٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم، سلاه أيضاً بذكر موسى عليه السلام، وأنه مع قوة معجزاته بعثه إلى فرعون وهامان وقارون فكذبوه وكابروه، وقالوا هو ساحر كذاب. واعلم أن موسى عليه السلام، لما جاءهم بتلك المعجزات الباهرة وبالنبوّة وهي المراد بقوله {فَلَمَّا جَاءهُمْ بِٱلْحَقّ مِنْ عِندِنَا } حكى الله تعالى عنهم ما صدر عنهم من الجهالات فالأول: أنهم وصفوه بكونه ساحراً كاذباً، وهذا في غاية البعد، لأن تلك المعجزات كانت قد بلغت في القوة والظهور إلى حيث يشهد كل ذي عقل سليم بأنه ليس من السحر ألبتة الثاني: أنهم قالوا {ٱقْتُلُواْ أَبْنَاء ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَاءهُمْ } والصحيح أن هذا القتل غير القتل الذي وقع في وقت ولادة موسى عليه السلام، لأن في ذلك الوقت أخبره المنجمون بولادة عدو له يظهر عليه، فأمر بقتل الأولاد في ذلك الوقت، وأما في هذا الوقت فموسى عليه السلام قد جاءه وأظهر المعجزات الظاهرة، فعند هذا أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه لئلا ينشئوا على دين موسى فيقوى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات، فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء. ثم قال تعالى: {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } ومعناه أن جميع ما يسعون فيه من مكايدة موسى ومكايدة من آمن معه يبطل، لأن ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها النوع الثالث: من قبائح أفعال أولئك الكفار مع موسى عليه السلام ما حكاه الله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } وهذا الكلام كالدلالة على أنهم كانوا يمنعونه من قتله، وفيه احتمالان. والاحتمال الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه الأول: لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى صادقاً، فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون من قتله الثاني: قال الحسن: أن أصحابه قالوا له لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتلوه الثالث: لعلّهم كانوا يحتالون في منعه من قتله، لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام، فإن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من شر ذلك الملك. والاحتمال الثاني: أن أحداً ما منع فرعون من قتل موسى وأنه كان يريد أن يقتله إلا أنه كان خائفاً من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرة تمنعه عن قتله فيفتضح إلا أنه لوقاحته قال: {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } وغرضه منه أنه إنما امتنع عن قتله رعاية لقلوب أصحابه وغرضه منه إخفاء خوفه. أما قوله {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ }فإنما ذكره على سبيل الاستهزاء يعني أني أقتله فليقل لربه حتى يخلصه مني. وأما قوله {إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: فتح ابن كثير الياء من قوله {ذَرُونِى } وفتح نافع وابن كثير وأبو عمرو الياء من {إِنّى أَخَافُ } وأيضاً قرأ نافع وابن عمرو {وأن يَظْهَر } بالواو وبحذف أو، يعني أنه يجمع بين تبديل الدين وبين إظهار المفاسد، والذين قرأوا بصيغة أو فمعناه أنه لا بد من وقع أحد الأمرين وقرىء يظهر بضم الياء وكسر الهاء والفساد بالنصب على التعدية، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلفظ أو يظهر بفتح الياء والهاء والفساد بالرفع، أما وجه القراءة الأولى فهو أنه أسند الفعل إلى موسى في قوله {يُبَدَّلُ } فكذلك في يظهر ليكون الكلام على نسق واحد، وأما وجه القراءة الثانية فهو أنه إذا بدل الدين فقد ظهر الفساد الحاصل بسبب ذلك التبديل. المسألة الثانية: المقصود من هذا الكلام بيان السبب الموجب لقتله وهو أن وجوده يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعياً في إفساده كان في اعتقادهم أنه ساع في إفساد الدين الحق وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم لا جرم بدأ فرعون بذكر الدين فقال: {إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ } ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال: {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأَرْضِ ٱلْفَسَادَ }. واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذا الكلام حكى بعده ما ذكره موسى عليه السلام فحكى عنه أنه قال: {إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُـمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي عذت بإدغام الذال في التاء والباقون بالإظهار. المسألة الثانية: المعنى أنه لم يأتِ في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله، واعتمد على فضل الله لا جرم صانه الله عن كل بلية وأوصله إلى كل أمنية، وعلم أن هذه الكلمات التي ذكرها موسى عليه السلام تشتمل على فوائد: الفائدة الأولى: أن لفظة {إِنّى } تدل على التأكيد فهذا يدل على أن الطريق المؤكد المعتبر في دفع الشرور والآفات عن النفس الاعتماد على الله والتوكل على عصمة الله تعالى. الفائدة الثانية: أنه قال: {إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُـمْ } فكما أن عند القراءة يقول المسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فالله تعالى يصون دينه وإخلاصه عن وساوس شياطين الجن، فكذلك عند توجه الآفات والمخافات من شياطين الإنس إذا قال المسلم: أعوذ بالله فالله يصونه عن كل الآفات والمخافات. الفائدة الثالثة: قوله {بِرَبّى وَرَبّكُمْ } والمعنى كأن العبد يقول إن الله سبحانه هو الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني، ومن الآفات وقاني، وأعطاني نعماً لا حد لها ولا حصر، فلما كان المولى ليس إلا الله وجب أن لا يرجع العاقل في دفع كل الآفات إلا إلى حفظ الله تعالى. الفائدة الرابعة: أن قوله {وَرَبّكُمْ } فيه بعث لقوم موسى عليه السلام على أن يقتدوا به في الاستعاذة بالله، والمعنى فيه أن الأرواح الطاهرة القوية إذا تطابقت على همة واحدة قوي ذلك التأثير جداً، وذلك هو السبب الأصلي في أداء الصلوات في الجماعات. الفائدة الخامسة: أنه لم يذكر فرعون في هذا الدعاء، لأنه كان قد سبق له حق تربية على موسى من بعض الوجوه، فترك التعيين رعاية لذلك الحق. الفائدة السادسة: أن فرعون وإن كان أظهر ذلك الفعل إلا أنه لا فائدة في الدعاء على فرعون بعينه، بل الأولى الاستعاذة بالله في دفع كل من كان موصوفاً بتلك الصفة، حتى يدخل فيه كل من كان عدواً سواء كان مظهراً لتلك العداوة أو كان مخفياً لها. الفائدة السابعة: أن الموجب للإقدام على إيذاء الناس أمران أحدهما: كون الإنسان متكبراً قاسي القلب والثاني: كونه منكراً للبعث والقيامة، وذلك لأن التكبر القاسي قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقراً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له من الجري على موجب تكبره، فإذا لم يحصل عنده الإيمان بالبعث والقيامة كانت الطبيعة داعية له إلى الإيذاء والمانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلاً، وإذا كان الخوف من السؤال والحساب زائلاً فلا جرم تحصل القسوة والإيذاء. الفائدة الثامنة: أن فرعون لما قال: {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } قال على سبيل الاستهزاء {وليدع رَبَّهُ } فقال موسى إن الذي ذكرته يا فرعون بطريق الاستهزاء هو الدين المبين والحق المنير، وأنا أدعو ربي وأطلب منه أن يدفع الشرك عني، وسترى أن ربي كيف يقهرك، وكيف يسلطني عليك. واعلم أن من أحاط عقله بهذه الفوائد علم أنه لا طريق أصلح ولا أصوب في دفع كيد الأعداء وإبطال مكرهم إلا الاستعاذة بالله والرجوع إلى حفظ الله، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا} وهي التسع الآيات المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [الإسراء:101] وقد مضى تعيينها. {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة واضحة بينة، وهو يذكر ويؤنث. وقيل: أراد بالسلطان التوراة. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ} خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم؛ ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه الله معهما؛ لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما. {فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ} لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا} وهي المعجزة الظاهرة {قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان؛ ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع والقمّل والدّم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله. وهذا معنى قوله تعالى: {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي في خسران وهلاك، وإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلاً. قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} «أَقْتُلْ» جزم؛ لأنه جواب الأمر «وَلْيَدْعُ» جزم؛ لأنه أمر و«ذَرُونِي» ليس بمجزوم وإن كان أمراً ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني. وقيل: هذا يدلّ على أنه قيل لفرعون: إنا نخاف أن يدعو عليك فيجاب؛ فقال: «وَلْيَدْعُ رَبَّهُ» أي لا يهولنّكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى. {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ} أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي يقع بين الناس بسببه الخلاف. وقراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ وابن عامر وأبي عمرو: «وَأَنْ يُظْهِرَ في الأَرْضِ الْفَسَادَ» وقراءة الكوفيين «أَوْ أَنْ يَظْهَر» بفتح الياء «الْفَسَادُ» بالرفع وكذلك هي في مصاحف الكوفيين: «أو» بألف وإليه يذهب أبو عبيد؛ قال: لأن فيه زيادة حرف وفيه فصل؛ ولأن «أو» تكون بمعنى الواو. النحاس: وهذا عند حُذَّاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن في ذلك بطلان المعاني، ولو جاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا هاهنا؛ لأن معنى الواو «إِنِّي أَخَافُ» الأمرين جميعاً ومعنى «أَوْ» لأحد الأمرين أي «إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ» فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض الفساد. قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ} لما هدده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} أي متعظم عن الإيمان بالله، وصفتُه أنه {لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشراً له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة؛ كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام؛ فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات، ولهذا قال تعالى: {بِـآيَـٰتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} والسلطان هو الحجة والبرهان {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} وهو ملك القبط بالديار المصرية {وَهَـٰمَـٰنَ} وهو وزيره في مملكته {وَقَـٰرُونَ} وكان أكثر الناس في زمانه مالاً وتجارة، {فَقَالُواْ سَـٰحِرٌ كَـذَّابٌ} أي: كذبوه وجعلوه ساحراً مجنوناً مموهاً كذاباً في أن الله أرسله، وهذه كقوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ } تفسير : [الذاريات: 52 ــــ 53] {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا} أي: بالبرهان القاطع الدال على أن الله عز وجل أرسله إليهم، {قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ} وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل. أما الأول، فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب، وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني، فللعلة الثانية، ولإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام، ولهذا قالوا: {أية : قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 129] قال قتادة: هذا أمر بعد أمر، قال الله عز وجل: {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ} أي: وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل؛ لئلا ينصروا عليهم، إلا ذاهب وهالك في ضلال، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} وهذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى إلى قتل موسى عليه الصلاة والسلام، أي: قال لقومه: دعوني حتى أقتل لكم هذا، {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي: لا أبالي به، وهذا في غاية الجحد والتهجم والعناد، وقوله قبحه الله: {إِنِّىۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} يعني: موسى، يخشى فرعون أن يضل موسى الناس، ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكراً، يعني: واعظاً يشفق على الناس من موسى عليه السلام. وقرأ الأكثرون: (أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد) وقرأ الآخرون {أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} وقرأ بعضهم {يظهر في الأرض الفساد} بالضم { وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي: لما بلغه قول فرعون: {ذَرُونِىۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ} قال موسى عليه السلام: استجرت بالله، وعذت به من شره وشر أمثاله، ولهذا قال: {إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُـمْ} أيها المخاطبون {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} أي: عن الحق، مجرم {لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا خاف قوماً قال: «حديث : اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ } برهان بيّن ظاهر.