Verse. 4159 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوْنِيْۗ اَقْتُلْ مُوْسٰى وَلْيَدْعُ رَبَّہٗ۝۰ۚ اِنِّىْۗ اَخَافُ اَنْ يُّبَدِّلَ دِيْنَكُمْ اَوْ اَنْ يُّظْہِرَ فِي الْاَرْضِ الْفَسَادَ۝۲۶
Waqala firAAawnu tharoonee aqtul moosa walyadAAu rabbahu innee akhafu an yubaddila deenakum aw an yuthhira fee alardi alfasada

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال فرعون ذروني أقتل موسى» لأنهم كانوا يكفونه عن قتله «وليدع ربه» ليمنعه مني «إني أخاف أن يبدل دينكم» من عبادتكم إياي فتتبعوه «وأن يُظهر في الأرض الفساد» من قتل وغيره، وفي قراءة: أو، وفي أخرى بفتح الياء والهاء وضم الدال.

26

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } لأنهم كانوا يكفونه عن قتله {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } ليمنعه مني {إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ } من عبادتكم إياي فتتبعونه {أَوأَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } من قتل وغيره، وفي قراءة: وأن، وفي أخرى بفتح الياء والهاء وضم الدال.

ابن عطية

تفسير : الظاهر من أمر فرعون أنه لما بهرت آيات موسى عليه السلام انهد ركنه واضطربت معتقدات أصحابه، ولم يفقد منهم من يجاذبه الخلاف في أمره، وذلك بين من غير ما موضع من قصتهما، في هذه الآية على ذلك دليلان، أحدهما قوله: {ذروني} فليست هذه من ألفاظ الجبابرة المتمكنين من إنفاذ أوامرهم. والدليل الثاني: مقالة المؤمن وما صدع به، وأن مكاشفته لفرعون أكثر من مسايرته، وحكمه بنبوة موسى أظهر من توريته في أمره. وأما فرعون فإنما لجأ إلى المخرقة والاضطراب والتعاطي، ومن ذلك قوله: {ذروني أقتل موسى وليدع ربه} أي إني لا أبالي عن رب موسى، ثم رجع إلى قومه يريهم النصيحة والحماية لهم فقال: {إني أخاف أن يبدل دينكم}. والدين: السلطان، ومنه قول زهير: شعر : لئن حللت بجوٍّ من بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك تفسير : وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: "وأن". وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: "أو أن"، ورجحها أبو عبيد بزيادة الحرف، فعلى الأولى خاف أمرين، وعلى الثانية: خاف أحد أمرين. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم والحسن وقتادة والجحدري وأبو رجاء ومجاهد وسعيد بن المسيب ومالك بن أنس: "يُظهِر" بضم الياء وكسر الهاء. "الفسادَ" نصيباً. وقرأ ابن كثير وابن عامر: "يَظهرَ" بفتح الياء والهاء "الفسادُ" بالرفع على إسناد الفعل إليه، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم والأعرج وعيسى والأعمش وابن وثاب. وروي عن الأعمش أنه قرأ: "ويظهرُ في الأرض الفساد" برفع الراء. وفي مصحف ابن مسعود: "ويظهر" بفتح الراء. ولما سمع موسى عليه السلام مقالة فرعون -لأنه كان معه في مجلس واحد- دعا وقال: {إني عذت بربي وربكم} الآية. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر ببيان الذال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: {عذت} بالإدغام، واختلف عن نافع، وفي مصحف أبي بن كعب: "عت"، على الإدغام في الخط ثم حكى مقالة رجل مؤمن من آل فرعون وشرفه بالذكر، وخلد ثناءه في الأمم، سمعت أبي رضي الله عنه يقول: سمعت أبا الفضل الجوهري على المنبر وقد سئل أن يتكلم في شيء من فضائل الصحابة، فأطرق قليلاً ثم رفع رأسه وأنشد [عدي بن زيد]: [الطويل] شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن مقتد تفسير : ماذا تريدون من قوم قرنهم الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وخصهم بمشاهدته وتلقي الوحي منه؟ وقد أثنى الله على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأسره، فجعله الله تعالى في كتابه وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطاب رضي الله عنه جرد سيفه بمكة وقال: والله لا عبد الله سراً بعد اليوم. وقرأت فرقة: "رجْل" بسكون الجيم، كعضد وعضد، وسبع وسبع، وقراءة الجمهور بضم الجيم واختلف الناس في هذا الرجل، فقال السدي وغيره: كان من آل فرعون وأهله، وكان يكتم إيمانه، فـ {يكتم} على هذا في موضع الصفة دون تقديم وتأخير، وقال مقاتل: كان ابن عم فرعون. وقالت فرقة: لم يكن من أهل فرعون. (وقالت فرقة: لم يكن من أهل فرعون). بل من بني إسرائيل، وإنما المعنى: وقال رجل يكتم إيمانه من آل فرعون، ففي الكلام تقديم وتأخير، والأول أصح، ولم يكن لأحد من بني إسرائيل أن يتكلم بمثل هذا عند فرعون، ويحتمل أن يكون من غير القبط، ويقال فيه من آل فرعون، إذ كان في الظاهر على دينه ومن أتباعه، وهذا كما قال أراكة الثقفي يرثي أخاه ويتعزى برسول الله صلى الله عليه وسلم: [الطويل] شعر : فلا تبك مْيتاً بعد مْيت أجنه علي وعباس وآل أبي بكر تفسير : يعني المسلمين إذ كانوا في طاعة أبي