف فى أمر عبادى شئ، بل الأمر لله، فإما أن يتوب عليهم بالإيمان، أو يعذبهم بالقتل والخزى والعذاب يوم القيامة لأنهم ظالمون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ألن يكفيكم: الاستفهام إنكاري أي ينكرعدم الكفاية. ومعنى يكفيكم يسد حاجتكم. أن يمدكم: أي بالملائكة عوناً لكم على قتال أعدائكم المتفوقين عليكم بالعدد والعتاد. الملائكة: واحدهم ملاك وهم عباد الله مكرمون مخلقون من نور لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. بلى: حرف إجابة أي يكفيكم. من فورهم هذا: أي من وَجْهِهمِ في وقتهم هذا. مسومين: معلمين بعلامات تعرفونهم بها. إلا بشرى لكم: البشرى: الخبر السار الذي يتهلل له الوجه بالبشر والطلاقة. ولتطمئن به قلوبكم: اطمئنان القلوب سكونها وذهاب الخوف والقلق عنها. ليقطع طرفاً: الطرف الطائفة، يريد ليهلك من جيش العدو طائفة. أو يكبتهم: أي يخزيهم ويذلهم. فينقلبوا خائبين: يرجعوا إلى ديارهم خائبين لم يحرزوا النصر الذي أمّلوه. معنى الآيات: ما زال السياق في تذكير الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما تم لهم من النصر في موقف الصبر والتقوى في بدر فقال: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} عندما بلغهم وهم حول المعركة أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين برجاله يقاتلون معهم فشق ذلك على أصحابك فقلت: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ} بلى: أي يكفيكم. {إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} أي من وجههم ووقتهم هذا {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} بعلامات وإشارات خاصة بهم، ولما انهزم كرز قبل تحركه وقعد عن إمداد قريش بالمقاتلين لم يمد الله تعالى رسوله والمؤمنين بما ذكر من الملائكة فلم يزدهم على الألف الأولى التي أمدهم بها لما استغاثوه في أول المعركة جاء ذلك في سورة الأنفال في قوله تعالى: {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ} تفسير : [الأنفال: 9] فهذه الألف هي التي نزلت فعلاً وقاتلت مع المؤمنين وشوهد ذلك وعلم به يقيناً، أما الوعد بالإِمداد الأخير فلم يتم لأنه كان مشروطاً بإمداد كرز لقريش فلما لم يمدهم، لم يمد الله تعالى المؤمنين، فقال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} أي الإمداد المذكور {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} تطمئن به قلوبهم وتسكن له نفوسهم فيزول القلق والاضطراب الناتج عن الخوف من إمداد كرز المشركين بالمقاتلين، ولذا قال تعالى {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} العزيز أي الغالب، الحكيم الذي يضع النصر في موضعه فيعطيه مستحقه من أهل الصبر والتقوى {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} وقد فعل فأهلك من المشركين سبعين، أو يكبتهم أي يخزيهم ويذلهم إذ أُسِرَ منهم سبعون {فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ} لم يحققوا النصر الذي أرادوه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سبب هزيمة المسلمين في أحد وهو عدم صبرهم وإخلالهم بمبدأ التقوى إذ عصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا من الجبل يجرون وراء الغنيمة هذا على تفسير أن الوعد بالثلاثة آلاف وبالخمسة كان بأحد، وكان الوعد مشروطاً بالصبر والتقوى فلما لم يصبروا ولم يتقوا لم يمدهم بالملائكة الذين ذكر لهم. 2- النصر وإن كانت له عوامله من كثرة العدد وقوة العدة فإنه بيد الله تعالى فقد ينصر الضعيف ويخذل القوي، فلذا وجب تحقيق ولاية الله تعالى أولاً قبل إعداد العدد. وتحقيق الولاية يكون بالإِيمان والصبر والطاعة التامة لله ولرسوله ثم التوكل على الله عز وجل. 3- ثبوت قتال الملائكة مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر قتالاً حقيقياً، لأنهم نزلوا في صورة بشر يقاتلون على خيول، وعليهم شاراتهم وعلاماتهم، ولا يقولنّ قائل: الملك الواحد يقدر على أن يهزم ملايين البشر، فكيف يعقل اشتراك ألف ملك في قتال المشركين وهم لا يزيدون عن الألف رجل، وذلك أن الله تعالى أنزلهم في صورة بشر فأصبحت صورتهم وقوتهم قوة البشر، ويدل على ذلك ويشهد له أنّ ملك الموت لما جاء موسى في صورة رجل يريد أن يقبض روحه ضربه موسى عليه السلام ففقأ عينه، وعاد إلى ربّه تعالى ولم يقبض روح موسى عليهما معاً السلام. من رواية البخارى.