Verse. 4151 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَاَنْذِرْہُمْ يَوْمَ الْاٰزِفَۃِ اِذِ الْقُلُوْبُ لَدَى الْحَـنَاجِرِ كٰظِمِيْنَ۝۰ۥۭ مَا لِلظّٰلِمِيْنَ مِنْ حَمِيْمٍ وَّلَا شَفِيْعٍ يُّطَاعُ۝۱۸ۭ
Waanthirhum yawma alazifati ithi alquloobu lada alhanajiri kathimeena ma lilththalimeena min hameemin wala shafeeAAin yutaAAu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وأنذرهم يوم الآزفة) يوم القيامة من أزف الرحيل: قرب (إذ القلوب) ترتفع خوفا (لدى) عند (الحناجر كاظمين) ممتلئين غما حال من القلوب عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها (ما للظالمين من حميم) محب (ولا شفيع يطاع) لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا "" فما لنا من شافعين "" أوله مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء، أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآية وصف يوم القيامة بأنواع أخرى من الصفات الهائلة المهيبة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير يوم الآزفة وجوهاً الأول: أن يوم الآزفة هو يوم القيامة، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر لقوله في صفة يوم القيامة {أية : أَزِفَتِ ٱلأَزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ } تفسير : [النجم: 57، 58] وقال شاعر: شعر : أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد تفسير : والمقصود منه التنبيه على أن يوم القيامة قريب ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [القمر: 1] قال الزجاج إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها، وما هو كائن فهو قريب. واعلم أن الآزفة نعت لمحذوف مؤنث على تقدير يوم القيامة الآزفة أو يوم المجازاة الآزفة قال القفال: وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة والحاقة ونحوها كأنها يرجع معناها إلى الداهية والقول الثاني: أن المراد بيوم الآزفة وقت الآزفة وهي مسارعتهم إلى دخول النار، فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة الخوف والقول الثالث: قال أبو مسلم يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل، والذي يدل عليه أنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه يوم التلاق، و {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ } ثم قال بعده {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } فوجب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، وأيضاً هذه الصفة مخصوصة في سائر الآيات بيوم الموت قال تعالى: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } تفسير : [الواقعة: 83، 84] وقال: {أية : كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ } تفسير : [القيامة: 26] وأيضاً فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب، وأيضاً الصفات المذكورة بعد قوله الآزفة لائقة بيوم حضور الموت لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب يعظم خوفه، فكأن قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف، ويبقوا كاظمين ساكتين عن ذكر ما في قلوبهم من شدة الخوف ولا يكون لهم حميم ولا شفيع يدفع ما بهم من أنواع الخوف والقلق. المسألة الثانية: اختلفوا في أن المراد من قوله {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ } كناية عن شدة الخوف أو هو محمول على ظاهره، قيل المراد وصف ذلك اليوم بشدة الخوف والفزع ونظيره قوله تعالى: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } تفسير : [الأحزاب: 10] وقال: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } تفسير : [الواقعة: 83، 84] وقيل بل هو محمول على ظاهره، قال الحسن: القلوب انتزعت من الصدور بسبب شدة الخوف وبلغت القلوب الحناجر فلا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا ولكنها مقبوضة كالسجال كما قال: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الملك: 27] وقوله {كَـٰظِمِينَ } أي مكروبين والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً فإن قيل بم انتصب {كَـٰظِمِينَ } قلنا هو حال أصحاب القلوب على المعنى لأن المراد إذ قلوبهم لدى الحناجر حال كاظمين كونهم ويجوز أيضاً أن يكون حال عن القلوب، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر، وإنما جمع الكاظمة جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء كما قال: {أية : رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4] وقال: {أية : فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ } تفسير : [الشعراء: 4] ويعضده قراءة من قرأ كاظمون وبالجملة فالمقصود من الآية تقرير أمرين أحدهما: الخوف الشديد وهو المراد من قوله {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ }، والثاني: العجز عن الكلام وهو المراد من قوله {كَـٰظِمِينَ } فإن الملهوف إذا قدر على الكلام حصلت له خفقة وسكون، أما إذا لم يقدر على الكلام وبث الشكوى عظم قلقه وقوي خوفه. المسألة الثالثة: احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى: {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } قالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا تحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع، ألا ترى أنك إذا قلت ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب وقالت العرب: شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : ولفظ الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله، لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالاً من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه الوجه الثاني: في الجواب أن المراد من الظالمين، ههنا الكفار والدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار الذين يجادلون في آيات الله فوجب أن يكون مختصاً بهم، وعندنا أنه لا شفاعة في حق الكفار والثالث: أن لفظ الظالمين، إما أن يفيد الاستغراق، وإما أن لا يفيد فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع لأن بعض هذا المجموع هم الكفار، وليس لهم شفيع فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار، أجاب المستدلون عن السؤال الأول، فقالوا يجب حمل كلام الله تعالى على محمل مفيد وكل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله لأن المطيع أدون حالاً من المطاع، وليس في الوجود شيء أعلى مرتبة من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه وإذا كان هذا المعنى معلوماً بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجاً لها عن الفائدة فوجب حمل الطاعة على الإجابة والذي يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر: شعر : رب من أنضجت غيظاً صدره قد تمنى لي موتاً لم يطع تفسير : أما السؤال الثاني: فقد أجابوا عنه بأن لفظ الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم، أقصى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أما السؤال الثالث: فجوابه أن قوله {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع يطاع، فهذا تمام كلام القوم في تقرير ذلك الاستدلال. أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا إن القوم كانوا يقولون في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله وكانوا يقولون إنها تشفع لنا عند الله من غير حاجة فيه إلى إذن الله، ولهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله إجابة الأصنام في تلك الشفاعة، وهذا نوع طاعة، فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } وأجابوا عن الكلام الثاني بأن قالوا الأصل في حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق، فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع، وكان هناك معهود سابق انصرف إليه، وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار الذين يجادلون في آيات الله، فوجب أن ينصرف إليه وأجابوا عن الكلام الثالث بأن قالوا قوله {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } يحتمل عموم السلب، ويحتمل سلب العموم، أما الأول: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع، وأما الثاني: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن مجموع الظالمين ليس لهم حميم ولا شفيع، ولا يلزم من نفي الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع والذي يؤكد ما ذكرناه قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6] فقوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون، إن حملناه على أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام الله، لأن كثيراً ممن كفر فقد آمن بعد ذلك، أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق وتخلص عن الخلف، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم ولم نحملها على عموم السلب فكذا قوله {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ } يجب حمله على سلب العموم لا على عموم السلب، وحينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام في هذا الباب. المسألة الرابعة: في بيان نظم الآية، فنقول إنه تعالى ذكر في هذه الآية جميع الأسباب الموجبة للخوف فأولها: أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة، أي يوم القرب من عذابه لمن ابتلي بالذنب العظيم، لأنه إذا قرب زمان عقوبته كان في أقصى غايات الخوف، حتى قيل إن تلك الغموم والهموم أعظم في الإيحاش من عين تلك العقوبة والثاني: قوله {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ } والمعنى أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن انقلع القلب من الصدر وارتفع إلى الحنجرة والتصق بها وصار مانعاً من دخول النفس والثالث: قوله {كَـٰظِمِينَ } والمعنى أنه لا يمكنهم أن ينطقوا وأن يشرحوا ما عندهم من الحزن والخوف، وذلك يوجب مزيد القلق والاضطراب الرابع: قوله {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } فبين أنه ليس لهم قريب ينفعهم، ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته والخامس: قوله {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ } والمعنى أنه سبحانه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السمٰوات ولا في الأرض، والحاكم إذا بلغ في العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب منه شديداً جداً، قال صاحب «الكشاف»: الخائنة صفة النظرة أو مصدر بمعنى الخائنة، كالعافية المعافاة، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب، والمراد بقوله {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ } مضمرات القلوب، والحاصل أن الأفعال قسمان: أفعال الجوارح وأفعال القلوب، أما أفعال الجوارح، فأخفاها خائنة الأعين، والله أعلم بها، فكيف الحال في سائر الأعمال. وأما أفعال القلوب، فهي معلومة لله تعالى لقوله {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } فدل هذا على كونه تعالى عالماً بجميع أفعالهم السادس: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقّ } وهذا أيضاً يوجب عظم الخوف، لأن الحاكم إذا كان عالماً بجميع الأحوال، وثبت منه أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل، كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى السابع: أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام، وقد بيّن الله تعالى أنه لا فائدة فيها ألبتة، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْء } الثامن: قوله {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام، ولا يسمع منهم ثناءهم على الله ويبصر خضوعهم وسجودهم لهم، ولا يبصر خضوعهم وتواضعهم لله، فهذه الأحوال الثمانية إذا اجتمعت في حق المذنب الذي عظم ذنبه كان بالغاً في التخويف إلى الحد الذي لا تعقل الزيادة عليه، ثم إنه تعالى لما بالغ في تخويف الكفار بعذاب الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } والمعنى أن العاقل من اعتبر بغيره، فإن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من الكفار، وأقوى آثاراً في الأرض منهم، والمراد حصونهم وقصورهم وعساكرهم، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم الله بضروب الهلاك معجلاً حتى إن هؤلاء الحاضرين من الكفار يشاهدون تلك الآثار، فحذرهم الله تعالى من مثل ذلك بهذا القول، وبين بقوله {وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } أنه لما نزل العذاب بهم عند أخذه تعالى لهم لم يجدوا من يعينهم ويخلصهم، ثم بين أن ذلك نزل بهم لأجل أنهم كفروا وكذبوا الرسل، فحذر قوم الرسول من مثله، وختم الكلام بـ {إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } مبالغة في التحذير والتخويف، والله أعلم. وقرأ ابن عامر وحده {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مّنكُمْ } بالكاف، والباقون بالهاء أما وجه قراءة ابن عامر فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب، كقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } بعد قوله {الحمدلله} والوجه في حسن هذا الخطاب أنه في شأن أهل مكة، فجعل الخطاب على لفظ المخاطب الحاضر لحضورهم، وهذه الآية في المعنى كقوله {أية : مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلاْرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } تفسير : [الأنعام: 6] وأما قراءة الباقين على لفظ الغيبة فلأجل موافقة ما قبله من ألفاظ الغيبة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} أي يوم القيامة. سميّت بذلك لأنها قريبة؛ إذ كل ما هو آتٍ قريب. وأزفَ فلانٌ أي قرب يَأْزَفُ أَزْفاً؛ قال النابغة:شعر : أَزِف التَّرحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكابَنَا لَمَّا تَزَلْ بِرحالِنا وَكأَن قَدِ تفسير : أي قرب. ونظير هذه الآية: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ } تفسير : [النجم: 57] أي قربت الساعة. وكان بعضهم يتمثل ويقول:شعر : أَزِفَ الرَّحِيلُ ولَيْسَ لِي مِن زَادِ غَيْر الذُّنُوب لِشِقْوَتِي ونَكَادِي تفسير : {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} على الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس «لَدَى الْحَنَاجِرِ» في حال كظمهم. وأجاز الفراء أن يكون التقدير «وَأَنْذِرْهُمْ» كَاظِمِينَ. وأجاز رفع «كَاظِمِينَ» على أنه خبر للقلوب. وقال: المعنى إذ هم كاظمون. وقال الكسائي: يجوز رفع {كَاظِمِينَ} على الابتداء. وقد قيل: إن المراد بـ«ـيوم الآزِفَةِ» يوم حضور المنية؛ قاله قطرب. وكذا {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} عند حضور المنية. والأوّل أظهر. وقال قتادة: وقعت في الحناجر من المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} تفسير : [إبراهيم: 43]. وقيل: هذا إخبار عن نهاية الجزع؛ كما قال: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}تفسير : [الأحزاب: 10] وأضيف اليوم إلى {ٱلآزِفَةُ} على تقدير يوم القيامة {ٱلآزِفَةُ} أو يوم المجادلة {ٱلآزِفَةُ}. وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} أي من قريب ينفع {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيشفع فيهم. قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة. وقال ابن عباس: هو الرجل يكون جالساً مع القوم فتمرّ المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غَضَّ بصرَه، فإذا رأى منهم غفلة تدسَّسَ بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غَضّ بصره، وقد علم الله عز وجل منه أنه يودّ لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهَمْزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما رأى. وقال السدي: إنها الرَّمْز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة. وقال الفراء: «خَائِنَةَ الأَعْيُنِ» النظرة الثانية «وَما تُخْفِي الصُّدُورُ» النظرة الأولى. وقال ابن عباس: «وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ» أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: «وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ» تكنّه وتضمره. حديث : ولما جيء بعبد الله بن أبي سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صَمت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم قال: «نعم» فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: «ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» فقال رجل من الأنصار فهلاَّ أومأتَ إليّ يا رسول الله؛ فقال: «إن النبي لا تكون له خائنة أعين»تفسير : . {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ} أي يجازي من غَضَّ بصرَه عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} لأنها لا تعلم شيئاً ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام: «تَدْعُونَ» بالتاء. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} «هو» زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} في موضع جزم عطف على «يَسِيرُوا» ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب؛ والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} اسم كان والخبر في «كيْفَ». و{واقٍ} في موضع خفض معطوف على اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد؛ لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى عن الإعادة.

