Verse. 4154 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

اَوَلَمْ يَسِيْرُوْا فِي الْاَرْضِ فَيَنْظُرُوْا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَۃُ الَّذِيْنَ كَانُوْا مِنْ قَبْلِہِمْ۝۰ۭ كَانُوْا ہُمْ اَشَدَّ مِنْہُمْ قُوَّۃً وَّاٰثَارًا فِي الْاَرْضِ فَاَخَذَہُمُ اللہُ بِذُنُوْبِہِمْ۝۰ۭ وَمَا كَانَ لَہُمْ مِّنَ اللہِ مِنْ وَّاقٍ۝۲۱
Awa lam yaseeroo fee alardi fayanthuroo kayfa kana AAaqibatu allatheena kanoo min qablihim kanoo hum ashadda minhum quwwatan waatharan fee alardi faakhathahumu Allahu bithunoobihim wama kana lahum mina Allahi min waqin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أوَ لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم» وفي قراءة: منكم «قوة وآثارا في الأرض» من مصانع وقصور «فأخذهم الله» أهلكهم «بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق» عذابه.

21

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ} هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد {فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من الأمم المكذبة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما حل بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة {وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ} أي: أثروا في الأرض؛ من البنايات والمعالم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه؛ كما قال عز وجل: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ} تفسير : [الأحقاف: 26] وقال تعالى: {أية : وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا}تفسير : [الروم: 9] أي: مع هذه القوة العظيمة، والبأس الشديد، أخذهم الله بذنوبهم، وهي كفرهم برسلهم، {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد، ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق، ثم ذكر علة أخذه إياهم، وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: بالدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، {فَكَفَرُواْ} أي: مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} تعالى أي: أهلكهم ودمر عليهم، وللكافرين أمثالها، {إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: ذو قوة عظيمة، وبطش شديد، وهو {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: عقابه أليم شديد وجيع، أعاذنا الله تبارك وتعالى منه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ } وفي قراءة منكم {قُوَّةً وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ } من مصانع وقصور {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } أهلكهم {بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } عذابه؟.

الشوكاني

تفسير : لما خوّفهم سبحانه بأحوال الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا، فقال: {أَوَ لَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ } أرشدهم سبحانه إلى الاعتبار بغيرهم، فإن الذين مضوا من الكفار {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } من هؤلاء الحاضرين من الكفار، وأقوى {وَآثَاراً فِي ٱلأَرْض} بما عمروا فيها من الحصون والقصور، وبما لهم من العدد والعدّة، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم الله. وقوله: {فَيَنظُرُواْ } إما مجزوم بالعطف على يسيروا، أو منصوب بجواب الاستفهام، وقوله: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } بيان للتفاوت بين حال هؤلاء وأولئك. وقوله: {وَءاثَاراً } عطف على قوّة. قرأ الجمهور: {أشد منهم}، وقرأ ابن عامر: (أشد منكم) على الالتفات {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ } أي: بسبب ذنوبهم {وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } أي: من دافع يدفع عنهم العذاب، وقد مرّ تفسير هذه الآية في مواضع، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من الأخذ {بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي: بالحجج الواضحة {فَكَفَرُواْ } بما جاءوهم به {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ } يفعل كلّ ما يريده لا يعجزه شيء {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن عصاه، ولم يرجع إليه. ثم ذكر سبحانه قصة موسى، وفرعون؛ ليعتبروا، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا } هي: التسع الآيات التي قد تقدّم ذكرها في غير موضع {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } أي: حجة بينة واضحة، وهي: التوراة {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَـشرُونَ فَقَالُواْ } إنه {سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } أي: فيما جاء به، وخصهم بالذكر؛ لأنهم رؤساء المكذبين بموسى، ففرعون الملك، وهامان الوزير، وقارون صاحب الأموال، والكنوز {فَلَمَّا جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ مِنْ عِندِنَا }، وهي: معجزاته الظاهرة الواضحة {قَالُواْ ٱقْتُلُواْ أَبْنَاء ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَاءهُمْ } قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأوّل، لأن فرعون قد كان أمسك عن قتل الولدان وقت ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل، فكان يأمر بقتل الذكور، وترك النساء، ومثل هذا قول فرعون: {أية : سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـى نِسَاءهُمْ } تفسير : [الأعراف: 127] {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } أي: في خسران ووبال، لأنه يذهب باطلاً، ويحيق بهم ما يريده الله عزّ وجلّ. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } إنما قال هذا؛ لأنه كان في خاصة قومه من يمنعه من قتل موسى مخافة أن ينزل بهم العذاب، والمعنى: اتركوني أقتله {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } الذي يزعم: أنه أرسله إلينا، فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك، أي: لا يهولنكم ذلك، فإنه لا ربّ له حقيقة؛ بل أنا ربكم الأعلى، ثم ذكر العلة التي لأجلها أراد أن يقتله، فقال: {إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ } الذي أنتم عليه من عبادة غير الله، ويدخلهم في دينه الذي هو: عبادة الله وحده {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } أي: يوقع بين الناس الخلاف، والفتنة، جعل اللعين ظهور ما دعا إليه موسى، وانتشاره في الأرض، واهتداء الناس به فساداً، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو، ومن تابعه. قرأ الكوفيون، ويعقوب: {أو أن يظهر} بأو التي للإبهام، والمعنى: أنه لا بدّ من وقوع أحد الأمرين. وقرأ الباقون: {وأن يظهر} بدون ألف على معنى: وقوع الأمرين جميعاً، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بفتح الياء من: (إني أخاف)، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحفص: {يظهر} بضم الياء، وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير موسى، والفساد نصباً على أنه مفعول به، وقرأ الباقون بفتح الياء، والهاء، ورفع الفساد على الفاعلية {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُـمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: {عذت} بإدغام الذال، وقرأ الباقون بالإظهار، لما هدّده فرعون بالقتل استعاذ بالله عزّ وجلّ من كلّ متعظم عن الإيمان بالله غير مؤمن بالبعث، والنشور، ويدخل فرعون في هذا العموم دخولاً أوّلياً. {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ } قال الحسن، ومقاتل، والسدّي: كان قبطياً، وهو: ابن عم فرعون، وهو الذي نجا مع موسى، وهو المراد بقوله: {أية : وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ} تفسير : [القصص: 20] الآية، وقيل: كان من بني إسرائيل، ولم يكن من آل فرعون، وهو خلاف ما في الآية، وقد تمحل لذلك بأن في الآية تقديماً، وتأخيراً، والتقدير: وقال رجل مؤمن من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون. قال القشيري: ومن جعله إسرائيلياً، ففيه بعد، لأنه يقال: كتمه أمر كذا، ولا يقال: كتم منه كما قال سبحانه: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } تفسير : [النساء: 42]، وأيضاً ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول. وقد اختلف في اسم هذا الرجل، فقيل: حبيب. وقيل: حزقيل. وقيل غير ذلك، قرأ الجمهور: {رجل} بضم الجيم، وقرأ الأعمش، وعبد الوارث بسكونها، وهي: لغة تميم، ونجد، والأولى هي: الفصيحة، وقرىء بكسر الجيم و{مؤمن} صفة لرجل، و{من آل فرعون} صفة أخرى، و {يكتم إيمانه} صفة ثالثة، والاستفهام في {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً } للإنكار، و {أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ } في موضع نصب بنزع الخافض، أي: لأن يقول، أو كراهة أن يقول، وجملة: {وَقَدْ جَاءكُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ مِن رَّبّكُمْ } في محل نصب على الحال، أي: والحال أنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحات، والدلالات الظاهرات على نبوّته، وصحة رسالته، ثم تلطف لهم في الدفع عنه، فقال: {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ }، ولم يكن قوله هذا لشك منه، فإنه كان مؤمناً كما وصفه الله. ولا يشك المؤمن، ومعنى {يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ } أنه إذا لم يصبكم كله، فلا أقلّ من أن يصيبكم بعضه، وحذفت النون من يكن في الموضعين تخفيفاً لكثرة الاستعمال، كما قال سيبويه، وقال أبو عبيدة، وأبو الهيثم: بعض هنا بمعنى: كل، أي: يصبكم كلّ الذي يعدكم، وأنشد أبو عبيدة على هذا قول لبيد:شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : أي: كلّ النفوس، وقد اعترض عليه، وأجيب بأن البعض قد يستعمل في لغة العرب بمعنى: الكلّ كما في قول الشاعر:شعر : قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : وقول الآخر:شعر : إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا تفسير : وليس في البيتين ما يدلّ على ما زعموه، وأما بيت لبيد، فقيل: إنه أراد ببعض النفوس نفسه، ولا ضرورة تلجىء إلى حمل ما في الآية على ذلك، لأنه أراد التنزّل معهم، وإيهامهم: أنه لا يعتقد صحة نبوّته كما يفيده قوله: {يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ } قال أهل المعاني: وهذا على المظاهرة في الحجاج، كأنه قال لهم: أقلّ ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هلاككم، فكأن الحاصل بالبعض هو الحاصل بالكل. وقال الليث: بعض ها هنا صلة يريد يصبكم الذي يعدكم. وقيل: يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا، وهو بعض ما يتوعدكم به من العذاب. وقيل: إنه وعدهم بالثواب، والعقاب، فإذا كفروا أصابهم العقاب، وهو بعض ما وعدهم به {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } هذا من تمام كلام الرجل المؤمن، وهو: احتجاج آخر ذو وجهين: أحدهما: أنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات، ولا أيده بالمعجزات، وثانيهما: أنه إذا كان كذلك خذله الله، وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله، والمسرف المقيم على المعاصي المستكثر منها، والكذاب المفتري. {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلأَرْضِ } ذكرهم ذلك الرجل المؤمن ما هم فيه من الملك، ليشكروا الله، ولا يتمادوا في كفرهم، ومعنى {ظاهرين}: الظهور على الناس، والغلبة لهم، والاستعلاء عليهم، والأرض أرض مصر، وانتصاب {ظاهرين} على الحال {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَاءنَا } أي: من يمنعنا من عذابه، ويحول بيننا، وبينه عند مجيئه، وفي هذا تحذير منه لهم من نقمة الله بهم، وإنزال عذابه عليهم، فلما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح الصحيح جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة، والرعاية بمكان مكين، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكاً يكون فيه جلب النفع لهم، ودفع الضرّ عنهم، ولهذا قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَىٰ } قال ابن زيد: أي: ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم، والرؤية هنا هي القلبية لا البصرية، والمفعول الثاني هو إلا ما أرى {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } أي: ما أهديكم بهذا الرأي إلا طريق الحقّ. قرأ الجمهور: {الرشاد} بتخفيف الشين، وقرأ معاذ بن جبل بتشديدها على أنها صيغة مبالغة كضرّاب. وقال النحاس: هي: لحن، ولا وجه لذلك. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } قال: لم يكن في آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى الذي قال: {أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } تفسير : [القصص: 20] قال ابن المنذر: أخبرت أن اسمه حزقيل. وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق قال: اسمه حبيب. وأخرج البخاري، وغيره من طريق عروة قال: قيل لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرنا بأشدّ شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَاءكُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ مِن رَّبّكُمْ }». وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة، والبزار عن عليّ بن أبي طالب، أنه قال: أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت. قال: أما أني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذته قريش، فهذا يجنبه، وهذا يتلتله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلاهاً واحداً، قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، ويجيء هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله}، ثم رفع بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبون؟، فوالله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون، وذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... كانوا هم أشدَّ منهم قوة} فيه وجهان: أحدهما: يعني بطشاً، قاله يحيى. الثاني: قدرة، قاله ابن عيسى. {وآثاراً في الأرض} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها آثارهم من الملابس والأبنية، قاله يحيى. الثاني: خراب الأرضين وعمارتها، قاله مجاهد. الثالث: المشي فيها بأرجلهم، قاله ابن جريج. الرابع: بُعْد الغاية في الطلب، قاله الكلبي. الخامس: طول الأعمار، قاله مقاتل. ويحتمل سادساً: ما سنوا فيها من خير وشر.

