Verse. 418 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

بَلٰۗى۝۰ۙ اِنْ تَصْبِرُوْا وَتَتَّقُوْا وَيَاْتُوْكُمْ مِّنْ فَوْرِھِمْ ھٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَۃِ اٰلٰفٍ مِّنَ الْمَلٰۗىِٕكَۃِ مُسَوِّمِيْنَ۝۱۲۵
Bala in tasbiroo watattaqoo wayatookum min fawrihim hatha yumdidkum rabbukum bikhamsati alafin mina almalaikati musawwimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«بلى» يكفيكم ذلك وفي الأنفال بألف لأنه أمدهم أولا بها ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى «إن تصبروا» على لقاء العدو «وتتقوا» الله في المخالفة «ويأتوكم» أي المشركون «من فورهم» وقتهم «هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوَّمينَ» بكسر الواو وفتحها أي معلمين وقد صبروا وأنجز الله وعده بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم.

125

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: بلى: إيجاب لما بعد (لن) يعني بل يكفيكم الإمداد فأوجب الكفاية، ثم قال: {إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } يعني والمشركون يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر من ذلك العدد وهو خمسة آلاف، فجعل مجيء خمسة آلاف من الملائكة مشروطة بثلاثة أشياء، الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور، فلما لم توجد هذه الشرائط لا جرم لم يوجد المشروط. المسألة الثانية: الفور مصدر من: فارت القدر إذا غلت، قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} تفسير : [هود: 40] قيل إنه أول ارتفاع الماء منه ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة، يقال جاء فلان ورجع من فوره، ومنه قول الأصوليين الأمر للفور أو التراخي، والمعنى حدة مجيء العدو وحرارته وسرعته. المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم {مُسَوّمِينَ } بكسر الواو أي معلمين علموا أنفسهم بعلامات مخصوصة، وأكثر الأخبار أنهم سوموا خيولهم بعلامات جعلوها عليها، والباقون بفتح الواو، أي سومهم الله أو بمعنى أنهم سوموا أنفسهم، فكان في المراد من التسويم في قوله {مُسَوّمِينَ } قولان الأول: السومة العلامة التي يعرف بها الشيء من غيره، ومضى شرح ذلك في قوله {أية : وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } تفسير : [آل عمران: 14] وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء ليعرف بها، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «حديث : سوموا فإن الملائكة قد سومت» تفسير : قال ابن عباس: كانت الملائكة قد سوموا أنفسهم بالعمائم الصفر، وخيولهم وكانوا على خيل بلق، بأن علقوا الصوف الأبيض في نواصيها وأذنابها، وروي أن حمزة بن عبد المطلب كان يعلم بريشة نعامة، وأن علياً كان يعلم بصوفة بيضاء وأن الزبير كان يتعصب بعصابة صفراء وأن أبا دجانة كان يعلم بعصابة حمراء. القول الثاني: في تفسير المسومين إنه بمعنى المرسلين مأخوذاً من الإبل السائمة المرسلة في الرعي، تقول أسمت الإبل إذا أرسلتها، ويقال في التكثير سومت كما تقول أكرمت وكرمت، فمن قرأ {مُسَوّمِينَ } بكسر الواو فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيلها على الكفار لقتلهم وأسرهم، ومن قرأ بفتح الواو فالمعنى أن الله تعالى أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات والحشيش.

المحلي و السيوطي

تفسير : {بَلَىٰ } يكفيكم ذلك، وفي الأنفال { أية : بألف } تفسير : [9:8] لأنه أمدّهم أوّلاً بها ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى {إِن تَصْبِرُواْ } على لقاء العدو {وَتَتَّقُواْ } الله في المخالفة {وَيَأْتُوكُم } أي المشركون {مّن فَوْرِهِمْ } وقتهم {هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ ٱلْمَلَٰئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } بكسر الواو وفتحها، أي معلمين وقد صبروا وأنجز الله وعده بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَوْرِهِمْ} وجههم، أو غضبهم من فور القِدْر وهو غليانها، ومنه فور الغضب. {مُسَوَّمِينَ} بالفتح أرسلوا خيلهم في المرعى، وبالكسر سوموها بعلائم في نواصيها وأذنابها، أو نزلوا على خيل بلق وعليهم عمائم صفر. وكانوا خمسة آلاف عند الحسن، وعند غيره ثمانية آلاف قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.

