Verse. 4160 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَقَالَ مُوْسٰۗى اِنِّىْ عُذْتُ بِرَبِّيْ وَرَبِّكُمْ مِّنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ۝۲۷ۧ
Waqala moosa innee AAuthtu birabbee warabbikum min kulli mutakabbirin la yuminu biyawmi alhisabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال موسى» لقومه وقد سمع ذلك إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب».

27

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} أي لقومه لما سمع بكلامه. {إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُـمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } صدر الكلام بأن تأكيداً وإشعاراً على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله، وخص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية، وإضافته إليه وإليهم حثاً لهم على موافقته لما في تظاهر الأرواح من استجلاب الإِجابة، ولم يسم فرعون وذكر وصفاً يعمه وغيره لتعميم الإِستعاذة ورعاية الحق والدلالة على الحامل له على القول. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي {عُذْتُ } فيه وفي سورة «الدخان» بالإِدغام وعن نافع مثله. {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } من أقاربه. وقيل {مِنْ } متعلق بقوله: {يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ } والرجل إسرائيلي أو غريب موحد كان ينافقهم. {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً } أتقصدون قتله. {أَن يَقُولَ } لأن يقول، أو وقت أن يقول من غير روية وتأمل في أمره. {رَبّىَ ٱللَّهُ } وحده وهو في الدلالة على الحصر مثل صديقي زيد. {وَقَدْ جَاءكُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } المتكثرة الدالة على صدقه من المعجزات والاستدلالات. {مّن رَّبّكُمْ } أضافه إليهم بعد ذكر البينات احتجاجاً عليهم واستدراجاً لهم إلى الاعتراف به، ثم أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال: {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله. {وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ } فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وفيه مبالغة في التحذير وإظهار للإِنصاف وعدم التعصب، ولذلك قدم كونه كاذباً أو يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده، كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالاً عندهم وتفسير الـ {بَعْضُ } بالكل كقول لبيد:شعر : تَرَاكَ أَمْكنة إِذَا لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حمامُهَا تفسير : مردود لأنه أراد بالـ {بَعْضُ} نفسه. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } احتجاج ثالث ذو وجهين: أحدهما: أنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات. وثانيهما: أن من خذله الله أهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله. ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم، وعرض به لفرعون بأنه {مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} لا يهديه الله سبيل الصواب وطريق النجاة. { يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ} غالبين عالين. {فِى ٱلأَرْضِ} أرض مصر. {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَاءَنَا} أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد، وإنما أدرج نفسه في الضميرين لأنه كان منهم في القرابة وليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم. {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ } ما أشير عليكم. {إِلاَّ مَا أَرَىٰ } وأستصوبه من قتله وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساني متواطئان عليه. {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } طريق الصواب، وقرىء بالتشديد على أنه فعال للمبالغة من رشد كعلام، أو من رشد كعباد لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور على السماع أو بالنسبة إلى الرشد كعواج وبتات. {وَقَالَ ٱلَّذِى ءَامَنَ يٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } في تكذيبه والتعريض له. {مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } مثل أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم، وجمع {ٱلأحَزَابِ } مع التفسير أغنى عن جمع {ٱلْيَوْمَ }. {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} مثل جزاء ما كانوا عليه دائباً من الكفر وإيذاء الرسل. {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ } كقوم لوط. {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } فلا يعاقبهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام، وهو أبلغ من قوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }تفسير : [فصلت: 46] من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم. { وَيٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضاً للاستغاثة، أو يتصايحون بالويل والثبور، أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار كما حكي في «الأعراف». وقرىء بالتشديد وهو أن يند بعضهم من بعض كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ }تفسير : [عبس: 34] {يَوْمَ تُوَلُّونَ} عن الموقف. {مُّدْبِرِينَ } منصرفين عنه إلى النار. وقيل فارين عنها. {مَا لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } يعصمكم من عذابه. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }. {وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ } يوسف بن يعقوب على أن فرعونه فرعون موسى، أو على نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد أو سبطه يوسف بن إبراهيم بن يوسف. {مِن قَبْلُ } من قبل موسى. {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالمعجزات. {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مِّمَّا جَاءَكُـمْ بِهِ} من الدين. {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ } مات. {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً } ضما إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده، أو جزماً بأن لا يبعث من بعده رسول مع الشك في رسالته، وقرىء «ألن يبعث الله» على أن بعضهم يقرر بعضاً بنفي البعث. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الضلال. {يُضِلُّ ٱللَّهُ} في العصيان. {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } شاك فيما تشهد به البينات لغلبة الوهم والانهماك في التقليد. {وَٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ} بدل من الموصول الأول لأنه بمعنى الجمع. {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ } بغير حجة بل إما بتقليد أو بشبهة داحضة. {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } فيه ضمير من وإفراده للفظ، ويجوز أن يكون «ٱلَّذِينَ آمنوا» مبتدأ وخبره {كَبُرَ} على حذف مضاف أي: وجدال الذين يجادلون كبر مقتاً أو بغير سلطان وفاعل {كَبُرَ} {كَذٰلِكَ } أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال فيكون قوله: {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } استئنافاً للدلالة على الموجب لجدالهم. وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان قلب بالتنوين على وصفه بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم: رأت عيني وسمعت أذني، أو على حذف مضاف أي على كل ذي قلب متكبر. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحاً } بناء مكشوفاً عالياً من صرح الشيء إذا ظهر. {لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلأَسْبَـٰبَ} الطرق. {أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } بيان لها أو في إبهامها ثم إيضاحها تفخيم لشأنها وتشويق للسامع إلى معرفتها. {فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ } عطف على {أَبْلُغُ }. وقرأ حفص بالنصب على جواب الترجي ولعله أراد أن يبني له رصداً في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية، فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله إياه، أو إن يرى فساد قول موسى بأن أخباره من إله السماء يتوقف على إطلاعه ووصوله إليه، وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء وهو مما لا يقوى عليه الإنسان، وذلك لجهله بالله وكيفية استنبائه. {وَإِنّى لأَظُنُّهُ كَـٰذِباً} في دعوى الرسالة. {وَكَذٰلِكَ } ومثل التزيين، {زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} سبيل الرشاد، والفاعل على الحقيقة هو الله تعالى ويدل عليه أنه قرىء زين بالفتح وبالتوسط الشيطان. وقرأ الحجازيان والشامي وأبو عمرو {وَصُدَّ } على أن فرعون صد الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات ويؤيده: {وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } أي خسار. {وَقَالَ ٱلَّذِى ءَامَنَ} يعني مؤمن آل فرعون. وقيل موسى عليه الصلاة والسلام. {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ} بالدلالة. {سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } سبيلاً يصل سالكه إلى المقصود، وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي. {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ } تمتع يسير لسرعة زوالها. {وَإِنَّ ٱلأَخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} لخلودها. {مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا} عدلاً من الله، وفيه دليل على أن الجنايات تغرم بمثلها. {وَمَنْ عَمِـلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافاً مضاعفة فضلاً منه ورحمة، ولعل تقسيم العمال وجعل الجزاء جملة إسمية مصدرة باسم الإِشارة، وتفضيل الثواب لتغليب الرحمة، وجعل العمل عمدة والإِيمان حالاً للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل وأن ثوابه أعلى من ذلك. { وَيٰقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى ٱلنَّارِ} كرر ندائهم إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة واهتماماً بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه، وعطفه على النداء الثاني الداخل على ما هو بيان لما قبله ولذلك لم يعطف على الأول، فإن ما بعده أيضاً تفسير لما أجمل فيه تصريحاً أو تعريضاً أو على الأول. {تَدْعُونَنِى لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ} بدل أو بيان فيه تعليل والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام. {وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ} بربوبيته. {عِلْمٌ} والمراد نفي المعلوم والإِشعار بأن الألوهية لا بد لها من برهان فاعتقادها لا يصح إلا عن إيقان. {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ } المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإِرادة، والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران. {لاَ جَرَمَ } لا رد لما دعوه إليه، و {جَرَمَ} فعل بمعنى حق وفاعله: {أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِى ٱلأَخِرَةِ } أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلاً لأنها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيتها أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابة دعوة لها. وقيل {جَرَمَ } بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، وقيل فعل من الجرم بمعنى القطع كما إن بدا من لا بد فعل من التبديد وهو التفريق، والمعنى لا قطع لبطلان دعوة ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فتنقلب حقاً، ويؤيده قولهم لا جرم إنه لغة فيه كالرشد والرشد. {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى ٱللَّهِ } بالموت. {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ} في الضلالة والطغيان كالإِشراك وسفك الدماء. {هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } ملازموها. {فَسَتَذْكُرُونَ} وقرىء {فَسَتَذْكُرُونَ} أي فسيذكر بعضكم بعضاً عند معاينة العذاب. {مَا أَقُولُ لَكُـمْ } من النصيحة. {وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى ٱللَّهِ} ليعصمني من كل سوء. {إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } فيحرسهم وكأنه جواب توعدهم المفهوم من قوله: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } شدائد مكرهم. وقيل الضمير لموسى عليه الصلاة والسلام. {وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ} بفرعون وقومه فاستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك. وقيل بطلبة المؤمن من قومه فإنه فر إلى جبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش حوله صفوفاً فرجعوا رعباً فقتلهم. {سُوءُ ٱلْعَذَابِ } الغرق أو القتل أو النار. {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } جملة مستأنفة أو {ٱلنَّارِ } خبر محذوف و {يُعْرَضُونَ } استئناف للبيان، أو بدل و {يُعْرَضُونَ} حال منها، أو من الآل وقرئت منصوبة على الاختصاص أو بإضمار فعل يفسره {يُعْرَضُونَ } مثل يصلون، فإن عرضهم على النار إحراقهم بها من قولهم: عرض الأسارى على السيف إذا قتلوا به، وذلك لأرواحهم كما روى ابن مسعود أن أرواحهم في أجواف طيور سود تعرض على النار بكرة وعشياً إلى يوم القيامة، وذكر الوقتين تحتمل التخصيص والتأييد، وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} أي هذا ما دامت الدنيا فإذا قامت الساعة قيل لهم: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} يا آل فرعون. {أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه، أو أشد عذاب جهنم. وقرأ حمزة والكسائي ونافع ويعقوب وحفص {أَدْخِلُواْ} على أمر الملائكة بإدخالهم النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى } لقومه وقد سمع ذلك {إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبِّكُمْ مّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ }.