ابن كثير

تفسير : يوم الآزفة اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لاقترابها؛ كما قال تعالى: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ } تفسير : [النجم:57-58] وقال عز وجل: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [الانشقاق: 1] وقال جل وعلا: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 1] وقال: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [النحل: 1] وقال جل جلاله: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيۤئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : الآية [الملك: 27]. وقوله تبارك وتعالى: {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ} قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج، ولا تعود إلى أماكنها، وكذا قال عكرمة والسدي وغير واحد، ومعنى كاظمين، أي: ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} تفسير : [النبأ: 38] وقال ابن جريج: {كَـٰظِمِينَ} أي: باكين. وقوله سبحانه وتعالى: {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. وقوله تعالى: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ} يخبر عز وجل عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله تعالى حق الحياء، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه؛ فإنه عز وجل يعلم العين الخائنة، وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ}: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا، لحظ إليها، فإذا فطنوا، غض بصره عنها، فإذا غفلوا، لحظ، فإذا فطنوا، غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم، وقال الضحاك: {خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} هو الغمز، وقول الرجل: رأيت، ولم ير. أو لم أر، وقد رأى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة أم لا؟ وكذا قال مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ} يعلم إذا أنت قدرت عليها، هل تزني بها أم لا؟ وقال السدي {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ} أي: من الوسوسة. وقوله عز وجل: {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ} أي: يحكم بالعدل، قال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ} قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} وهذا الذي فسر به ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية، كقوله تبارك وتعالى: {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} تفسير : [النجم: 31] وقوله جل وعلا: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: من الأصنام والأوثان والأنداد {لاَ يَقْضُونَ بِشَىْءٍ} أي: لا يملكون شيئاً، ولا يحكمون بشيء {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} أي: سميع لأقوال خلقه، بصير بهم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } يوم القيامة من أزف الرحيل قرب {إِذِ ٱلْقُلُوبُ } ترتفع خوفاً {لَدَىٰ } عند {ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ } ممتلئين غمّاً حال من القلوب عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها {مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } محبّ {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلاً «فما لنا من شافعين» أو: له مفهوم بناء على زعمهم أنّ لهم شفعاء، أي لو شفعوا فرضاً لم يقبلوا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وأنذرهم يوم الآزفة} فيه قولان: أحدهما: يوم حضور المنية، قاله قطرب. الثاني: يوم القيامة وسميت الآزفة لدنوها، وكل آزف دانٍ، ومنه قوله تعالى {أية : أزفت الآزفة} تفسير : [النجم: 57] أي دنت القيامة. {إذ القلوب لَدَى الحناجر} فيه قولان: أحدهما: أن القلوب هي النفوس بلغت الحناجر عند حضور المنية، وهذا قول من تأول يوم الآزفة بحضور المنية، قاله قتادة. ووقفت في الحناجر من الخوف فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها. {كاظمين} فيه أربعة أوجه: أحدها: مغمومون قاله الكلبي. الثاني: باكون، قاله ابن جريج. الثالث: ممسكون بحناجرهم، ماخوذ من كظم القربة وهو شد رأسها. الرابع: ساكتون، قاله قطرب، وأنشد قول الشماخ: شعر : فظلت كأن الطير فوق رؤوسها صيامٌ تنائي الشمس وهي كظوم قال ابن عيسى: والكاظم الساكت على امتلائه غيظاً. تفسير : {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} في الحميم قولان: أحدهما: انه القريب، قاله الحسن. الثاني: الشفيق، قاله مجاهد، ومعنى الكلام: ما لهم من حميم ينفع ولا شفيع يطاع أي يجاب إلى الشفاعة، وسميت الإجابة طاعة لموافقتها إرادة المجاب. قوله عز وجل: {يعلم خائنة الأعين} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه الرمز بالعين، قاله السدي. الثاني: هي النظرة بعد النظرة، قاله سفيان. الثالث: مسارقة النظر، قاله ابن عباس. الرابع: النظر إلى ما نهى عنه، قاله مجاهد. الخامس: هو قول الإنسان ما رأيت وقد رأى، أو رأيت وما رأى، قاله الضحاك. وفي تسميتها خائنة الأعين وجهان: أحدهما: لأنها أخفى الإشارات فصارت بالاستخفاء كالخيانة. الثاني: لأنها باستراق النظر إلى المحظور خيانة. {وما تُخفي الصدور} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الوسوسة، قاله السدي. الثاني: ما تضمره [عندما ترى امرأة] إذا أنت قدرت عليها أتزني بها أم لا، قاله ابن عباس. الثالث: ما يسره الإنسان من أمانة أو خيانة، وعبر عن القلوب بالصدور لأنها مواضع القلوب.

