٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر رضي الله عنه قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في القصاص، فأتيت بعيراً فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهراً حتى قدمت مصر فأتيت عبدالله بن أنيس فقلت له حديث بلغني عنك في القصاص فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : يحشر الله العباد حفاة عراة غرلاً. قلنا ما هما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب. أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصه منها حتى اللطمة. قلنا كيف وان نأتي الله غرلاً بهما؟ قال: بالحسنات والسيئآت، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذنوب ثلاثة: فذنب يغفر، وذنب لا يغفر، وذنب لا يترك منه شيء. فالذنب الذي يغفر العبد يذنب الذنب فيستغفر الله فيغفر له، وأما النذب الذي لا يغفر فالشرك، وأما الذنب الذي لا يترك منه شيء فمظلمة الرجل أخاه. ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} يؤخذ للشاة الجماء من ذات القرون بفضل نطحها. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله عليها قط ولم يخط فيها. فأول ما يتكلم أن ينادي مناد: لمن الملك اليوم...! لله الواحد القهار {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} فأول ما يبدأون به من الخصومات "الدماء" فيؤتى بالقاتل والمقتول فيقول: سل عبدك هذا فيم قتلتني؟ فيقول: نعم. فإن قال قتلته لتكون العزة لله فإنها له، وإن قال قتلته لتكون العزة لفلان فإنها ليست له، ويبوء بإثمه فيقتله. ومن كان قتل بالغين ما بلغوا ويذوقوا الموت كما ذاقوه في الدنيا. وأخرج الخطيب في تاريخه بسندٍ واهٍ عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحشر الناس يوم القيامة كما ولدتهم أمهاتهم حفاة عراة غرلا. فقالت عائشة رضي الله عنها: واسوأتاه...؟! ينظر بعضنا إلى بعض، فضرب على منكبها وقال: يا بنت أبي قحافة شغل الناس يومئذ عن النظر، وسموا بأبصارهم إلى السماء موقوفون أربعين سنة. لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتكلمون، سامين أبصارهم إلى السماء. يلجمهم العرق، فمنهم من بلغ العرق قدميه، ومنهم من بلغ ساقيه، ومنهم من بلغ فخذيه. وبطنه، ومنهم من يلجمه العرق. ثم يرحم بعد ذلك على العباد فيأمر الملائكة المقربين، فيحملون عرش الرب عز وجل حتى يوضع في أرض بيضاء كأنها الفضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة، وذلك أول يوم نظرت عين إلى الله تعالى. ثم تقوم الملائكة {حافين من حول العرش} [الزمر: 75] ثم ينادي منادٍ فينادي بصوت يسمع الثقلين الجن والإِنس يستمع الناس لذلك الصوت، ثم يخرج الرجل من الموقف، فيعرق الناس كلهم، ثم يعرق بأخذ حسناته فتخرج معه، فيخرج بشيء لم ير الناس مثله كثرة، ويعرف الناس تلك الحسنات، فإذا وقف بين يدي رب العالمين قال: أين أصحاب المظالم؟ فيقول له الرحمن تعالى: أظلمت فلان ابن فلان في كذا وكذا... فيقول: نعم يا رب وذلك {يوم تشهد عليه ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} [النور: 24] فإذا فرغ من ذلك فيؤخذ من حسناته فيدع إلى من ظلمه. وذلك يوم لا دينار ولا درهم إلا أخذ من الحسنات وترك من السيئآت، فإذا لم يبق حسنة قال: من بقي يا ربنا، ما بال غيرنا استوفوا حقوقهم وبقينا؟ قيل: لا تعجلوا، فيؤخذ من سيئآتهم عليه، فإذا لم يبق أحد يطلبه قيل له ارجع إلى أمك الهاوية فإنه {لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} ولا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صديق، ولا شهيد، إلا ظن أنه لم ينج لما رأى من شدة الحساب ".
القشيري
تفسير : يجازيهم على أعمالهم بالجنان، وعلى أحوالهم بالرضوان، وعلى أنفاسهم بالقربة، وعلى محبتهم بالرؤية. ويجازي المذنبين على توبتهم بالغفران، وعلى بكائهم بالضياء والشفاء. {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ}: أي أنه يستحيل تقديرُ الظلم منه، وكل ما يفعل فله أن يفعله. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} مع عباده؛ لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، وسريعُ الحساب مع أوليائه في الحال؛ يطالبهم بالصغير والكبير، والنقير والقطمير.