ابو السعود

تفسير : {بَلَىٰ} إيجابٌ لما بعد {لَنْ} وتحقيقٌ له أي بلى يكفيكم ذلك ثم وعدَهم الزيادةَ بشرط الصبرِ والتقوى حثاً لهم عليهما وتقويةً لقلوبهم فقال: {إِن تَصْبِرُواْ} على لقاء العدو ومناهضتِهم {وَتَتَّقُواْ} معصيةَ الله ومخالفةَ نبـيِّه عليه الصلاة والسلام {وَيَأْتُوكُمْ} أي المشركون {مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} أي من ساعتهم هذه، وهو في الأصل مصدرُ فارَت القِدرُ أي اشتد غَلَيانُها ثم استُعير للسرعة ثم أُطلق على كل حالةٍ لا ريث فيها أصلاً، ووصفُه بهذا لتأكيد السرعةِ بزيادة تعيـينِه وتقريبِه. ونظمُ إتيانِهم بسرعة في سلك شرطَي الإمداد المستتبِعَيْن له وجوداً وعدماً ــ أعني الصبرَ والتقوى مع تحقق الإمدادِ لا محالةَ سواءٌ أسرعوا أو أبطأوا ــ لتحقيق أصلِه أو لبـيانِ تحقّقِه على أي حال فُرِضَ، على أبلغ وجهٍ وآكَدِه بتعليقه بأبعدِ التقاديرِ ليُعلم تحقُّقُه على سائرها بالطريق الأوْلى، فإن هجومَ الأعداءِ وإتيانَهم بسرعة من مظانّ عدمِ لُحوق المددِ عادةً، فعُلِّق به تحققُ الإمدادِ إيذاناً بأنه حيث تحقق مع ما ينافيه عادةً فلأَنْ يتحقَّقَ بدونه أولى وأحرى كما إذا أردتَ وصفَ درعٍ بغاية الحَصانة تقول: إن لبستَها وبارزتَ بها الأعداءَ فضربوك بأيدٍ شدادٍ وسيوفٍ حِدادٍ لم تتأثرْ منها قطعاً {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُسَوّمِينَ} من التسويم الذي هو إظهارُ سيما الشيءِ أي مُعْلِمين أنفسَهم أو خيلَهم، فقد رُوي أنهم كانوا بعمائمَ بـيضٍ إلا جبريلَ عليه السلام فإنه كان بعمامة صفراءَ على مثال الزبـير بنِ العوام، وروي أنهم كانوا على خيل بُلْقٍ. قال عروةُ بنُ الزبـير: كانت الملائكةُ على خيل بُلْق عليهم عمائمُ بـيضٌ قد أرسلوها بـين أكتافِهم. وقال هشامُ بنُ عروة: عمائمُ صُفْرٌ. وقال قتادة والضحاك: كانوا قد أَعْلموا بالعِهْن في نواصي الخيلِ وأذنابِها، روي أن النبـيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «حديث : تسوَّموا فإن الملائكةَ قد تسوَّمت» تفسير : وقرىء مسوَّمين على البناء للمفعول ومعناه مُعْلِمين من جهته سبحانه، وقيل: مرسَلين من التسويم بمعنى الإسامة.

اسماعيل حقي

تفسير : {بلى} ايجاب لما بعد ان وتحقيق له اى بلى يكفيكم ذلك ثم وعدهم الزيادة بشرط الصبر والتقوى حثا لهم عليهما وتقوية لقلوبهم فقال {ان تصبروا} على لقاء العدو ومناهضتهم {وتتقوا} معصية الله ومخالفة نبيه صلى الله عليه وسلم {ويأتوكم} اى ان يجيئكم المشركون {من فورهم هذا} اى من ساعتهم هذه {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} فى حال اتيانهم لا يتأخر نزولهم عن اتيانهم يريد ان الله يعجل نصرتكم ويسهل فتحكم ان صبرتم واتقيتم {مسومين} من التسويم الذى هو اظهار سيما الشىء اى معلمين انفسهم او خيلهم فى اذنابها ونواصيها بالصوف الابيض قال عليه السلام "حديث : لاصحابه تسوموا فان الملائكة قد تسومت " .تفسير : ـ روى ـ ان الملائكة كانوا بعمائم بيض الا جبريل عليه السلام فانه كان بعمامة صفراء على مثال الزبير بن العوام ونزلوا على الخيل البلق موافقة لفرس المقداد واكراما له.