بكر الصديق. وقوله: {أن يقول} مفعول من أجله، أي لأجل أن يقول: وجلح معهم هذا المؤمن في هذه المقالات ثم غالطهم بعد في أن جعله في احتمال الصدق والكذب، وأراهم أنها نصيحة، وحذفت النون من: {يك} تخفيفاً على ما قال سيبويه وتشبيهاً بالنون في تفعلون وتفعلان على مذهب المبرد، وتشبيهاً بحرف العلة الياء والواو على مذهب أبي علي الفارسي وقال: كأن الجازم دخل على "يكن" وهي مجزومة بعد فأشبهت النون الياء من يقضي والواو من يدعو، لأن خفتها على اللسان سواء. واختلف المتأولون في قوله: {يصبكم بعض الذي يعدكم} فقال أبو عبيدة وغيره: {بعض} بمعنى كل، وأنشدوا قول القطامي عمرو بن شييم: [البسيط] شعر : قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : وقال الزجاج: هو إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر، وليس فيه نفي إضافة الكل. وقالت فرقة، أراد: يصبكم بعض العذاب الذي يذكر، وذلك كاف في هلاككم، ويظهر إلي أن المعنى: يصبكم القسم الواحد مما يعد به، وذلك هو بعض ما يعد، لأنه عليه السلام وعدهم إن آمنوا بالنعيم وإن كفروا بالعذاب فإن كان صادقاً فالعذاب بعض ما وعد به. وقالت فرقة: أراد ببعض ما يعدكم عذاب الدنيا، لأنه بعض عذاب الآخرة، أي وتصيرون بعد ذلك إلى الباقي وفي البعض كفاية في الإهلاك، ثم وعظهم هذا المؤمن بقوله: {إن الله لايهدي من هو مسرف كذاب} قال السدي: معناه: مسرف بالقتل. وقال قتادة: مسرف بالكفر.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى} أشيروا عَلَيَّ بقتله لأنهم كانوا أشاروا أن لا يقتله ولو قتله لمنعوه، أو ذروني أتولى قتله لأنهم قالوا هو ساحر إن قتلته هلكت لأنه لو أمر بقتله خالفوه، أو كان في قومه مؤمنون يمنعونه من قتله فسألهم أن يمكنوه من قتله {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} وليسأله فإنه لا يجاب، أو يستعينه فإنه لا يعان {دِينَكُمْ} "عبادتكم"، أو أمركم الذي أنتم عليه " {الْفَسَادَ} عنده هو الهدى "، أو العمل بطاعة الله، أو محاربته لفرعون بمن آمن معه، أو أن يقتلوا أبناءكم ويستحيون نساءكم إن ظهروا عليكم كما كنتم تفعلون بهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ...} الآية، الظاهرُ مِنْ أمرِ فِرْعَوْنَ أنه لمَّا بَهَرَتْهُمْ آيات مُوسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ ٱنْهَدَّ رُكْنُهُ، وٱضْطَرَبَتْ معتقداتُ أَصْحَابِهِ، ولم يَفْقِدْ مِنْهُمْ من يجاذبُهُ الْخِلاَفُ في أمْرِه، وذلك بَيِّنٌ مِنْ غَيرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ قِصَّتهما، وفي هذه الآية علَىٰ ذلك دَلِيلاَنِ: أحدُهما: قوله: {ذَرُونِيۤ}؛ فليستْ هذه مِنْ ألفاظِ الجَبَابِرَةِ المتمكِّنِينَ مِنْ إنفاذ أوامِرِهمْ. والدليل الثاني: مَقَالَةُ المُؤْمِنِ وَمَا صَدَعَ به، وإنَّ مكاشَفَتَهُ لِفِرْعَوْنَ أكْثَرُ مِنْ مُسَاتَرَتِهِ، وحُكْمُه بِنُبُوَّةِ موسَىٰ أظْهَرُ من تَوْرِيَتِهِ في أَمْرِهِ، وأَمَّا فِرْعَوْنُ فإنما نَحا إلى المَخْرَقَةِ والتَمْوِيهِ والاضْطرابِ، ومن ذلك قوله: {ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي: إني لا أبالي بربِّ مُوسَىٰ، ثم رجَعَ إلى قومِه يُرِيهُم النَّصِيحَةَ والحمايةُ لهم، فقالَ: {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ} والدين: السلطانُ؛ ومنه قولُ زُهَيْرٍ: [البسيط] شعر : لَئِنْ حَلَلْتَ بِحَيٍّ في بَنِي أَسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ تفسير : وقرأ حمزةُ والكسائي وعاصم: «أَوْ أَنْ يُظْهِرَ» وقرأ الباقون: «وَأَنْ يُظْهِرَ»؛ فعلَى القراءةِ الأولى: خافَ فِرْعَوْنُ أَحَدَ أمْرَيْنِ، وعلى الثانيَةِ: خَافَ الأَمْرَيْنِ معاً، ولَمَّا سَمِعَ موسَىٰ مقالةَ فِرْعَوْنَ دَعَا، وقال: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ...} الآية، ثم حكَى اللَّهُ سبحانه مقالةَ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ؛ شرَّفَه بالذكْرِ وخلَّدَ ثَنَاءَه في الأُمَمِ غَابِرَ الدَّهْرِ، قال * ع *: سمعتُ أبي ـــ رحمه اللَّه ـــ يقول: سمعتُ أَبا الفَضْلِ ابْنَ الجَوْهَرِيِّ على المنبر يقول؛ وَقَدْ سُئِلَ أن يتكلَّمَ في شيءٍ من فضَائِل الصحابةِ، فأَطْرَقَ قليلاً، ثُمَّ رَفَع رأْسَهُ، وأنشد: [الطويل] شعر : عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِه فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ مُقْتَدِ تفسير : مَاذَا تُرِيدُ من قومٍ قَرَنَهُمُ اللَّهُ بنبيِّه، وخصَّهم بمشاهدةِ وَحْيِهِ، وقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تعالَىٰ على رَجُلٍ مُؤْمِنٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، كَتَمَ إيمانَهُ وأَسَرَّهُ، فجعلَه تعالَىٰ في كتابهِ، وأثْبَتَ ذِكْرَهُ في المصاحِفِ، لكلامٍ قَالَه في مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْكُفْرِ، وأَيْنَ هُوَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ؛ إذْ جَرَّدَ سَيْفَهُ بمكَّةَ، وقال: واللَّهِ، لاَ أَعْبُدُ اللَّهَ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ، قال مقاتل: كان هذا المؤمنُ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، قال الفَخْرُ: قيل: إنَّه كانَ ابْنَ عَمٍّ لِفِرْعَوْنَ، وكانَ جَارِياً مَجْرَىٰ وَلِيِّ العهدِ له، ومَجْرَىٰ صاحبِ السِّرِّ لَه، وقيلَ: كانَ قِبْطِيًّا مِنْ قومِ فرعونَ، وقيل: إنه كانَ من بني إسرائيل، والقولُ الأولُ أَقْرَبُ؛ لأن لَفْظَ الآلِ يقعُ على القَرَابَةِ والعشيرةِ، انتهى. قال الثعلبيُّ: قال ابنُ عباس وأكْثَرُ العُلَمَاءِ: كانَ اسمُهُ «حَزْقِيلَ»، وقيل: حَزِيقَال، وقيل: غير هذا، انتهى. وقوله: {يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ} قال أبو عُبَيْدَةَ وغَيْره: {بَعْضُ} هنا بمعنى: «كل»، وقال الزَّجَّاج: هو إلْزَامُ الحُجَّةِ بِأَيْسَرِ ما في الأمرِ، وليسَ فيه نَفْيُ إصَابَةِ الكُلِّ، قال * ع *: ويظهرُ لي أنَّ المعنَىٰ: يُصِبْكُمُ القَسْمُ الواحدُ مما يَعِدُ بِهِ، [لأنَّه ـــ عليه السلام ـــ وَعَدَهُمْ إنْ آمَنُوا بالنَّعِيمِ، وإنْ كَفَرُوا بالعذابِ الأَلِيمِ، فإن كانَ صادِقاً، فالعذابُ بَعْضُ مَا وَعَدَ بِهِ]، وقولُ المؤمِن: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلأَرْضِ} اسْتِنْزَالٌ لهم وَوَعْظٌ. وقوله: {فِى ٱلأَرْضِ} يريدُ أرْضَ مِصْرَ، وهذه الأقوالُ تَقْتَضِي زَوالَ هَيْبَةِ فرعونَ؛ ولذلكَ اسْتَكَانَ هُوَ، وَرَاجَعَ بقوله: {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَىٰ} واخْتَلَفَ الناسُ مِنَ المُرَادِ بقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ}، فقالَ الجمهورُ: هو المُؤْمِنُ المَذْكُورُ؛ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَىٰ أقاويله إلى آخر الآيات، وقالت فرقةٌ: بلْ كَلاَمُ ذلك المُؤْمِنِ قد تَمَّ؛ وإنما أراد تعالى: {ٱلَّذِيۤ آمَنَ} موسَى ـــ عليه السلام ـــ مُحْتَجِّينَ بقوَّةِ كَلاَمِهِ، وذكْرِ عذابِ الآخرةِ وغير ذلك؛ ولم يَكُنْ كَلاَمُ الأوَّلِ إلا بملاينةٍ لهم. وقوله: {مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} أي: مثلَ يَوْمٍ منْ أَيَّامِهِمْ؛ لأنَّ عذابَهُمْ لم يكُنْ في عَصْرٍ واحِدٍ، والمرادُ بالأحزابِ المُتَحَزِّبُونَ على الأنبياءِ، و{مِثْلَ} الثاني: بدلٌ مِن الأوَّل، والدَّأْبُ: العادةُ، «ويوم التنادي» معناه: يَوْمَ يُنَادِي قَومٌ قَوْماً، ويناديهمُ الآخرُونَ؛ وٱخْتُلِفَ في التنادِي المُشَارِ إلَيْهِ، فقال قتادةُ: هو نِدَاءُ أهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النارِ، {أية : فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً} تفسير : [الأعراف:44] وقيل: هو النداءُ الذي يَتَضَمَّنهُ قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ} تفسير : [الإسراء:71] قال * ع *: ويحتملُ أَنْ يكُونَ المُرَادُ التَّذْكِيرَ بِكُلِّ نِدَاءٍ في الْقَيَامَةِ فيه مَشَقَّةٌ على الكُفَّار والعُصَاةِ؛ وذلك كثِيرٌ. وقرأ ابن عبَّاس والضَّحَّاك وأبو صَالِحٍ: «يوم التَنَادِّ» بشدِّ الدال؛ وهذا معنًى آخرُ لَيْسَ من النداءِ، بل هُو مِنْ: نَدَّ البعيرُ: إذا هَرَبَ؛ وبهذا المعنى فسَّر ابنُ عبَّاسٍ والسُّدِّيُّ هذه الآيةَ، وَرَوَتْ هذه الفِرْقَةُ، في هذا المعنَىٰ حَدِيثاً أنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ إذا طَوَى السَّمَوَاتِ نَزَلَتْ مَلاَئِكَةُ كُلِّ سَمَاءٍ، فكانَتْ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ مستديرةً بالأرْضِ التي عليها الناسُ لِلْحِسَابِ؛ فَإذَا رَأَى الخَلْقُ هولَ القيامةِ، وأخْرَجَتْ جَهَنَّمُ عنقاً إلى أصحابها، فَرَّ الكُفَّارُ ونَدُّوا مدْبِرينَ إلى كل جهةٍ، فتردُّهم الملائِكَةُ إلَى المَحْشَرِ؛ لا عَاصِمَ لَهُمْ، والعاصمُ: المُنْجِي.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ}. {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي لِيَسْتَعِنْ بربه، وإني أخاف أن يبدل دينكم، وأخاف أن يُفْسِدَ في الأرض، وكان المفْسِدُ هو فرعون، وهو كما قيل في المثل: "رمَتْنِي بدائها وانْسَلَّتْ" ولكن كادَ له الكيد، والكائد لا يتخلص من كيده. فاستعاذ موسى بربه، وانْتُدِبَ في الردِّ عليهم مؤمِنٌ بالله وبموسى كان يكتم إيمانه عن فرعون وقومه:- قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}.. الآيات. نَصَحَهُم واحتَجَّ عليهم فلم ينجح فيهم نُُصْحٌ ولا قَولٌ. وكم كَرَّرَ ذلكْ المؤمن من آل فرعون القولَ وأعاد لهم النُّصْحَ! فلم يستمعوا له، وكان كما قيل: شعر : وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المتنصِّحُ