البقلي
تفسير : قال الله تعالى {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} اى من هموم فراقه ومقاساة بلائه ودوام الحزن فى عبوديته والكابة فى خدمته وانتظارا الفرج من سجنه فهذه المقاسات عقوباته وبلاياه التى امتحنهم بها فى الدنيا فيرفع الله ذلك عنهم ابدا الأبدين ويفرغ على الجميع من بحار كرمه سيول الرحمة والانعام ولا يبقى ذرة من بلائهم الا وهو يجازيه بحسن صحبته وكشف نظاره وجهة تعالى الله عن التشبيه قال الله تعالى {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} سرعة حسابه تعالى ان لو كان مثل ما خلق الف الف مرة وبكل ذرة منها عالم وفيه على قدر كل ذرة خلق وهم يعملون على اضعاف ما عملوا فيريهم جميع ذلك فى اقل لمحة بحيث هم يعرفونها ويرونها ثم يجازيهم باقل من لمحة وهو قادر بذلك وههنا ان يسال عنهم اعمالهم فيغفر لهم ذنوبهم فى اقل من لمحة وهو غفور شكور رحيم ودود قال سهل فى قوله رفيع الدرجات ذو العرش يرفع درجات من يشاء فى الدارين يجعله عزيزا فيها والعرش اظهار القدرة لا مكانا لذاته يلقى الروح من امره على ضروب فمن القى اليه روح الصفا انطقه بها واحياه حيوة الايدى والروح روحان روح بها حياة الخلق واخرى ليطفة بها ضياء الحق وقال فارس زين العرش بانوار ذاته فلا يوازيه شئ ولا يقابله مثل وقال الحسين العرش غاية ما اشار اليه الخلق وقال ابن عطا فى قوله يلقى الروح حياة الخلق على حسب ما القى اليهم من الروح فمنهم من القى اليه روح الرسالة وعنهم من القى اليه روح النبوة ومنهم من القى اليه روح الصديقية ومنهم من القى اليه روح الشهادة ومنهم من القى اليه روح الصلاح ومنهم من القى اليه روح العبادة والخدمة ومنهم من القى اليه روح الهداية ومنهم من القى اليه روح الحياة فقط فهم ميت فى الباطن وان كان حيا فى الظاهر وقال جعفر يخص من يشاء من عباده بتروح سره بمعرفته وتزيين نفسه بطاعته وقال الاستاذ روح هو روح الالهام وروح هو روح الاعلام وروح هو روح الاكرام وقال ابن عطا فى قوله لمن الملك اليوم لولا سوء طباع الجهال وقلة معرفتهم لما ذكر الله قوله لمن الملك اليوم فان الملك لم يزل ولا يزال له وهو الملك على الحقيقة ولكن لما جهلوا حقه وحجبوا عن معرفته فى الدنيا شاهدوا الملك وحقيقته الجاهم الاضطرار الى ان قالوا الله الواحد القهار وقال الواحد الذى بطل به الاعداد والقهار الذى قهر الكل على العجز بالاقرار له بالعبودية طوعا وكرها قال جعفر اخرس المكونات ذوت الارواح عن جواب سواله فى قوله لمن الملك اليوم فلم يجسر احد على الاجابة وما كان تحقيق ان يجيب سواله سواه فلما سكنت الالسن عن الجواب اجاب نفسه بما كان يستحق من الجواب فقال لله الواحد القهار وقال ابن عطا فى قوله اليوم يجزى من طالع من نفسه افعاله واذ كاره وطاعته جزى على ذلك ولا ظلم عليه فيه ومن طالع فضله ومنه اسقط عن درجة الجزاء على مقام الافضال والرحمة بقوله قل بفضل الله وبرحمته وفبذلك فليفرحوا وقال ابو بكر بن طاهر يريك جزاء كسبك وما تستحق بذلك لترى بعد ذلك محل الفضل والكرم.
