Verse. 4161 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَقَالَ رَجُلٌ ￁مِنٌ۝۰ۤۖ مِّنْ اٰلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ اِيْمَانَہٗۗ اَتَقْتُلُوْنَ رَجُلًا اَنْ يَّقُوْلَ رَبِّيَ اللہُ وَقَدْ جَاۗءَكُمْ بِالْبَيِّنٰتِ مِنْ رَّبِّكُمْ۝۰ۭ وَاِنْ يَّكُ كَاذِبًا فَعَلَيْہِ كَذِبُہٗ۝۰ۚ وَاِنْ يَّكُ صَادِقًا يُّصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِيْ يَعِدُكُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَا يَہْدِيْ مَنْ ہُوَمُسْرِفٌ كَذَّابٌ۝۲۸
Waqala rajulun muminun min ali firAAawna yaktumu eemanahu ataqtuloona rajulan an yaqoola rabbiyya Allahu waqad jaakum bialbayyinati min rabbikum wain yaku kathiban faAAalayhi kathibuhu wain yaku sadiqan yusibkum baAAdu allathee yaAAidukum inna Allaha la yahdee man huwa musrifun kaththabun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال رجل مؤمن من آل فرعون» قيل: هو ابن عمه «يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن» أي لأن «يقول ربيَ الله وقد جاءَكم بالبينات» بالمعجزات الظاهرات «من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه» أي ضرر كذبه «وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم» به من العذاب عاجلا «إن الله لا يهدي من هو مسرف» مشرك «كذاب» مفتر.

28

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله، بيّن أنه تعالى قيض إنساناً أجنبياً غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة واجتهد في إزالة ذلك الشر. يقول مصنف هذا الكتاب رحمه الله، ولقد جربت في أحوال نفسي أنه كلما قصدني شرير بشر ولم أتعرض له وأكتفي بتفويض ذلك الأمر إلى الله، فإنه سبحانه يقيض أقواماً لا أعرفهم ألبتة، يبالغون في دفع ذلك الشر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في ذلك الرجل الذي كان من آل فرعون، فقيل إنه كان ابن عم له، وكان جارياً مجرى ولي العهد ومجرى صاحب الشرطة، وقيل كان قبطياً من آل فرعون وما كان من أقاربه، وقيل إنه كان من بني إسرائيل، والقول الأول أقرب لأن لفظ الآل يقع على القرابة والعشيرة قال تعالى: {أية : إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ } تفسير : [القمر: 34] وعن رسول الله أنه قال: «حديث : الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون الذي قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ } والثالث علي ابن أبي طالب وهو أفضلهم» تفسير : وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيراً من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه وقال أبو بكر جهاراً {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ } فكان ذلك سراً وهذا كان جهاراً. المسألة الثانية: لفظ من في قوله {مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } يجوز أن يكون متعلقاً بقوله {مُؤْمِنٍ } أي كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله {يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ } والتقدير رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، وقيل إن هذا الاحتمال غير جائز لأنه يقال كتمت من فلان كذا، إنما يقال كتمته كذا قال تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } تفسير : [النساء: 42]. المسألة الثالثة: رجل مؤمن الأكثرون قرأوا بضم الجيم وقرىء رجل بكسر الجيم كما يقال عضد في عضد. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ } استفهام على سبيل الإنكار، وقد ذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الاستنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: {رَبّىَ ٱللَّهُ } وجاء بالبينات وذلك لا يوجب القتل ألبتة وقوله {وَقَدْ جَاءكُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ مِن رَّبّكُمْ } يحتمل وجهين الأول: أن قوله {رَبّىَ ٱللَّهُ } إشارة إلى التوحيد، وقوله {وَقَدْ جَاءكُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، وهو قوله في سورة طه [50] {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } تفسير : وقوله في سورة الشعراء [24] {أية : رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } تفسير : إلى آخر الآيات، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية في أن الإقدام على قتله غير جائز وهي حجة مذكورة على طريقة التقسيم، فقال إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم، فثبت أن على كلا التقديرين كان الأولى إبقاؤه حياً. فإن قيل السؤال على هذا الدليل من وجهين الأول: أن قوله {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } معناه أن ضرر كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا الكلام فاسد لوجوه أحدها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه، لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل، فيغتر به جماعة منهم، ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد الفاسد، ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصومات الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذباً لم يمكن ضرر كذبه مقصوراً عليه، بل كان متعدياً إلى الكل، ولهذا السبب العلماء أجمعوا على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى زندقته يجب قتله وثانيها: أنه إن كان الكلام حجة له، فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة، فوجب تمكن جميع الزنادقة والمبطلين من تقرير أديانهم الباطلة وثالثها: أن الكفار الذين أنكروا نبوّة موسى عليه السلام وجب أن لا يجوز الإنكار عليهم، لأنه يقال: إن كان ذلك المنكر كاذباً في ذلك الإنكار فعليه كذبه، وإن يك صادقاً انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذا الطريق يوجب تصويب ضده، وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلاً. السؤال الثاني: أنه كان من الواجب أن يقال وإن يك صادقاً يصبكم كل الذي يعدكم لأن الذي يصيب في بعض ما يعد دون البعض هم أصحاب الكهانة والنجوم، أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقاً في كل ما يقول فكان قوله {يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ } غير لائق بهذا المقام والجواب: عن الأسئلة الثلاثة بحرف واحد وهو أن تقدير الكلام أن يقال إنه لا حاجة بكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه عن إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه، وإن يك صادقاً انتفعتم به، والحاصل أن المقصود من ذكر ذلك التقسيم بيان أنه لا حاجة إلى قتله بل يكفيكم أن تعرضوا عنه وأن تمنعوه عن إظهار دينه فبهذا الطريق (تكون) الأسئلة الثلاثة مدفوعة. وأما السؤال الثاني: وهو قوله كان الأولى أن يقال يصبكم كل الذي يعدكم، فالجواب عنه من وجوه الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللجاج لأن المقصود منه إن كان كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه، وإن كان صادقاً فلا أقل من أن يصل إليكم بعض ما يعدكم، وإن كان المقصود من هذا الكلام ما ذكر صح، ونظيره قولله تعالى: {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ: 24]، والوجه الثاني: أنه عليه السلام كان يتوعدهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصابهم بعض الذي يعدهم به، الوجه الثالث: حُكي عن أبي عبيدة أنه قال ورود لفظ البعض بمعنى الكل جائز، واحتج بقول لبيد: شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : والجمهور على أن هذا القول خطأ، قالوا وأراد لبيد ببعض النفوس نفسه، والله أعلم. ثم حكى الله تعالى عن هذا المؤمن حكاية ثالثة في أنه لا يجوز إيذاء موسى عليه السلام فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } وتقرير هذا الدليل أن يقال: إن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بهذه المعجزات الباهرة، ومن هداه الله إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذاباً فهذا يدل على أن موسى عليه السلام ليس من الكاذبين، فكان قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } إشارة إلى علو شأن موسى عليه السلام على طريق الرمز والتعريض، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في إقدامه على ادعاء الإلٰهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته، بل يبطله ويهدم أمره.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} ذكر بعض المفسرين: أن اسم هذا الرجل حبيب. وقيل: شمعان بالشين المعجمة. قال السُّهيلي: وهو أصح ما قيل فيه. وفي تاريخ الطبري رحمه الله: اسمه خبرك. وقيل: حزقيل. ذكره الثعلبي عن ابن عباس وأكثر العلماء. الزمخشري: واسمه سمعان أو حبيب. وقيل: خربيل أو حزبيل. واختلف هل كان إسرائيلياً أو قبطياً فقال الحسن وغيره: كان قبطياً. ويقال: إنه كان ابن عم فرعون؛ قاله السدي. قال: وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام؛ ولهذا قال: «مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» وهذا الرجل هو المراد بقوله تعالى: {أية : وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [القصص: 20] الآية. وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: {إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الصِّدِّيقون حبيب النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله والثالث أبو بكر الصِّدِّيق وهو أفضلهم»تفسير : وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تعجب من مشركي قومك. وكان هذا الرجل له وجاهة عند فرعون؛ فلهذا لم يتعرض له بسوء. وقيل: كان هذا الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون؛ عن السّدي أيضاً. ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون. فمن جعل الرجل قبطياً فـ«ـمِن» عنده متعلقة بمحذوف صفة لرجل؛ التقدير: وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون؛ أي من أهله وأقاربه. ومن جعله إسرائيليا فـ«ـمِن» متعلقة بـ«ـيكتم» في موضع المفعول الثاني لـ«ـيكتم». القشيري: ومن جعله إسرائيلياً ففيه بعد؛ لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه. قال الله تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}تفسير : [النساء: 42] وأيضاً ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول. الثانية: قوله تعالى: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} أي لأن يقول ومن أجل «أَنْ يَقُول ربِّيَ اللَّهُ» فـ«ـأَنْ» في موضع نصب بنزع الخافض. {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} يعني الآيات التسع {مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه، ولكن تلطفاً في الاستكفاف واستنزالاً عن الأذى. ولو كان و«إِنْ يكن» بالنون جاز ولكن حذفت النون لكثرة الاستعمال على قول سيبويه؛ ولأنها نون الإعراب على قول أبي العباس. {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} أي إن لم يصبكم إلا بعض الذي يعدكم به هلكتم. ومذهب أبي عبيدة أن معنى «بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» كل الذي يعدكم وأنشد قول لبيد:شعر : تَرَّاكُ أمكِنَةٍ إذا لم أَرْضَهَا أو يَرْتَبْطِ بعْضَ النفوسِ حِمَامُها تفسير : فبعض بمعنى كلّ؛ لأن البعض إذا أصابهم أصابهم الكل لا محالة لدخوله في الوعيد، وهذا ترقيق الكلام في الوعظ. وذكر الماوردي: أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفاً في الخطاب وتوسعاً في الكلام؛ كما قال الشاعر:شعر : قَدْ يُدْرِك المتأَنّي بعض حَاجتِهِ وقد يكون مَعَ المسْتَعجِلِ الزَّلَلُ تفسير : وقيل أيضاً: قال ذلك لأنه حذرهم أنواعاً من العذاب كل نوع منها مهلك؛ فكأنه حذرهم أن يصيبهم بعض تلك الأنواع. وقيل: وعدهم موسى بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة إن كفروا؛ فالمعنى يصبكم أحد العذابين. وقيل: أي يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا وهو بعض الوعيد، ثم يترادف العذاب في الآخرة أيضاً. وقيل: وعدهم العذاب إن كفروا والثواب إن آمنوا، فإذا كفروا يصيبهم بعض ما وعدوا. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} (على نفسه) {كَذَّابٌ} على ربه إشارة إلى موسى ويكون هذا من قول المؤمن. وقيل: «مُسْرِفٌ» في عناده «كَذَّابٌ» في ادعائه إشارة إلى فرعون ويكون هذا من قول الله تعالى. الثالثة: قوله تعالى: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} قال القاضي أبو بكر بن العربي: ظن بعضهم أن المكلف إذا كتم إيمانه ولم يتلفظ به بلسانه لا يكون مؤمناً باعتقاده، وقد قال مالك: إن الرجل إذا نوى بقلبه طلاق زوجته أنه يلزمه، كما يكون مؤمناً بقلبه وكافراً بقلبه. فجعل مدار الإيمان على القلب وأنه كذلك، لكن ليس على الإطلاق وقد بيناه في أصول الفقه؛ بما لبابه أن المكلف إذا نوى الكفر بقلبه كان كافراً وإن لم يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمناً بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى، إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره، وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف، وإنما يشترط سماع الغير له ليكف عن نفسه وماله. الرابعة: روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} لفظ البخاري. خرجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل هذا يجؤه وهذا يتلتله، فاستغاث النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته: ويلكم {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} والله إنه لرسول الله؛ فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذٍ. فقال عليّ: والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون؛ إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله عز وجل. قلت: قول عليّ رضي الله عنه إن ذلك رجل كتم إيمانه يريد في أول أمره بخلاف الصدّيق فإنه أظهر إيمانه ولم يكتمه؛ وإلا فالقرآن مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا قتل موسى عليه السلام على ما يأتي بيانه. في «نوادر الأصول» أيضاً عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالوا لها: ما أشدّ شيءٍ رأيتِ المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان المشركون قعوداً في المسجد، ويتذاكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول في آلهتهم، فبيناهم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا إليه بأجمعهم وكانوا إذا سألوه عن شيء صدَقهم، فقالوا: ألست تقول كذا في آلهتنا قال: «بلى» فتشبثوا فيه بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال له: أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإن له غدائر، فدخل المسجد وهو يقول: «ويلكم {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئاً من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام؛ إكرام إكرام.