الطوسي

تفسير : القراءة والمعنى: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم {مسومين} بكسر الواو. الباقون بفتحها. والقراءة بالكسر أقوى، لأن الأخبار وردت بأنهم سوموا خيلهم بعلامة جعلوها عليها. وقال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك: كانوا علموا بالصوف في نواصي الخيل وأذنابها. وروى هشام عن عروة قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بُلق وعليهم عمائم صفر. قال السدي، وغيره من أهل التأويل: معنى {مسومين} معلمين. اللغة، والمعنى: ومن قرأ بالفتح أراد معنى مرسلين من الابل السائمة يعني المرسلة في المرعى والسيما العلامة قال الله تعالى {أية : سيماهم في وجوههم من أثر السجود}تفسير : فالتسويم العلامة قال الشاعر: شعر : مسومين بسيما النار أنفسهم لا مهتدين ولا بالحق راضينا تفسير : وأصل الباب السوم في المرعى، وهو الاستمرار فيه فمنه السيماء، لأنهم كانوا يعلمونها: إذا أرسلت في المرعى لئلا تختلط، ومنه السوم في البيع، ومنه سوم الريح استمرارها في هبوبها. ومنه سوم الخسف، لأنه استمرار في إلزام الشر. وقوله: {ومن فورهم} قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع، والسدي وابن زيد: معناه من وجههم. وقال مجاهد والضحاك وأبو صالح من غضبهم، فعلى القول الأول إنما هو فور الانتداب لهم، وهو ابتداؤه، وعلى القول الثاني فور الغضب، وهو غليانه. وأصل الفور فور القدر، وهو غليانها عند شدة الحمى، فمنه فورة الغضب، لأنه كفور القدر بالحمى، ومنه جاء فلان على الفور أي على أشد الحمى، لفعله قبل أن تبرد نفسه. ومنه فارت العين بالماء أي جاشت به ومنه الفوارة، لأنها تفور بالماء كما تفور القدر بما فيها. فان قيل: كيف قال في الآية الأولى ان الامداد بثلاثة آلاف، وفي هذه بخمسة آلاف. وهذا ظاهر التناقض؟! قلنا: لا تناقض في ذلك لأن في الآية الأولى وعد الله المؤمنين على لسان نبيه بأن يمدهم بثلاثة آلاف منزلين ثم قال {بلى إن تصبروا وتتقوا} يعني تصبروا على الجهاد، والقتال، وتتقوا معاصي الله {ويأتوكم من فورهم} وهذا يعني ان رجعوا إليكم، لأن الكفار في غزاة أحد بعد انصرافهم ندموا لم لم يعبروا على المدينة وهموا بالرجوع، فأوحى الله تعالى إلى نبيه أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم. وقال لهم {أية : إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله}تفسير : ثم قال إن صبرتم على الجهاد وراجعتم الكفار، أمدكم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، فأخذوا في الجهاز فبلغ ذلك قريشاً فخافوهم أن يكون قد التأم اليهم من كان تأخر عنهم وانضم إليهم غيرهم، فدسوا نعيم بن مسعود الاشجعي حتى قصدهم بتعظيم أمر قريش واسرعوا. والقصة معروفة ولذلك قال قوم من المفسرين: ان جميعهم ثمانية آلالف وقال الحسن جميعهم خمسة آلاف منهم الثلاثة آلاف المنزلين على أن الظاهر يقتضي أن الامداد بثلاثة آلاف كان يوم بدر، لأن قوله: {إذ تقول للمؤمنين} متعلق بقوله: {ولقد نصركم الله ببدر} {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} ثم استأنف حكم يوم أحد، فقال: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم} يعني رجعوا عليكم بعد انصرافهم أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. والقصة في ذلك معروفة على ما بيناه, وعلى هذا لا تنافي بينهما، وهذا قول البلخي رواه عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: لم يمدوا يوم أحد ولا بملك واحد. فان قيل لم لم يمدوا بالملائكة في سائر الحروب؟ قلنا: ذلك تابع للمصلحة فاذا علم الله المصلحة في إمدادهم أمدهم.

