٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
126
Tafseer
الرازي
تفسير : الكناية في قوله {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } عائدة على المصدر، كأنه قال: وما جعل الله المدد والإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون فدل {يُمْدِدْكُمْ } على الإمداد فكنى عنه، كما قال: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } تفسير : [الأنعام: 121] معناه: وإن أكله لفسق فدل {تَأْكُلُواْ } على الأكل فكنى عنه وقال الزجاج {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } أي ذكر المدد {إِلاَّ بُشْرَىٰ } والبشرى اسم من الإبشار ومضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله {أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [البقرة: 25]. ثم قال: {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } وفيه سؤال: وهو أن قوله {وَلِتَطْمَئِنَّ } فعل وقوله {إِلاَّ بُشْرَىٰ } اسم وعطف الفعل على الاسم مستنكر، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئناناً، أو يقال إلا ليبشركم ولتطمئن قلوبكم به فلم ترك ذلك وعدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم. والجواب عنه من وجهين الأول: في ذكر الإمداد مطلوبان، وأحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم، وهو المراد بقوله {إِلاَّ بُشْرَىٰ } والثاني: حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ونصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة، وهذا هو المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية فكونه بشرى مطلوب ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة، فلهذا أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة، فقال: {وَلِتَطْمَئِنَّ } ونظيره قوله {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } تفسير : [النحل: 8] ولما كان المقصود الأصلي هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها، فكذا ههنا الثاني؛ قال بعضهم في الجواب: الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا بشرى لكم لتطمئن به قلوبكم. ثم قال: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } والغرض منه أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب أو قوله {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته، والحكيم إشارة إلى كمال علمه، فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن إجابة الدعوات، وكل من كان كذلك لم يتوقع النصر إلا من رحمته ولا الإعانة إلا من فضله وكرمه. ثم قال: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } واللام في {لِيَقْطَعَ طَرَفاً } متعلق بقوله {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } والمعنى أن المقصود من نصركم بواسطة إمداد الملائكة هو أن يقطعوا طرفاً من الذين كفروا، أي يهلكوا طائفة منهم ويقتلوا قطعة منهم، قيل: إنه راجع إلى قوله {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ}، {لِيَقْطَعَ طَرَفاً } ولكنه ذكر بغير حرف العطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف، وهو كما يقول السيد لعبده: أكرمتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي حذف العاطف، لأن البعض يقرب من البعض، فكذا ههنا، وقوله {طَرَفاً } أي طائفة وقطعة وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف ولم يحسن ذكر الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف، وهذا يوافق قوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ } تفسير : [التوبة: 123] وقوله {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } تفسير : [الرعد: 41]. ثم قال: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ } الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه، يقال: كبته فانكبت هذا تفسيره، ثم قد يذكر والمراد به الإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال، فكل ذلك ذكره المفسرون في تفسير الكبت، وقوله {خَائِبِينَ } الخيبة هي الحرمان والفرق بين الخيبة وبين اليأس أن الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع، وأما اليأس فإنه قد يكون بعد التوقع وقبله، فنقيض اليأس الرجاء، ونقيض الخيبة الظفر، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} الهاء للمَدَد، وهو الملائكة أو الوعد أو الإمداد، ويدل عليه «يُمْدِدْكْم» ٱو للتسْوِيم أو للإنْزال أو العَدَد على المعنى؛ لأن خمسة آلاف عددٌ. {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} اللام لام كي، أي ولتطمئن قلوبكم به جعله؛ كقوله: {أية : وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً} تفسير : [فصلت: 12] أي وحفظا لها جعل ذلك. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} يعني نصر المؤمنين، ولا يدخل في ذلك نصر الكافرين؛ لأن ما وقع لهم من غلبة إنما هو إملاءٌ محفوفٌ بِخِذلانٍ وسوءِ عاقبة وخسرانٍ. {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي بالقتل. ونظم الآية: ولقد نصركم الله ببدر ليقطع. وقيل: المعنى وما النصر إلاَّ من عند الله ليقطع. ويجوز أن يكون متعلقاً بـ «ـيُمْدِدْكُمْ»، أي يمددكم لِيقطع. والمعنى: من قُتِل من المشركين يوم بَدْر؛ عن الحسن وغيره، السدى: يعني به من قُتِل من المشركين يوم أُحُد وكانوا ثمانية عشر رجلاً. ومعنى {يَكْبِتَهُمْ} يحزنهم؛ والمكْبُوت المحزون. ورُوي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي طلحة فرأى ابنه مَكْبُوتاً فقال: «ما شأنه»؟. فقيل: مات بعِيره. وأصله فيما ذكر بعض أهل اللغة «يكبِدهم» أي يصيبهم بالحزن والغيظ في أكبادهم، فأبدلت الدال تاء، كما قلبت في سَبَتَ رأسه وسبده أي حلقه. كبت الله العدوّ كَبْتاً إذا صرفه وأذَلّه، وكبدَه أصابه في كبِدَه؛ يُقال: قد أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبِدَه. وتقول العرب للعدوّ: أسْوَد الكَبِد؛ قال الأعشىٰ:شعر : فَما أجْشَمتِ من إتْيَانِ قَوْمٍ هُمُ الأعْداءُ والأكْبادُ سُودُ تفسير : كأن الأكباد لما ٱحترقت بشِدّة العدواة ٱسودت. وقرأ أبو مِجْلَز «أو يكبِدهم» بالدال. والخَائِبُ: المنقطعُ الأمَل. خاب يخِيب إذا لم ينل ما طلب. والخيّاب: القَدْح لا يُورِي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } أي الإمداد {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ } بالنصر {وَلِتَطْمَئِنَّ } تسكن {قُلُوبُكُم بِهِ } فلا تجزع من كثرة العدو وقلَّتكم {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } يؤتيه من يشاء وليس بكثرة الجند.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {جعله الله} عائد على الإنزال والإمداد، و"البشرى" مصدر واللام في {ولتطمئن} متعلقة بفعل مضمر يدل عليه جعله، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئن به قلوبكم وتروا حفاية الله بكم، وإلا فالكثرة لا تغني شيئاً إلا أن ينصر الله، قوله: {وما النصر} يريد للمؤمنين، وكذلك أيضاً هي الإدالة للكفار من عند الله. واللام في قوله تعالى: {ليقطع} متعلقة بقوله {وما النصر إلا من عند الله} وعلى هذا لا يكون قطع الطرف مختصاً بيوم، اللهم إلا أن تكون الألف واللام في "النصر" للعهد، وقيل: العامل فيه "ولقد نصركم" حكاه ابن فورك وهو قلق، لأن قوله: {أو يكبتهم} لا يترتب عليه، وقد يحتمل أن تكون اللام في قوله {ليقطع} متعلقة بـــ {جعله}، فيكون قطع الطرف إشارة إلى من قتل ببدر، على ما قال الحسن وابن إسحاق وغيرهم، أو إلى من قتل بأحد على من قال السدي، وقتل من المشركين ببدر سبعون، وقتل منهم يوم أحد اثنان وعشرون رجلاً، وقال السدي: قتل منهم ثمانية عشرة والأول أصح، و"الطرف" الفريق، ومتى قتل المسلمون كفاراً في حرب فقد قطعوا {طرفاً}، لأنه الذي وليهم من الكفار فكأن جميع الكفار رقعة وهؤلاء المقتولون طرف منها أي حاشية، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {ليقطع طرفاً} بمنزلة ليقطع دابراً وقوله: {أو يكبتهم} معناه: أو يخزيهم، والكبت الصرع لليدين، وقال النقاش وغيره: التاء بدل من دال كبته أصله كبده أي فعل به يؤذي كبده، وإذا نصر الله على أمة كافرة فلا بد من أحد هذين الوجهين، إما أن يقتل منهم أو يخيبوا، فذلك نوع من الهزم. وقوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} توقيف على أن الأمر كله لله، وهذا التوقيف يقتضي أنه كان بسبب من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وروي في ذلك حديث : أنه لما هزم أصحابه وشج في وجهه، حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صرع لجنبه، تحيز عن الملحمة، وجعل يمسح الدم من وجهه ويقول:لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم تفسير : ، هكذا لفظ الحديث من طريق أنس بن مالك، وفي بعض الطرق، وكيف يفلح؟ وفي بعضها أن سالماً مولى أبي حذيفة كان يغسل الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأفاق وهو يقول: كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟ فنزلت الآية: بسبب هذه المقالة. قال القاضي: وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم الله ويريح منهم، فروي أنه دعاء عليهم أو أستأذن في أن يدعو عليهم، وروى ابن عمر وغيره: أنه دعا على أبي سفيان والحارث بن هشام وصفوان بن أمية باللعنة، إلى غير هذا من معناه، فقيل له بسبب ذلك، {ليس لك من الأمر شيء} أي عواقب الأمور بيد الله، فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك، قال الطبري وغيره من المفسرين: قوله: {أو يتوب عليهم} عطف على {يكبتهم}. قال القاضي: فقوله: {ليس لك من الأمر شيء} اعتراض أثناء الكلام، وقوله: {أو يتوب} معناه: فيسلمون، وقوله: {أو يعذبهم} معناه: في الآخرة بأن يوافوا على الكفر، قال الطبري وغيره: ويحتمل أن يكون قوله {أو يتوب} بمعنى حتى يتوب أو إلى أن يتوب فيجيء بمنزلة قولك: لا أفارقك أو تقضيني حقي، وكما تقول: لا يتم هذا الأمر أو يجيء فلان، وقوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} ليس باعتراض على هذا التأويل، وإنما المعنى الإخبار لمحمد عليه السلام أنه ليس يتحصل له من أمر هؤلاء الكفار شيء يؤمله إلا أن يتوب عليهم فيسلموا، فيرى محمد عليه السلام أحد أمليه فيهم، أو يعذبهم الله بقتل في الدنيا، أو بنار في الآخرة أو بهما، فيرى محمد صلى الله عليه وسلم الأمل الآخر، وعلى هذا التأويل فليس في قوله: {ليس لك من الأمر شيء} ردع كما هو في التأويل الأول، وذلك التأويل الأول أقوى، وقرأ أبي بن كعب، "أو يتوبُ أو يعذبُ"، برفع الباء فيهما، المعنى: أو هو يتوب، ثم قرر تعالى ظلم هؤلاء الكفار. ثم أكد معنى قوله {ليس لك من الأمر شيء} بالقول العام وذكر الحجة الساطعة في ذلك وهي ملكه الأشياء، إذ ذلك مقتض أن يفعل بحق ملكه ما شاء، لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه، وذكر أن الغفران أو التعذيب إنما هو بمشيئته وحسب السابق في علمه، ثم رجا في آخر ذلك تأنيساً للنفوس وجلباً لها إلى طاعته، وذلك كله في قوله تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، والله غفور رحيم} و {ما} في قوله {ما في السماوات وما في الأرض}، إشارة إلى جملة العالم فلذلك حسنت {ما}، وما ذكر في هذه الآية من أن هذه الآية ناسخة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين كلام ضعيف كله، وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وما جعله الله} يعني هذا الوعد والمدد {إلاّ بشرى لكم} يعني بشارة بأنكم تنصرون فتستبشرون به {ولتطمئن} أي ولتسكن {قلوبكم به} أي فلا تجزع من كثرة عدوكم وقلة عددكم {وما النصر إلاّ من عند الله} يعني لا تحيلوا النصر على الملائكة والجند وكثرة العدد، فإن النصر من عند الله لا من عند غيره والغرض أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة الذين أمدوا بهم وفيه تنبيه على الإعراض عن الأسباب والإقبال على مسبب الأسباب {العزيز الحكيم} يعني فاستعينوا به وتوكلوا عليه لأن العز وهو كمال القدرة والقوة والحكم وهو كمال العلم فلا تخفى عليه مصالح عباده {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} هذا متعلق بقوله ولقد نصركم الله ببدر، والمعنى أن المقصود من نصركم ببدر ليقطع طرفاً أي ليهلك طائفة من الذين كفروا وقيل معناه ليهدم ركناً من أركان الشرك بالقتل والأسر فقتل يوم بدر من قادتهم وساداتهم سبعون وأسر سبعون ومن حمل الآية على غزوة أحد قال: قد قتل منهم ستة عشر وكان النصر فيه للمسلمين حتى خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم {أو يكبتهم} أصل الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه والمعنى أنه يصرعهم على وجوههم والمراد منه القتل والهزيمة أو الإهلاك أو اللعن والخزي {فينقلبوا خائبين} أي بالخيبة لم ينالوا شيئاً من الذي أملوه من الظفر بكم. قوله عز وجل: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم} اختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل: إنها نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلاً من القراء بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة وهي بين مكة وعسفان وأرض هذيل وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد بعثهم ليعلموا الناس القرآن والعلم وأمر عليهم المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً وقنت شهراً في الصلوات كلها يدعوة على جماعة من تلك القبائل باللعن (خ) عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: "حديث : اللّهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً بعدما يقول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد" تفسير : فأنزل الله تعالى عليه ليس لك من الأمر شيء إلى قوله فإنهم ظالمون (ق) عن أبي هريرة قال: "لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة الثانية قال: "حديث : اللّهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم أجعلها عليهم سنين كسني يوسف" تفسير : زاد في رواية: "حديث : اللهم العن فلاناً وفلاناً لأحياء من العرب حتى أنزل الله تعالى ليس لك من الأمر شيء"تفسير : الآية سماهم في رواية يونس اللهم العن رعلاً وذكوان وعصية عصت الله ورسوله قال ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم، فإنهم ظالمون وقيل إنها نزلت يوم أحد اختلفوا في سببها فقيل: إن عتبة بن أبي وقاص شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته. (ق) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول:"حديث : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله" تفسير : تعالى: {ليس لك من الأمر شيء}. وقيل أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم بالاستئصال فنزلت هذه الآية وذلك لعلمه أن أكثرهم يسلمون وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف على عمه حمزة ورأى ما صنعوا به من المثلة أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية. وقال العلماء: وهذه الأشياء كلها محتملة فلا يبعد حمل الآية في النزول على كلها ومعنى الآية ليس لك من أمر مصالح عبادي شيء إلاً ما أوحى إليك، فإن الله تعالى هو مالك أمرهم فإمّا أن يتوب عليهم ويهديهم فيسلموا أو يهلكهم ويعذبهم إن أصروا على الكفر. وقيل ليس لك مسألة هلاكهم والدعاء عليهم لأنه تعالى أعلم بمصالحهم فربما تاب على من يشاء منهم وقيل معناه ليس لك من أمر خلقي شيء إلاّ ما وافق أمري إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم، وقيل إن قوله أو يتوب عليهم معطوف على قوله ليقطع طرفاً وقوله ليس لك من الأمر شيء كلام معترض بين المعطوف والمعطوف عليه والتقدير ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء بل الأمر أمري في ذلك كله. قال بعض العلماء: والحكمة في منعه صلى الله عليه وسلم من الدعاء عليهم ولعنهم أن الله تعالى علم من حال بعض الكفار أنه سيسلم فيتوب عليهم أو سيولد من بعضهم ولد يكون مسلماً براً تقياً فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من الدعاء عليهم لأن دعوته صلى الله عليه وسلم مجابة. فلو دعا عليهم بالهلاك هلكوا جميعاً لكن اقتضت حكمة الله وما سبق في علمه إبقاءهم ليتوب على بعضهم وسيخرج من بعضهم ذرية صالحة مؤمنة، ويهلك بعضهم بالقتل والموت وهو قوله أو يعذبهم فيحتمل أن يكون المراد بعذابهم في الدنيا وهو القتل والأسر وفي الآخرة وهو عذاب النار {فإنهم ظالمون} هو كالتعليل لعذابهم والمعنى إنما يعذبهم لأنهم ظالمون