ابن عطية

تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإنذار للعالم والتحذير من يوم القيامة وأهواله، وهو الذي أراد بـ {يوم الآزفة}، قاله مجاهد وقتادة وابن زيد: ومعنى {الآزفة}: القريبة، من أزف الشيء إذا قرب، و{الآزفة} في الآية صفة لمحذوف قد علم واستقر في النفوس هوله، فعبر عنه بالقرب تخويفاً، والتقدير: يوم الساعة الآزفة أو الطامة الآزفة ونحو هذا فكما لو قال: وأنذرهم الساعة لعلم هولها بما استقر في النفوس من أمرها، فكذلك علم هنا إذا جاء بصفتها التي تقتضي حلولها واقترابها. وقوله: {إذ القلوب لدى الحناجر} معناه: عند الحناجر، أي قد صعدت من شدة الهول والجزع، وهذا أمر يحتمل أن يكون حقيقة يوم القيامة من انتقال قلوب البشر إلى حناجرهم وتبقى حياتهم، بخلاف الدنيا التي لا تبقى فيها لأحد مع تنقل قلبه حياة، ويحتمل أن يكون تجوزاً عبر عما يجده الإنسان من الجزع وصعود نفسه وتضايق حنجرته بصعود القلب، وهذا كما تقول العرب: كادت نفسي أن تخرج، وهذا المعنى يجده المفرط الجزع كالذي يقرب للقتل ونحو. وقوله: {كاظمين} حال مما أبدل منه قوله: {إذ القلوب لدى الحناجر} أو مما تنضاف إليه القلوب، لأن المراد إذ قلوب الناس لدى حناجرهم، وهذا كقوله تعالى: {أية : تشخص فيه الأبصار مهطعين إلى الداع} تفسير : [القمر: 8] أراد تشخص فيه أبصارهم، والكاظم: الذي يرد غيظه وجزعه في صدره، فمعنى الآية أنهم يطمعون برد ما يجدونه في الحناجر والحال تغالبهم. ثم أخبرهم تعالى أن الظالمين ظلم الكفر في تلك الحال ليس لهم حميم، أي قريب يحتم لهم ويتعصب، ولا لهم شفيع يطاع فيهم، وإن هم بعضهم بالشفاعة لبعض فهي شفاعة لا تقبل، وقد روي أن بعض الكفرة يقولون لإبليس يوم القيامة: اشفع لنا، فيقوم ليشفع، فتبدو منه أنتن ريح يؤذي بها أهل المحشر، ثم ينحصر ويكع ويخزى. و: {يطاع} في موضع الصفة لـ {شفيع}، لأن التقدير: ولا شفيع يطاع، وموضع {يطاع} يحتمل أن يكون خفضاً حملاً على اللفظ، ويحتمل أن يكون رفعاً عطفاً على الموضع قبل دخول {من}. قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية كلها عندي اعتراض في الكلام بليغ. وقوله: {يعلم خائنة الأعين} متصل بقوله: {أية : سريع الحساب} تفسير : [غافر: 17] لأن سرعة حسابه تعالى للخلق إنما هي بعلمه الذي لا يحتاج معه إلى روية وفكرة ولا لشيء مما يحتاجه الحاسبون. وقالت فرقة: {يعلم} متصل بقوله: {أية : لا يخفى على الله منهم شيء} تفسير : [غافر: 16]، وهذا قول حسن يقويه تناسب المعنيين ويضعفه بعد الآية وكثرة الحائل. والخائنة: مصدر كالخيانة، ويحتمل في الآية أن يكون {خائنة} اسم فاعل، كما تقول: ناظرة الأعين إذا خانت في نظرها. وهذه الآية عبارة عن علم الله تعالى بجميع الخفيات، فمن ذلك كسر الجفون والغمز بالعين أو النظرة التي تفهم معنى، أو يريد بها صاحبها معنى، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه عبد الله بن أبي سرح ليسلم بعد ردته بشفاعة عثمان، فتلكأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بايعه، ثم قال عليه السلام لأصحابه: "حديث : هلا قام إليه رجل حين تلكأت عليه فضرب عنقه؟"، فقالوا يا رسول الله: ألا أومأت إلينا؟ فقال عليه السلام: "ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" تفسير : . وفي بعض الكتب المنزلة من قول الله عز وجل: أنا مرصاد الهمم، أنا العالم بمجال الفكر وكسر الجفون. وقال مجاهد: {خائنة الأعين}: مسارقة النظر إلى ما لا يجوز: ثم قوى تعالى هذه الأخبار بأنه يعلم ما تخفي الصدور مما لم يظهر على عين ولا غيرها، ومثل المفسرون في هذه الآية بنظر رجل إلى امرأة هي حرمة لغيره، فقالوا {خائنة الأعين}: هي النظرة الثانية. {وما تخفي الصدور}: أي عند النظرة الأولى التي لا يمكن المرء دفعها، وهذا المثال جزء من {خائنة الأعين}. ثم قدح في جهة الأصنام، فأعلم أنه لا رب غيره {يقضي بالحق}، أي يجازي الحسنة بعشر والسيئة بمثل، وينصف المظلوم من الظالم إلى غير ذلك من أقضية الحق والعدل، والأصنام لا تقضي بشيء ولا تنفذ أمراً. و: {يدعون} معناه: يعبدون. وقرأ جمهور القراء: "يدعون" بالياء على ذكر الغائب. وقرأ نافع بخلاف عنه. وأبو جعفر وشيبة: "تدعون" بالتاء على معنى قل لهم يا محمد: والذين تدعون أنتم. ثم ذكر تعالى لنفسه صفتين بين عرو الأوثان عنهما وهي في جهة الله تعالى عبارة عن الإدراك على إطلاقه، ثم أحال كفار قريش وهم أصحاب الضمير في {يسيروا} على الاعتبار بالأمم القديمة التي كذبت أنبياءها فأهلكها الله تعالى. وقوله: {فينظروا} يحتمل أن يجعل في موضع نصب جواب الاستفهام، ويحتمل أن يكون مجزوماً عطفاً على {يسيروا}. و: {كيف} في قوله: {كيف كان عاقبة} خبر {كان} مقدم، وفي {كيف} ضمير، وهذا مع أن تكون {كان} الناقصة. وأما إن جعلت تامة بمعنى حدث ووقع، فـ {كيف} ظرف ملغى لا ضمير فيه. وقرأ ابن عامر وحده: "أشد منكم" بالكاف، وكذلك هي في مصاحف الشام، وذلك على الخروج من غيبة إلى الخطاب. وقرأ الباقون: "أشد منهم" وكذلك هي في سائر المصاحف، وذلك أوفق لتناسب ذكر الغيب. والآثار في ذلك: هي المباني والمآثر والصيت الدنياوي، وذنوبهم كانت تكذيب الأنبياء، والواقي: الساتر المانع، مأخوذ من الوقاية.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَوْمَ الأَزِفَةِ} حضور المنية، أو القيامة لدنوها {إِذِ الْقُلُوبُ} النفوس بلغت الحناجر عند حضور المنية، "أو القلوب تخاف في القيامة" فتبلغ الحناجر خوفاً فلا هي تخرج ولا تعود إلى أماكنها. {كَاظِمِينَ} مغمومين، أو باكين، أو ساكتين والكاظم الساكت على امتلائه غيظاً، أو ممسكين بحناجرهم من كظم القربة وهو شد رأسها {حَمِيمٍ} قريب، أو شفيق {يُطَاعُ} يجاب إلى الشفاعة سمى الإجابة طاعة لموافقتها إرادة المجاب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ...} والمقصود بها وصف يوم القيامة، ويوم الآزفة يجوز أن يكون مفعولاً به اتساعاً، وأن يكون ظرفاً، والمفعول محذوف، والآزفة فاعلة من أَزِفَ الأمْرُ إذا دنا وحضر، كقوله في صفة القيامة {أية : أَزِفَتِ ٱلأَزِفَةُ}تفسير : [النجم:57]. أي قربت، قال النابغة الشاعر (رحمة الله عليه): شعر : 4325ـ أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنا لَمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ تفسير : وقال كعب بن زهير: شعر : 4326ـ بانَ الشَّبَابُ وهذا الشَّيْبُ قَدْ أَزِفَا وَلاَ أَرَى لِشَبَابٍ بَائِنٍ خَلَفَا تفسير : وقال الراغب: وأَزِفَ، وأَفِدَ يَتَعَاقَبَانِ، ولكن أَزِفَ يقال اعتباراً بضيق وقتها، ويقال أزف الشخوص، والأَزْفُ ضيقُ الوقت. قال شهاب الدين، فجعل بينهما فَرْقاً، ويروى بيت النابغة أَفِدَ والآزفة صفة لموصوف محذوف، فيجوز أن يكون التقدير الساعة الآزفة، أو الظلمة الآزفة، وقوله: "إذِ القُلُوبُ" بدل من "يوم الآزفة" أو من "هُمْ" في "أَنْذِرْهُمْ" بدل اشتمال. فصل المقصود من الآية التنبيه على أن يوم القيامة قريب، ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ}تفسير : [القمر:1] قال الزجاج: إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها وما هو كائنٌ فهو قريب. واعلم أن الآزفة نعت لمحذوف مؤنث فقيل: يوم القيامة الآزفة، أو يوم المجازاة الآزفة، قال القفال: وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة والحاقة ونحوها، كأنها يرجع معناها على الداهية. وقيل: المراد بيوم الآزفة مُشَارَفَتُهُمْ دخول النار، فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارِّها من شدة الخوف، وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم حضور الأجل لأنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه يوم التلاق ويوم هم بارزون، ثم قال بعده: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} فوجب أن يكون ذلك اليوم غير ذلك اليوم وأيضاً فهذه الصفة مخصوصة في سائر الآيات بيوم الموت قال تعالى: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}تفسير : [الواقعة:83]، وقال {أية : كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ}تفسير : [القيامة:26] وأيضاً فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب، وأيضاً فالصفات المذكورة بعد قوله: "يوم الآزفة" لائقة بيوم حضور المنية؛ لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب يَعْظُمُ خَوْفُهُ، فكأنّ قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف وبَقُوا كَاظِمِينَ ساكتين عن ذكر ما في قلوبهم من شدة الخوف، ول ايكون لهم من حميم ولا شفيع يطاع ويدفع ما به من أنواع الخوف والقلق. قوله: "كَاظِمينَ" نَصْبٌ على الحال، واختلفوا في صاحبها والعامل فيها، فقال الحَوْفِيُّ "القُلُوب" مبتدأ, و "لَدَى الحَنَاجِرِ" خبره و "كاظمين" حال من الضمير المستكن فيه. قال شهابُ الدين: ولا بد من جواب عن جمع العقول القلوب جمع من يعقل فقال "كاظمين" وهو أن يكون لما أسند إليهم ما يسند للعقلاء جمعت جمعه كقوله: {أية : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف:4] و {أية : فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء:4] ويُعَضِّدُهُ قراءة من قرأ: "كَاظِمُونَ". الثاني: أنها حال من "القلوب" وفيه السؤال والجواب المتقدمانِ، والمعنى أن القلوب كاظمة عن كَرْبٍ وغَمٍّ مع بلوغها الحناجر. والثالث: أنه حال من أصحاب القلوب قال الزمخشري: هو حال من أصحاب القلوب على المعنى؛ إذ المعنى إذ قلوبهم لدى الحناجر كاظمينَ عليها. قال شهابُ الدين: فكأنه في قوة أن جعل "أل" عوضاً من الضمير في حناجرهم. الرابع: أن يكون حالاً من "هم" في "أنذرهم" ويكون حالاً مقدرة لأنهم وقت الإنذار غير كاظمين، وقال ابن عطية: كاظمين حال مما أبدل منه "إذ القُلُوب" أو مما يضاف إليه القلوب؛ إذ المراد إذ قُلُوب الناس لدى حناجرهم، وهذا كقوله {أية : تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ}تفسير : [إبراهيم:42، 43] أراد تشخص فيه أبصارهم قال شهاب الدين: ظاهر قوله أنه حال مما أبدل منه قوله: "إذ القلوب" مشكل؛ لأنه أبدل من قوله: "يَوْم الآزفة" وهذا لا يصح البتَّة، وإنما يريد على الوجه الثاني وهو أن يكون بدلاً من "هُمْ" في أَنْذِرْهُمْ بدل اشتمال وحينئذ يصح، وقد تقدم الكلام على الكظم والحناجر في آل عمران والأحزاب. فصل قيل: المراد بقوله {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} شدة الخوف والفزع ونظيره قوله {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}تفسير : [الأحزاب:10] وقال: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ}تفسير : [الواقعة: 83 و84]. وقال الحسن: القلوب تنتزع من الصدور لشدة الخوف وبلغت القلوب الحناجر فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواقعها فيتنفّسوا ويَتَرَّوَحُوا، وقوله: (كاظمين) أي مكروبين، والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً والمعنى أنهم لا يمكنهم أن ينطقوا وأن يشرحوا ما عندهم من الخوف والحزن وذلك يوجب مزيد القلق والاضطراب. قوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} قريب ينفعهم {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيشفع لهم. وقوله "يُطَاعُ" يجوز أن يحكم على موضعه بالجر نعتاً على اللفظ، وبالرَّفع نعتاً على المحل لأنه معطوف على المجرور بمن المزيدة، وقوله {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} من باب: شعر : 4327ـ عَلَى لاَحِبٍ لا يُهْتَدَى بمَنَارِهِ ............................. تفسير : أي لا شفيع فلا طاعة، أو ثم شفيع ولكن لا يطاع. فصل احتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة عن المذنبين فقالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا يحصل لهم هذا الشفيع وأجيبوا بوجوه: الأول: أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع، كقولك: ما عندي كتاب يباع فيقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب، قال الشاعر: شعر : 4328ـ ......................... وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ تفسير : أو لفظ الطاعة بمعنى حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله، لأن ليس في الوجود أحد أعلى حالاً من الله سبحانه وتعالى حتى يقال: إن الله تعالى يطيعه. والثاني: أن المراد بالظالمين ههنا: الكفار، لأن هذه الآية وردت في زجر الكفار وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان:13]. الثالث: أن لفظ الظالمين إما أن يفيد الاستغراق أو لا يفيد الاستغراق فإن كان المراد من الظالمين مجموعهم فيدخل في هذا المجموع هم الكفار وليس لهم شفيعٌ فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع، وإن لم يفد الاستغراقَ كان المراد من الظالمين بعضَ الموصوفين بهذه الصفة وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيعٌ وهم الكفار. وأجاب (بعض) المعتزلة عن الأول فقالوا: يجب حمل كلام الله تعالى على محملٍ مفيد وكل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله لأن المطيع أدون حالاً من المطاع وليس في الوجود أعلى درجة من الله حتى يقال: إن الله يطيعه، وإذا كان هذا المعنى معلوماً بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجاً لها عن الفائدة، فوجب حمل الطاعة على الإجابة ويدل على أن لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قولُ الشاعر: شعر : 4329ـ رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظاً صَدْرَهُ قَدْ تَمَنَّى لِيَ موتاً لَمْ يُطَعْ تفسير : وعن الثاني: بأن لفظ "الظالمين" صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم، أَقْصَى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثالث أن قوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع يطاع. وأجيبوا عن الأول بأن القوم كانوا يقولون في الأصنام: إنها شفعاؤهم عند الله، وكانوا يقولون: إنها تشفع لهم عند الله من غير حاجة إلى إذن فلهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة:255] فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله تعالى إجابة تلك الأصنام في الشفاعة وهذا نوع طاعة فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}. وعن الثاني بأن قالوا: الأصل في حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع وكان هناك معهود سابق انصرف إليه، وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار الذين يجادلون في آيات الله فوجب أن ينصرف إليهم. وعن الثالث بأن قالوا قوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} يحتمل عموم السلب، ويحتمل سلب العموم، أما الأول: فعلى تقدير أن يكون المعنى أنّ كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم، ولا شفيع. وأما الثاني: فعلى تقدير أن يكون مجموع الظالمين ليس لهم حميم ولا شفيع، ولا يلزم من نفي الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع، ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة:6] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس:96] فإن حملناه على أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخُلْفِ في كلام الله تعالى؛ لأن كثيراً ممن كفر قد آمن بعد ذلك، أما لو حملناه على أنّ مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق وتخلص عن الخُلف، فلا جَرَمَ حملنا هذه الآية على سلب العموم لا على عموم السلب وحينئذ يسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية. قوله "يَعْلَمُ" فيه أربعة أوجه: أظهرها: أنه خبر آخر عن "هو" في قوله {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ}تفسير : [غافر:13]، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: بم اتصل قوله {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} قلتُ: هو خبر من أخبار "هو" في قوله {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ}تفسير : [غافر:13] مثل "يُلْقِي الرُّوْحَ" ولكن "يلقي الروح" قد علل بقوله "لِيُنْذِرَ" ثم استطرد لذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله "ولا شفيع يطاع" فبعد لذلك عن أخواته. الثاني: أنه متصل بقوله "وأنْذِرْهُمْ" لما أمر بإنذاره يوم الآزفة وما يعرض فيه من شدة الغمِّ والكَرْبِ وأن الظالم لا يجد من يحميه ولا شفيع له، ذكر اطِّلاعَهُ على جميع ما يصدر من الخلق سِرًّا وجهراً إذ المعنى أنه تعالى عالم لا يخفى عليه مثقالُ ذرة في السموات والأرض، والحاكم إذا بلغ في العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب شديداً جداً وعلى هذا فهذه الجملة لا محل لها لأنها في قوة التعليل للأمر بالإنذار. الثالث: أنها متصلة بقوله: "سَرِيع الحِسَابِ". الرابع: أنها متصلة بقوله: {أية : لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [غافر:16] وعلى هذين الوجهين فيحتمل أن تكون جارية مجرى العلة، وأن تكون في محل نصب على الحال. و "خَائِنَة الأَعْيُنِ" فيه وجهان: أحدهما: أنها مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة (والعافية) أي يعلم خيانة الأعين أي استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب. والثاني: أنها صفة على بابها وهو من باب إضافة الصفة للموصوف والأصل الأعينُ الخائنة كقوله: شعر : 4330ـ........................... وإنْ سَقَيْتِ كِرَامَ النَّاسِ فاسْقِِينَا تفسير : وقد رده الزمخشري وقال: لا يحسن أن يراد الخائنةَ من الأعين لأن قوله: {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} لا يساعد عليه يعني أنه لا يناسب أن يقابل المعنى إلا بالمعنى. وفيه نظر؛ أذ لقائل أن يقول لا نسلم أن "ما" في قوله {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} مصدرية حتى يلزم ما ذكره، بل يجوز أن يكون بمعنى الذي وهو عبارة عن نفس ذلك الشيء المخفى فيكون قد قابل الاسم غير المصدر بمثله، والمراد بقوله: {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} أي تضمر القلوب. واعلم أن الأفعال قسمان: أفعال الجوارح، وأفعال القلوب، وأما أفعال الجوارح فأخفاها خائنة الأعين والله عالم بها فكيف الحال في سائر الأعمال، وأما أفعال القلوب فهي معلومة لله تعالى لقوله {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} فدل هذا على كونه عالماً بجميع أفعالهم. قوله {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ} وهذا أيضاً يوجب عظم الخوف لأن الحاكم إذا كان عالماً بجميع الأحوال وثبت أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل كان خوف المذنب منه في الغاية القُصْوَى. قوله: "وَالَّذِينَ يَدْعُونَ"، قرأ نافعٌ وهشامٌ تَدْعُونَ بالخطاب للمُشْرِكِين والباقون بالغيبة، إخباراً عنهم بذلك. واعلم أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام فبين الله تعالى أنه لا فائدة فيها البتة، فقال: {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام، ولا يسمع ثناءهم على الله ويبصر خضوعهم وسجودهم، ولا يبصر خضوعهم وتواضعهم لله.