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقال فرعون ذروني أقتُل موسى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أشيروا عليّ بقتل موسى لأنهم قد كانوا أشاروا عليه بأن لا يقتله لأنه لو قتله منعوه، قاله ابن زياد. الثاني: ذروني أتولى قتله، لأنهم قالوا إن موسى ساحر إن قتلته هلكت لأنه لو أمر بقتله خالفوه. الثالث: أنه كان في قومه مؤمنون يمنعونه من قتله. فسألهم تمكينه من قتله. {وليدع ربه} فيه وجهان: أحدهما: وليسأل ربه فإنه لا يجاب. الثاني: وليستعن به فإنه لا يعان. {إني أخاف أن يبدِّل دينكم} فيها وجهان: أحدهما: يغير أمركم الذي أنتم عليه، قاله قتادة. الثاني: معناه هو أن يعمل بطاعة الله، رواه سعيد بن أبي عروبة. الثالث: محاربته لفرعون بمن آمن به، حكاه ابن عيسى. الرابع: هو أن يقتلوا أبناءكم ويستحيوا نساءكم إذا ظهروا عليكم كما كنتم تفعلون بهم، قاله ابن جريج. ويحتمل خامساً: أن يزول به ملككم لأنه ما تجدد دين إلا زال به ملك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ذروني} بفتح الياء: ابن كثير {إني أخاف} بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب. الباقون: بواو العطف. {يظهر} بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص. الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد {عذت} مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام {التنادي} بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل {قلب متكبر} بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان. الباقون: على الإضافة. {لعلي أبلغ الأسباب} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {فأطلع} بالنصب: حفص. {اتبعوني} بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل. {مالي} بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع {أمري إلى الله} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {تقوم} بتاء التأنيث: الرازي عن هشام {أدخلوا} من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص. وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية. وانتصب {آل} و {أشدّ} على أنهما مفعول بهما. وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب {آل} على النداء لا على أنه مفعول به. الوقوف: {مبين} ه لا {كذاب} ه {نساءهم} ط {ضلال} ه {رّبه} ج لاحتمال اللام {مؤمن} قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له {من ربكم} ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط {كذبه} ج للعطف والشرط {بعدكم} ط {كذاب} ه {في الأرض} ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به {جاءنا} ط {الرشاد} ه {الأحزاب} ه لا لأن ما بعده بدل {بعدهم} ط {للعباد} ه {التناد} ه ط لأجل البدل {مدبرين} ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً {من عاصم} ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله سبحانه وكونه من كلام المؤمن {من هاد} ه {جاءكم به} ط {رسولاً} ط {مرتاب} ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم {آمنوا} ط {جبار} ه {الأسباب} ه لا {كاذباً} ط {السبيل} ط {تباب} ه {الرشاد} ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول {متاع} ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين {القرار} ه {مثلها} ج لعطف جملتي الشرط {حساب} ه {النار} ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر {الغفار} ه {النار} ه {لكم} ط {إلى الله} ط {بالعباد} ه {العذاب} ه ج لاحتمال البدل والابتداء {وعشياً} ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف {الساعة} قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية {لعذاب} ه {من النار} ه {العباد} ه {من العذاب} ه {بالبينات} ط {بلى} ط {فادعوا} ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال {ضلال} ه. التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وزيادة توبيخ وتذكير لهم. وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه. ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام. قوله {بالحق} أي بالمعجزات الظاهرة. وقوله {اقتلوا} يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله {أية : سنقتل أبناءهم}تفسير : [الآية: 127] قوله {إلا في ضلال} أي في ضياع واضمحلال. فإن كان اللام في {الكافرين} للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم. قوله {ذروني أقتل موسى} ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون. الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله. الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة. قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال {إني أخاف أن يبدّل} الآية. ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك. قال: وقوله {وليدع ربّه} شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه. وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه. ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله {أية : ويذرك وآلهتك}تفسير : [الآية: 127] والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين. ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله. وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات. وفي قوله {بربي} إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني. وفي قوله {وربكم} احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره {أية : ألم نربك فينا وليدا}تفسير : [الشعراء: 18] وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي. وفي قوله {من كل متكبر} أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية. والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه. وأما وصف المتكبر بقوله {لا يؤمن بيوم الحساب} فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب. والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب. ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع. ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون. والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل. وقيل: كان إسرائيلياً. وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله {اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه} فما الوجه في تخصيصه؟ ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: {فمن ينصرنا من بأس الله} وقوله {يا قوم} على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه. ومعنى {أن يقول} لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله {ربى الله} والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات. وفي قوله {من ربكم} استدراج لهم إلى الاعتراف بالله. ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً. على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب. واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله. وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال {يصبكم بعض الذي يعدكم} ولم يقل "كل الذي"؟ والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟ وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً. وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: شعر : ترّاك أمكنه إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط. ثم أكد حقية أمر موسى بقوله {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب. وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه. ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط {فمن ينصرنا من بأس الله} من يخلصنا من عذابه {إن جاءنا} وذلك لشؤم تكذيب نبيه {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى} أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله {وما أهديكم} بهذا الرأي {إلا سبيل الرشاد} وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر. قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد. وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه. قوله {مثل دأب} قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب. ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح. ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات. قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ. وقوله {وما الله يريد ظلماً للعباد} أبلغ من قوله {أية : وما ربك بظلام للعبيد}تفسير : [فصلت: 46] لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي. وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً. وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين. وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم. وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف. ومنها أنه من قوله {أية : يوم ندعو كل أناس بإمامهم}تفسير : [الإسراء: 71] ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا. ومنها أنهم ينادون إلى المحشر. ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه. ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن. وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره {أية : يوم يفر المرء من أخيه وأمه}تفسير : [عبس: 34] الخ. ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل. وقوله بعد ذلك {يوم تولوّون مدبرين} أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه. وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار. ثم أكد التهديد بقوله {ما لكم من الله} الآية. ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله {ولقد جاءكم يوسف} وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله. وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف. والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس. والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد. قال المفسرون في قوله {لن يبعث الله من بعده رسولاً} ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله {فما زلتم في شك} وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى. وجوّز أن يكون {الذين يجادلون} مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر. وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة. وفي قوله {وعند الذين آمنوا} إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه. والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه. ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة. ثم أخبر الله سبحانه عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص. قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ {أية : فليرتقوا في الأسباب}تفسير : [الآية: 10] فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره. من قرأ {فأطلّع} بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع. ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني. والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله {أية : وما زادوهم غير تتبيب}تفسير : [هود: 101] استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح. والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع. وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله. والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً. ثم عاد سبحانه إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله {اتبعون أهدكم} ثم استأنف مفصلاً قائلاً {إنما هذه الحياة الدنيا متاع} يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك {وإن الآخرة هي دار القرار} المنزل الذي يستقر فيه. ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح. ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب. ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله {تدعونني لأكفر بالله} الآية. ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه. وفي قوله {ما لي أدعوكم} من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف. ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره. قوله {لا جرم} لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل". ومعنى {ليس له دعوة} أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه. ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله {أية : والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء}تفسير : [الرعد: 14] عن قتادة: المسرفين هم المشركون. ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها. وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم. وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار {فستذكرون} أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار {وأفوّض أمري إلى الله} قاله لأنهم توعدوه. وفيه وفي قوله {فوقاه الله} دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح. قال مقاتل: لما تمم هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه. قوله {وحاق بآل فرعون} معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً. ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود. قوله {يعرضون عليها} أي يحرقون بها. يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به. وقوله {غدوّاً وعشياً} إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة {أية : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} تفسير : [مريم: 62] وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين. وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم. وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله {ويوم تقوم الساعة} قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟ قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل. ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً. وفي قولهم {إن الله قد حكم بين العباد} أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً. قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب. أما قول الخزنة لهم {فادعوا} ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم. ثم أكدوا ذلك بقولهم {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} أي لا أثر له ألبتة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا...} الآيات. لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم سلاه أيضاً بذكر قصة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأنه مع قوته ومعجزته بعثه إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارونَ فكذبوه، وقالوا: ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من عندنا أي بتلك الآيات الباهرة والسلطان المبين وهو المعجزات القاهرة قالوا يعني فرعون وقومه اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، قال قتادة: هذا غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الوِلْدَانِ فلما بعث موسى دعا بالقتل عليهم لئلا ينشأوا على دين موسى فيقوَى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات فلهذا أمر بقتل الأبناء واسْتَحْيُوا نِساءهم ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ثم قال: {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ} أي وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم إلا في ضلال. قوله {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ} أي وقال فرعون لِمَلئِهِ {ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ} فتح ابن كثير ياء "ذروني" وسكنها الباقون. وإنما قال فرعون ذلك؛ لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى وفي منعهم من قتله احتمالان: الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه: الأول: لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى صادقاً فيتحيل في منع فرعون من قتله. وثانيهما: قال الحسن: إن أصحابه قالوا له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سَحَرَتَنَا وإن قَتَلْتَهُ أدخلتَ الشبهةَ على الناس ويقولوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتلوه. وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكِهِم بخصمٍ خارجي حتى يصيروا آمنين من قلب ذلك الملك. الاحتمال الثاني: أن أحداً ما منع فرعون من قتل موسى وأنه كان يريد قتله، إلا إنه كان خائفاً من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرات تمنعه من قتله فيفتضح إلا أنه قال ذروني أقتل موسى وغرضه منه إخفاء خوفه. قوله: "ولْيَدْعُ رَبَّهُ" أي وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله فيمنعه منا؛ ذكر ذلك استهزاءًا. قوله {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} قرأ الكوفيون ويعقوبُ (أو أن) بأو التي للإبهام