٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَٰتِ } بالمعجزات الظاهرات {فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى أخذه إياهم بذنوبهم وإن لم يكن لهم منه واق. ثم ذكر تعالى أن السبب في إهلاكهم هو ما قريش عليه من أن جاءهم رسول من الله بينات من المعجزات والبراهين فكفروا به، وذكر أن الله تعالى أخذهم، ووصف نفسه تعالى بالقوة وشدة العقاب، وهذا كله بيان في وعيد قريش. ثم ابتدأ تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملإه، وهي قصة فيها للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية وأسوة، وفيها لقريش والكفار به وعيد ومثال يخافون منه أن يحل بهم ما حل بأولئك من النقمة، وفيها للمؤمنين وعد ورجاء في النصر والظفر وحمد عاقبة الصبر، وآيات موسى عليه السلام كثيرة عظمها، والذي عرضه على جهة التحدي بالعصا واليد، ووقعت المعارضة في العصا وحدها ثم انفصلت القضية عن إيمان السحرة وغلبة الكافرين. والسلطان: البرهان. وقرأ عيسى بن عمر: "سلُطان" بضم اللام، والناس على سكونها. وخص تعالى {هامان وقارون} بالذكر تنبيهاً على مكانهما من الكفر، ولكونهما أشهر رجال فرعون، وقيل إن قارون هذا ليس بقارون بني إسرائيل، وقيل هو ذلك، ولكنه كان منقطعاً إلى فرعون خادماً مستعيناً معه. وقوله: {ساحر} أي في أمر العصا. و: {كذاب} في قوله: إني رسول من الله. ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لما جاءهم موسى بالنبوة والحق من عند الله، قال هؤلاء الثلاثة وأجمع رأيهم على أن يقتل أبناء بني إسرائيل أتباع موسى وشبانهم وأهل القوة منهم، وأن يستحي النساء للخدمة والاسترقاق، وهذا رجوع منهم إلى نحو القتل الأول الذي كان قبل ميلاد موسى، ولكن هذا الأخير لم تتم فيه عزمة، ولا أعانهم الله تعالى على شيء منه. قال قتادة: هذا قتل غير الأول الذي كان حذر المولود، وسموا من ذكرنا من بني إسرائيل أبناء، كما تقول لأنجاد القبيلة أو المدينة وأهل الظهور فيها: هؤلاء أبناء فلانة. وقوله تعالى: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} عبارة وجيزة تعطي قوتها أن هؤلاء الثلاثة لم يقدرهم الله تعالى على قتل أحد من بني إسرائيل ولا نجحت لهم فيه سعاية، بل أضل الله سعيهم وكيدهم.
النسفي
تفسير : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } أي الأخذ بسبب أنهم {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ } قادر على كل شيء {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } إذا عاقب. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا } التسع {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ } وحجة ظاهرة {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ } هو {سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } فسموا السلطان المبين سحراً وكذباً {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ } بالنبوة {مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُواْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ } أي أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولاً {وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ } للخدمة {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } ضياع يعني أنهم باشروا قتلهم أولاً فما أغنى عنهم!، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه فما يغني عنهم هذا القتل الثاني، وكان فرعون قد كف عن قتل الولدان، فلما بعث موسى عليه السلام وأحس بأنه قد وقع أعاده عليهم غيظاً وظناً منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى عليه السلام، وما علم أن كيده ضائع في الكرتين جميعاً {وَقَالَ فِرْعَوْنُ } لملئه {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } كان إذا همّ بقتله كفوه بقولهم: ليس بالذي تخافه وهو أقل من ذلك، وما هو إلا ساحر، وإذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة، والظاهر أن فرعون قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، ولكن كان فيه خب وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحس بأنه هو الذي يهدم ملكه؟، ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، وقوله {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه، وكان قوله: {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } تمويهاً على قومه وإيهاماً أنهم هم الذين يكفونه وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع {إِنِّى أَخَافُ} إن لم أقتله {أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ } أن يغير ما أنتم عليه. وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام {أَوْ أَن يُظْهِرَ } موسى {فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } بضم الياء ونصب الدال: مدني وبصري وحفص، وغيرهم بفتح الياء ورفع الدال، والأول أولى لموافقة {يبدل}. والفساد في الأرض التقاتل والتهايج الذي يذهب معه الأمن، وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش ويهلك الناس قتلاً وضياعاً كأنه قال: إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه، وقرأ غير أهل الكوفة {وَأَنْ }، ومعناه إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معاً. {وَقَالَ مُوسَى } لما سمع بما أجراه فرعون من حديث قتله لقومه {إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } وفي قوله {وَرَبِّكُمْ } بعث لهم على أن يقتدوا به فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه، وقال {مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ } لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر الاستكبارعن الاذعان للحق وهو أقبح استكبار، وأدل على دناءة صاحبه وعلى فرط ظلمه، وقال: {لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ }: لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها، وعذت ولذت أخوان. {وعت} بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي. {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ } قيل: كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً، و {مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } صفة لـ {رَجُلٌ }، وقيل: كان إسرائيلياً ومن آل فرعون صلة ليكتم أي يكتم إيمانه من آل فرعون واسمه سمعان أو حبيب أو خربيل أو حزبيل، والظاهر الأول {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ } لأن يقول وهذا إنكار منه عظيم كأنه قيل: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق؟