البقاعي

تفسير : ولما تم هذا على هذا الوجه المهول، وكان يوم القيامة له أسماء تدل على أهواله باعتبار مواقفه وأحواله، منها يوم البعث وهو ظاهر، ومنها يوم التلاق لما تقدم، ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه خسارته، ومنها يوم الآزفة لقربه وسرعة أخذه، وكان كأنه قيل خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم: وأمن ممن ألقينا هذا الروح الأعظم من أمرنا فأنذرهم ما مضى من يوم التلاقي وما عقبناه به، عطف عليه قوله زيادة في بيان هوله إعلاماً بأنه مع ثبوته وثبوت التلاقي فيه قريب تحذيراً من تزيين إبليس للشهوات وتقريره بالتسويف بالتوبة: {وأنذرهم} أي هؤلاء المعرضين إعراض من لا يجوز الممكن {يوم الآزفة} أي الحالة الدائبة العاجلة السريعة جداً مع الضيق في الوقت وسوء العيش لأكثر الناس، وهي القيامة، كرر ذكرها الإنذار منها تصريحاً وتلويحاً تهويلاً لها وتعظيماً لشأنها. ولما ذكر اليوم، هول أمره بما يحصل فيه من المشاق فقال: {إذ القلوب} أي من كل من حضره. ولما كان هذا الرعب على وجه غريب باطن، عبر بـ "لدى" فقال: {لدى الحناجر} أي حناجر المجموعين فيه إلا من شاء الله، وهي جمع حنجور وهي الحلقوم وزناً ومعنى، يعني أنها زالت عن أمكانها صاعدة من كثرة الرعب حتى كادت تخرج وصارت مواضعها من الأفئدة هواء، وكانت الأفئدة معترضة كالشجا لا هي ترجع إلى مقارها فيستريحوا ولا تخرج فيموتوا. ولما كان الحديث - وإن كان في الظاهر عن القلوب - إنما هو عن أصحابها، جمع على طريقة جمع العقلاء، وزاده حسناً أن القلوب محل الكظم، وبها صلاح الجملة وفسادها، وقد أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال: {كاظمين} أي ممتلئين خوفاً ورعباً وحزناً، ساكتين مكروبين، قد انسدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع إحساسهم. ولما كان من المعلوم أن ذلك الكرب إنما هو للخوف من ديان ذلك اليوم، وكان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك اليوم والشفاعات، قال مستأنفاً: {ما للظالمين} أي العريقين في الظلم منهم {من حميم} أي قريب صادق في مودتهم مهتم بأمورهم مزيل لكروبهم، قال ابن برجان: والحميم: الماء الحار الناهي في الحرارة، سمي القريب به لأنه يحمي لقريبه غضباً، والغضب حرارة تعرض في القلب تخرج إلى الوجه فيحمر وتنتفخ الأوداج فيستشيط غيظاً {ولا شفيع يطاع *} أي ليس لهم شفيع أصلاً لأن الشفيع يعلم أنه لو شفع ما أطيع فهو لا ينفع، وقد يشفع في بعضهم بعض المقربين لعلامة فيهم يحصل بها اشتباه يظن بهم أنهم ممن يستحق الشفاعة فينبه على أنهم ليسوا بذلك، فيبرأ منهم. ولما كانت الشفاعة إنما تقع وتنفع بشرط براءة المشفوع له من الذنب إما بالاعتراف بما نسب إليه والإقلاع عنه، وإما بالاعتذار عنه، وكان ذلك إنما يجري عند المخلوقين على الظاهر، ولذلك كانوا ربما وقع لهم الغلط فيمن لو علموا باطنه لما قبلوا الشفاعة فيه، علل تعالى ما تقدم بعلمه أن المشفوع له ليس بأهل لقبول الشفاعة فيه لإحاطة علمه فقال: {يعلم خائنة} ولما كان السياق هنا للابلاغ في أن علمه تعالى محيط بكل كلي وجزئي، فكان من المعلوم أن الحال يقتضي جمع الكثرة، وأنه ما عدل عنه إلى جمع القلة إلا للاشارة إلى أن علمه تعالى بالكثير كعلمه بالقليل الكل، عليه هين، فالكثير عنده في ذلك قليل فلذا قال: {الأعين} أي خيانتها التي هي أخفى ما يقع من أفعال الظاهر، جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهي الإشارة بالعين، قال أبو حيان: من كسر وغمز ونظر يفهم منه ما يراد - انتهى. وذلك يفعل بفعل ما يخالف الظاهر، ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر، أتبعه أخفى ما في الباطن فقال: {وما تخفي الصدور *} أي عن المشفوع عنده وغير ذلك. ولما كان العفو عن الظالم الذي لا يرجع عن ظلمه نقصاً، لكونه لا حكمة فيه، عبر بالاسم الأعظم في جملة حالية فقال: {والله} أي والحال أن المتصف بجميع صفات الكمال {يقضي بالحق} أي الثابت الذي لا يصح أصلاً نفيه، فلو قضى فيمن يعلم أنه ليس بأهل للشفاعة فيه بقبول الشفاعة لنفى الحق وأثبت الباطل, فخالف ذلك الكمال {والذين يدعون} أي الظالمون - على قراءة الجماعة، وأيها الظالمون - على قراءة نافع وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان بالخطاب للمواجهة بالإزراء. ولما كانت المراتب دون عظمته سبحانه لا تنحصر ولا يحتوي عليها كلها شيء، أثبت الجار فقال: {من دونه} أي سواه، ومن المعلوم أنهم خلقه فهم دون رتبته لأنهم في قهره {لا يقضون بشيء} من الأشياء أصلاً، فضلاً عن أن يقضوا بما يعارض حكمه، فلا مانع له من القضاء بالحق، فلا مقتضى لقبول الشفاعة فيمن يعلم عراقته في الظلم أنه لا ينفك عنه. ولما أخبر أنه لا فعل لشركائهم، وأن الأمر له وحده، علل ذلك بقوله مرهباً من الخيانة وغيرها من الشر، مرغباً في كل خير، مؤكداً لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكاراً ذلك: {إن الله} عبر به لأن السياق لتحقير شركائهم وبيان أنها في غاية النقصان {هو} أي وحده. ولما ذكر ما هو غيب، وصفه بأظهر ظاهر فقال: {السميع} أي لكل ما يمكن أن يسمع {البصير *} أي بالبصر والعلم لكل ما يمكن أن يبصر ويعلم، فلا إدراك لشركائهم أصلاً ولا لشيء غيره بالحقيقة، ومن لا إدراك له ولا قضاء له، فثبت أن الأمر له وحده، فما تنفعهم شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فإن كل أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيشفع، فيشفعه الله تعالى فيفصل سبحانه بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره: جنته أو ناره، روى الشيخان: البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، فقال: "حديث : أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم، فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فذكر سؤالهم أكابر الأنبياء، وكل واحد منهم يحيل على الذي بعده إلى أن يقول عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم حين يأتونه: أنا لها، فينطلق فيسجد تحت العرشتفسير : - وهو مروي عن غير أبي هريرة عن أنس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولكن لم أر فيه التصريح بالشفاعة العامة بعد رفع رأسه صلى الله عليه وسلم من السجود إلا فيما رواه البخاري في الزكاة من صحيحه في باب "من سأل الناس تكثراً" عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم"تفسير : ، وكذا فيما رواه أيو يعلى في مسنده فقال: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه فقال: "حديث : إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فذكر النفخ فيه للموت ثم للبعث ثم ذكر الحشرتفسير : - وهو حديث طويل جداً إلى أن قال:حديث : ثم يقفون موقفاً واحداً مقدار سبعين عاماً لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دماً وتعرقون إلى أن يبلغ ذلك منكم أن يلجمكم أو يبلغ الأذقان، فتضجون وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا يقضي بيننا، فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلاً، فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ثم يستقربون الأنبياء نبياً نبياً كلما جاؤوا نبياً أبى عليهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى تأتوني، فأنطلق حتى آتي الفحص فأخر ساجداً, فقال أبو هريرة: يا رسول الله! ما الفحص؟ قال: قدام العرش - حتى يبعث الله إليّ ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي: يا محمد! فأقول: نعم يا رب! فيقول: ما شأنك - وهو أعلم فأقول: يا رب وعدتني فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال: قد شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينكم, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجع فأقف مع الناس فبينما نحن وقوف سمعنا حساً من السماء شديداً فنزل أهل السماء الدنيا مثل من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، وهو آت ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثل من نزل من الملائكة، ومثل الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار تبارك وتعالى في ظلل من الغمام، والملائكة تحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهو اليوم على أربعة - إلى أن قال: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس! إني قد أنصت لكم من يوم خلقتكم إلى يوم يومكم هذا أسمع قولكم، وأبصر أعمالكم، فانصتوا لي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول الله عز وجل {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون} [يس: 60-63] - أو بها تكذبون - شك أبو عاصم، {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] فتسمى النار وتجثو الأمم وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها فيقضي بين خلقهتفسير : - فذكره وهو طويل جداً، ثم ذكر الصراط وبعض الشفاعات الخاصة في أهل الجنة، فذكر دخولهم الجنة ثم أنهم يشفعون في بعض أهل النار إلى أن قال:حديث : ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع -تفسير : إلى أن قال:حديث : ثم يقول الله عز وجل: بقيت أنا وأنا أرحم الراحمين. فيدخل الله يده في جهنم فيخرج منها مَنْ لا يحصيه غيره"تفسير : . وروى ابن حبان في صحيحه - قال المنذري: ولا أعلم في إسناده مطعناً - عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقول إبراهيم عليه السلام يوم القيامة. يا رباه، فيقول الرب جل وعلا: يا لبيكاه، فيقول إبراهيم: يا رب حرقت بني - فيقول الله: أخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة أو شعيرة من الإيمان"تفسير : , وروى الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وأحمد بن منيع: "حديث : يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبة! أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن، فيقول: هل أنت مطيعي اليوم، فيقول: نعم، فيقول خذ بازرتي، فيأخذ بازرته، ثم ينطلق حتى يأتي الله وهو يعرض بعض الخلق، فيقول: يا عبدي! ادخل من أي أبواب الجنة شئت، فيقول: أي ربي، وأبي معي فإنك وعدتني أن لن تخزيني، فيعرض عنه ويقضي بين الخلق ويعرضهم ثم ينظر إليه فيقول: يا ابن آدم, ادخل من أي أبواب الجنة شئت, فيقول: أي ربي وأبي معي فإنك قد وعدتني أن لن تخزيني, قال: فيمسخ الله أباه ضبعاً أمذر أو أمجرتفسير : - شك أبو جعفر أحد رواة ابن منيع - حديث : فيأخذ بأنفه فيقول: أبوك هو، فيقول: ما هو بأبي، فيهوي في النار"تفسير : وهو في البخاري في أحاديث الأنبياء وتفسير الشعراء بلفظ: "حديث : يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آذر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم عليه السلام: ألم أقل لك: لا تعصني، فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى عن أبي الأبعد، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال لإبراهيم عليه السلام: انظر ما تحت رجلك فينظر فإذا هو بذيخ - وهو ذكر الضبعان - متلطخ فيؤخذ بقوامه فيلقى في النار"تفسير : ، وروى أبو يعلى الموصلي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة فتقطعه النار يريد أن يدخله الجنة، قال: فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل مشرك قال: فيقول: أي رب! أبي، فيحول في صورة قبيحة وريح منتنة فيتركه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه إبراهيم عليه السلام"تفسير : ، وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول: "حديث : إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين، ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} - إلى قوله: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] تفسير : ورواه الترمذي والنسائي بنحوه، ومن نحو ما قال عيسى عليه السلام قول إبراهيم عيله السلام كما حكاه الله عنه {فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} وروى مسلم في الإيمان من صحيحه والنسائي في التفسير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم عليه السلام "{رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فأنه مني} الآية - وقال عيسى عليه السلام {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه وقال: اللهم أمتي اللهم أمتي اللهم أمتي - وبكى"، فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءكتفسير : ، وللشيخين في الحوض والفتن ومسلم في فضل النبي صلى الله عليه وسلم عن سهل بن سعد وأبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أنا فرطكم على الحوض، من مر على شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم تفسير : - زاد أبو سعيد رضي الله عنه: فأقول:حديث : إنهم مني - فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي"تفسير : ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر خطبته في الحج ثم قال: "حديث : ألا وإني فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم، ولا تسودوا وجهي، ألا وإني مستنقذ أناساً ومستنقذ مني أناس فأقول: يا رب: أصحابي أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدكتفسير : . ولفظ مسلم:حديث : أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقواماً ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا رب! أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"تفسير : . ولمسلم عن عائشة رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بين ظهراني أصحابه: "حديث : إني على الحوض أنظر من يرد عليّ منكم، فوالله ليقطعن دوني رجال فلأقولن: أي رب! مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم"تفسير : . وللشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ترد عليّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله! تعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لغيركم تردون عليّ غرّاً محجلين من آثار الوضوء، ولتصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول يا رب هؤلاء أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ وفي رواية: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج من بيني وبينهم رجل، فقال: هلم؛ فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، فقلت: ما شأنهم، فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم. أي ضوالها - أي الناجي قليل، وفي رواية لمسلم في الوضوء: ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً"تفسير : . قال المنذري: والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏وأنذرهم يوم الآزفة‏} ‏ قال‏:‏ الساعة ‏{‏إذ القلوب لدى الحناجر‏}‏ قال‏:‏ وقعت في حناجرهم من المخافة، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏وأنذرهم يوم الآزفة‏}‏ قال‏:‏ يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ‏{‏إذ القلوب لدى الحناجر‏}‏ قال‏:‏ إذا عاين أهل النار النار حتى تبلغ حناجرهم، فلا تخرج فيموتون، ولا ترجع إلى أماكنها من أجوافهم‏.‏ وفي قوله ‏{‏كاظمين‏} ‏ قال‏:‏ باكين‏.