ومعناه أنه لا بد من وقوع أحد الأمرين والباقون بواو النسق على تسلط الخوف من التبديل وظهور الفساد معاً. وفتح نافع وابن كثير وابو عمرو الياء من "إِنِّي أخاف"؛ وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص "يُظْهر" بضم الياء وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ "الفَسَادَ" نصباً على المفعول به والباقون بفتح الياء والهاء من ظَهَرَ الفسادُ، "الفَسَادُ" رفعاً، وزيد بن علي يُظْهَرُ مبنياً للمفعول الفَسَاد مرفوع لقيامه مقام الفاعل ومجاهد "يَظَّهَّر" بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر من تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء، "الفسادُ" رفع على الفاعلية. فصل ذكر فرعونُ النسبَ الموجبَ لقتل موسى وهو أن المُوجِبَ لقتله إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعياً في إفساده اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبّهم لأموالهم لا جَرَمَ بدأ فرعونُ بذكر الدين فقال: {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ} ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال أو أن يظهر في الأرض الفساد. قوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ} قرأ نافع وأبو عمرو و حمزة والكسائي عُدتّ بإدغام الذال، والباقون بالإظهار. وقوله "لاَ يُؤْمِنُ" صفة "لِمُتَكَبِّرٍ". فصل لما توعد فرعونُ موسى بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله واعتمد على فضل الله فلا جَرَمَ صانه الله وحفظه منه. واعلم أن الموجب للإقدام على أيذاء الناس أمران: أحدهما: كون الإنسان متكبراً قاسِيَ القلب. والثاني: كونه منكراً للبعث والقيامة. لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقرّاً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له من الجري على موجب تكبّره فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعياً له إلى الإيذاء، لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلٌ فلا جَرَمَ تعظيم القَسْوةُ والإيذاء. وقوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} اختلفوا في هذا المؤمن، قال مقاتل والسدي: كان قبطياً. (وقيل): ابن عم فرعون، وهو الذي حكى الله عنه {أية : وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ}تفسير : [القصص:20] وقيل: كان إسرائيلياً، روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: الصديقون حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم، وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيراً من مؤمن آل فرعون، لأنه كان يكتم إيمانه، وقال أبو بكر جهاراً أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وكان ذلك سراً، وهذا جهراً. روى عروةُ بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنعهُ المشركون برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "بَيْنَا رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبةُ بن أبي مُعَيْط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً وأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟". قال ابن عباس وأكثر العلماء كان اسم الجرل خزييل. وقال ابن إسحاق جبريل، وقيل حبيب. قوله: "رَجُلٌ مُؤْمِنٌ" الأكثرون قرأُوا بضم الجيم، وقرىء رَجِلَ بكسر الجيم كما يقال: عَضِدٌ في عَضُدٍ. وقرأ الأعمش وعبد الوارث بتسكينها وهي لغة تميمٍ ونجد والأولى هي الفصحى. قوله "من آل" يحتمل أن يكون متعلقاً "بيكْتُمُ" بعده أي يكتم إيمانه من آل فرعون. قيل: هذا الاحتمال غير جائز؛ لأنه لا يقال: كتمتُ من فلانٍ كذا، إنما يقال: كتمته كذا، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}تفسير : [النساء:42] بل الظاهر تعلقه بمحذوف صفةً لرجل. قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون متعلقاً بقوله: "مؤمن" وإن كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون. قال شهاب الدين: وجاء هنا على أحسن ترتيب حيث قدم المفرد ثم ما يقرب منه وهو حرف الجر ثم الجملة وقد تقدم أيضاً هذه المسألة في المائدة وغيرها ويترتب على الوجهين هل كان هذا الرجل من قرابة فرعون فعلى الأولى لا دليل فيه، وقد رد بعضهم الأول بما تقدم، وأنه لا يقال: كتمت من فلان كذا إنما يقال: كتمت فلاناً كذا فيتعدى لاثنين بنفسه، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}تفسير : [النساء:42] وقال الشاعر: شعر : 4332ـ كَتَمْتُكَ هَمًّا بالجَمُومَيْنِ سَاهِراً وَهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنّاً وَظَاهِرَا أَحَادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي مَا يَرِيبُها وَوِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصَادِرَا تفسير : أي كتمتك أحاديث نفس وهمين، فقدم المعطوف على المعطوف عليه ومحلّه الشعر. قوله {أَن يَقُولَ رَبِّيَ} أي كراهة أن يقول، أو لأن يقول. قال الزمخشري: ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً أي وقت أن يقول والمعنى أتقتلونه ساعة سمتعم منه هذا القول من غير روية ولا فكر (في أمره) وهذا الذي أجازه رده أبو حيان بأن تقدير هذا الوقت لا يجوز إلا مع المصدر المصرّح به، تقول: صِيَاحَ الدِّيكِ أي وقت صياحه، ولو قلت: أجيئك أَنْ صَاحَ الديك أو أَنْ يَصِيحَ لم يصح نص عليه النحويون. قوله: "وقد جاءكم" جملة حالية، يجوز أن تكون من المفعول. فإن قيل: هو نكرة. فالجواب: أنه في حيِّز الاستفهام وكل ما سوغ الابتداء بالنكرة سوغ انتصاب الحال عنها، ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل. فصل لما حكى الله تعالى عن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله بين أنه تعالى قَيَّضَ له إنساناً أجنبياً حتى ذب عنه بأحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} وهذا استفهام على سبيل الإنكار، وذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الإنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتةَ فقوله: {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} يحتمل وجهين: الأول: أن قوله "ربي الله" إشارة إلى تعزيز النبوة بإظهار المعجزة. الثاني: أن قوله "رَبِّي اللهُ" إشارة إلى التوحيد. وقوله: {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتلِهِ غير جائز، وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال: إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم فعلى كلا التقديرين الأولى إبقاؤه حيًّا. فإن قيل: الإشكال على هذا الدليل من وجهين: الأول: أن قوله {فَإنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} معناه أن (ضرر) كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا كلام فاسد لوجوه: أولها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذباً يكون ضرر كذبه مقصوراً عليه لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ويغتر به جماعة ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد السيّىء ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصوماتُ الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذباً لم يكن ضرر كذبه مقصوراً عليه بل يكون متعدياً إلى الكل، ولهذا أجمع العلماء على أن الزِّنْدِيقَ الذي يدعو الناس إلى زَنْدَقَتِهِ يجب قتله. وثانيها: أنه إن كان هذا الكلام حجة فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة فيمكن جميع الزنادقة والمُبْطِلَة من أديانهم الباطلة. وثالثها: أن الكفار الذين انكروا موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ يجب أن لا يجوز الإنكار عليهم لأنه يقال إن كان ذلك المنكر كاذباً في ذلك الإنكار فعليه كذبه وإن يك صادقاً فما انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذه الطريق صَوَّبَتْ صدقه وما أفضى ثُبُوتُه إلى عدم صدقه كان فاسداً. الوجه الثاني: كان من الواجب أن يقال: وإنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُمْ؛ لأن الذي يصيب من بعض الذي يَعِدُ دون البعض هو الكفار والمنجمون. أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقاً في كل ما يقول فكان قوله: {يصبكم بعض الذي يعدكم} غير لائق بهذا المقام. والجواب عن الأسئلة الثلاثة بأن تقدير الكلام (أنه) لا حاجة لكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه من إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه وإن كان صادقاً فما انتفعتم به. والمقصود من ذلك التقسيم أنه لا حاجة بكم إلى قتله بل يكفيكم أن تُعْرِضُوا عنه وأن تمنعوه من إظهار دينه. وأما الجواب عن الوجه الثاني: وهو قوله كان الأولى أن يقال: "يصيبكم كل الذي يعدكم" فهو من وجوه: الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللَّجَاجِ؛ لأَنَّ المقصود منه وإن كان كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه وِإن كان صادقاً فلا أقلَّ من أن يصيبكُم بعض ما يعدكم وإن كان المقصود من الكلام هذا صح، ونظيره قوله {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [سبأ:24]. والثاني: أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يتوعّدهم بهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصابهم بعض الذي وعدهم به. الثالث: قال الزمخشري: "بعض" على بابها وإنما قال ذلك ليهضم موسى بعضَ حَقِّهِ في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً فضلاً عن أن يتعصب له. وهذا أحسن من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، وأَنْشَدَ قَوْلَ لَبيدٍ: شعر : 4333ـ تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُها تفسير : وأنشد أيضاً قول عمرو بن شُيَيْمٍ: شعر : 4334ـ قَدْ يُدْرِكُ المُتأنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مع المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ تفسير : وقول الآخر: شعر : 4335ـ إنَّ الأُمُورَ إذَا الأَحْدَاثُ دَبَّرهَا دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلاَ تفسير : قال شهاب الدين: ولا أدري كيف فهموا "الكل" من البيتين الأخيرين، وأما الأول ففيه بعض دليل لأن الموت يأتي على الكل. قال ابن الخطيب: والجمهور على أن هذا القول خطأ قالوا: وأراد لبيدٌ ببعض النفوس نفسه، ومعنى البيت أنه وصف نفسه أنه نَزَّالُ أمكنةٍ أي كثيرُ النزول في أماكن لا يرضاها إلا أن يربط نفسه الحِمام وهو الموت، وقال اللَّيْثُ: بعض ههنا صلة يُريد يصبكم الذي يعدكم. لما حكى الزمخشري قول أبي عبيدة أن "بعض" بمعنى "الكل" وأنشد عنه بيت لبيد قال: إن صحت الرواية عنه فقد حق فيه قولُ المَازِنِيِّ في مسألة العَلْقَى: كان أجْفَى من أن يفقه ما أقول له. قال شهاب الدين: ومسألة المازني معه: هي أن أبا عبيدة قال للمازني: ما أكذب النحويين يقولون هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، فإن الألف في عَلْقَى ملحقة، قال: فقلت له وما أنكرت من ذلك؟ فقال: سمعت رؤبة يُنْشِدُ: شعر : 4336ـ يَنْحَطُّ فِي عَلْقَى............. .................................. تفسير : فلم ينونها، فقلت: ما واحد علقى؟ قال: عَلْقَاة، قال المازني: فأَسِفْتُ ولم أفسر له لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا. قال شهاب الدين: وإنما استغلظه المازني؛ لأن الألف التي للإلحاق قد تدخل عليها تاء التأنيث (دالة على الوحدة فيقال: أَرْطَى، وأَرْطَاة، وإنما الممتنع دخولها على ألف التأنيث) نحو: دَعْوَى، وصَرْعَى. وأما عدم تنوين "علقى" فلأنه سمَّى بها شيئاً بعينه، وألف الإلحاق المقصورة حال العلمية تجري مجرى تاء التأنيث فيمتنع الاسم الذي هو فيه كما يمتنع فاطمةُ وينصرفُ قَائِمة. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} وفيه احتمالان: الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ والمعنى أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذَّاباً فدل على أن موسى ليس من الكذابينَ. الاحتمال الثاني: أن يكون المراد أن فرعون مسرفٌ في عزمه على قتل موسى كذابٌ في ادعائه الإلَهيَّة والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ ِأمره. قوله: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} اعلم أن مؤمن آل فرعون لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العقاب الذي توعّدهم به في قوله {يصبكم بعض الذي يعدكم} فقال: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض. أي أرض مصر يعني قد علوتم الناس وقَهَرْتُمُوهُمْ فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حلَّ بكم، وإنما قال "يَنْصُرُنَا وَجَاءَنَا"؛ لأنه كان يظهر أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه. قوله "ظَاهِرينَ" حال من الضمير "لكم" والعامل فيها وفي اليوم ما تعلق به "لكم". ولما قال المؤمن هذا الكلام قال فرعون: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} هي من رؤية الاعتقاد فيتعدى لمفعولين ثانيهما:"إلاَّ مَا أرَى" أي إلا ما أرى لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم. قوله {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} العامة على تخفيف الشين، مصدر رَشَدَ يَرْشُدُ. وقرِأ معاذ بن جبل بتشديدها، وخرجها أبو الفتح وغيره على أنها صفة مبالغة، نحو ضَرَبَ فهو ضَرَّاب، وقال النحاس: هو لحن، وتوهمه من الرباعي يعني أرشد، ورد على النحاس قوله: بأنه يحتمل أن يكون من "رشد" الثلاثي، وهو الظاهر، وقد جاء فعال أيضاً من أفعل وإن كان لا ينقاس، قالوا: أدْرَكَ فَهُوَ دَرَّاك وأجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَرَ فهو قَصَّار، وأَسْأرَ فهو سَئَّار. ويدل على أنه صفة مبالغة أن معاذاً كان يفسرها بسبيل الله. قال ابن عطية: ويبعد عندي على معاذ ـ رضي الله عنه ـ وهل كان فرعون يدعي إلا الإلَهيَّةَ؟ ويعلق بناء اللفظ على هذا التركيب. قال شهاب الدين يعني ابن عطية أنه كيف يقول فرعون ذلك فيقر بأنَّ ثمَّ من يهدي إلى الرشاد غيره مع أنه يدعي أنه إله. وهذا الذي عزاه ابن عطية والزمخشري وابن جبارة صاحب الكامل إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس هو في "الرَّشَادِ" الذي هو في كلام فرعون كما توهموا، وإنما هو في "الرَّشَادِ" الثاني الذي هو من قول المؤمن بعد ذلك. ويدل على ذلك ما روى أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح: وقرأ معاذ بن جبل سبيل الرشاد الحرف الثاني بالتشديد وكذلك الحسن وهو سبيل الله تعالى أوضحه لعباده كذلك فسره معاذ (بن جبل) وهو منقول من مُرْشِد كدَرَّاك من مدرك، وجبار من مجبر، وقصَّار من مقصِر عن الأمر، ولها نظائر معدودة فأما قصّار الثوب فهو من قصرت الثوب قِصَارَةً. فعلى هذا يزول إشكال ابن عطية المتقدم ويتضح القراءة والتفسير. وقال أبو البقاء وهو الذي يكثر منه الإرشاد أو الرشد يعني أنه يحتمل أن يكون من "أَرْشَدَ" الرباعي، أو "رَشَدَ" الثلاثي، والأولى أن يكون من الثلاثي لما عرفت أنه ينقاس دون الأول. قوله: {يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} اعلم أنه تعالى (لما) حكى عن ذلك المؤمن أنه (كان) يكتم إيمانه والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون فلهذا السبب حصل ههنا قولان: الأول: أن فرعون لما قال ذروني أقْتُلْ موسى لم يصرِّح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى بل أوهم أنه على دين فرعون إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي إبقاء موسى؛ لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة، وهذا لا يوجب القتل، فالإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بقبح الكلمات بل الأولى تأخير قتله ومنعه من إظهار دينه لأنه إن كان كاذباً فَوَبَالُ كَذِبِهِ عليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه. ثم أكد ذلك بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} يعنى أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} أنه يريد موسى، وإنما كان يقصد به فرعون؛ لأن المسرف الكذاب هو فرعون. والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولاً فلما قال فرعون ذروني أقتل موسى أزال الكتمان وأظهر أنه على دين موسى وشَاقَّ فرعون بالحق وقال: يا قوم إنِّي أخاف عليكم مثلَ يوم الأحزاب أي مثل أيام الأحزاب إلا أنه لما أضاف اليومَ إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، وكان لكل حزب يوم في العذاب اقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس. قوله: "مِثْلَ دأبِ" يجوز أن يكون "مثل" بدلاً، وأن يكون عطف بيان والمعنى مثل دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي دائماً لا يفترون عنه. ولا بدّ من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم. والحاصل أنه خوفهم الهلاك في الدنيا ثم خوفهم هلاك الآخرة {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} أي لا يُهْلِكُهُمْ قبل إقامة الحجة عليهم، والمقصود التنبيه على عذاب الآخرة يعنى أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً بأنهم استوجبوه بتكذيبهم الأنبياء، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هنا. قالت المعتزلة: وما الله يريد ظلماً للعباد يدل على أنه لا يريد أن يظلم العباد، ولا يريد الظلم من أحد العباد البتة، ولو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم إذ لو لم يقدر عليه لما حصل التمدح بترك الظلم، وهذا الاستدلال قد تقدم مراراً مع الجواب. قوله (تعالى): {وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ} التناد تفاعل من النداء يقال: تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً، والأصل: الياء، وقد تقدم الخلاف في يائه كيف تحذف والأصل تَنَادُياً ـ بضم الدال ـ ولكنهم كسروها؛ لِتَصحَّ الياءُ. وقرأت طائفة بسكون الدال إجراء للوصل مجرى الوقف، وتنادى القوم أي نادى بعضهُم بَعْضاً، قال (الشَّاعِرُ ـ رَحِمَهُ الله ـ): شعر : 4337ـ تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِساً فَقُلْنَا عُبَيْدَ اللهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي تفسير : وقال آخر: شعر : 4338ـ تَنَادَوْا بَالرَّحِيلِ غَداً وَفِي تَرْحَالِهِمْ نَفْسِ تفسير : وقرأ ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين بتشديدها مصدر تَنَادَّ من: نَدَّ البَعِيرُ إذَا هَرَبَ ونَفَرَ، وهو في معنى قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}تفسير : [عبس:34] الآيات ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى بعد ذلك: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ}. قال أبو علي: التَّنادي مخففاً من التناد من قولهم نَدَّ فلانٌ إذا هرب. وفي الحديث: "حديث : إنَّ للنَّاسِ جَوْلَةً يَنِدُّونَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ مَهْرَباً"تفسير : . وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ: شعر : 4339ـ وَبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحَاهَا فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي تفسير : قوله: "يَوْمَ تُوَلُّونَ" يجوز أن يكون بدلاً من "يوم التناد" وأن يكون منصوباً بإضمار "أعني". ولا يجوز أن يكون عطف بيان، لأنه نكرة وما قبله معرفة، وقد تقدم في قوله {أية : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [آل عمران:97] أن الزمخشري جعله بياناً مع تخالفهما تعريفاً وتنكيراً وهو عكس هذا، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرة، والأول معرفة. قوله {مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} يجوز في "من عاصم" أن يكون فاعلا بالجار، لاعتماده على النفي، وأن يكون مبتدأ أو من مزيدة على كلا التقديرين، ومن الله متعلق بعَاصِمٍ. فصل أجمع المفسرون على أن يوم التنادي (هو) يوم القيامة وفي تسميته بهذا الاسم وجوه: قيل: لأن أهل النار ينادون أصحابَ الجنة، وأصحاب الجنة ينادون أصحابَ النار كما حكى الله عنهم. وقال الزجاج: هو قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}تفسير : [الإسراء:71]. وقيل: ينادي بعضُ الظالمينَ بعضاً بالويْل والثُّبُور، فيقولون: يَا وَيْلَنَا. وقيل: يُنَادَوْنَ إلى المحشر وقيل ينادي المؤمن: هَاؤُم اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ، والكافر: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وقيل: ينادى باللَّعَنةِ على الظالمين، وقيل: يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وقيل: ينادى بالسعادة والشقاوة ألا إنَّ فلان ابن فلان سِعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وفلان ابن فلان شقي شقاوة فلا يسعد بعدها أبداً. وقوله: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ}. قال الضحاك: إذا سمعوا زفيرَ النار نَدُّوا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً فيرجعون إلى مكانهم فذلك قوله: {أية : وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ}تفسير : [الحاقة:17] وقوله: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ}تفسير : [الرحمن:33]. قال مجاهد ـ رضي الله عنه ـ: فارِّينَ عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: {مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} يعصمكم من عذابه، ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}. قَوْلُهُ (تَعَالَى): {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ} يعني يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالبينات، ونقل الزمخشري أنه قبل يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بَقِيَ حيًّا إلى زمانه، وقيل: هو فرعون آخر. والمقصود من الكل شيء واحد هو أن يوسف جاء قومه بالبينات وهي قوله تعالى: {أية : أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}تفسير : [يوسف:39] والأولى أن يُراد بها المعجزات. واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال لهم: ومن يضلل الله فما له من هاد ذكر هذا المثال وهو أن يوسف جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على التكذيب ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على (أن) من أضله الله فما له من هاد، ثم قال: {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ} قال ابن عباس ـ (رضي الله عنه ـ): من عبادة الله وحده لا شريك له، فلم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات. قوله "حَتَّى إذَا" غاية لقوله {فما زلتم في شك}، فَلَمَا هَلَك {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} أي أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله تعالى لا يجدد عليكم الحجة، وقرىء ألن يبعث الله بإدخال همزة التقرير يقرّر بعضهم بعضاً. قوله: "كَذَلِكَ" أي الأمر كذلك، أو مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف كذاب في عصيانه مرتاب في دينه، فقوله "يضل الله" مستأنف، أو نعت مصدر أي مثل إضلال الله إياكم حين لم تقبلوا من يوسف يضل الله من هو مسرف. ثم بين تعالى ما لأجله بقُوا في ذلك الشك والإسراف فقال: {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي بغير حجة إما بناء على التقليد، وأما بناء على شبهات خسيسة. قوله: "الَّذِينَ يُجَادِلُونَ" يجوز فيه عشرة أوجه: أحدها: أنه بدل من قوله "من هو مسرف" وإنما جمع اعتباراً بمعنى "من". الثاني: أن يكون بياناً له. الثالث: أن يكون صفة له وإنما جمع على معنى "من" أيضاً. الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني. الخامس: أن يرتفع خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين. السادس: أن يرتفع مبتدأ خبره "يَطْبَعُ اللهُ"، و "كذلك" خبر مبتدأ مضمر أيضاً أي الأمر كذلك، والعائد من الجملة وهي يطبع على المبتدأ محذوف أي على كل متكبر منهم. السابع: أن يكون مبتدأ، والخبر "كَبُرَ مَقْتاً" ولكن لا بُدّ من حذف مضاف ليعود الضمير من "كبر" عليه والتقدير: قال الذين يجادلون كَبُرَ مقتاً، ويكون "مَقْتاً" تمييزاً، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير كبر مَقْتُ حالهم أي جادل المجادلين. الثامن: أن يكون "الَّذِينَ" مبتدأ أيضاً، ولكن لا يقدر حذف مضاف، ويكون فاعل كبر ضميراً عائداً على ما تقدم أي كبر مقت جدالهم. التاسع: أن يكون "الذين" مبتدأ أيضاً، والخبر {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأن فيه تفكيك الكلام بعضه من بعض؛ لأن الظاهر تعلق "بغَيْرِ سُلْطَانٍ" "بِيُجَادِلُونَ" ولا يتعقل جعله خبراً "للذين" لأنه جار ومجرور فيصير التقدير: الذي يجادلون كائنونَ أو مستقرونَ بغير سلطان أي في غير سلطان؛ لأن الباء إذْ ذَاكَ ظرفية خبرٌ عن الجثث. العاشر: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي معاندون ونحوه قاله ِأبو البقاء. قوله: "كَبُرَ مَقْتاً" يحتمل أن يراد به التعجب والاستفهام، وأن يراد به الذم "كبئس" وذلك أنه يجوز أن يبنى (فَعُلَ) ـ بضم العين ـ مما يجوز فيه التعجب منه، ويَجْرِي مَجْرَى نِعْمَ وَبِئْسَ في جميع الأحكام، وفي فاعله ستة أوجه: الأول: أنه ضمير عائد على حال المضاف إلى الذين، كما تقدم تقريره. الثاني: أنه ضمير يعود على جدالهم المفهوم من "يُجَادِلُونَ" كما تقدم تقريره أيضاً. الثالث: أنه الكاف في "كَذَلِكَ". قال الزمخشري: وفاعل "كَبُرَ" قوله: كذلك، أي كَبُرَ مقْتاً مِثْل ذَلِكَ الجِدال، و "يَطْبَعُ اللهُ" كلام مستأنف. ورده أبو حيان: بأن فيه تفكيكاً للكلام وارتكابَ مذهب ليس بصحيح، أما التفكيك فلأن ما جاء في القرآن من "كَذَلِكَ يطبع أو تطبع" إنما جاء مربوطاً بعضه ببعض، وكذلك هذا وأما ارتكاب مذهب غير صحيح فِإنه جعل الكاف اسماً، ولا يكون اسماً إلا في ضرورة خلافاً للأخفش. الرابع: أن الفاعل محذوف نقله الزمخشري، قال: ومن قال كبر مقتاً عند الله جِدَالهُم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه. قال شهاب الدين: القائل بذلك هو الحَوْفِيُّ لكنه لا يريد بذلك تفسير الإعراب إنما يريد به تفسير المعنى، وهو معنى ما تقدم من أنّ الفاعل ضمير يعود على جدالهم المفهوم من فعله، فصرح به الحوفي بالأصل، وهو الاسم الظاهر، ومراده ضمير يعود عليه. الخامس: أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلاً زيد، وبئس غلاماً عَمْرو. السادس: أنه ضمير يعود على من في قوله: "من هو مسرف" وأعاد الضمير من كبر مقتاً اعتباراً بلفظها وحينئذ يكون قد راعى لفظ من أولاً في قوله كبر مقتاً. وهذا كله إذا أعربت "الذين" تابعاً لـ {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} نعتاً أو بياناً، أو بدلاً. وقد تقدم أن الجملة من قوله "كبر مقتاً" فيها وجهان: أحدهما: الرفع، إذا جعلناها خبر المبتدأ. والثاني: أنها لا محل لها، إذا لم نجعلها خبراً، بل هي جملة استئنافية. وقوله: "عِنْدَ الله" متعلق "بكَبُرَ"، فكذلك قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفاً وأن يكون فاعلاً وهما ضعيفان. والثالث ـ وهو الصحيح ـ: أنه معمول لـ "يَطْبَعُ" أي مثل ذلك الطبع يطبع الله، و "يطبع الله" فيه وجهان: أظهرهما: أنه مستأنف. والثاني: أنه خبر للموصول كما تقدم. قوله: "قَلْبِ متكبّر" قرأ أبو عمرو، وابن ذَكْوَانَ بتنوين "قَلْبٍ"، وصف القلب بالتكبر والجبروت لأنهما ناشئان منه، وإن كان المراد الجملة، كما وصف بالإثم في قوله: {أية : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}تفسير : [البقرة:283] وفي قوله: {أية : إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ}تفسير : [غافر:56] قال ابن الخطيب: "وأيضاً قال قوم: الإنسان الحقيقي هو القلب" والباقون بإضافة "قلب" إلى ما بعده، أي كُلِّ قَلْبِ شخصٍ متكبرٍ. قال أبو عبيد: الاختيار الإضافة، لوجوه: الأول: أن عبد الله قرأ: "على قلب كل متكبر" وهو شاهد لهذه القراءة. الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما. وقد قدر الزمخشري مضافاً في القراءة الأولى، أي على كُلّ ذِي قلبٍ متكبر، فجعل الصفة لصاحبِ القلب. قال أبو حيان: "ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد الحذف". قال شهاب الدين: بل ثَمَّ ضرورة إلى ذلك، وهو توافقُ القراءتين واحداً وهو صاحب القلب بخلاف عدم التقدير، فإنه يصير الموصوف في إحداهما القلب وفي الأخرى صاحبه. فصل قال الزَّجَّاجُ: قوله: "الذين" تفسير لـ "المسرف المرتاب"، يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي في إبطالها بالتكذيب "بغير سلطان" حجة، "أتاهم"، "كبر مقتاً" أي كبر ذلك الجدال مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا. ودلت الآية على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد مقت بعض عباده، إلا أنها صفة التأويل في حق الله، كالغضب، والحياء، والعجب. ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك حصل عند الذين آمنوا، قال القاضي: مقت الله إياهم يدل على أن كل فعل ليس بخلق الله لا أنّ كونه فاعلاً للفعل، وما قاله محال. فصل قد تقدم الكلام في الطبع، والرَّيْنِ، والقَسوة، قال أهل السنة: قوله: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ} يدل على أن الكل مِنْ عند الله. وقالت المعتزلة: الآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل، لأنه كان في نفسه متكبراً جباراً. قال ابن الخطيب: وعند هذا تصيِرُ الآية حجة لكل واحد من الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الثاني يخرج عليه رُجْحَانُ مذهبنا، وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعو إلى الطاعة، والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حقاً، فيكون تعليل القلب بكونه متكبراً متجبراً باقياً، فثبت أن القول بالقضاء والقدر هو ما ينطبق عليه لفظ القرآن من أوله لي آخره. فصل قال مقاتل: الفرق بين المتكبر، والجبار، أن المتكبر عن قبول التوحيد، والجبار في غير حق. قال ابن الخطيب: كما السعادة في أمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا...} . قال: هذا بعد القتل الأول، ولفظ عبد بن حميد هذا قتل غير القتل الأوّل الذي كان. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {وقال فرعون ذروني أقتل موسى} قال: أنظر من يمنعه مني. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} قال: أن يقتلوا أبناءكم ويستحيوا نساءكم إذا ظهروا عليكم كما كنتم تفعلون بهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه {إني أخاف أن يبدل دينكم} أي أمركم الذي أنتم عليه {أو أن يظهر في الأرض الفساد} والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} قال: المشرك أسرف على نفسه بالشرك.