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ} {ٱلْمَلاۤئِكَةِ} (124) - إِذْ كُنْتَ تَقُولُ لِلْمُؤمِنينَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: إنَّ اللهَ سَيُمدُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ألاَ يَكْفِيكُمْ هَذَا العَدَدُ؟ (وَكَانَ المُسْلِمُونَ قَدْ بَلَغَهُمْ، يَوْمَ بَدْرٍ، أنَّ كَرَزَ بْنَ جَابِرٍ المُحَارِبيُّ يُريدُ أنْ يُمدَّ قُرَيْشاً، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ تَثْبِيتاً لِقُلُوبِهِمْ). (ويُجْمِعُ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أنَّ اللهَ تَعَالَى أنْزَلَ المَلاَئِكَةَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنَّهُمْ شَارَكُوا فِي قِتَالِ الكُفَّارِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ تُقَاتِلِ المَلاَئِكَةُ سِوَى يَوْمِ بَدْرِ). الإِمدَادُ - تَقْدِيمُ المَدَدِ لِلْجَيْشِ مِنْ عُدَّةٍ وَسِلاَحٍ وَرِجَالٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويبين سبحانه وتعالى كيفية إصلاح جهاز الاستقبال لتلقي مدد الله فيقول: {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إمداده لنصرة عباده بقوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} [آل عمران: 124]، إشارة في تحقيق الآيات: إن نور نبوة النبي صلى الله عليه وسلم يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقابلة الشيطان، ومجاهدة النفس، ومكايدة الشيطان والهوى، والركون إلى زخارف الدنيا والميل إليها، {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ} [آل عمران: 124]؛ يعني: الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس لقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} تفسير : [التوبة: 26]، فتقوى بها قلوبكم لدفع خوف البشرية ورفع عجز الحيوانية، ويحييها بروح رباني كما قال تعالى: {أية : وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تفسير : [المجادلة: 22]. {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ} [آل عمران: 125] على مخالفة النفس ونهيها عن هواها {وَتَتَّقُواْ} [آل عمران: 125]، بالله عما سواه {وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ} [آل عمران: 125]؛ أي: يزدكم في الإمداد بالجنود الروحانية وهم {مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125]، بسوم الربانية. {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 126]؛ أي: ما ذكر الله الملائكة وعددهم {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} [آل عمران: 126]؛ أي: لاستبشاركم بالمدد الإلهي، {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عمران: 126]، بذكر الملائكة وكثرة عددهم؛ لأنكم أرباب الوسائط المحتجبون عن الله برؤية الوسائط، وأما القلوب {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 28] فالله تعالى رفع الوسائط بينه وبينهم وقال: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} تفسير : [الزمر: 36]، ولهذا التحقيق قال الله تعالى: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 126]؛ يعني: ليس النصر من الملائكة وغيرهم إلا من عند الله؛ لأنه هو {ٱلْعَزِيزِ} [آل عمران: 126] الذي يعز من يشاء بالنصر، ويذل من يشاء بالقهر، {أية : فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} تفسير : [فاطر: 10] {ٱلْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] الذي بحكمته يعز من يشاء على من يشاء كيف يشاء متى شاء على ما يشاء. {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [آل عمران: 127]؛ يعني: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 126] ليقهر بعض الصفات النفسانية وهي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته، {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} [آل عمران: 127]؛ أي: يغلبهم ويظفر بهم كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}تفسير : [يوسف: 21]، {فَيَنقَلِبُواْ} [آل عمران: 127]؛ يعني: النفس وصفاتها، {خَآئِبِينَ} [آل عمران: 127]، فما كانا يرجون أن يظفروا بالروح وصفاته ويغلبوهم.