الخازن

تفسير : {وقال موسى} يعني لما توعده فرعون بالقتل {إني عذت بربي وربكم} يعني أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يأت في دفع الشدة إلا بأن استعاذ بالله واعتمد عليه فلا جرم أن صانه الله عن كل بلية {من كل متكبر} أي متعظم عن الإيمان {لا يؤمن بيوم الحساب} قوله عز وجل: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} قيل كان ابن عم فرعون وقيل كان من القبط وقيل كان من بني إسرائيل، فعلى هذا يكون معنى الآية وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وكان اسم هذا المؤمن حزبيل عند ابن عباس وأكثر العلماء وقال إسحاق كان اسمه جبريل وقيل حبيب {أتقتلون رجلاً أن يقول} أي لأن يقول {ربي الله} وهذا استفهام إنكار وهو إشارة إلى التوحيد وقوله {وقد جاءكم بالبينات من ربكم} فيه إشارة إلى تقرير نبوته بإظهار المعجزة والمعنى وقد جاءكم بما يدل على صدقه {وإن يك كاذباً فعليه كذبه} أي لا يضركم ذلك إنما يعود وبال كذبه عليه {وإن يك صادقاً} أي فكذبتموه {يصبكم بعض الذي يعدكم} قيل معناه يصبكم الذي يعدكم إن قتلتموه وهو صادق، وقيل بعض على أصلها ومعناه كأنه قاله على طريق الاحتجاج أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفيه هلاككم فذكر البعض ليوجب الكل {إن الله لا يهدي} يعني إلى دينه {من هو مسرف كذاب} أي على الله تعالى (خ) عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم}. قوله عز وجل: {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} يعني غالبين في الأرض أي أرض مصر {فمن ينصرنا} يعني يمنعنا {من بأس الله إن جاءنا} والمعنى لكم الملك فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله تعالى إن حل بكم {قال فرعون ما أريكم} أي من الرأي والنصيحة {إلا ما أرى} يعني لنفسي {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} أي ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى ثم حكى الله تعالى أن مؤمن آل فرعون رد على فرعون هذا الكلام وخوفه أن يحل به ما حل بالأمم قبله بقوله: {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم}.