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال فرعون} لملئه {ذرونى} خلوا عنى واتركونى يقال ذره اى دعه يذره تركا ولا تقل وذرا واصله وذره يذره كوسعه يسعه لكن ما نطقوا بماضيه ولا بمصدره ولا باسم الفاعل كما فى القاموس {اقتل موسى} فانى اعلم أن صلاح ملكى فى قتله وكان اذا هم بقتل موسى عليه السلام كفه ملأه بقولهم ليس هذا بالذى تخافه فانه اقل من ذلك واضعف وما هو الا بعض السحرة وبقولهم اذا قتلته ادخلت على الناس شبهة واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة وعدلت الى المقارعة بالسيف واوهم اللعين انهم هم الكافون له عن قتله ولولاهم لقتله وما كان الذى يكفه الا ما فى نفسه من الفزع الهائل وذلك أنه تيقن نبوة موسى ولكن كان يخاف ان هم بقتله أن يعاجل بالهلاك {وليدع ربه} الذى يزعم أنه ارسله كى يمنعه منى يعنى تاقتل من ازوبازدارد. وهو يخاف منه ظاهرا ويخاف من دعاء ربه باطنا والا فما له يقيم له وزنا ويتكلم بذلك {انى اخاف} ان لم اقتله {ان يبدل دينكم} اى يغير ما انتم عليه من الدين الذى هو عبارة عن عبادته وعبادة الاصنام لتقربهم اليه {او ان يظهر فى الارض الفساد} ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج ان لم يقدر على تبديل دينكم بالكلية فمعنى او وقوع احد الشيئين وفى الآية اشارة الى أن فرعون من عمى قلبه ظن أن الله يذره ان يقتل موسى بحوله وقوته او يذره قومه ولم يعلم أن الله يهلكه ويهلك قومه وينجى موسى وقومه وقد خاف من تبديل الدين او الفساد فى الارض ولم يخف هلاك نفسه وهلاك قومه وفساد حالهم فى الدارين