ابو السعود

تفسير : {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} أي القيامةِ سميتْ بَها لأُزوفِهَا وهُو القربُ غيرَ أنَّ فيهِ إشعاراً بضيقِ الوقتِ وقيلَ الخطةُ الآزفةُ وهي مشارفةُ أهلِ النارِ دخولَها وقيل: وقتَ حضورِ الموتِ كما في قولِه تعالَى: { أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} تفسير : [سورة الواقعة: الآية 83] وقولِه: { أية : كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ}. تفسير : [سورة القيامة: الآية 26] وقولُه تعالَى: {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} بدلٌ منْ يومَ الآزفةِ فإنَّها ترتفعُ من أماكِنها فتلتصقُ بحلوقِهم فلا تعودُ فيتروّحوا ولا تخرجُ فيستريحوا بالموتِ {كَـٰظِمِينَ} عَلى الغَمِّ حالٌ منْ أصحابِ القلوبِ عَلى المَعْنى إِذِ الأصلُ قلوُبُهم أوْ مِنْ ضميرِهَا في الظرفِ وجمعُ السلامةِ باعتبارِ أنَّ الكظَم منْ أحوالِ العُقلاءِ كقولِه تعالَى: {أية : فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ } تفسير : [سورة الشعراء: الآية 4] أوْ منْ مفعولِ أنذرْهم عَلى أنَّها حالٌ مقدرةٌ أيْ أنذرهُم مقدراً كظمَهُم أوْ مشارفينَ الكظمَ. {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} أَيْ قريبٍ مشفقٍ {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أيْ لاَ شفيعَ مُشفَّعٌ على مَعْنى نفِي الشفاعةِ والطاعةِ معاً على طريقةِ قولِه: [الطويل] شعر : على لاحبٍ لا يُهتدى بمنارِ [إذا سافه العوذُ الديافيُّ جَرْجَرا] تفسير : والضمائرُ إنْ عادتْ إلى الكُفارِ وهو الظاهرُ فوضعُ الظالمينَ موضعَ ضميرِهم للتسجيلِ عليهم بالظلمِ وتعليلِ الحكمِ بهِ {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} النظرةَ الخائنةَ كالنظرةِ الثانيةِ إلى غيرِ المَحْرمِ واستراقِ النظرِ إليهِ أو خيانةَ الأعينِ على أنها مصدرٌ كالعافيةِ {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} من الضمائرِ والأسرارِ والجملةُ خبرٌ آخرُ مثلُ يُلقي الروحَ للدِّلالةِ على أنَّه ما مِنْ خفيَ إلا وهُو متعلقُ العلمِ والجزاءِ. {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقّ} لأنَّه المالكُ الحاكُم على الإطلاقِ فلا يقضِي بشيءٍ إلا وهُو حقٌّ وعدلٌ {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} يعبدونَهم {مِن دُونِهِ} تعالَى {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْء} تهكمٌ بهم لأنَّ الجمادَ لا يُقالُ في حقِّه يَقْضِي أو لا يَقْضِي. وقُرىء تَدْعُون عَلى الخطابِ التفاتاً أو على إضمارِ قُلْ {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تقريرٌ لعلمِه تعالَى بخائنةِ الأعينِ وقضائِه بالحقِّ ووعيدٌ لهمُ على ما يقولونَ ويفعلو نَ وتعريضٌ بحالِ ما يدْعونَ من دونِه. {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} أي مآلُ حالِ مَنْ قبلَهم من الأُممِ المكذبةِ لرُسلِهم كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم. {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} قدرةً وتمكناً من التصرفاتِ. وإنَّما جيءَ بضميرِ الفصلِ معَ أنَّ حقَّه التوسطُ بـينَ معرفتينِ لمضاهاةِ أفعلَ للمعرفةِ في امتناعِ دخولِ اللامِ عليهِ. وقُرِىءَ أشدَّ منكُم بالكافِ {وَءَاثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} مثلُ القلاعِ الحصينةِ والمدائنِ المتينةِ، وقيلَ: المَعْنى وأكثرَ آثاراً، كقولِه: [مجزوء الطويل] شعر : [يا ليت زوجَك قد غدا] متقلداً سيفاً ورُمحاً تفسير : {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} أخذاً وبـيلاً {وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} أي منْ واقٍ يقيهم عذابَ الله.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} [الآية: 18]. قال ابن عطاء: يوم يعطى كل عامل جزاء عمله.

القشيري

تفسير : قيامةُ الكُلِّ مؤجَّلة، وقيامةُ المحبين مُعَجَّلة؛ فَلَهم في كلِّ نَفَسٍ قيامةٌ من العقاب والعذاب والثواب، والبُعَاد والاقتراب، وما لم يكن لهم في حساب، وتشهد عليهم الأعضاء؛ فالدمعُ يشهد، وخَفَقَانُ القلبِ ينطق، والنحولُ يُخْبِر، واللونُ يُفْصِح... والعبدُ يَسْتُرُ ولكن البلاء يَظْهَرُ: شعر : يا مَنْ تَغَيَّرُ صورتي لمَّا بَدَا لجميع ما ظَنُّوا بنا تصديقا تفسير : وأنشدوا: شعر : لي في محبته شهودٌ أربعٌ وشهودُ كلِّ قضية اثنان ذوبانُ جسمي وارتعادُ مفاصلي وخفوقُ قلبي واعتقالُ لساني تفسير : وقلوبُهم - إذا أزِفَ الرحيلُ بَلَغت الحناجر، وعيونهم شَرِقَتْ بدموعها إذا نودي بالرحيل وشُدَّت الرواحل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانذرهم} خوفهم يا محمد يعنى اهل مكة {يوم الآزفة} منصوب على انه مفعول به لانذرهم لانه المنذر به والآزفة فاعلة من ازف الامر على حد علم اذا قرب والمراد القيامة ولذا انث ونظيره ازفت الآزفة اى قربت القيامة وسميت بالآزفة لازوفها وهو القرب لأن كل آت قريب وان استبعد اليائس امده وفى الحديث "حديث : بعثت انا والساعة كهاتين ان كادت لتسبقنى " تفسير : والاشارة بهاتين الى السبابة والوسطى يعنى ان ما بينى وبين الساعة بالنسبة الى ما مضى من الزمان مقدار فضل الوسطى على السبابة شبه القرب الزمانى بالقرب المساحى لتصوير غاية قرب الساعة ثم فى الازوف اشعار بضيق الوقت ولذا عبر عن القيامة بالساعة وقيل اتى امر الله فعبر عنها بلفظ الماضى تنبيها على قربها وضيق وقتها كما فى المفردات وقال بعضهم انذرهم يوم الخطة الآزفة اى وقتها وهى مشارقة اهل النار دخولها. والخطة بالضم الامر والقصة واكثر ما يستعمل فى الامور العصبة التى تستحق ان تخط وتكتب لغرابتها كما فى حواشى سعدى المفتى {اذ القلوب لدى الحناجر} جمع حنجرة وهى الحلقوم وهى بالفارسية كلو. والجملة بدل من يوم الآزفة فان القلوب ترتفع عن اماكنها من شدة الفزع فتلتصق بحلوقهم فلا تعود فيستروحوا ويتنفسوا ولا تخرج فيستريحوا بالموت وقيل يلتفخ السحر خوفا اى الرئة فيرتفع القلب الى الحنجرة {كاظمين} حال من اصحاب القلوب على المعنى اذ الاصل اذ قلوبهم لدى حناجرهم بناء على أن التعريف اللامى بدل من التعريف الاضافى يقال كظم غيظه اى رد غضبه وحبسه فى نفسه بالصبر وعدم اظهار الاثر والمعنى كاظمين على الغم والكربة ساكتين حال امتلائهم بهما يعنى لا يمكنهم ان ينطقوا ويصرحوا بما عندهم من الحزن والخوف من شدة الكربة وغلبة الغم عليهم فقوله اذ القلوب لدى الحناجر تقرير للخوف الشديد وقوله كاظمين تقرير للعجز عن الكلام فان الملهوف اذا قدر على الكلام وبث الشكوى حصل له نوع خفة وسكون واذا لم يقدر عظم اضطرابه واشتد حاله {ما للظالمين} اى الكافرين {من حميم} اى قريب مشفق يعنى هيج خويشى مشفق ويار مهربان عذاب ايشان را دفع كند {ولا شفيع يطاع} وشفيع مشفع على معنى نفى الشفاعة والطاعة معا وعلى ان يطاع مجاز عن يجاب وتقبل شفاعته لأن المطيع فى الحقيقة يكون اسفل حالا من المطاع وليس فى الوجود من هو اعلى حالا من الله تعالى حتى يكون مطاعا له تعالى وفى الآية بيان أن لا شفاعة فى حق الكفار لأنها وردت فى ذمهم وانما قيل للظالمين موضع للكافرين وان كان اعم منهم ومن غيرهم من العصاة بحسب الظاهر تسجيلا لهم بالظلم ودلالة على اختصاص انتفاء كل واحد من الحميم والشفيع المشفع بهم فثبت أن لعصاة المسلمين حميما وشفيعا ومشفعا وهو النبى عليه السلام وسائر الانبياء والمرسلين والاولياء المقربين والملائكة اجمعين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وأنذِرْهُم يوم الأَزفةِ} أي: القيامة، سُميت بها لأزوفها، أي: قُربها. فالأُزوف والازدلاف هو القرب، غير أن فيه إشعاراً بضيق الوقت، أو الخطة الأزفة، وهي مشارفة أهل النار لدخولها، ثم أبدل من يوم الآزفة قوله: {إِذِ القلوبُ لدى الحناجر} أي: التراقي، يعني: ترتفع قلوبُهم عن مقارّها، فتلتصق بحناجرهم من الرعب، فلا هي تخرج فيموتوا فيستريحوا، ولا ترجع إلى مقارها فيتروّحوا. حال كونهم {كاظمين}؛ ممسكين الغيظ بحناجرهم، أو: ممسكين قلوبهم بحناجرهم، يرومون ردها لئلا تخرج، فهو حال من القلوب، وجمعت جمع السلامة لوصفها بالكظم، وهو من أوصاف العقلاء، أو: من أصحاب القلوب؛ إذ الأصل: قلوبهم، أو: من ضميرها في الظرف، {ما للظالمين من حميمٍ} أي: قريب مشفق {ولا شفيعٍ يُطاع} أي: ولا شفيع تُقبل شفاعته، فالمراد: نفي الشفاعة والطاعة، كقول الشاعر: شعر : وَلاَ تَرَى الضّبَّ فيها يَنْجَحِرْ تفسير : يريد به: نفي الضب وانجحاره. وكقول الآخر: شعر : عَلَى لاحِبٍ لا يُهتدَى بِمَنَارِه تفسير : وإن احتمل اللفظ نفي الطاعة دون الشفاعة. فعن الحسن البصري: "والله ما يكون لهم شفيع ألْبتة". ووضع "الظالمين" موضع الضمير؛ للتسجيل عليهم بالظلم وتعليل الحكم به. {يعلم خائنةَ الأعين} أي: النظرة الخائنة، كاستراق النظر إلى ما لا يحلّ. قيل: فيه تقديم وتأخير، أي: الأعين الخائنة، وقيل: مصدر، كالعافية، أي: خيانة الأعين. قال ابن عباس رضي الله عنه: هو الرجل يكون جالساً مع القوم، فتمر المرأة، فيسارقهم النظر إليها. هـ. وقال ابن عطية: متصل بقوله: {سريع الحساب}، فيحاسب على خيانة الأعين، وقالت فرقة: متصل بقوله: {لا يَخفى على الله منهم شيء}، وهذا حسن، يُقويه تناسب المعنيَيْن، ويُبعده بعدُ الآية من الآية، وكثرة الحائل. والحاصل: أنه متصل بما تقدّم من ذكر الله ووصفه، واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله: {ليُنذر يوم التلاق} الآية. قاله المحشي. {و} يعلم {ما تُخفي الصدورُ} أي: ما تُكنّه من خيانة وأمانة. وقيل: هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوةٍ مسارقة، ثم يتفكّر بقلبه في جمالها، ولا يعلم بنظرته وفكرته مَن حَضرَه، والله يعلم ذلك كله. {والله يقضي بالحق} أي: ومَن هذه صفاتُه لا يقضي إلا بالعدل، فيُجازي كُلاًّ بما يستحقه؛ إذ لا يخفى عليه خفيّ ولا جليّ، {والذين يَدْعُون}؛ يعبدونهم {من دونه} من الآلهة {لا يقضون بشيء}، وهذا تهكُّم بهم؛ لأن الجماد الذي لا يعقل لا يقال فيه: يقضي ولا يقضي، وقرأ نافع بالخطاب؛ أو: على إضمار "قل"، {إِن الله هو السميعُ البصير}؛ تقرير لقوله: {يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور} ووعيد لهم؛ لأنه يسمع ما يقولون، ويُبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه، وتعريض بما يدعون من دون الله، بأنها لا تسمع ولا تُبصر. الإشارة: قال القشيري: قيامةُ الكل مؤجَّلة، وقيامةُ المحبين مُعَجَّلة، في كلِّ نَفَسٍ من العتاب والعذاب، والبعَاد والاقتراب، ما لم يكن في حساب، وشهادة الأعضاء بالدمع تشهد، وخفَقَانُ القلب ينطق، والنحولُ يُخْبِرُ، واللونُ يفضح، والعبد يستر، ولكن البلاء يُظهر، قال: شعر : يَا مَن تَغَيَّرُ صُورَتِي لَمَّا بَدا لِجَمِيعِ ما ظَنوا بِنَا تَحْقِيقُ تفسير : وقوله تعالى: {إِذِ القلوبُ لدى الحناجرِ كاظمين}، هو في حق مَن فاته التأهُّب والترقِّي في هذه الدار، فتحسَّر حين يُعاين مقامات الرجال، وليس له شفيع يُرقيه، ولا حميم يُصافيه. وقوله تعالى: {يعلم خائنة الأعين} هو في حق العارفين: النظر إلى السِّوى بعين الاستحسان. قال القشيري: خائنة الأعين هي من المحبين استحسانهم شيئاً ـ أي: من السِّوى ـ وأنشدوا: شعر : يَا قُرَّةَ العَيْن: سَلْ عَيني هَلْ اكْتَحَلَتْ بِمَنْظَرٍ حَسَنٍ مُذْ غِبْتَ عَنْ عَيْنِي؟ تفسير : وأنشد أيضاً: شعر : وعَيْني إِذا اسْتَحْسَنَتْ غَيْرَكُمْ أَمَرْتُ الدَّمعَ بِتأدِيبها تفسير : قلت: ومثله قول الشاعر: شعر : وناظرٌ في سِوى مَعْناكَ حُقَّ لَهُ يَقتَصُّ مِنْ جَفْنِه بالدَّمْع وهُو دَمُ والسَّمْعُ إِنْ حَالَ فِيهِ ما يُحدِّثُه سوَى حَدِيثكِ، أَمْسى وَقْرُه الصَّمَمُ تفسير : ثم قال: ومن خائنة الأعين: أن تأخذهم السِّنَةُ والسِّنات في أوقات المناجاة، وفي قصص داود عليه السلام: "كَذَبَ مَن ادَّعَى محبتي، فإذا جَنَّهُ الليل نام عني، ومن خائنة أعين العارفين: أن يكون لهم خير، أي: استحسان يقع لقلوبهم مما تقع عليه أعينهم، ينظرون ولكن لا يُبصرون ـ أي: ينظرون إلى المستحسنات، ولكن لا يقفون معها ـ ومن خائنة أعين الموحِّدين ـ أي: السائرين للتوحيد ـ أن يخرج منها قطرة دمعٍ، تأسفاً على مخلوق يفوت من الدنيا والآخرة، ومن خائنة الأعين: النظرُ إلى غير المحبوب بأَي وجهٍ كان، ففي الخبر: "حديث : حُبَّكَ الشيء يُعْمِي ويُصمُّ" تفسير : أي: يُغَيبك عن غيره، فلا ترى إلا محاسن الحبيب، وجماله في مظاهر تجلياته، وإليه يشير قول ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : عَيْنِي لِغَيْرِ جَمَالِكُمْ لاَ تَنْظر وَسِوَاكُم في خَاطِري لاَ يَخْطُر تفسير : وقوله تعالى: {والله يقضي بالحق} قال القشيري: يقضي للأجانب بالبعاد، ولأهل الوداد بالوصال، ويقضي يومَ القدوم بعدل عُمال الصدود. هـ. أي: يعدل في أهل الصدود عن حضرته، فيجازيهم بنعيم الأشباح فقط. ثم قال: وإذا ذبح الموت غدا بين الجنة والنار على صورة كبش أملح، فلا غَرو أن يذبح الفراق على رأس سكة الأحباب، في صورة شخص، ويُصلب على جذوع الغيرة، لينظر إليه أهل الحضرة. هـ. ثم أمر بالتفكُّشر ـ الذي هو طريق النجاة من كل ضرر ـ فقال: {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : ثلاث آيات في الكوفي وأربع في ما سواه عدوا {كاظمين} رأس آية ولم يعده الكوفيون. قرأ نافع وهشام عن ابن عامر {والذين تدعون} بالتاء. الباقون بالياء. من قرأ بالتاء فعلى الخطاب، وتقديره: قل لهم يا محمد. ومن قرأ بالياء جعل الاخبار عن الغائب. امر الله تعالى نبيه محمداً أن يخوف المكلفين عقاب يوم الآزفة، ويخبرهم بما فيه من الثواب والعقاب. والازقة الدانية من قولهم: ازف الامر إذا دنا. وازف الوقت اذا دنا يأزف أزفاً، ومنه {أية : أزفت الآزفة} تفسير : أي دنت القيامة. والمعنى دنوا للمجازاة، وهو يوم القيامة. وقوله {إذ القلوب لدى الحناجر} أي في الوقت الذي تنتزع فيه القلوب من أمكنتها، وهي الصدور، فكظمت به الحناجر، فلم تستطيع ان تلفظها ولم تعد إلى أماكنها وقيل: الكاظم الساكت على امتلائه غيظاً او غماً. ونصب (كاظمين) على الحال - في قول الزجاج - وتقديره قلوب الظالمين لدى الحناجر {كاظمين} أي في حال كظمهم، والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم. وقيل: انما خصت الحناجر بذلك لان الفزع ينتفخ منه سحره أي رئته فيرتفع القلب من مكانه لشدة انتفاخه حتى يبلغ الحنجرة. والكاظم للشيء الممسك على ما فيه، ومنه قوله {أية : والكاظمين الغيظ} تفسير : ومنه قولهم: كظم قربته اذا شد رأسها، لأن ذلك الشد يمسكها على ما فيها، فهؤلاء قد اطبقوا أفواههم على ما في قلوبهم لشدة الخوف. وقوله {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} نفي من الله أن يكون للظالمين شفيع يطاع، ويحتمل ان يكون المراد بالظالمين الكفار، فهؤلاء لا يلحقهم شفاعة شافع اصلا، وان حملنا على عموم كل ظالم من كافر وغيره جاز أن يكون انما اراد نفي شفيع يطاع، وليس في ذلك نفي شفيع يجاب، ويكون المعنى ان الذين يشفعون يوم القيامة من الأنبياء والملائكة والمؤمنين إنما يشفعون على وجه المسألة اليه والاستكانة اليه لا أنه يجب على الله ان يطيعهم فيه. وقد يطاع الشافع بأن يكون الشافع فوق المشفوع اليه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله لبريرة "حديث : انما أنا شافع" تفسير : لكونه فوقها فى الرتبة ولم يمنع من إطلاق اسم الشفاعة على سؤاله، وليس لأحد أن يقول الكلام تام عند قوله {ولا شفيع} ويكون قوله {يطاع} ابتداء بكلام آخر لان هذا خلاف لجميع القراء لانهم لا يختلفون ان الوقف عند قوله {يطاع} وهو رأس آية وهو يسقط السؤال وأيضاً فلو وقفت عند قوله {ولا شفيع} لما كان لقوله {يطاع} تعلق به ولا معنى، لأن الفعل لا يلي فعلا، فان قدر يطاع الذي يعلم كان ذلك شرطاً ليس هو فى الظاهر، فحمل الآية على ما لا يحتاج إلى زيادة أولى. وقوله تعالى {يعلم خائنة الأعين} أي يعلم ما تختان به الأعين من النظر إلى غير ما يجوز النظر اليه على وجه السرقة {وما تخفي الصدور} أي تضمره لا يخفى عليه شيء من جميعه. وقيل: النظرة الأولى مباحة والثانية محرمة. فقوله {خائنة الأعين} في النظرة الثانية {وما تخفي الصدور} في النظرة الأولى فان كانت الأولى تعمداً كان فيها الأثم ايضاً، وإن لم تكن تعمداً، فهى مغفورة ثم قال {والله يقضي بالحق} أي يفصل بين الخلائق بمر الحق فيوصل كل واحد إلى حقه {والذين يدعون من دونه} من الأصنام لا يقضون بشيء من الحق. ومن قرأ بالياء فعلى الاخبار عنهم. ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب للكفار. ثم اخبر تعالى {إن الله هو السميع} أي من يجب ان يسمع المسموعات اذا وجدت المسموعات {البصير} أي يجب ان يبصر المبصرات اذا وجدت المبصرات، وحقيقتهما يرجع إلى كونه حياً لا آفة به. وقال قوم: معناه العالم بالمسموعات العالم بالمبصرات.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} الآزفة اسم يوم القيامة لقربها فيكون اضافة اليوم اليه مثل اضافة العامّ الى الخاصّ {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} من شدّة الخوف والوحشة فانّه وقت الخوف والاضطراب يتحرّك القلوب من مواضعها كأنّه تبلغ الحناجر {كَاظِمِينَ} حالٌ من القلوب او المستتر فى الظّرف، ونسبة الكظم الى القلوب امّأ مجاز عقلىّ او لتشبيه القلوب العقلاء {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} قريبٍ ينفعهم ويدفع عنهم {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} توصيف الشّفيع للاشعار بانّ الشّفيع اذا لم يكن مطاعاً لا ينفع شفاعته فكأنّه لم يكن شفيعاً، وليس المقصود انّه قد يكون لهم شفيع غير مطاعٍ.