ابن عبد السلام

تفسير : {قُوَّةً} بطشاً، أو قدرة {وَءَاثَاراً فِى الأَرْضِ} بخرابها وعمارتها. أو مشيتهم فيها بأرجلهم، أو بعد الغاية في الطلب، أو طول الأعمار، أو آثارهم في المدائن والأبنية.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} الضميرُ في: {يَسِيرُواْ} لكفارِ قُرَيْشٍ، والآثارُ في الأرضِ هي المبانِي والمآثِرُ والصِّيتُ الدُّنْيَوِيُّ، وذُنُوبُهُمْ كانَتْ تكذيبَ الأنبياءِ، والواقي الساترُ المانعُ؛ مأخوذٌ مِن الوِقَايةِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وخصَّ تعالى هَامَانَ وقَارُونَ بالذِّكْرِ تَنْبِيهاً على مكانِهِما من الكُفْرِ؛ ولكَوْنِهِمَا أشْهَر رِجَالِ فرعونَ، وقيل: إن قارونَ هذا لَيْسَ بقارون بني إسرائيل، وقيلَ: هو ذلكَ، ولكنَّه كانَ منقطعاً إلى فرعونَ خادماً له مُسْتَغْنِياً معه. وقوله: {سَـٰحِرٌ} أي: في أمْرِ العَصَا، و{كَذَّابٌ} في قوله: إني رسولُ اللَّهِ، ثم أخبرَ تعالى عنهم أنهم لما جَاءَهُمْ موسى بالنبوّة والحقِّ من عند اللَّهِ؛ قال هؤلاءِ الثَّلاثَةُ وأَجْمَعَ رَأْيُهم علَىٰ أَنْ يُقَتَّلَ أَبْنَاءُ بني إسرائيلَ أَتْبَاعِ مُوسَىٰ، وشُبَّانُهُمْ وَأَهْلُ القُوَّةِ مِنْهُمْ، وأن يُسْتَحْيَا النساءُ لِلْخِدْمَةِ وَالاسْتِرْقَاقِ، وهذا رجوعٌ منهم إلى نحو القتل الأولِ الذي كان قَبْلَ ميلادِ موسَىٰ، ولكنَّ هذا الأخيرَ لم تَتِمَّ لهم فيه عزمةٌ، لاَ أعانَهُمُ اللَّه تَعَالَىٰ على شَيْءٍ منه، قال قتادة: هذا قَتَلٌ غيرُ الأولِ الذي [كانَ] حَذَرَ المولودِ، وسَمَّوْا مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ بني إسرائيلَ أَبْنَاءَ؛ كما تقولُ لأَنْجَادِ القبيلةِ أو المدينةِ وأَهْلِ الظُّهُورِ فِيها: هؤلاءِ أبناءُ فُلاَنَةٍ. وقوله تعالى: {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ} عبارةٌ وَجِيزَةٌ تُعْطي قوَّتُها أنَّ هؤلاءِ الثلاثةَ لَمْ يُقْدِرْهُمُ اللَّهُ تعالى على قتلِ أحدٍ مِنْ بني إسرائيل، ولاَ نَجَحَتْ لهم فيهم سِعَايَةٌ.

ابن عادل

تفسير : ولما بالغ في تخويفهم بأحوال أهل الآخرة أردفه بيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} والمعنى أن العاقل من اعتبر بغيره، فإن الذين مَضَوْا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من الكفار، وأقوى آثاراً في الأرض أي حصونهم وقصورهم وعساكرهم، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم الله عاجلاً حتى إن هؤلاء الجاحدين من الكفار شاهدوا تلك الآثار فحذرهم الله من مثل ذلك وقال {أية : وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ}تفسير : [الرعد:34] أي لما نزل العذاب بهم لم يجدوا مُعِيناً يخلصهم. قوله "فَيَنْظُرُوا" يجوز أن يكون منصوباً في جواب الاستفهام، وأن يكون مجزوماً نَسَقاً على ما قبله كقوله: شعر : 4331ـ أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الرُّسُومُ ........................... تفسير : رواه بعضهم بالجزم، والنصب. قوله "مِنْهُمْ" قُوَّةً" قرأ ابن عامر "مِنْكُمْ" على سبيل الالتفات، وكذلك هو في مصاحفهم، والباقون "منهم" بضمير الغيبة جرياً على ما سبق من الضمائر الغائبة. قوله: "وَآثاراً" عطف على "قوة" وهو في قوة قوله "وَتَنْحتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ". وجعله الزمخشري منصوباً بمقدر، قال: أو أراد أكثر آثاراً كقوله: "مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً" (يعني وَمُعْتَقِلاً رُمْحاً)؟ ولا حاجة إلى هذا مع الاستغناء عنه. قوله "ذَلِكَ" أي ذلك العذاب الذي نزل بهم {بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} وهو مبالغة في التخويف والتحذير.

البقاعي

تفسير : ولما وعظهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم من الكفار، وختمه بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار، أتبعه الوعظ والتخويف بالمشاهدة من تتبع الديار والاعتبار، بما كان لهم فيها من عجائب الآثار، من الحصون والقصور وسائر الأبنية الصغار والكبار، فقال موبخاً ومقرراً عاطفاً على ما تقديره ألم يتعظوا بما أخبرناهم به من الظالمين الأولين من تبعهم من الإهلاك في الدنيا المتصل بالشقاء في الأخرى: {أو لم يسيروا} ولما كان المتقدمون من الكثرة والشدة والمكنة بحيث لا يعلمه إلا الله ولا يقدر آدمي على الإحاطة بمساكنهم، نبه عليه بقوله: {في الأرض} أي أي أرض ساروا فيها وعظتهم بما حوت من الأعلام. ولما كان السير سبباً للنظر قال: {فينظروا} أي نظر اعتبار كما هو شأن أرباب البصائر الذين يزعمون أنهم أعلاهم. ولما كانت الأحوال المنظور فيها المعتبر بها شديدة الغرابة، نبه عليها بقوله: {كيف} أي أنها أهل لأن يسأل عنها، ونبه على أن التصاقها بهم في غاية العراقة بحيث لا انفكاك لها بقوله: {كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين كانوا} أي سكاناً للأرض عريقين في عمارتها. ولما كان المنتفع بالوعظ يكفيه أدنى شيء منه، نبه على ذلك بالجار فقال: {من قبلهم} أي قبل زمانهم {كانوا} ولما كان السياق لمجادلة قريش لإدحاض الحق مع سماعهم لأخبار الأولين، كانوا كأنهم ادعوا أنهم أشد الناس، فاقتضى الحال تأكيد الخبر بأن الأولين أشد منهم، فأكدر أمرهم فيما نسبه إليهم معبراً بضمير الفصل بقوله: {هم} أي المتقدمون، لما لهم من القوى الظاهرة والباطنة. ولما كان مرجع المجادلة القوة لا الكثرة، وقال استئنافاً في جواب من لعله يقول: ما كان أمرهم؟: {أشد منهم} أي هؤلاء - قرأه ابن عامر {منكم} بالكاف كما هو في مصحف أهل الشام على الالتفات للتنصيص على المراد {قوة} أي ذواتاً ومعاني {و} أشد {آثاراً في الأرض} لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليها ألوف من السنين، وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن. ولما كانت قوتهم ومكنتهم سبباً لإعجابهم وتكبرهم على أمر ربهم ومخالفة رسله، فكان ذلك سبب هلاكهم قال: {فأخذهم الله} أي الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة، ولما لم يتقدم شيء يسند إليه أخذهم، قال مبيناً ما أخذوا به: {بذنوبهم} أي التي سببت لهم الأخذ ولم يغن عنهم شيء من ذلك الذي أبطرهم حتى عتوا به على ربهم ولا شفع فيهم شافع {وما كان لهم} أي من شركائهم الذين ضلوا بهم كهؤلاء ومن غيرهم {من الله} أي عوض المتصف بجميع صفات الكمال، أو كوناً مبتدئاً من جهة عظمته وجلاله، وأكد النفي بزيادة الجار فقال: {من واق *} أي يقيهم مراده سبحانه فيهم، لا من شركائهم ولا من غيرهم، فعلم أن الذين من دونه لا يقضون بشيء، ويجوز أن تكون "من" الأولى ابتدائية على بابها تنبيهاً على أن الأخذ في غاية العنف لأنه إذا لم يبتدئ من جهته سبحانه لهم وقاية لم تكن لهم باقية بخلاف من عاقبه الله عقوبة تأديب، فإن عذابه يكون سبب بقائه لما يحصل له منه سبحانه من الوقاية. ولما ذكر سبحانه أخذهم ذكر سببه بما حاصله أن الاستهانة بالرسول استهانة بمن أرسله في قوله: {ذلك} أي الأخذ العظيم ولما كان مقصود السورة تصنيف الناس في الآخرة صنفين، فكانوا إحدى عمدتي الكلام، أتى بضميرهم فقال: {بأنهم} أي الذين كانوا من قبل {كانت تأتيهم} أي شيئاً فشيئاً في الزمان الماضي على وجه قضاه سبحانه فأنفذه {رسلهم} أي الذين هم منهم {بالبينات} أي الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث لا يسع منصفاً إنكارها. ولما كان مطلق الكفر كافياً في العذاب، عبر بالماضي فقال: {فكفروا} أي سببوا عن إتيان الرسل عليهم الصلاة والسلام الكفر موضع ما كان إتيانهم سبباً له من الإيمان. ولما سبب لهم كفرهم الهلاك قال: {فأخذهم} أي أخذ غضب {الله} أي الملك الأعظم. ولما كان قوله {فكفروا} معلماً بسبب أخذهم لم يقل: بكفرهم، كما قال سابقاً: بذنوبهم، لإرشاد السباق إليه. ولما كان اجتراؤهم على العظائم فعل منكر للقدرة، قال مؤكداً لعملهم عمل من لا يخافه: {إنه قوي} لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {شديد العقاب *}. ولما كان ذلك عجباً لأن البينات تمنع من الكفر، فكان تقدير لمن ينكر الإرسال على هذه الصفة: فلقد أرسلناهم كذلك، وكان موسى عليه السلام من أجل المرسلين آيات، عطف على ذلك تسلية ونذارة لمن أدبر، وإشارة لمن استبصر قوله: {ولقد} ولفت القول إلى مظهر العظمة كما في الآيات التي أظهرها بحضرة هذا الملك المتعاظم من الهول والعظم الذي تصاغرت به نفسه وتحاقرت عنده همته وانطمس حسه، فقال: {أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة {موسى بآياتنا} أي الدالة على جلالنا {وسلطان} أي أمر قاهر عظيم جداً، لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه {مبين *} أي بين في نفسه مناد لكل من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر جداً، وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول ألى أذاه مع ما له من القوة والسلطان {إلى فرعون} أي ملك مصر. ولما كان الأكابر أول من يتوجه إليه الأمر لأن بانقيادهم ينقاد غيرهم قال: {وهامان} أي وزيره. ولما كان من أعجب العجب أن يكذب الرسول من جاء لنصرته واستنقاذه من شدته قال: {وقارون} أي قريب موسى عليه السلام {فقالوا} أي هؤلاء ومن تبعهم، أما من عدا قارون فأولاً وآخراً بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخراً بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن أولاً، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله في التيه، فدل ذلك على أنه لم يزل قائلاً به، لأنه لم يتب منه {ساحر} لعجزهم عن مقاهرته، ولم يقل، "سحار" لئلا يتوهم أحد أنه يمدحه بالبراعة في علم السحر فتتحرك الهمم للإقبال عليه للاستفادة منه, وهو خبر مبتدأ محذوف، ثم وصفوه بقولهم: {كذاب *} لخوفهم من تصديق الناس له، فبعث أخصّ عباده به إلى أخسّ عباده عنده ليقيم الحجة عليه، وأمهله عندما قابل بالتكذيب وحلم عنه حتى أعذر إليه غاية الإعذار. ولما أجمل أمره كله في هاتين الآيتين، شرع في تفصيله فقال مشيراً إلى مباردتهم إلى العناد من غير توقف أصلاً التي أشار إليها حذف المبتدأ والاقتصار على الخبر الذي هو محط الفائدة: {فلما جاءهم} أي موسى عليه السلام {بالحق} أي بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه, كائناً {من عندنا} على ما لنا من القهر، فآمن معه طائفة من قومه {قالوا} أي فرعون وأتباعه {اقتلوا} أي قتلاً حقيقياً بإزالة الروح {أبناء الذين آمنوا} أي به فكانوا {معه} أي خصوهم بذلك واتركوا من عداهم لعلهم يكذبونه {واستحيوا نساءهم} أي اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن. ولما كان هذا أمراً صاداً في العادة لمن يؤمن عن الإيمان وراداً لمن آمن إلى الكفران، أشار إلى أنه سبحان خرق العادة بإبطاله فقال: {وما} أي والحال أنه ما كيدهم - هكذا كان الأصل ولكنه قال: {كيد الكافرين} تعميماً وتعليقاً بالوصف {إلا في ضلال} أي مجانبة للسدد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولاً في الحذر من موسى عليه السلام ولا آخراً في صد من آمن به مرادهم، بل كان فيه تبارهم وهلاكهم، وكذا أفعال الفجرة مع أولياء الله، ما حفر أحد منهم لأحدم منهم حفرة مكر إلا أركبه الله فيها. ولما أخبر تعالى بفعله بمن تابع موسى عليه السلام، أخبر عن فعله معه بما علم به أنه عاجز فقال: {وقال فرعون} أي أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء أتباعه عندما علم أنه عاجز عن قتله وملاّه ما رأى منه خوفاً وذعراً، دافعاً عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك موسى عليه السلام مع استهانته به إلا عجزاً عنه، موهماً أن آله هم الذين يردونه عنه، وأنه لولا ذلك قتله: {ذروني} أي اتركوني على أيّ حالة كانت {أقتل موسى} وزاد في إيهام الأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء بالفضيحة بقوله: {وليدع ربه} أي الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه من هذه الخوارق، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً إعلاماً بأنه الأمر صعب جداً لأنه كان منهم من يوهي أمره بأنه لا يؤثر ما هو فيه شيئاً أصلاً تقرباً إلى فرعون، وإظهاراً للثبات على متابعته {إني أخاف} أي إن تركته {أن يبدل دينكم} أي الذي أنتم عليه من نسبة الفعل إلى الطبيعة بما يدعو إليه من عبادة إلهه. ولما ألهبهم بهذا الكلام إلى ممالأتهم له على موسى عليه السلام، زاد في ذلك بقوله: {وأن يظهر} أي بسببه - على قراءة الجماعة بفتح حرف المضارعة {في الأرض} أي كلها {الفساد *} وقرأ المدنيان والبصريان وحفص بالضم إسناداً إلى ضمير موسى عليه السلام وبنصب الفساد أي بفساد المعائش فإنه إذا غلب علينا قوي على من سوانا، فسفك الدماء وسبى الذرية، وانتهب الأموال، ففسدت الدنيا مع فساد الدين، فسمى اللعين الصلاح - لمخالفته لطريقته الفاسدة - فساداً كما هو شأن كل مفسد مع المصلحين، وقرأ الكوفيون ويعقوب "أو أن" بمعنى أنه يخاف وقوع أحد الأمرين: التبديل أو ظهور ما هو عليه مما سماه فساداً، وإن لم يحصل التبديل عاجلاً فإنه يحصل به الوهن.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وما كان لهم من الله من واق‏}‏ قال‏:‏ من واق يقيهم، ولا ينفعهم‏.