الطوسي

تفسير : قرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب "او ان" بالف قبل الواو. الباقون "وأن" بغير الف. وقرأ نافع ويعقوب وابو جعفر وابو عمرو وحفص عن عاصم "يظهر" بضم الياء "الفساد" نصباً. الباقون "يظهر" بفتح الياء "الفساد" رفعاً. من نصب (الفساد) أشركه مع التبديل، وتقديره إني أخاف ان يبدل دينكم واخاف ان يظهر الفساد، ومن رفع لم يشركه، وقال تقديره إني اخاف ان يبدل دينكم، فاذا بدل ظهر في الأرض الفساد. وكلتا القراءتين حسنة فأما (او) فقد تستعمل بمعنى الواو، كما قلناه فى {أية : وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون} تفسير : أي ويزيدون أو بل يزيدون. ولا تكون الواو بمعنى (او) في قول أبي عبيدة. وقال ابن خالويه إذا كانت (او) اباحة كانت الواو بمعناها، لأن قولك: جالس الحسن او ابن سيرين بمنزلة الاباحة، وكذلك قوله {أية : ولا تطع منهم آثما أو كفوراً} تفسير : لان معناه ولا كفوراً. وقال ابو علي: من قرأ (وأن) فالمعنى إني أخاف هذا الضرب منه كما تقول كل خبزاً او تمراً أي هذا الضرب. ومن قرأ (وأن) المعنى إني اخاف هذين الأمرين وعلى الاول يجوز ان يكون الأمران يخافا، ويجوز أن يكون احدهما، وعلى الثاني هما معاً يخافان، ومن ضم الياء في قوله "ويظهر" فلأنه اشبه بما قبله، لان قبله يبدل فأسند الفعل إلى موسى وهم كانوا في ذكره، ومن فتح الياء اراد انه إذا بدل الدين ظهر الفساد بالتبديل او اراد يظهر الفساد بمكانه. وقال قوم: اراد بـ (او) الشك لان فرعون قال إني أخاف ان يبدل موسى عليكم دينكم، فان لم يفعله فيوقع الفساد بينكم، ولم يكن قاطعاً على احدهما به. وروي رواية شاذة عن أبي عمرو: انه قرأ "وقال رجل" باسكان الجيم. الباقون بضمها وذلك لغة قال الشاعر: شعر : رجلان من ضبة اخبرانا إنا راينا رجلا عريانا تفسير : اراد رجلين فأسكن وهو مثل قولهم: كرم فلان بمعنى كرم. حكى الله تعالى عن فرعون انه قال لقومه {ذروني} ومعناه أتركوني اقتل موسى، وذلك يدل على ان فى خاصة فرعون كان قوم يمنعونه من قتل موسى، ومن معه ويخوفونه ان يدعو ربه فيهلك، فلذلك قال ذروني اقتله وليدع ربه، كما تقولون. وقال قوم: ذلك حين قالوا له هو ساحر فان قتلته قويت الشبهة بمكانه بل {أية : أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين} تفسير : {وليدع ربه} في دفع القتل عنه، فانه لا يخشى من دعائه شيء، وهذا عنف من فرعون وتمرد وجرأة على الله وإيهام لقومه بأن ما يدعو به موسى لا حقيقة له. ثم قال فرعون {إني أخاف أن يبدل} يعني موسى {دينكم} وهو ما تعتقدونه من إلهيتي {أو أن يظهر في الأرض الفساد} بأن يتبعه قوم نحتاج ان نقاتله فيخرب في ما بين ذلك البلاد، ويظهر الفساد. وقال قتادة: الفساد عند فرعون ان يعمل بطاعة الله. فمن قرأ "او ان" فانه جعل المخوف احد الامرين وإن جعل (او) بمعنى الواو جعل الأمرين مخوفين معاً، ومن قرأ بالواو جعل المخوف الأمرين معاً: تبديل الدين وظهور الفساد. والتبديل رفع الشيء إلى غيره في ما يقع موقعه إلا انه بالعرف لا يستعمل إلا في رفع الجيد بالردي، والفساد انتقاض الأمر بما ينافي العقل او الشرع او الطبع، ونقيضه الصلاح. والاظهار جعل الشيء بحيث يقع عليه الادراك. ثم حكى تعالى ما قال موسى عند ذلك فانه قال {إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} والعياذ هو الاعتصام بالشيء من عارض الشر، عذت بالله من شر الشيطان واعتصمت منه بمعنى واحد. ومن أظهر ولم يدغم. قال: لان مخرج الذال غير مخرج التاء. ومن ادغم فلقرب مخرجهما، والمعنى اني اعتصمت بربي وربكم الذي خلقني وخلقكم من كل متكبر على الله متجبر عن الانقياد له لا يصدق بالثواب والعقاب فلا يخاف. وقوله {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات} يعني الحجج الواضحة {من ربكم} قال السدي كان القائل ابن عم فرعون، فعلى هذا يكون قوله {أية : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} تفسير : مخصصاً، وقال غيره كان المؤمن إسرائيلياً يكتم إيمانه عن آل فرعون، فعلى هذا يكون الوقف عند قوله {وقال رجل مؤمن} ويكون قوله {من آل فرعون} متعلقاً بقوله {يكتم} أي يكتم إيمانه من آل فرعون. والأول اظهر في اقوال المفسرين. وقال الحسن: كان المؤمن قبطياً. وقوله {وإن يك كاذباً فعليه كذبه} معناه إن المؤمن قال لفرعون إن يك موسى كاذباً في ما يدعوكم اليه فوبال ذلك عليه وان يك صادقاً في ما يدعيه يصيبكم بعض الذي يعدكم، قيل: انه كان يتوعدهم بأمور مختلفة، قال ذلك مظاهرة في الحجاج والمعنى انه يلقي بعضه. والمراد يصيبكم بعضه في الدنيا. وقيل: هو من لطيف الكلام، كما قال الشاعر: شعر : قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : ثم قال {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي لا يحكم بهداية من كان مسرفاً على نفسه ومتجاوز الحد في معصية الله كذاباً على الله. ويحتمل ان يكون المراد ان الله لا يهدي الى طريق الثواب والجنة من هو مسرف كذاب ويجوز ان يكون ذلك حكاية عما قال المؤمن من آل فرعون. ويجوز ان يكون ذلك ابتداء خبر من الله تعالى بذلك، ثم قال يعني مؤمن آل فرعون {ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا} أي لكم الملك والسلطان على اهل الارض وذلك لا يمنع من بأس الله {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} في ما ادعوكم من الهيتي وتكذيب موسى. ثم حكى ما قال المؤمن فقال {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم} عذاباً {مثل} عذاب {يوم الأحزاب} قال قوم: القائل لذلك موسى نفسه، لان مؤمن آل فرعون كان يكتم ايمانه، وهذا ضعيف لأن قوله هذا كقوله {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} وكما اظهر هذا جاز ان يظهر ذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} مثل من يخاف من خصمه ومع ذلك يهدّده {ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} فانّه لم يكن له مانع من قتله لكنّه كان يخاف منه ومن ثعبانه ويخوّفه بالقتل، وقيل: كانوا يكفّونه عن قتله ويقولون: انّه ليس الّذى تخافه بل هو ساحرٌ ولو قتلته ظنّ انّك عجزت عن معارضته بالحجّة {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} بان يفرّق النّاس عن الاجتماع او خرج عن الطّاعة وادّعى السّلطنة.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى} قال لملئه اتركونى أقتله وكان فيهم من يكفه عن قتله لعلمه في قلبه انه نبي وقيل قالوا انه ليس الذي تخافه بل هو ساحر وهو لا يغلب سحرتنا وان قتلته ظنت العامة انه محق صادق وانك قتلته لعجزك عن جوابه وانما يقاومه ساحر واحد والظاهر ان فرعون تيقن ان موسى صلى الله عليه وسلم نبى وما جاء به حق لا سحر ولكن فيه عناداً وكبراً وقد كان قتل في أهون شيء فكيف بمن يزيل ملكه؟ ولكنه خاف ان همّ بقتله عوجل بالهلاك ولا يتيسر له قتله وقوله* {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي ليمنعه مني شاهد على شدة خوفه من دعائه ربه فهذا اكتساب شجاعة واظهار لها وعدم مبالاة به فى ظاهر لسانه وفي قلبه خوف شديد هو الذي منعه من قتله وأوهم قومه انهم هم الذين يكفونه وقيل لما بهرتهم آياته انهدر كيده واضطربت معتقدات أصحابه فقال ذرونى أقتل وليس هذا قول الجبارين المتمكنين من انفاذ الأمور وذلك اضطراب وأظهر له المؤمن من مخالفته ثم أظهر أعني فرعون لهم انه انما يريد نصحهم وحماية دينهم لا غير بقوله* {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ} موسى {دِينَكُمْ} بغيره كانوا يعبدون الأصنام ويدل على عبادتها وعبادته ويدرك آلهتك وقبل أن يعبر سلطانكم* {أَوْ أَن يُظْهِرَ} موسى* {فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} الفتنة التى يذهب معها الأمن وتتعطل المكاسب والمزارع والمعاش ويهلك الناس قتلاً وضياعاً وكأنه قال اني أخاف فساد دينكم ودنياكم وذلك قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وهو ما فى مصاحف أهل الحجاز وقرأ غيرهم أو أن يظهر بالهمزة وسكون الواو أي أخاف أن يفسد دينكم ويغيره ان قدر ويفسد دنياكم بسبب ما يظهر من الفتن ان لم يقدر على ابطال دينكم بالكلية الا أن ابن كثير وابن عامر كالكوفيين غير حفص يفتحون الياء والهاء ويرفعون الفساد وقرئ (يظهر) بتشديد الظاء والهاء أي أن يتتابع الفساد ويتعاون.