اسماعيل حقي
تفسير : {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} اما من تتمة الجواب او حكاية لما سيقوله تعالى يومئذ عقيب السؤال والجواب اى تجزى كل نفس من النفوس البرة والفاجرة من خير أو شر {لا ظلم اليوم} بنقص ثواب او زيادة عذاب يعنى نه از ثواب كسى كم كنند ونه بر عقاب كسى افزايند ونه كسى رابكناه كسى بكيرند ونه نيكى راباداش بدى دهند {ان الله سريع الحساب} اى سريع حسابه تماما اذ لا يشغله تعالى شأن عن شأن فيحاسب الخلائق مع كثرتهم فى اقرب زمان ويصل اليهم ما يستحقونه سريعا فيكون تعليلا لقوله تعالى اليوم تجزى الخ فان كون ذلك اليوم بعينه يوم التلاق ويوم البروز ربما يودهم استبعاد وقوع الكل فيه وعن ابن عباس رضى الله عنه اذا أخذ فى حسابهم لم يقل اهل الجنة الا فيها ولا اهل النار الا فيها قوله لم يقل من قال يقيل قيلولة وهى النوم فى نصف النهار (قال فى كشف الاسرار) هركه اعتقاد كردكه اورا روزى دربيش است كه دران روز باوى سؤالى وجوابى وحسابى وعتابى هست وشب وروز بيقرار بود دمبدم مشغول ومستغرق كار بود ميزان تصرف از دست فرونهد بعيب كس ننكرد همه عيب خودرا مطالعه كند همه حساب خود كند در خبراست حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وتهيئوا للعرض الاكبر يكى از بزركان دين روى نامه نوشت و درخانه عاريتى بود كفتا خواستم كه آن راخاك بر كنم تاخشك شود بر خاطرم كذشت نبايد كه فردا از عهده اين مظلمه بيرون نتوانم آمدها نفى آواز داد سيعلم المستخف بترتيب الكتاب ما يلقى عند الله غدا من طول الحساب آرى فردا روز عرض وحساب بداندكه جه كرد آنكس كه نامه خويش بخاك خانه كسان خشك كرد وفى الحديث "حديث : يقول الله انا الملك انا الديان لا ينبغى لأحد من اهل الجنة ان يدخل الجنة ولا لأحد من اهل النار ان يدخل النار وعنده مظلمة حتى اقتص منه" تفسير : وتلا عليه السلام هذه الآية وفى بعض الروايات لأقتص من القرناء للجماء اى قصاص مقابلة لا تكليف شعر : در وعده اهل ظلم حالى عجبست ورزيدن ظلم را وبالى عجبست از ظلم برهيزكه درروز جزا لا ظلم اليوم كوشمالى عجبست
الجنابذي
تفسير : {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ} تكرار اليوم لتمكين ذلك اليوم فى القلوب تهديداً منه وترغيباً اليه {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} بنقص ثوابٍ او زيادة عقابٍ {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: النّفوس البشريّة غير متناهيةٍ فكيف يمكن محاسبة الكلّ فى يومٍ واحدٍ؟ - فقال: ان الله سريع الحساب يحاسب الكلّ فى وقتٍ واحدٍ لانّه لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ ولا حسابٌ عن حسابٍ، عن امير المؤمنين (ع): الميم ملك الله يوم لا مالك غيره ويقول الله {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 16 ]؟ - ثمّ تنطق ارواح انبيائه ورسله وحججه فيقولون: لله الواحد القهّار، فيقول الله جلّ جلاله: اليوم تجزى (الآية) وعنه (ع): انّه سبحانه يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقتٍ ولا مكانٍ ولا حينٍ ولا زمانٍ عدمت عند ذلك الآجال والاوقات، وزالت السّنون والسّاعات، فلا شيء الاّ الواحد القهّار الّذى اليه مصير جميع الامور بلا قدرةٍ منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناعٍ كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها.
الهواري
تفسير : قوله: {الْيَوْمَ} يعني في الآخرة {تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. قال بعضهم: يفرغ من حساب الخلائق في مقدار أقل من نصف يوم من أيام الدنيا. قوله: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ} أي: يوم القيامة {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} قال بعضهم: انتزعت القلوب فغصّت بها الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج. قال: {مَا لِلظَّالِمِينَ} أي: المشركين {مِنْ حَمِيمٍ} من قرابة. وقال مجاهد: الحميم: الشفيق. وقال الحسن: ما له من حميم، أي: يحمل عليهم من ذنوبهم شيئاً. {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أي: لا يشفع لهم أحد، ليس يعني يشفع لهم فلا يطاع، وإنما الشفاعة للمؤمنين. قال الله: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ} أي لحظ الأعين في تفسير الحسن. وقال بعضهم: هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. قال: {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} أي: ويعلم ما تخفي صدوركم.