اطفيش

تفسير : {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِين}: صبروا يوم بدر، فأمدهم الله بخمسة آلاف، ولم يصبروا يوم أحد، فلم يمدوا بشىء إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمد بجبريل وميكائيل، كما مر لأنه صبر ولم ينهزم، فكانا يقاتلان معه أشد القتال، فهذا استثناء من قول ابن عباس: لم تقاتل الملائكة فى معركة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك فكانوا يشهدون القتال، ولا يقاتلون، إنما يكون عدداً ومددا. وقيل: نزلت الملائكة أيضاً يوم أحد ولم تقاتل. حديث : وروى أنه أعطى اللواء مصعب بن عمير، فقتل مصعب، فأخذه ملك فى صورته، فقال صلى الله عليه وسلم: "تقدم يا مصعب"تفسير : ، فقال الملك: لست بمصعب، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ملك أمر به قال ابن أبى وقاص: كنت أرمى السهم يومئذ فيرده على رجل أبيض حسن الوجه، وما كنت أعرفه فظننت أنه ملك، وقال الحسن: هؤلاء الخمسة الآلاف ردع للمؤمنين إلى يوم القيامة. قال الشعبى: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربى يريد إن يمد المشركين، فشق ذلك على المؤمنين، فأنزل الله تعالى {أية : أن يكفيكم أن يمدكم}تفسير : إلى {مسومين}، فبلغ كرز الهزيمة، فرجع ولم يمدهم، وكانوا يوم بدر أحوج إلى الإمداد لقلة العدد والعدة، وممن قال هذه الآيات فى أحد: عكرمة والضحاك، ومقاتل. قال ابن اسحاق: لما انجلى القوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقى سعد بن مالك يرمى، وفتى شاب يتنبل له كلما فنى النبل أتاه به ونثره بين يديه، وقال: إرم أبا إسحاق، ارم أبا أبا، مرتين، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل، فلم يعرف، واحتج أصحاب هذا القول بأن المدد كان يوم بدر بألف كما فى سورة الأنفال، ويوم أحد بثلاثة آلاف وخمسة كما هنا، وأنه أنزل الله يوم بدر ألفاً ليوافق عدد الكفار ألفاً، أو ما يقرب منه، والمسلمون على الثلث، أو ما يقرب منه، فكان النصر لهم وعدد المسلمين يوم أحد ألفاً، وعدد الكفار ثلاثة آلاف فناسب أن يمدوا بثلاثة آلاف ليقابل عدد الكفار، وأجيب بأن الألف فى بدر كما فى الأنفال. ولما شق عليهم إمداد كرز أمدهم أيضاً بثلاثة آلاف، وبخمسة لتقوى قلوبهم وبأن الكفار فى بدر ألف فمدوا بألف، وفى أحد ثلاثة آلاف فمدوا بثلاثة آلاف، ولله أن يريد ما شاء فى أى وقت شاء، وقيل: لم يصبروا ولم يتقوا إلا فى يوم الأحزاب، فأمدهم الله بجنود لم يروها، وقيل: لم يصبروا ولم يتقوا إلا فى يوم الأحزاب، فأمدهم الله فى حصر قريظة والنضير بثلاثة آلاف فكان الفتح، ولو أمدوا يوم أحد لم ينهزموا، وعن قتادة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف، وعن عكرمة: كان الوعد يوم بدر، فلم يصبروا يوم أحد ولا اتقوا، فلم يمدوا، ولو أمدوا لم يهزموا، قال الضحاك وابن زيد: كان الوعد للمؤمنين يوم أحد ففروا، فلم يمدوا، وإنما مدوا بألف مردفين يوم بدر، وأكثر المفسرين على أن هذا الوعد ببدر لقلة العدد والعدة فيه، والنصوص. قال الفخر: أجمع أهل التفسير أن الله أنزل الملائكة يوم بدر، وأنهم قاتلوا وعلى كل حال ليس المراد منه أمدوا بألف ثم بثلاثة آلاف ثم بخمسة، حتى يكونوا تسعة آلاف، بل غاية ما أمدوا به خمسة آلاف، فكأنه صلى الله عليه وسلم:حديث : {ألَنْ يكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكُمْ ربُّكم} بألف من الملائكة، فقالوا: بلى، ثم قال: {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف}، الألف السابق، وألفين آخرين، قالوا: بلى، قال: إن تتقوا وتصبروا يمدكم بخمسة آلاف الثلاثة السابقين وألفينتفسير : ، وقيل: إن ذلك فى أحد وأن الألف كلها معدودة، فالإمداد فى أحد بثمانية آلاف، لعدم ذكر الألف الواحدة، وقيل: إنه فى بدر، وأن الألف كلها معدودة، فهى عشرة آلاف لذكر آلاف فيه، وعن على بن أبى طالب: بينما أنا أمتح من قليب بدر، هبت ريح شديدة لم أر أشد منها، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها إلا التى قبلها، ثم جاءت أخرى لم أر أشد منها إلا التى قبلها، فكانت الأولى نزول جبرائيل فى ألفين من الملائكة، وكانوا بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم، وكانت الريح الثانية، ميكائيل نزل بألفين من الملائكة وكانوا عن يمينه، صلى الله عليه وسلم، والريح الثالثة إسرافيل نزل فى ألف من الملائكة، وكانوا عن يسار رسول الله، صلى الله عليه وسلم. والإمداد إعانة الجيش، فما كان على جهة القوم والإعانة