، وهي قوله {رَبِّىَ ٱللَّهُ } وهو ربكم أيضاً لا ربه وحده {وَقَدْ جَآءَكُمْ } الجملة حال {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ } يعني أنه لم يحضر لتصحيح قوله ببينة واحدة ولكن ببينات من عند من نسب إليه الربوبية وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ } احتج عليهم بطريق التقسيم فإنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً، فإن يك كاذباً فعليه وبال كذبه ولا يتخطاه، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم من العذاب، ولم يقل «كل الذي يعدكم» مع أنه وعد من نبي صادق القول مداراة لهم وسلوكاً لطريق الإنصاف فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم له وليس فيه نفي إصابة الكل، فكأنه قال لهم: أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض ما يعدكم وهو العذاب العاجل وفي ذلك هلاككم، وكان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل أيضاً، وتفسير البعض بالكل مزيف {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } مجاوز للحد {كَذَّابٌ } في ادعائه، وهذا أيضاً من باب المجاملة، والمعنى أنه إن كان مسرفاً كذاباً خذله الله وأهلكه فتتخلصون منه، أو لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله بالنبوة ولما عضده بالبينات، وقيل: أو هم أنه عنى بالمسرف موسى وهو يعني به فرعون. {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ } عالين وهو حال من «كم» في {لَكُمْ } {فِى ٱلأَرْضِ } في أرض مصر {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا } يعني أن لكم ملك مصر، وقد علوتم الناس وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم، ولا تتعرضوا لبأس الله أي عذابه، فإنه لا طاقة لكم به إن جاءكم ولا يمنعكم منه أحد، وقال {يَنصُرُنَا } و {جَاءنَا } لأنه منهم في القرابة، وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ } أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله يعني لا أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب {وَمَا أَهْدِيكُمْ } بهذا الرأي {إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } طريق الصواب والصلاح، أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب ولا أدخر منه شيئاً ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر. يعني أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى عليه السلام، ولكنه كان يتجلد، ولولا استشعاره لم يستشر أحداً ولم يقف الأمر على الإشارة. {وَقَالَ ٱلَّذِى ءَامَنَ يٰقَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } أي مثل أيامهم: لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسرهم بقوله {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ } ولم يلتبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار اقتصر على الواحد من الجمع، ودأب هؤلاء دءوبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي وكون ذلك دائباً دائماً منهم لا يفترون عنه، ولا بد من حذف مضاف، أي مثل جزاء دأبهم، وانتصاب {مثل} الثاني بأنه عطف بيان لـ {مثل} الأول {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} أي وما يريد الله أن يظلم عباده فيعذبهم بغير ذنب أو يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب. يعني أن تدميرهم كان عدلاً لأنهم استحقوه بأعمالهم، وهو أبلغ من قوله: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }تفسير : [فصلت: 46] حيث جعل المنفي إرادة ظلم منكّر ومن بعد عن إرادة ظلم ما لعباده كان عن الظلم أبعد وأبعد، وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعيد، لأن أهل اللغة قالوا: إذا قال الرجل لآخر «لا أريد ظلماً لك» معناه لا أريد أن أظلمك، وهذا تخويف بعذاب الدنيا. ثم خوفهم من عذاب الآخرة بقوله {وَيٰقَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } أي يوم القيامة. {التنادي} مكي ويعقوب في الحالين وإثبات الياء هو الأصل وحذفها حسن لأن الكسرة تدل على الياء وآخر هذه الآي على الدال، وهو ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف: {أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ }تفسير : [الآية: 44]. {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ }تفسير : [الأعراف: 50]. {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأَعْرَافِ }تفسير : [الآية: 48]. وقيل: ينادي منادٍ: ألا إن فلانا سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، ألا إن فلاناً شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } منحرفين عن موقف الحساب إلى النار {مَالَكُمْ مِنَ ٱللَّهِ } من عذاب الله {مِنْ عَاصِمٍ } مانع ودافع {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } مرشد {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } هو يوسف بن يعقوب، وقيل: يوسف بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبياً عشرين سنة، وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف إلى زمنه. وقيل: هو فرعون آخر وبخهم بأن يوسف أتاكم من قبل موسى بالمعجزات {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ } فشككتم فيها ولم تزالوا شاكين {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً } حكماً من عند أنفسكم من غير برهان. أي أقمتم على كفركم وظننتم أنه لا يجدد عليكم إيجاب الحجة {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } أي مثل هذا الإضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب شاك في دينه.