اطفيش

تفسير : {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأَزِفَةِ} أي يوم القيامة وسميت القيامة آزفة لأزوفها أي لقربها وقيل يوم الخطبة الآزفة وهى مشارفتهم دخول النار وعند ذلك ترفع قلوبهم فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع الى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا ولكنها معترضة وقيل يوم الموتة الآزفة والمشهور الأول ولك أن تقدر المنعوت فى كل هكذا يوم الساعة الآزفة أو الطامة الآزفة* {إِذِ} بدل من يوم* {الْقُلُوبُ لَدَى} عند* {الْحَنَاجِرِ} الاحلاق صارت من شدة الهول والخوف حتى كانت عند الحلق فلا تخرج من الفم فيموتوا ولا ترجع لمواضعها كما مر* {كَاظِمِينَ} حال من محذوف هو عامله أي يفعل بهم ذلك كاظمين أو يعذبون كاظمين أو لدي القلوب لهم كاظمين ولهم متعلق بمحذوف معرفة نعت للقلوب أو ينكره لان (ال) فى القلوب للجنس أم من مضاف اليه محذوف منوي المعنى نابت عنه (ال) أي قلوبهم كاظمين ولهم متعلق بمحذوف معرفة نعت للقلوب أو ينكره لان (ال) في القلوب للجنس أو من مضاف منوي اليه محذوف المعنى نابت عنه (ال) أي قلوبهم كاظمين وجاء الحال من المضاف اليه لان المضاف جزؤه أو حال مقدرة من (هاء) أنذرهم أي وأنذرهم مقدرين الكظم أو ناوين أو منوياً لهم مقدراً لهم مقدرا لهم. قال القاضي تبعاً للزمخشرى أو حال من القلوب وفيه مجيء الحال من المبتدأ وهو ضعيف أو حال من ضمير الاستقرار في (لدى) الراجع للقلوب ووجه جمعه جمع عامر ومذنب مع أن القلوب غير عاقلة انها وصفت بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء كقوله {أية : رأيتهم لي ساجدين} تفسير : وقوله {أية : فظلت أعناقهم لها خاضعين} تفسير : وانها محل العقل والكظم رد الغيظ والجزع فى الصدر فقلوبهم ممتلئة غماً هذا أو جمعت صفتها ذلك الجمع لان أصحابها عقلاء فعوملت معاملتهم قيل فمعنى الآية انهم يطمعون فى رد ما يجدونه فى حناجرهم والحال تغالبهم* {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} أي من محب وقيل من قريب مشفق وقيل من محب مشفق {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} وجملة (يطاع) نعت (شفيع) قيل على المحل وهو الرفع لأعلى اللفظ وهو الجر بمن بواسطة العطف لأن (من) تدخل على الجمل وأجازه أبو حيان على اللفظ اغتفاراً في التابع بواسطة ما لا يغتفر فيه بلا نية ويطاع مستعاراً ليشفع فان الطاعة تكون لمن فوقك كما أن الشفعة تقبل ممن له فوقية والنفي منسحب على الشفيع والطاعة أي الشفاعة لان الشفعاء هم أولياء الله وليسوا بشافعين للكفار ولان لهم فضلا عن قبول شفاعتهم اذ لا يحبون ولا يشفعون الا من أحب الله ولان الشفاعة انما هى للسعداء زيادة فى الفضل وانما لم يكتف بقوله {ولا شفيع} كما قال الحسن (والله ما يكون لهم شفيع البتة) ليقوم انتفاء الموصوف وهو الشفيع مقام الشاهد على انتفاء الصفة وهى الطاعة لان الصفة لا تمكن بلا موصوف وكذا كما يقال لك (أكتب) وتقول (لا قلم لي أكتب به) أي تمكن الكتابة ولا قلم؟ وكيف تكون الشفاعة ولا شفيع؟ وذلك مبالغة فى انكار الشفاعة. وأجاز أبو حيان فى البحر أن يكون النفى منسحباً على الصفة فقط آخذاً بظاهر النعت كما تقول (لا قلم لى أكتب به) وأنت تريد أن لك قلماً لا يكتب وذلك انهم لهم شفعاء في زعمهم وهم الأصنام ولا يشفعون لهم ولو طلبوا الشفاعة لهم لم يطاعوا وهو عندي جائز وصوب بعضهم الأول وواجبه والضمائر قيل (الظالمين) ان كانت للكفار فانما وضع لفظ (الظالمين) موضع المضمر للدلالة على اختصاص ذلك بهم وان علته هي ظلمهم كذا للقاضي وأقول ليس ذكره مخصصاً ولو قال لهم لأفاد الاختصاص نعم أفاد العلة وقيل هذه الآية كلها اعتراض بليغ فى الكلام

اطفيش

تفسير : {وأنْذرهم يَوم الآزفة} يوم القيامة فالآزفة اسم فاعل أزف بمعنى قرب، جعل اسما للقيامة لقربها، وان شئت فهو باق على الوصفية، نعت لمحذوف، أى يوم القيامة القريبة، أو الساعة الآزفة، أو الخطة الآزفة، والخطة بضم الخاء وشد الطاء الأمر العظيم الذى من شأنه أن يخط، أى يكتب وهو الأمور الصعبة فى المحشر، وقربها باعتبار أن كل ما هو آت قريب، أو باعتبار ما مضى من الدنيا {إذِ القُلوبُ لَدَى الحنَاجِر} إذ بدل من يوم الآزفة، والحناجر جمع حنجرة جمع حنجور، وإلا قيل: الحناجير بالياء بعد الجيم، أو يدع التخفيف بالحذف، والحنجر والحنجور رأس الغلصمة، لحمة بين الرأس والعنق، والمعنى أنه تبلغ قلوب الكفرة حناجيرهم، ولا يموتون كما يموت فى الدنيا انسان إن بلغ قلبه حنجرته، والأولى أن الكلام يعم المؤمن والكافر، وبلوغ القلوب الحناجر مجاز عن شدة الخوف أو الألم. {كاظمين} حال من ضمير لاستقرار فى لدى العائد الى القلوب، جمعت صفة القلوب جمع المذكر السالم، تنزيلا لها منزلة العاقل لوصفها لصفته، والمعنى كاظمة على الغم والكرب، ممسكة لهما، غير خارجين عنها، وكاظم القربة كاظم على الماء، ممسك لها عليه، أو حال من هاء أنذرهم مقدرة، أى مشارفين الكظم {ما للظالمينَ مِنْ حَميمٍ} قريب مشفق {ولا شَفيعٍ يُطاعُ} أى لا شفيع البتة فضلا، عن أن يطاع فلا شفاعة ولا طاعة شفيع. قال الحسن: والله ما يككون لهم البتة شفيع، وهذا هو المراد، ولو احتمل اللفظ انتفاء الطاعة دون الشفاعة، وجملة يطاع نعت شفيع على لفظه، فهو فى محل جر، وعلى تقديره فهى فى محل رفع، لأنه معطوف على حميم، وحميم مرفوع تقديرا على الابتداء، أو الفاعلية لقوله: " للظالمين" ومن صلة، ولم يقتصر على نفى الشفيع، ليكون نفيه شاهدا على نفى طاعته، مستحضرة بالاعتبار، ومقتضى الظاهر ما لهم من حميم فوضع الظاهر موضع الهاء ليصفهم بالظلم أن رجعنا هاء أنذرهم للكفار،وان رجعناها للناس كلهم، فالاظهار على بابه بان عم أولا، ثم خص بعضنا بحكم مجدد، والظالمون المشركون، قال جل وعلا: " أية : إن الشرك لظلم عظيم "تفسير : [لقمان: 13] ويجوز أن يراد الظالم مشركا أو موحدا فالاظهار على بابه أيضا ذكر الخاص بحكم مجدد.