البقاعي

تفسير : ولما أعلم بمقالة العدو، أتبعه الإعلام بقول الولي فقال: {وقال موسى} إبطالاً لهذا القول وإزالة لآثاره مؤكداً لما استقر في النفوس من قدرة فرعون: {إني عذت} أي اعتصمت عند ابتداء الرسالة {بربي} ورغبهم في الاعتصام به وثبتهم بقوله: {وربكم} أي المحسن إلينا أجمعين، فأرسلني لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا {من كل متكبر} أي عاتٍ طاغ متعظم على الحق هذا وغيره {لا يؤمن} أي لا يتجدد له تصديق {بيوم الحساب *} من ربه له وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ربه بما لا يحكم به على نفسه، ومعنى العوذ أنه لا وصول لأحد منهم إلى قتلي بسبب عوذي، هذا أمر قد فرغ منه مرسلي لخلاصكم، القادر على كل شيء. ولما انقضى كلام الرأسين، وكانت عادة من لم يكن لهم نظام من الله رابط أن قلوبهم لا تكاد تجتمع وأنه لا بد أن يجاهر بعضهم بما عنده ولو عظم شأن الملك القائم بأمرهم، واجتهد في جمع مفترق علنهم وسرهم، قال تعالى مخبراً عن كلام بعض الأتباع في بعض ذلك: {وقال رجل} أي كامل في رجوليته {مؤمن} أي راسخ الإيمان فيما جاء به موسى عليه السلام. ولما كان للإنسان، إذا عم الطغيان، أن يسكن بين أهل العدوان، إذا نصح بحسب الإمكان، أفاد ذلك بقوله: {من آل فرعون} أي وجوههم ورؤسائهم {يكتم إيمانه} أي يخفيه إخفاء شديداً خوفاً على نفسه لأن الواحد إذا شذ عن قبيلة يطمع فيه ما لا يطمع إذا كان واحداً من جماعة مختلفة، مخيلاً لهم بما يوقفهم عن الإقدام على قتله من غير تصريح بالإيمان. ولما رآهم قد عزموا على القتل عزماً قوياً أوقع عليه اسم القتل، فقال منكراً له غاية الإنكار: {أتقتلون رجلاً} أي هو عظيم في الرجال حساً ومعنى، ثم علل قتلهم له بما ينافيه فقال: {أن} أي لأجل أن {يقول} ولو على سبيل التكرير: {ربي} أي المربي لي والمحسن إليّ {الله} أي الجامع لصفات الكمال {وقد} أي والحال أنه قد {جاءكم بالبينات} أي الآيات الظاهرات من غير لبس {من ربكم} أي الذي لا إحسان عندكم إلا منه، وكما أن ربوبيته له اقتضت عنه الاعتراف له بها فكذلك ينبغي أن تكون ربوبيته لكم داعية لكم إلى اعترافكم له بها. ولما كان كلامه هذا يكاد أن يصرح بإيمانه، وصله بما يشككهم في أمره ويوقفهم عن ضره، فقال مشيراً إلى أنه لا يخلو حاله من أن يكون صادقاً أو كاذباً، مقدماً القسم الذي هو أنفى للتهمة عنه وأدعى للقبول منه: {وإن} أي والحال أنه إن. ولما كان المقام لضيقه غاية الضيق بالكون بين شرور ثلاثة عظيمة: قتلهم خير الناس إذ ذاك، وإتيانهم بالعذاب، واطلاعهم على إيمانه، فأقل ما يدعوهم ذلك إلى اتهامه إن لم يحملهم على إعدامه داعية للإيجاز في الوعظ والمسارعة إلى الإتيان بأقل ما يمكن، حذف النون فقال: {يك كاذباً فعليه} أي خاصة {كذبه} يضره ذلك وليس عليكم منه ضرر، ولم يقل: أو صادقاً، وإن كان الحال مقتضياً لغاية الإيجاز لئلا يكون قد نقص الجانب المقصود بالذات حقه، فيكون قد أخل ببعض الأدب، فقال مظهراً لفعل الكون عادلاً عما له إلى ما عليهم معادلاً لما ذكره عليه ونقصه عنه إظهاراً للنصفة ودفعاً للتهمة عن نفسه: {وإن يك} حذف نونه لمثل ما مضى {صادقاً يصبكم} أي على وجه العقوبة من الله وله صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئاً. ولما كان العاقل من نظر لنفسه فلم يرد كلام خصمه من غير حجة، وكان أقل ما يكون من توعد من بانت مخايل صدقه البعض، قال ملزماً الحجة بالبعض، غير ناف لما فوقه إظهاراً للانصاف وأنه لم يوصله حقه فضلاً عن التعصب له نفياً للتهمة عن نفسه: {بعض الذي} وقال: {يعدكم} دون "يوعدكم" إشارة إلى أنهم إن وافوه أصابهم جميع ما وعدهموه من الخير، وإلا دهاهم ما توعدهم من الشر، والآية من الاحتباك: ذكر اختصاصه بضر الكذب أولاً دليلاً على ضده وهو اختصاصه بنفع الصدق ثانياً، وإصابتهم ثانياً دليلاً على إصابته أولاً، وسره أنه ذكر الضار في الموضعين، لأنه أنفع في الوعظ لأن من شأن النفس الإسراع في الهرب منه، ولقد قام أعظم من هذا المقام - كما في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما - أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو مظهر إيمانه وقد جد الجد بتحقق الشروع في الفعل حيث اخذ المشركون بمجامع ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فالتزمه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول هذه الآية، ودموعه تجري على لحيته حتى فرج الله وقد مزقوا كثيراً من شعر رأسه - رضي الله عنه. ولما كان فرعون قد نسب موسى عليه الصلاة والسلام بما زعمه من إرادته إظهار الفساد إلى الإسراف بعد ما نسبه إليه من الكذب، علل هذا المؤمن قوله هذا الحسن في شقي التقسيم بما ينطبق إلى فرعون منفراً منه مع صلاحيته لإرادة موسى عليه الصلاة والسلام على ما زعمه فيه فرعون فقال: {إن الله} أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز {لا يهدي} أي إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر {من هو مسرف} أي بإظهار الفساد متجاوز للحد، وكأنه رضي الله عنه جوز أن يتأخر شيء مما توعد به فيسموه كذباً، ولذا قال {يصبكم بعض الذي يعدكم} فعلق الأمر بالمبالغة فقال: {كذاب *} لأن أول خذلانه وضلاله تعمقه في الكذب، ويهدي من هو مقتصد صادق، فإن كان كاذباً كما زعمتم ضره كذبه، ولم يهتد لوجه يخلصه، وإن كان صادقاً أصابتكم العقوبة ولم تهتدوا لما ينجيكم، لاتصافكم بالوصفين. ولما خيلهم بهذا الكلام الذي يمكنه توجيهه، شرع في وعظهم إظهاراً للنصيحة لهم والتحسر عليهم فقال مذكراً لهم بنعمة الله عليهم محذراً لهم من سلبها مستعطفاً بذكر أنه منهم: {يا قوم} وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحاً بالمقصود فقال: {لكم الملك} ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله: {اليوم} وأشار إلى ما عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله: {ظاهرين} أي غالبين على بني إسرائيل وغيرهم، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء، وأهل الرخاء يتوقعون البلاء، ونبه على الإله الواحد القهار الذي له ملك السماوات فملك الأرض من باب الأولى، بقوله معبراً بأداة الظرف الدالة على الاحتياج ترهيباً لهم: {في الأرض} أي أرض مصر التي هي لحسنها وجمعها المنافع كالأرض كلها، قد غلبتم الناس عليها. ولما علم من هذا أنهم لا يملكون جميع الكون، تسبب عنه أن المالك للكل هو الإله الحق والملك المطلق الذي لا مانع لما يريد، فلا ينبغي لأحد من عبيده أن يتعرض إلى ما لا قبل له به من سخطه، فلذلك قال: {فمن ينصرنا} أي أنا وأنتم، أدرج نفسه فيهم عن ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك إبعاداً للتهمة وحثاً على قبول النصيحة: {من بأس الله} أي الذي له الملك كله، ونبه بأداة الشك على أن عذابه لهم أمر ممكن، والعاقل من يجوز الجائز ويسعى في التدرع منه فقال: {إن جاءنا} أي غضباً لهذا الذي يدعي أنه أرسله، ويجوز أن يكون صادقاً، بل يجب اعتقاد ذلك لما أظهره من الدلائل، وفي قوله هذا تسجيل عليهم بأنهم يعرفون أن الله ملك الملوك ورب الأرباب، وكذا قول موسى عليه السلام {أية : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض} تفسير : [الاسراء: 102] وأن ادعاء فرعون الإلهية إنما هو محض عناد. ولما سمع فرعون ما لا طعن له فيه، فكان بحيث يخاف من بقية قومه إن أفحش في أمر هذا المؤمن، فتشوف السامع لجوابه، أخبر تعالى أنه رد رداً دون رد بقوله: {قال فرعون} أي لقومه جواباً لما قاله هذا المؤمن دالاً بالحيدة عن حاق جوابه على الانقطاع بالعجز عن نقض شيء من كلامه: {ما أريكم} أي من الآراء {إلا ما أرى} أي إنه الصواب على قدر مبلغ علمي، أي إن ما أظهرته لكم هو الذي أبطنه. ولما كان في كلام المؤمن تعريض في أمر الهداية، وكان الإنسان ربما يتوافق قلبه ولسانه، ويكون تطابقهما على ضلال، قال: {وما أهديكم} أي بما أشرت به من قتل موسى عليه السلام وغيره {إلا سبيل الرشاد *} أي الذي أرى أنه