القشيري
تفسير : أكْرَمُ خَلْقِه في وقته كان موسى عليه السلام، وأخَسُّ خَلْقِه وأذَلُّهمِ في حُكْمِه وأشدُّهم كفراً كان فرعون؛ فما قال أحدٌ غيره: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى}تفسير : [القصص: 38]. فَبَعَثَ اللَّهُ - أخصَّ عباده إلى أخسِّ عباده، فقابله بالتكذيب، ونَسبَه إلى السِّحر، وأنْبَهُ بكل أنواع التأنيب. ثم لم يُعَجِّلْ اللَّهُ عقوبته، وأمهله إلى أن أوصل إليه شِقْوَتَه - إنه سبحانه حليمٌ بعباده.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد ارسلنا موسى} ملتبسا {بآياتنا} وهى المعجزات التسع {وسلطان مبين} اى وحجة قاهرة ظاهرة كالعصا افردت بالذكر مع اندراجها تحت الآيات تفخيما لشأنها فهو من قبيل عطف الخاص على العام
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا}؛ معجزاته التسع {وسلطانٍ مبين} أي: حجة قاهرة، وهي: إما عين الآيات، والعطف لتغاير العنوانين، فكونها آيات من جهة خرق العادة، وكونها حجة من حيث الدلالة على صدق صاحبها، وإما أن يريد بالسلطان، بعض مشاهيرها، كالعصا، أُفردت بالذكر مع اندراجها تحت الآيات؛ لعِظمها. وقال ابن عرفة: الآيات: المعجزات، والسلطان المبين، راجع إلى التحدي بها، فهو من قبيل الإدعاج، أو: يكون السلطان راجعاً إلى ظهورها؛ إذ ليس من شرطها الظهور، أو: يرجع إلى نتيجتها، هو الغلبة والنصر. هـ. أرسل {إِلى فرعونَ وهامانَ وقارونَ فقالوا} فيما أظهره، أو: فيما ادّعاه من الرسالة: هو {ساحر كذَّابٌ فلمَّا جاءهم بالحقِ مِن عندنا} وهو الوحي والرسالة، {قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه} أي: صبيانهم الذكور، {واستحيُوا نساءَهم} للخدمة، أي: أَعيدوا عليهم القتل الذي كنتم تفعلونه أولاً، وكان فرعون قد كفَّ عن قتل الولدان؛ لئلا تعطل خدمته، فلما بُعث عليه السلام، وأحسَّ بأنه قد وقع ما توقع، أعاده عليهم غيظاً، وحُمقاً، وزعماً منه أن يصدهم بذلك عن مظاهرته. {وما كيدُ الكافرين إِلا في ضلالٍ}؛ في ضياع وبطلان، فإنهم باشروا قتلهم أولاً، فما أغنى عنهم، ونفذ قضاء الله بإظهار مَن خافوه، فما يغني عنهم هذا القتل الثاني، فلم يعلم أن كيده ضائع في الكَرّتين، واللام: إما للعهد المتقدم، والإظهار في موضع الإضمار؛ لذمهم بالكفر، والإشعار بعلة الحكم، أو: للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أوليّاً. والجملة: اعتراض جيء بها في تضاعيف ما حكى عنهم من الأباطيل؛ للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه من الإبراق والإرعاد الذي لا طائل تحته. {وقال فرعونُ} لملئه: {ذروني أقتلْ موسى}، وكان ملَؤه إذا همَّ بقتله كفّوه، وقالوا: ليس بالذي تخافه، وهو أقل من ذلك، وما هو إلا ساحر، وإذا قتلتَه أدخلتَ شبهة على الناس، واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة، والظاهر من دهاء اللعين ونكارته أنه قد استيقن أنه نبيّ، وأن ما جاء به آيات باهرة، وما هو بسحر، ولكن كان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجَل بالهلاك، وكان قوله تمويهاً على قومه، وإيهاماً أنهم هم الكافُّون عن قتله، ولولاهم لقتله، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من الفزع الهائل. وقوله: {وليَدْعُ رَبَّه} تجلُّد منه وإظهار لعدم المبالاة بدعائه، ولكنه أخوف ما يخافه. ثم قال: {إِني أخافُ} إن لم أقتله {أن يُبدِّلَ دينَكُم} أي: بغير ما أنتم عليه من الدين، وهو عبادتهم له وللأصنام؛ لتقربهم إليه، {أو أن يُظْهِر في الأرض الفسادَ} أي: ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج إن لم يقدر على تبديل دينكم بالكلية. والحاصل: أنه قال: أخاف أن يُفسد عليكم دينكم، بدعوته إلى دينه، أو: يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من التقاتل والتهارج، الذي يذهب معه الأمن، وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش. {وقال موسى} لَمَّا سَمِعَ ما أجراه من الحديث في قتله لقومه: {إِني عُذْتُ بربي وربِّكُم من كل متكبرٍ لا يؤمن بيوم الحساب}، صدّر عليه السلام كلامَه بإنَّ؛ تأكيداً له، وإظهاراً لمزية الاعتناء بمضمونه، وفرط الرغبة، وخصّ اسم الرب المنبىء عن الحفظ والتربية؛ إذ بهما يقع الحفظ. وفي قوله: {وربكم} حث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذتَه، ويعتصموا بالتوكل اعتصامَه، ولم يُسمّ فرعون، بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة؛ لتعميم الاستعاذة، والإشعار بعلة القساوة والجرأة على الله تعالى، وهو التكبُّر. قال ابن عرفة: أشار إلى أن كفره لم يكن لأجل أن موسى لم يأتِ بدليل ولا معجزة، ولم يكن أيضاً لخفاء تلك المعجزة، وعدم ظهورها، بل كان لجحود التعنُّت والتكبُّر، والإباية عن الانحطاط من سلطنة الملك إلى رتبة الاتِّباع. هـ. وقال: {لا يؤمن بيوم الحساب}؛ لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبُّر والتكذيب بالجزاء، وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القوة والجرأة على الله وعباده، والعياذ بالله. الإشارة: قال القشيري: كان موسى عليه السلام أكرم خَلْقِه في وقته، وكان فرعون أخَسّ خَلْقِه في وقته؛ إذ لم يقل أحد: ما علمتُ لكم من إله غيري، فأرسل أخصَّ عباده إلى أخسّ عباده. ثم إن فرعون سعى في قتل موسى، واستعان على ذلك بخَيْله ورَجْله، ولكن كما قال تعالى: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال}، وإذا حَفَرَ أحدٌ لِوَليِّ الله حُفرةً، ما وقع فيها غيرُ حافِرها، كذلك أجرى الحقُّ سُنَّتَه. هـ. ثم ذكر موعظة مؤمن آل فرعون لقومه، فقال: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا} اشارة الى حال بعض الّذين من قبلهم {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ} اى استبقوا بناتهم، او امنعوا نساءهم من مضاجعة - ازواجهم، او تجسّسوا حياء نساءهم لتجسّس العيب او الحمل {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} وضياعٍ.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا} أي بكلام يدل على وحدانيتي وعلى رسالته* {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} حجة الواضحة أي معجزات وقيل الآيات المعجزات وسلطان مبين، الحجة الواضحة فالعطف مرادف ونكتته وصفها بالسلطان أي القوة والوضوح أو الايضاح والمراد بالسلطان المبين بعض الآيات كالعصى واليد والعطف عطف خاص على عام لتفخيم شأن ذلك الخاص.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا } وهي معجزاته عليه السلام {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} حجة قاهرة ظاهرة، والمراد بذلك قيل ما أريد بالآيات ونزل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين فعطف الثاني على الأول، وقيل: المراد به بعض من آياته له شأن كالعصا، وعطف عليها تفخيماً لشأنه كما عطف جبريل وميكال عليهما السلام على الملائكة. وتعقب بأن مثله إنما يكون إذا غير الثاني بعلم أو نحوه أما مع إبهامه ففيه نظر، وحكى الطبرسي أن المراد بالآيات حجج التوحيد وبالسلطان المعجزات الدالة على نبوته عليه السلام، وقيل الآيات المعجزات والسلطان ما أوتيه عليه السلام من القوة القدسية وظهورها باعتبار ظهور آثارها من الإقدام على الدعوة من غير اكتراث. وقرأ عيسى {سلطان} بضم اللام.
ابن عاشور
تفسير : هذا ذكر فريق آخر من الأمم لم يشهد العرب آثارهم وهم قوم فرعون أقباطُ مصر، وتقدم نظير هذه الآية في أواخر سورة هود. وتقدم ذكر هامان وهو لقب وزير فرعون في سورة القصص. وفي هذه القصة أنها تزيد على مَا أجمل من قصص أمم أخرى أن فيها عبرتين: عبرةً بكيد المكذبين وعنادهم ثم هلاكهم، وعبرةً بصبر المؤمنين وثباتهم ثم نصرهم، وفي كلتا العبرتين وعيد ووعد. وجملة: {فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّاب} معترضة بين جملة {ولقد أرْسَلْنَا مُوسَىٰ} وبين جملة {أية : فَلَمَّا جَاءَهم بِالحَقّ}تفسير : [غافر: 25]. وقَارون هو من بني إسرائيل كذب موسى، وتقدم ذكره في القصص، وقد قيل إنه كان منقطعاً إلى فرعون وخادماً له، وهذا بعيد لأنه كان في زمرة من خرج مع موسى، أي فاشترك أولئك في رمي رسولهم بالكذب والسحر كما فعلت قريش.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أرسل نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، بآياته وحججه الواضحة كالعصا واليد البيضاء إلى فرعون وهامان وقارون فكذبوه، وزعموا أنه ساحر. وأوضح هذا المعنى، في آيات كثيرة كقوله تعالى عن فرعون وقومه: {أية : وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا} تفسير : [الأعراف: 132]، وقوله تعالى عن فرعون {أية : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} تفسير : [طه: 71]. وقوله تعالى: {أية : قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الشعراء: 34] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد بيناها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بآياتنا وسلطان مبين: أي بحججنا، وبرهان بين ظاهر. هامان وقارون: هامان وزير فرعون، وقارون رجل الملايين. فقالوا ساحر كذاب: أي لما رأوا آية العصا واليد البيضاء قالوا: ساحر كذاب دفعاً لقومهم حتى لا يؤمنوا به. فلما جاءهم بالحق من عندنا: أي جاءهم موسى بالصدق فيما أخبرهم به من أنه رسول الله وطالبهم بإرسال بني إسرائيل معه. قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه: أي اقتلوا الأولاد الذكران. واستحيوا نساءهم: أي بناتهم بمعنى أتركوهن حيات. وما كيد الكافرين إلا في ضلال: أي وما مكرهم إلا في خسران وضياع. ذروني أقتل موسى وليدع ربه: أي دعوني واتركوني وليدع ربَّه ليمنعه مني. إني أخاف أن يبدل دينكم: أي يغير عبادتكم لآلهتكم لعبادة إلهه. أو أن يظهر في الأرض الفساد: بالقتل والتخريب ونحوه. إني عذت بربي وربكم: أي استجرت بخالقي وخالقكم. من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب: أي من كل إنسان متكبر لا يؤمن بيوم الحساب والجزاء على الأعمال. معنى الآيات: بعد تلك الدعوة الربانيَّة لقريش إلى الإِيمان والتوحيد والتصديق بالبعث والجزاء، وما فيها من مظاهر لقدرة الله وعلمه وحكمته وعدله، وبعد ذلك العرض لأحوال القيامة، وبيان الجزاء لكل من الكافرين والمؤمنين فيها كأنه يُرى رأي العين، وبعد ذلك الترغيب والترهيب مما في الدنيا والآخرة والمشركون لا يزدادون إلا عُتواً وطغياناً بعد كل ذلك قص الله تعالى على رسوله قصة موسى مع فرعون ليُسلِّيه بها ويصبره وليعلمه أن البلاء مهما اشتد يعقبه الفرج، وأن الله ناصره على قومه كما نصر موسى على فرعون وقومه فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} أي قبلك يا رسولنا - موسى بن عمران بآياتنا أي بأدلتنا وحججنا على صدق دعوته وصحة رسالته، وسلطان مبين أي وبرهان ظاهر بيّن أرسلناه إلى فرعون وهامان وقارون فهامان وزير فرعون وقارون من أرباب الملايين وهو وإن لم يكن من آل فرعون لأنه من بني إسرائيل إلا أنه مالأ فرعون ووقف في صفه، فلما بلغهم موسى دعوة ربه وأراهم الحجج والبراهين قالوا ساحر كذاب فرموه بقاصمتين السحر والكذب حماية لمصالحهم وخوفا من تغيير الوضع عليهم. وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا} أي فلما جاءهم موسى بالصدق من عند الله كان رَدُّ الفعل منهم أن أمروا بقتل الذكور من أولاد الذين آمنوا معه، واستحياء بناتهم للخدمة والامتهان وهو ما أخبر تعالى به في قوله: {قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ} وقوله تعالى {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} عام في كل كيد كافر يبطله الله تعالى ولا يضر به أولياءه وقوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ} لا شك أن هذا القول الدال على طغيان فرعون كان بعد أن انهزم في ميادين عدة أراد أن يسترد بعض ما فقد فقال ذروني أقتل موسى أي اتركوني أقتل موسى {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي ليمنعه مني، وعلل لقوله هذا بقوله إني أخاف أن يبدِّل دينكم، أي بعد أن يغلب عليكم فتدينون بدينه أو أن يظهر في الأرض الفساد بالقتل والفتن. ورد موسى عليه السلام بما أخبر تعالى به عنه في قوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} قال موسى هذا لما سمع مقالة فرعون التي يهدده فيها بالقتل فأعلمهم أنه قد استجار بالله وتحصن به فلا يقدر أحد على قتله، وقوله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، لأن من يؤمن بيوم الحساب لا يقدم على جريمة القتل وإنما يقدم عليها من لا يؤمن بحساب ولا جزاء في الدار الآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول وحمله على الصبر والتحمل وهو في أشد الظروف صعوبة. 2- عدم تورع الظلمة في كل زمان عن الكذب وتلفيق التهم للأبرياء. 3- التهديد بالقتل شنشنة الجبارين والطغاة في العالم. 4- أحسن ملاذ للمؤمن من كل خوف هو الله تعالى رب المستضعفين.