الالوسي

تفسير : {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } يوم القيامة كما قال مجاهد وقتادة وابن زيد، ومعنى {ٱلأَزِفَةُ} القريبة يقال: أزف الشخوص إذا قرب وضاق وقته، فهي في الأصل اسم فاعل ثم نقلت منه وجعلت اسماً للقيامة لقربها بالإضافة لما مضى من مدة الدنيا أو لما بقي فإن كل آت قريب، ويجوز أن تكون باقية على الأصل فتكون صفة لمحذوف أي الساعة الآزفة، وقدر بعضهم الموصوفة الخطة بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وهي القصة والأمر العظيم الذي يستحق أن يخط ويكتب لغرابته، ويراد بذلك ما يقع يوم القيامة من الأمور الصعبة وقربها لأن كل آت قريب، والمراد باليوم الوقت مطلقاً أو هو يوم القيامة، وقال أبو مسلم: {يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } يوم المنية وحضور الأجل. ورجح بأنه أبعد عن التكرار وأنسب بما بعده ووصف القرب فيه أظهر. {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ } بدل من {يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } و {ٱلْحَنَاجِرِ } جمع حنجرة أو حنجور كحلقوم لفظاً ومعنى؛ وهي كما قال الراغب: رأس الغلصمة من خارج وهي لحمة بين الرأس والعنق، والكلام كناية عن شدة الخوف أو فرط التألم، وجوز أن يكون على حقيقته وتبلغ قلوب الكفار حناجرهم يوم القيامة ولا يموتون كما لو كان ذلك في الدنيا. {كَـٰظِمِينَ } حال من أصحاب القلوب على المعنى فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها فهو من باب {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا }تفسير : [الحجر: 47] فكأنه قيل: إذ قلوبهم لدى الحناجر كاظمين عليها، وهو من كظم القربة إذا ملأها وسد فاها، فالمعنى ممسكين أنفسهم على قلوبهم لئلا تخرج مع النفس فإن كاظم القربة كاظم على الماء ممسكها عليه لئلا يخرج امتلاء، وفيه مبالغة عظيمة، وجوز كونه حالاً من ضمير {ٱلْقُلُوبُ } المستتر في الخبر أعني {لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ } وعلى رأي من يجوز مجىء الحال من المبتدأ كونه حالاً من {ٱلْقُلُوبُ } نفسها. وجمع جمع العقلاء لتنزيلها منزلتهم لوصفها بصفتهم كما في قوله تعالى: {أية : فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ }تفسير : [الشعراء: 4] والمعنى حال كون القلوب كاظمة على الغم والكرب، ومنه يعلم أنه لا يجوز أن يكون {لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ } ظرف {كَـٰظِمِينَ } / لفساد المعنى والحاجة إلى تقدير محذوف مع الغنى عنه، وكذلك على قراءة {كاظمون} للأول فقط فيتعين كون {لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ } خبراً و {كاظمون} خبراً آخر وبذلك يترجح كون الحال من (القلوب)، وقدر الكواشي هم كاظمون ليوافق وجه الحالية من الأصحاب وجوز كونه حالاً من مفعول {أَنذَرَهُمْ} أي أنذرهم مقدراً كظمهم أو مشارفين الكظم. {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } أي قريب مشفق من احتم فلان لفلان احتد فكأنه الذي يحتد حماية لذويه ويقال لخاصة الرجل حامته ومن هنا فسر الحميم بالصديق {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } أي ولا شفيع يشفع فالجملة في محل جر أو رفع صفة {شَفِيعٍ } والمراد نفي الصفة والموصوف لا الصفة فقط ليدل على أن ثم شفيعاً لكن لا يطاع فالكلام من باب: شعر : لا ترى الضب بها ينجحر تفسير : ولم يقتصر على نفع الشفيع بل ضم إليه ما ضم ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة فيكون ذلك الضم إزالة لتوهم وجود الموصوف حيث جعل انتفاؤه أمراً مسلماً مشهوراً لا نزاع فيه لأن الدليل ينبغي أن يكون أوضح من المدلول، وهذا كما تقول لمن عاتبك على القعود عن الغزو مالي فرس أركبه وما معي سلاح أحارب به فليفهم. والضمائر المذكورة من قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ } إلى هنا إن كانت للكفار كما هو الظاهر فوضع الظالمين موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالظلم وتعليل الحكم، وإن كانت عامة لهم ولغيرهم فليس هذا من باب وضع الظاهر موضع الضمير وإنما هو بيان حكم للظالمين بخصوصهم، والمراد بهم الكاملون في الظلم وهم الكافرون لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }تفسير : [لقمان: 13].

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أن يكون قوله: {وأنذِرْهم} وما بعده معترضاً بين جملة {أية : إن الله سريع الحساب}تفسير : [غافر:17] وجملة {أية : يَعْلم خائِنة الأعيُن}تفسير : [غافر: 19] على الوجهين الآتيين في موقع جملة {يعلم خائنة الأعين}، فالواو اعتراضية، والمناسبة أن ذكر الحساب به يقتضي التذكير بالاستعداد ليوم الحساب وهو يوم الآزفة. ويوم الآزفة يوم القيامة. وأصل الآزفة اسم فاعل مؤنث مشتق من فعل أزِف الأمر، إذا قرب، فالآزفة صفة لموصوف محذوف تقديره: الساعة الآزفة، أو القيامة الآزفة، مثل الصاخّة، فتكون إضافة {يوم} إلى {الآزفة}، حقيقية. وتقدم القول في تعدية الإِنذار إلى (اليوم) في قوله: {أية : لينذر يوم التلاق}تفسير : [غافر: 15]. و {إذْ} بدل من {يوم} فهو اسم زمان منصوب على المفعول به، مضاف إلى جملة {القلوب لدى الحناجر} و {أل} في {القُلُوبُ} و {الحناجر} عوض عن المضاف إليه. وأصله: إذْ قلوبهم لدى حناجرهم، فبواسطة (أل) عُوض تعريف الإِضافة بتعريف العهد وهو رَأي نحاة الكوفة، والبصريون يقدرون: إذ القلوب منهم والحناجر منهم والمعنى: إذ قلوب الذين تنذرهم، يعني المشركين، فأمَّا قلوب الصالحين يومئذٍ فمطمئنة. والقلوب: البضعات الصنوبرية التي تتحرك حركة مستمرة ما دام الجسم حيًّا فتدفع الدم إلى الشرايين التي بها حياة الجسم. والحناجر: جمع حَنْجَرة بفتح الحاء وفتح الجيم وهي الحُلقوم. ومعنى القلوب لدى الحناجر: أن القلوب يشتدّ اضطراب حركتها من فرط الجزع مما يشاهِده أهلها من بوارق الأهوال حتى تتجاوز القلوبُ مواضعها صاعدة إلى الحناجر كما قال تعالى في ذكر يوم الأحزاب: {أية : وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر}تفسير : [الأحزاب:10]. وكاظم: اسم فاعل من كظَم كُظُوماً، إذا احتبسَ نفَسُه (بفتح الفاء). فمعنى {سٰكنين} لا يستطيعون كلاماً. فعلى هذا التأويل لا يقدَّر لــــ {كٰظِمِين} مفعول لأنه عومل معاملة الفعل اللازم. ويقال: كَظَم كظماً، إذا سَدّ شيئاً مجرى ماء أو باباً أو طريقاً فهو كاظم، فعلى هذا يكون المفعول مقدراً. والتقدير: كاظمينها، أي كاظمين حناجرهم إشفاقاً من أن تخرج منها قلوبهم من شدة الاضطراب. وانتصب {كٰظِمِين} على الحال من ضمير الغائب في قوله: {أنذرهم} على أن الحال حال مقدرة. ويجوز أن يكون حالاً من القلوب على المجاز العقلي بإسناد الكاظم إلى القلوب وإنما الكاظم أصحاب القلوب كما في قوله تعالى: {أية : فويل لهم مما كتبت أيديهم}تفسير : [البقرة:79] وإنما الكاتبون هم بأيديهم. وجملة {ما للظٰلمين من حميم ولا شفيع يُطاع} في موضع بدل اشتمال من جملة {القُلُوب لدَى الحناجِر} لأن تلك الحالة تقتضي أن يستشرفوا إلى شفاعة من اتخذوهم ليَشفعوا لهم عند الله فلا يُلفون صديقاً ولا شفيعاً. والحميم: المحب المشفق. والتعريف في {الظالمين} للاستغراق ليعم كل ظالم، أي مشرك فيشمل الظالمين المنذَرين، ومن مضى من أمثالهم فيكون بمنزلة التذييل ولذلك فليس ذكر الظالمين من الإِظهار في مقام الإِضمار. ووصْفُ: {شفيع} بجملة {يطاع} وصْف كاشف إذ ليس أن المراد لهم شفعاء لا تطاع شفاعتهم لظهور قلة جدوى ذلك ولكن لما كان شأن من يتعرض للشفاعة أن يثق بطاعة المشفوع عنده له. وأُتبع {شفيع} بوصف {يطاع} لتلازمهما عرفاً فهو من إيراد نفي الصفة اللازمةِ للموصوف. والمقصودُ: نفي الموصوف بضرب من الكناية التلميحية كقول ابنِ أحمر:شعر : ولا تَرى الضبَّ بها ينْجَحِرْ تفسير : أي لا ضبّ فيها فينجحر، وذلك يفيد مفاد التأكيد. والمعنى: أن الشفيع إذا لم يُطَع فليس بشفيع. والله لا يجترىء أحد على الشفاعة عنده إلا إذا أذن له فلا يشفع عنده إلا مَن يُطاع.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ}. الإنذار، والإعلام المقترن بتهديد خاصة، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً. وقد أوضحنا معنى الإنذار وأنواعه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى {أية : كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ} تفسير : [الأعراف: 2] الآية. والظاهر أن قوله هنا {يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} هو المفعول الثاني للإنذار لا ظرف له لأن الإنذار والتخويف من يوم القيامة، واقع في دار الدنيا. والآزفة القيامة. أي أنذرهم يوم القيامة، بمعنى خوفهم إياه وهددهم بما فيه من الأهوال العظام ليستعدوا لذلك في الدنيا بالإيمان والطاعة. وإنما عبر عن القيامة بالآزفة لأجل أزوفها أي قربها، والعرب تقول: أزف الترحل بكسر الزاي، يأزف بفتحها، أزفاً بفتحتين، على القياس، وأزوفاً فهو آزف، على غير قياس، في المصدر الأخير، والوصف بمعنى قرب وقته وحان وقوعه، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد تفسير : ويروى أفد الترحل، ومعناهما واحد. والمعنى {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} أي يوم القيامة القريب مجيؤها ووقوعها. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من اقتراب قيام الساعة، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ} تفسير : [النجم: 57ـ58] وقوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [القمر: 1] الآية. وقوله تعالى {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 1] الآية. وقوله تعالى في الأحزاب: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} تفسير : [الأحزاب: 63] وقوله تعالى في الشورى {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17]. وقد قدمنا هذا في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوه} تفسير : [النحل: 1]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِين} الظاهر فيه، أن إذ، بدل من يوم، وعليه فهو من قبيل المفعول به، لا المفعول فيه، كما بينا آنفاً. والقلوب: جمع قلب وهو معروف. ولدى: ظرف بمعنى عند. والحناجر: جمع حنجرة وهي معروفة. ومعنى كون القلوب لدى الحناجر، في ذلك الوقت فيه لعلماء التفسير وجهان معروفان. أحدهما: ما قاله قتادة وغيره، من أن قلوبهم يومئذ، ترتفع من أماكنها في الصدور، حتى تلتصق بالحلوق، فتكون لدى الحناجر، فلا هي تخرج من أفواههم فيموتوا، ولا هي ترجع إلى أماكنها في الصدور فيتنفسوا. وهذا القول هو ظاهر القرآن. والوجه الثاني: هو أن المراد بكون القلوب، لدى الحناجر، بيان شدة الهول، وفظاعة الأمر، وعليه فالآية كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} تفسير : [الأحزاب: 10ـ11] وهو زلزال خوف وفزع لا زلزال حركة الأرض. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {كَاظِمِينَ} معناه مكروبين ممتلئين خوفاً وغماً وحزناً. والكظم: تردد الخوف والغيظ والحزن في القلب حتى يمتلئ منه، ويضيق به. والعرب تقول: كظمت السقاء إذا ملأته ماء، وشددته عليه. وقول بعضهم كاظمين، أي ساكتين، لا ينافي ما ذكرنا، لأن الخوف والغم الذي ملأ قلوبهم يمنعهم من الكلام، فلا يقدرون عليه، ومن إطلاق الكظم على السكوت قول العجاج: شعر : وربّ أسراب حجيج كظَّم عن اللَّغا ورفث التكلُّمِ تفسير : ويرجع إلى هذا القول معنى قول من قال: كاظمين أي لا يتكلمون إلا من أذن له الله، وقال الصواب، كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} تفسير : [النبأ: 38]. وقوله: {كَاظِمِينَ} حال من أصحاب القلوب على المعنى. والتقدير إذ القلوب لدى الحناجر أي إذ قلوبهم لدى حناجرهم في حال كونهم كاظمين، أي ممتلئين خوفاً وغماً وحزناً، ولا يبعد أن يكون حالاً من نفس القلوب، لأنها وصفت بالكظم الذي هو صفة أصحابها. ونظير ذلك في القرآن: {أية : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4] فإنه أطلق في هذه الآية الكريمة، على الكواكب والشمس والقمر صفة العقلاء في قوله تعالى: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} والمسوغ لذلك وصفه الكواكب والشمس والقمر بصفة العقلاء التي هي السجود. ونظير ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 4] وقوله تعالى: {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11]. قوله تعالى: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة البقرة وسورة الأعراف، وأحلنا عليه مراراً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يوم الآزفة: أي يوم القيامة. إذ القلوب لدى الحناجر: أي من شدة الخوف تكون القلوب قد ارتفعت حتى وصلت عند الحناجر. كاظمين: أي لقلوبهم يريدون ردها فلم يقدروا. ما للظالمين من حميم: أي ليس للمشركين من محب قريباً كان أو بعيداً. يعلم خائنة الأعين: أي الله تعالى يعلم العين إذا سرقت النظر إلى محرم. والله يقضي بالحق: أي لكمال قدرته وعلمه يحكم بالحق. والذين يدعون من دونه: أي والذين يدعوهم مشركو قريش من أصنام لا يقضون بشيء عدلاً كان أو جوراً لأنهم أصنام لا تسمع ولا تبصر. معنى الآيات: بعد بيان الموقف الصعب في عرصات القيامة في الآيات السابقة قال تعالى لرسوله {وَأَنذِرْهُمْ} يا رسولنا أي خوف قومك {يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} وهي القيامة القريبة والتي قد قربت فعلاً وكل ما هو اتٍ قريب أنذرهم قربها حتى لا يوافوها بالشرك والمعاصي فيخسروا خسراناً مبيناً، أنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب من شدة الخوف ترتفع إلى الحناجر وهم يكظمونها فلا هي تخرج فيموتوا ولا هي تعود إلى أماكنها فيستريحوا. {مَا لِلظَّالِمِينَ} وهم أهل الشرك والمعاصي {مِنْ حَمِيمٍ} قريب أو حبيب يدفع عنهم العذاب {وَلاَ شَفِيعٍ} يشفع لهم وتقبل شفاعته ويطاع فيها لا ذا ولا ذاك يا لفظاعة الحال وقوله تعالى: {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} يخبر تعالى عن سعة علمه وواسع اطلاعه أنه يعلم خائنة الأعين وهي العين تسترق النظر إلى المحارم، ويعلم {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} أي وما تكتمه صدور العباد وما تضمره من خير وشر، ولذا فسوف يكون الحساب دقيقا ومن نوقش الحساب عُذب. {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ} اي يحكم بالعدل، {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي والذين يعبدهم المشركون من أصنام وأوثان {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} لأنهم لا يسمعون ولا يبصرون. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} السميع لأقوال عباده البصير بأعمالهم وأحوالهم فلذا إذا حكم يحكم بالحق ويقدر على إنفاذ الحكم فيجزى السيئة بالسيئة والحسنة بعشر أمثالها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان هول يوم القيامة وصعوبة الموقف فيه. 2- إنعدام الحميم والشفيع للظالمين يوم القيامة. 3- بيان سعة علم الله تعالى حتى إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. 4- قضاء الله عدل وحكمه نافذ وذلك لكمال علمه وقدرته.