اطفيش
تفسير : {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} خيراً أو شراً قيل هذا دليل ان على المنادى بفتح الدال هو المجيب والآية نتيجة لكون (الملك لله) فيجزيها فى ذلك اليوم وذلك انهم يكتسبون بعقائدهم وأعمالهم هيئات توجب لذتها وألمها ولا تشعر بما أوجبته لشغل الكفلاء اياهم ومنعه لهداهم فاذا جاء ذلك اليوم زالت العوائق والشواغل لتدرك تلك اللذة والألم. قاله القاضي وأعقب تلك النتيجة التي هي المجازاة ان الظلم مأمون بقوله* {لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ} بمجازاة أحد بما لم يفعل ولا ينقص ثواب المحسن والزيادة فى الجزاء على قدر عمل المسيء فكل ما يلقاه الشقي من العذاب المخلد طبق عمله وأعقب هذا ان الحساب لا يبطؤ بقوله* {إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} يحاسبهم مرة كما يرزقهم مرة على كثرة لا يشغله حساب عن حساب لان حسابه المجازاة على الأعمال واظهار جزائها لهم والحكم عليها بها وهو بذلك فى الأزل السابق علم وعبر ابن عباس تمثيلاً بأنه اذا أخذ فى الحساب لم يقل أهل الجنة الا في الجنة ولا أهل النار الا في النار وما قيل انه يحاسبهم قدر نصف نهار الدنيوي اما تمثيل لسرعة واما حقيقة لكن لا للعجز عما دونه
اطفيش
تفسير : {اليَوْم تُجْزى كُلّ نفْسٍ} بارة أو فاجرة {بما كَسَبَت} من خير أو شر {لا ظُلْم اليَوْم} لا ينقص من عمل، ولا يزاد عليه، بخلاف الدنيا ففيها ظالم ومظلوم {إنَّ الله سَريعُ الحِسَاب} هذا آخر الجواب، والسؤال والجواب بين نفخة الموت ونفخة البعث من واحد، وهو الله تعالى، وقيل: ملك، وهذا على أن ذلك فى المحشر أو قرب قيام الساعة جدا، وقيل: السائل الله أو ملك، والمجيب الناس، وعن ابن عباس: ينادى منادٍ بين السماء والأرض، عند قرب الساعة: يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات، فيقول الله: {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}تفسير : [غافر: 16] ولعل ذلك يكون مرة بين يدى الساعة، ومرة بين النفختين، ومرة فى المحشر، قال ابن مسعود رضى الله عنه: يجمع الله الخلق يوم القيامة بصعيد واحد، بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة، لم يعص الله تعالى فيها قط، ولم يخطىء فيها، فأول ما يتكلم أن ينادى مناد: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار* اليوم تجْزَى كلّ نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} فأول ما يبدءون به من الخصومات الدماء، وحسابه كلحظة، ويفعل الله ما يشاء قال ابن عباس: اذا أخذ فى الحساب لم يقل أهل الجنة الا فيها، وأهل النار الا فيها.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى:{ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ } أي من النفوس البرة والفاجرة {بِمَا كَسَبَتْ } أي من خير أو شر {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } بنقص الثواب وزيادة العقاب {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي سريع حسابه إذ لا يشغله سبحانه شأن عن شأن فيصل إلى المحاسب من النفوس ما يستحقه سريعاً. روي عن ابن عباس أنه تعالى إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها من تتمة الجواب جىء به لبيان إجمال فيه، والتذييل لتعليل ما قبله. والمنادي بذلك سؤالاً وجواباً واحد. أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال: «يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله تعالى فيها قط ولم يخطأ فيها فأول ما يتكلم أن ينادي مناد {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ * ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [غافر: 16ـ17] فأول ما يبدؤن به من الخصومات الدماء» الحديث، وهو عند