ابو السعود
تفسير : {ذٰلِكَ} أي ما ذُكِرَ من الأخذِ {بِأَنَّهُمْ} بسببِ أنَّهم {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ} أي المعجزاتِ أو بالأحكامِ الظاهرةِ {فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ} متمكنٌ مما يريدُ غايةَ التمكنِ {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لا يُؤبَهُ عندَ عقابِه بعقابٍ. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا} وهي معجزاتُه {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} أي وحجَّةٍ قاهرةٍ وهيَ إما عينُ الآياتِ والعطفُ لتغايرِ العنوانينِ وإما بعضُ مشاهيرِها كالعَصا أفردتْ بالذكرِ مع اندراجِها تحتَ الآياتِ لإنافتِها إفرادَ جبريلَ وميكالَ به معَ دخولِها في الملائكةِ عليهم السَّلامُ. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَـارُونَ فَقَالُواْ سَـٰحِرٌ كَـذَّابٌ} أي فيما أظهرَهُ من المعجزاتِ وفيمَا ادَّعاهُ من رسالةِ ربِّ العالمينَ. {فَلَمَّا جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ مِنْ عِندِنَا} وهو ما ظهرَ على يدِه من المعجزاتِ القاهرةِ {قَالُواْ ٱقْتُلُواْ أَبْنَاء ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَاءهُمْ} كما قالَ فرعونُ سنقتلُ أبناءَهُم ونستحيـي نساءَهُم أي أعيدُوا عليهم ما كنتُم تفعلونَهُ أولاً وكانَ فرعونُ قد كفَّ عن قتلِ الوِلْدانِ فلما بُعثَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأحسَّ بأنَّه قد وقعَ ما وقعَ أعادَهُ عليهم غيظاً وَحنَقاً وزعماً منْهُ أنَّه يصدُّهم بذلكَ عن مظاهرتِه ظَّناً منهُم أنَّه المولودُ الذي حكَم المنجّمونَ والكهنةُ بذهابِ ملكِهم على يدِه {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ} أي في ضَياعٍ وبُطلانٍ لا يُغني عنهُم شيئاً وينفذ عليهم لا محالةَ القدرُ المقدورُ والقضاءُ المحتومُ. واللامُ إمَّا للعهدِ والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لذمِّهم بالكفرِ والإشعارِ بعلةِ الحكمِ، أو للجنسِ وهم داخلونَ فيه دخولاً أولياً. والجملةُ اعتراضٌ جيءَ بهِ في تضاعيفِ مَا حُكيَ عنْهم من الأباطيلِ للمسارعةِ إلى بـيانِ بطلانِ ما أظهروه من الإبراقِ والإرعادِ واضمِحْلالِه بالمرةِ. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ} كانَ مَلؤُه إذَا هَمَّ بقتلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كفُّوه بقولِهم ليسَ هَذا بالذي تخافُه فإنَّه أقلُّ من ذاكَ وأضعفُ وما هُو إلا بعضُ السحرةِ، وبقولِهم إذا قتلتَهُ أدخلتَ على النَّاسِ شُبهةً واعتقدُوا أنَّكَ عجَزتَ عن معارضتِه بالحجَّةِ وعَدلتَ إلى المقارعةِ بالسيفِ، والظاهرُ من دهاءِ اللعينِ ونَكارتِه أنَّه كانَ قد استيقنَ أنَّه نبـيٌّ وأنَّ ما جاءَ بهِ آياتٌ باهرةٌ وما هُو بسحرٍ ولكنْ كانَ يخافُ إنْ همَّ بقتلِه أنْ يُعاجلَ بالهلاكِ، وكانَ قولُه هذا تمويهاً على قومِه وإيهاماً أنَّهم هم الكافُّونَ له عن قتلِه ولولاهُم لقتلَه وما كانَ الذي يكفُّه إلا ما في نفسِه من الفزعِ الهائل. وقولُه: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} تجلدٌ منه وإظهارٌ لعدمِ المُبالاةِ بدعائِه ولكنَّه أخوفُ ما يخافُه {إِنّى أَخَافُ} إنْ لم أقتْلهُ {أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ} أنْ يغيرَ ما أنتُم عليهِ من الدينِ الذي هُو عبارةٌ عن عبادتِه وعبادةِ الأصنامِ لتقربَهم إليه {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} ما يُفسدُ دُنياكُم من التحاربِ والتهارجِ إنْ لم يقدرُ على تبديلِ دينِكم بالكلِّيةِ. وقُرِىءَ بالواوِ الجامعةِ، وقُرىءَ بفتحِ الياءِ والهاءِ ورفعِ الفساد، وقُرِىءَ يَظَّهَّر بتشديدِ الظَّاءِ والهاءِ من تظهَّرَ بمعنى تظَاهرَ أي تتابعَ وتعاونَ.