ابن كثير

تفسير : المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطياً من آل فرعون. قال السدي: كان ابن عم فرعون، ويقال: إنه الذي نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام، واختاره ابن جرير، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيلياً؛ لأن فرعون انفعل لكلامه، واستمعه، وكف عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيلياً، لأوشك أن يعاجل بالعقوبة؛ لأنه منهم. وقال ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل، وامرأة فرعون، والذي قال: {أية : يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} تفسير : [القصص: 20] رواه ابن أبي حاتم. وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون: {ذَرُونِىۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ} فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل. وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر؛ كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ}؟ اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه حيث قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ}؟ انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي، قال: وتابعه محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة عن هشام، يعني: ابن عروة، عن أبيه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سئل: ما أشد ما رأيت قريشاً بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مر صلى الله عليه وسلم بهم ذات يوم، فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: «حديث : أنا ذاك» تفسير : فقاموا إليه فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر رضي الله عنه محتضنه من ورائه، وهو يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه لتسيلان، وهو يقول: يا قوم {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ} حتى فرغ من الآية كلها. وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة، فجعله من مسند عمرو بن العاص رضي الله عنه، وقوله تعالى: {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ} أي: كيف تقتلون رجلاً لكونه يقول: ربي الله، وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال: {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ} يعني: إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه، فإن يك كاذباً فإن الله سبحانه وتعالى سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يكن صادقاً وقد آذيتموه، يصبكم بعض الذي يعدكم؛ فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فمن الجائز عندكم أن يكون صادقاً، فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. وهكذا أخبر الله عز وجل عن موسى عليه السلام أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله:{أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّىۤ ءَاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ } تفسير : [الدخان:17-21] وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله تعالى عباد الله، ولا يمسوه بسوء، ويصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته، قال الله عز وجل: {أية : قُل لاَّ أَسْـأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [الشورى: 23] أي: أن لا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة، فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس، وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية، وكان فتحاً مبيناً، وقوله جل وعلا: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} أي: لو كان هذا الذي يزعم أن الله تعالى أرسله إليكم كاذباً كما تزعمون، لكان أمره بيناً يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، فكانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديداً، ومنهجه مستقيماً، ولو كان من المسرفين الكذابين، لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله، ثم قال المؤمن محذراً قومه زوال نعمة الله عنهم، وحلول نقمة الله بهم: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلأَرْضِ} أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك، والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} أي: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئاً من بأس الله إن أرادنا بسوء. {قَالَ فِرْعَوْنُ} لقومه راداً على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي. وقد كذب فرعون؛ فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة {أية : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} تفسير : [الإسراء: 102] وقال الله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النحل: 14] فقوله: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} كذب فيه وافترى، وخان الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ورعيته، فغشهم وما نصحهم، وكذا قوله: {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضاً في ذلك، وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه؛ قال الله تبارك وتعالى: {أية : فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} تفسير : [هود: 97] وقال جلت عظمته: { أية : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} تفسير : [طه: 79] وفي الحديث: «حديث : ما من إمام يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» تفسير : والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ } قيل: هو ابن عمه {يَكْتُمُ إِيمَٰنَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن } أي لأن {يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِٱلْبَيّنَٰتِ } بالمعجزات الظاهرات {مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } أي ضرر كذبه {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ } به من العذاب عاجلاً {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } مشرك {كَذَّابٌ } مفتر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وقال رجلٌ مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} فيه قولان: أحدهما: أنه كان ابن عم فرعون، قاله السدي، قال وهو الذي نجا مع موسى. الثاني: أنه كان قبطياً من جنسه ولم يكن من أهله، قاله مقاتل. قال ابن إسحاق: وكان أسمه حبيب. وحكى الكلبي أن اسمه حزبيل، وكان مَلِكَا على نصف الناس وله الملك بعد فرعون، بمنزلة ولي العهد. وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وامرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر فقال {أية : إن الملأ يأتمرون بك} تفسير : [القصص: 20]. وفي إيمانه قولان: أحدهما: أنه آمن بمجيء موسى وتصديقه له وهو الظاهر. الثاني: أنه كان مؤمناً قبل مجيء موسى وكذلك امرأة فرعون قاله الحسن، فكتم إيمانه، قال الضحاك كان يكتم إيمانه للرفق بقومه ثم أظهره فقال ذلك في حال كتمه. {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللهُ} أي لقوله ربي الله. {وقد جاءَكم بالبينات من ربِّكم} فيها قولان: أحدهما: أنه الحلال والحرام، قاله السدي. الثاني: أنها الآيات التي جاءتهم: يده وعصاه والطوفان وغيرها، كما قال تعالى {أية : ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقصٍ من الثمرات} تفسير : [الأعراف:130] قاله يحيى. {وإن يك كَاذباً فعليه كَذِبُه} ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه ولكن تلطفاً في الاستكفاف واستنزالاً عن الأذى. {وإن يَكُ صادقاً يصبكم بعض الذي يعدُكم} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه كان وعدهم بالنجاة إن آمنوا وبالهلاك إن كفروا، فقال {يصبكم بعض الذي يعدكم} لأنهم إذا كانوا على إحدى الحالتين نالهم أحد الأمرين فصار ذلك بعض الوعد لا كله. الثاني: لأنه قد كان أوعدهم على كفرهم بالهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، فصار هلاكهم في الدنيا بعض وما وعدهم. الثالث: أن الذي يبدؤهم من العذاب هو أوله ثم يتوالى عليهم حالاً بعد حال حتى يستكمل فصار الذي يصيبهم هو بعض الذي وعدهم لأنه حذرهم ما شكوا فيه وهي الحالة الأولى وما بعدها يكونون على يقين منه. الرابع: أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفاً في الخطاب وتوسعاً في الكلام كما قال الشاعر: شعر : قد يُدْرِك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : {إن الله لا يهدي من هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: مسرف على نفسه كذاب على ربه إشارة إلى موسى، ويكون هذا من قول المؤمن. الثاني: مسرف في عناده كذاب في ادعائه إشارة إلى فرعون [ويكون] هذا من قوله تعالى. قوله عز وجل: {ويا قوم لكم الملك اليوم ظاهِرين في الأرض} قال السدي: غالبين على أرض مصر قاهرين لأهلها، وهذا قول المؤمن تذكيراً لهم بنعم اللَّه عليهم. {فمن ينصرنا من بأس الله إِن جاءَنا} أي من عذاب الله، تحذيراً لهم من نقمة، فذكر وحذر فعلم فرعون ظهور محبته. {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى} قال عبد الرحمن بن زيد: معناه ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي. {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} في تكذيب موسى والإيمان بي .

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ} ابن عم فرعون، أو من جنسه من القبط ولم يكن من أهله كان ملكاً على نصف الناس وكان له الملك بعد فرعون بمنزلة ولي العهد وهو الذي قال لموسى {أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}تفسير : [القصص: 20] ولم يؤمن من آل فرعون غيره وغير امرأة فرعون وكان مؤمناً قبل مجيء موسى، أو آمن بمجيء موسى وصدق به {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} رفقاً بقومه ثم أظهره بعد ذلك فقال في حال كتمانه {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} لأجل قوله {رَبِّىَ اللَّهُ} {بِالْبَيِّنَاتِ} الحلال والحرام، أو العصا واليد. والطوفان والسنين ونقص من الثمرات وغيرها من الآيات {وَإِن يَكُ كَاذِباً} قاله تلطفاً ولم يقله شكاً {بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ} لأنه وعدهم النجاة إن آمنوا والهلاك إن كفروا فإذا كفروا أصابهم أحد الأمرين وهو بعض الذي وعدهم، أو وعدهم على الكفر بهلاك الدنيا وعذاب الآخرة فهلاكهم في الدنيا بعض الذي وعدهم، أو بعض الذي يعدهم هو أول العذاب لأنه يأتيهم حالاً فحالاً فحذرهم بأوله الذي شكوا فيه وما بعد الأول فهم على يقين منه، أو البعض يستعمل في موضع الكل توسعاً. قال: شعر : قد يُدرِك المتأنِّي بعضَ حاجتهِ ..........................