يقال له: أمده. وما كان على جهة الزيادة يقال فيه: مده، وزعم بعض أن مد فى الشر، وأمد فى الخير. والهمزة فى {ألن يكفيكم} للإنكار، أو التقرير، نفى أن لا يكفيهم أو حملهم على الإقرار بالكفاية، وجىء بـ "لن" لأنهم كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم، وقوة العدو وكثرته. وقرأ ابن عامر منزلين بفتح النون يكون للتأكيد، ولأنه كثر استعمال نزل بالتشديد، لتدريج النزول ومعنى بذا إثبات ما نفى قبلها، أى ليس الإمداد لا يكفيكم، بل يكفيكم، هذا هو المعروف فى علم العربية الشريف، وقال بعضهم: نمدكم وتتقوا وتتقوا مجزوم للعطف على تصبروا، أو منصوب بأن المضمرة بعد الواو على أنها واو عطف ومصاحبة فهو من العطف على المعنى، إذ المعطوف مصدر {تتقوا}، والمعطوف عليه مصدر {تصبروا} على تقدير تركيب آخر من ذلك، أى يحصل منكم صبر واتقاء، وأما {يأتوكم} فمجزوم عطف على {تصبروا} أو منصوب عطفاً على أن نصب {تتقوا} ضمير الغيبة فى يأتوكم للمشركين، ويجوز نصبه كذلك، ولو جزم تتقوا، وهذا وعد بالزيادة، وشرط له الصَّبر والتقوى، حثاً على الصبر والتقوى، وتقوية لقلوبهم ومعنى {مِّن فَوْرِهِمْ هَذا}: من وقتهم هذا، والفور فى الأصل مصدر: فارت القدر، إذا غلت، فاستعمل فى معنى السرعة لسرعة حركة ماء القدر ونحوه، وما فى القدر عند الغليان، ولتضمين الغليان مسارعة فى القدر للخروج، ثم أطلق الفور بعد هذا للحال التى لا بُطْأة فيها، كما تقول فى الأصول: الأمر للفور أو لغير الفور. وعطف {يأتوكم} عطف سابق على لاحق، أى إن يأتكم المشركون فى جهنم هذا وتصبروا وتتقوا، {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ}، وقيل: إتيان المشركين بفورهم، لأنه واقعة الحال فى الانتظار، وليعلمهم أن حشر الله جنوده سريع لا تسبقه سرعة المشركين، فمن فور متعلق بيأتوكم، ويجوز تعليقه بيمدد، أى يمددكم فى حال إتيانهم بلا تراخ، ولا تأخير، و{هذا} بدل {فورهم} أو نعته. وقال الخازن: قال ابن عباس ابتداء الأمر يوجد فيه، ثم يوصل بآخر، فمن قال معنى {من فورهم}: من وجههم، أراد ابتداء مخرجهم يوم بدر، ومن قال معنى {من فورهم}: من غضبهم، أراد ابتداء غضبهم لقتلاهم يوم بدر لأنهم رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر، ومن الملائكة متعلق بيمدد، و{من} للابتداء أو بمحذوف نعت لخمسة، أو حال منه، أو نعت ملائكة، ومن للابتداء أو التبعيض، و{مسومين} نعت خمسة أو آلاف أو حال من خمسة، ومعنى مسومين: معلمين من التسويم الذى هو جعل العلامة على الشىء، أو إظهار علامة الشىء، والسيمة العلامة، وذلك من جنس السيماء التى يجعلها الفارس أو الراجل يوم الحرب، ليعلم، ومسوم الملائكة الله: أى خلق فيهم السيمة، أو هم الذين سوموا أنفسهم فهم الفاعل أو الفاعل الله، بمعنى خلق، خلق فعلهم الذى هو التسويم. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب بكسر الواو على هذا اسم فاعل، أى سوموا أنفسهم، أو سوموا خيلهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "حديث : تسوموا فَإن الملائكةَ قَدْ تَسَّومَتْ"تفسير : وفى رواية: تسومت بالصوف الأبيض فى قلانسهم ومغافرهم، وعن الحسن وقتادة والضحاك: قد أعملوا العهن فى نواصى خيلهم وأذنابهم، والعهن: الصوف المصبوغ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كانت سيما الملائكة يوم بدر، عمائم بيض قد أرسلوها فى ظهورهم. وروى أن الملائكة أعلمت يوم بدر بعمائم بيض إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء، على مثل عمامة الزبير بن العوام، وروى عباد ابن عبد الله بن الزبير أنه كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك. وعن هشام بن عروة: كانت عمائمهم صفراء مرخاة على أكتفافهم وعن عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق، عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم. قال القرطبى: لعل الملائكة نزلوا على الخيل البلق لموافقة فرس المقداد بن الأسود، فإنه كان أبلق إكراماً للمقداد، كما نزل جبريل عليه السلام متعمماً بعمامة صفراء، على مثال الزبير بن العوام، وفى ذلك فضل الخيل البلق، والعمامة الصفراء. وقيل معنى مسومين: مرسولون أى أن الله أرسلهم ليحضروا القتال، ويقاتلوا، أو أرسلوا أنفسهم وخيلهم وكذا على قراءة الكسر للواو، وأرسلوا خيلهم فإنها أيضاً تقاتل بنفسها، فتقتل الكفار وذلك من التسويم بمعنى الإسامة، وهو ترك الماشية لترعى، فأرسلهم الله وأرسل خيلهم، أو أرسلوا خيلهم كإرسال الماشية للرعى.