القشيري
تفسير : إن بغى من أهل السلوك قاصدٌ لم يصل إلى مقصوده فَلْيَعْلَمْ أنَّ مُوجِبَ حَجْبِه اعتراضٌ خَامَرَ قلبَه على بعض شيوخه في بعض أوقاته؛ فإنَّ الشيوخَ بمحلِّ السفراء للمريدين. وفي الخبر: "الشيخُ في قومه كالنبيِّ في أمته".
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} اى ما ذكر من الاخذ {بانهم} اى بسبب انهم {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} اى بالمعجزات او بالاحكام الظاهرة {فكفروا} بها وكذبو رسلهم {فأخذهم الله} اخذا عاجلا {انه قوى} متمكن مما يريد غاية التمكن {شديد العقاب} لاهل الشرك لا يعتبر عقاب دون عقابه فهؤلاء قد شاهدوا مصارعهم وآثار هلاكهم فبأى وجه امنوا أن يصيبهم مثل ما اصابهم من العذاب. واعلم أن اهل السعادة قد شكروا الله على نعمة الوجود فزادهم نعمة الايمان فشكروا نعمة الايمان فزادهم نعمة الولاية فشكروا نعمة الولاية فزادهم نعمة القرب والمعرفة فى الدنيا ونعمة الجوار فى الآخرة واهل الشقاوة قد كفروا نعمة الوجود فعذبهم الله بالكفر والبعاد والطرد واللعن فى الدنيا وعذبهم فى الآخرة بالنار وانواع التعذيبات وفى قوله ذلك بانهم الخ اشارة الى أن بعض السالكين والقاصدين الى الله تعالى ان لم يصل الى مقصوده يعلم أن موجب حجابه وحرمانه اعتراض خامر قلبه على شيخه او على غيره من المشايخ فى بعض اوقاته ولم يتداركه بالتوبة والانابة فان الشيوخ بمحل الانبياء للمريدين وفى الخبر الشيخ فى قومه كالنبى فى امته (وفى المثنوى) شعر : كفت بيغمبر كه شيخى رفته بيش جونبى باشد ميان قوم خويش تفسير : انه قوى على الانتقام من الاعدآء للاولياء شديد العقاب فى الانتقام من الاعدآء وفى شرح الاسماء للزروقى القوى هو الذى لا يلحقه ضعف فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى افعاله فلا يمسه نصب ولا تعب ولا يدركه قصور ولا عجز فى نقض ولا ابرام ومن عرف أن الله تعالى هو القوى رجع اليه عن حوله وقوته وخاصيته ظهور القوة فى الوجود فما تلاه ذو همة ضعفة الا وجد القوة ولا ذو جسم ضعيف الا كان له ذلك ولو ذكره مظلوم بقصد اهلاك الظالم الف مرة كان له ذلك وكفى امره
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} الأخذ* {بِأَنَّهُمْ} أي لأنهم. {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} بالمعجزات الظاهرة والاحكام الواضحة ورسل اسم كانت وتأتيهم مع الضمير المستتر فيه العائد المرسل لأنه في نية التقديم خبرها وانما قدم الخبر الفعلي على الاسم لانه لا يوهم ان الاسم فاعل للفعل لان (كان) لا بد لها من أسم ويجوز كون اسم كانت ضمير القصة ورسل فاعل (يأتي) والجملة خبر. {فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أما قوته فتمكنه مما يريد غاية التمكن وأما شدة عقابه فكونه لا طاقة بأقل قليله.