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لم يكن في آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى عليه السلام‏؛ الذي قال‏:‏ ‏"‏أن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك‏"‏ قال ابن المنذر أخبرت ان اسمه حزقيل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق رضي الله عنه قال‏:‏ كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيب‏.‏ وأخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه من طريق عروة رضي الله عنه قال‏:‏ قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ثم قال ‏ {‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان أشد من أن طاف بالبيت ضحى فلقوه حين فرغ، فأخذوا بمجامع ردائه وقالوا‏:‏ أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا‏؟‏ قال‏: أنا ذاك‏.‏ فقام أبو بكر رضي الله عنه فالتزمه من ورائه، ثم قال ‏{‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب‏} ‏رافعاً صوته بذلك وعيناه يسحان حتى أرسلوه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه‏.‏ فقام أبو بكر رضي الله عنه، فجعل ينادي ويلكم ‏ {‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله‏}‏ قالوا‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا ابن أبي قحافة‏. وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما،‏ نحوه‏.‏ وأخرج البزار وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ أيها الناس أخبروني بأشجع الناس‏؟‏ قالوا‏:‏ أنت‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قالوا‏:‏ فمن‏؟‏ قال‏:‏ أبو بكر رضي الله عنه‏.‏ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش‏.‏ هذا يحثه، وهذا يبلبله، وهم يقولون‏:‏ أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً قال‏:‏ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر رضي الله عنه،‏ يضرب هذا، ويجاهد هذا، وهو يقول {ويلكم ‏ {‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله‏} ‏ ثم رفع علي رضي عنه بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال‏:‏ أنشدكم بالله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر رضي الله عنه خير من مؤمن آل فرعون‏؟‏ ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [الآية: 28]. قال ابن عطاء: المؤمن يألف المؤمن ويذب عنه والمنافق يراءى المنافق. ويجادل عنه والمؤمن ينصح والمنافق يعترض.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال رجل} جون خبر قتل موسى فاش شد و دستان اندوهكير و دشمنان شادمان كشتند. ولكن لما استعاذ موسى عليه السلام بالله واعتمد على فضله ورحمته فلا جرم صانه الله من كل بلية واوصله الى كل امنية وقيض له انسانا اجنبيا حتى ذب عنه باحسن الوجوه فى تسكين تلك الفتنة كما حكى الله عنه بقوله وقال رجل {مؤمن} كائن {من آل فرعون} فهو صفة ثانية لرجل وقوله يكتم ايمانه صفة ثالثة قدم الاول اعنى مؤمن لكون اشرف الاوصاف ثم الثانى لئلا يتوهم خلاف المقصود وذلك لأنه لو اخر عن يكتم ايمانه لتوهم أن من صلته فلم يفهم أن ذلك الرجل كان من آل فرعون وآل الرجل خاصته الذين يؤول اليه امرهم للقرابة او الصحبة او الموافقة فى الدين وكان ذلك الرجل المؤمن من اقارب فرعون اى ابن عمه وهو منذر موسى بقوله ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك كما سبق فى سورة القصص واسمه شمعان بالشين المعجمة وهو اصح ما قيل فيه قاله الامام السهيلى وفى تاريخ الطبرى اسمه جبر وقيل حبيب النجار وهو الذى عمل تابوت موسى حين ارادت امه ان تلقيه فى اليم وهو غير حبيب النجار صاحب يس وقيل خربيل بن نوحائيل او حزقيل ويدل عليه قوله عليه السلام "حديث : سباق الامم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار صاحب يس وعلى بن ابى طالب كرم الله وجهه وهو رضى الله عنه افضلهم" تفسير : كما فى انسان العيون نقلا عن العرآئس وقال ابن الشيخ فى حواشيه روى عن النبى عليه السلام أنه قال "حديث : الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذى قال اتقتلون رجلا ان يقول ربى الله والثالث ابو بكر الصديق وهو افضلهم" تفسير : انتهى. يقول الفقير يمكن ان يقال لا مخالفة بين هاتين الروايتين لما أن المراد تفضيل ابى بكر فى الصديقية وتفضيل على فى السبق وعدم صدور الكفر عنه ولو لحظة فافضلية كل منهما من جهة اخرى ثم أن الروايتين دلتا على كون ذلك الرجل قبطيا وايضا أن فرعون اصغى الى كلامه واستمع منه ولو كان اسرآئيليا لكان عدوا له فلم يكن ليصغى اليه قال فى التكملة فان قلت الآل قد يكون فى غير القرابة بدليل قوله تعالى {أية : ادخلوا آل فرعون اشد العذاب} تفسير : ولم يرد الاكل من كان على دينه من ذوى قرابته وغيرهم فالجواب أن هذا الرجل لم يكن من اهل دين فرعون وانما كان مؤمنا فاذا لم يكن من اهل دينه فلم يبق لوصفه بأنه من آله الا ان يكون من عشيرته انتهى وقيل كان اسرآئيليا ابن عم قارون او أبوه من آل فرعون وامه من بنى اسرائيل فيكون من آل فرعون صلة يكتم وفيه انه لا مقتضى هنا لتقديم المتعلق وايضا أن فرعون كان يعلم ايمان بنى اسرائيل ألا ترى الى قوله ابناء الذين آمنوا معه فكيف يمكنهم ان يفعلوا كذلك مع فرعون وقيل كان عربيا موحدا ينافقهم لأجل المصلحة {يكتم إيمانه} اى يستره ويخفيه من فرعون وملئه لا خوفا بل ليكون كلامه بمحل من القبول وكان قد آمن بعد مجيىء موسى او قبله بمائة سنة وكتمه فلما بلغه خبر قصد فرعون بموسى قال {اتقتلون رجلا} اتقصدون قتله ظلما بلا دليل والاستفهام انكارى {ان يقول} اى لأن يقول او كراهة ان يقول {ربى الله} وحده لا شريك له والحصر مستفاد من تعريف طرفى الجملة مثل صديقى زيد لا غير {وقد جاءكم بالبينات} اى والحال أنه قد جاءكم بالمعجزات الظاهرة التى شاهدتموها {من ربكم} لم يقل من ربه لأنهم اذا سمعوا أنه جاءهم بالبينات من ربهم دعاهم ذلك الى التأمل فى امره والاعتراف به وترك المكابرة معه لأن ما كان من قبل رب الجميع يجب اتباعه وانصاف مبلغه وعن عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن عمر رضى الله عنهما حدثنى باشد شىء صنعه المشركون برسول الله عليه السلام قال اقبل عقبة بن ابى معيط ورسول الله يصلى عند الكعبة او لقيه فى الطواف فأخذ بمجامع ردآئه عليه السلام فلوى ثوبه على عنقه وخنقه خنقا شديدا وقال له انت الذى تنهانا عما يعبد آباؤنا فقال عليه السلام "حديث : انا ذاك" تفسير : فاقبل ابو بكر رضى الله عنه فأخذ بمنكبيه عليه السلام والتزمه من ورآئه ودفعه عن رسول الله وقال اتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم رافعا صوته وعيناه تسفحان دمعا اى تجريان حتى ارسلوه وفيه بيان أن ما تولى ابو بكر من رسول الله كان اشد مما تولاه الرجل المؤمن من موسى لأنه كان يظهر ايمانه وكان بمجمع طغاة قريش وحكى ابن عطية فى تفسيره عن ابيه أنه سمع ابا الفضل ابن الجوهرى على المنبر يقول وقد سئل ان يتكلم فى شىء من فضائل الصحابة رضى الله عنهم فاطرق قليلا ثم رفع رأسه فقال شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدى تفسير : ماذا ترون من قوم قرنهم الله تعالى بنبيه وخصهم بمشاهدته وتلقى الروح وقد اثنى الله على رجل مؤمن من آل فرعون كتم ايمانه واسره فجعله فى كتابه واثبت ذكره فى المصاحف لكلام قاله فى مجلس من مجالس الكفر واين هو من عمر بن الخطاب رضى الله عنه اذ جرد سيفه بمكة وقال والله لا اعبد الله سرا بعد اليوم فكان ما كان من ظهور الدين بسيفه ثم اخذهم الرجل المؤمن بالاحتجاج من باب الاحتياط بايراده فى صورة الاحتمال من الظن بعد القطع بكون قتله منكرا فقال {وان يك كاذباً فعليه كذبه} لا يتخطاه وبال كذبه وضرره فيحتاج فى دفعه الى قتله يعنى أن الكاذب انما يقتل اذا تعدى ضرر كذبه الى غيره كالزنديق الذى يدعو الناس والمبتدع الذى يدعو الناس الى بدعته وهذا لا يقدر على ان يحمل الناس على قبول ما اظهره من الدين لكون طباع الناس آبية عن قبوله ولقدرتكم على منعه من اظهار مقالته ودينه {وان يك صادقا} فى قوله فكذبتموه وقصدتم له بسوء {يصبكم بعض الذى يعدكم} اى ان لم يصبكم كله فلا اقل من اصابة بعضه وفى بعض ذلك كفاية لهلاكهم فذكر البعض ليوجب الكل لا أن البعض هو الكل وهذا كلام صادر عن غاية الانصاف وعدم التعصب ولذلك قدم من شقى الترديد كونه كاذبا وصرح باصابة البعض دون الجميع مع أن الرسول صادق فى جميع ما يقوله وانما الذى يصيب بعض ما يعده دون بعض هم الكهان والمنجمون ويجوز ان يكون المعنى يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض ما يعدهم لأنه كان يتوعدهم بعذاب الدنيا والآخرة كأنه خوفهم بما هو ظهر احتمالا عندهم وفى عين المعانى لأنه وعد النجاة بالايمان والهلاك بالكفر وقد يكون البعض بمعنى الكل كما فى قوله شعر : قد يدرك المتأنى بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : وقوله تعالى {أية : ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه} تفسير : اى جميعه وفى قوله تعالى {أية : يريد الله ان يصيبكم ببعض ذنوبكم} تفسير : اى بكلها كما فى كشف الاسرار وقال ابو الليث بعض هنا صلة يريد يصبكم الذى يعدكم {ان الله لا يهدى من هو مسرف} وهو الذى يتجاوز الحد فى المعصية او هو السفاك للدم بغير حق {كذاب} وهو الذى يكذب مرة بعد اخرى وقيل كذاب على الله لان الكذب عليه ليس كالكذب على غيره وهو احتجاج آخر ذو وجهين احدهما أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله تعالى الى البينات ولما ايده بتلك المعجزات وثانيهما انه ان كان كذلك خذله الله واهلكه فلا حاجة لكم الى قتله ولعله اراهم وهو عاكف على المعنى الاول لتلين شكيمتهم وقد عرض به لفرعون لأنه مسرف حيث قتل الابناء بلا جرم كذاب حيث ادعى الالوية لا يهديه الله سبيل الصواب ومنهاج النجاة بل يفضحه ويهدم امره

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقال رجلٌ مؤمن}، قيل: كان قبطياً، ابن عَم لفرعون، آمن بموسى سرّاً، وقيل: كان إسرائيليّاً موحّداً، وهو المراد بقوله: {أية : وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} تفسير : [يس: 20]، قال ابن عباس: اسمه حزقيل. وقال ابن إسحاق: جَبرل، وقيل: سمعان. وقيل: حبيب. و {مِن آلِ فرعونَ} : صفة ثانية لرجل، أو: صلة ليكتم، أي: {يكتم إيمانه} من فرعون وملائه: {أتقتلون رجلاً} أي: أتقصدون قلته كراهةَ {أن يقولَ ربي الله} وحده، من غير روية ولا تأمُّل في أمره؟ وهذا إنكار منه عليهم، كأنه قال: أترتكبون هذه الفعلة الشنعاء ـ وهي قتل نفس محرمة ـ من غير حجة، غير قوله الحق، وإقراره بالتوحيد؟ {وقد جاءكم بالبيناتِ} أي: والحال أنه جاءكم بالمعجزات الظاهرة، التي شاهدتموها وعاهدتموها من ربكم، يعني أنه لم يكتفِ ببينة واحدة، بل جاء ببينات كثيرة {من} عند {ربكم}، أضافه إليهم، استنزالاً لهم عن رتبة المكابرة، واستدراجاً للاعتراف. ثم أخذهم بالاحتجاج فقال: {وإِن يَكُ كاذباً فعليه كذبهُ}، لا يتخطى وبال كذبه إلى غيره، فيحتاج في دفعه إلى قتله، {وإِن يك صادقاً يُصبكم بعضُ الذي يَعِدُكُم} من العذاب، احتج عليهم بطريق التقسيم؛ لأنه لا يخلو، إما أن يكون كاذباً أو صادقاً، فإن كان كاذباً فوبال كذبه عليه، وإن كان صادقاً يُصبكم قطعاً بعضُ ما يعدكم من العذاب، ولم يقل: كل الذي يعدكم، مع أنه وعد من نبيٍّ صادق، مداراة لهم وسلوكاً لطريق الإنصاف، فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم له، فكأنه قال: إن لم يصبكم الجميعُ يصبكم البعض، وليس فيه نفي لإصابة الكل، فكأنه قال: أقلّ ما فيه أن يصيبكم بعض ما يعدكم، وهو العذاب العاجل، وفي ذلك هلاككم، وكان وعَدَهم عذاب الدنيا والآخرة. وتفسير البضع بالكلّ مزيّف. {إِن الله لا يهدي مَن هو مُسْرِفٌ كذّاب}، هذا احتجاج آخر ذو وجهين: أحدهما: أنه لو كان مُسرفاً كذاباً لَمَا هداه الله إلى النبوة، ولما عضده بتلك البينات، وثانيهما: إن كان كذلك خذله الله وأهلكه، فلا حاجة إلى قتله. وقيل: أوهم أنه يريد بالمُسرف موسى، وهو يعني به فرعون، ويحتمل أن يكون من كلام الله ـ تعالى ـ اعتراضاً بين أجزاء وعظه، إخباراً بما سبق لهم من الشقاء، فلا ينفع فيهم الوعظ. ثم قال: {يا قوم لكم الملكُ اليومَ} حال كونكم {ظاهرين}؛ غالبين عالين على بني إسرائيل {في الأرض}؛ أرض مصر، لا يقاومكم أحد في هذا الوقت، {فمَن ينصُرنا من بأس الله إِن جاءنا} يعني: إن لكم اليوم مُلك مصر، وقد علوتم الناس، وقهرتموهم، فلا تُسرفوا على أنفسكم، ولا تتعرّضوا لبأس الله، أي: عذابه؛ فإنه لا طاقة لكم به إن جاءكم، ولا يمنعكم منه أحد. وإنما نسب ما يُسرهم من المُلك والظهور في الأرض إليهم خاصة، ونظم نفسه فيما يسوؤهم، من مجيء بأس الله تعالى، إمحاضاً للنصح، وإيذاناً بأن الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه. {قال فرعونُ} بعدما سمع نصحه لقومه: {ما أُرِيكُم} أي: ما أُشير عليكم {إِلا ما أرى} وأستصوبه من قتل موسى، يعني: لا أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب، {وما أَهديكم} بهذا الرأي {إِلا سبيل الرشاد} أي: الصواب، ولا أعلنكم إلا ما أعلم، ولا أُسِرُّ عنكم شيئاً خلاف ما أُظهِر، يعني: أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب اللعين، فقد كان مضمراً للخوف الشديد من جهة موسى عليه السلام، ولكنه كان يتجلَّد، ولولا استشعاره للخوف لم يستشر أحداً في قتله، وقد كان سفَّاكاً جبّاراً، فما منعه إلا خوف الهلاك إن مدّ يده إليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: قد نصح وأبلغ مؤمنٌ آل فرعون، واحتجَّ عليهم، فلم ينجعْ فيهم قوله، وأعاد عليهم نصحه فلم يسمعوا، وكان كما قيل: شعر : وَكَمْ سُقْتُ في آثارِكُم مِن نَصيحةٍ وَقَدْ يَستفيدُ البغْضَةَ الْمُسْتَنْصِحُ تفسير : ثم قال: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ}.

فرات الكوفي

تفسير : {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله 28} [تقدم في حديث النبي (ص) تحت الرقم 2 من سورة يس ذكر الآية].