القشيري

تفسير : أو لم يسيروا في أقطار الأرض بنفوسهم، ويطوفوا مشارقها ومغاربها ليعتبروا بها فيزهدوا فيها؟ أو لم يسيروا بقلوبهم في الملكوت بجولان الفكر ليشهدوا أنوارَ التجلِّي فيستبصروا بها؟ أو لم يسيروا بأسرارهم في ساحات الصمدية ليستهلكوا في سلطان الحقائق، وليتخلَّصُوا من جميع المخلوقات قاصيها ودانيها؟

اسماعيل حقي

تفسير : {اولم يسيروا فى الارض} آياسفر نميكنند مشركان مكه درزمين شام ويمن براى تجارت {فينظروا} يجوز ان يكن منصوبا بالعطف على يسيروا وان يكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام {كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم} اى مآل حال من قبلهم من الامم المكذبة لرسلهم كعاد وثمود وأضرابهم وكانت ديارهم ممر تجار قريش {كانوا هم اشد منهم قوة} قدرة وتمكنا من التصرفات وانما جيىء بضمير الفصل مع أن حقه التوسط بين معرفتين كقوله اولئك هم المفلحون لمضاهاة افعل من للمعرفة فى امتناع دخول اللام عليه {وآثارا فى الارض} مثل القلاع الحصينة والمدن المتينة {فأخذهم الله بذنوبهم} عاقبهم واهلكهم بسبب كفرهم وتكذيبهم {وما كان لهم من الله} من عذاب الله {من واق} يقيهم ويحفظهم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {هم أشد}: ضمير فصل، وحقه أن يقع بين معرفتين، إلا أنَّ (أشد) لَمَّا ضارع المعرفة في كونه لا يدخله الألف واللام أجرى مجراها. يقول الحق جلّ جلاله: {أَوَلَمْ يسيروا في} أقطار {الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين كانوا من قبلهم} أي: مآل مَن قبلهم من الأمم المكذِّبة لرسلهم، كعاد، وثمود، وأضرابهم، {كانوا هم أشدَّ منهم قوةً} أي: قدرة وتمكُّناً من التصرف، {وآثاراً في الأرض}؛ وأشتد تأثيراً في الأرض، ببناء القلاع الحصينة، والمدائن المتينة. وقيل: المعنى: وأكثر آثاراً، أي: ترك آثار في الأرض، كالحصون وغيرها. {فأخَذَهم الله بذنوبهم} أخذاً وبيلاً، {وما كان لهم من الله من واقٍ} أي: لم يكن لهم شيء يقيهم من عذاب الله. {ذلك} الأخذ {بأنهم}؛ بسبب أنهم {كانت تأتيهم رُسُلُهم بالبينات}؛ بالمعجزات الدالة على صدقهم، أو: بالأحكام الظاهرة الجلية، {فكفروا فأخذهم الله إِنه قويٌّ}، متمكن مما يريد غاية التمكُّن، قادر على كل شيء، {شديدُ العقاب} لا يُؤبَه عند عقابه بعقاب. الإشارة: قال القشيري: أَوَلَمْ يسيروا بنفوسهم في أقطار الأرض، ويطوفوا مشارقَها ومغاربَها، فيعتبروا بها، فيزهدوا فيها؟ ويسيروا بقلوبهم في الملكوت بجَوَلان الفكر، فيشهدوا أنوار التجلي، فيستبصروا بها؟ ويسيروا بأسرارهم في ساحات الصمدية، فيُستهلكوا في سلطان الحقائق، ويتخلَّصُوا من جميع المخلوقات؛ قاصيها ودانيها؟ ثم قال: قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} ، إِنْ بغى من أهل السلوك، قاصدٌ لهم يصل إلى مقصوده، فَلْيَعلم أنَّ موجِبَ حجبته اعتراضٌ خَامَرَ قلبَه على بعض شيوخه، في بعض أوقاته، فإِنَّ الشيوخَ بمحلِّ السفير للمريدين، وفي الخبر: "الشيخ في أهله كالنبيِّ في أمته". هـ. ثم سلَّى نبيه بقصة موسى عليه السلام، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عباس {أشد منكم} بالكاف. الباقون بالهاء. قال ابو علي: من قرأ بالهاء فلأن ما قبله {أولم يسيروا} على ان لفظه لفظ الغيبة، فحمله على ذلك فقرأ {أشد منهم} ومن قرأ بالكاف انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كقوله {إياك نعبد} بعد قوله {الحمد لله} وحسن - هنا - لأنه خطاب لاهل مكة. يقول الله تعالى منبهاً لهؤلاء الكفار على النظر فى ما نزل بالماضين جزاء على كفرهم فيتعظوا بذلك وينتهوا عن مثل حالهم، فقال {أولم يسيروا في الأرض} والسير والمسير واحد، وهو الجواز في المواضع، يقال: سار يسير سيراً وسايره مسايرة وسيرة تسييراً، ومنه قوله {أية : السيارة} تفسير : والثياب المسيرة: التى فيها خطوط وقوله {فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم} أي يتكفروا فى عواقب الكفار من قوم عاد وقوم لوط، فيرون بلادهم هالكه وآثارهم دارسة ومنازلهم خالية بما حل بهم من عذاب الله ونكاله جزاء على جحودهم نعم الله واتخاذهم معه إلهاً غيره، وكان الأمم الماضية أشد قوة من هؤلاء. والقوة هي القدرة، ومنه قوله {أية : القوي العزيز} تفسير : وقد يعبر بالقوة عن الصلابة، فيقال: خشبة قويه وحبل قوي أي صلب، وأصله من قوى الحبل، وهو شدة الفتل ثم نقل إلى معنى القدرة، كما نقل (كبر) عن كبر الجثة إلى كبر الشأن، والأثر حدث يظهر به أمر، ومنه الآثار التي هي الاحاديث عمن تقدم بما تقدم بها من احوالهم وطرائقهم فى أمر الدنيا والدين. وقوله {فأخذهم الله بذنوبهم} ومعناه فأهلكهم الله جزاء على معاصيهم {وما كان لهم من الله من واق} في دفع العذاب عنهم ومنعهم من نزوله بهم - وهو قول قتادة -. ثم بين تعالى انه إنما فعل بهم ذلك لأنهم {جاءتهم رسلهم بالبينات} يعني بالمعجزات الظاهرات والدلالات الواضحات فكذبوهم وجحدوا رسالتهم فاستحقوا العذاب {فأخذهم الله بذنوبهم} أي اهلكهم الله جزاء على معاصيهم {إنه قوي شديد العقاب} أي قادر شديد عقابه. ثم ذكر قصة موسى عليه السلام فقال {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} أي بعثناه بحججنا وادلتنا {وسلطان مبين} أي حجة ظاهرة نحو قلب العصى حية وفلق البحر وغير ذلك {إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} يعني موسى. ثم قال تعالى {فلما جاءهم} يعني موسى عليه السلام {بالحق من عندنا قالوا} يعني فرعون وهامان وقارون {اقتلوا أبناء الذين آمنوا} بموسى ومن معه {واستحيوا نساءهم} أي استبقوهم، قال قتادة: كان هذا الامر بقتل الابناء والاستحياء للنساء امراً من فرعون بعد الامر الاول. وقيل استحياء نسائهم للمهنة. وقيل: معناه استحيوا نساءهم وقتلوا الابناء ليصدوهم بذلك عن اتباعه ويقطعوا عنه من يعلونه، وإنما ذكر قصة موسى ليصبر محمد صلى الله عليه وآله على قومه كما صبر موسى قبله. ثم اخبر تعالى ان ما فعله من قتل الرجال واستحياء النساء لم ينفعه وان كيده، وكيد الكافرين لا يكون الا في ضلال عن الحق واسم (كان) الاولى قوله {عاقبة} وخبرها (كيف) وانما قدم لان الاستفهام له صدر الكلام، واسم (كان) الثانية الضمير الذي دل عليه الواو، وخبره (من قبلهم)، واسم (كان) الثالثة الضمير، و (هم) فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين "وأشد" خبر (كان) الثالثة. فان قيل: الفصل لا يكون الا بين معرفتين (وأشد) نكرة كيف صار (هم) فصلا؟ قيل: ان (افعل) الذى معه (من) بمنزلة المضاف إلى المعرفة. قال الله تعالى {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً} كان خيرا خير في الاصل فحذفت الهمزة تخفيفاً.

الجنابذي

تفسير : {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ} فيشاهدوا آثار الماضين وآثار قضائه تعالى بالحقّ {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} كما أتيتهم بها {فَكَفَرُواْ} كما كفر هؤلاء {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فليحذر هؤلاء ممّا نزل بهم.