اطفيش
تفسير : {ذلِكَ} الأخذ {بأنَّهم} بسبب أنهم {كانَتْ تأتِيهِم} فيه ضمير مستتر عائد الى قوله: {رسُلُهم} لأنه اسم كان فى نية التقديم، كأنه قيل: كانت رسلهم تأتيهم أو بالعكس على التنازع {بالبيِّنات} الدلائل المتلوة والمعجزات {فَكَفروا} بها {فأخذَهُم الله} لكفرهم {إنَّه قَويٌ} متمكن مما يريد لا يعجزه شىء {شَدِيدُ العِقابِ} كل عقاب بالنسبة الى عقابه، كلا عقاب، وسلاه صلى الله عليه وسلم بفرَعون وجنوده، مع جواز أن يكونوا أشد من عاد فى قوله تعالى: {ولَقَد أرْسَلنا مُوسَى بآياتنا} معجزاته عليه السلام {وسُلطانٍ} حجة {مُبينٍ} ظاهر هو المعجزات وصفت بأنها دلائل، وأنها برهان فنزلت تغاير الصفتين منزلة تغاير الذات، كجاء زيد العالم والعاقل أى المتصف بالعلم والعقل، فساغ العطف مع أن الشىء لا يعطف على نفسه، ويجوز أن يكون عطف خاص على عام لمزيته، ولو كان نكرة لأنها موصوفة بما يناسب المزية نحو جلنى بنو تميم ورجل كريم منهم، فيراد به العصا مثلا، أو الآيات التوراة، وسائر حجج التوحيد، والسطان المعجزات الدالة على رسالته، وقيل: الآيات المعجزات، والسلطان قوة قلبه على الاقدام على الجبابرة بدون اكتراث بهم فى التبليغ.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ } الأخذ {بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات والأحكام الواضحة {فَكَفَرُواْ } ريثما أتتهم رسلهم بذلك {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ } متمكن مما يريده عز وجل غاية التمكن {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لا يعتد بعقاب عند عقابه سبحانه، وهذا بيان للإجمال في قوله تعالى: {أية : فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ }تفسير : [غافر: 21] إن كانت الباء هناك سببية وبيان لسبب الأخذ إن كانت للملابسة أي أخذهم ملابسين لذنوبهم غير تائبين عنها فتأمل.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (22) - وَقَدْ أَخَذَهُم اللهُ تَعَالَى وَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَاقٍ وَلاَ نَاصِرٍ، لأَِنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُ رَبِّهِمْ بِالبَرَاهِين والحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، فَكَفَرُوا بِهَا، فَأَهْلَكَهُمْ اللهُ وَأَبَادَهُمْ، وَلَمْ يُتْرُكْ لَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ مِنْ بَاقِيةٍ، وَاللهُ تَعَالَى قَوِيٌّ عَزِيزٌ، ذُو بَطْشٍ شَدِيدٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ ..} [غافر: 22] بالآيات الواضحات وبالمعجزات الباهرات الدالة على صدق الرسول، والآيات التي عجزوا هم عن مثلها رغم أنها كانت مما نبغوا فيه، وقد كانت هذه الآياتُ كافيةً لأنْ يؤمنوا بالله وبرسول الله إليهم الذي جاء لهدايتهم، لكنهم كفروا {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ..} [غافر: 22] وكلمة (أخذهم) تدل على التناول بقوة {إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [غافر: 22]. ولا شكَّ أن الأَخْذ يتناسب وقوة الآخذ، فأَخْذة الطفل غير أَخْذة الشاب غير أَخْذة الفتوة، فما بالك إنْ كان الآخذ هو الله القوي شديد العقاب، إذا كان الله سبحانه هو الآخذ فلا قوة لمأخوذ على المكابرة أو الامتناع. لذلك قال في موضع آخر: {أية : أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 42] هذه هي القوة العليا، فالعزيز هو الذي يَغلب ولا يُغلب، والمقتدر هو القادر على كل شيء، والذي لا يعجزه شيء. ثم يقصُّ الحق سبحانه بعض قصص الرسل ممَّنْ كُذِّبوا وأُوذُوا، وهنا يقص علينا طرفاً من قصة سيدنا موسى عليه السلام: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):