اطفيش

تفسير : {وقال فرْعَون ذَرُوني أقْتُل مُوسَى} لم يرد قتله خوف أن يعاجله الله بالعقاب، وهو معتقد لوجوده تعالى،أو علم أن موسى نبى لما يرى منه، وكتم وجحد، أو لم يقتله خوف أن يقال، قتله عجزا عن مقاومته بالحجة، كما قيل له: إن قتلته توهم الناس عجزى عن الحجة، فدعه، فانه أهون من ذلك، ويقابله ساحر مثله، لكنه لعنه الله عز وجل، أظهر للناسب أنه أراد قتله، وأنه قادرعليه، ولكنه منعه الناس {ولْيدْعُ ربَّه} أن ينجيه منى أو أن يعاقبنى على قتله الذى سمع باهتمامى به، هذا اقرار منه، بأن لموسى ربا يدعيه ويدعوه، وفى ذلك أيضا عدم اكتراثه به تعالى وبعقابه لفظا لا اعتقادا {إنِّي أخافُ} ان لم أقتله {أن يُبدِّل دِينكُم} عبادة أصنام أمرهم بنحتها يتقربون بها اليه، وقيل سلطانكم وعزتكم كقوله زهير: شعر : لئن حللت بحى من بنى أسد فى دين عمرو وحالت بيننا فدك تفسير : {أو أنْ يُظْهِر في الأرض الفَسَاد} ذلك تعليل لذرونى أو لأقتل ذرونى لأنى أو أقتله لأنى، والفساد الاختلاف والشقاق المؤدى الى تعطيل مصالحكم، وتعطيل المزارع والمتاجر، والى القتال، وقال قتادة: الفساد ما عليه موسى من الدين والأرض أرض مصر.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } كان إذا هم بقتله كفوه بقولهم: ليس بالذي تخافه وهو أقل من ذلك وأضعف وما هو إلا ساحر يقاومه ساحر مثله وإنك إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس واعتقدوا أنك عجزت عن مظاهرته بالحجة، والظاهر أنه لعنه الله تعالى استيقن أنه عليه السلام نبـي ولكن كان فيه خب وجربزة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه الذي يثل عرشه ويهدم ملكه ولكنه يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك فقوله: {ذَرُونِي } الخ كان تمويهاً على قومه وإيهاماً أنهم هم الذين يكفونه وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع ويرشد إلى ذلك قوله: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } لأن ظاهره الاستهانة بموسى عليه السلام بدعائه ربه سبحانه كما يقال: ادع ناصرك فإني منتقم منك، وباطنه أنه كان يرعد فرائصه من دعاء ربه فلهذا تكلم به أول ما تكلم وأظهر أنه لا يبالي بدعاء ربه وما هو إلا كمن قال: ذروني أفعل كذا وما كان فليكن وإلا فما لمن يدعي أنه ربهم الأعلى أن يجعل لما يدعيه موسى عليه السلام وزناً فيتفوه به تهكماً أو حقيقة. {إِنّي أَخَافُ } إن لم أقتله. {أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ } أن يغير حالكم الذي أنتم عليه من عبادتي وعبادة الأصنام وكان عليه اللعنة قد أمرهم بنحتها وإن تجعل شفعاء لهم عنده كما كان كفار مكة يقولون: {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }تفسير : [يونس: 18] ولهذا المعنى أضافوا الآلهة إليه في قولهم: {أية : وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ }تفسير : [الأعراف: 127] فهي إضافة تشريف واختصاص وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين، وقال ابن عطية: الدين السلطان ومنه قول زهير: شعر : لئن حللت بحي من بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك تفسير : أي إني أخاف أن يغير سلطانكم ويستذلكم {أَوْ أَن يُظْهِرَ } إن لم يقدر على تغيير دينكم بالكلية {فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } وذلك بالتهارج الذي يذهب معه الأمن وتتعطل المزارع والمكاسب ويهلك الناس قتلاً وضياعاً فالفساد الذي عناه فساد دنياهم، فيكون حاصل المعنى على ما قرر أولاً إني أخاف أن يفسد عليكم / أمر دينكم بالتبديل أو يفسد عليكم أمر دنياكم بالتعطيل وهما أمران كل منهما مر، ونحو هذا يقال على المعنى الثاني للدين، وعن قتادة أن اللعين عنى بالفساد طاعة الله تعالى. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو {وَأَنْ } بالواو الواصلة. وقرأ الأعرج والأعمش وابن وثاب وعيسى وابن كثير وابن عامر والكوفيون غير حفص {يظهر} بفتح الياء والهاء {الفساد} بالرفع. وقرأ مجاهد {يظهر} بتشديد الظاء والهاء {الفساد} بالرفع. وقرأ زيد بن علي {يظهر} بضم الياء وفتح الهاء مبنياً للمفعول {ٱلْفَسَادَ } بالرفع.

ابن عاشور

تفسير : عطفُ {وقال} بالواو يدل على أنه قال هذا القول في موطن آخر ولم يكن جواباً لقولهم: {أية : اقْتُلوا أبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}تفسير : [غافر: 25]، وفي هذا الأسلوب إيماء إلى أن فرعون لم يعمل بإشارة الذين قالوا: {اقتلوا أبناء الذين ءامنوا معه} وأنه سكت ولم يراجعهم بتأييد ولا إعراض، ثم رأى أن الأجدر قتل موسى دون أن يقتل الذين آمنوا معه لأن قتله أقطع لفتنتهم. ومعنى: {ذروني} إعلامهم بعزمه بضرب من إظهار ميله لذلك وانتظاره الموافقة عليه بحيث يمثل حاله وحال المخاطبين بحال من يريد فعل شيء فيصدّ عنه، فلرغبته فيه يقول لمن يصده: دَعْنِي أفعل كذا، لأن ذلك التركيب مما يخاطب به الممانع والملائم ونحوهما، قال طرفة:شعر : فان كنتَ لا تستطيع دفع منيتي فدَعْنِي أبادرها بما ملكتْ يدي تفسير : ثم استعمل هذا في التعبير عن الرغبة ولم يكن ثمة معارض أو ممانع، وهو استعمال شائع في هذا وما يرادفه مثل: دَعْني وخَلِّني، كما في قوله تعالى: {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً}تفسير : [المدثر: 11] وقوله: {أية : وذرني والمكذبين}تفسير : [المزمل: 11]، وقول أبي القاسم السهيلي:شعر : دَعْنِي على حكم الهوى أتضرع فَعَسَى يلين ليَ الحبيب ويخشع تفسير : وذلك يستتبع كناية عن خطر ذلك العمل وصعوبة تحصيله لأن مثله مما يَمنع المستشارُ مستشيره من الإِقدام عليه، ولذلك عطف عليه: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} لأن موسى خوّفهم عذاب الله وتحدَّاهم بالآيات التسع. ولام الأمر في {وَلْيَدعُ رَبَّهُ} مستعملة في التسوية وعدم الاكتراث. وجملة {إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ} تعليل للعزم على قتل موسى. والخوف مستعمل في الإِشفاق، أي أظن ظناً قوياً أن يبدل دينكم. وحذفت (مِن) التي يتعدى بها فعل {أخاف} لأنها وقعت بينه وبين (أنْ). والتبديل: تعويض الشيء بغيره. وتوسم فرعون ذلك من إنكار موسى على فرعون زعمه أنه إله لقومه فإن تبديل الأصول يقتضي تبديل فروع الشريعة كلها. والإِضافة في قوله: {دينكم} تعريض بأنهم أولى بالذبّ عن الدين وإن كان هو دينَه أيضاً لكنه تجرد في مشاورتهم عن أن يكون فيه مراعاة لحظ نفسه كما قالوا هم {أية : أتذر موسى وقومَه ليفسدوا في الأرض ويذَرَك وآلهتك}تفسير : [الأعراف: 127] وذلك كله إلهاب وتحضيض. والأرض: هي المعهودة عندهم وهي مملكة فرعون. ومعنى إظهار موسى الفساد عندهم أنه يتسبب في ظهوره بدعوته إلى تغيير ما هم عليه من الديانة والعوائد. وأطلق الإِظهار على الفشوّ والانتشار على سبيل الاستعارة. وقد حمله غروره وقلة تدبره في الأمور على ظن أن ما خالف دينهم يعدّ فساداً إذ ليست لهم حجة لدينهم غير الإِلف والانتفاع العاجل. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر {وأَنْ} بواو العطف. وقرأ غيرهم {أوْ أَنْ} بــــ (أو) التي للترديد، أي لا يخلو سعي موسى عن حصول أحد هاذين. وقرأ نافع وأبو عَمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بضم ياء {يُظهر} ونصب {الفَسَاد} أي يبدل دينكم ويكون سبباً في ظهور الفساد. وقرأه ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بفتح الياء وبرفع {الفسادُ} على معنى أن الفساد يظهر بسبب ظهور أَتْباع موسى، أو بأن يجترىء غيره على مثل دعواه بأن تزول حُرمة الدولة، لأن شأن أهل الخوف عن عمل أن ينقلب جبنهم شجاعة إذا رأوا نجاح من اجترأ على العمل الذي يريدون مثله.