صواب، لا أبطن شيئاً وأظهر غيره، وربما يكون في هذا تنبيه لهم على ما يلوح من كلام المؤمن لأنه ارتاب في أمره، وفي هذا أنه في غاية الرعب من أمر موسى عليه السلام لاستشارته لقومه في أمره واحتمال هذه المراجعات التي يلوح منها أنه يكاد ينفطر غيظاً منه ولكنه يتجلد. ولما ظهر لهذا المؤمن رضي الله عنه أن فرعون ذل لكلامه، ولم يستطع مصارحته، ارتفع إلى أصرح من الأسلوب الأول فأخبرنا تعالى عنه بقوله مكتفياً في وصفه بالفعل الماضي لأنه في مقام الوعظ الذي ينبغي أن يكون من أدنى متصف بالإيمان بعد أن ذكر عراقته في الوصف لأجل أنه كان في مقام المجاهدة والمدافعة عن الرسول عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام الذي لا يقدم عليه إلا راسخ القدم في الدين: {وقال الذي آمن} أي بعد قول فرعون هذا الكلام الذي هو أبرد من الثلج الذي دل على جهله وعجزه وذله {يا قوم} وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم من اتهامه فقال: {إني أخاف عليكم} أي من المكابرة في أمر موسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان أقل ما يخشى يكفي العاقل، وكانت قدرة الله سبحانه عليهم كلهم على حد سواء لا تفاوت فيها فكان هلاكهم كلهم كهلاك نفس واحدة، أفرد فقال: {مثل يوم الأحزاب *} مع أن إفراده أروع وأقوى في التخويف وأفظع للاشارة إلى قوة الله تعالى وأنه قادر على إهلاكهم في أقل زمان.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} أي لقومِه حينَ سمعَ بمَا تقوَّلَهُ اللعينُ من حديثِ قتلِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُـمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} صدَّرَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كلامَهُ بإنَّ تأكيداً له وإظهاراً لمزيدِ الاعتناءِ بمضمونِه وفرطِ الرغبةِ فيهِ، وخصَّ اسمَ الربِّ المنبىءِ عن الحفظِ والتربـيةِ لأنَّهما الذي يستدعيِه وأضافَهُ إليهِ وإليهم حثَّاً لهم على موافقتِه في العياذِ بهِ تعالى والتوكلِ عليه فإنَّ في تظاهرِ النفوسِ تأثيراً قوياً في استجلابِ الإجابةِ ولم يسمِّ فرعونَ بل ذكرَهُ بوصفٍ يعمُّه وغيرَهُ منَ الجبابرةِ لتعميمِ الاستعاذةِ والإشعارِ بعلةِ القساوةِ والجرأةِ على الله تعالَى. وقُرِىءَ عُتُّ بالإدغامِ. {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ} قيلَ كانَ قبطياً ابْنَ عمَ لفرعونَ آمنَ بُموس سِرَّاً، وقيلَ: كانَ إسرائيلياً، أو غَريباً مُوحداً {يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ} أيْ مِنْ فرعونَ وملئِه {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} أتقصِدونَ قتلَهُ. {أَن يَقُولَ} لأنْ يقولَ، أو كراهةَ أنْ يقولَ {رَبّىَ ٱللَّهُ} أيْ وحدَهُ من غيرِ رويةٍ وتأملٍ في أمرِه {وَقَدْ جَاءكُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ} والحالُ أنَّه قد جاءكُم بالمعجزاتِ الظاهرةِ التي شاهدتمُوها وعهدتمُوها {مّن رَّبّكُمْ} أضافَهُ إليهم بعدَ ذكرِ البـيناتِ احتجاجاً عليهم واستنزالاً لَهمُ عن رُتبةِ المكابرةِ ثم أخذَهُم بالاحتجاجِ من بابِ الاحتياطِ، فقالَ {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} لا يتخطَّاهُ وبالُ كذبِه فيُحتاجَ في دفعه إلى قتلِه {وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ} أيْ إنْ لَم يُصبكم كلُّه فلاَ أقلَّ منْ إصابةِ بعضِه لا سيَّما إنْ تعرضتُم له بسوءٍ، وهَذا كلامٌ صادرٌ عن غايةِ الإنصافِ وعدمِ التعصبِ ولذلكَ قدَّمَ من شِقَّيْ الترديدِ كونَهُ كاذباً أو يُصبْكُم ما يعدُكُم من عذابِ الدُّنيا وهو بعضُ ما يعدُهم كأنَّه خوَّفُهم بما هو أظهرُ احتمالاً عندَهُم، وتفسيرُ البعضِ بالكُلِّ مستدَلاً بقولِ لَبـيدٍ: [الكامل] شعر : ترَّاكُ أمكنةٍ إذَا لَمْ أَرْضَها أو يرتبطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها تفسير : مردودٌ لمَا أنَّ مرادَهُ بالبعضِ نَفْسُه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}. احتجاجٌ آخرُ ذُو وجهينِ أحدُهما أنَّه لوْ كانَ مُسرفاً كذاباً لما هداهُ الله تعالَى إلى البـيناتِ ولمَا أيَّدهُ بتلكَ المعجزاتِ وثانيهما إنْ كان كذلك خذلَه الله وأهلكَهُ فَلا حاجةَ لكُم إلى قتلِه ولعلَّه أراهُم المعنى الثَّانِي وهُو عاكفٌ على المَعْنى الأول لتلينَ شكيمتُهم وقد عَرَّضَ به لفرعونَ بأنَّه مسرفٌ كذَّابٌ لا يهديِه الله سبـيلَ الصوابِ ومنهاجَ النجاةِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال موسى} اى لقومه حين سمع بما يقوله اللعين من حديث قتله عليه السلام {انى عذت} من بناه كرفتم وفرياد وزنهار خواستم. والعوذ الالتجاء الى الغير والتعلق به {بربى وربكم} خص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية واضافته اليه واليهم للحث على موافقته فى العياذ به تعالى والتوكل عليه فان فى تظاهر النفوس تأثيرا قويا فى استجلاب الاجابة وهو السبب الاصلى فى اجتماع الناس لادآء الصلوات الخمس والجمعة والاعياد والاستسقاء ونحوها {من كل متكبر} متعظم عن الايمان وبالفارسية از هر كردن كشى. ولم يسم فرعون بل ذكره بوصف يعمه وغيره من جبابرة اركانه وغيرهم لتعميم الاستعاذة والاشعار بعلة القساوة والجرآءة على الله وهى التكبر وما يليه من عدم الايمان بالبعث. يقول الفقير واما قول الرازى وتبعه القاضى لم يسم فرعون رعاية لحق التربية التى كانت من فرعون له عليه السلام فى صغره فمدخول بان موسى عليه السلام قد شافهه باسمه فى غير هذا الموضع كما قال وانى لأظنك يا فرعون مثبورا وهذا اشد من قوله من فرعون على تقدير التسمية من حيث صدوره مشافهة وصدوره من فرعون مغايبة {لا يؤمن بيوم الحساب} صفة لما قبله عقبه به لأن طبع المتكبر القاسى وشأنه ابطال الحق وتحقير الخلق لكنه قد ينزجر اذا كان مقرا بالجزاء وخائفا من الحساب واما اذا اجتمع التكبر والتكذيب بالبعث كان اظلم واطغى فلا عظيمة الا ارتكبها فيكون بالاستعاذة اولى واحرى وسئل الامام ابو حنيفة رضى الله عنه اى ذنب اخوف على سلب الايمان قال ترك الشكر على الايمان وترك خوف الخاتمة وظلم العباد فان من كان فيه هذه الخصال الثلاث فالاغلب ان يخرج من الدنيا كافرا لا من ادركته السعادة وفى الخبر "حديث : ان الله تعالى سخر الريح لسليمان عليه السلام فحملته وقومه على السرير حتى سمعوا كلام اهل السماء فقال ملك لآخر الى جنبه لو علم فى قلب سليمان مثقال ذرة من كبر لاسفله فى الارض مقدار ما رفعه من الارض الى السماء" تفسير : وفى الحديث "حديث : ما من احد الا وفى رأسه سلسلتان احداهما الى السماء السابعة والاخرى الى الارض السابعة فاذا تواضع رفعه الله بالسلسلة التى فى السماء السابعة واذا تكبر وضعه الله بالسلسلة التى فى الارض السابعة" تفسير : فالمتكبر ايا كان مقهور لا محالة كما يقال اول ما خلق الله درة بيضاء فنظر اليها بالهيبة فذابت وصارت ماء وارتفع زبدها فخلق منه الارض فافتخرة الارض وقالت من مثلى فخلق الله الجبال فجعلها اوتادا فى الارض فقهر الارض بالجبال فتكبرت الجبال فخلق الحديد وقهر الجبال به فتكبر الحديد فقهر بالنار فتكبرت النار فخلق الماء فقهرها به فتكبر الماء فخلق السحاب ففرق الماء فى الدنيا فتكبر السحاب فخلق الرياح ففرقت السحاب فتكبرت الرياح فخلق الآدمى حتى جعل لنفسه بيتا وكنا من الحر والبرد والرياح فتكبر الآدمى فخلق النوم فقهر به فتكبر النوم فخلق المرض فقهره به فتكبر المرض فخلق الموت فتكبر فقهره بالذبح يوم القيامة حيث يذبح بين الجنة والنار كما قال تعالى {أية : وانذرهم يوم الحسرة اذ قضى الامر} تفسير : يعنى اذ ذبح الموت فالقاهر فوق الكل هو الله تعالى كما قال {أية : وانا فوقهم قاهرون} تفسير : ثم ان الكبر من اشد صفات النفس الامارة فلا بد من اذالته (قال المولى الجامى) شعر : لاف بى كبرى مزن كان از نشان باى مور درشب تاريك بر سنك سيه بنهان ترسب وزدرون كردن برون آسان مكيرانرا كزان كوه راكندن بسوزن از زمين آسان ترست