الأعقم

تفسير : {وقال رجل} وكان قبطياً ابن عم فرعون آمن بموسى سرَّاً، وقيل: كان اسرائيليا {من آل فرعون} صفة للرجل {يكتم إيمانه} واسمه شمعان أو حبيب، وقيل: حرمل، والظاهر أنه كان من آل فرعون {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله} يعني موسى {وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه} أي يعود عليه كذبه {وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي} يدعوكم {يعدكم} من العذاب قيل: ذكر البعض وأراد الكل على طريق المظاهرة في الاحتجاج قال الشاعر: شعر : قد يدرك المتاني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : فذكر البعض وأراد الكل، وقيل: بعضه في الدنيا {إن الله لا يهدي}، قيل: إلى الجنة، وقيل: إلى الخير، قيل: هذا من كلام المؤمن، وقيل: هذا من كلام الله {من هو مسرف} مجاوزٌ للحد {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين} عاليين {في الأرض}، قيل: أرض مصر {فمن ينصرنا من بأس الله} من عذابه {إن جاءنا} أضاف الملك اليهم والعذاب إلى نفسه، وقيل: هذا من لطيف الكلام {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى} ذلك لنفسي، وقيل: ما أعلمكم إلاّ ما أعلم {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} يريد سبيل الصواب، أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب، وقد كذب فقد كان مستسعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد {وقال الذي آمن} هو مؤمن آل فرعون وهو الصحيح، وقيل: بل هو موسى {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب}، وذلك لما رأى فرعون وقومه مكابرين حذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بالأمم الذي هلكوا، وأراد بالأحزاب الجماعات التي هلكوا {مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود}، قيل: مثل عادتهم، وقيل: مثل عادة الله فيهم {والذين من بعدهم} الذين هلكوا {وما الله يريد ظلماً للعباد} يعني لا يريد ظلماً لهم وإنما أهلكوا بذنوبهم {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} يعني التنادي هو أن ينادي بعضهم، وقيل: يوم ينادي بعض الظالمين بعضاً بالويل والثبور، وقيل: يوم ينادي {أية : أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا} تفسير : [الأعراف: 44] الآية {أية : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء}تفسير : [الأعراف: 50]، وقيل: ينادي الملائكة بعقاب العصاة أن أخذوهم وهم يتولون مدبرين، وقيل: ينادي المؤمن {أية : هاؤم اقرؤا كتابيه}تفسير : [الحاقة: 19]، وقيل: ينادي باللعنة على الظالمين والجميع مراد {يوم تولّون مدبرين} أي تتصرفون غير معجزين {ما لكم من الله من عاصم} حافظ من عذاب الله {ومن يضلل الله فما له من هاد}.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} وقرئ بسكون الجيم اسمه حزقيل رضي الله عنه وقيل حزقيال وقيل اسمه شمعان وقيل حبيب وذكره الزمخشري (سمعان أو حبيب، وقيل: خربيل أو حزبيل. وقال ابن اسحاق اسمه جبريل وابن عباس. وأكثر العلماء على الأول* {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} من أهل صفة الرجل وهو قوله من تقديم النعت بالظرف على النعت بالجملة* {يَكْتُمُ إِيَمَانَهُ} وهو أولى عند بعض وهو قريب من أقارب فرعون قبل ويدل له قتل فرعون أبناء الذين معه وقول هذا المؤمن {أية : فمن ينصرنا من بأس الله ان جاءنا} تفسير : دليل ظاهر على أنه ينتظم لقوله. قال مقاتل وهو ابن عم فرعون قال الرازى كان جاريا مجرى من ولي العهد له ومجرى صاحب السر له ومن قال انه قبطي ومن قال انه اسرائيلى ومن قال انه غريب موحد يظهر لهم انه على دينهم وهو على التوحيد فقالوا ان المراد بالآل القوم لا القرابة أو يعلقون من (آل) بكتم وقيل كان حزقيال مؤمن آل فرعون نجاراً وهو الذي نجر التابوت لأم موسى حين قذفته فى النيل قيل: كان خازناً لفرعون خزن له مائة سنة وكان مؤمناً مخلصاً يكتم ايمانه الى أن ظهر موسى على السحرة فأظهر أمره فقتل مع السحرة صلباً. قال قومنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين علي بن أبى طالب وصاحب يس ومؤمن آل فرعون فهم الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس وحزقيل مؤمن آل فرعون وعلي مؤمن آل محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضلهم "تفسير : وانتهى. وذكر "حديث : وأبو بكر الصديق هو أفضلهم". تفسير : وسئل أبو الفضل ابن الجوهرى على المنبر أن يتكلم بشيء من فضائل الصحابة فأطرق قليلاً ثم رفع رأسه وقال: شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن مقتدي تفسير : ما تريد بقوم قرنهم الله بنبيه وخصهم بمشاهدة وحيه وقد أثنى الله تعالى على رجل مؤمن من آل فرعون كتم ايمانه وأسره فجعله فى كتابه وأثبته فى المصاحف لكلام قاله فى مجلس من مجالس الكفر وأين هو من عمر بن الخطاب رضي الله عنه اذ جرد سيفه بمكة وقال: والله لا أعبد الله سراً بعد اليوم* {اَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} هو موسى* {أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ} أي لأجل أن يقول والاستفهام توبيخي وتعجبي وانكاري واذا فسر القتل بارادته كان أبلغ فى الانكار قيل ويجوز أن يكون قوله أن يقول ظرف زمان نيابة أي وقت أن يقول أي (أتقتلونه) فى وقت القول بدون أن تفكروا وعلى تقدير لام التعليل كأنه قيل أترتكبون الفعلة الشنعاء التى هي قتل النفس المحرمة وما لكم علة قط فى ارتكابها الا كلمة الحق التى نطق بها وهي قوله (ربي الله) أي (ما ربي إلا الله) لتعريف الطرفين مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة بل بينات كما قال عز وجل* {وَقَدْ جَآءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ} التي رأيتم وعرفتم* {مِن رَّبِّكُمْ} من عند من نسب اليه الربوبية وهو ربكم لا ربه وحده وهذا استدراج لهم الى الاعتراف وتليين لشدة امتناعهم وكسر من سطوتهم واعتدائهم {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} يعود عليه كذبه لا يتخطاه ضرره فلا تحتاجون الى دفعه بالقتل. {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} والمراد يصبكم لصدقه ولكنه جاء بما يداريهم به ويسلك معهم به طريق الانصاف فى القول ويأتيهم من جهة المناصحة ويعلم أنه أقرب الى تسليمهم لقوله وأدخل فى تصديقهم له وقبولهم وذلك انه قضي له بعض حقه فلا يظنون انه تعصب له ولذلك قدم الكذب وأطلق وأخر الصدق وقيده بالبعض كأنه قال لا أقل من أن يصيبكم بعض وعيده ويحتمل أن يريد بالبعض المصيب لهم ما يصيبهم فى الدنيا وهو أظهر احتمالاً عندهم وقال أبو عبيدة المراد بالبعض هنا الكل وأنشد قول لبيد: شعر : تراك أمكنة اذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : (فتراكِ) اسم فعل بمعنى اترك كنزال أي أترك أمكنة اذا لم أرضها اذ لم ترتبط الحمام بعض النفوس أى كلها وهو يوم القيامة ورد بأن المراد بعض النفوس نفسه أي الى أن يموت من هو مشهور معروف لا يخفى ويجاب بأنه أراد أنه ذكر البعض ليوجب الكل فأشار بالبعض الى الكل ولا يقوم دليل على منع الكل فى البيت نعم هو محتمل فلا شاهد له فيه ومع أبى عبيدة غيره فى ذلك ولا خطأ فيه غايته انه أطلق اسم أحد الضدين على الآخر كقولك للسماء أرض أو أطلق اسم البعض على الكل ومن رد عليه كان أجفى من أن يفهم ما قلت وأيضاً يحتمل أن يريد أنه أطلق لفظ البعض وأراد الكل وهو العذاب كله وبقي البعض الآخر وهو النعيم وذلك أنه وعدهم بالنعيم ان آمنوا وبالعذاب ان كفروا فالعذاب كل لانه يصيبهم كله وعبر عنه بالبعض فكأنه قال يصيبهم بعض الوعدين وهو العذاب كله* {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي} الى دينه* {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} على الله هذا من كلام المؤمن ولما ينقض وهذا احتجاج ثالث والأول {أتقتلون} الخ* والثاني {وان يك كاذباً} الى {يعدكم} والمراد بهذا الثالث اما الاحتجاج لموسى بأنه نبي ولو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله الى البينات وعضده بالمعجزات وذلك قضية من الشكل الأول وأما من أخذله الله وأهلكه فلا حاجة الى قتله فانكم متخلصون منه بلا قتل. قال القاضي ولعله أراد المعنى الاول وخيل اليهم الثاني لتليين شكيمتهم وعرض به لفرعون فانه مسرف كذاب لا يهديه الله الصواب قيل ما تلقاه أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما تولاه المؤمن من فزع من طوافه فأخذوه بمجامع ردائه فقالوا أنت تنهانا عما يعبد آباؤنا فقال نعم فقام أبو بكر فالتزمه من ورائه رافعاً صوته {أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات} قال ذلك وعيناه تسفحان حتى أطلقوه قال عمرو بن العاص أشد ما فعل المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بفناء الكعبة وأقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه فى عنقه وخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال {أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم}. وعن جعفر الصادق ان مؤمن آل فرعون قال ذلك سراً وأبو بكر قاله ظاهراً