اطفيش

تفسير : {أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأَرْضِ} قال بعضهم الضمير لكفار قريش* {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ} خبر كان* {كَانَ عَاقِبَةُ} اسم كان ولم يقرن (كان) بالتاء لانه مؤنث مجازي ظاهر والجملة مفعول بنظر وانما أخرجه عن العمل في المفرد الى العمل في الجملة الاستفهام فذلك نوع من التعليق* {الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} المكذبين الرسل كعاد وثمود* {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} وقع ضمير الفصل بين معرفة ونكرة لان هذه النكرة وهي (أشد) شبيهة بالمعرفة لانها لا تدخلها (ال) لانها اسم تفضيل مجرد من (ال) والاضافة قاله ابن هشام وهو توكيد أو بدل من الواو وذلك قراءة غير أبى عمرو وقرأ هو (كانوا هم أشد منكم قوة) بالكاف وعليه مصاحف أهل الشام* {وَآثَاراً فِى الأَرْضِ} من مصانع وقصور وحصون وسلاح وما يوصف بالشدة من أثارهم فالقوة مسلطة على الأثار أو زاد وأكثر آثاراً كقوله (متقلد سيفاً ورمحاً) أي وماسك رمحاً* {فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي اهلكهم وذنوبهم تكذيب الرسل وقيل بالعموم وهو واضح* {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللهِ} متعلق بـ (واق)* {مِن وَاقٍ} من حافظ مانع من عذابه ساتر عنه فليعتبر العاقل بغيره فان الذين مضوا من الكفار أشد قوة من هؤلاء المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تنفعهم قوتهم*

اطفيش

تفسير : {أو لَمْ يَسيرُوا في الأرض فينْظُرُوا كَيف كانَ عاقبة الَّذينَ كانُوا من قَبْلهم} كيف حال المكذبين قبلهم كعاد وثمود، وينظروا مجزوم بالعطف على يسيروا أو منصوب فى جواب نفى النفى، لأن الاستفهام انكار، والانكار بفى دخل على نفى {كانُوا هُم} توكيد للواو، ومثل هذا من باب التوكيد اللفظى، ولو اختلف اللفظان قليلا، ولو لم يكن بين معرفتين، والغالب كونه بينهما، ويتقوى هنا باسم التفضيل بعده، مقرونا بمن التفضيلية، كأنها عوض عن أل اذ لا يقرن بأل معها {أشدَّ منْهُم قوَّةً} كبار الأجسام صحيحها، قادرين بها على التصرفات العظيمة. {وآثاراً فى الأرض} كالقرى والمدن، وكانوا ينحتون الجبال بيوتا، وقيل: الآثار آثار أقدامهم فى الأرض، وهو قول ضعيف، اذ لا يبقى الى زمان الآية {فأخَذَهُم الله بذُنُوبهِم} الفاء بمعنى الواو، أو للترتيب الذكرى، ولا تفريع لها الا إن كان العطف على محذوف، أى كفروا أو كذبوا، فأخذهم، ولا تسبب لها لئلا تتكرر مع تسبب الباء بعدها. {وما كانَ لَهُم مِن الله} متعلق بما بعده على حذف مضاف، أى من عذاب الله تعالى، ويجوز أن لا يقدر كأنه قيل هم فى قبضته يفعل فيهم ما يشاء، أو بمحذوف حال من واق، قدم بطريق الاهتمام وللفاصلة، أو متعلقة بلهم، أو متعلقة، والمعنى بدلا من الله {مِنْ} صلة {وَاقٍ} مانع لا قدرة لشركائهم على المنع.

الالوسي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ } أي مآل حال الذين كذبوا الرسل عليهم السلام قبلهم كعاد وثمود. و {يَنظُرُواْ } مجزوم على أنه معطوف على {يَسِيرُواْ }، وجوز أبو حيان كونه منصوباً في جواب النفي كما في قوله: شعر : ألم تسأل فتخبرك الرسوم تفسير : وتعقب بأنه لا يصح تقديره بأن لم يسيروا ينظروا. وأجيب بأن الاستفهام إنكاري وهو في معنى النفي. فيكون جواب نفي النفي {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } قدرة وتمكناً من التصرفات، والضمير المنفصل تأكيد للمضير المتصل قبله، وجوز كونه ضمير فصل ولا يتعين وقوعه بين معرفتين فقد أجاز الجرجاني وقوع المضارع بعده كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ }تفسير : [البروج: 13] نعم الأصل الأكثر فيه ذلك، على أن أفعل التفضيل الواقع بعده من الداخلة على المفضل عليه مضارع للمعرفة لفظاً في عدم دخول أل عليه ومعنى لأن المراد به الأفضل باعتبار أفضلية معينة. / وجملة {كَانُواْ } الخ مستأنفة في جواب كيف صارت أمورهم. وقرأ ابن عامر {مّنكُمْ} بضمير الخطاب على الالتفات. {وَءاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ } عطف على {قُوَّةً} أي وأشد آثاراً في الأرض مثل القلاع المحكمة والمدائن الحصينة، وقد حكى الله تعالى عن قوم منهم أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً. وجوز كونه عطفاً على {أَشَدَّ } بتقدير محذوف أي وأكثر آثاراً فتشمل الآثار القوية وغيرها، وهو ارتكاب خلاف المتبادر من غير حاجة يعتد بها، وقيل: المراد بهذه الآثار آثار أقدامهم في الأرض لعظم أجرامهم وليس بشيء أصلاً. {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } أي وليس لهم واق من الله تعالى يقيهم ويمنع عنهم عذابه تعالى أبداً، فكان للاستمرار والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار، و(من) الثانية زائدة و(من) الأولى متعلقة بواق، وقدم الجار والمجرور للاهتمام والفاصلة لأن اسم الله تعالى قيل: لم يقع مقطعاً للفواصل. وجوز أن تكون (من) الأولى للبدلية أي ما كان لهم بدلاً من المتصف بصفات الكمال واق وأريد بذلك شركاؤهم، وأن تكون ابتدائية تنبيهاً على أن الأخذ في غاية العنف لأنه إذا لم يبتدىء من جهته سبحانه واقية لم يكن لهم باقية.