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} من اقاربه، فى خبرٍ: انّه كان ابن خاله، وخبرٍ آخر: كان ابن عمّه {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} قال القمّىّ كان يكتم ايمانه ستّمائة سنةٍ {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} عظيماً او ذكراً من الاناسىّ او رجلاً حاله {أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} صفة لرجلاً كما ذكر او بتقدير اللاّم علّة لتقتلون {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} على صدق دعواه {مِن رَّبِّكُمْ} فاحذروا من مخالفته ومؤاخذة ربّكم {وَإِن يَكُ كَاذِباً} لا يضرّكم كذبه شيئاً {فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} ان لم يصبكم كلّه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} متجاوز عن حدّه فى امره {كَذَّابٌ} ظاهره انّه تعليل لقوله ان يك كاذباً يعنى انّه ان يك كاذباً لم ينل ما اراد منكم من كذبه لانّ الله لا يهدى الى مراده من هو مسرف كذّاب ولكنّه فى الحقيقة تعريض بفرعون وقومه بحيث لا يصير سبباً لشغبهم لانّه اثبت صدق موسى (ع) بقوله: وقد جاءكم بالبيّنات.

الهواري

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم} أي بالله أتعوّذ {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} أي عن عبادة الله {لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}. قوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أي: من قوم فرعون {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} قال الحسن: قد كان مؤمناً قبل أن يأتيهم موسى {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاَ أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} والبيّنات الآيات التي جاءهم بها موسى: يده وعصاه والطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم (أية : وَلَقدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ) تفسير : [الأعراف:130]. قال: {وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}. كان موسى صلى الله عليه وسلم يعدهم عذاب الله في الدنيا والآخرة. إن لم يؤمنوا، وقد كان مؤمن آل فرعون علم أن موسى على الحق. قال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} أي: مشرك {كَذَّابٌ}. {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ} يعني غالبين على أرض مصر. {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ} أي: من عذاب الله {إِنْ جَاءنَا} يقوله لقومه. على الاستفهام، أي: لا يمنعنا منه أحد. {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} أي: ما أريكم إلا ما أرى لنفسي، والرأي الذي أريكم هو سبيل الرشاد، يعني جحود ما جاء به موسى، والتمسّك بما هم عليه. ذكروا أن فرعون قال: يا هامان، إن موسى يعرض علي أن لي ملكي حيّاً ما بقيت، ولي الجنة إذا متّ. فقال له هامان: فما كنت إلهاً تُعْبَدُ إذا صرت عبداً، أو قال: عبداً لعبد؛ فردّه عن رأيه.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى} لما سمع ما توعد له فرعون لقومه* {إِنِّى عُذْتُ} بادغام الذال في التاء عند نافع فى رواية وأبى عمرو وحمزة والكسائى وبالفك عند غيرهم أي (اعتصمت) وبه نقرأ عن نافع* {بِرَبِّى وَرَبِّكُم} فقيل: ان المقصود بحكاية قوله اظهار ان موسى لم يأت فى دفع الشر الا باعتصامه بالله سبحانه فلا جرم أن يعصمه وصدر بأن تأكيداً واشعاراً بأن المؤكد فى دفع الشر هو العياذ بالله وخص لفظ الرب من بين أسمائه تعالى لأن المطلوب الحفظ والتربية واضافة اليه واليهم بعثاً لهم على أن يقتدوا به فيعوذون بالله عياذه به ويعتصموا اعتصامه به واستجلاباً للاجابة منهمك له لاجتماعهم فى مربوبية الله وقال* {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} عن الحق لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة الموجود فيهم هذا الوصف الذي هو التكبر وليكون تعريضاً بفرعون فيكون أبلغ وللاشعار بأن علة القول (وتكبر) والرعاية ان الكبر وصف لله فاستعاذ ممن شاركه فيه* {لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} فهو يعمل أعمالاً على مقتضى انه لا حساب اجتمع فئة التجبر والتكذيب بالجزاء وعدم المبالاة بالعاقبة فهو مستكمل لأسباب القسوة والجراءة على الله وعباده فلا يترك عظيمة الا ارتكبها