القطان
تفسير : سلطان مبين: حجة واضحة. هامان: وزير فرعون. قارون: من أغنى الأغنياء في ذلك الزمان. اني عُذت بربي: اني التجأت اليه. رجل مؤمن من آل فرعون: يقال إنه ابن عم فرعون. المسرف: الذي تجاوز الحد في المعاصي. ظاهرين: غالبين. ما أريكم الا ما أرى: ما أعلّمكم الا ما أعلم من الصواب. لقد تقدمتْ قصةُ موسى أكثر من مرة، ذُكر هامان وقارون كل منهما ست مرات، وهذه آخر سورة يُذكران فيها. والجديد في قصة موسى هنا هو ذِكر الرجل المؤمن من آل فرعون. فإن الله تعالى لما أرسل موسى الى فرعون وهامان وقارون كذّبوه وقالوا ساحر مبالغ في الكذب. ولمّا أعيت فرعونَ الحيلة ولم يستطع ان يأتي بحجة ضد موسى - قال لقومه: دعوني أقتلُ موسى، وليدعُ ربه لينقذه، فاني أخاف عليكم ان يغير دينكم {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} فقال موسى لفرعون وملئه: إني تحصنت والتجأتُ الى ربي ولا اخاف منكم احدا. وهنا يتدخل الرجل المؤمن من آل فرعون فيما لا يعرفُ أحدٌ أنه آمن، فيقول: اتقتلون رجلاً لأنه يقول إن الهي الله!! ولقد جاءكم بالأدلة الواضحة من رب العباد، وأفحمكم بالحجة القاطعة وعجزتم عن اقناعه! {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} وما عليكم من تبعته شيء. {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}. ثم أضاف يقول: يا قومي، ان الملك لكم اليوم وانتم ظاهرون في ارض مصر، فمن ينقذنا من عذاب الله ان جاءنا!؟ فلم يلتفت فرعون اليه، وقال لقومه: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} واستمر على عناده وكفره.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَا} {سُلْطَانٍ} (23) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ، فَيَذْكرُ لَهُ قَصَصَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللهِ، وَمَا لاَقوهُ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، فَكَانَتِ العَاقِبَةُ لَهُمْ، والدَّمَارُ لأَِعْدَائِهِمْ وَمُكَذِّبِيهِمْ. وَبَدأ اللهُ تَعَالَى بِسَرْدِ قِصَّة مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَرْسَلَهُ بِالآيَاتِ البَيِّنَاتِ وَالْحُجَجِ الدَامِغَاتِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يذكر هنا قصة سيدنا موسى عليه السلام لأنها امتازت على قصص الرسل السابقين له، من حيث إنهم جاءوا ليشفوا الناس من بعض الأمراض العقدية، ويخرجوهم من جاهلية افعل ولا تفعل، ويعيدوهم إلى الجادة، أمَّا سيدنا موسى فقد جاء ليجابه رجلاً ادعى الألوهية وتكبَّر وتجبَّر فكانت مهمته أصعب، لذلك كان أكثر الرسل قصصاً في القرآن الكريم. قوله تعالى: {بِآيَاتِنَا ..} [غافر: 23] المراد الآيات الواضحات التسع التي أُوتيها موسى عليه السلام، تأييداً له وبرهاناً على صِدْق رسالته وأولها العصا، وللعصا في قصة سيدنا موسى تاريخ ومواقف، فبها ضرب البحر فصار كل فِرْق كالطود العظيم بها انفلق البحر وتجمد الماء، وبنفس العصا ضرب الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشر عيناً، إذن: المسألة ليست في الماء والجبل، إنما معجزة خالق الماء وخالق الجبل الذي يقول للشيء: كُنْ فيكون. لذلك وقف المستشرقون عند قصة سيدنا موسى، ورأوا أنها أخذتْ النصيب الأوفر بين موكب الرسالات وفصَّلها القرآن تفصيلاً ظنوه تكراراً معاداً، خاصة في مسألة العصا، حيث ذُكرت في ثلاثة مواقف، هي في الحقيقة ليست تكراراً إنما هي لقطات مختلفة لحدث متجمع، فأول ما أعطى الله موسى العصا معجزةً سأله عنها: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 17-18]. وقلنا: إن موسى لم يرد على قدر السؤال لأن الذي يسأله ربه فأراد أنْ يطيل أَمَد الحديث مع ربه عز وجل، فلم يَقُلْ عصا أو عصاي، فلما أحسَّ أنه أطال أجمل وقال: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18]. الموقف الثاني الذي ذُكِرت فيه العصا لما أراد الحق سبحانه أن يدرب موسى على استخدامها، وأنْ يجربها هو بنفسه ليكون على استعداد ودُرْبة حينما يواجه مُدَّعي الألوهية فرعون فقال له: {أية : قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 19-21]. هذا هو المطلوب من إجراء هذه التجربة أمام موسى، أن يخاف منها، وأنْ يراها على حقيقتها وهي حية، ولو أنها ظلتْ على حالتها عصا ما خاف منها موسى، ولما قال له ربه {أية : وَلاَ تَخَفْ ..} تفسير : [طه: 21]. ثم كان الموقف الأخير للعصا حين التقى موسى بسحرة فرعون وفي حضرته حين جابه سِحْرهم بعصاه التي ألقاها فراحتْ تلقف ما صنعوا، وعن هذا الموقف قال تعالى: {أية : قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [طه: 65-68]. إذن: ليس في ذكر عصا موسى تكرار، إنما هي مواقف مختلفة وحالات عِدَّة للشيء الواحد. وقوله {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [غافر: 23] السلطان هو الحجة الواضحة، والسلطان هو القوة، إما قوة البرهان والحجة، وإما قوة القهر والغلبة، كما ورد في حوار الشيطان يوم القيامة: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. يعني: لم يكن لي سلطان حجة تقنعكم، ولا سلطان قهر وقوة ترهبكم وتجبركم على المعصية، بل كنتم على (تشويرة) مجرد أن دعوتكم استجبتم {أية : فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..} تفسير : [إبراهيم: 22] نقول: صرخ فلان فأصرخته يعني: أزلتُ أسباب صراخه. وقوله: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ ..} [غافر: 24] نعم كان فرعون هو رأس الفتنة ومُدَّعي الألوهية، لكن ذكر معه هامان لأنه كان وزيره ومساعده، وقارون لأنه كان صاحبَ خزانته، فكان الثلاثة شركاء، لذلك اشتركوا أيضاً في اتهام موسى {فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ} [غافر: 24]. {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا ..} [غافر: 25] أي: بالآيات {قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ..} [غافر: 25] مسألة قَتْل الأبناء جاءت من فرعون مرتين: الأولى: أيام كان موسى طفلاً، وعلم فرعون من المنجِّمين أن زوال ملْكه سيكون على يد أحد أبناء بني إٍسرائيل، فأخذ يقتل الأبناء الصغار مخافةَ هذا الولد الذي سيُولد ويزول مُلكه على يديه. والعجيب أن نرى هنا غباء فرعون وتغفيله في قتل أبناء بني إسرائيل وحرصه على ألاَّ يفلت منهم أحدٌ، حتى أن رجاله كانوا يدخلون البيوت يبحثون فيها عن الأطفال الصغار. وقد أظهر هذا الموقف غباءه من ناحيتين، أولاً: أنه يقتل الأبناء الصغار مع أن النبوءة تقول: إن زوال مُلْكه سيكون على يد واحد منهم، ثم يأتيه غلام بهذه الطريقة المريبة: صندوق في البحر بداخله غلام صغير جاءه إلى باب بيته، فيطمئن إليه ويأخذه ويُربِّيه على عينه ويغفل عما يُراد به. وهذا الموقف يوضحه قوله تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..} تفسير : [الأنفال: 24] نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء. وقوله: {وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ ..} [غافر: 25] أي: اقتلوا الأبناء الذكور، لأنهم مصدر الخوف، ومنهم يكون التمرد، ومنهم مَنْ يزول مُلْك فرعون على يديه، أمَّا النساء فاتركوهن أحياء للخدمة وللإذلال. وهذا يفسر لنا: لماذا كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم، لكي يكُنَّ معهم في مصير واحد، فإنِ انتصروا عادوا سالمين، وإنْ قُتِلوا قُتِلوا جميعاً حتى لا يبقى النساء بعدهم للأَسْر والسَّبي والإذلال. {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [غافر: 25] نعم كان هذا كيداً من فرعون وأعوانه، لكن هل أنفذ كيده ببني إسرائيل؟ لا بل ردَّ الله كيده عليه وباء بالضلال والخسران.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما حلَّ بالكفار من العذاب والدمار، أردفه بذكر قصة موسى مع فرعون تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من الأذى والتكذيب، وبياناً لسنة الله تعالى في إهلاك الظالمين، ثم ذكر موقف مؤمن آل فرعون ونصيحته لقومه، وهي مواقف بطولية مشرِّفة في وجه الطغيان. اللغَة: {ٱسْتَحْيُواْ} استبقوا بناتهم على قيد الحياة {ضَلاَلٍ} ضياع وبطلان {عُذْتُ} اعتصمت وتحصنتُ والتجأت {ظَاهِرِينَ} غالبين مستعلين {بَأْسِ ٱللَّهِ} عذابه وانتقامه {دَأْبِ} عادة وشأن {ٱلتَّنَادِ} يوم القيامة للنداء فيه إلى المحشر، أو لمناداة الناس بعضهم بعضاً قال أمية بن الصَّلت: شعر : وبثَّ الخلق فيها إذ دحاها فهم سكَّانُها حتى التَّنادِ تفسير : {عَاصِمٍ} مانع ودافع {صَرْحاً} قصراً وبناءً عظيماً عالياً {تَبَابٍ} خسران وهلاك {لاَ جَرَمَ} حقاً ولا محالة {حَاقَ} نزل وأحاط. التفسِير: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} اللام موطئة للقسم أي والله لقد بعثنا رسولنا موسى بالآيات البينات، والدلائل الواضحات، وبالبرهان البيّن الظاهر وهو معجزة اليد والعصا {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ} أي إلى فرعون الطاغية الجبار، ووزيره هامان، وقارون صاحب الكنوز والأموال قال في البحر: وخصَّ قارون وهامان بالذكر لمكانتهما في الكفر، ولأنهما أشهر أتباع فرعون {فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ} أي فقالوا عن موسى إنه ساحر فيما أظهر من المعجزات، كذَّاب فيما ادعاه أنه من عند الله، وصيغة كذَّاب للمبالغة {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا} أي فلما جاءهم بالمعجزات الباهرة التي تدل على صدقه، والتي أيَّده الله بها {قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ} أي اقتلوا الذكور لئلا يتناسلوا، واستبقوا الإِناث للخدمة قال الصاوي: وهذا القتلُ غيرُ الأول، لأن فرعون بعد ولادة موسى أمسك عن قتل الأولاد، فلما بُعث موسى وعجز عن معارضته أعاد القتل في الأولاد ليمتنع الناس من الإِيمان، ولئلا يكثر جمعهم فيكيدوه، فأرسل الله عليهم أنواع العذاب كالضفادع والقُمَّل والدم والطوفان، إلى أن خرجوا من مصر فأغرقهم الله تعالى وجعل كيدهم في نحورهم {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي وما تدبيرهم ومكرهم إلا في خسرانٍ وهلاك، لأن الله لا يُنجح سعيهم {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ} أي قال فرعون الجبار: اتركوني حتى أقتلْ لكم موسى {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي وليناد ربه حتى يخلصه مني، وإِنما ذكره على سبيل الاستهزاء وكأنه يقول: لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإِنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى، وغرضُه أن يوهمهم بأنه إِنما امتنع عن قتله رعايةً لقلوب أصحابه قال أبو حيان: والظاهر أن فرعون لعنه الله كان قد استيقن أنه نبيٌ، وأن ما جاء به آياتٌ باهرة وما هو بسحر، ولكن الرجل كان فيه خبثٌ وجبروت وكان قتالاً سفاكاً للدماء لأهون شيء، فكيف لا يقتل من أحسَّ منه بأنه يثل عرشه ويهدم ملكه، ولكنه يخاف إن همَّ بقتله أن يُعاجل بالهلاك، وكان كلامه للتمويه على قومه وإيهامهم أنهم هم الذين يكفّونه، وما كان يكفُّه إلا شدةُ الخوف والفزع {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ} أي إني أخشى أن يغيّر ما أنتم عليه من عبادتكم لي إلى عبادة ربه {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} أي أو أن يثير الفتن والقلاقل في بلدكم، ويكون بسببه الهرجُ، وهذا كما قال المثل "صار فرعون واعظاً" {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ} أي إني استجرتُ بالله واعتصمتُ به ليحفظني {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي من شر كل جبارٍ عنيد متكبر عن الإِيمان بالله، لا يصدِّق بالآخرة قال في التسهيل: وإِنما قال {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} ولم يذكره باسمه ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصفٌ لغير فرعون بذلك الوصف القبيح {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} قال المفسرون: كان هذا الرجل ابن عم فرعون وكان قبطياً يخفي إيمانه عن فرعون، فلما سمع قول الجبار متوعداً موسى بالقتل نصحهم بقوله {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} استفهام إنكاري للتبكيت عليهم أي أتقتلون رجلاً لا ذنب له إلا لأجل أن قال: ربيَ الله من غير تفكرٍ ولا تأملٍ في أمره؟ {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} أي والحال أنه قد أتاكم بالمعجزات الظاهرة التي شاهدتموها من عند ربكم {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} أي إن كان كاذباً في دعوى الرسالة فضرر كذبه لا يتعداه قال القرطبي: ولم يكن ذلك لشكٍ منه في رسالته وصدقه، ولكنْ تلطفاً في الاستكفاف، واستنزالاً عن الأذى {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} أي وإِن كان صادقاً في دعواه أصابكم بعضُ ما وعدكم به من العذاب {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} أي لا يوفق للهداية والإِيمان من هو مسرفٌ في الضلال، مبالغ في الكذب على الله قال الإِمام الفخر: وفي هذا إشارة إلى رفع شأن موسى لأن الله هداه وأيده بالمعجزات، وتعريضٌ بفرعون في أنه مسرفٌ في عزمه على قتل موسى، كذَّاب في إِقدامه على ادعاء الإِلهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته، بل يبطله ويهدم أمره وقال في البحر: هذا نوعٌ من أنواع علم البيان يسميه علماؤنا "استدراج المخاطب" وذلك أنه لما رأى فرعون قد عزم على قتل موسى، وقومه على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يُخفي عليهم بها أنه متعصبٌ له، وأنه من أتباعه، فجاءهم بطريق النصح والملاطفة فقال {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} ولم يذكر اسمه بل قال رجلاً ليوهمهم أنه لا يعرفه، ثم قال {أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} ولم يقول رجلاً مؤمناً بالله أو هو نبيُ الله، إذ لو قال ذلك لعلموا أنه متعصب ولم يقبلوا قوله، ثم أتبعه بقوله {وَإِن يَكُ كَاذِباً} فقدَّم الكذب على الصدق موافقة لرأيهم فيه ثم تلاه بقوله {وَإِن يَكُ صَادِقاً} ولم يقل هو صادق وكذلك قال {يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} ولم يقل كلُّ ما يعدكم ولو قال ذلك لعلموا أنه متعصب له، وأنه يزعم نبوته وأنه يصدّقه، ثم أتبعه بكلام يفهم منه أنه ليس بمصدِّق له وهو قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} وفيه تعريضٌ بفرعون، إذ هو في غاية الإِسراف والكذب على الله، إذْ ادعى الألوهية والربوبية {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ} كرر النصح مع التلطف والمعنى: أنتم غالبون عالون بني إسرائيل في أرض مصر قد قهرتموهم واستعبدتموهم اليوم {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} أي فمن ينقذنا من عذاب الله وينجينا منه إن قتلتم رسوله قال الرازي: وإِنما قال {يَنصُرُنَا} و{جَآءَنَا} لأنه كان يُظهر لهم أنه منهم، وأنَّ الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه.. وهنا تأخذ فرعون العزةُ بالإِثم، ويستبدُّ به الجبروت والطغيان {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} أي ما أشير عليكم برأيٍ سوى ما ذكرتُه من قتل موسى حسماً لمادة الفتنة {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} أي وما أهديكم بهذا الرأي إلا طريق الصواب والصلاح {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} أي أخشى عليكم مثل أيام العذاب التي عُذّب بها المتحزبون على الأنبياء {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} هذا تفسير للأحزاب أي مثل عادة قوم نوع وعاد وثمود وما أصابهم من العذاب والدمار بتكذيبهم لرسلهم {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} أي والمكذبين بعد أولئك كقوم لوط {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} أي لا يعاقب العباد بدون ذنب قال الزمخشري: أي إن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً لأنهم استوجبوه بأعمالهم، وفيه مبالغة حيث جعل المنفي إرادة الظلم، ومن كان بعيداً عن إرادة الظلم، كان عن الظلم أبعد {وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ} خوَّفهم بعذاب الآخرة بعد أن خوفهم بعذاب الدنيا والمعنى إني أخاف عليكم من ذلك اليوم الرهيب يوم الحشر الأكبر، حيث ينادي المجرمون بالويل والثبور {أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}تفسير : [الفرقان: 13] {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أي تولون منهزمين من هول عذاب جهنم قال المفسرون: إن الكفار إذا سمعوا زفير النار أدبروا هاربين، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة يتلقونهم يضربون وجوههم، فيرجعون إلى مكانهم فتتلقفهم جنهم {مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي ليس لكم مانع ولا دافع يصرف عنكم عذاب الله {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي ومن يضلله اللهُ فليس له من يهديه إلى طريق النجاة {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي ووالله لقد جاءكم يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالمعجزات الظاهرات {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ} أي فلم تزالوا شاكين في رسالته كافرين بما جاء به من عند الله قال المفسرون: المراد آباؤكم وأصولكم {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} أي حتى إذا مات قلتم على سبيل التشهيّ والتمني من غير حجة ولا برهان لن يأتي أحد يدعي الرسالة بعد يوسف قال أبو حيان: وليس هذا تصديقاً لرسالة يوسف، كيف وما زالوا في شك منه، وإِنما المعنى لا رسول من عند الله فيبعثه إلى الخلق، ففيه نفي الرسول ونفي بعثته {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} أي مثل ذلك الضلال الفظيع يُضلُّ الله كل مسرفٍ في العصيان، شاكٍّ في الدين، بعد وضوح الحجج والبراهين {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} هذا من تتمة كلام الرجل المؤمن والمعنى الذين يجادلون في شريعة الله بغير حجة وبرهان جاءهم من عند الله {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي عظُم بغضاً عند الله وعند المؤمنين جدالُهم بغير برهان قال في البحر: عدل الواعظ عن مخاطبتهم إلى الإِسم الغائب، لحسنِ محاورته لهم واستجلاب قلوبهم، لئلا يفجأهم بالخطاب، وفي قوله {كَبُرَ مَقْتاً} ضربٌ من التعجب والاستعظام لجدالهم، كأنه خارج عن حدِّ أمثاله من الكبائر {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} أي كما ختم على قلوب هؤلاء المجادلين كذلك يختم بالضلال على قلب كل متكبر عن الإِيمان، متجبرٍ على العباد، حتى لا يعقل الرشاد، ولا يقبل الحق، وإِنما وصف القلب بالتكبر والجبروت لكونه مركزهما ومنبعهما، وهو سلطان الأعضاء، فمتى فسد فسدت {وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً} أي قال فرعون لوزيره هامان ابن لي قصراً عالياً، وبناءً شامخاً منيفاً قال القرطبي: لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فروع أن يتمكن كلامه في قلوب القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فأمر وزيره هامان ببناء الصرح {لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ * أَسْبَابَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي لعلي أصل وأنتهي إلى طرق السماوات وما يؤدي إليها، وكررها للتفخيم والبيان {فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} أي فأنظر إلى إله موسى نظر عيان {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} أي وإِني لأعتقد موسى كاذباً في ادعائه أن له إلهاً غيري قال أبو حيان: وبلوغُ أسباب السماوات غير ممكن، لكنَّ فرعون أبرزه في صورة الممكن تمويهاً على سامعيه، ولما قال {فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} كان ذلك إقراراً بالإِله فلذلك استدرك هذا الإِقرار بقوله {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} {وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ} أي ومثل ذلك التزيين زُيّن لفرعون عمله السيء حتى رآه حسناً {وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي ومُنع بضلاله عن طريق الهدى {وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} أي وما تدبير فرعون ومكره إلا في خسار وهلاك، خسر ملكه في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بالخلود في النار {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} كرَّر مؤمن آل فرعون نصحه لهم بعد تلك المراوغة التي لقيها من فرعون، ودعا قومه إلى الإِيمان بالله الواحد الأحد، وكشف لهم عن قيمة الحياة الزائلة، وشوَّقهم إلى نعيم الحياة الباقية، وحذَّرهم من عذاب الله ومعنى الآية: امتثلوا يا قوم أمري واسلكوا طريقي أرشدكم إلى طريق الفوز والنجاة - طريق الجنة - {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ} أي ليست الدنيا إلا متاعاً زائلاً، لا ثبات له ولا دوام {وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} أي وإِن الدار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود، التي لا زوال لها ولا انتقال منها، فإِما خلود في النعيم، أو خلود في الجحيم قال القرطبي: ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا} أي من عمل في هذه الدنيا سيئةً فلا يعاقب في الآخرة إلا بمقدارها دون زيادة، رحمة منه تعالى بالعباد {وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي ومن فعل في الدنيا العمل الصالح سواءً كان ذكراً أو أنثى بشرط الإِيمان {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي فأولئك المحسنون يدخلون جنات النعيم، ويعطون جزاءهم بغير تقدير، بل أضعافاً مضاعفة فضلاً من الله وكرماً، فقد اقتضى فضله تعالى أن تضاعف الحسناتُ دون السيئات قال ابن كثير: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي لا يتقدر بجزاء، بل يثيبه الله ثواباً كثيراً عظيماً، لا انقضاء له ولا نفاد {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ}؟ أي ما لي أدعوكم إلى الإِيمان الموصل إلى الجنان، وتدعونني إلى الكفر الموصل إلى النار؟ والاستفهام للتعجب كأنه يقول: أنا أتعجب من حالكم هذه، أدعوكم إلى النجاة والخير، وتدعونني إلى النار والشر؟ ثم وضَّح ذلك بقوله {تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ } أي تدعونني للكفر بالله، وأن أعبد ما ليس لي علمٌ بربويته، وما ليس بإِلهٍ كفرعون {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ} أي وأنا أدعوكم إلى عبادة الله الواحد الأحد، العزيز الذي لا يُغلب، الغفَّار لذنوب العباد {لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} أي حقاً إنما تدعونني لعبادته {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ} أي لا يصلح أن يُعبد لأنه لا يسْتجيب لنداء داعيه، ولا يقدر على تفريج كربته لا في الدنيا ولا في الآخرة {وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ} أي وأن مرجعنا إلى الله وحده فيجازي كلاً بعمله {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي وأن المسرفين في الضلال والطغيان سيخلَّدون في النار {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} أي فستذكرون صدق كلامي عندما يحل بكم العذاب، وهو تهديد ووعيد {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} أي أتوكل على الله، وأسلّم أمري إليه قال القرطبي: وهذا يدل على أنهم هدَّدوه وأرادوا قتله {إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} أي مطلع أعمالهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} أي فنجاه الله من شدائد مكرهم، ومن أنواع العذاب الذي أرادوا إلحاقه به {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} أي ونزل بفرعون وجماعته أسوأ العذاب، وهو الغرق في الدنيا، والحرق في الآخرة، ثم فسَّره بقوله {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} أي النار يُحرقون بها صباحاً ومساء قال المفسرون: المراد بالنار هنا نار القبر وعذابهم في القبور بدليل قوله بعده {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} أي ويوم القيامة يقال للملائكة: ادخلوا فرعون وقومه نار جهنم التي هي أشد من عذاب الدنيا.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {لَقَدْ أَرْسَلْنَا} من مقام جودنا أخاك {مُوسَىٰ} الكليم {بِآيَاتِنَا} الدالة على كمال قدرتنا {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [غافر: 23] أي: حجة واضحة دالة على صدقه في رسالته ودعوته. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} الطاغي الذي بالغ في العتو والعناد، حيث تفوه بـ"أنا ركبم الأعلى" {وَهَامَانَ} المصدق لطغيانه، المعاون على عتوه وعدوانه {وَقَارُونَ} المباهي بالثروة والغنى، وبعدما بلغ إليهم الدعوة، وأظهر عليهم المعجزة {فَقَالُواْ} بلا تردد وتأمل فيما سمعوا وشاهدوا منهم: ما هذا المدعي إلا {سَاحِرٌ} في بينته {كَـذَّابٌ} [غافر: 24] في دعوته؛ أي: فاجؤوا على التكذيب والإنكار بلا مبالاة به وبشأنه، بمقتضى ما هم عليه من العتو والاستكبار. {فَلَمَّا جَآءَهُمْ} موسى ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} مؤبداً {مِنْ عِندِنَا} وآمن له بنو إسرائيل حين عاينوا منه الآيات الكبرى والمعجزات العظمى {قَالُواْ} يعني: فرعون أصالة، وملؤه تعباً لأعوانهم وأتباعهم: {ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} يعني: أعيدوا على بني إسرائيل الزجر الشنيع الذي أنتم تفعلون معهم من قبل {وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ} للزواج والوقاع، تعييراً عليهم وتضعيفاً لهم؛ يعني: هم قصدوا المكر والمقت على أولئك المؤمنين بقولهم هذا {وَ} ما يظن أنهم ممكورون وممقوتون؛ إذ {مَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ} ومكرهم حيث كادوا ومكروا {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [غافر: 25] أي: هلاك وبوار على أهل الحق، لذلك لم ينالوا على ما قصدوا، بل عاد عليهم، ولحق بهم أضعاف ما قصدوا إياهم، ومكروا لأجلهم. {وَ} بعدما ظهر أمر موسى الكليم وعلا قدره، وانتشر بين الناس حجته وبرهانه {قَالَ فِرْعَوْنُ} لملئه الذين قالوا له حين غلب موسى على السحرة، وقصد فرعون قتله فمنعه الملأ عن قتله، حتى لا يظهر بين الناس مغلوبيته من مسى، مع أنه ادعى الألوهية لنفسه: {ذَرُونِيۤ} أي: ارتكوني على حالي، أنا {أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي: يمنعني عن قتله، أو يهلكني لأجله؛ يعني: لا أبالي به وبربه، بل {إِنِّيۤ أَخَافُ} عليكم لو لم أقتله {أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ} وانقيادكم على سحره {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} [غافر: 26] أي: النهب والغارة في أطراف المملكة وأكناف البلاد، وإن لم يقدر على تغيير دينكم وعقائدكم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أهل الإعراض والاعتراض بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ} [غافر: 23-24]، يشير إلى أنه تعالى من عواطف إحسانه يرسل أفضل خلقه في وقته إلى من أرذل خلقه، ويبعث أخص عباده إلى أحسن عباده؛ ليدعوه إلى حضرة جلاله لإصلاح حاله بفضله ونواله، والبعد عن خسة طبعه وركاكة عقله يقابله بالتكذيب وينسبه إلى السحر، والله سبحانه وتعالى إظهراً لحلمه وكرمه لم يعجل عقوبته ويمهل إلى أوانه ظهور شقوته، فيجعله مظهر صفة قهره، وليبلغ موسى عليه السلام كمال سعادته فيجعله مظهر صفة لطفه. {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا} [غافر: 25]؛ يعني: موسى عليه السلام ومعه التوراة والمعجزات، قالوا: لاستكمال شقاوتهم؛ يعني: فرعون وقومه، {قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ} [غافر: 25]، عزم على إهلاك موسى وقومه، واستعان على ذلك بجهده وحيله ورجاله إتماماً لاستحقاقهم العذاب وللرد من حفظ الحق تعالى كان كما قال: {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [غافر: 25] في ازدياد ناقداً لهم به، يشير إلى أن من حفر بئراً لولي من أولياء الله ما يقع فيه إلا حافره، بذلك أجرى الحق تعالى سنته. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} [غافر: 26]، فمن عمي قلبه ظن أن الله يذره أن يقتل موسى بحوله وقوته أن تذره وقومه، ولم يعلم أن الله يهلكه وقومه، وينجي موسى وقومه وهو يقول: {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} [غافر: 26] ولم يخف هلاك نفسه، وهلاك قومه وفساد حالهم في الدارين، {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 27]، فأعاذه الله من شرهم وأمَّنهم من كيدهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } إلى آخر القصة. أي: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا } إلى جنس هؤلاء المكذبين { مُوسَى } ابن عمران، { بِآيَاتِنَا } العظيمة، الدالة دلالة قطعية، على حقية ما أرسل به، وبطلان ما عليه من أرسل إليهم من الشرك وما يتبعه. { وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: حجة بينة، تتسلط على القلوب فتذعن لها، كالحية والعصا ونحوهما من الآيات البينات، التي أيد الله بها موسى، ومكنه مما دعا إليه من الحق. والمبعوث إليهم { فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } وزيره { وَقَارُونَ } الذي كان من قوم موسى، فبغى عليهم بماله، وكلهم ردوا عليه أشد الرد { فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ }. { فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا } وأيده الله بالمعجزات الباهرة، الموجبة لتمام الإذعان، لم يقابلوها بذلك، ولم يكفهم مجرد الترك والإعراض، بل ولا إنكارها ومعارضتها بباطلهم، بل وصلت بهم الحال الشنيعة إلى أن { قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ } حيث كادوا هذه المكيدة، وزعموا أنهم إذا قتلوا أبناءهم، لم يقووا، وبقوا في رقهم وتحت عبوديتهم. فما كيدهم إلا في ضلال، حيث لم يتم لهم ما قصدوا، بل أصابهم ضد ما قصدوا، أهلكهم الله وأبادهم عن آخرهم. وتدبر هذه النكتة التي يكثر مرورها بكتاب الله تعالى: إذا كان السياق في قصة معينة أو على شيء معين، وأراد الله أن يحكم على ذلك المعين بحكم، لا يختص به ذكر الحكم، وعلقه على الوصف العام ليكون أعم، وتندرج فيه الصورة التي سيق الكلام لأجلها، وليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعين. فلهذا لم يقل { وما كيدهم إلا في ضلال }. بل قال: { وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ } . { وقَالَ فِرْعَوْنُ } متكبرًا متجبرًا مغررًا لقومه السفهاء: { ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } أي: زعم -قبحه الله- أنه لولا مراعاة خواطر قومه لقتله، وأنه لا يمنعه من دعاء ربه، ثم ذكر الحامل له على إرادة قتله، وأنه نصح لقومه، وإزالة للشر في الأرض فقال: { إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ } الذي أنتم عليه { أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ } وهذا من أعجب ما يكون، أن يكون شر الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق هذا من التمويه والترويج الذي لا يدخل إلا عقل من قال الله فيهم: {أية : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }. تفسير : { وَقَالَ مُوسَى } حين قال فرعون تلك المقالة الشنيعة التي أوجبها له طغيانه، واستعان فيها بقوته واقتداره، مستعينًا بربه: { إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ } أي: امتنعت بربوبيته التي دبر بها جميع الأمور { مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ } أي: يحمله تكبره وعدم إيمانه بيوم الحساب على الشر والفساد، يدخل فيه فرعون وغيره، كما تقدم قريبًا في القاعدة، فمنعه الله تعالى بلطفه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما اندفع به عنه شر فرعون وملئه. ومن جملة الأسباب، هذا الرجل المؤمن، الذي من آل فرعون، من بيت المملكة، لا بد أن يكون له كلمة مسموعة، وخصوصًا إذا كان يظهر موافقتهم ويكتم إيمانه، فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر، كما منع الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب من قريش، حيث كان أبو طالب كبيرًا عندهم، موافقًا لهم على دينهم، ولو كان مسلمًا لم يحصل منه ذلك المنع. فقال ذلك الرجل المؤمن الموفق العاقل الحازم، مقبحًا فعل قومه، وشناعة ما عزموا عليه: { أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } أي: كيف تستحلون قتله، وهذا ذنبه وجرمه، أنه يقول ربي الله، ولم يكن أيضا قولا مجردًا عن البينات، ولهذا قال: { وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ } لأن بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله. فهلا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يرده، ثم بعد ذلك نظرتم: هل يحل قتله إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟ فأما وقد ظهرت حجته، واستعلى برهانه، فبينكم وبين حل قتله مفاوز تنقطع بها أعناق المطي. ثم قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل، بأي حالة قدرت، فقال: { وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ } أي: موسى بين أمرين، إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وهو عذاب الدنيا. وهذا من حسن عقله، ولطف دفعه عن موسى، حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائرًا بين تينك الحالتين، وعلى كل تقدير فقتله سفه وجهل منكم. ثم انتقل رضي الله عنه وأرضاه وغفر له ورحمه - إلى أمر أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق فقال: { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل. { كَذَّابٌ } بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماوية، فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا، وهذا دليل على كمال علمه وعقله ومعرفته بربه. ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، فقال: { يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } أي: في الدنيا { ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ } على رعيتكم، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير، فهبكم حصل لكم ذلك وتم، ولن يتم، { فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ } أي: عذابه { إِنْ جَاءَنَا } ؟ وهذا من حسن دعوته، حيث جعل الأمر مشتركًا بينه وبينهم بقوله: { فَمَنْ يَنْصُرُنَا } وقوله: { إِنْ جَاءَنَا } ليفهمهم أنه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه. فـ { قَالَ فِرْعَوْنُ } معارضًا له في ذلك، ومغررًا لقومه أن يتبعوا موسى: { مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ } وصدق في قوله: { مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى } ولكن ما الذي رأى؟ رأى أن يستخف قومه فيتابعوه، ليقيم بهم رياسته، ولم ير الحق معه، بل رأى الحق مع موسى، وجحد به مستيقنًا له. وكذب في قوله: { وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ } فإن هذا قلب للحق، فلو أمرهم باتباعه اتباعًا مجردًا على كفره وضلاله، لكان الشر أهون، ولكنه أمرهم باتباعه، وزعم أن في اتباعه اتباع الحق وفي اتباع الحق، اتباع الضلال. { وَقَالَ الَّذِي آمَنَ } مكررًا دعوة قومه غير آيس من هدايتهم، كما هي حالة الدعاة إلى الله تعالى، لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردهم عن ذلك راد، ولا يثنيهم عتو من دعوه عن تكرار الدعوة فقال لهم: { يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ } يعني الأمم المكذبين، الذين تحزبوا على أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بينهم فقال: { مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ } فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه. ولما خوفهم العقوبات الدنيوية، خوفهم العقوبات الأخروية، فقال: { وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمِ التَّنَادِ } أي: يوم القيامة، حين ينادي أهل الجنة أهل النار: {أية : أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا } تفسير : إلى آخر الآيات. {أية : وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ }. تفسير : وحين ينادي أهل النار مالكًا {أية : ليقض علينا ربك } تفسير : فيقول: {أية : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } تفسير : وحين ينادون ربهم: {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } تفسير : فيجيبهم: {أية : اخْسؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } تفسير : وحين يقال للمشركين: {أية : ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ }. تفسير : فخوفهم رضي الله عنه هذا اليوم المهول، وتوجع لهم أن أقاموا على شركهم بذلك، ولهذا قال: { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِين } أي: قد ذهب بكم إلى النار { مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } لا من أنفسكم قوة تدفعون بها عذاب الله، ولا ينصركم من دونه من أحد {أية : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ }. تفسير : { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } لأن الهدى بيد الله تعالى، فإذا منع عبده الهدى لعلمه أنه غير لائق به، لخبثه، فلا سبيل إلى هدايته. { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ } بن يعقوب عليهما السلام { مِنْ قَبْلُ } إتيان موسى بالبينات الدالة على صدقه، وأمركم بعبادة ربكم وحده لا شريك له، { فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ } في حياته { حَتَّى إِذَا هَلَكَ } ازداد شككم وشرككم، و { قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا } أي: هذا ظنكم الباطل، وحسبانكم الذي لا يليق بالله تعالى، فإنه تعالى لا يترك خلقه سدى، لا يأمرهم وينهاهم، ويرسل إليهم رسله، وظن أن الله لا يرسل رسولا ظن ضلال، ولهذا قال: { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ } وهذا هو وصفهم الحقيقي الذي وصفوا به موسى ظلمًا وعلوا، فهم المسرفون بتجاوزهم الحق وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم الكذبة، حيث نسبوا ذلك إلى الله، وكذبوا رسوله. فالذي وصفه السرف والكذب، لا ينفك عنهما، لا يهديه الله، ولا يوفقه للخير، لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله، بأن يمنعه الهدى، كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } {أية : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }. تفسير : ثم ذكر وصف المسرف الكذاب فقال: { الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ } التي بينت الحق من الباطل، وصارت -من ظهورها- بمنزلة الشمس للبصر، فهم يجادلون فيها على وضوحها، ليدفعوها ويبطلوها { بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ } أي: بغير حجة وبرهان، وهذا وصف لازم لكل من جادل في آيات الله، فإنه من المحال أن يجادل بسلطان، لأن الحق لا يعارضه معارض، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلا { كَبُرَ } ذلك القول المتضمن لرد الحق بالباطل { مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا } فالله أشد بغضًا لصاحبه، لأنه تضمن التكذيب بالحق والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمور يشتد بغض الله لها ولمن اتصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشد المقت موافقة لربهم، وهؤلاء خواص خلق الله تعالى، فمقتهم دليل على شناعة من مقتوه، { كَذَلِكَ } أي: كما طبع على قلوب آل فرعون { يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } متكبر في نفسه على الحق برده وعلى الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه. { وَقَالَ فِرْعَوْنُ } معارضًا لموسى ومكذبًا له في دعوته إلى الإقرار برب العالمين، الذي على العرش استوى، وعلى الخلق اعتلى: { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا } أي: بناء عظيمًا مرتفعًا، والقصد منه لعلي أطلع { إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا } في دعواه أن لنا ربًا، وأنه فوق السماوات. ولكنه يريد أن يحتاط فرعون، ويختبر الأمر بنفسه، قال الله تعالى في بيان الذي حمله على هذا القول: { وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ } فزين له العمل السيئ، فلم يزل الشيطان يزينه، وهو يدعو إليه ويحسنه، حتى رآه حسنًا ودعا إليه وناظر مناظرة المحقين، وهو من أعظم المفسدين، { وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ } الحق، بسبب الباطل الذي زين له. { وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ } الذي أراد أن يكيد به الحق، ويوهم به الناس أنه محق، وأن موسى مبطل { إِلا فِي تَبَابٍ } أي: خسار وبوار، لا يفيده إلا الشقاء في الدنيا والآخرة. { وَقَالَ الَّذِي آمَنَ } معيدًا نصيحته لقومه: { يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ } لا كما يقول لكم فرعون، فإنه لا يهديكم إلا طريق الغي والفساد. { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ } يتمتع بها ويتنعم قليلا ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعنكم عما خلقتم له { وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } التي هي محل الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملا يسعدكم فيها. { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً } من شرك أو فسوق أو عصيان { فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا } أي: لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه لأن جزاء السيئة السوء. { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } من أعمال القلوب والجوارح، وأقوال اللسان { فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: يعطون أجرهم بلا حد ولا عد، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم. { وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ } بما قلت لكم { وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ } بترك اتباع نبي الله موسى عليه السلام. ثم فسر ذلك فقال: { تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ } أنه يستحق أن يعبد من دون الله، والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب وأقبحها، { وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ } الذي له القوة كلها، وغيره ليس بيده من الأمر شيء. { الْغَفَّار } الذي يسرف العباد على أنفسهم ويتجرؤون على مساخطه ثم إذا تابوا وأنابوا إليه، كفر عنهم السيئات والذنوب، ودفع موجباتها من العقوبات الدنيوية والأخروية. { لا جَرَمَ } أي: حقًا يقينًا { أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ } أي: لا يستحق من الدعوة إليه، والحث على اللجأ إليه، في الدنيا ولا في الآخرة، لعجزه ونقصه، وأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا. { وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ } تعالى فسيجازي كل عامل بعمله. { وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ } وهم الذين أسرفوا على أنفسهم بالتجرؤ على ربهم بمعاصيه والكفر به، دون غيرهم. فلما نصحهم وحذرهم وأنذرهم ولم يطيعوه ولا وافقوه قال لهم: { فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ } من هذه النصيحة، وسترون مغبة عدم قبولها حين يحل بكم العقاب، وتحرمون جزيل الثواب. { وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ } أي: ألجأ إليه وأعتصم، وألقي أموري كلها لديه، وأتوكل عليه في مصالحي ودفع الضرر الذي يصيبني منكم أو من غيركم. { إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } يعلم أحوالهم وما يستحقون، يعلم حالي وضعفي فيمنعني منكم ويكفيني شركم، ويعلم أحوالكم فلا تتصرفون إلا بإرادته ومشيئته، فإن سلطكم علي،َّ فبحكمة منه تعالى، وعن إرادته ومشيئته صدر ذلك. { فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا } أي: وقى الله القويّ الرحيم، ذلك الرجل المؤمن الموفق، عقوبات ما مكر فرعون وآله له، من إرادة إهلاكه وإتلافه، لأنه بادأهم بما يكرهون، وأظهر لهم الموافقة التامة لموسى عليه السلام، ودعاهم إلى ما دعاهم إليه موسى، وهذا أمر لا يحتملونه وهم الذين لهم القدرة إذ ذاك، وقد أغضبهم واشتد حنقهم عليه، فأرادوا به كيدًا فحفظه الله من كيدهم ومكرهم وانقلب كيدهم ومكرهم، على أنفسهم، { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } أغرقهم الله تعالى في صبيحة واحدة عن آخرهم. وفي البرزخ { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } فهذه العقوبات الشنيعة، التي تحل بالمكذبين لرسل الله، المعاندين لأمره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):