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}: الضميرُ في {جَعَلَهُ ٱللَّهُ}: عائدٌ على الإنزال والإمداد، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا بهِ، وتطمئنَّ به قلوبكم، وترون حِفَايَةَ اللَّه بكم، وإلا فالكثرةُ لا تُغْنِي شيئًا إلاَّ أنْ ينصر اللَّه، واللاَّمُ في قوله: {لِيَقْطَعَ} متعلِّقة بقوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ}، ويحتمل أنْ تكون متعلِّقة بــ {جَعَلَهُ} فيكون قَطْع الطَّرف إشارةً إلى مَنْ قتل ببَدْرٍ؛ على قول ابن إسحاق وغيره، أو إلَىٰ من قتل بأحد علَىٰ ما قال السُّدِّيُّ، وقتل من المشركين ببَدْرٍ سبعون، وقُتِلَ منهم يوم أحد ٱثنانِ وعِشْرُونَ رجُلاً، والطرف الفريق. وقوله سبحانه: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ}: معناه يُخْزِيَهُمْ والكَبْتُ: الصرع لليَدَيْن. وقال * ص *: الكَبْت: الهزيمة، وقيل: الصَّرْع لليدين اهـــ. وقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ...} الآية: رُويَ في سبب هذه الآية؛ أنَّه لما هزم أصحابه صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، جَعَلَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: «حديث : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ»تفسير : ، وفي بعض طُرُق الحَدِيثِ: «حديث : كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّه»تفسير : ، فَنَزَلَتِ الآيةُ، فقيلِ لَهُ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}، أي: عواقب الأمور بيد اللَّه، فٱمْضِ أنْتَ لشأْنِكَ، ودُمْ على الدعاء إلَىٰ ربِّك. قُلْتُ: وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم ممتثلاً أَمْرَ ربِّه، قال عِيَاض: رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَىٰ أَصْحَابِهِ، وَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «حديث : إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِياً، وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ ٱهْدِ قَوْمِي، فإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»تفسير : ، ورُوِيَ عن عُمَر (رضي اللَّه عنه)؛ أنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كلامه: بِأَبِي وَأُمِّي أنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ دَعَا نُوحٌ عَلَىٰ قَوْمِهِ، فَقَالَ: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [نوح:26] وَلَوْ دَعَوْتَ عَلَيْنَا، لَهَلَكْنَا مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، فَلَقَدْ وُطِيءَ ظَهْرُكَ، وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَتُكَ، فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إلاَّ خَيْراً، فَقُلْتَ: «حديث : اللَّهُمَّ، ٱغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» تفسير : اهـــ. قال الطبريُّ وغيره من المفسِّرين: {أَوْ يَتُوبَ} عطْفٌ على {يَكْبِتَهُمْ} والمعنى: أوْ يَتُوبَ عليهم، فَيَسْلَمُونَ أو يُعَذِّبَهم، إنْ تَمَادَوْا علَىٰ كفرهم؛ فإنهم ظالمون، ثم أكَّد سبحانه معنَىٰ قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} بذكْرِ الحُجَّةِ السَّاطعة في ذلك، وهي ملكه الأشياء، فقال سُبْحانه: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، أي: فله سبحانه أنْ يفعل بحَقِّ ملكه ما يشاء، لا ٱعتراض علَيْه ولا معقِّب لحُكْمه، وذَكَر سبحانَهُ:؛ أنَّ الغُفْران أو التَّعْذيب، إنما هو بمشيئَتِهِ، وبحَسَب السَّابق في علْمه، ثم رجَّىٰ سبحانه في آخر ذلك؛ تأْنيساً للنُّفُوس.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ في حيز القول مَسوقٌ من جنابه تعالى لبـيان أن الأسبابَ الظاهرةَ بمعزل من التأثير وأن حقيقةَ النصرِ مختصٌّ به عز وجل ليثق به المؤمنون ولا يقنَطوا منه عند فُقدان أسبابِه وأماراتِه، معطوفٌ على فعل مقدرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيه النظامُ فإن الإخبارَ بوقوع النصرِ على الإطلاق وتذكيرَ وقتِه وحكايةَ الوعدِ بوقوعه على وجه مخصوصٍ هو الإمدادُ بالملائكة مرةً بعد أخرى، وتعيـينُ وقتِه فيما مضى يقضي بوقوعه حينئذ قضاءً قطعياً لكن لم يصرَّحْ به تعويلاً على تعاضُد الدلائلِ وتآخُذ الأماراتِ والمخايل وإيذاناً بكمال الغِنى عنه بل احتراز عن شائبة التكريرِ أو عن إيهام احتمالِ الخُلفِ في الوعد المحتومِ كأنه قيل: عَقيبَ قولِه تعالى: {أية : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ ٱلْمَلَٰـئِكَةِ مُسَوّمِينَ} تفسير : [آل عمران، الآية: 125] فأمدَّكم بهم وما جعله الله الخ. والجَعلُ متعدٍ إلى واحد هو الضميرُ العائد إلى مصدر ذلك الفعلِ المقدر وأما عَوْدُه إلى المصدر المذكورِ أعني قولَه تعالى: {أَن يُمِدَّكُمْ} أو إلى المصدر المدلولِ عليه بقوله تعالى: {يُمْدِدْكُمْ} كما قيل فغيرُ حقيقٍ بجزالة التنزيلِ لأن الهيئةَ البسيطةَ متقدمةٌ على المركبة، فبـيانُ العلةِ الغائبةِ لوجود الإمداد كما هو المرادُ بالنظم الكريم حقُّه أن يكون بعد بـيانِ وجودِه في نفسه، ولا ريب في أن المصدرَيْنِ المذكورين غيرُ معتبَرَيْنِ من حيث الوجودُ والوقوعُ كمصدر الفعلِ المقدرِ حتى يُتَصَدَّىٰ لبـيان أحكامِ وجودِهما بل الأولُ معتبرٌ من حيث الكفايةُ والثاني من حيث الوعدُ على أن الأولَ هو الإمدادُ بثلاثة آلافٍ وقوله تعالى: {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العللِ، وتلوينُ الخطابِ لتشريف المؤمنين وللإيذان بأنهم المحتاجون إلى البِشارة وتسكينِ القلوب بتوفيق الأسبابِ الظاهرةِ وأن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غنيٌ عنه بما له من التأيـيد الروحاني أي وما جعل إمدادَكم بإنزال الملائكةِ عِياناً لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم تُنْصَرون {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} أي بالإمداد وتسكُنَ إليه كما كانت السكينةُ لبني إسرائيلَ كذلك، فكلاهما عِلةٌ غائيةٌ للجعل، وقد نُصب الأولُ لاجتماع شرائطِه من اتحاد الفاعلِ والزمانِ وكونِه مصدراً مَسوقاً للتعليل، وبقيَ الثاني على حاله لفُقدانها، وقيل: للإشارة أيضاً إلى أصالته في العلِّية وأهميتِه في نفسه كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}تفسير : [النحل، الآية 8] وفي قصر الإمدادِ عليهما إشعارٌ بأن الملائكةَ عليهم السلام لم يباشروا يومئذ القتالَ وإنما كان إمدادُهم بتقويةِ قلوبِ المباشرين بتكثير السَّواد ونحوِه كما هو رأيُ بعضِ السلفِ رضي الله عنه. وقيل: الجعلُ متعدٍ إلى اثنين وقولُه عز وجل: {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} استثناءٌ من أعمّ المفاعيلِ أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارةً لكم فاللام في قوله تعالى: {وَلِتَطْمَئِنَّ} متعلقةٌ بمحذوف تقديرُه ولتطمئن قلوبُكم به فُعِل ذلك. {وَمَا ٱلنَّصْرُ} أي حقيقةُ النصرِ على الإطلاق فيندرِجُ في حكمة النصرُ المعهودُ اندراجاً أولياً {إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي إلا كائنٌ من عنده تعالى من غير أن يكون فيه شِرْكةٌ من جهة الأسبابِ والعَدد، وإنما هي مظاهرُ له بطريق جَرَيانِ سنتِه تعالى أو وما النصرُ المعهودُ إلا من عنده تعالى لا من عند الملائكةِ فإنهم بمعزلٍ من التأثير وإنما قُصارىٰ أمرِهم ما ذُكر من البِشارة وتقويةِ القلوب {ٱلْعَزِيزِ} أي الذي لا يغالَب في حكمه وأقضيتِه، وإجراءُ هذا الوصفِ عليه تعالى للإشعار بعلة اختصاصِ النصرِ به تعالى كما أن وصفَه بقوله: {ٱلْحَكِيمِ} أي الذي يفعل كلَّ ما يفعل حسبما تقتضيه الحِكمةُ والمصلحة للإيذان بعلة جعْلِ النصرِ بإنزال الملائكةِ فإن ذلك من مقتَضيات الحِكم البالغة.