اطفيش

تفسير : {وقال رجُلٌ} اسمه شمعان، وقيل: خربيل، وقيل: حزبيل، وقيل: حبيب، والأول أولى {مُؤمنٌ مِن آل فرْعَون} من القبط ابن عم فرعون، وكان يجرى مجرى ولى العهد، ومجرى صاحب الشرطة، وقيل: كان اسرائيليا، وقيل: كان غريبا فيهم، لا اسرائيليا ولا قبطيا، فمعنى كونه من آل فرعون على القولين أنه فيهم بالتقية مظهرا أنه على دينهم، ومن يتعلق على القولين بقوله تعالى: {يكْتُم إيمانهُ} بخلافه على الأول، فانه يتعلق بمحذوف نعت ثان لرجل، ويجوز تعليقه بيكتم، ولو على الأول واعترض تعليقه بيكتم بأن كتم يتعدى بنفسه نحو قوله تعالى: "أية : ولا يكتمون الله حديثا" تفسير : [النساء: 42] وأجيب بأن فى المصباح أنه يتعدى لاثنين، وأنه تجوز زيادة من فى المفعول الأول، لكن فيه فرعان: التقدم والتعدى بمن، وهو قليل، أو تأويل من بعن لتضمن يكتم معنى يستر، وظاهر قوله: " أية : يا قوم" تفسير : [غافر: 29] أنه منهم، ويحتمل أنه منهم، ويحتمل أنه سماهم قومه لأنه فيهم. {أتقْتلون رجُلاً} الاستفهام انكار لصوابية قتله، والمراد أتقتلونه فى المستقبل، أو أتقصدون قتله، وعليه فقد عبر عن السبب بالمسبب {أنْ يقُول} لأن يقول، أو كراهة أن يقول: لا، منصوب على الظرفية فى تأويل المصدر، أى أتقتلون رجلا وقت أن يقول بلا تكفر فى قوله: لأنه ينوب عن الزمان المصدر الصريح، أو المأول عن دام، وليس كما ادعى بعض أن كل امام أجازه، بل أجازه قليل كابن جنى {ربِّي الله وقَدْ جاءكم بالبيَِّنات} الشاهدة له، الكثيرة، وجمع المؤنث السالم ولو كان فى جموع القلة، لكن يجوز استعماله فى الكثرة، ولا سيما إذا كان فيه أل، فانه لا اشكال، وقد يقال انه حين قال الرجل: رضى الله عنه هذا، لم يجئهم موسى الا بقليل، والجملة حال من واو تقتلون، لا من رجلا، لأن الاستفهام لم يدخل عليه، بل على تقتلون، وأجاز بعض ذلك. {مِنْ ربِّكم} ممن هو ربكم كما هو ربه، وهذا استدراج الى الاعتراف لله تعالى بالربوبية،وتلويح بأنه من قال: ربى الله لا يقابل بالقتل، كما فى معتاد كم أن من قال ربنا فرعون لا يقابل بالقتل، ولا سيما أنه جعل ربَّه من هو ربكم، فعليكم أن تكرموه لا أن تقتلوه، واستعمل الرجل تقية على نفسه ما ذكر الله عز وجل عنه بقوله: {وإنْ يكَ كَاذباً فعَليْه كِذْبُه} الى قوله: " أية : إن جاءنا" تفسير : [غافر: 29] وهو آخر كلامه رضى الله عنه، ومعنى عليه كذبه أنه لا يتخطاه وبال كذبه من الله تعالى فضلا عن أن يحتاج فى دفعه الى قتله. {وإنْ يَكُ صَادقاً يُصبكُم بعْض الَّذى يَعِدُكم} ولا بد ان لم يصبكم كله، وقدم الكذب تليينا لشدتهم، والرابط محذوف أى يعدكموه، أو يعدكم به، وقيل: البعض هو ما يجىء فى الدنيا على تكذيبه كله، والبعض الآخر ما فى الآخرة، وليس بعض بمعنى كل كما قيل، واستدل له بقوله: شعر : قد يدرك المتأنى بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : وقوله: شعر : إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى فى بعضها خللا تفسير : وقوله: شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : قلت: البعض فى الأبيات على ظاهره لا بمعنى الكل، ومراده ببعض النفوس نفسه أو جنس البعض {إنَّ الله لا يَهْدى مَنْ هُو مُسرفٌ كذابٌ} فان كان موسى كاذبا فقد أسرف فى شأنه وكذبه كثيرا أو عظيم، فهو كذاب فان الله يكفيكم مؤنته، فهو يتولى اهلاكه، أو ان كان مسرفا كذابا لم يقوه بالبينات، ولما قواه بها وجب أن تتفكروا وتدركوا الحق، ولعله أراد هذا الوجه وأوهمهم أنه أراد الأول، تليينا لشدتهم، ولوح بذكر ذلك الى أن فرعون مسرف فى القتل والفساد، كذاب فى ادعاء الألوهية، ليس على هدى من الله سبحانه وتعالى.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } قيل كان قبطياً ابن عم فرعون وكان يجري مجرى ولي العهد ومجرى صاحب الشرطة، وقيل: كان إسرائيلياً، وقيل: كان غريباً ليس من الفئتين، ووصفه على هذين القولين بكونه من آل فرعون باعتبار دخوله في زمرتهم وإظهار أنه على دينهم وملتهم تقية وخوفاً، ويقال نحو هذا في الإضافة في مؤمن آل فرعون الواقع في عدة أخبار، وقيل: {مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } على القولين متعلق بقوله تعالى: {يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ } والتقديم للتخصيص أي رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون دون موسى عليه السلام ومن اتبعه، ولا بأس على هذا في الوقف على {مُّؤْمِنٌ} . واعترض بأن كتم يتعدى بنفسه دون من فيقال: كتمت فلاناً كذا دون كتمت من فلان قال الله تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }تفسير : [النساء: 42] وقال الشاعر: شعر : كتمتك ليلاً بالجمومين ساهراً وهمين هما مستكناً وظاهرا أحاديث نفس تشتكي ما يريبها وورد هموم لن يجدن مصادرا تفسير : وأراد على ما في «البحر» كتمتك أحاديث نفس وهمين. وفيه أنه صرح بعض اللغويين بتعديه بمن أيضاً، قال / في «المصباح» كتم من باب قتل يتعدى إلى مفعولين ويجوز زيادة من في المفعول الأول فيقال: كتمت من زيد الحديث كما يقال: بعته الدار وبعتها منه. نعم تعلقه بذلك خلاف الظاهر بل الظاهر تعلقه بمحذوف وقع صفة ثانية لرجل، والظاهر على هذا كونه من آل فرعون حقيقة وفي كلامه المحكي عنه بعدما هو ظاهر في ذلك واسمه قيل: شمعان بشين معجمة، وقيل: خربيل بخاء معجمة مكسورة وراء مهملة ساكنة، وقيل: حزبيل بحاء مهملة وزاي معجمة، وقيل: حبيب. وقرأ عيسى وعبد الوارث وعبيد بن عقيل وحمزة بن القاسم عن أبـي عمرو {رجل } بسكون الجيم وهي لغة تميم ونجد. {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً } أي أتقصدون قتله فهو مجاز ذكر فيه المسبب وأريد السبب، وكون الإنكار لا يقتضي الوقوع لا يصححه من غير تجوز {أَن يَقُولَ رَبّىَ ٱللَّهُ } أي لأن يقول ذلك {وَقَدْ جَاءكُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } الشاهدة على صدقه من المعجزات والاستدلالات الكثيرة، وجمع المؤنث السالم وإن شاع أنه للقلة لكنه إذا دخلت عليه أل يفيد الكثرة بمعونة المقام. والجملة حالية من الفاعل أو المفعول. ((وهذا إنكار من ذلك الرجل عظيم وتبكيت لهم شديد كأنه قال: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم عليه في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله: {رَبّيَ ٱللَّهُ } مع أنه قد جاءكم بالبينات {مّن رَّبّكُمْ } أي من عند من نسب إليه الربوبية وهو ربكم لا ربه وحده، وهذا استدراج إلى الاعتراف)) وفي {أَن يَقُولَ رَبّيَ ٱللَّهُ} إلى {مِنْ رَبُّكُـمْ } نكتة جليلة وهي أن من يقول ربـي الله أو فلان لا يقتضي أن يقابل بالقتل كما لا تقابلون بالقتل إذا قلتم: ربنا فرعون كيف وقد جعل ربه من هو ربكم فكان عليكم بأن تعزروه وتوقروه لا أن تخذلوه وتقتلوه. وجوز الزمخشري كون {أَن يَقُولَ } على تقدير مضاف أي وقت أن يقول فحذف الظرف فانتصب المضاف إليه على الظرفية لقيامه مقامه، والمعنى أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذا القول من غير روية ولا فكر في أمره، ورده أبو حيان بأن القائم مقام الظرف لا يكون إلا المصدر الصريح كجئت صياح الديك أو ما كان بما الدوامية دون الغير الصريح كجئت أن صاح أو أن يصيح الديك، وفيه أن ابن جني كالزمخشري صرح بالجواز وكلٌ إمام. ثم إن الرجل احتاط لنفسه خشية أن يعرف اللعين حقيقة أمره فيبطش به فتلطف في الاحتجاج فقال: {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله {وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ } فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذي يعدكم به أو يعدكموه، وفيه مبالغة في التحذير فإنه إذا حذرهم من إصابة البعض أفاد أنه مهلك مخوف فما بال الكل وإظهار للإنصاف وعدم التعصب ولذا قدم احتمال كونه كاذباً، وقيل: المراد يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالاً عندهم، وقيل: بعض بمعنى كل وأنشدوا لذلك قول عمير القطامي: شعر : قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : وذهب الزجاج إلى أن {بَعْضُ } فيه على ظاهره، والمراد إلزام الحجة وإبانة فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعه فالبيت كالآية على الوجه الأول، وأنشدوا لمجىء بعض بمعنى كل قول الشاعر: شعر : إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللاً تفسير : / ولا يتعين فيه ذلك كما لا يخفى، وعن أبـي عبيدة أنه فسر البعض بالكل أيضاً وأنشد قول لبيد: شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : حمل البيت على معنى لا أزال أنتقل في البلاد إلى أن لا يبقى أحد أقصده من العباد، والمحققون على أن البعض فيه على ظاهره والمراد به نفسه، والمعنى لا أزال أترك ما لم أرضه من الأمكنة إلا أن أموت، وقال الزمخشري: إن صحت الرواية عن أبـي عبيدة في ذلك فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقى كان أجفى من أن يفقه ما أقول له. وفيه مبالغة في الرد. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } احتجاج آخر ذو وجهين. أحدهما أنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله تعالى إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات. وثانيهما إن كان كذلك خذله الله تعالى وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله، ولعله أراد به المعنى الأول وأوهمهم أنه أراد الثاني لتلين شكيمتهم؛ وعرض لفرعون بأنه مسرف أي في القتل والفساد كذاب في ادعاء الربوبية لا يهديه الله تعالى سبيل الصواب ومنهاج النجاة، فالجملة مستأنفة متعلقة معنى بالشرطية الأولى أو بالثانية أو بهما.