اطفيش

تفسير : {وقالَ مُوسَى} لبنى اسرائيل لما سمع توعد فرعون لقتله، لا لفرعون وقومه، لأنه لم يحضر وقت توعد فرعون له، ولقوله: " أية : قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا" تفسير : [الأعراف: 128] فى هذه القصة بعينها، ولقوله: "وربكم" فانهم لا يقرون بالله تعالى، ولو كان هو ربهم حقا، ولو اعتقده فرعون، والمقام إنكاره والضر فى شأنه، ويجوز أن يكون خطابا لهم، ولو أنكروا الله تعالى اقرارا بالحق ولو غابوا، وأن يخاطبهم بذلك تصلبا فى دينه واظهاره. {إنِّي عُذْتُ} اعتصمت {بربِّي وربَّكم} ذكر اسم الربوبية، لأنه فى مقام طلب الحفظ والتربية والملك والسيادة، واستجمعهم فى الخطاب ليكونوا معه على قصد واحد فى الداء، واستجلاب الاجابة، ولذلك شرعت الجماعة فى العبادة، فيكمل بعض ببعض، فنقول: اذا قرءوا جماعة ففات بعض بعضاً بحرف وكلمة مثلا، فانه لمن فاته ذلك أجر ما فاته، لأنه قد قصده {مِنْ كلِّ مُتَكَبرٍ} من شر كل مستكبر عن الاذعان للحق، ولم يقل انى عذت منه توسيعاً لدائرة الدعاء بالتنجية، وتصريحا بالعلة التى أحضرته الى الاستعاذة، وايذانا بأن شر المتكبر أعظم من غيره، وأما تربية فرعون فلا تستحضر هنا {لا يُؤمن بيَوْم الحساب} فهو يتوسع فى المعاصى، لأنه لا يعتقد أن عليها عقابا.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى } لما سمع بما أجراه اللعين من حديث قتله {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} قاله عليه السلام مخاطباً به قومه على ما ذهب إليه غير واحد، وذلك أنه لما كان القول السابق من فرعون خطاباً لقومه على سبيل الاستشارة وإجالة الرأي لا بمحضر منه عليه السلام كان الظاهر أن موسى عليه السلام أيضاً خاطب قومه لا فرعون وحاضريه بذلك، ويؤيده قوله تعالى: في [الأعراف: 128] {أية : وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُواْ }تفسير : في هذه القصة بعينها، وقوله تعالى هنا: {وَرَبّكُمْ } فإن فرعون ومن معه لا يعتقدون ربوبيته تعالى وإرادة أنه تعالى كذلك في نفس الأمر لا يضر في كونه مؤيداً لأن التأييد مداره الظاهر. وصدر الكلام بأن تأكيداً وتنبيهاً على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله تعالى. وخص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية، وأضافه إليه وإليهم حثاً لهم على موافقته في العياذ به سبحانه والتوجه التام بالروح إليه جل شأنه لما في تظاهر الأرواح من استجلاب الإجابة، وهذا هو الحكمة في مشروعية الجماعة في العبادات. و {مِن كُلّ } على معنى من شر كل وأراد بالتكبر الاستكبار عن الإذعان للحق وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة ومهانة نفسه وعلى فرط ظلمه وعسفه، وضم إليه عدم الإيمان بيوم الجزاء ليكون أدل وأدل، فمن اجتمع فيه التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله تعالى وعباده ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها، واختير المنزل دون منه سلوكاً لطريق التعريض لأنه كلام وارد في عرضهم فلا يلبسون جلد النمر إذا عرض عليهم مع ما في ذلك من الدلالة على علة الاستعاذة ورعاية حق تربية اللعين له عليه السلام في الجملة. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي {عت} بإدغام الذال المعجمة في التاء بعد قلبها تاء.