الحسن الله نفسه عز وجل، وقيل: ملك، وقيل: السائل هو الله تعالى أو ملك والمجيب الناس. وذكر الطيبـي تقريراً لعبارة «الكشاف» أن قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ } الخ تعليل فيجب أن يكون السائل والمجيب هو الله عز وجل، فإنه سبحانه لما سأل {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } وأجاب هو سبحانه بنفسه {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } كان المقام موقع السؤال وطلب التعليل فأوقع {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ } جواباً عنه يعني إنما اختص الملك به تعالى لأنه وحده يقدر على مجازاة كل نفس بما كسبت وله العدل التام فلا يظلم أحداً وله التصرف فلا يشغله شأن عن شأن فيسرع الحساب، ولو أوقع {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } جواباً عن أهل المحشر لم يحسن هذا الاستئناف انتهى، وفيه ما فيه. والحق أن قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ } الخ إن كان من كلام المجيب كما هو ظاهر حديث ابن مسعود بعد أن يكون من الناس، وجوز فيه أن لا يكون من تتمة الجواب بل هو حكاية لما سيقوله تعالى في ذلك / اليوم عقيب السؤال والجواب. وأياً ما كان فتخصيص الملك به تعالى في ذلك اليوم إنما هو بالنظر إلى ظاهر الحال من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط وظهور ذلك للكفرة والجهلة. وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائماً. وذهب محمد بن كعب القرظي إلى أن السؤال والجواب منه تعالى ويكونان بين النفختين حين يفني عز وجل الخلائق. وروي نحوه عن ابن عباس. أخرج عبد بن حميد في «زوائد الزهد» وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في «الحلية» عنه رضي الله تعالى عنه قال: «ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل الله سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول: {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}» والسياق ظاهر في أن ذلك يوم القيامة فلعله على تقدير صحة الحديث يكون مرتين. ومعنى جزاء النفوس بما كسبت أنها تجزى خيراً إن كسبت خيراً، وشراً إن كسبت شراً. وقيل: إن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيآت توجب لذتها وألمها لكنها لا تشعر بها في الدنيا فإذا قامت قيامتها وزالت العوائق أدركت ألمها ولذتها. والظاهر أن هذا قول باللذة والألم الروحانيين ونحن لا ننكر حصولهما يومئذٍ لكن نقول: إن الجزاء لا ينحصر بهما بل يكون أيضاً بلذة وألم جسمانيين. فالاقتصار في تفسير الآية على ذلك قصور.
ابن عاشور
تفسير : لا ريب في أن هذه الجمل الثلاث متصلة بالمقول الصادر من جانب الله تعالى، سواء كان مجموع الجملتين السابقتين مَقولاً واحداً أم كانت الثانية منهما من مقول أهل المحشر. وترتيبُ هذه الجمل الخمس هو أنه لما تقرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم بمجموع الجملتين السابقتين، عددت آثار التصرف بذلك المُلكِ وهي الحكم على العباد بنتائج أعمالهم وأنه حكم عادل لا يشوبه ظلم، وأنه عاجل لا يبطىء لأن الله لا يشغله عن إقامة الحق شاغل ولا هو بحاجة إلى التدبر والتأمل في طرق قضائه، وعلى هذه النتائج جاء ترتيب {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت}، ثم {لا ظُلم اليوم}، ثم {إن الله سَرِيع الحِساب}، وأما مواقع هاته الجمل الثلاث فإن جملة {اليوم تجزى} الخ واقعة موقع البيان لما في جملة {أية : لمن الملك اليوم}تفسير : [غافر: 16] وجوابها من إجمال، وجملة {لا ظلم اليوم} واقعة موقع بدل الاشتمال من جملة {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} أي جزاء عادلاً لا ظلم فيه، أي ليس فيه أقل شوب من الظلم حسبما اقتضاه