اطفيش

تفسير : {بَلَى} إثبات للكفاية المنفية بلن، وفى الأنفال: إنى أمدكم بألف وذلك فى بدر، أمدهم بألف أولا، وزادهم ألفين لضعف قلوبهم بمدد أَهل الشرك فذلك ثلاثة آلاف، وقلة العدد وضعف القلب إنما هما فى بدر مع أنها أول حرب فاحتاجت للتقوية بالملائكة، وزادهم خمسة آلاف، كما قال الله تعالى {إن تَصْبِرُوا} فى لقاء العدو الكثير {وَتَتَّقُوا} ربكم بترك المخالفة {وَيَأْتُوكُم} أى المشركون أو أصحاب كرز الذى أراد أن يمدهم {مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا} أى ساعتهم هذه، تسمية للمحل، وهو الزمان هنا باسم الحال، وهو السرعة هنا، وأصله أول الشىء أو شبه السرعة بفور القدر أو الماء، ثم أطلق على الزمان اليسير، ومن بمعنى فى، أو للابتداء، أو المراد بسبب غضبهم هذا عليكم {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمِ بِخَمْسَةِ الآفِ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} فذلك ثمانية آلاف، أو أُمدوا يوم بدر بألف وزادهم ألفين، فذلك ثلاثة آلاف، ثم ألفين، فذلك خمسة آلاف، أو أمدوا بألف وثلاثة وخمسة فذلك تسعة آلاف، أو أمدوا بألف فقط، كما فى الأنفال، وبلغهم أن المشركين أمدوا، فخافوا، فوعد الله لهم، إن جاء المشركين مدد أمددكم بثلاثة آلاف من الملائكة، أو خمسة، ولم يجىء المشركين مدد لانصراف مددهم لما سمعوا بهزيمتهم، فقصرهم على الألف، والراجح أن الإمداد بألف فى أحد، وقيل لم يمدوا فى أحد، لأن شرط الإمداد الصبر والتقوى، وإتيان أصحاب كرز ولم يأتوا؛ وعن مجاهد، حضرت الملائكة يوم أحد ولم يقاتلوا، أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير اللواء، فقتل، فأخذه ملك فى صورته، فقال صلى الله عليه وسلم: تقدم يا معصب، فقال الملك، لست بمصعب، فعرف صلى الله عليه وسلم أنه ملك، وقال ابن أبى وقاص: كنت أَرم السهم فيرده على رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك، ولكن فى مسلم، إن ميكائيل وجبريل قاتلا فى أحد أشد القتال، فيقال: لكن وحدهما، لا غيرهما من الملائكة وقيل: الإمداد فى هذه السورة فى قصة أحد، لكن اعترض فى الكلام بذكر بدر، وقصرت ألف الأنفال على أحد، وشرط للزيادة الصبر والثبات، ولم يكونا فلم تكن، وذلك للقتال، ولا ينافى حضورهم بلا قتال، واتفقوا أنهم قاتلوا يوم بدر، وذلك تأنيس وإذن فى وجه من القتال مخصوص، وإلا فالملك الواحد بقتلهم جميعاً بمرة، أو يقلع الأرض من أسفلها، والله قادر أن يقتلهم فى أقل من لحظة بلا قاتل، ولكنه يجرى الأمر على ما يشاء وبصورة الأسباب، وكانوا يقولون للمؤمنين، عدوكم قليل والله معكم ويظهرون للناس، وربما عرفهم المسلمون، وهذه حكمته، كما قال تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى لكم} والتسويم التعليم بعلامة فى أبدانهم أو خيولهم، وجعلوا لذلك علامات، وكانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض أرسلوا أطرافها عَلَى ظهورهم من بين اكتافهم، والصوف فى نواصى الخيل وأدنابها، إلا جبريل فعمامته صفراء كعمامة الزبير، وعن عباد بن عبد الله بن الزبير كانت عَلَى الزبير عمامة صفراء، فكانت عمائم الملائكة صفراء، خيلهم بلقاء كفرس المقداد، وذلك إكرام للزبير والمقداد، ويوم حنين بعمائم حمر، ويروى يوم بدر بعمائم سود، ويوم أحد بعمائم حمر ويروى جزت أدناب خيولهم يوم بدر، وفى نواصيهم الصوف، أو التسويم الإرسال، ولا يفعلون إلا ما أرسلوا إليه من تسويم الدابة بمعنى إرسالها للرعى وحدها، بمعنى أنه لا يؤتى لها بعلف.