ابن عاشور

تفسير : عطف قول هذا الرجل يقتضي أنه قال قوله هذا في غير مجلس شورى فرعون، لأنه لو كان قوله جارياً مجرى المحاورة مع فرعون في مجلس استشارته، أو كان أجاب به عن قول فرعون: {أية : ذَرُوني أقتُل مُوسَىٰ} تفسير : [غافر: 26] لكانت حكاية قوله بدون عطف على طريقة المُحاورات. والذي يظهر أن الله ألهم هذا الرجل بأن يقول مقالته إلهاماً كان أولَ مظهر من تحقيق الله لاستعاذة موسى بالله، فلما شاع توعد فرعون بقتل موسى عليه السلام جاء هذا الرجل إلى فرعون ناصحاً ولم يكن يتهمه فرعون لأنه من آله. وخطابه بقوله: {أتقتلون} موجَّه إلى فرعون لأن فرعون هو الذي يسند إليه القتل لأنه الآمر به، ولحكاية كلام فرعون عقب كلام مؤمن آل فرعون بدون عطف بالواو في قوله: {أية : قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى}تفسير : [غافر: 29]. ووصفُه بأنه من آل فرعون صريح في أنه من القبط ولم يكن من بني إسرائيل خلافاً لبعض المفسرين ألا ترى إلى قوله تعالى بعده: {أية : يا قوم لكم المُلْك اليومَ ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا}تفسير : [غافر: 29] فإن بني إسرائيل لم يكن لهم مُلك هنالك. والأظهر أنه كان من قرابة فرعون وخاصته لما يقتضيه لفظ آل من ذلك حقيقةً أو مجازاً. والمراد أنه مؤمن بالله ومؤمن بصدق موسى، وما كان إيمانه هذا إلا لأنه كان رجلاً صالحاً اهتدى إلى توحيد الله إما بالنظر في الأدلة فصدَّق موسى عندما سمع دعوته كما اهتدى أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في حين سماع دعوته فقال له: صَدَقتَ. وكان كتمه الإِيمان متجدداً مستمراً تقيةً من فرعون وقومه إذ علم أن إظهاره الإِيمان يُضره ولا ينفع غيره كما كان (سقراط) يكتم إيمانه بالله في بلاد اليونان خشية أن يقتلوه انتصاراً لآلهتهم. وأراد بقوله: {أتَقْتُلُونَ رَجُلاً} إلى آخره أن يسعى لحفظ موسى من القتل بفتح باب المجادلة في شأنه لتشكيك فرعون في تكذيبه بموسى، وهذا الرجل هو غير الرجل المذكور في سورة [القصص: 20] في قوله تعالى: {أية : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى}تفسير : فإن تلك القصة كانت قُبَيْل خروج موسى من مصر، وهذه القصة في مبدأ دخوله مصر. ولم يوصف هنالك بأنه مؤمن ولا بأنه من آل فرعون بل كان من بني إسرائيل كما هو صريح سفر الخروج. والظاهر أن الرجل المذكور هنا كان رجلاً صالحاً نظَّاراً في أدلة التوحيد ولم يستقر الإِيمان في قلبه على وجهه إلا بعد أن سمع دعوة موسى، وإن الله يقيض لعباده الصالحين حُماة عند الشدائد. قيل اسم هذا الرجل حبيب النجّار وقيل سمعان، وقد تقدم في سورة (يس) أن حبيباً النجار من رسل عيسى عليه السلام. وقصة هذا الرجل المؤمن من آل فرعون غير مذكورة في «التوراة» بالصريح ولكنها مذكورة إجمالاً في الفقرة السابعة من الإصحاح العاشر «فقال عبيد فرعون إلى متَى يكون لنا هذا (أي موسى) فخًّا أَطْلِق الرجال ليعبدوا الرب إلٰههم». والاستفهام في {أتقتلون} استفهام إنكار، أي يقبح بكم أن تقتلوا نفساً لأنه يقول ربي الله، أي ولم يجبركم على أن تؤمنوا به ولكنه قال لكم قولاً فاقبلوه أو ارفضوه، فهذا محمل قوله: {أنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله} وهو الذي يمكن الجمع بينه وبين كون هذا الرجل يكتم إيمانه. و {أنَّ يَقُولَ}. مجرور بلام التعليل المقدرة لأنها تحذف مع (أَن) كثيراً. وذكر اسمِ الله لأنه الذي ذكره موسى ولم يكن من أسماء آلهة القبط. وأما قوله: {وقد جاءَكُم بِالبَيِّنٰاتِ من رَبِّكُم} فهو ارتقاء في الحِجاج بعد أن استأنس في خطاب قومه بالكلام الموجَّه فارتقى إلى التصريح بتصديق موسى بعلة أنه جاء بالبينات، أي الحجج الواضحة بصدقه، وإلى التصريح بأن الذي سماه الله في قوله: {أن يقول ربي الله} هو رب المخاطبين فقال: {من ربكم}. فجملة {وقد جاءكم بالبينات من ربكم} في موضع الحال من قوله: {رجلاً} والباء في {بالبينات} للمصاحبة. وقوله: {وإن يَكُ كٰذِباً فَعلَيهِ كَذِبُهُ} رجوع إلى ضرب من إيهام الشك في صدق موسى ليكون كلامه مشتملاً على احتمالَيْ تصديق وتكذيب يتداولهما في كلامه فلا يؤخذ عليه أنه مصدق لموسى بل يُخيل إليهم أنه في حالة نظر وتأمل ليسوق فرعون وملأَه إلى أدلة صدق موسى بوجه لا يثير نفورهم، فالجملة عطف على جملة {وقد جاءكم بالبينات} فتكون حالاً. وقَدم احتمال كذبه على احتمال صدقه زيادةً في التباعد عن ظنهم به الانتصار لموسى فأراد أن يَظهَر في مظهر المهتَم بأمر قومه ابتداء. ومعنى: {وإن يَكُ كَاذِباً فَعلَيه كَذِبُهُ} استنزالهم للنظر، أي فعليكم بالنظر في آياته ولا تعجلوا بقتله ولا باتباعه فإن تبين لكم كذبه فيما تحداكم به وما أنذركم به من مصائب فلم يقع شيء من ذلك لم يضركم ذلك شيئاً وعاد كذبه عليه بأن يوسم بالكاذب، وإن تبين لكم صدقه يصبكم بعضُ ما تَوَعَّدكم به، أي تصبكم بوارقه فتعلموا صدقه فتتبَعوه، وهذا وجه التعبير بــــ {بعض} دون أن يقول: يصبكم الذي يعدكم به. والمراد بالوعْد هنا الوعد بالسوء وهو المسمى بالوعيد. أي فإن استمررتم على العناد يصبكم جميع ما توعَّدكم به بطريق الأوْلى. وقد شابَه مقامُ أبي بكر الصديققِ مقامَ مؤمن آل فرعون إذ آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حين سمع دعوته ولم يكن من آله، ويومَ جاء عقبة ابن أبي مُعيط إلى النبي صلى الله عليه وسلم (والنبي صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة) يخنقه بثوبه فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكب عقبة ودفَعه وقال: {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم}. قال علي بن أبي طالب: «والله لَيَومُ أبي بكر خيرٌ من مؤمن آل فرعون، إنَّ مؤمن آل فرعون رجل يكتم إيمانه وإن أبا بكر كان يُظهر إيمانه وبذل ماله ودمه» وأقول: كان أبو بكر أقوى يقيناً من مؤمن آل فرعون لأن مؤمن آل فرعون كتم إيمانه وأبو بكر أظهر إيمانه. وجملة {إنَّ الله لاَ يَهْدِي مَن هُو مُسْرفٌ كَذَّابٌ} يجوز أنها من قول مؤمن آل فرعون، فالمقصود منها تعليل قوله: {وَإن يَكُ كٰذِباً فعليه كَذِبُهُ وإن يَكُ صادقاً يُصِبكم بعْض الذي يَعِدُكُم} أي لأن الله لا يقره على كذبه فإن كان كاذباً على الله فلا يلبث أن يفتضح أمره أو يهلكه، كما قال تعالى: {أية : ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}تفسير : [الحاقة: 44 ــــ 46] لأن الله لا يمهل الكاذب عليه، ولأنه إذا جاءكم بخوارق العادات فقد تبين صدقه لأن الله لا يَخرق العادة بعد تحدي المتحدّي بها إلاّ ليجعلها أمارة على أنه مرسَل منه لأن تصديق الكاذب محال على الله تعالى. ومعنى: {يصيبكم بعض الذي يعدكم} أي مما تَوعدكم بوقوعه في الدنيا، أو في الآخرة وكيف إذا كانت البينة نفسُها مصائب تحلّ بهم مثل الطوفان والجراد وبقية التسع الآيات. والمسرف: متجاوز المعروف في شيء، فالمراد هنا مسرف في الكذب لأن أعظم الكذب أن يكون على الله، قال تعالى: {أية : ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} تفسير : [الأنعام: 93]. وإذا كان المراد الإِسراف في الكذب تعين أن قوله: {كذاب} عطف بيان وليس خبراً ثانياً إذ ليس ثمة إسراف هنا غير إسراف الكذب، وفي هذا اعتراف من هذا المؤمن بالله الذي أنكره فرعون، رمَاه بين ظهرانَيْهم. ويجوز أن تكون جملة {إنَّ الله لاَ يَهْدِي} إلى آخرها جملة معترضة بين كلامي مؤمن آل فرعون ليست من حكاية كلامه وإنما هي قول من جانب الله في قُرآنه يقصد منها تزكية هذا الرجل المؤمن إذ هداه الله للحق، وأنه تقيّ صادق، فيكون نفي الهداية عن المسرف الكذاب كناية عن تقوى هذا الرجل وصدقه لأنه نطق عن هدىً والله لا يعطي الهدى من هو مسرف كذاب.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن رجلاً مؤمناً من آل فرعون يكتم إيمانه، أي يخفى عنهم أنه مؤمن، أنكر على فرعون وقومه إرادتهم قتل نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حين قال فرعون {أية : ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} تفسير : [غافر: 26] الآية. مع أنه لا ذنب له، يستحق به القتل، إلا أنه يقول: ربي الله. وقد بين في آيات أخر أن من عادة المشركين قتل المسلمين، والتنكيل بهم، وإخراجهم من ديارهم من غير ذنب، إلا أنهم يؤمنون بالله ويقولون: ربنا الله، كقوله تعالى في أصحاب الأخدود، الذين حرقوا المؤمنين {أية : قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [البروج: 4ـ8] وقوله تعالى: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} تفسير : [الحج: 39ـ40]. وقوله تعالى: عن الذين كانوا سحرة لفرعون، وصاروا من خيار المؤمنين، لما هددهم فرعون قائلاً {أية : لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأعراف: 124] أنهم أجابوه، بما ذكره الله عنهم، في قوله: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا} تفسير : [الأعراف: 126] إلى غير ذلك من الآيات. والتحقيق أن الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية من جماعة فرعون كما هو ظاهر قوله تعالى: {من آل فرعون}. فدعوى أنه إسرائيلي، وأن في الكلام تقديماً وتأخيراً. وأن من آل فرعون متعلق بيكتم، أي وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون أي يخفى إيمانه عن فرعون وقومه خلاف التحقيق كما لا يخفى. وقيل: إن هذا الرجل المؤمن هو الذي قال لموسى {أية : إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ} تفسير : [القصص: 20] وقيل غيره. واختلف العلماء في اسمه اختلافاً كثيراً فقيل: اسمه حبيب، وقيل اسمه شمعان، وقيل اسمه حزقيل، وقيل غير ذلك ولا دليل على شيء من ذلك. والظاهر في إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله تعالى، في هذه الآية الكريمة، أن يقول ربي الله، أنه مفعول من أجله. وقال البخاري رحمه الله في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله قد جاءكم بالبينات من ربكم".