ابن عاشور

تفسير : هذا حكاية كلام صدر من موسى في غير حضرة فرعون لا محالة، لأن موسى لم يكن ممن يضمه ملأ استشارة فرعون حين قال لقومه: {أية : ذروني أقتل موسى}تفسير : [غافر: 26] ولكن موسى لما بلغه ما قاله فرعون في ملائه قال موسى في قومه: {إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُم}، ولذلك حكِيَ فعل قوله معطوفاً بالواو لأن ذلك القول لم يقع في محاورة مع مقال فرعون بخلاف الأقوال المحكية في سورة [الشعراء: 18 ــ 31] من قوله: {أية : قال ألم نربك فينا وليداً}تفسير : إلى قوله: {قال فأْتِ به إن كنت من الصادقين}. وقوله: {عُذتُ بِرَبِّي وَرَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِر} خطاب لقومه من بني إسرائيل تطميناً لهم وتسكيناً لإِشفاقهم عليه من بطش فرعون. والمعنى: إني أعددت العدة لدفع بطش فرعون العوذَ بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وفي مقدمة هؤلاء المتكبرين فرعون. ومعنى ذلك: أن موسى علم أنه سيجد مناوين متكبرين يكرهون ما أرسله الله به إليهم، فدعا ربه وعلم أن الله ضمن له الحفظ وكفاه ضير كل معاند، وذلك ما حكي في سورة [طه: 45، 46]: {أية : قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمَع وأرى}تفسير : فأخبر موسى قومه بأن ربه حافظٌ له ليثقوا بالله كما كان مقام النبي لاحينَ كان في أول البعثة تحرسه أصحابه في الليل فلما نزل قوله تعالى: {أية : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين}تفسير : [الحجر: 94، 95] الآية أمر أصحابه بأن يتخلوا عن حراسته. وتأكيد الخبر بحرف (إنَّ) متوجه إلى لازم الخبر وهو أن الله ضمن له السلامة وأكد ذلك لتنزيل بعض قومه أو جُلهم منزلة من يتردد في ذلك لِما رأى من إشفاقهم عليه. والعَوذ: الالتجاء إلى المحل الذي يستعصم به العائذ فيدفع عنه مَن يروم ضره، يقال: عاذ بالجبل، وعاذ بالجيش، وقال تعالى: {أية : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}تفسير : [النحل: 98]. وعبر عن الجلالة بصفة الرب مضافاً إلى ضمير المتكلم لأن في صفة الرب إيماء إلى توجيه العوذ به لأن العبد يعوذ بمولاه. وزيادة وصفه برب المخاطبين للإِيماء إلى أن عليهم أن لا يجزعوا من مناواة فرعون لهم وأن عليهم أن يعوذوا بالله من كل ما يفظعهم. وجُعلت صفة {لاَ يُؤمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ} مغنية عن صفة الكفر أو الإِشراك لأنها تتضمن الإشراك وزيادة، لأنه إذا اجتمع في المرء التجبر والتكذيب بالجزاء قَلَّت مبالاته بعواقب أعماله فكملت فيه أسباب القسوة والجرأة على الناس.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، عاذ بربه، أي اعتصم به، وتمنع من كل متكبر، أي متصف بالكبر، لا يؤمن بيوم الحساب، أي لا يصدق بالبعث والجزاء. وسبب عياذ موسى بربه المذكور، أن فرعون قال لقومه: {أية : ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} تفسير : [غافر: 26]. فعياذ موسى المذكور بالله إنما هو في الحقيقة من فرعون، وإن كانت العبارة أعم من خصوص فرعون، لأن فرعون لا شك أنه متكبر، لا يؤمن بيوم الحساب فهو داخل في الكلام دخولاً أولياً، وهو المقصود بالكلام. وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن هذه، من عياذ موسى بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب كفرعون، وعتاة قومه، ذكر نحوه في سورة الدخان في قوله تعالى عن موسى مخاطباً فرعون وقومه: {أية : وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ } تفسير : [الدخان: 20] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 27- وقال موسى لفرعون وقومه: إنى تحصنت بمالك أمرى الذى ربانى، ومالك أمركم ومربيكم بنعمه وإحسانه، من كل متغطرس متعال لا يؤمن بيوم الحساب. 28- وقال رجل مؤمن من أهل فرعون يخفى إيمانه - مخاطباً قومه -: أتقصدون رجلاً بالقتل لأنه يقول: معبودىَ الله، وقد جاءكم بالأدلة الواضحات من مالك أمركم ومربيكم، وإن يكن كاذباً فى دعواه فعليه - وحده - وبال كذبه، وإن يكن صادقاً يُنزل بكم بعض الذى يخوفكم به من العذاب، إن الله لا يوفق إلى طريق النجاة من هو مجاوز الحد مبالغ فى الكذب. 29- قال فرعون: ما دعوتكم إليه هو الحق، وما أدعوكم إليه هو طريق الخير والرشاد يا قومي: لكم الملك اليوم عالين في أرض مصر دون غيركم. فمن ينقذنا من عذاب الله إن جاءنا؟! قال فرعون: ما أظهر لكم من الرأي إلا الذي أعتقده، وما أرشدكم بهذا الرأي إلا طريق الهداية. 30، 31- وقال الرجل الذى آمن من آل فرعون: يا قوم إنى أخشى عليكم يوماً مثل يوم الأقوام المتحزبين على رسلهم، مثل عادة قوم نوح وعاد وثمود والأقوام الذين من بعدهم، وما الله يشاء ظلماً لعباده. 32، 33- ويا قوم: إنى أخاف عليكم يوم تفرون مدبرين ليس لكم من الله من مانع، ومن يضله الله - لعلمه أنه يختار الضلالة على الهدى - فما له من مرشد يهديه.