القشيري
تفسير : أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه مع أوليائه أنه إذا ضعفت نِيَّاتُهم، أو تناقصت إرادتهم أو أشْرفت قلوبهم على بعض فترة - أراهم من الألطاف، وفنون الكرامات ما يُقَوِّي به أسباب عِرْفانهم، وتتأكد به حقائق يقينهم. فعلى هذه السُّنَّة أنزل هذا الخطاب. ثم قطع قلوبهم وأسرارهم عن الأغيار بالكلية فقال: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما جعله الله} عطف على مقدر اى فامدكم به وما جعل الله ذلك الامداد بانزال الملائكة عيانا بشىء من الاشياء {الا بشرى لكم} بانكم تنصرون {ولتطمئن قلوبكم به} اى بالامداد وتسكن اليه من الخوف كما كانت السكينة لبنى اسرائيل {وما النصر الا} كائن {من عند الله} لا من العدة والعدد وهو تنبيه على انه لا حاجة فى نصرهم الى مدد وانما امدهم بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث ان نظر العامة الى الاسباب اكثر فينبغى للمؤمن ان لا يركن الى شىء من ذلك فان ترتب النصر عليها ليس الا بطريق جرى العادة {العزيز} الذى لا يغالب فى حكمه وقضيته {الحكيم} الذى يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ليس لك من الأمر شيء}: جملة معترضة بين قوله: {أو يكبتهم} وقوله: {أو يتوب عليهم}، أو تكون {أو} بمعنى {إلا}، أي: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتشفى فيهم. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر، {ولتطمئن قلوبكم به} فتثبتوا للقتال، {وما النصر إلا من عند الله} فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم، حيث قتلهم على أيديكم، فإن الله عزيز لا يغلب، حكيم فيما دبر وأبرم، وإنما نصركم يوم بدر {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} بقتل بعض وأسر آخرين، فإنه قتل يومئذ سبعون، وأسر سبعون، {أو يكبتهم} أي: يحزنهم ويغيظهم، والكبت: شدة الغيظ، {فينقلبوا خائبين} مما أملوا. ولما جُرِحَ - عليه الصلاة والسلام - في وجهه، وشُجَّ على قرن حاجبه، وكُسِرَت رباعيته، هَمَّ بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء}؛ إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكم، إن شاء هداهم وإن شاء عذّبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم؛ لعلمه بأن منهم من يُسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك؛ فجُلَّهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد - سيف الله في أرضه. ثم عطلف على قوله: {ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم} قوله: {أو يتوب عليهم} إن أسلموا {أو يعذبهم} إن لم يسلموا، {فإنهم ظالمون} قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله، {ولله ما في السماوات وما في الأرض} خلقاً وملكاً وعبيداً، {يغفر لمن يشاء} غفرانه، {ويعذب من يشاء} تعذيبه، ولا يجب عليه شيء، {والله غفور رحيم} لعباده، فلا تبادر بالدعاء عليهم. الإشارة: وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سنة الله في أوليائه، يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم ابلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالاً، وذلك اعتناء بهم، ونصراً لهم على أنفسهم، فإن النصر كله {من عند الله العزيز الحكيم}. وذلك ليقطع عنهم طرفاً من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب والله يفتح الباب. ليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ولا تفرح بما آتاك، فملكوت السماوات والأرض بيد الله، {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم}. قال القشيري: جرَّده - أي: نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كُلِّ غيْرٍ وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال: ويقال: أقامه في وقتٍ مقاماً؛ رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال:{أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَى}تفسير : [الأنفال: 17]، وقال في وقت آخر:{أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ}تفسير : [آل عِمرَان: 128]. هـ. يشير إلى أنهما مقامان: نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشي. قتل: الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا: إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاعة. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : الهاء في قوله: {وما جعله الله} عائدة على ذكر الأمداد والوعد فيعود على معلوم بالدلالة عليه غير مذكور باسمه لأن يمدد يدل على الذكر للامداد ومثله {أية : إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب}تفسير : أي الشمس. وقال لبيد: شعر : حتى إذا ألقت يداً في كافر وأجن عورات الثغور وظلامها تفسير : أي القت الشمس فرد الضمير إلى معلوم ليس بمذكور. وقال قوم: ان الضمير راجع إلى الامداد نفسه. والاول أقوى لأن البشرى في صفات الانزال وذلك يليق بذكر الامداد. والفرق بين قوله: {ولتطمئن قلوبكم به} وقوله واطمئنانا لقلوبكم، أن الوعد في أحدهما اطمئنان، وفي الآخر سببه الاطمئنان فهو أشد في تحقيق الكلام من أجل دخول اللام. وقوله: {وما النصر إلا من عند الله} معناه أن الحاجة لازمة في المعونة وان امدهم بالملائكة فانهم لا يستغنون عن معونته طرفة عين في تقوية قلوبهم وخذلان عدوهم بضعف قلوبهم إلى غير ذلك من الأمور التي لا قوام لهم إلا بها ولا متكل لهم إلا عليها. فان قيل: كيف قال {وما النصر إلا من عند الله} وقد ينصر المؤمنون بعضهم بعضاً وبعض المشركين بعضا؟ قلنا: لأن نصر بعض المؤمنين بعضاً من عند الله لأنه بمعونته وحسن توفيقه، وأما نصر المشركين بعضهم، لبعض، فلا يعتد به، لأنه بخذلان الله من حيث أن عاقبته إلى شر مآل من العقاب الدائم. وقوله: {العزيز الحكيم} معناه ها هنا العزيز في انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين، الحكيم في تدبيره للعالمين ليعلمهم بأن حربهم للمشركين يجري على اعزاز الدين، والحكمة في تدبير المكلفين ومعنى العزيز المنيع باقتداره.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} اى امدادكم بالملائكة {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ} عن الاضطراب {بِهِ} يعنى ما كان المقصود من الامداد بالملائكة الاّ البشارة لكم لتسرّوا قبل الظّفر ولتطمئنّ قلوبكم قبل ان تقرّ عيونكم بالغلبة والقتل لانّ الانظار البشريّة على الاسباب الحسيّة {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} من غير توسّط اسباب وآلات ومن دون الحاجة الى امداد واستعداد {ٱلْعَزِيزِ} الّذى لا يمنع من مراده {ٱلْحَكِيمِ} الّذى لا ينصر ولا يخذل الاّ لحكم ومصالح عائدة اليكم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللهُ} يعني المدد {إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ} أي: ما أنزل من الملائكة تستبشرون بها وتفرحون بها {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ} أي ولتسكن قلوبكم به {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ}. قوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ} قال بعضهم: أي: يخزيهم {فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ}. قال بعضهم: قطع الله يومئذ، أي يوم بدر، طرفاً من الكفار وقتل صناديدهم ورؤوسهم في الشرك. قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} ذكروا عن الحسن قال: "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في وجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم"؛تفسير : فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}. ذكر بعضهم عن رسول الله مثل ذَلك، غير أنه قال: "حديث : خضبوا وجه نبيهم بالدماء وهو يدعوهم إلى الله ". تفسير : وقوله: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فيه تقديم؛ {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} قوله: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فيرجعوا إلى الإِيمان، وإن يعذبهم فبإقامتهم على الشرك في تفسير الحسن. قال: وهو كقوله: (أية : وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)تفسير : [الأحزاب:24] أي: فإن يعذبهم فبإقامتهم على النّفاق أو يتوب عليهم فيرجعوا عن نفاقهم.