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وقال رجل من آل فرعون: هو شمعان بن عم فرعون. أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟: أي لأن يقول ربي الله؟ والرجل هو موسى عليه السلام. بالبينات من ربكم: أي بالمعجزات الظاهرات. فعليه كذبه: أي ضرر كذبه عليه لا عليكم. يصبكم بعض الذي يعدكم: أي بعض العذاب الذي يعدكم به في الدنيا عاجلاً غير آجل. من هو مسرف كذاب: أي مسرف في الكفر والظلم كذاب لا يقول الصدق ولا يفوه به. ظاهرين في الأرض: أي غالبين في بلاد مصر وأراضيها. فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا: أي من عذاب الله إن جاءنا وقد قتلنا أولياءه. ما أريكم إلا ما أرى: أي ما أشير به عليكم إلا ما أشير به على نفسي وهو قتل موسى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد: أي إلا طريق الرشد والصواب. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عما دار في قصر فرعون فقد أبدى فرعون رغبته في إعدام موسى معللاً ذلك بأمرين أن يبدل دين الدولة والشعب، والثاني أن يظهر الشغب في البلاد والتعب للدولة والمواطنين معاً. وها هو ذا رجل مؤمن من رجالات القصر يكتم إيمانه بموسى وبما جاء به من التوحيد خوفا من فرعون وملئه. ولنستمع إلى ما أخبر تعالى به عنه: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} أي بموسى {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} إذ هو ابن عم فرعون واسمه شمعان كسلمان قال: {أَتَقْتُلُونَ} ينكر عليهم قرار القتل {رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} أي لأن قال ربي الله {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} وهي الحجج والبراهين كالعصا واليد {مِن رَّبِّكُمْ} الحق الذي لا رب لكم سواه. {وَإِن يَكُ كَاذِباً} أي وإن فرضنا أنه كاذب فإن ضرر كذبه عائد عليه لا عليكم {وَإِن يَكُ صَادِقاً} وهو صادق {يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} من العذاب العاجل. إن الله تعالى لا يهدي أي لا يوفق إلى النصر والفوز في أموره {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} متجاوز الحد في الاعتداء والظلم {كَذَّابٌ} مفتر يعيش على الكذب فلا يعرف الصدق. وبعد أن بين لهم هذه الحقيقة العلمية الثابتة أقبل عليهم يعظهم فقال: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ} أي غالبين في الأرض أي أرض مصر بكامل ترابها وحدودها. لكن إن نحن أسرفنا في الظلم والافتراء فقتلنا أولياء الله فجاءنا بأس الله عقوبة لنا فمن ينصرنا؟ إنه لا ناصر لنا أبداً من الله فتفهموا ما قلت لكم جيداً، ولا يهلك على الله إلا هالك، وهنا قام فرعون يرد على كلمة الرجل المؤمن فقال ما أخبر تعالى به عنه في قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} أي ما أشير عليكم بشيء إلا وقد رأيته صائبا وسديداً، يعني قتل موسى عليه السلام، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد أي إلاَّ إلى طريق الحق والصواب، وكذب والله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل الإِيمان وفضل صاحبه فقد ورد الثناء على هذا الرجل في ثلاثة رجال هم مؤمن آل فرعون هذا، وحبيبٌ النجار مؤمن آل ياسين وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. 2- فصاحة مؤمن آل فرعون هي ثمرة إيمانه وبركته العاجلة فإن لكلماته وقع كبير في النفوس. 3- التنديد بالإِسراف في كل شيء والكذب والافتراء في كل شيء وعلى أي شيء. 4- من عجيب أمر فرعون ادعاؤه أن يهدي إلى الرشد والسداد والصواب في القول والعمل، حتى ضرب به المثل فقيل: فرعون يهدي إلى الرشد.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلِ} {إِيمَانَهُ} {بِٱلْبَيِّنَاتِ} {كَاذِباً} (28) - وَتَوَلَّى الدِفَاعَ عَنْ مُوسَى، لِصَرْفِ فِرْعَونَ عَمَّا اعْتَزَمَهُ مِنْ قَتلِهِ، رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ خَوْفاً مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، فَقَالَ لِفِرْعَوْنَ: أَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَقْتلُوا رَجُلاً لَمْ يَرْتَكِبُ ذَنْباً سِوَى أَنَّهُ قَالَ: رَبِّي اللهُ، وَقَدْ جَاءَكُمْ بِدَلاَلاَتٍ وَبَرَاهِينَ عَلَى صِدْقِهِ، وَمِثْلُ هَذَا القَوْلِ لاَ يَسْتَدْعِي قَتْلاً. فَإِذَا كَانَ مُوسَى كَاذِباً فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَأْمُرَكُمْ بِعِبَادَتِهِ تَعَالَى، وَتَرْكِ دِينِكُمُ الذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإِثْمُ كَذِبِهِ يَعُودُ عَلَيْهِ هُوَ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنْ إِثْمِهِ شَيءٌ. وَإِنْ كَانَ صَادِقاً فِيمَا يَقُولُ فَلاَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَقْتلُوهُ لأَِنَّكُمْ إِنْ قَتَلْتُمُوهُ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ لِكُفْرِكُمْ، وَلِقَتْلِكُمْ رَسُولَهُ، وَاسْتَوْجَبْتُمْ عِقَابَهُ الذِي أَنْذَرَكُمْ بِهِ مُوسَى، وَلَوْ كَانَ كَاذِباً كَمَا تَزْعُمُونَ لَكَانَ أَمْرُهُ افْتَضَحَ، وَلَمَا هَدَاهُ اللهُ، وَلَمَا أَيَّدَهُ بِمُعْجِزَاتِهِ وَآيَاتِهِ، لأَِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ والصَوابِ مَنْ كَانَ كَذَّاباً مُسْرِفاً فِي كَذِبِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لما جاء موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فقال: {أية : إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ..}تفسير : [غافر: 27] استجاب الله له وأعاذه، لا برسول ولا ملك ولا بأحد من أتباعه المؤمنين، إنما برجل مؤمن من آل فرعون كان يكتم إيمانه خوفاً من بطش فرعون قام مدافعاً عن موسى، وهذا أوضح في الحجة وأبلغ. لكن لماذا {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ..} [غافر: 28] ما دام مؤمناً؟ قالوا: كانوا يغلفون إيمانهم ويسترونه لأنه ليس لديهم القوة التي يَدْفعون بها الطغيان، فالإيمان في النفس حتى يجد الفرصة فيظهر ويجاهر، وها هو يظهر على لسان هذا الرجل المؤمن الذي يعلن أمام فرعون وجبروته أنه مؤمن، ويدعو بدعوة هي أشبه بدعوة الرسل، ويخبر بمنهج كأنه رسول. وكلمة {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ..} [غافر: 28] لها في الإسلام ملحظ وتاريخ، ومعنى كَتْم الإيمان أن الإيمان يحاول أن يبرز في تصرفات الرجل لكنه يكتم إيمانه، فهو حريص على أنْ يجعل إيمانه سراً بينه وبين ربه فقط ليستطيع أن يقول كلمة الحق ويجهر بها أمام القوم وهو غير مؤمن حتى لا يَؤْذَى. إذن: فالإيمان عمل وجداني له نضج على جميع جوارح النفس الإنسانية، فالمؤمن تجده متواضعاً منكسراً يستجيب للحق ويخضع له، المؤمن عطوف كريم حليم رحيم، تلحظ إيمانه من تصرفاته، ولكنه يحاول أن يكتم هذا حتى يقف الموقف الذي يمكنه من الجهر بالإسلام جهراً قوياً عنيفاً. لذلك يقولون: إن الإيمان عملية قلبية وهو سِرٌّ بين العبد وربه، ثم له أمر ظاهري بين المؤمن والناس، وقد يلتحم الأمران السر والجهر بينه وبين ربه، وبينه وبين الناس، فقد يكون مؤمناً بينه وبين الله أما بينه وبين الناس فهو مؤمن أو غير مؤمن، لأن العملية الإيمانية يُبدي فيها فوق ما يظهر إيمانه، والرسول صلى الله عليه وسلم شرع هذا، كيف؟ قالوا: في غزوة الأحزاب حين اجتمعتْ قريش وغطفان واليهود، حيث استدرج اليهود كلاً من قريش وغطفان ليحاربوا معهم محمداً ليثأروا منه صلى الله عليه وسلم بعد مسألة بني قينقاع لما أذاهم رسول الله. فلما ذهب حيي ومعه سلام بن مشكم إلى مكة ليستثيروا قريشاً وغطفان على رسول الله، قال لهم: يجب أن نقف جميعاً يداً واحدة في مواجهة محمد، لأننا إنْ تركناه سيستذلنا ويستذلكم، فلا بُدَّ أنْ تنجدونا بقوتكم، لكن قريشاً يعلمون أن اليهود أهلُ كتاب، فقالوا لهم: نريد أنْ نسألكم أولاً: أمحمد على حق أم نحن؟ وهم يعلمون موقف اليهود من قبل رسول الله، وأنهم كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، ويقولون: سيأتي نبيّ أطلَّ زمانه سنتبعه ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم. المهم أنهم قالوا لهم: إنكم على حق ومحمد على باطل. وفعلاً اتحدوا في محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الحرب التي قال الله فيها عن المؤمنين: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 214]. وسُميت هذه الغزوة غزوة الأحزاب أو الخندق، ويأتي جند من جنود الله {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [المدثر: 31] ويذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا رسول الله لقد أُشْرب قلبي الإيمان ولا يعلم أحدٌ بإيماني وأنا أشهد أنك رسول الله، واسم هذا الرجل نُعيم بن مسعود الأشجعي فقال له رسول الله: "أنت رجل واحد وما غناؤك لي، لكن اكتم إيمانك وخذِّل عنا". هذه أول مسألة في قضية كتم الإيمان، إذن: فَكتْم الإيمان جائز وله مهمة. فقال الرجل: لكن يا رسول الله سأضطر لأنْ أقول غير الحقيقة - أكذب يعني - قال: (افعل ما تحب). فما كان من نُعيم بن مسعود إلا أن ذهب إلى قريش وغطفان وقال لهم: أنتم تعلمون وُدِّي لكم ومحبتي إياكم وقد جئتكم بنصيحة لأبرئ ذمتي من الوفاء لكم. إن اليهود ندموا على معاداة محمد وهم يريدون أنْ يتراجعوا ولن يتراجعوا إلا بشيء تكون لهم يد يطمئنون إلى معاهدة محمد. فإذا أردتم أنْ تناجزوا محمداً مع هؤلاء وتضمنوا عدم خيانتهم فسوف يطلبون منكم سبعين رجلاً رهينة من قريش وغطفان مخافةَ أنكم إذا اشتدتْ الحرب وحميَتْ تتركوهم وترجعوا إلى بلادكم ويظلُّون هم في مواجهة محمد ويكونون هم أعداءه. ثم ذهب إلى اليهود فقال لهم: أنتم تعلمون مودتي لكم ومحبتي إياكم، وإن هؤلاء القوم يعني قريشاً وغطفان ليسوا من بلدكم ولهم مكانتهم في بلادهم، ولهم أموالهم وأهلوهم، فإنِ استشعروا شيئاً فرُّوا وتركوكم في مواجهة محمد، فلتأخذوا منهم سبعين رجلاً رهينة حتى تضمنوهم. فلما جاء أبو سفيان وقال: لقد طال بنا الموقف وتعب الخُفّ والحافر وطالت المدة، فيا معشر يهود هيا لننجز مهمتنا، قالوا: هذا يوم السبت ولا نقاتل فيه، ونحن لا نقاتل الرجل إلا أن نضمن أنكم معنا إلى نهاية المعركة فأعطونا سبعين رجلاً منكم رَهْناً. عندها علم أبو سفيان أن كلام نعيم صحيح، فقال: ليس لنا أن نعود إلى بلادنا، ثم قال: يا قوم لينظرْ كل واحد منكم مَنْ عن يمينه ومَنْ عن شماله لأننا سنقول كلاماً مهماً. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليهم سيدنا حذيفة، فكان بين صفوفهم فبادر مَنْ عن يمينه وسأله: مَنْ أنت؟ ومنْ عن شماله وسأله: مَنْ أنت؟ وكانت فطنةً ولباقة منه حتى لا يسأله أحد ولا ينكشف أمره. بعد ذلك قال أبو سفيان: لم يَعُدْ أمامنا إلا الرحيل حتى لا نقع في مخالب اليهود فهيا، وضرب راحلته فقامت وهي معقولة فانقطع العقال. الشاهد هنا أن نعيم بن مسعود كتم إيمانه عن القوم ليتمكن من القول الذي قاله، وإنْ كان غير الواقع، وهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن استأذن فيه رسول الله، وهذا دليلٌ على أن كتم الإيمان جائز وأنه له مُهمة. كذلك سيدنا العباس رضي الله عنه لا شكَّ أنه كان قد آمن برسول الله، لأنه ساعة أخذ العهد لرسول الله وكان لم يعلن إسلامه بعد، ذهب وقال: هذا محمد في مَنَعة من قومه، فإنْ شئتم أنْ تأخذوه فعاهدوه على كذا وعلى كذا وإلا فاتركوه، فكيف يأخذ العهد لرسول الله وهو ما يزال على دين قريش؟ إذن: لابدَّ أنه كان يكتم إيمانه حتى لا تجرؤ قريش على إيذاء رسول الله الإيذاء البالغ إكراماً لعمه العباس. فهذه مهمة كتم الإيمان، لذلك يقول تعالى: {أية : مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النحل: 106]. وفي غزوة خيبر كان في اليهود رجل اسمه الحجاج بن علاط السُّلَمي جاء في هذه الغزوة وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لقد شرح الله صدري للإسلام وأشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأنا ذاهبٌ الآن إلى مكة لأموال لي هناك وأمانات أستردها؟ وسوف يسألونني فاسمح لي أنْ أقول قال له (قُلْ ما تشاء). وذهب الحجاج إلى قريش فقالوا: لابدَّ أن عند هذا الخبر، وسألوه: هل ذهب القاطع إلى خيبر؟ يقصدون رسول الله لأنهم كانوا يتهمونه بقطع الأهل والعشيرة بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فقال: نعم وهُزِم هناك هزيمة منكرة وقُتِل أصحابه، وسيأخذه اليهود أسيراً ويأتون به إليكم ليصنعوا معكم يداً تظل عليكم لهم طوال العمر، وقد جئتكم لآخذ أموالي التي عند الناس حتى أذهب إلى السَّبْي قبل أن تُباع فأشتري منه، فأخذوا يساعدونه في جمع أمواله ويُيسِّرون له مهمته. بلغتْ هذه المقالة العباس فذهب إليه وقال له: يا حجاج ماذا تقول؟ قال: هو ما سمعت، قال: أو حَقٌّ ذلك؟ قال: أفتكتُم عليَّ؟ قال: والذي نفسي بيده أكتم عليك، قال: أمهلني حتى يخلو موضعي من الناس، فجلس مُدة ثم ذهب إليه فقال: والله الخبر الذي بلغك عني لم يحدث منه شيء، بل تركتُ محمداً منتصراً في خيبر وعروساً على صفية بنت حيي بن أخطب، ولكني احتلتُ لآخذ أموالي من هؤلاء، فاكتُمْ أمري واستر عليَّ ثلاثة أيام حتى أُعجز القوم وأفرّ ثم أشِع ذلك ما شئتَ. وبعد ثلاثة أيام تطيَّب العباس بالطِّيب وأمسك عصاه ثم طاف بالبيت فلقيه واحد منهم وقال: والله لهذا هو التجلُّد يا أبا الفضل. يقصد بذلك المصيبة التي وقعت لابن أخيه، فقال العباس للرجل: والذي حلفتَ به ما هو تجلّد ولكنه حقيقة الأمر، لأن صاحبكم أخبركم بخلاف الواقع وابن أخي انتصر على أعدائه وهو عروسٌ على بنت حُيي بن أخطب في خيبر، قال: أو يكون ذلك؟ قال: هكذا، قال: أفلتنا الخبيث فأوْلَى له. نقول: كتم هؤلاء إيمانهم ليتمكنوا من نُصْرة الدين وليكونوا جنداً من جنوده، وللإسلام جنديات مختلفة: جندية العلانية، وجندية الكتمان، وجندية التجسس على الأعداء. بعض المفسرين قال: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28] أي: من آل فرعون، وهذا غير صحيح بدليل أنه سيقول ويخبر بهذا الإيمان ويُفصله كأنه رسول، ولو كان الكتمان من آل فرعون لَقَال: يكتم إيمانه آل فرعون لأن الفعل (كتم) يتعدى بنفسه إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42]. لكن ماذا قال الرجل المؤمن؟ قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} [غافر: 28] تأمل جرأة الحق من هذا المؤمن، فهو يجهر بهذا الاستفهام الإنكاري {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} [غافر: 28] يجهر به أمام فرعون. {أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} [غافر: 28] أي: بسبب قوله ربي الله فلا جريرةَ له غير هذا، يقولها الرجل المؤمن علانية أمام فرعون، وما أدراك ما فرعون، إنه الوحيد الذي ادعى الألوهية وقال لقومه {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38] فلا شكَّ أن كلمة الرجل المؤمن تغيظه وتهدم أركان ألوهيته المدَّعاة. وقوله: {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} [غافر: 28] أي: بالآيات الواضحات فكيف يُقتل؟ ولنفرض أنه كذاب فلا يضيركم كذبه، لأنه كذب على الله وسوف يتحمل عاقبة هذا الكذب {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28] يعني: وإنْ كان صادقاً لم تُحرموا خيره وأصابكم بعض هذا الخير. إذن: لماذا تقتلونه؟ فالاحتياط ألاَّ يُقتل. لكن، هل معنى ذلك أن نترك كلَّ ملحد يقول ما يحلو له ويخوض في أمور الدين ولا نمنعه اعتماداً على {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} [غافر: 28] قالوا: لا بل يجب أنْ نُقدِّر هنا جملة: امنعوه أن يقول لكن لا تقتلوه. كثيراً ما نسمع عن الزنادقة الذين يخوضون في دين الله الآن، فماذا نفعل. أنتركهم ونقول: عليهم كذبهم؟ لا إنما يجب أنْ نتصدَّى لهم ونمنعهم من هذا الهراء، ونأخذ على أيديهم حتى لا يُحدثوا ما يضر بدين الله. كذلك قال الرجل المؤمن من آل فرعون يدافع عن سيدنا موسى عليه السلام كأنه يريد أن يستبقي حجة الحق لعله توجَد آذان فيما بعد تنصره. ثم يقرر الحق سبحانه هذه الحقيقة: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] هذا الكلام يُعَد تعريضاً وطَعْناً في فرعون، فالحق سبحانه لا يترك أحداً يكذب عليه دون أنْ يفضح كذبه، لماذا؟ لأن سَتْر هذا الكذب يُعتبر تدليساً في منهج السماء، وحاشا لله تعالى ذلك، لذلك نرى كلَّما ادَّعى أحدٌ النبوةَ افتُضِح أمره وعلم الناس كذبه، لأنه لا يصح أنْ يدَّعي كذابٌ النبوة، ولا يظهر الله للناس كذبه، وهذا مُتضمَّنٌ في قوله تعالى وفي وعده: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [غافر: 51]. وفي قوله: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173].