الالوسي

تفسير : {بَلَىٰ } إيجاب لما بعد لن أي: بلى يكفيكم ذلك ثم وعدهم الزيادة بالشرط فقال سبحانه وتعالى {إِن تَصْبِرُواْ } على مضض الجهاد وما أمرتم به {وَتَتَّقُواْ } ربكم بالاجتناب عن معاصيه وعدم المخالفة له {وَيَأْتُوكُمْ } أي المشركون أو أصحاب كرز كما قال الشعبـي. / {مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } أصل الفور مصدر من فارت القدر إذا اشتد غليانها ومنه «إن شدة الحر من فور جهنم» ويطلق على الغضب لأنه يشبه فور القدر وعلى أول كل شيء، ثم إنه استعير للسرعة، ثم أطلق على الحال التي لا بطء فيها ولا تراخي، والمعنى ويأتوكم في الحال ووصف بهذا لتأكيد السرعة بزيادة التعيين والتقريب ونظم إتيانهم بسرعة في سلك شرطي الإمداد ومداريه مع تحقق الإمداد لا محالة [سواء] أسرعوا أو أبطأوا إيذاناً بتحقق سرعة الإمداد لا لتحقيق أصله، أو لبيان تحققه على أي حال فرض على أبلغ وجه وآكده حيث علقه بأبعد التقادير ليعلم تحققه على سائرها بالأولى فإن هجوم الأعداء بسرعة من مظان عدم لحوق المدد عادة فمتى علق به تحقق الإمداد مع منافاته له أفاد تحققه لا محالة مع ما هو غير مناف له كذا قيل. وربما يفهم منه أن الإمداد المرتب على الشرط في قوله تعالى: {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ } وقع لهم وفي ذلك ترديد وتردد لأن هذا الكلام إن كان في غزوة أحد فلا شبهة في عدم وقوع ذلك ولا بملك واحد لعدم وقوع الشرط ولذا وقعت الهزيمة وإن كان في غزوة بدر كما هو المعتمد فقد وقع الاختلاف في أنهم أمدوا بهذه الخمسة آلاف أو لا. فذهب الشعبـي إلى أنهم أمدوا بغيرها ولم يمدوا بها بناءاً على تعليق الامداد بها بمجموع الأمور الثلاثة وهي الصبر والتقوى وإيتاء أصحاب كرز وقد فقد الأمر الثالث كما نقلناه أولاً فلم يوجد المجموع لانعدامه بانعدام بعض أجزائه فلم يوجد الإمداد المذكور كما صرح به الشعبـي، نعم ذهب جمع إلى خلافه ولعله مبنى صاحب القيل لكن يبقى أن تفسير الفور بما فسر به غير متعين بل لم يوجد صريحاً في كلام السلف، والذي ذهب إليه عكرمة ومجاهد وأبو صالح مولى أم هانىء أنه بمعنى الغضب فحينئذ تكون (من) للسببية أي يأتوكم بسبب غضبهم عليكم، والإشارة إما لتعظيم ذلك الغضب من حيث إنه شديد ومتمكن في القلوب، وإما لتحقيره من حيث إنه ليس على الوجه اللائق والطريق المحمود فإنه إنما كان على مخالفة المسلمين لهم في الدين وتسفيه آرائهم وذم آلهتهم أو على ما أوقعوا فيهم وحطموا رؤوس رؤسائهم يوم بدر، وإلى الثاني ذهب عكرمة وهو مبني على أن هذا القول وقع في أحد. وذهب ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير إلى تفسيره بالسفر أي ويأتوكم من سفرهم هذا، قيل: وهو مبني أيضاً على ما بني عليه سابقه لأن الكفار في غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم حيث لم يعبروا على المدينة وهموا بالرجوع فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أصحابه بالتهيؤ إليهم، ثم قال: إن صبرتم على الجهاد واتقيتم وعادوا إليكم من سفرهم هذا أمدكم الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما كان بهم من الجراح فأخبر المشركين من مر برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج يتبعكم فخاف المشركون إن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين وأن يكون قد التأم إليهم من كان تأخر عنهم وانضم إليهم غيرهم فدسوا نعيماً الأشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش وأسرعوا بالذهاب إلى مكة وكفى الله تعالى المسلمين أمرهم والقصة معروفة. ثم إن تفسير الفور بالسفر مما لم نظفر به فيما بين أيدينا من الكتب اللغوية فلعل الفور بمعنى الحال التي لا بطء فيها وهذا التفسير بيان لحاصل المعنى، وذهب الحسن والربيع والسدي وقتادة وغيرهم أن {مّن فَوْرِهِمْ } بمعنى وجههم وليس بنص فيما ذهب إليه متأخرو المفسرين أصحاب القيل لأنه يحتمل أن يكون المراد من الوجه الجهة التي يقصدها المسافر، ويحتمل أن يكون من وجه الدهر / بمعنى أوله اللهم إلا أن يقال: إنه وإن لم يكن نصاً لكنه ظاهر قريب من النص لأن كون الوجه بمعنى الجهة المذكورة وإن جاء في اللغة إلا أن كون الفور كذلك في حيز المنع واحتمال كونه من وجه الدهر بمعنى أوله يرجع إلى ما قالوا فتدبر. واعلم أن هذا الإمداد وقع تدريجاً فكان أولاً بألف ثم صاروا ألفين ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف لا غير؛ فمعنى يمددكم بخمسة آلاف يمددكم بتمام خمسة آلاف، وإليه ذهب الحسن، وقال غيره: كانت الملائكة ثمانية آلاف فالمعنى يمددكم بخمسة آلاف أخر. {مُسَوّمِينَ } من التسويم وهو إظهار علامة الشيء، والمراد معلمين أنفسهم أو خيلهم، وقد اختلفت الروايات في ذلك، فعن عبد الله بن الزبير أن الزبير كانت عليه عمامة صفراء معتجراً بها فنزلت الملائكة وعليهم عمائم صفر، وأخرج ابن إسحق والطبراني عن ابن عباس أنه قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، وفي رواية أخرى عنه لكن بسند ضعيف أنها كانت يوم بدر بعمائم سود ويوم أحد بعمائم حمر. وأخرج ابن أبـي شيبة وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها وكانوا كما قال الربيع على خيل بلق، وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة أنهم كانوا مسومين بالعهن الأحمر، وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: كانوا معلمين مجزوزة أذناب خيولهم ونواصيها فيها الصوف والعهن، وأنت تعلم أنه لا مانع من أن يكونوا معلمين أنفسهم وخيولهم أيضاً وهذا على قراءة ابن كثير وأبـي عمرو وعاصم {مُسَوّمِينَ } بكسر الواو، وأما على قراءة الباقين {مُسَوّمِينَ } بفتح الواو على أنه اسم مفعول فقيل: المراد به معلمين من جهة الله تعالى، وقيل: مرسلين مطلقين، ومنه قولهم: ناقة سائمة أي مرسلة في المرعى، وإليه ذهب السدي والمتبادر على هذه القراءة أن الإسامة لهم، وأما أنها كانت لخيلهم فغير ظاهر.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلاۤفٍ} {ٱلْمَلاۤئِكَةِ} (125) - فَإِنْ تَصْبِرُوا فِي المَعْرَكَةِ عَلَى لِقَاءِ عَدُوِّكُمْ، وَتَتَّقُوا رَبَّكُمْ، وَتُطِيعُوا أمْرَهُ، حِينَما يَطْلَعُ المُشْرِكُونَ عَلَى الفَوْرِ، يُمدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ يَمْتَازُونَ بِعَلاَمَاتٍ يَضَعُونَها (مُسَوِّمين)، لِيُعَجِّلَ نَصْرَكُمْ، وَيُسَهِّلَ فَتْحَكُمْ. مِنْ فَوْرِهِمْ - مِنْ سَاعَتِهِمْ وَبِلا إبْطَاءٍ. مُسَوِّمِينَ - ذَوِي سِمَةٍ وَعَلاَمَةٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق سبحانه وتعالى ضرب المثل بالصبر والتقوى في بدر مع القلة فكان النصر، وهنا في أُحُد لم تصبروا؛ فساعة أن رأيتم الغنائم سال لعابكم فَلم تصبروا عنها، ولم تتقوا أمر الله المبلغ على لسان رسوله في التزام أماكنكم. فكيف تكونون أهلاً للمدد؟ إذن من الذي يحدد المدد؟ إن الله هو الذي يعطي المدد، ولكن من الذي يستقبل المدد لينتفع به؟ إنه القادر على الصبر والتقوى. إذن فالصبر والتقوى هما العُدّة في الحرب. لا تقل عدداً ولا عدة. لذلك قال ربنا لنا: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} تفسير : [الأنفال: 60] ولم يقل: أعدوا لهم ما تظنون أنه يغلبهم، لا. أنتم تعدون ما في استطاعتكم، وساعة تعدون ما في استطاعتكم وأسبابكم قد انتهت .. فالله هو الذي يكملكم بالنصر. والبشر في ذواتهم يصنعون هذا، فمثلاً - ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد - لنفترض أنك تاجر كبير. وتأتيك العربات الضخمة محملة بالبضائع، صناديق وطرود كبيرة، وأنت جالس بينما يفرغ العمال البضائع، وجاء عامل لينزل الطرد فغلبه الطرد على عافيته، وتجد نفسك بلا شعور منك ساعة تجده سيقع تهب وتقوم لنصرته ومعاونته، لقد استنفد هذا العامل أسبابه ولم يقدر، فالذي يعنيه الأمر يمد يده إليه، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى. كأنه يقول ابذل وقدّم أسبابك، فإذا ما رأيت أسبابك انتهت والموقف أكبر منك، فاعلم أنه أكبر منك أنت ولكنه ليس أكبر من ربك إنه سبحانه يقول: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِّن فَوْرِهِمْ} معناهُ مِنْ غَضَبِهِمْ هَذا. تفسير : وقوله تعالى: {بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} معناهُ مُعْلَمينَ بالصُّوفِ في نَواصِي الخَيلِ وأَذنابِها.