اطفيش
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ}: ما جعل. {اللَّهُ}: الإمداد. {إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ}: بالنصر. {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ}: لتسكن قلوبكم بالإمداد فلا تجزعوا من قلتكم وكثرة عدوكم، وهذا وما بعده مما يزيل الشك عن القلب، إذ قد يكون فى القلب ارتياب فى أن الملائكة مع قوتها، حضرت القتال ولم يكن إلا ما كان من قتل بعض المشركين، ولم يقتلوا كلهم، وفى أنه كيف تخلص القتل إلى بعض المسلمين مع حضور الملائكة، مع أن الملائكة الواحد لو أمر بقتل المشركين لقتلهم جميعاً بمرة، ولم يبقوا قدر ما يصلون لا قتل مسلم أو أقل من ذلك القدر، فإن جبريل وحده عليه السلام، قلع خمس قرى من قرى قوم لوط من سبع الأرضين بريشة واحدة، وقلبها، فأجاب الله الرحمن الرحيم بنا، اللطيف بنا، والحمد لله بأن حضور الملائكة ولو كان على هيئة القتال، وقاتلت وقتلت بعض المشركين يوم بدر، وتخزمت وجاءت ورجعت فى الميدان، لكن لم يرسلها الله إلا تبشيراً وتسكيناً لقلوب المؤمنين، لتشتد قلوبهم، إذا علم من علم ورأى من رأى ذلك منهم، ولا يبالوا بقتلهم، وتأخر من تأخر فيحصل لهم أجر القتال وأجر الشهادة، وإلا ليقتل منهم من أراد الله قتله من المشركين بأمره وتمكينه منه، ولله أن يفعل ما يشاء، فزالت الريبة، وزال إنكار أبى بكر الأصم، عمن ينكر، كإنكاره أن يكون حضورهم للقتال، وإنهم قاتلوا كأشد القتال لشبه قوتهم، فالنصر من الله لا من الملائكة بكثرة العدو، كما قال: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم}: فلا تتوكلوا إلا عليه لأنه ذو العزة فلا يغلبه شىء، وذو الحكمة لكمال علمه، فلا تخفى عليه مصالحكم. وبشرى مفعول ثان لجعل لا مفعول لأجله، ولتطمئن متعلق بمحذوف، أى فعل ذلك لتطمئن، ويجوز أن نجعل فعل المعنى أوجد فيتعدى الواحد فينصب {بشرى} على أنه مفعول لأجله فيكون اللام فى {لتطمئن} ذكرت لعدم اتحاد الفاعل فيه، فيكون معطوف على {بشرى} من العطف على قدر المعنى، لأن المعنى للتبشير ولتطمئن.
اطفيش
تفسير : {ومَا جَعَلَهُ} أى الإمداد بالملائكة الذى أمدكم به ببدر، أو الوعد بالإمداد، أو التسويم، أو تنزيل الملائكة أو النصر، و الصحيح الأول، أو الموعود به فى أحد، المتوقف إنجازه عَلَى الصبر والثبات، ولا إشكال فى التبشير عَلَى وعد شرط {اللهُ إلاّ بُشْرَى لَكُمْ}، أى لأجل شيء إلا للبشرى، أو ما صبره إلا بشرى، وهو اسم مصدر بمعنى التبشير، وهو الإخبار بخير يظهر به أثر الفرح فى البشرة، أى جلدة الوجه، وإذا استعملت فى الشر فتهكم أو مشاكلة وقيل حقيقة لظهور أثر البؤس عَلَى البشرة أيضا، والصحيح أنه مجاز فى الشر، لأنه لا يستعمل فيه إلا لقرينة {وَلِتَطْمَئِنَّ} تكن عن الخوف {قُلُوبُكُم بِهِ} عطف على المعنى، أى للبشرى والتطمين، وفاعل الاطمئنان غير فاعل الجعل والتبشير، فجر باللام، أو يقدر، وفعلت ذلك لتطمئن به قلوبكم، النفوس جبلت عَلَى مراعاة الأسباب، روى ابن إسحاق، أن سعد بن مالك كان يرمى فى غزوة أحد وفتى شاب كان ينبل له كلما فنى النبل أتاه به، وقال: ارم يا أبا إسحاق ارم يا أبا إسحق، فلما انجلت المعركة سأل عنه فلم يعرف {وَمَا النَّصْرُ} المعهود الواقع بإمداد الملائكة {إلا مِنْ عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ} لا تتوهموا أنه بكثرة الملائكة يوم بدر ولا بكثرة العدد والعدة فى موضع ما، ومن حكمته أن يذل الكثير، ويعز القليل إذا شاء ولو بلا واسطة.
الالوسي
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } أي الامداد المفهوم من الفعل المقدر المدلول عليه بقوة الكلام كأنه قيل: فأمدكم الله تعالى بما ذكر وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ } وقيل: الضمير للوعد بالإمداد، وقيل: للتسويم أو للتنزيل أو للنصر المفهوم من نصركم السابق ومتعلق البشارة غيره، وقيل: للإمداد المدلول عليه بأحد الفعلين، والكل ليس بشيء كما لا يخفى، والبشرى إما مفعول له، و (جعل) متعدية لواحد أو مفعول لها إن جعلت متعدية لاثنين، وعلى الأول: الاستثناء مفرغ من أعم العلل أي وما جعل إمدادكم بإنزال الملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم تنصرون، وعلى الثاني: مفرغ من أعم المفاعيل أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشرى لكم. والجملة ابتداء كلام غير داخل في حيز القول بل مسوق من جنابه تعالى لبيان أن الأسباب الظاهرة بمعزل عن التأثير بدون إذنه سبحانه وتعالى، فإن حقيقة النصر مختص به عز اسمه ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا منه عند فقدان أسبابه وأماراته وهي معطوفة على فعل مقدر كما أشرنا إليه، ووجه الخطاب نحو المؤمنين تشريفاً لهم وإيذاناً بأنهم هم المحتاجون لما ذكر، وأما رسوله صلى الله عليه وسلم فغني عنه بما منّ به عليه من التأييد الروحاني والعلم الرباني. {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } أي ولتسكن قلوبكم بالإمداد فلا تخافوا كثرة عدد العدو وقلة عددكم وهذا إما معطوف على {بُشْرَىٰ } باعتبار الموضع وهو كالمعطوف عليه علة غائية للجعل إلا أنه نصب / الأول لاجتماع شرائطه ولم ينصب الثاني لفقدانها، وقيل: للإشارة أيضاً إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما في قوله تعالى: {أية : لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً }تفسير : [النحل: 8] وإما متعلق بمحذوف معطوف على الكلام السابق أي ولتطمئن قلوبكم به، فعل ذلك وهو أولى من تقدير بشركم كما فعل أبو البقاء، والثاني متعين على الاحتمال الثاني في الأول. {وَمَا ٱلنَّصْرُ } أي على الإطلاق فيندرج فيه النصر المعهود دخولاً أولياً {إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } المودع في الأسباب بمقتضى الحكمة قوة لا تأثر إلا به أو وما النصر المعهود إلا من عنده سبحانه وتعالى لا من الملائكة لأن قصارى أمرهم ما ذكر من البشارة وتقوية القلوب ولم يقاتلوا أو لأن قصارى أمرهم أنهم قاتلوا بتمكين الله تعالى لهم ولم يكن لهم فعل استقلالاً ولو شاء الله تعالى ما فعلوا على أن مجرد قتالهم لا يستدعي النصر بل لا بد من انضمام ضعف المقابلين المقاتلين ولو شاء الله تعالى لسلطهم عليهم فحيث أضعف وقوى ومكن وما مكن وبه حصل النصر كان ذلك منه سبحانه وتعالى. والآية على هذا لا تكون دليلاً لمن زعم أن المسببات عند الأسباب لا بها وقد مر تحقيقه فتذكر، وكذا لا دليل فيها على وقوع قتالهم ولا على عدمه لاحتمالها الأمرين، وبكل قال بعض. والمختار ما روي عن مجاهد أن الملائكة لم يقاتلوا في غزواته صلى الله عليه وسلم إلا في غزوة بدر وإنما حضروا في بعضها بمقتضى ما علم الله تعالى من المصلحة مثل حضورهم حلق أهل الذكر، وربما أعانوا بغير القتال كما صنعوا في غزوة أحد على قول، فعن ابن إسحق أن سعد بن مالك كان يرمي في غزوة أحد وفتى شاب كان ينبل له كلما فني النبل أتاه به وقال له: ارم أبا إسحق ارم أبا إسحق، فلما انجلت المعركة سأل عن ذلك الرجل فلم يعرف، وأنكر أبو بكر الأصم الإمداد بالملائكة، وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك سائر أهل الأرض كما فعل جبريل عليه السلام بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو مأموراً بالقتال فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، وأيضاً أي فائدة في إرسال سائر الملائكة معه وهو القوي الأمين، وأيضاً إن أكابر الكفار الموجودين في غزوة القتال قاتل كل منهم من الصحابة معلوم ولم يعلم أن أحداً من الملائكة قتل أحداً منهم، وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول: يكون المشاهد من عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر ألوفاً عديدة ولم يقل بذلك أحد، وهو أيضاً خلاف قوله تعالى: {أية : وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ }تفسير : [الأنفال: 44] ولو كانوا في غير صورة ابن آدم لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ولو كان لنقل البتة، وعلى الثاني: يلزم حز الرؤوس وتمزيق البطون ونحو ذلك من الكفار من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات وقد وقع بين جمعين سالم ومكسر فكان يجب أن يتواتر ويشتهر لدى الموافق والمخالف فحيث إنه لم يشتهر دلّ على أنه لم يكن، وأيضاً أنهم لو كانوا أجساماً كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجساماً لطيفة هوائية تعذر ثبوتهم على الخيل انتهى. ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة ولا بمن يعترف بأنه تعالى قادر على ما يشاء فعال لما يريد فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك إذ نص القرآن ناطق بالإمداد؛ ووروده في الأخبار قريب من المتواتر فكأن الأصم أصم عن سماعه أو أعمى عن رؤية رباعه، وقد روى عبد بن عمير قال: لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر، والتحقيق في هذا المقام كما قال بعض المحققين: إن التكليف ينافي الإلجاء وأنه تعالى شأنه وإن كان قادراً على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك بل بلا سبب، وكذا هو قادر / على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم لكنه سبحانه أراد إظهار هذا الدين على مهل وتدريج وبواسطة الدعوة وبطريق الابتلاء والتكليف فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى وله الحكم في الآخرة والأولى، وبهذا يندفع كثير من تلك الشبه، وإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس فلا جرم أظهر الله تعالى القدرة وجعل عاليها سافلها، وفي غزوة أحد كان الزمان زمان تكليف فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق عن المنافق والثابت عن المضطرب ولو أجري الأمر فيها كما أجري في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب، ثم لا يخفى أن الملائكة إما أجسام لطيفة نورانية وإما أرواح شريفة قدسية. وعلى التقديرين لهم الظهور في صور بني آدم مثلاً من غير انقلاب العين وتبدل الماهية كما قال ذلك العارفون من المحققين في ظهور جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبـي ومثل هذا من وجه ولله تعالى المثل الأعلى ما صح من تجلي الله تعالى لأهل الموقف بصورة فيقول لهم: أنا ربكم فينكرونه فإن الحكم في تلك القضية صادق مع أن الله تعالى وتقدس وراء ذلك وهو سبحانه في ذلك التجلي باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق، ومن سلم هذا ـ ولا يسلمه إلا ذو قلب سليم ـ لم يشكل عليه الإمداد بالملائكة وظهورهم على خيول غيبية ثابتين عليها حسبما تقتضيه الحكمة الإلۤهية والمصلحة الربانية ولا يلزم من ذلك رؤية كل ذي بصر لهم لجواز إحداث أمر مانع عنها إما في الرائي أو في المرئي ولا مانع من أنهم يرون أحياناً ويخفون أحياناً ويرى البعض ويخفى البعض، وزمام ذلك بيد الحكيم العليم فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والشيء متى أمكن وورد به النص عن الصادق وجب قبوله ومجرد الاستبعاد لا يجدي نفعاً ولو ساغ التأويل لذلك لزم تأويل أكثر هذه الشريعة بل الشرائع بأسرها وربما أفضى ذلك إلى أمر عظيم، فالواجب تسليم كل ممكن جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم وتفويض تفصيل ذلك وكيفيته إلى الله تعالى. {ٱلْعَزِيزُ } أي الغالب الذي لا يغالب فيما قضى به، وقيل: القادر على انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين وفي إجراء هذا الوصف هنا عليه تعالى إيذان بعلة اختصاص النصر به سبحانه. {ٱلْحَكِيمُ } أي الذي يضع الأشياء مواضعها ويفعل على ما تقتضيه الحكمة في سائر أفعاله ومن ذلك نصره للمؤمنين بواسطة إنزال الملائكة، وفي الاتيان بهذا الوصف رد على أمثال الأصم في إنكارهم ما نطقت به الظواهر فسبحانه من عليم حكيم وعزيز حليم.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن تكون جملة {وما جعله الله إلا بشرىٰ} في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله: {أية : ولقد نصركم الله ببدر}تفسير : [البقرة: 123] والمعنى لقد نصركم الله ببدر حين تقول للمؤمنين مَا وعدك الله به في حال أنّ الله ما جعل ذلك الوعدَ إلاّ بشرى لكم وإلاّ فإنَّه وعَدَكم النصر كما في قوله تعالى: {أية : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنَّها لكم}تفسير : [الأنفال: 70] الآية. ويجوز أن يكون الواو للعطف عطفَ الإخبار على التذكير والامتنان. وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار للتنويه بهذه العناية من الله بهم، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وضمير النصب في قوله: {جعله} عائد إلى الإمداد المستفاد مِن {أية : يمددكم}تفسير : [آل عمران: 125] أو إلى الوعد المستفاد من قوله: {أية : إن تصبروا وتتقوا}تفسير : [آل عمران: 125] الآية. والاستثناء مفرّغ. و{بشرى} مفعول ثان لـ (ـجعله) أي ما جعل الله الإمداد والوعد به إلاّ أنَّه بشرى، أي جعله بشرى، ولم يجعله غير ذلك. و (لكم) متعلّق بـ (بشرى). وفائدة التصريح به مع ظهور أن البشرى إليهم هي الدلالة على تكرمة الله تعالى إيّاهم بأنْ بَشَّرهم بشرى لأجلهم كما في التصريح بذلك في قوله تعالى: {أية : ألم نشرح لك صدرك}تفسير : [الشرح: 1] والبشرى اسم لمصدر بَشَّر كالرُّجعى، والبشرى خبر بحصول ما فيه نفع ومسرّة للمخبر به، فإنّ الله لمَّا وعدهم بالنَّصر أيقنوا به فكان في تبيين سببه وهو الإمداد بالملائكة طَمْأنة لنفوسهم لأنّ النفوس تركن إلى الصّور المألوفة. والطمْأنة والطُّمأنِينة: السكون وعدم الاضطراب، واستعيرت هنا ليقين النَّفس بحصول الأمر تشبيهاً للعلم الثابت بثبات النفس أي عدم اضطرابها، وتقدّمت عند قوله تعالى: {أية : ولكن ليطمئنّ قلبي }تفسير : في سورة [البقرة:260]. {وعُطف ولتطمئنّ} على {بُشرى} فكانَ داخلاً في حيّز الاستثناء فيكون استثناء مِن عللٍ، أي ما جعله الله لأجل شيء إلاّ لأجل أن تطمئن قلوبكم به. وجملة {وما النصر إلا من عند الله} تذييل أي كلّ نصر هو من الله لا من الملائكة. وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا لأنَّهما أولى بالذكر في هذا المقام، لأنّ العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يُعطاه. وقوله: {ليقطع طرفاً} متعلّق بـ (النَّصر) باعتبار أنَّه علَّة لبعض أحوال النصر، أي ليقطع يوم بدر طرفاً من المشركين. والطَّرف ـــ بالتحريك ـــ يجوز أن يكون بمعنى النَّاحية، ويخصّ بالنَّاحية الَّتي هي منتهى المكان، قال أبو تمّام: شعر : كانت هي الوسَطَ المحميّ فاتّصلتْ بها الحَوادث حتَّى أصبحت طَرفا تفسير : فيكون استعارة