سيد قطب

تفسير : سبق أن أجملنا موضوع هذا الشوط من السورة. وقبل الاستعراض التفصيلي له نلاحظ أن هذه الحلقة من القصة تجيء هنا متمشية بموضوعها مع موضوع السورة، ومتمشية بطريقة التعبير فيها ـ وأحياناً بعباراتها ذاتها ـ مع طريقة التعبير في السورة كذلك، وتكرر بعض عباراتها.. وعلى لسان الرجل المؤمن من آل فرعون ترد معان وتعبيرات وردت من قبل في السورة. فهو يذكر فرعون وهامان وقارون بأنهم يتقلبون في البلاد، ويحذرهم يوماً مثل يوم الأحزاب، كما يحذرهم يوم القيامة الذي عرضت مشاهده في مطالع السورة كذلك. ويتحدث عن الذين يجادلون في آيات الله ومقت الله لهم ومقت المؤمنين كما جاء ذلك في الشوط الأول. ثم يعرض السياق مشهدهم في النار أذلاء ضارعين يدعون فلا يستجاب لهم، كما عرض مشهد أمثالهم من قبل في السورة. وهكذا وهكذا مما يوحي بأن منطق الإيمان ومنطق المؤمنين واحد، لأنه يستمد من الحق الواحد. ومما ينسق جو السورة، ويجعل لها "شخصية" موحدة الملامح. وهي الظاهرة الملحوظة في كل سور القرآن. {أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض، فأخذهم الله بذنوبهم. وما كان لهم من الله من واق. ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات، فكفروا، فأخذهم الله، إنه قوي شديد العقاب}.. هذا المعبر بين قصة موسى ـ عليه السلام ـ وموضوع السورة قبلها يذكر المجادلين في آيات الله من مشركي العرب بعبرة التاريخ قبلهم؛ ويوجههم إلى السير إلى الأرض، ورؤية مصارع الغابرين، الذين وقفوا موقفهم. وكانوا أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض. ولكنهم ـ مع هذه القوة والعمارة ـ كانوا ضعافاً أمام بأس الله. وكانت ذنوبهم تعزلهم عن مصدر القوة الحقيقية، وتستعدي عليهم قوى الإيمان ومعها قوة الله العزيز القهار: {فأخذهم الله بذنوبهم. وما كان لهم من الله من واق}.. ولا واقي إلا الإيمان والعمل الصالح والوقوف في جبهة الإيمان والحق والصلاح. فأما التكذيب بالرسل وبالبينات فنهايته إلى الدمار والنكال: {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات، فكفروا، فأخذهم الله، إنه قوي شديد العقاب}.. وبعد هذه الإشارة الكلية المجملة يبدأ في عرض نموذج من نماذج الذين كانوا من قبلهم، وكانوا أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض. فأخذهم الله بذنوبهم. وهم فرعون وقارون وهامان. ومن معهم من المتجبرين الطغاة. وتنقسم هذه الحلقة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ إلى مواقف ومناظر، تبدأ من موقف عرض الرسالة على فرعون وملئه. وتنتهي هنالك في الآخرة، وهم يتحاجون في النار. وهي رحلة مديدة. ولكن السياق يختار "لقطات" معينة من هذه الرحلة، هي التي تؤدي الغرض من هذه الحلقة في هذه السورة بالذات: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وهامان وقارون، فقالوا: ساحر كذاب}.. هذا هو موقف اللقاء الأول. موسى ومعه آيات الله، ومعه الهيبة المستمدة من الحق الذي بيده. وفرعون وهامان وقارون. ومعهم باطلهم الزائف وقوتهم الظاهرة ومركزهم الذي يخافون عليه من مواجهة الحق ذي السلطان.. عندئذ لجأوا إلى الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق: {فقالوا: ساحر كذاب}.. ويجمل السياق تفصيل ما حدث بعد هذا الجدال، ويطوي موقف المباراة مع السحرة، وإيمانهم بالحق الذي غلب باطلهم ولقف ما يأفكون. ويعرض الموقف الذي تلا هذه الأحداث: {فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا: اقتلوا أبناء الذين آمنوا واستحيوا نساءهم}. ويعقب عليه قبل أن تكمل الآية: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال}.. إنه منطق الطغيان الغليظ، كلما أعوزته الحجة، وخذله البرهان، وخاف أن يستعلي الحق، بما فيه من قوة وفصاحة ووضوح، وهو يخاطب الفطرة فتصغي له وتستجيب. كما استجاب السحرة الذين جيء بهم ليغلبوا موسى وما معه، فانقلبوا أول المؤمنين بالحق في مواجهة فرعون الجبار. فأما فرعون وهامان وقارون فقالوا: {اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم}.. ولقد كان فرعون ـ في أيام مولد موسى ـ قد أصدر مثل هذا الأمر. وهناك أحد احتمالين فيما حدث بعد ذلك الأمر الأول.. الاحتمال الأول أن فرعون الذي أصدر ذلك الأمر كان قد مات وخلفه ابنه أو ولي عهده، ولم يكن الأمر منفذاً في العهد الجديد، حتى جاء موسى وواجه الفرعون الجديد، الذي كان يعرفه وهو ولي للعهد، ويعرف تربيته في القصر، ويعرف الأمر الأول بتذبيح الذكور وترك الإناث من بني إسرائيل. فحاشيته تشير إلى هذا الأمر، وتوحي بتخصيصه بمن آمنوا بموسى، سواء كانوا من السحرة أو من بني إسرائيل القلائل الذين استجابوا له على خوف من فرعون وملئه.. والاحتمال الثاني: أنه كان فرعون الأول الذي تبنى موسى، ما يزال على عرشه. وقد تراخى تنفيذ الأمر الأول بعد فترة أو وقف العمل به بعد زوال حدته. فالحاشية تشير بتجديده، وتخص به الذين آمنوا مع موسى وحدهم للإرهاب والتخويف. فأما فرعون فكان له فيما يبدو رأي آخر، أو اقتراح إضافي في أثناء التآمر. ذلك أن يتخلص من موسى نفسه. فيستريح! {وقال فرعون: ذورني أقتل موسى، وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم، أو أن يظهر في الأرض الفساد}.. ويبدو من قوله: {ذروني أقتل موسى}.. أن رأيه هذا كان يجد ممانعة ومعارضة ـ من ناحية الرأي ـ كأن يقال مثلاً: إن قتل موسى لا ينهي الإشكال. فقد يوحي هذا للجماهير بتقديسه واعتباره شهيداً، والحماسة الشعورية له وللدين الذي جاء به، وبخاصة بعد إيمان السحرة في مشهد شعبي جامع، وإعلانهم سبب إيمانهم، وهم الذين جيء بهم ليبطلوا عمله ويناوئوه.. وقد يكون بعض مستشاري الملك أحس في نفسه رهبة أن ينتقم إله موسى له، ويبطش بهم. وليس هذا ببعيد، فقد كان الوثنيون يعتقدون بتعدد الآلهة، ويتصورون بسهولة أن يكون لموسى إله ينتقم له ممن يعتدون عليه! ويكون قول فرعون: {وليدع ربه}.. رداً على هذا التلويح! وإن كان لا يبعد أن هذه الكلمة الفاجرة من فرعون، كانت تبجحاً واستهتاراً، لقي جزاءه في نهاية المطاف كما سيجيء. ولعله من الطريف أن نقف أمام حجة فرعون في قتل موسى: {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد}.. فهل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال الوثني، عن موسى رسول الله - عليه السلام - {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد}؟!! أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ؟ إنه منطق واحد. يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر. والصلاح والطغيان على توالي الزمان واختلاف المكان. والقصة قديمة مكررة تعرض بين الحين والحين. فأما موسى ـ عليه السلام ـ فالتجأ إلى الركن الركين والحصن الحصين، ولاذ بالجناب الذي يحمي اللائذين، ويجير المستجيرين: {وقال موسى: إني عذب بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب}.. قالها. واطمأن. وسلم أمره إلى المستعلي على كل متكبر، القاهر لكل متجبر، القادر على حماية العائذين به من المستكبرين. وأشار إلى وحدانية الله ربه وربهم لم ينسها أو يتركها أمام التهديد والوعيد. كما أشار إلى عدم الإيمان بيوم الحساب. فما يتكبر متكبر وهو يؤمن بيوم الحساب، وهو يتصور موقفه يومئذ حاسراً خاشعاً خاضعاً ذليلاً، مجرداً من كل قوة، ما له من حميم ولا شفيع يطاع. هنا انتدب رجل من آل فرعون، وقع الحق في قلبه، ولكنه كتم إيمانه. انتدب يدفع عن موسى، ويحتال لدفع القوم عنه، ويسلك في خطابه لفرعون وملئه مسالك شتى، ويتدسس إلى قلوبهم بالنصيحة ويثير حساسيتها بالتخويف والإقناع: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ وإن يك كاذباً فعليه كذبه، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب. يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا؟ قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. وقال الذي آمن: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، وما الله يريد ظلماً للعباد. ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم، ومن يضلل الله فما له من هاد. ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات؛ فما زلتم في شك مما جاءكم به، حتى إذا هلك قلتم: لن يبعث الله من بعده رسولاً. كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب. الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار}.. إنها جولة ضخمة هذه التي جالها الرجل المؤمن مع المتآمرين من فرعون وملئه. وإنه منطق الفطرة المؤمنة في حذر ومهارة وقوة كذلك. إنه يبدأ بتفظيع ما هم مقدمون عليه: {أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله}.. فهل هذه الكلمة البريئة المتعلقة باعتقاد قلب، واقتناع نفس، تستحق القتل، ويرد عليها بإزهاق روح؟ إنها في هذه الصورة فعلة منكرة بشعة ظاهرة القبح والبشاعة. ثم يخطو بهم خطوة أخرى. فالذي يقول هذه الكلمة البريئة: {ربي الله}.. يقولها ومعه حجته، وفي يده برهانه: {وقد جاءكم بالبينات من ربكم}.. يشير إلى تلك الآيات التي عرضها موسى ـ عليه السلام ـ ورأوها، وهم ـ فيما بينهم وبعيداً عن الجماهير ـ يصعب أن يماروا فيها! ثم يفرض لهم أسوأ الفروض؛ ويقف معهم موقف المنصف أمام القضية؛ تمشياً مع أقصى فرض يمكن أن يتخذوه: {وإن يك كاذباً فعليه كذبه}.. وهو يحمل تبعة عمله، ويلقى جزاءه، ويحتمل جريرته. وليس هذا بمسوغ لهم أن يقتلوه على أية حال! وهناك الاحتمال الآخر، وهو أن يكون صادقاً. فيحسن الاحتياط لهذا الاحتمال، وعدم التعرض لنتائجه: {وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم}.. وإصابتهم ببعض الذي يعدهم هو كذلك أقل احتمال في القضية، فهو لا يطلب إليهم أكثر منه. وهذا منتهى الإنصاف في الجدل والإفحام. ثم يهددهم من طرف خفي، وهو يقول كلاماً ينطبق على موسى كما ينطبق عليهم: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب}.. فإذا كان موسى فإن الله لا يهديه ولا يوفقه، فدعوه له يلاقي منه جزاءه. واحذروا أن تكونوا أنتم الذين تكذبون على موسى وربه وتسرفون، فيصيبكم هذا المآل! وحين يصل بهم إلى فعل الله بمن هو مسرف كذاب، يهجم عليهم مخوفاً بعقاب الله، محذراً من بأسه الذي لا ينجيهم منه ما هم فيه من ملك وسلطان، مذكراً إياهم بهذه النعمة التي تستحق الشكران لا الكفران: {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض. فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا؟}.. إن الرجل يشعر بما يشعر به القلب المؤمن، من أن بأس الله أقرب ما يكون لأصحاب الملك والسلطان في الأرض؛ فهم أحق الناس بأن يحذروه، وأجدر الناس بأن يحسوه ويتقوه، وأن يبيتوا منه على وجل، فهو يتربص بهم في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ومن ثم يذكرهم بما هم فيه من الملك والسلطان، وهو يشير إلى هذا المعنى المستقر في حسه البصير. ثم يجمل نفسه فيهم وهو يذكرهم ببأس الله: {فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا؟} ليشعرهم أن أمرهم يهمه، فهو واحد منهم، ينتظر مصيره معهم؛ وهو إذن ناصح لهم مشفق عليهم، لعل هذا أن يجعلهم ينظرون إلى تحذيره باهتمام، ويأخذونه مأخذ البراءة والإخلاص. وهو يحاول أن يشعرهم أن بأس الله إن جاء فلا ناصر منه ولا مجير عليه، وأنهم إزاءه ضعاف ضعاف. هنا يأخذ فرعون ما يأخذ كل طاغية توجه إليه النصيحة. تأخذه العزة بالإثم. ويرى في النصح الخالص افتياتاً على سلطانه، ونقصاً من نفوذه، ومشاركة له في النفوذ والسلطان: {قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}.. إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صواباً، وأعتقده نافعاً. وإنه لهو الصواب والرشد بلا شك ولا جدال! وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب؟! وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون؟! وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأياً؟ وإلا فلم كانوا طغاة؟! ولكن الرجل المؤمن يجد من إيمانه غير هذا؛ ويجد أن عليه واجباً أن يحذر وينصح ويبدي من الرأي ما يراه. ويرى من الواجب عليه أن يقف إلى جوار الحق الذي يعتقده كائناً ما كان رأي الطغاة. ثم هو يطرق قلوبهم بإيقاع آخر لعلها تحس وتستيقظ وترتعش وتلين. يطرق قلوبهم بلفتها على مصارع الأحزاب قبلهم. وهي شاهدة ببأس الله في أخذ المكذبين والطغاة: {وقال الذي آمن: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم. وما الله يريد ظلماً للعباد}.. ولكل حزب كان يوم. ولكن الرجل المؤمن يجمعها في يوم واحد: {مثل يوم الأحزاب} فهو اليوم الذي يتجلى فيه بأس الله. وهو يوم واحد في طبيعته على تفرق الأحزاب.. {وما الله يريد ظلماً للعباد} إنما يأخذهم بذنوبهم، ويصلح من حولهم ومن بعدهم بأخذهم بأيام الله. ثم يطرق على قلوبهم طرقة أخرى، وهو يذكرهم بيوم آخر من أيام الله. يوم القيامة. يوم التنادي: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم. ومن يضلل الله فما له من هاد}.. وفي ذلك اليوم ينادي الملائكة الذين يحشرون الناس للموقف. وينادي أصحاب الأعراف على أصحاب الجنة وأصحاب النار. وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة.. فالتنادي واقع في صور شتى. وتسميته {يوم التناد} تلقي عليه ظل التصايح وتناوح الأصوات من هنا ومن هناك، وتصور يوم زحام وخصام. وتتفق كذلك مع قول الرجل المؤمن: {يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم}.. وقد يكون ذلك فرارهم عند هول جهنم، أو محاولتهم الفرار. ولا عاصم يومئذ ولات حين فرار. وصورة الفزع والفرار هي أولى الصور هنا للمستكبرين المتجبرين في الأرض، أصحاب الجاه والسلطان! {ومن يضلل الله فما له من هاد}.. ولعل فيها إشارة خفية إلى قولة فرعون: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}.. وتلميحاً بأن الهدى هدى الله. وأن من أضله فلا هادي له. والله يعلم من حال الناس وحقيقتهم من يستحق الهدى ومن يستحق الضلال. وأخيراً يذكرهم بموقفهم من يوسف، ومن ذريته كان موسى ـ عليهما السلام ـ وكيف وقفوا موقف الشك من رسالته وما جاءهم به من الآيات، فلا يكرروا الموقف من موسى، وهو يصدق ما جاءهم به يوسف، فكانوا منه في شك وارتياب. ويكذب ما جزموا به من أن الله لن يبعث من بعده رسولاً، وها هو ذا موسى يجيء على فترة من يوسف ويكذب هذا المقال: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات، فما زلتم في شك مما جاءكم به، حتى إذا هلك قلتم: لن يبعث الله من بعده رسولاً. كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب. الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم. كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا. كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار}.. وهذه هي المرة الوحيدة في القرآن التي يشار فيها إلى رسالة يوسف ـ عليه السلام ـ للقوم في مصر. وقد عرفنا من سورة يوسف، أنه كان قد وصل إلى أن يكون على خزائن الأرض، المتصرف فيها. وأنه أصبح "عزيز مصر" وهو لقب قد يكون لكبير وزراء مصر. وفي السورة كذلك ما قد يؤخذ منه أنه جلس على عرش مصر ـ وإن لم يكن ذلك مؤكداً ـ وذلك قوله: {أية : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً }.. تفسير : وقد يكون العرش الذي رفع عليه أبويه شيئاً آخر غير عرش المملكة المصرية الفرعونية. وعلى أية حال فقد وصل يوسف إلى مكان الحكم والسلطان. ومن ثم نملك أن نتصور الحالة التي يشير إليها الرجل المؤمن. حالة شكهم فيما جاءهم به يوسف من قبل، مع مصانعة يوسف صاحب السلطان وعدم الجهر بتكذيبه وهو في هذا المكان! {حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً}.. وكأنما استراحوا لموته، فراحوا يظهرون ارتياحهم في هذه الصورة، ورغبتهم عما جاءهم به من التوحيد الخالص، الذي يبدو مما تكلم به في سجنه مع صاحبي السجن: {أية : أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}.. تفسير : فزعموا أن لن يجيئهم من بعده رسول، لأن هذه كانت رغبتهم. وكثيراً ما يرغب المرء في شيء ثم يصدق تحققه، لأن تحققه يلبي هذه الرغبة! والرجل المؤمن يشتد هنا وهو يشير إلى هذا الارتياب والإسراف في التكذيب فيقول: {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب}.. فينذرهم بإضلال الله الذي ينتظر كل مسرف مرتاب في عقيدته وقد جاءته معها البينات. ثم يشتد في مواجهتهم بمقت الله ومقت المؤمنين لمن يجادل في آيات الله بغير حجة ولا برهان. وهم يفعلون هذا في أبشع صورة. ويندد بالتكبر والتجبر، وينذر بطمس الله لقلوب المتكبرين المتجبرين! {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا. كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار}.. والتعبير على لسان الرجل المؤمن يكاد يكون طبق الأصل من التعبير المباشر في مطالع السورة. المقت للمجادلين في آيات الله بغير برهان، والإضلال للمتكبرين المتجبرين حتى ما يبقى في قلوبهم موضع للهدى، ولا منفذ للإدراك. وعلى الرغم من هذه الجولة الضخمة التي أخذ الرجل المؤمن قلوبهم بها؛ فقد ظل فرعون في ضلاله، مصراً على التنكر للحق. ولكنه تظاهر بأنه آخذ في التحقق من دعوى موسى. ويبدو أن منطق الرجل المؤمن وحجته كانت من شدة الوقع بحيث لم يستطع فرعون ومن معه تجاهلها. فاتخذ فرعون لنفسه مهرباً جديداً: {وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى. وإني لأظنه كاذباً. وكذلك زين لفرعون سوء عمله، وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب}.. يا هامان ابن لي بناء عالياً لعلي أبلغ به أسباب السماوات، لأنظر وأبحث عن إله موسى هناك {وإني لأظنه كاذباً}.. هكذا يموه فرعون الطاغية ويحاور ويداور، كي لا يواجه الحق جهرة، ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهز عرشه، وتهدد الأساطير التي قام عليها ملكه. وبعيد عن الاحتمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه. وبعيد أن يكون جاداً في البحث عن إله موسى على هذا النحو المادي الساذج. وقد بلغ فراعنة مصر من الثقافة حداً يبعد معه هذا التصور. إنما هو الاستهتار والسخرية من جهة. والتظاهر بالإنصاف والتثبت من جهة أخرى. وربما كانت هذه خطة للتراجع أمام مطارق المنطق المؤمن في حديث الرجل المؤمن! وكل هذه الفروض تدل على إصراره على ضلاله، وتبجحه في جحوده: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله، وصد عن السبيل}.. وهو مستحق لأن يصد عن السبيل، بهذا المراء الذي يميل عن الاستقامة وينحرف عن السبيل. ويعقب السياق على هذا المكر والكيد بأنه صائر إلى الخيبة والدمار: {وما كيد فرعون إلا في تباب}.. وأمام هذه المراوغة، وهذا الاستهتار، وهذا الإصرار ألقى الرجل المؤمن كلمته الأخيرة مدوية صريحة، بعدما دعا القوم إلى اتباعه في الطريق إلى الله، وهو طريق الرشاد. وكشف لهم عن قيمة هذه الحياة الزائلة؛ وشوقهم إلى نعيم الحياة الباقية؛ وحذرهم عذاب الآخرة؛ وبين لهم ما في عقيدة الشرك من زيف ومن بطلان: {وقال الذي آمن: يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هي دار القرار. من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم، وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار. لا جرم أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، وأن مردنا إلى الله، وأن المسرفين هم أصحاب النار. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله. إن الله بصير بالعباد}.. إنها الحقائق التي تقررت من قبل في صدر السورة، يعود الرجل فيقررها في مواجهة فرعون وملئه. إنه يقول في مواجهة فرعون: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد}.. وقد كان فرعون منذ لحظات يقول: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} فهو التحدي الصريح الواضح بكلمة الحق لا يخشى فيها سلطان فرعون الجبار، ولا ملأه المتآمرين معه من أمثال هامان وقارون. وزيري فرعون فيما يقال. ويكشف لهم عن حقيقة الحياة الدنيا: {إنما هذه الحياة الدنيا متاع}.. متاع زائل لا ثبات له ولا دوام. {وإن الآخرة هي دار القرار}.. فهي الأصل وإليها النظر والاعتبار. ويقرر لهم قاعدة الحساب والجزاء في دار القرار: {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها. ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب}.. فقد اقتضى فضل الله أن تضاعف الحسنات ولا تضاعف السيئات، رحمة من الله بعباده، وتقديراً لضعفهم، وللجواذب والموانع لهم في طريق الخير والاستقامة، فضاعف لهم الحسنات، وجعلها كفارة للسيئات. فإذا هم وصلوا إلى الجنة بعد الحساب، رزقهم الله فيها بغير حساب. ويستنكر الرجل المؤمن أن يدعوهم إلى النجاة فيدعونه إلى النار، فيهتف بهم في استنكار: {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار؟}.. وهم لم يدعوه إلى النار. إنما دعوه إلى الشرك. وما الفرق بين الدعوة إلى الشرك والدعوة إلى النار؟ إنها قريب من قريب. فهو يبدل الدعوة بالدعوة في تعبيره في الآية التالية: {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم. وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار}.. وشتان بين دعوة ودعوة. إن دعوته لهم واضحة مستقمية. إنه يدعوهم إلى العزيز الغفار. يدعوهم إلى إله واحد تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره. يدعوهم إليه ليغفر لهم وهو القادر على أن يغفر، الذي تفضل بالغفران: {العزيز الغفار}.. فإلى أي شيء يدعونه؟ يدعونه للكفر بالله. عن طريق إشراك ما لا علم له به من مدعيات وأوهام وألغاز! ويقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم شأن لا في دنيا ولا في آخرة، وأن المرد لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار: {لا جرم أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة. وأن مردنا إلى الله. وأن المسرفين هم أصحاب النار}. وماذا يبقى بعد هذا البيان الواضح الشامل للحقائق الرئيسية في العقيدة؟ وقد جهر بها الرجل في مواجهة فرعون وملئه بلا تردد ولا تلعثم، بعدما كان يكتم إيمانه، فأعلن عنه هذا الإعلان؟ لا يبقى إلا أن يفوض أمره إلى الله. وقد قال كلمة وأراح ضميره، مهدداً إياهم بأنهم سيذكرون كلمته هذه في موقف لا تنفع فيه الذكرى. والأمر كله إلى الله: {فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد}.. وينتهي الجدل والحوار. وقد سجل مؤمن آل فرعون كلمته الحق خالدة في ضمير الزمان. ويجمل السياق حلقات القصة بعد هذا. وما كان بين موسى وفرعون وبني إسرائيل. إلى موقف الغرق والنجاة: ويقف ليسجل "لقطات" بعد هذا الموقف الأخير. وبعد الحياة: {فوقاه الله سيئات ما مكروا، وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدوا وعشياً، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}. {وإذ يتحاجون في النار، فيقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً، فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟ قال الذين استكبروا: إنا كل فيها، إن الله قد حكم بين العباد. وقال الذين في النار لخزنة جهنم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب. قالوا: أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى. قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}.. لقد طويت الدنيا، وعرضت أول صفحة بعدها. فإذا الرجل المؤمن الذي قال كلمة الحق ومضى، قد وقاه الله سيئات مكر فرعون وملئه، فلم يصبه من آثارها شيء في الدنيا، ولا فيما بعدها أيضاً. بينما حاق بآل فرعون سوء العذاب: {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً. ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}. والنص يلهم أن عرضهم على النار غدواً وعشياً، هو في الفترة من بعد الموت إلى قيام الساعة. وقد يكون هذا هو عذاب القبر. إذ أنه يقول بعد هذا: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}.. فهو إذن عذاب قبل يوم القيامة. وهو عذاب سيء. عرض على النار في الصباح وفي المساء. إما للتعذيب برؤيتها وتوقع لذعها وحرها ـ وهو عذاب شديد ـ وإما لمزاولتها فعلاً. فكثيراً ما يستعمل لفظ العرض للمس والمزاولة. وهذه أدهى.. ثم إذا كان يوم القيامة أدخلوا أشد العذاب! فأما في الآية التالية فقد كانت القيامة فعلاً، والسياق يلتقط لهم موقفاً في النار! وهم يتحاجون فيها: {فيقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً. فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟}. إن الضعفاء إذن في النار مع الذين استكبروا. لم يشفع لهم أنهم كانوا ذيولاً وإمعات! ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنماً تساق! لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار! لقد منحهم الله الكرامة. كرامة الإنسانية. وكرامة التبعة الفردية. وكرامة الاختيار والحرية. ولكنهم هم تنازلوا عن هذا جميعاً. تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والملأ والحاشية. لم يقولوا لهم: لا. بل لم يفكروا أن يقولوها. بل لم يفكروا أن يتدبروا ما يقولونه لهم وما يقودونهم إليه من ضلال.. {إنا كنا لكم تبعاً}.. وما كان تنازلهم عما وهبهم الله واتباعهم الكبراء ليكون شفيعاً لهم عند الله. فهم في النار. ساقهم إليها قادتهم كما كانوا يسوقونهم في الحياة. سوق الشياه! ثم ها هم أولاء يسألون كبراءهم: {فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟}.. كما كانوا يوهمونهم في الأرض أنهم يقودونهم في طريق الرشاد، وأنهم يحمونهم من الفساد، وأنهم يمنعونهم من الشر والضر وكيد الأعداء! فأما الذين استكبروا فيضيقون صدراً بالذين استضعفوا، ويجيبونهم في ضيق وبرم وملالة. وفي إقرار بعد الاستكبار: {قال الذين استكبروا: إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد}.. {إنا كل فيها}.. إنا كل ضعاف لا نجد ناصراً ولا معيناً. إنا كل في هذا الكرب والضيق سواء. فما سؤالكم لنا وأنتم ترون الكبراء والضعاف سواء؟ {إن الله قد حكم بين العباد}.. فلا مجال لمراجعة في الحكم، ولا مجال لتغيير فيه أو تعديل. وقد قضي الأمر، وما من أحد من العباد يخفف شيئاً من حكم الله. وحين أدرك هؤلاء وهؤلاء أن لا ملجأ من الله إلا إليه، اتجه هؤلاء وهؤلاء لخزنة جهنم في ذلة تعم الجميع، وفي ضراعة تسوي هؤلاء بهؤلاء: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب}.. إنهم يستشفعون حراس جهنم، ليدعوا ربهم. في رجاء يكشف عن شدة البلاء: {ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب}.. يوماً. يوماً فقط. يوماً يلقطون فيه أنفاسهم ويستريحون. فيوم واحد يستحق الشفاعة واللهفة والدعاء. ولكن خزنة جهنم لا يستجيبون لهذه الضراعة البائسة الذليلة الملهوفة. فهم يعرفون الأصول. ويعرفون سنة الله، ويعرفون أن الأوان قد فات. وهم لهذا يزيدون المعذبين عذاباً بتأنيبهم وتذكيرهم بسبب هذا العذاب: {قالوا: أو لم تك تأتيكم بالبينات؟.. قالوا: بلى}. وفي السؤال وفي جوابه ما يغني عن كل حوار. وعندئذ نفض الخزنة أيديهم منهم، وأسلموهم إلى اليأس مع السخرية والاستهتار: {قالوا: فادعوا}.. إن كان الدعاء يغير من حالكم شيئاً، فتولوا أنتم الدعاء. وتعقب الآية قبل تمامها على هذا الدعاء: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}.. لا يبلغ. ولا يصل. ولا ينتهي إلى جواب. إنما هو الإهمال والازدراء للكبراء والضعفاء سواء. عند هذا الموقف الحاسم يجيء التعقيب الأخير على الحلقة كلها، وعلى ما تقدمها من الإشارة إلى الأحزاب التي تعرضت لبأس الله، بعد التكذيب والاستكبار. {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب. فاصبر إن وعد الله حق. واستغفر لذنبك، وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار}.. هذا التعقيب الجازم، يناسب ذلك الموقف الحاسم. ولقد اطلعت منه البشرية على مثل من نهاية الحق والباطل. نهايتهما في هذه الأرض ونهايتهما كذلك في الآخرة. ورأت كيف كان مصير فرعون وملئه في الحياة الدنيا، كما رأوهم يتحاجون في النار، وينتهون إلى إهمال وصغار. وذلك هو الشأن في كل قضية كما يقرر القرآن: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار}.. فأما في الآخرة فقد لا يجادل أحد من المؤمنين بالآخرة في هذه النهاية. ولا يجد ما يدعوه إلى المجادلة. وأما النصر في الحياة الدنيا فقد يكون في حاجة إلى جلاء وبيان. إن وعد الله قاطع جازم: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا..}.. بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذباً مطروداً، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب، وفيهم من يلقى في الأخدود، وفيهم من يستشهد، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد.. فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل، ويفعل بها الأفاعيل! ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور. ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير. إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان، وحيز محدود من المكان. وهي مقاييس بشرية صغيرة. فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان. ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك. وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها. فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها. وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها! والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صور معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم. ولكن صور النصر شتى. وقد يتلبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة.. إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها.. أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك ـ في منطق العقيدة ـ أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار. كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار. هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد. فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب!.. والحسين ـ رضوان الله عليه ـ وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب؟ أكانت هذه نصراً أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة. فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصراً. فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه. يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين. من المسلمين. وكثير من غير المسلمين! وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزاً محركاً للأبناء والأحفاد. وربما كانت حافزاً محركاً لخطى التاريخ كله مدى أجيال.. ما النصر؟ وما الهزيمة؟ إننا في حاجة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور. ومن القيم. قبل أن نسأل: أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا! على أن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة. ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة. لقد انتصر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته. لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض. فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعاً. من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة. فشاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة في حياته، ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة، ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة. ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية. وفق تقدير الله وترتيبه. وهنالك اعتبار آخر تحسن مراعاته كذلك. إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا. ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها. وحقيقة الإيمان كثيراً ما يتجوز الناس فيها. وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله. وإن هنالك لأشكالاً من الشرك خفية؛ لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضاء الله فيه، وقدره عليه، ويحسن أن الله وحده هو الذي يصرفه فلا خيرة له إلا ما اختار الله. ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضى والقبول. وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله، ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير. فسيكل هذا كله لله. ويلتزم. ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير.. وذلك معنى من معاني النصر.. النصر على الذات والشهوات. وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال. {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار}. وقد رأينا في المشهد السابق كيف لا تنفع الظالمين معذرتهم. وكيف باءوا باللعنة وبسوء الدار. فأما صورة من صور النصر في قصة موسى فهو ذاك: {ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب}.. وكان هذا نموذجاً من نماذج نصر الله. إيتاء الكتاب والهدى. ووراثة الكتاب والهدى. وهذا النموذج الذي ضربه الله مثلاً في قصة موسى، يكشف لنا رقعة فسيحة، نرى فيها صورة خاصة من صور النصر تشير إلى الاتجاه. وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا المقطع، توجيهاً لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن كانوا معه من المؤمنين في مكة في موقف الشدة والمعاناة. ولكل من يأتي بعدهم من أمته، ويواجهون مثل الموقف الذي كانوا فيه: {فاصبر. إن وعد الله حق. واستغفر لذنبك، وسبح بحمد ربك، بالعشي والإبكار}.. الإيقاع الأخير.. الدعوة إلى الصبر.. الصبر على التكذيب. والصبر على الأذى. والصبر على نفخة الباطل وانتشائه بالغلبة والسلطان في فترة من الزمان. والصبر على طباع الناس وأخلاقهم وتصرفاتهم من هنا ومن هناك. والصبر على النفس وميولها وقلقها وتطلعها ورغبتها في النصر القريب وما يتعلق به من رغائب وآمال. والصبر على أشياء كثيرة في الطريق قد تجيء من جانب الأصدقاء قبل أن تجيء من جانب الأعداء! {فاصبر. إن وعد الله حق}.. مهما يطل الأمد، ومهما تتعقد الأمور، ومهما تتقلب الأسباب. إنه وعد من يملك التحقيق، ومن وعد لأنه أراد. وفي الطريق، خذ زاد الطريق: {واستغفر لذنبك، وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار}.. هذا هو الزاد، في طريق الصبر الطويل الشاق. استغفار للذنب، وتسبيح بحمد الرب. والاستغفار المصحوب بالتسبيح وشيك أن يجاب، وهو في ذاته تربية للنفس وإعداد. وتطهير للقلب وزكاة. وهذه هي صورة النصر التي تتم في القلب، فتعقبها الصورة الأخرى في واقع الحياة. واختيار العشي والإبكار. إما كناية عن الوقت كله ـ فهذان طرفاه ـ وإما لأنهما آنان يصفو فيهما القلب، ويتسع المجال للتدبر والسياحة مع ذكر الله. هذا هو المنهج الذي اختاره الله لتوفير عدة الطريق إلى النصر وتهيئة الزاد. ولا بد لكل معركة من عدة ومن زاد..