د. أسعد حومد

تفسير : (27) - وَرَدَّ مُوسَى عَلَى تَهْدِيدِ فِرْعَوْنَ إِيَّاهُ بِالقَتْلِ وَالإِيذَاءِ، بِأَنِ اسْتَجَارَ بِاللهِ، وَاسْتَعَانَ بِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ مُسْتَكْبِرٍ لاَ يُذْعِنُ لِلْحَقِّ، وَلاَ يُؤْمِنُ بِبَعْثٍ وَلاَ حَشْرٍ وَلاَ نَشْرٍ. عُذْتُ - اعْتَصَمتُ وَاسْتَجَرْتُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يؤكد موسى على ربوبية الحق سبحانه بعد أنْ هدده فرعون بالقتل {أية : ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ ..}تفسير : [غافر: 26] ثم استهزأ بربه {أية : وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ..}تفسير : [غافر: 26] لذلك جاء ردّ موسى (إِنِّي) وفيها تأكيد واستحضار لعبوديته أمام عِزِّ الربوبية التي يستهزئ بها فرعون، فلما يقُلْ مثلاً: أعوذ بالله من فعلك، إنما أكد أن الله ربه بل {وَرَبِّكُـمْ} أيضاً. ومعنى {عُذْتُ ..} [غافر: 27] لجأتُ إليه وهو القادر على نُصْرتي وحمايتي، فقوله {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ..} [غافر: 27] يبين لنا منزلة الاستعاذة بالله، فالإنسان حين يستعيذ بالله من شيء لا يَقْوَى عليه فقد أفاض وأنصف، لأنه سلط على مَنْ آذاه وليستْ له قدرة على أنْ يردَّه، سلَّط عليه مَنْ يقدر على أنْ يفعل. لذلك قال سبحانه: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} تفسير : [النحل: 98]. لماذا؟ لأنك حين تقرأ القرآن تنفعل به، وتكون معه في حضرة الله يكلمك وأنت تسمع، وحين تنفعل بالقرآن وتتدبر معانيه تحدث عندك إشراقات ومواجيد ترقى بك، وهذا كله يغيظ الشيطان فيسارع إليك ليصرفك عن القراءة، كما يحدث لنا كثيراً في الصلاة مثلاً، ويشكو الكثيرون منا من الانشغال في الصلاة بسبب وسوسة الشيطان. لكن لا عجبَ في ذلك إذا تأملنا قوله تعالى يحكي لنا موقف الشيطان منا: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] نعم، وأيّ صراط أقوم من الصلاة وقراءة القرآن، لذلك قلنا: إن الشيطان ليس في حاجة لأنْ يذهب إلى الخمارة مثلاً، إنما يذهب إلى المسجد ليفسد عليك صلاتك ويشغلك عن منهج الهداية، لذلك أمرك الله بالاستعاذة منه ليكون لك حصناً ووقاية. هنا يقول موسى عليه السلام: إني أعوذ بالله منك يا فرعون وهو أقوى منك وقادر على حمايتي من كيدك، فهو (ربي) أي: الذي خلقني وربَّاني وأنا مسئول منه، فهو أوجدني بقدرته ويصونني بقيوميته، أَلاَ ترى أن كلَّ صانع يحفظ صنعته، ويجعل لها ضماناً للصيانة؟ أليس الخالق سبحانه أَوْلى بأنْ يضمن لي حياتي التي خلقها؟ بلى بشرط أنْ تقولها: (عُذْتُ بِرَبِّي). وكان يكفي أنْ يقول (إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي) فلماذا قتل (وَرَبكُمْ)؟ قالوا: ليؤكد على ربوبية ربه عز وجل، ويؤكد سعادته بهذه الربوبية، فهو ربي وربُّ الآخرين وربكم جميعاً ليقولوها معه: إنَّا عُذْنا بربنا من فرعون وعمله، وكأنه يريد أن يستجمع قُوَى الخير والإيمان ويُقوِّي جانبه بالجماعة المؤمنة، ليكون الدعاء أَدْعَى للقبول وأَوْلى. هذه المسألة تفسر لنا أهمية الجماعة وروح الجماعة في الإسلام، إننا مثلاً في الصلاة نقرأ بفاتحة الكتاب، نقول: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5] هكذا بالجمع، فلماذا لم يَقُلْ: إياك أعبد وإياك أستعين. لأن دعاء الجماعة أقوى، الجماعة تُدخِلك في زمرة الصالحين، فإذا لم تكُنْ صالحاً فجاور الصالحين لعله ينالك ما ينالهم من الثواب والقبول. لذلك احذر أن تحتقر أهل التقوى وأهل الصلاح، فلعلَّك تُؤخذ في محضِ الفضل معهم. إذن: دعاء الجماعة أَوْلَى بالقبول من دعاء الفرد، لذلك كانت صلاة الجماعة تفوق صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، أنت ترى التاجر مثلاً يبيع السلعة فيها المعطوبة وفيها السليمة، فإذا ناقشته وقلتَ له لا آخذ المعطوبة مثلاً يقول لك: هذه صفقة واحدة المعطوبة في السليمة، كذلك نحن في صلاة الجماعة نداري المعطوبة في السليمة أملاً في أنْ تُقبل الصفقة كلها. فمن أيِّ شيء استعاذ سيدنا موسى؟ {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 27] هكذا بصيغة الجمع وبالوصف {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ..} [غافر: 27] ولم يصرح باسم خصمه فرعون صاحب القضية ومُدَّعي الألوهية ومهدده بالقتل، فلماذا؟ قالوا: لم يُذْكر فرعون في هذا المقام لأمرين: الأول: حتى لا يجعل فرعون في مقابل الله لو قال: إني عُذْتُ بربي من فرعون، ثم إن فرعون لم يكُنْ وحده، بل كان معه آخرون على شاكلته، فأراد أنْ يجمعهم بكلمة تشمل كل متكبر. الأمر الآخر: أن سيدنا موسى هنا يراعي حقَّ التربية ويحفظ لفرعون هذا الجميل فلم يصرح باسمه، ويكفي أنه داخلٌ ضمن هذا الوصف {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 27]. لذلك نجد القرآن الكريم جعل التربية شقيقة الولادة، يعني الابن في الدم مثل الابن في التربية، فقال سبحانه: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ..} تفسير : [لقمان: 14] ثم خصَّ الأم بالحيثية {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ..} تفسير : [لقمان: 14] لماذا يذكر القرآنُ هذه الحيثية للأم؟ قالوا: لأن هذه الحيثية لا يدركها الولد وهو طفل، في حين يدرك بعد ذلك فضلَ والده فذكَّره الله بفضل أمه لأنه لم يشهده، ثم يقول سبحانه: {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24] فِعلَّة الدعاء هنا التربية، سواء أكانت للأم التي ولدت، أم للأم التي ربَّتْ، فمن ربِّي غير ولده كان أهلاً لأنْ يدعي له هذا الدعاء {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} تفسير : [الإسراء: 24]. وقوله: {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 27] يعني: اجتمعتْ فيه خَصْلتان من خصال الشر، فهو متكبر يعني قاسي القلب، وقسوة القلب لا تردعه عن القهر والجبروت، ثم هو لا يؤمن بالحساب فلا يخاف من القصاص، ولا يعمل حساباً للعواقب، ومثل هذا لا أملَ في إصلاحه.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما وصل إلى موسى مقصد له العدو {قَالَ مُوسَىٰ} متوكلاً على الله مفوضاً أمره إليه: {إِنِّي عُذْتُ} والتجأت {بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ} الواحد الأحد الصمد المراقب على حفظ عباده الخُلَّص أيها المؤمنون {مِّن} شر {كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} متناه في الكبر والخيلاء بمقتضى أهويته الباطلة وإرادته الفاسدة؛ إذ {لاَّ يُؤْمِنُ} ويصدق {بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} [غافر: 27] حتى يرتدع عن أمثال هذه الجرأة على رسل الله، وخُلَّص عباده، فإنه سبحانه يكفي عني مؤمنة شره. {وَ} بعدما صمم فرعون عزمه لقتل موسى، وجزم لمقته وهلاكه {قَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} موحد ماكان له اعتقاد بألوهية فرعون، وإن كان {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} لكن {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} مهم: {أَتَقْتُلُونَ} أيها المسرفون المتكبرون {رَجُلاً} موحداً بمجرد {أَن يَقُولَ} حقاً: {رَبِّيَ ٱللَّهُ} الاحد الأحد الصمد، المنزه عن الشريك والنظير، {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11] {وَ} الحال أنه {قَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحة المعجزات اللائحة مِن قِبل {رَّبِّكُمْ} الذي أوجدكم من كتم العدم {وَإِن يَكُ كَاذِباً} في دعواه {فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} اي: وبال كذبه آيل إليه {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ} ألبتة {بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} بمقتضى وحي الله وإلهامه، وبالجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ} الهادي إلى سبيل الرشاد {لاَ يَهْدِي} ويوفق على الهداية كل {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} في فعله {كَذَّابٌ} [غافر: 28] في قوله، فلا حاجة إلى قتله ودفعه؛ إذ قد يرهق عن قريب إن كانا كاذباً. ثم ناداهم وخاطبهم مضيفاً لهم إلى نفسه إمحاضاً للنصح، واشتراكاً معهم في الوبال النازل عليه، فقال: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} أي: ملك العمالقة مختص لكم اليوم بلا منازع ومخاصم، حال كونكم {ظَاهِرِينَ} عالين غالبين {فِي} أقطار {ٱلأَرْضِ} كلها، والحمد لله والمنَّة، فلا ترتكبوا فعلاً جالباً لغضب الله عليكم، بل اتركوا قتله، وإلاَّ {فَمَن يَنصُرُنَا} وينقذنا {مِن بَأْسِ ٱللَّهِ} المنتقم الغيور وعذابه {إِن جَآءَنَا} ونزل علينا بسبب قتل الصادق الصدوق في الدعوى، المرسل من عند الله تبارك وتعالى، لو نزل بما كيف ندفعه؟. قيل: هذا القائل المؤمن هو ابن عم فرعون، وهو عنده من المقربين. ثم لما سمع فرعون من كلامه المشتمل على محض النصح {قَالَ فِرْعَوْنُ} معرضاً له مطرحاً إياه: {مَآ أُرِيكُمْ} وأشير إليكم في رفع هذا المفسد المدعي {إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} واستصوب في رأيي، واستقر عليه فكري، وهو أن يقتله ليدفع شره {وَ} اعملوا أيها الملأ {مَآ أَهْدِيكُمْ} بقولي هذا، وأمري بقتله {إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} [غافر: 29] الموصل إلى نجاتكم وخلاصكم من مفاسد هذا المدعي الساحر.