لطائفة من المشركين كقوله تعالى: {أية : أو لم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}تفسير : [الرعد: 41] ويجوز أن يكون بمعنى الجزء المتطرّف من الجسد كاليدين والرجلين والرأس فيكون مستعاراً هنا لأشراففِ المشركين، أي ليقطع من جسم الشرك أهم أعضائه، أي ليستأصل صناديد الَّذين كفروا. وتنكير (طرفاً) للتفخيم، ويقال: هو من أطراف العرب، أي من أشرافها وأهل بيوتاتها. ومَعنى {أو يكبتهم} يصيبهم بغمّ وكمد، وأصل كبت كَبَد بالدال إذا أصابه في كَبده. كقولهم: صُدرَ إذا أصيب في صدره، وكُلِيَ إذا أصيب في كُلْيَتِه، ومُتِنَ إذا أصيب في مَتْنه، ورُئي إذا أصيب في رِئته، فأبدلت الدال تاء وقد تبدل التاء دالاً كقولهم: سَبَد رأسَه وسبَته أي حلقه. والعرب تتخيّل الغمّ والحزن مقرّه الكبد، والغضب مقرّه الصّدر وأعضاء التنفّس. قال أبو الطيب يمدح سيف الدّولة حِين سفره عن أنطاكية: شعر : لأَكْبِتَ حَاسداً وأرِي عَدُواً كأنَّهُمَا ودَاعُكَ والرّحيلُ تفسير : وقد استقرى أحوال الهزيمة فإنّ فريقاً قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتُوا وانقلبوا خائبين، وفريقاً مَنَّ الله عليهم بالإسلام، فأسلموا، وفريقاً عُذّبوا بالموت على الكفر بعد ذلك، أو عذبوا في الدنيا بالذلّ، والصغار، والأسر، والمَنّ عليهم يوم الفتح، بعد أخذ بلدهم و «أو» بين هذه الأفعال للتقسيم. وهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين، فالتَّعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر المبين العزيز النظير. وجملة {ليس لك من الأمر شيء} معترضة بين المتعاطفات، والخطاب للنَّبي صلى الله عليه وسلم فيجوز أن تُحْمَل على صريح لفظها، فيكون المعنى نفي أن يكون للنَّبي، أي لقتاله الكفارَ بجيشه من المسلمين، تأثير في حصول النَّصر يوم بدر، فإن المسلمين كانوا في قلّة من كُلّ جانب من جوانب القتال، أي فالنصر حصل بمحض فضل الله على المسلمين، وهذا من معنى قوله: {أية : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}تفسير : [الأنفال: 17]. ولفظ (الأمر) من قوله: {ليس لك من الأمر شيء} معناه الشأن، و (أل) فيه للعهد، أي من الشأن الذي عرفتموه وهو النَّصر. ويجوز أن تحمل الجملة على أنَّها كناية عن صرف النَّبي ـــ عليْه الصلاة والسلام ـــ عن الاشتغال بشأن ما صنع الله بالَّذين كفروا، من قطع طَرفهم، وكبْتِهم أو توبة عليهم، أو تعذيب لهم: أي فذلك موكول إلينا نحقّقُه متى أردنا، ويتخلّف متى أردنا على حسب ما تقتضيه حكمتنا، وذلك كالاعتذار عن تخلّف نصر المُسلمين يوم أحُد. فلفظ (الأمر) بمعنى شأن المشركين. والتعريفُ فيه عوض عن المضاف إليه، أي ليس لك من أمرهم اهتمام. وهذا تذكير بما كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر من تخوّف ظهور المشركين عليه، وإلحاحه في الدّعاء بالنَّصر. ولعلّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يوَدّ استيصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد مقتضى ذلك وهو نزول الملائكة لإهلاكهم، فذكّره الله بذلك أنَّه لم يقدّر استيصالهم جميعاً بل جعل الانتقام منهم ألواناً فانتقم من طائفة بقطع طرَف منهم، ومن بقيّتهم بالكَبْتِ، وهو الحزن على قتلاهم، وذهاب رؤسائهم، واختلال أمورهم، واستبقى طائفة ليتوب عليهم ويهديهم، فيكونوا قوّة للمسلمين فيؤمنوا بعد ذلك، وهم من آمن من أهل مكَّة قبل الفتح، ويوم الفتح: مثل أبي سفيان، والحارث بن هشام أخي أبي جهل، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وخالد بن الوليد، وعذّب طائفة عذاب الدنيا بالأسر، أو بالقتل: مثل ابن خَطل، والنضْر بن الحارث، فلذلك قيل له: «ليس لك من الأمر شيء». ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر أنّ المراد من الأمر هو الأمر الدائر بين هذه الأحوال الأربعة من أحوال المشركين، أي ليس لك من أمر هذه الأحوال الأربعة شيء ولكنّه موكول إلى الله، هو أعلم بما سيصيرون إليه وجَعل هذه الجملة قبل قوله: {أو يتوب عليهم} استئناس للنَّبي صلى الله عليه وسلم إذ قُدّم ما يدلّ على الانتقام منهم لأجله، ثُمّ أردف بما يدلّ على العفو عنهم، ثُمّ أردف بما يدلّ على عقابهم، ففي بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له، وفي بعضها إرضاء له من جانب تطويعهم له. ولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين بقوله تعالى: {أو يعذبهم}. ولكون التَّذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحُد، كأنّ في هذا التَّقسيم إيماء إلى ما يصلح بياناً لِحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحُد، إذ كان في استبقاء كثير من المشركين، لم يصبهم القتلُ يومئذ، ادّخار فريق عظيم منهم للإسلام فيما بعد، بَعْد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر، وإن حسِبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحُد، وإن لم ينتصروا. ولا يستقيم أن يكون قوله: {ليس لك من الأمر شيء} متعلّقاً بأحوال يوم أحُد: لأنّ سياق الكلام ينبو عنه، وحال المشركين يوم أحُد لا يناسبه قولُه: {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} إلى قوله: {خائبين}. ووقع في «صَحِيح مسلم»، عن أنس بن مالك: أنّ النَّبي صلى الله عليه وسلم شُجّ وجهه، وكُسرت رباعيته يوم أحُد، وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيّهم، فقال النَّبي ـــ عليْه السَّلام ـــ: «حديث : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم»تفسير : أي في حال أنَّه يدعوهم إلى الخير عند ربّهم، فنزلت الآية، ومعناه: لا تستبْعِد فلاحهم. ولا شكّ أن قوله فنزلت هذه الآية مُتأوّل على إرادة:: فذُكِّر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، لظهور أن ما ذكروه غير صالح لأن يكون سبباً لأنّ النبي تعجّب من فلاحهم أو استبعده، ولم يدّع لنفسه شيئاً، أو عملاً، حتَّى يقال: «ليس لك من الأمر شيء». وروى الترمذي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا على أربعة من المشركين، وسمّى أناساً، فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك، ثُمّ أسلموا. وقيل: إنَّه همّ بالدعاء، أو استأذن الله أن يدعو عليهم بالاستيصال، فنهى. ويردّ هذه الوجوه ما في «صحيح مسلم»، عن ابن مسعود، قال: كأنِّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيئاً من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: ربّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون. وورد أنَّه لمَّا شجّ وجهه يوم أحُد قال له أصحابه: لو دعوت عليهم، فقال: إنِّي لم أبعث لَعَّاناً، ولكِنِّي بعثت داعياً ورحمة، اللَّهُمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون. وما ثبت من خُلقه صلى الله عليه وسلم أنَّه كان لا ينتقم لنفسه. وأغرَبَ جماعة فقالوا نزل قوله: {ليس لك من الأمر شيء} نسخاً لما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته على رِعْل، وذكْوان، وعُصية، ولِحْيان، الَّذين قتلوا أصحاب بئر معونة، وسندهم في ذلك ما وقع في «البخاري» أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو عليهم، حتَّى أنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء}. قال ابن عطية: وهذا كلام ضعيف كله وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ. وكيف يصحّ أن تكون نزلت لنسخ ذلك وهي متوسطة بين علل النَّصر الواقع يوم بدر. وتفسيرُ ما وقع في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء على المشركين بعد نزول هذه الآية أخذاً بكامل الأدب، لأنّ الله لمَّا أعلمه في هذا بما يدلّ على أن الله أعلَمُ بما فيه نفع الإسلام، ونقمة الكفر، ترك الدعاء عليهم إذ لعلّهم أن يسلموا. وإذ جعلنا دعاءه صلى الله عليه وسلم على قبائل من المشركين في القنوت شرعاً تقررّ بالاجتهاد في موضع الإباحة لأن أصل الدعاء على العدوّ مباح، فتركه لذلك بعد نزول هذه الآية، من قبيل النسخ بالقياس، نسخت حكم الإباحة التي هي استواء الفعل والترك بإثبات حكم أولوية الفعل. ومنهم من أبعد المرمى، وزعم أن قوله: {أو يتوب عليهم} منصوب بأن مضمرة وجوباً، وأنّ (أو) بمعنى حتَّى: أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتَّى يتوب الله عليهم، أي لا يؤمنون إلاّ إذا تاب عليهم، وهل يجهل هذا أحد حتَّى يحتاج إلى بيانه، على أن الجملة وقعت بين علل النصر، فكيف يشتّت الكلام، وتنتثر المتعاطفات. ومنهم من جعل {أو يتوب عليهم} عطفاً على قوله {الأمر} أو على قوله {شيء}، من عطف الفعل على اسم خالص بإضمار أنْ على سبيل الجواز، أي ليس لك من أمرهم أو توبتهم شيء، أو ليس لك من الأمر شيء أو توبة عليهم. فإن قلت: هلاّ جمع العقوبات متوالية: فقال ليقطع طرفاً من الَّذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، أو يتوبَ عليهم، أو يعذّبهم، قلت: روعي قضاء حقّ جمع النظير أولاً، وجمع الضدّين ثانياً، بجمع القَطْع والكبْتِ، ثم جمع التوبة والعذاب، على نحو ما أجاب به أبو الطيب عن نقد من نقد قوله في سيف الدّولة: شعر : وقفتَ وما في الموت شَكّ لواقف كأنَّك في جفن الردى وهو نائم تَمُرّ بك الأبطال كَلْمى حزينة ووَجْهُك وَضّاح وثَغرك باسم تفسير : إذ قدّم من صفتيه تشبيهه بكونه في جفن الردى لمناسبة الموت، وأخَّر الحال وهي ووجهك وضّاح لمضادّة قوله كلمى حزينة، في قصة مذكورة في كتب الأدب. واللام الجارّة لام الملك، وكاف الخطاب لمعيّن، وهو الرسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ. وهذه الجملة تجري مجرى المثل إذ ركبت تركيباً وجيزاً محذوفاً منه بعض الكلمات، ولم أظفر، فيما حفظت من غير القرآن، بأنَّها كانت مستعملة عند العرب، فلعلّها من مبتكرات القرآن، وقريب منها قوله: {أية : وما أملك لك من اللَّه من شيء}تفسير : [الممتحنة: 4] وسيجيء قريب منها في قوله الآتي: {أية : يقولون هل لنا من الأمر من شيء}تفسير : [آل عمران: 154] و {أية : يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا}تفسير : [آل عمران: 154] فإن كانت حكاية قولهم بلفظه، فقد دلّ على أنّ هذه الكلمة مستعملة عند العرب، وإن كان حكاية بالمعنى فلا. وقوله: {فإنهم ظالمون} إشارة إلى أنَّهم بالعقوبة أجدر، وأنّ التّوبة عليهم إن وقعت فضل من الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلِتَطْمَئِنَّ} (126) - وَمَا جَعَلَ اللهُ وَعْدَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ إِمْدَادِهِمْ بِالمَلاَئِكَةِ فِي المَعْرَكَةِ إلاّ بُشْرَى لِلْمُؤْمِنينَ، وَتَثْبيتاً لِقُلُوبِهِمُ التِي تَطَرَّقَ إليها الخَوْفُ مِنْ كَثْرَةِ عَدَدِ الكُفَّارِ، وَقُوّةِ اسْتِعْدَادِهِمْ. وَلَيْسَ النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يَنْصُرَ المُسْلِمِينَ دُونَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي القِتَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فإياك أن تظن أن المدد بالثلاثة آلاف أو الخمسة آلاف، الذين أنزلهم الله وأمدكم بهم أو بالملائكة المدربين على القتال .. إياكم أن تظنوا أن هذا المدد، هو شرط في نصر الله لك. بذاتك أو بالملائكة؛ إنه قادر على أن ينصرك بدون ملائكة، ولكنها بشرى لتؤنس المادة البشرية، فساعة يرى المؤمنين أعداداً كبيرة من المدد، والكفار كانوا متفوقين عليهم في العدد، فإن أسباب المؤمنين تطمئن وتثق بالنصر. إذن فالملائكة مجرد بُشْرَى، ولكن النصر من عند الله العزيز الذي لا يُغلب. وكل الأمور تسير بحكمته التي لا تعلوها حكمة أبداً. يقول الحق من بعد ذلك: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} الضمير عائد على المصدر المفهوم من يمددكم وهو الامداد. و{بُشْرَىٰ} مصدر وهو مفعول من أجله ولما وجدت فيه الشروط من اتحاد الفاعل والزمان لم تدخل عليه اللام ولما اختل فيما بعده شرط وهو عدم اتحاد الفاعل أتى باللام في قوله: ولتطمئن. ولام {لِيَقْطَعَ} هذه لام كي متعلقة. بمحذوف تقديره نصركم ليقطع يدل عليه ما قبله من قوله: وما النصر إلا من عند الله. {طَرَفاً} أي جانباً من الكفار بقتل أو أسر أو فرار. {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} أي يهزمهم، قاله ابن عباس. وقرىء بالدال مكان التاء أي يصيب كبدهم بالحزن وعدم الظفر. يقال: كبده أي أصاب كبده. {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} جملة اعتراض بين المعطوفين منبهة على أن الأمر لله وحده لا يشركه في ذلك أحد. {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ} مناسبتها لما قبلها ومجيئها بين أثناء القصة أنه لما نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من غيرهم واستطرد لذكر قصة أحد وكان الكفار أكثر معاملاتهم بالربا مع أمثالهم ومع المؤمنين وهذه المعاملة مؤدية إلى مخالطة الكفار نهوا عن هذه المعاملة التي هي الربا، قطعا لمخالطة الكفار ومودتهم واتخاذ إخلاء منهم لا سيما والمؤمنون في أول حال الاسلام ذوو إعسار والكفار من اليهود وغيرهم ذوو يسار. وكان أيضاً أكل الحرام له مدخل عظيم في عدم قبول الأعمال الصالحة والأدعية، كما جاء في الحديث: أن الله لا يستجيب لمن مطعمه حرام وملبسه حرام إذا دعى، وإن آكل الحرام يقول إذا حج: لبيك وسعديك، فيقول الله له: لا لبيك. ولا سعديك وحجك مردود عليك. فناسب ذكر هذه الآية هنا. وقيل: ناسب اعتراض هذه الجملة هنا أنه تعالى وعد المؤمنين بالنصر والامداد مقروناً بالصبر والتقوى فبدأ بالأهم منها وهو ما كانوا يتعاطونه من أكل الأموال بالباطل، وأمر بالتقوى ثم بالطاعة. وقيل: لما قال: ولله ما في السماوات وما في الأرض، بين أن ما فيهما من الموجودات ملك له ولا يجوز أن يتصرف في شيء منها إلا بإِذنه على الوجه الذي شرعه، وأكل الربا متصرف في ماله أي الله، بغير الوجه الذي أمر، نبّه تعالى على ذلك ونهى عما كانوا في الاسلام مستمرين عليه من حكم الجاهلية التضعيف عاماً بعد عام والربا محرم جميع أنواعه فهذه الحال لا مفهوم لها وليست قيداً في النهي، إذ ما لا يقع أضعافاً مضاعفة مساو في التحريم لما كان أضعافاً مضاعفة، وقد تقدم الكلام في نسبة الأكل إلى الربا في البقرة. وقيل: المضاعفة منصرفة إلى الأموال فإِن كان الربا في السن يرفعونها ابنة مخاض بابنة لبون، ثم حقة، ثم جذعة، ثم رباع، وهكذا إلى فوق. وإن كان في النقود فمائة إلى قابل بمائتين فإِن لم يوفهما فأربعمائة، والاضعاف جمع ضعف، وهو من جموع القلة فلذلك أردفه بالمضاعفة. وقرىء {سَارِعُوۤاْ} بغير واو وسارعوا بالواو.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):