وقوع النكرة بعد {لا} النافية للجنس. وتعريف {اليَوْم} في قوله: {اليوم تجزى كل نفس} وقوله: {لا ظلم اليوم} نظير تعريف {أية : لِمَن المُلك اليوم}تفسير : [غافر: 16]، وجملة {إن الله سريع الحساب} واقعة موقع التعليل لوقوع الجزاء في ذلك اليوم ولانتفاء الظلم عن ذلك الجزاء. وتأخيرها عن تينك الجملتين مشير إلى أنها علة لهما، فحرف التوكيد واقع موقع فاء السببية كما هو شأن {إنَّ} إذا جاءت في غير مقام رَد الإِنكار، فسرعة الحساب تقتضي سرعة الحكم. وسرعة الحكم تقتضي تملُّؤٍ الحاكم من العلم بالحق، ومن تقدير جزاء كل عامل على عمله دون تردد ولا بحث لأن الحاكم علام الغيوب، فكانَ قوله: {سَريعُ الحساب} علة لجميع ما تقدمه في هذا الغرض. والمعنى: أن الله محاسبهم حساباً سريعاً لأنه سريع الحساب. والحساب مصدر حاسب غيره إذا حَسِب له ما هو مطلوب بإعداده، وفائدة ذلك تختلف فتارة يكون الحساب لقصد استحضار أشياء كيلا يضيع منها شيء، وتارة يكون لقصد توقيف من يتعين توقيفه عليها، وتارة يكون لقصد مجازاة كل شيء منها بعدله، وهذا الأخير هو المراد هنا ولأجله سمّي يوم الجزاء يومَ الحساب، وهو المراد في قوله تعالى: {أية : إن حسابهم إلا على ربي}تفسير : [الشعراء:113]. والباء في قوله: {بما كسبت} للسببية، أي تُجزى بسبب ما كسبت، أي جزاء مناسباً لما كسبت، أي عملت. وفي الآية إيماء إلى أن تأخير القضاء بالحق بعد تبينه للقاضي بدون عذر ضَرب من ضروب الجور لأن الحق إنْ كان حق العباد فتأخير الحكم لصاحب الحق إبقاء لحقه بيد غيره، ففيه تعطيل انتفاعه بحقه برهة من الزمان وذلك ظلم، ولَعل صاحب الحق في حاجة إلى تعجيل حقه لنفع معطَّل أو لدفع ضر جَاثم، ولعله أن يهلك في مدة تأخير حقه فلا ينتفع به، أو لعل الشيء المحكوم به يتلف بعارض أو قصد فلا يصل إليه صاحبه بعد. وإن كان الحق حقَّ الله كان تأخير القضاء فيه إقراراً للمنكر. في «صحيح البخاري» «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا موسى على اليمن ثم أتبعه معاذَ بن جبل فلمّا قدِم معاذ على أبي موسى ألقى إليه أبو موسى وسادة وقال له: أنزل، وإذا رجُل موثق عند أبي موسى، قال مُعاذ: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم تَهوَّد. قال مُعاذ: لا أجلس حتى يُقتَل، قضاءَ الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به أبو موسى فقتل».
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - وَاليَومَ تَلْقَى كُلُّ نَفْسٍ جَزَاءَ عَمَلِهَا، فَلاَ تُبْخَسُ نَفْسٌ مَا اسْتَوْجَبَتْهُ مِنْ أَجْرٍ عَلَى عَمَلٍ عَمِلتهُ فِي الدُّنْيَا، (فَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُ) إِنْ كَانَ صَالِحاً، وَلاَ يُحْمَلُ عَلَيْهَا إِثْمُ ذَنْبٍ لَمْ تَعْمَلْهُ. وَاللهُ تَعَالَى سَرِيعُ الحِسَابِ، يُحَاسِبَ الخَلاَئِقَ كُلَّهُمْ كَمَا يُحَاسِبُ نَفْساً وَاحِدَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ٱلْيَوْمَ} يعني: يوم القيامة {تُجْزَىٰ} تُحاسب {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} [غافر: 17] قلنا: إن كسب تأتي للخير واكتسب للشر، وعلماء اللغة يقولون: إن كل زيادة في بنية الكلمة لابدَّ أن يقابلها زيادة في المعنى، لذلك كسب غير اكتسب. كسب على وزن فعل أيْ يأتي الفعل منك طبيعياً لا تكلّف فيه، إنما اكتسب يعني افتعل ففيه افتعال ومحاولة. فالخير لا يحتاج منك إلى تعب، على خلاف الشر فيحتاج إلى تعب ومشقة وتلصُّص، يقول تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286] وقد أوضحنا هذه المسـألة بالرجل الذي يجلس بين أهله وفيهم جميلات زوجته وبناته وخالاته وعماته.. إلخ فينظر إلى هذا الجمال دون تكلُّف ولا تحرّج، أمّا في غير المحارم فإنه يختلس