الجيلاني

تفسير : ثم أوحى إ ليك بأن قلت: {بَلَىۤ} يكفيكم هذا القدر، أن تستغيثوا وتستلجئوا إلى الله؛ رغباً وترهيباً من العدو، ولكن {إِن تَصْبِرُواْ} في مقابلتهم ومقاتلتهم {وَتَتَّقُواْ} عن الاستدبار والانهزام، وتصيروا فرَّارين، كرارين مراراً، طالبين رضا الله وإمضاء حكمه، وإنفاذ قضائه، يزيد عليكم {وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} أي: ساعتهم الحاضرة التي هي هذه {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ} أجراً؛ لصبركم وتقواكم {بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] معلمين، معلومين، ممتازين عن البشر. {وَ} اعلموا أيها المؤمنين {مَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} الهادي لعابده إلى زلال توحيده، أمثال هذه الإمدادات والإرهاصات الواردة في أمثال هذه الوقائع {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} يبشركم بمقام التوكل والتفويض والرضا والتسليم {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} أي: لتكونوا مطمئنين بالله، فانين ببقائه {وَ} اعلموا أيضاً {مَا ٱلنَّصْرُ} والانهزام {إِلاَّ} مقدرين {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} العليم العلام {ٱلْعَزِيزِ} القادر والغالب على الإنعام والانتقام {ٱلْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] المتقن في فعله على أتم الوجه، وأكمل النظام. وإنما جعله وبشر به {لِيَقْطَعَ} وليستأصل {طَرَفاً} جملة وجماعة {مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أعرضوا عن طريق التوحيد، فينهزم الباقون {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} أي: يخزيهم ويرديهم {فَيَنقَلِبُواْ} جميعاً {خَآئِبِينَ} [آل عمران: 127] خاسرين، نادمين. وإذا كان الكل من عند الله العزيز الحكيم {لَيْسَ لَكَ} يا أكمل الرسل {مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} أي: شيء من أمورهم، بل الأمر كله لله، فله أن يفعل معهم ما شاء وأراد، إما أن يستأصلهم {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} توبة تنجيهم من أنانيتهم {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} دائماً؛ جزاء لظلمهم وكفرهم {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] مستقرون على الظلم ما داموا في الحياة الدنيا. {وَ} كيف لا تكون أمورهم مفوضة إلى الله؛ إذ {للَّهِ} خاصة مستقلة بلا مزاحم ومشارك {مَا} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا} ظهر {فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ} يستر {لِمَن يَشَآءُ} جريمة المخالفة لطريق التوحيد بعد رجوعه وإنابته إليه سبحانه {وَيُعَذِّبُ} بها {مَن يَشَآءُ} في جهنم البعد والخذلان {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لمن تاب واستغفر {رَّحِيمٌ} [آل عمران: 129] لمن استحى وندم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 160 : 24 : 34 - سفين في قول الله {بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} قال، معلمين. [الآية 125].

همام الصنعاني

تفسير : 449- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مُسَوِّمِينَ}: [الآية: 125]، قال: كان سيماها صوفٌ في نواصيها وأذنابها. 450- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا}: [الآية: 125]، قال: من وجههم هذا. 451- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، وعليهم عمائم صفر، وكان على الزبير يومئذٍ عمامة صفراء.