ابن عاشور

تفسير : انتقال من إنذارهم بعذاب الآخرة على كفرهم إلى موعظتهم وتحذيرهم من أن يحل بهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة كما حلّ بأمم أمثالهم. فالواو عاطفة جملة {ألم يسيروا في الأرض} على جملة {أية : وأنذرهم يوم الأزِفَة}تفسير : [غافر: 18] الخ. والاستفهام تقريري على ما هو الشائع في مثله من الاستفهام الداخل على نفي في الماضي بحرف (لْم)، والتقرير موجه للذين ساروا من قريش ونظروا آثار الأمم الذين أبادهم الله جزاء تكذيبهم رسلهم، فهم شاهدوا ذلك في رحلتيهم رحلةِ الشتاء ورحلة الصيف وإنهم حدثوا بما شاهدوه مَن تضمهم نواديهم ومجالسهم فقد صار معلوماً للجميع، فبهذا الاعتبار أسند الفعل المقرر به إلى ضمير الجمع على الجملة. والمضارع الواقع بعد (لَم) والمضارعُ الواقع في جوابه منقلبان إلى المضي بواسطة (لم). وتقدم شبيه هذه الآية في آخر سورة فاطر وفي سورة الروم. والضمير المنفصل في قوله: {كانُوا هُم} ضمير فصل عائد إلى {أية : للظالمين}تفسير : [غافر:18] وهم كفار قريش الذين أريدوا بقوله: {أية : وأنذرهم}تفسير : [غافر: 18]، وضمير الفصل لمجرد توكيد الحكم وتقويته وليس مراداً به قصر المسند على المسند إليه، أي قصر الأشدّية على ضمير: {كانوا} إذ ليس للقصر معنى هنا كما تقدم في قوله تعالى: {أية : إنني أنا الله}تفسير : في سورة [طه: 14] وهذا ضابط التفرقة بين ضمير الفصل الذي يفيد القصر وبين الذي يفيد مجرد التأكيد. واقتصار القزويني في «تلخيص المفتاح» على إفادة ضمير الفصل الاختصاص تقصير تبع فيه كلام «المفتاح» وقد نبه عليه سعد الدين في «شرحه على التلخيص». والمراد بالقوة القوةُ المعنوية وهي كثرة الأمة ووفرةُ وسائل الاستغناء عن الغير كما قال تعالى: {أية : فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا مَن أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة}تفسير : [فصلت: 15] وجملة {كانوا هم أشد منهم قوَّة} الخ مستأنفة استئنافاً بيانياً لتفصيل الإِجمال الذي في قوله: {كيف كان عٰقبة الذين كانوا من قبلهم} لأن العبرة بالتفريع بعدها بقوله: {فأخَذَهم الله بذنوبهم}. وقرأ الجمهور {منهم} بضمير الغائب، وقرأه ابن عامر {منكم} بضمير خطاب الجماعة وكذلك رسمت في مصحف الشام، وهذه الرواية جارية على طريقة الالتفات. والآثار: جمع أثر، وهو شيء أو شكل يرسمه فعل شيء آخر، مثلُ أثر الماشي في الرمْل قال تعالى: {أية : فقبضت قبضة من أثر الرسول}تفسير : [طه: 96] ومثلُ العشب إثر المطر في قوله تعالى: {أية : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها}تفسير : [الروم: 50]، ويستعار الأثر لما يقع بعد شيء كقوله تعالى: {أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم}تفسير : [الكهف: 6]. والمراد بالأرض: أرض أمتهم. والفاء في {فأخَذَهُم الله} لتفريع الأخذ على كونهم أشدَّ قوة من قريش لأن القوة أريد بها هنا الكناية عن الإِباء من الحق والنفور من الدعوة، فالتقدير: فأعرضوا، أو فكفروا فأخذهم الله. والآخذ: الاستئصال والإِهلاك كنّي عن العقاب بالأخذ، أو استعمل الأخذ مجازاً في العقاب. والذنوب: جمع ذنب وهو المعصية، والمراد بها الإِشراك وتكذيب الرسل، وذلك يستتبع ذنوباً جمة، وسيأتي تفسيرها بقوله: {ذٰلِكَ بأنَّهم كانت تأتِيهِم رُسُلُهم بالبينٰت}. ومعنى: {وما كانَ لهُم مِنَ الله من وَاق} ما كان لهم من عقابه وقدرته عليهم، فالواقي: هو المدافع الناصر. و {مِن} الأولى متعلقة {بواقٍ}، وقدم الجار والمجرور للاهتمام بالمجرور، و {من} الثانية زائدة لتأكيد النفي بحرف (ما) وذلك إشارة إلى المذكور وهو أخذ الله إياهم بذنوبهم. والباء للسببية، أي ذلك الأخذ بسبب أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا بهم، وفي هذا تفصيل للإجمال الذي في قوله: {فأخذهم الله بذنوبهم}. والجملة بعد (أنَّ) المفتوحة في تأويل مصدر. فالتقدير: ذلك بسبب تحقق مجيء الرسل إليهم فكفرهم بهم. وأفاد المضارع في قوله: {تأتيهم} تجدد الإتيان مرة بعد مرة لمجموع تلك الأمم، أي يأتي لكل أمة منهم رسول، فجمع الضمير في {تأتيهم} و {رسلهم} وجمع الرسل في قوله: {رسلهم} من مقابلة الجمع بالجمع، فالمعنى: أن كل أمة منهم أتاها رسول. ولم يؤت بالمضارع في قوله: {فكفروا} لأن كفر أولئك الأمم واحد وهو الإِشراك وتكذيب الرسل. وكرر قوله: {فأخَذَهُمُ الله} بعد أن تقدم نظيره في قوله: {فأخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِم} الخ إطناباً لتقرير أخذ الله إياهم بكفرهم برسلهم، وتهويلاً على المنذَرين بهم أن يُساوُوهم في عاقبتهم كما سَاوَوْهم في أسبابها. وجملة: {إنَّه قَوِيٌّ شَدِيد العِقَابِ} تعليل وتبيين لأخذ الله إياهم وكيفيته وسرعة أخذه المستفادة من فاء التعقيب، فالقويّ لا يعجزه شيء فلا يعطل مراده ولا يتريث، و {شديد العقاب} بيان لذلك الأخذ على حد قوله تعالى: {أية : فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر}تفسير : [القمر: 42].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أو لم يسيروا في الأرض: أي أغفل كفار قريش ولم يسيروا في الأرض. فينظروا: أي بأعينهم. كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم: إنها كانت دماراً وخساراً ووبالاً عليهم. كانوا هم أشدَّ منهم قوة وآثاراً في الأرض: ولم يغن ذلك عنهم من الله شيئاً. فأخذهم الله بذنوبهم: أي عاقبهم بذنوبهم فدمرهم وأهلكهم. وما كان لهم من الله من واق: أي ولم يوجد لهم من عقاب الله من واق يقيهم منه. ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات: أي بالحجج والبراهين والأدلة والمعجزات. فكفروا: أي بتلك الحجج والآيات. فأخذهم الله: أي لما كفروا أخذهم بكفرهم. إنه قوي شديد العقاب: هذا تعليل لأخذه إيّاهم. معنى الآيات: تقدم في السياق تخويف الله تعالى لمشركي قريش بعذاب الآخرة، ومبالغة في نصحهم وطلب هدايتهم خوفهم بعد عذاب الآخرة بعذاب الدنيا لعلهم يتوبون فقال: أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض أي أغفل هؤلاء المجاحدون المعاندون ولم يسيروا في البلاد شمالاً وجنوباً حيث ديار عاد في الجنوب وديار ثمود في الشمال فينظروا بأعينهم كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كعاد وثمود كان أولئك أشد من هؤلاء قوة وآثاراً في الأرض من حيث البناء والعمران والقدرة على الحرب والقتال، فأخذهم الله بذنوبهم أي بذنوب الشرك والتكذيب والمعاصي، ولما أخذهم لم يوجد لهم من عقاب الله وعذابه من واق يقيهم ما أنزل الله بهم وما أحله بساحتهم. فما لهؤلاء المشركين لا يتعظون ولا يعتبرون والعاقل من اعتبر بغيره. وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} هذا تعليل لأخذ الله لأولئك الأقوام من عاد وثمود وغيرهم إذ ما أخذهم إلا بعد أن أنذرهم وأعذر إليهم فلما أصروا على الكفر والتكذيب أخذهم بذنوبهم. وقوله {إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تعليل أيضاً للأخذ الكامل الذي أخذهم به لعظم قوته وشدَّة عقابه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير الحكمة القائلة: العاقل من اعتبر بغيره. 2- الأخذ بالذنوب سنة من سنن الله في الأرض لا تتبدل ولا تتحول. 3- من أراد الله عقابه لا يوجد له واق يقيه، ولا حَامٍ يحميه، ومن تاب تاب الله عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاقِبَةُ} {آثَاراً} (21) - أَوَ لَمْ يَسِرْ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ بِاللهِ، المُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ، الجَاحِدُونَ بِآيَاتِهِ، فِي البِلاَدِ، لِيَرُوا عَاقِبَةَ مَنْ كَانُوا قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، سَلَكُوا سَبِيلَهُمْ فِي الكُفْرِ، وَقَدْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْ هَؤُلاَءِ بَطْشاً، وَأَبْقَى فِي الأَرْضِ أَثَراً، فَلَمْ تَنْفَعْهُم قُوَّتُهُمْ، وَلاَ عَظِيمُ مَا خَلَّفُوهُ فِي الأَرْضِ مِنْ آثَارٍ حِينَمَا جَاءَهُمْ أَمْرُ اللهِ، وَأَخَذَهُمْ جَمِيعاً فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُمْ أَحَداً بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ، وَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مَنْ يَقِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَلاَ مَنْ يَمْنَعُ عَنْهُمْ بَأْسَهُ وَبَطْشَهُ. وَاقٍ - دَافِعٍ عَنْهُمُ العَذَابَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: ألم يقفوا موقف المشاهد لآثار الأمم المكذِّبة وهم يمرون بهم في رحلة الشتاء والصيف، كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138] ألم تروا مدائن صالح وقرى عاد وثمود وغيرهم ممَّنْ كذَّب الرسل؟ إن آثارهم تدل على أَخْذ الله لهم، وعلى العقاب الذي نزل بهم فخذوا منهم عبرةً، واعلموا أن مصيركم كمصيرهم، ولن تُعجزوا الله في ذلك، لأن هذه الأمم التي أخذها الله كانت أشدَّ منكم قوة وآثاراً في الأرض، أأنتم أشد من إرم ذات العماد، وفرعون ذي الأوتاد .. أين هم الآن؟ هل استطاعوا رغم حضارتهم حماية هذه الحضارة؟ إن قوتهم وحضاراتهم لم تُغْنِ عنهم من الله شيئاً، ونزل بهم عذاب الله في الدنيا قبل عذاب الآخرة ولم يمهلهم. لذلك قال سبحانه لرسوله: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77] يعني: إذا لم تَرَ ما نعدهم من العذاب في الدنيا ومتَّ قبلهم فسوف ترى عذابهم في الآخرة. كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [السجدة: 21]. والحق سبحانه يريد من سيْرنا في الأرض أمرين: سياحة في الأرض للاعتبار وأخذ العظة، وسياحة الانتفاع والاستثمار، إذن: فالسياحة في الأرض والسير فيها مطلوب إيماني، لذلك قال تعالى في سياحة الاعتبار: {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} [غافر: 21] وقال في سياحة الاستثمار: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ..} تفسير : [العنكبوت: 20]. وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. إذن: لا مانع أن تجمع في سَيْرك في أرض الله بين سياحة الاعتبار وسياحة الاستثمار والانتفاع، فلا تحرم نفسك من نظرة الاعتبار في خَلْق الله الجديد عليك، ولا تُلهِكَ التجارة والاستثمار عن الاعتبار. وهنا ملحظ في قوله تعالى: {فِي ٱلأَرْضِ ..} [غافر: 21] هذا الملحظ أخذناه من العلم الحديث أخيراً، فقد كان العلماء يفسرون {فِي ٱلأَرْضِ ..} [غافر: 21] على الأرض أي: الأرض والتربة التي نمشي عليها، إلى أن عرفنا مؤخراً أن الأرض تشمل غلافها الجوي، فهذا الهواء الذي فوق الأرض هو العنصر الأساسي والضروري لاستمرار الحياة عليها، وبدونه لا تكون على الأرض حياة، لأن الإنسان لا يستغني عنه بمقدار شهيق أو زفير، وعليه فنحن نسير في الأرض كما جاء نصّ القرآن الذي سبق العلم الحديث إلى هذه الحقيقة. وحين تسير في أرض الله للاعتبار بمخلوقات الله ترى ألواناً شتى لم تَرَها من قبل من الناس والأماكن والمزروعات والنعم التي لا تُحصى، وتعلم أن الخالق سبحانه يعطي لكل مكان ما يناسبه، ولكل بيئة ما يصلح لها من الغذاء، لذلك تجد بعض المزروعات تجود في أماكن دون أخرى، فبيئة يكثر فيها الموز مثلاً، وأخرى يكثر فيها البطاطس، وأخرى القمح. لذلك قال البعض: إن كثرة الأمراض وتعدّيها من بيئة لأخرى منشؤه أن الناس يعيشون على غير أقوات بيئتهم، فسكان البيئات الحارة يستوردون أقوات البيئات الباردة والعكس، ومن هذا الخلط نشأتْ الأمراض. وقوله: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ ..} [غافر: 21] أي: عاقبة تكذيبهم الرسل ووقوفهم أمام الدعوة ليُطفئوا نور الله بأفواههم، فأخذهم الله ولم تمنعهم منه قوتهم ولا آثارهم في الأرض {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} [غافر: 21] يعني: لم يقهم من الله وَاقٍ، ولم يدافع عنهم مدافع، ولم تُغْن عنهم حضاراتهم، لأنهم حين أقاموا هذه الحضارات لم يجعلوا لها قانوناً يصونها. ثم يُعلِّل الحق سبحانه لأخذْهم أخْذ عزيز مقتدر: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم أشار سبحانه إلى تقريع أهل الزيغ والضلال، وتفضيح أصحاب العناد والجدال، فقال مستبعداً مستنكراً إياهم: {أَ} ينكرون قدرتنا عليهم وانتقامنا عنهم {وَلَمْ يَسِيروُاْ} ويسافروا {فِي ٱلأَرْضِ} الموروثة لهم من أسلافهم الذين أسرفوا على أنفسهم أمثالهم {فَيَنظُرُواْ} بنظر التأمل والاعتبار؛ ليظهر عندهم {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} المسرفين {ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} مستقرين عليها، متمكنين فيها، مترفهين أمثالهم، بل {كَانُواْ هُمْ} أي: أسلافهم {أَشَدَّ مِنْهُمْ} أي: من هؤلاء الأخلاف {قُوَّةً} وقدرة وأكثر أموالاً {وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} أي: حصوناً وقلاعاً وقصوراً وأخاديد، وغير ذلك مما صدر من ذوي الأحلام السخيفة، ومع ذلك ما أغنى عنهم شيئاً من غضب الله وعذابه، بل {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} المنتقم منهم {بِذُنُوبِهِمْ} التي صدرت عنهم على سبيل البطر والغفلة، فاستأصلهم بالمرة {وَمَا كَانَ لَهُم} حينئذ {مِّنَ} عذاب {ٱللَّهِ} وبطشه {مِن وَاقٍ} [غافر: 21] حفيظ لهم، يمنع عذاب الله عنهم. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} أي: ما ذلك البطش والانتقام إلا بسبب أنهم من شدة عتوهم وعنادهم {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم} من قِبل الحق مؤيدين {بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحة والبراهين القاطعة من أنواع الآيات والمعجزات {فَكَفَرُواْ} بالله وبهم أمثال هؤلاء التائهين في بيدات الغفلة والغرور، وأنكروا على بيناتهم، ونسبوها إلى السحر والشعبذة، وظهروا على رسل الله بأنواع الخرافات والهذيانات {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} القدير الحليم بكفرهم وعتوهم، بعدما أمهلهم زماناً، يترددون فيما يرمون ويقصدون فيه، وكيف لا يأخذهم سبحانه {إِنَّهُ قَوِيٌّ} مطلق، وقدير كامل على من ظهر عليه وخرد عن ربقة عبوديته {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [غافر: 22] صعب الانتقامم على من كذب وتولى على الرسل الكرام.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} [غافر: 21]؛ أي: فينظروا كيف خلق السماوات والأرض وما بينهما على قضية حوائجهم وهم صنفان: أهل السعادة، وأهل الشقاوة: فأهل السعادة: شكروا الله على نعمة الوجود فزادهم نعمة الإيمان، فشكروا نعمة الإيمان فزادهم نعمة الولاية، فشكروا نعمة الولاية فزادهم نعمة القرب والمعرفة في الدنيا، ونعمة الجوار في الآخرة. وأهل الشقاوة: قد كفروا نعمة الوجود فعذبهم الله بالكفر والبعاد، والطرد واللعن في الدنيا، وعذبهم في الآخرة بالنار وأنواع التعذيبات، وقوله: {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [غافر: 21] فيعتبروا بمن كانوا هم منهم أشد قوة في الجهل والاعتداء، {وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} [غافر: 21] بالفساد، {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ} [غافر: 21] من قهر الله وبطشه، {مِن وَاقٍ} [غافر: 21]، أو لم يسيروا بنفوسهم في أقطار الأرض ويطوفوا مشارقها ومغاربها؛ ليعتبروا بها فيزهدوا فيها، ولم يسيروا بقلوبهم في الملكوت بجولان قطع التعلقات فيشهدوا أنوار التجلي فيستبصروا بها، أو لم يسيروا بأسرارهم في ساحات الصمدية؛ ليهلكوا في سلطان الحقائق، ويتخلصوا من حبس المخلوقات ملكها وملكوتها. وبقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} [غافر: 22]، يشير إلى بعض السالكين والقاصدين إلى الله إن لم يصل إلى مقصوده؛ ليعلم أن موجب حجبيته وحرمانه اعتراض خامر قلبه على شيخه أو على غيره من المشايخ بعض أوقاته، ولم يتداركه بالتوبة والإنابة، فإن الشيوخ بمحل الأنبياء للمريدين وفي الخبر "الشيخ في قومه كالنبي في أمته"، {إِنَّهُ قَوِيٌّ} [غافر: 22] على انتقام الأعداء للأولياء، {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [غافر: 22] في الانتقام من الأعداء.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ } أي: بقلوبهم وأبدانهم سير نظر واعتبار، وتفكر في الآثار، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ } من المكذبين، فسيجدونها شر العواقب، عاقبة الهلاك والدمار والخزي والفضيحة، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء في الْعَدَد والْعُدَد وكبر الأجسام. { و } أشد { آثارا في الأرض } من البناء والغرس، وقوة الآثار تدل على قوة المؤثر فيها وعلى تمنعه بها. { فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ } بعقوبته بذنوبهم حين أصروا واستمروا عليها. { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ } فلم تغن قوتهم عند قوة اللّه شيئًا، بل من أعظم الأمم قوة، قوم عاد الذين قالوا: { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } أرسل اللّه إليهم ريحا أضعفت قواهم، ودمرتهم كل تدمير. ثم ذكر نموذجا من أحوال المكذبين بالرسل وهو فرعون وجنوده فقال: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا ...}.