النظرة وينفعل لها ويحاول ألاَّ يراه أحد. كذلك نلحظ هذه المسألة في المرأة تحمل من حلال والأخرى من الحرام، وكيف أن الأولى تُدِلّ بحملها وتتباهى به، أما الأخرى فتحاول جاهدة أنْ تُخفيه وأنْ تتخلص منه، ففرحة الأولى وحسرة الأخرى هو الفرق بين الحلال والحرام. كذلك الإنسان إذا أخذ شيئاً من بيته يأخذه علانية بلا تكلّف وبلا تخطيط، إنما إنْ أراد أنْ يسرق من بيوت الآخرين فإنه يحتال لذلك ويخطط له، إذن: نقول الحلال لا يُتعب صاحبه إنما الحرام هو الذي يتعب الدنيا كلها. أما في قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ..} تفسير : [البقرة: 81] فقد استعملت كسب هنا في الشر، فلماذا؟ قالوا: هذا حين تصير السيئةُ عند صاحبها إلْفاً وعادة يفعلها بلا تكلُّف وبلا مشقة على نفسه وكأنها حسنة، فلما تعوَّد عليها صارتْ في حقه كسْباً لا اكتساباً، وهذا الذي نسميه (الفاقد) أي: الذي تجرّأ على الحرام وألِفَ المعصية حتى صارتْ له عادة. ومثل ذلك في النظر في قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} تفسير : [غافر: 19] إذن: هناك خائنة أعين، وهناك أمينة أعين، أمينة أعين حين تنظر إلى الحلال، وخائنة أعين حين تنظر إلى المحرم. حتى في الناحية الاقتصادية التي تحكم الشعوب وبها يُقاس تقدُّم الأمم ورُقيها نقول: الحلال لا يكلِّف إنما الذي يكلف الحرام - هذا من الناحية الاقتصادية - لأن الأصل في الحلال {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} تفسير : [الأعراف: 31] وفي الحديث الشريف: "حديث : نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع ". تفسير : ولو عِشْنا على هذه الأصول لكفَانا القليل، ولك أنْ تجرب نفسك فلا تأكل إلا على جوع، وساعتها ستجد اللقمة لذيذة ولو كانت بملح، فكأن استقامتك على دين الله تُريحك وتسترك ولا تتعبك في حركة الحياة، ولا تحتاج منك لمزيد من العمل ولمزيد من المال. كذلك إذا أكلنا لا نشبع، وأنتم تروْنَ الذي يأكل حتى التخمة وحتى يحتاج إلى مهضم، فشقَّ على نفسه وكلفها في الطعام وفي تصريف الطعام. ثم يقول سبحانه: {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} [غافر: 17] نعم لأن الحاكم في هذا اليوم هو الله العدل المطلق، وكأن الحق سبحانه يقول: الظلم عندكم أنتم أيها البشر، فقد أمهلناكم في الدنيا تربعون فيها بالظلم. يظلم القوي الضعيف، ويظلم الغني الفقير، ويظلم الحاكم المحكومين إنما اليوم {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} [غافر: 17] لقط وصل بكم الظلم في الدنيا إلى غايته حين أشركتم بالله. لذلك قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] نعم ظلم بيِّنٌ واضح؛ لأن الظلم معناه أنْ تأخذ حقَّ الغير لك، أو تأخذ الحق من صاحبه وتعطيه لغير صاحبه، وهذا هو ما حدث منكم حين أشركتم بالله فأخذتم منه سبحانه الألوهية، وجعلتموها للأصنام. الظلم يأتي من عدة وجوه. فمن الظلم أنْ تعمل خيراً ولا تجزي به خيراً، ومن الظلم أنْ تعمل الحسنة تستحق عليها عشرة فيعطيك خمسة، ومن الظلم أن تعمل السيئة ولا تُحاسب عليها، ومن الظلم ألاَّ تعمل سيئة وتُحاسب عليها. إذن: كل اختلال في موازين الملكية والنفعية من العمل تُعَد ظلماً؛ لذلك قال تعالى في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، إني حرمتُ الظلم على نفسي فلا تظالموا ". تفسير : كان هذا في الدنيا، أما في القيامة فأنتم أمام الحاكم العادل وفي رحاب العدل المطلق الذي لا يُحابي أحداً على حساب أحد، وليس له ولد ولا صاحبة فيميل عن الحق لأجلهما. لذلك قلنا: إن الجن كانوا أصدق استقبالاً منا حين قال: {أية : وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} تفسير : [الجن: 3] لأن معظم الفساد يأتي من هذين: الصاحبة والولد. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 17] إشارة إلى طلاقة قدرته تعالى في الفصل بين الناس وفي مجازاتهم على أعمالهم، وكأنه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن موقف الحساب يشقّ علينا، أو أنه سيأخذ وقتاً طويلاً، لا فعندنا حسابات أخرى ليس عندنا جلسة تطول ولا جلسة تتأجل. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 17] لأن الله تعالى فعلَ فِعْله بكُنْ لا يفعل بعلاج كما تفعلون، والدليل على ذلك أن في دنيا الناس آلاف وملايين القضاة يحكمون بين الناس بالحق في آلاف وملايين البلاد في وقت واحد في بلاد مختلفة ومحاكم مختلفة، والحق الذي يحكمون به ليس حقاً يتنقّل بين القضاة من قاض لآخر، إنما هو موهبة ذابتْ في نفوسهم جميعاً وصبغة صبغتْ أحكامهم جميعاً. فإذا كان المخلوق لله وهو الحق يمكنه أنْ يستولي على نفوس القضاة في مختلف الأرض في وقت واحد، فالذي خلق هذا الحق أَوْلَى بأنْ يحكم بين الخلائق في وقت واحد. لذلك لما سُئل الإمام علي رضي الله عنه هذه المسألة: كيف يُحَاسب الناس في وقت واحد على كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم جميعاً في وقت واحد.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} [غافر: 17] في بذل الوجود للمعبود، {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} [غافر: 17]؛ يعني: يوم التجلي بقدر بذل الوجود نيل الجود، فإن الحطب بقدر بذل الوجود المجازي ينال من جود النار بلا ظلم على الحطب من النار، بأن تأخذ وجود شيء من الحطب ولا تجود عليه من النارية بشيء، {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 17] للعباد عند جريان هذه الأحكام؛ إذ جاء الحق وزهق الباطل بالسرعة. {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} [غافر: 18]، إن كانت قيامة العوام مؤجلة، فقيامة الخواص معجلة لهم في كل نفس قيامة من العتاب والعقاب والثواب، والبعاد والاقتراب، وما لم يكن لهم في حساب وشهادة الأعضاء فالدمع يشهد، وخفقان القلب ينطق، والتحول يخبر، واللون يفضح، والعبد يستر، ولكن البلاء يظهر، وإذا أزف فناء الصفات بلغت القلوب الخناجر، وعيونهم شرفت بدموعها، {مَا لِلظَّالِمِينَ} [غافر: 18] على أنفسهم بحمل أمانة المحبة {مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، يستغيثون به فيسقي في حقهم بالمساعدة؛ لخلاصهم من ورطة الهلاك، {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} [غافر: 19]، فخائنة أعين المحبين استحسانهم شيئاً غير المحبوب، والنظر إلى غير المحبوب خائنة أعين القلوب، وفي معناها قيل فقلت: إذا استحسنت غيركم أمرت الدموع بتأديبها {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} [غافر: 19] من متمنيات النفوس، ومستحسنات القلوب، ومرغوبات الأرواح، فالحق تعالى بها خبير، ويكون السالك موقوفاً بها حتى يخرج عن تعلقها. وبقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} [غافر: 20]، يشير إلى أن الحق تعالى هو الذي يخرج السالكين عن تعلقات أوصافهم على ما قضى به وقدر في الزل، لا عاملين عليها وإن كان بواسطة أعمالهم كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257] وإن كان بواسطة إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وكذلك يقضي الأجانب بالبعاد، وبالوصال لأهل الوداد، {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} [غافر: 20] في الأزل قد سمع سؤال أهل الحوائج وهم بعد في العدم بلا وجود، وكذلك سمع أنين نفوس المذنبين، وحنين قلوب المحبين وهم مسبوقون بالعدم، {ٱلْبَصِيرُ} [غافر: 20] بحاجاتهم وبقضاء حوائجهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):