د. أسعد حومد

تفسير : (26) - وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِمَلَئِهِ: دَعُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَليَسْتَنْجِدْ مُوسَى بِرَبِّهِ لَينْقِذَهُ إِنْ كَانَ صَادِقاً فِي قَوْلِهِ إِنَّ لَهُ رَبّاً أَرْسَلَهُ، وَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى حِمَايَتِهِ، لأَِنَّ فِرْعَوْنَ يَخَافُ - عَلَى مَا قَالَهُ لمَلَئِهِ - أَنْ يُفْسِدَ مُوسَى مُعْتَقَدَاتِ القِبْطِ، أَوْ أَنْ يَخْلَقَ بِدَعْوَتِهِ الاضْطِرابَاتِ والقَلاَقِلَ فَتَتَعَطَّلَ الأَعْمَالُ فِي المَزَارِعِ والمَتَاجِرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قول فرعون {ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ ..} [غافر: 26] يعني: اتركوني أقتله (سيبوني عليه) دَلَّ على وجود تيار من القوم يمنع فرعون من قَتْل موسى، وإلا لما قال (ذَرُوني) فمَنْ هؤلاء؟ ربما كانوا من أتباع فرعون المؤمنين بصدق موسى، وبما جاء به، فأحبُّوا أنْ يدافعوا عنه بطريقة لا تثير شكَّ فرعون، فاحتالوا عليه. وهذا دليل على أن أصحاب الخير يجوز لهم أنْ يحتالوا على أهل الشر لنصرة الخير وأن الله يعينهم. جاء هؤلاء وقالوا لفرعون: إنْ قتلتَ موسى سيقول الناس أنه على حق، وأنك لم تقدر على رَدِّ حجته فقتلته لتستريح منه، وعندها سيقفون ضدك. ومن هؤلاء المدافعين عن موسى الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه خوفاً من بطش فرعون، والذي دافع عن موسى دفاعاً قوياً وقدَّم الحجج، فقال: {أية : وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ..} تفسير : [غافر: 28]. وتأمل هنا سُخْرية فرعون واستهزائه {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ..} [غافر: 26] أي: ربه الذي يدعو إليه ليناديه كي ينقذه ولو لم يكُنْ مستهزئاً لقال: وليدْع ربَّنا {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} [غافر: 26] سبحان الله انظر كيف يحاول أهل الباطل قَلْب الحقائق، ففرعون يخاف من موسى أنْ يُبدِّل دين قومه ودينهم هو الإيمان بفرعون إلهاً لهم يعبدونه من دون الله. {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} [غافر: 26] ينشأ الفساد من أين؟ من وجود فريقين في المجتمع: فريق يؤمن بفرعون إلهاً، وفريق يؤمن بموسى وربه الحق، فالرعية كلها في شقاق ونزاع، وأصحاب مراكز القوى المستفيدون من ألوهية فرعون لن يسكتوا، ولا شكَّ أن هذه فتنة ستُحدِثُ فساداً في نظره.

همام الصنعاني

تفسير : 2671- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ}: [الآية: 26]، قال: هو هذا الفساد الذي عنى فرعون. 2672- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا جعفر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أنه كان يقرأ {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ}: [الآية: 26].