القطان

تفسير : يوم الآزفة: يوم القيامة، ومعنى الآزفة: القريبة. الحناجر: جمع حنجرة، الحلقوم. كاظمين: ممسكين، محزونين. حميم: صديق. خائنة الأعين: الأعين التي تزوغ وتنظر بخبث. وما تخفي الصدور: ما تكتمه الضمائر. من واق: من حافظ. أنذِر أيها الرسول مشركي قومك عذابَ يوم القيامة وهوله، حين تصير القلوب عند الحناجر من شدة الخوف. يومئذ ليس لهم صديق ينفعهم، ولا شفيع تُقبل شفاعته لهم، والله تعالى لا يخفى عليه شيء، يعلم النظرة الخائنة، والسرَّ المستور الذي تخفيه الصدور. وهو تعالى يقضي بالعدل والحق، فلا يظلم احداً ولا ينسى شيئاً، والآلهة المزعومة لا يستطيعون عمل شيء، {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}. ألم يسافر المشركون في الأرض، فيروا كيف كان مآل الأمم الماضية!! كانوا أشدّ منهم قوة وتركوا آثاراً عظيمة في الأرض، فاستأصلهم الله بذنوبهم. {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} لم يكن لهم من ينصرهم ويحفظهم من عذاب الله. وقد تكرر هذا المعنى في أكثر من آية، ولكن بأسلوب مختلف. ولقد نزل بهم ذلك العذاب لأنهم كذّبوا رسُلهم وجحدوا آيات الله {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} قراءات: قرأ نافع وهشام: والذين تدعون: بالتاء. والباقون: يدعون: بالياء.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَزِفَةِ} {كَاظِمِينَ} {لِلظَّالِمِينَ} (18) - وَأَنْذِرْ يَا مُحَمَّدُ مُشْرِكِي قَوْمِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَا فِيهِ مِنْ أَهْوَالٍ وَعَذَابٍ أَلِيمٍ، وَهُوَ يَومٌ يَعْظمُ فِيهِ الخَوْفُ، حَتَّى لَيَشْعُرُ كُلُّ آمْرِىءٍ أَنَّ قَلْبَهُ تَعلَّقَ بِحَلقِهِ، فَيُرِيدُ إِرْجَاعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ فَلاَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى ردِّهِ إِلَى مَوْضِعِهِ مِنَ الصَّدْرِ، وَلاَ القَلْبُ بِخَارِجٍ فَيُقْضَى عَلَى المَرْءِ بِالْمَوْتِ. وَفِي ذَلِكَ اليَومِ لاَ يَكُونَ لِلذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالكُفْرِ والشِّرْكِ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُمْ، وَلاَ شَفِيعٌ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ لَهُمْ. الآزِفَةُ - اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَسُمِّيت بِذَلِكَ لاقْتِرَابِ مَوْعِدِهَا. كَاظِمِينَ - بَاكِينَ أَوْ مُمْسِكِينَ عَلَى الغَمِّ الذِي يَمْلأُ صُدُورَهُمْ. حَمِيمٍ - قَرِيبٍ مُشْفِقٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قلنا: الإنذار هو الإخبار والتحذير من الشر قبل وقوعه و (الآزفة) من أزف الشيء يعني: دنا وقرب، والمراد بيوم الآزفة الموت لأنه يأتي بغتةً، لا يعلم أحد موعده، أو هو يوم القيامة، وهو أيضاً قريب لأن الله تعالى يقول فيه: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1] فجاء بالفعل الماضي (أتى) للدلالة على تحقّق وقرب وقوعه، لأن كل آتٍ قريب. في هذا اليوم يوم الآزفة {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ..} [غافر: 18] تخيل أن القلب انخلع من مكانه في الصدر، وخرج من حَيِّزه حتى وصل الحناجر حتى كتم الأنفاس من شدة الهول والبؤس والشقاء والضيق، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} تفسير : [الأحزاب: 10]. ومعنى {كَاظِمِينَ ..} [غافر: 18] الكظم أنْ تحاول كتم الشيء في داخلك بحيث لا يخرج، ومنه كَظْم القرْبة إذا انخرقت حتى لا يتسرب منها الماء بأنْ تربط مكان الخُرْق وتُحكم رباطه، ومنه كَظْم الغيظ حتى تتحكم في غيظك وتكتمه في نفسك ولا تُنْفذه، كما قال تعالى: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [آل عمران: 134] فهذا ترقٍّ في مراتب العمل الصالح، أولها كظم الغيظ، وأحسن منه التخلص الغيظ بالعفو، وأحسن منه {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. وقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] هذا ساعة يجمع الله الظالمين معاً في جهنم والعياذ بالله، هؤلاء اجتمعوا في الدنيا على معصية الله، وساروا فيها على هواهم، والآن في الآخرة يفرّ بعضهم من بعض ويهرب المتبوع من تابعه، كما قال سبحانه: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 34-37]. كذلك لا يجدون شفيعاً يشفع لهم ولا يدافع عنهم، وقد أوضح الحق سبحانه أن هؤلاء الشفعاء ورؤساء القوم وأئمة الكفر سيسبقون أتباعهم إلى جهنم، فإذا دخلوا وجدوهم قد سبقوهم إليها، فيكون ذلك أقطع لأملهم في النجاة وأشدّ لحسرتهم، لذلك قال تعالى عن فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} تفسير : [هود: 98]. ومعنى (الحميم) أي: الصديق الحميم، وهو الذي يخلص لك ويحميك حين يُراد بك الضر ويقف بجانبك وقت الشدة، الظالم في الآخرة لا يجد هذا الصديق ولا يجد مَنْ يشفع له، فأصدقاؤهم فرُّوا منهم لأنهم اجتمعوا في الدنيا على المعصية. والله يقول: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67] أي: يوم القيامة حيث يتبرأ كل منهم من صاحبه ويلقي عليه باللائمة ويكرهه {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] حتى إنْ قام للظالم شفيع يشفع له لا يطاع، لأن الشفاعة في الآخرة لها شروط: أنْ يأذن اللهُ للشافع أنْ يشفع، وأنْ يرضي الله عن المشفوع له، والله لا يأذن في الشفاعة لظالم ولا يرضى عنه. لذلك لا تُقبل مثل هذه الشفاعة، ولا يُطاع صاحبها لأنه يطلب من الله الذي يملك العذاب أنْ يطيعه وأنْ يعفو عن المشفوع له، فكيف ينقلب الحق سبحانه مطيعاً لعبده؟

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} فيومُ الأَزِفةِ: هو يَومُ القِيامةِ وكاظمين: معناه مغتمونَ. وقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ} فالظَّالمونَ: الكَافرونَ. والحَميمُ: القَريبُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ } أي: يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها، { إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ } أي: قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر، شاخصة أبصارهم. { كَاظِمِينَ } لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا وكاظمين على ما في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات الهائلة. { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } أي: قريب ولا صاحب، { وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ } لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم نفسه بالشرك، ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها. { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ } وهو النظر الذي يخفيه العبد من جليسه ومقارنه، وهو نظر المسارقة، { وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } مما لم يبينه العبد لغيره، فالله تعالى يعلم ذلك الخفي، فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى وأحرى. { وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ } لأن قوله حق، وحكمه الشرعي حق، وحكمه الجزائي حق وهو المحيط علمًا وكتابة وحفظا بجميع الأشياء، وهو المنزه عن الظلم والنقص وسائر العيوب، وهو الذي يقضي قضاءه القدري، الذي إذا شاء شيئًا كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يقضي بين عباده المؤمنين والكافرين في الدنيا، ويفصل بينهم بفتح ينصر به أولياءه وأحبابه. { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } وهذا شامل لكل ما عبد من دون الله { لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ } لعجزهم وعدم إرادتهم للخير واستطاعتهم لفعله. { إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ } لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. { الْبَصِيرُ } بما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون. قال في أول هاتين الآيتين { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ } ثم وصفها بهذه الأوصاف المقتضية للاستعداد لذلك اليوم العظيم، لاشتمالها على الترغيب والترهيب.

همام الصنعاني

تفسير : 2667- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ}: [الآية: 18]، قال: شخصت من صدورهم فنشبت في حُلوقهم، فلم تخرج ولم ترجع. 2668- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ}: [الآية: 18]، قال: الساعة.