الأندلسي

تفسير : {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} قيل كان قبطياً وهو ابن عم فرعون وقيل كان إسرائيلياً واسمه سمعان وقيل غير ذلك. {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} في موضع الصفة ورد قول من علق من آل فرعون بيكتم فإِنه لا يقال كتمت من فلان كذا إنما يقال كتمت فلاناً قال تعالى ولا يكتمون الله حديثاً وقال الشاعر: شعر : كتمتك ليلاً بالجمومين ساهراً تفسير : {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} هذا إنكار منه عظيم وتبكيت لهم كأنه قال أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله ربي الله مع أنه قد جاءكم بالبينات من ربكم أي من عند من نسب إليه الربوبية وهو ربكم لا ربه وحده وهذا استدراج إلى استدراج إلى الاعتراف بالبينات بالدلائل على التوحيد وهي التي ذكرها في طه والشعراء حالة محاورة له في سؤاله عن ربه تعالى ولما صرح بالإِنكار عليهم غالطهم بعد في أن قسم أمره إلى كذب وصدق وأبدى ذلك في صورة احتمال ونصيحة وبدأ في التقسيم بقوله: {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} مداراة منه وسلوكاً لطريق الإِنصاف في القول وخوفاً إذا أنكر عليهم قتله أنه ممن يعاضده وينصره فأوهمهم بهذا التقسيم والبداءة بحالة الكذب حتى يسلم من شره ويكون ذلك أدنى إلى تسليمهم ومعنى فعليه كذبه أنه لا يتخطاه ضرره. {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} هو يعتقد أنه نبي قطعاً لكنه أتى بلفظ بعض لإِلزام الحجة بأيسر ما في الأمر وليس فيه نفي أن يصيبهم كل ما يعدهم. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي} فيه إشارة إلى علو شأن موسى عليه السلام وان من اصطفاه الله تعالى للنبوة لا يمكن أن يقع منه إسراف ولا كذب وفيه تعريض بفرعون إذ هو في غاية الإِسراف على نفسه بقتل أبناء المؤمنين وفي غاية الكذب إذا دعى الإِلٰهية والربوبية ومن هذا شأنه لا يهديه الله أبداً وفي الحديث حديث : الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم تفسير : وفي الحديث حديث : أنه عليه السلام طاف بالبيت فحين فرغ أخذوا بمجامع ردائه فقالوا له: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا فقال أنا ذلك فقام أبو بكر رضي الله عنه فالتزمه من ورائه وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم رافعاً صوته بذلك وعيناه تسفحان بالدموع حتى أرسلوه تفسير : ثم قال: {يٰقَومِ} نداء متلطف في موعظتهم. {لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ} أي غالبين عالين. {فِي ٱلأَرْضِ} أرض مصر قد غلبتم بني إسرائيل فيها وقهرتموهم واستعبدتموهم وبدأهم بالملك الذي هو أعظم مراتب الدنيا وأجلها وهو من جملة شهواتهم وانتصب ظاهرين على الحال والعامل فيها هو العامل في الجار والمجرور وذو الحال هو ضمير لكم ثم حذرهم أن يفسدوا على أنفسهم بأنه إن جاءهم بأس الله لم يجدوا لهم دافعاً ولا ناصراً وأدرج نفسه في ينصرنا وجاءنا لأنه منهم في القرابة وليعلمهم أن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه وأقوال هذا المؤمن هذه تدل على زوال هيبة فرعون من قلبه ولذلك استكان فرعون وقال: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} أي ما أشير عليكم إلا بقتله ولا أستصوب إلا ذلك وهذا قول من لا تحكم له وأتى بما وإلا للحصر والتأكيد. {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} لا ما تقولونه من ترك قتله وقد كذب بل كان خائفاً وجلاً وقد علم أن ما جاء به موسى عليه السلام حق ولكنه كان يتجلد ويرى ظاهره خلاف ما أبطن. {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ} الآية الجمهور ان على هذا المؤمن هو الرجل القائل أتقتلون رجلاً قص الله تعالى أقاويله إلى آخر الآيات لما رأى ما لحق فرعون من الخور والخوف التي بنوع آخر من التهديد وخوفهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السالف من استصال الهلاك حين كذبوا رسلهم وقويت نفسه متى سرد عليهم ما سرد ولم يهب فرعون ويوم التناد هو يوم الحشر والتنادي مصدر تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً قال الشاعر: شعر : تنادوا فقالوا أردت الخيل فارساً فقلت أعند الله ذلكم الردى تفسير : وسمي يوم التناد أما النداء بعضهم بالويل والثبور وأما لتنادي أهل الجنة وأهل النار على ما ذكر في الأعراف وفي الحديث حديث : ان للناس جولة يوم القيامة يندون يظنون أنهم يجدون مهرباً ثم تلا يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم في فراركم حتى تطفى في النار ولما يئس المؤمن من قبولهم قوله قال: ومن يضلل الله فما له من هاد . تفسير : قال الزمخشري: ويحتمل أن يكون ان الذين يجادلون مبتدأ وبغير سلطان أتاهم خبراً وفاعل كبر قوله: كذلك أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال ويطبع الله كلام مستأنف ومن قال كبر مقتاً عند الله جدالهم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه "انتهى". وهذا الذي أجازه لا يجوز أن يكون مثله في كلام فصيح في كلام الله تعالى لأن فيه تفكيك الكلام بعضه من بعض وارتكاب مذهب الصحيح خلافه أما تفكيك الكلام فالظاهر أن بغير سلطان. متعلق بيجادلون ولا يتعقل جعله خبراً للذين لأنه جار ومجرور فيصير التقدير الذين يجادلون في آيات الله كائنون أو مستقرون بغير سلطان أي في غير سلطان لأن الباء إذ ذاك ظرفية خبر عن الجثة وكذلك في قوله: يطبع انه مستأنف فيه تفكيك الكلام لأن ما جاء في القرآن من كذلك يطبع أو نطبع إنما جاء مربوطاً بعضه ببعض فكذلك هنا وأما ارتكاب مذهب الصحيح خلافه فجعل الكاف اسماً فاعلاً بكبر وذلك لا يجوز على مذهب البصريين إلا الأخفش ولم يثبت في كلام العرب أعني نثرها جاءني كزيد تريد مثل زيد فلم تثبت إسميتها فتكون فاعلة وأما قوله ومن قال: إلخ فإِن قائل ذلك هو الحوفي والظن به أنه فسر ولم يرد الإِعراب وإنما تفسير الإِعراب أن الفاعل بكبر ضمير يعود على الجدال المفهوم من يجادلون كما قالوا من كذب كان شراً له أي كان هو أي الكذب المفهوم من كذب والأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون الذين مبتدأ وخبره كبر والفاعل ضمير المصدر المفهوم من يجادلون وهذه الصفة موجودة في فرعون وقومه ويكون الواعظ لهم قد عدل عن مخاطبتهم إلى الإِسم الغائب لحسن محاورته لهم واستجلاب قلوبهم وإبراز ذلك في صورة تذكيرهم ولا يفاجأهم بالخطاب وفي قوله: كبر مقتاً ضرب من التعجب والاستعظام بجدالهم والشهادة على خروجه عن احد أشكاله من الكبائر. {كَذَلِكَ} أي مثل ذلك الطبع على قلوب المجادلين. {يَطْبَعُ ٱللَّهُ} أي يختم بالضلال ويحجب عن الهدى وقرىء: قلب كل بالإِضافة وبالتنوين فمتكبر صفة له. {وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ} أقول فرعون ذروني اقتل موسى ما أريكم إلا ما أرى يا هامان ابن لي صرحاً حيدة عن محاجة موسى عليه السلام ورجوع إلى أشياء لا تصح وذلك كله لما خامره من الجزع والخوف وعدم المقاومة والتعرف بأن هلاكه وهلاك قومه على يدي موسى وأن قدرته عجزت عن التأثير في موسى هذا على كثرة سفكه الدماء وتقدم الكلام على الصرح وقرىء: فأطلع بالرفع عطفاً على أبلغ وقرىء بالنصب. قال الزمخشري: على جواب الترجي تشبيهاً للترجي بالتمني "انتهى". فالترجي لا يكون إلا في الممكن وبلوغ أسباب السماوات غير ممكن لأن فرعون أبرز ما لا يمكن في صورة الممكن تمويهاً على سامعيه وأما النصب بعد الفاء في جواب الترجي فشىء أجازه الكوفيون ومنعه البصريون واحتج الكوفيون بهذه القراءة وقرىء: وصد مبنياً للفاعل وصد مبنياً للمفعول. {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ} بدأ المؤمن بذكر المتسبب عن دعوته وأبدى التفاضل بينهما ولما ذكر المسببين ذكر سببهما وهو دعاؤهم إياه إلى الكفر والشرك ودعاؤه إياهم إلى الإِيمان والتوحيد وأتى بصفة العزيز وهو الذي لا نظير له الغفار لذنوب من رجع إليه وآمن به وأوصل سبب دعائهم بمسببه وهو الكفر والنار وآخر سبب مسببه ليكون افتتاح كلامه واختتامه بما يدعو إلى الخير وبدأ أولاً بجملة إسمية وهو الاستفهام المتضمن التعجب من حالتهم وختم أيضاً بجملة إسمية ليكون أبلغ في توكيد الأخبار وجاء في حقهم وتدعونني بالجملة الفعلية التي لا تقتضي التوكيد إذ دعوتهم باطلة لا ثبوت لها فتؤكد وما ليس لي به علم هي الأوثان أي لم يتعلق علمي بها إذ ليس لها مدخل في الألوهية ولا لفرعون وتقدّم الكلام على لا جرم ولما ذكر انتفاء دعوة ما عبد من دون الله ذكر أن مرد الجميع إلى الله أي إلى جزائه. {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} قال مقاتل لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه فوقاه الله سيئات ما مكروا أي شدائد مكرهم التي تسوؤه وما هموا به من أنواع العذاب لمن خالفهم. {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} قال ابن عباس هو ما حاق بالألف بعثهم فرعون في طلب المؤمن من أكل السباع والموت بالعطش والقتل والصلب كما تقدم والظاهر أن العرض خلاف الإِحراق وقرىء كل بالرفع مبتدأ خبره فيها والجملة في موضع خبر انا وقرىء بالنصب وخرجه الزمخشري وابن عطية على التوكيد قال الزمخشري لاسم ان وهو معرفة والتنوين عوض من المضاف إليه يريد انا كلنا فيها انتهى. وخبر ان هو فيها ومن رفع كلا فعلى الابتداء وخبره فيها والجملة خبر ان وقال ابن مالك في تصنيفه وقد تكلم على كل ولا يستغنى بنية إضافته خلافاً للفراء والزمخشري انتهى وهذا المذهب منقول عن الكوفيين وقال الزمخشري وأيضاً (فإِن قلت) هل يجوز أن يكون كلا حالاً قد عمل فيها (قلت) لا لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في الظرف متقدماً تقول كل يوم لك ثوب ولا تقول قائماً في الدار زيد انتهى هذا الذي منعه أجازه الأخفش إذا توسطت الحال نحو زيد قائماً في الدار أو زيد قائماً عندك والتمثيل الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو إسم وإن توسطت الحال إذا قلنا أنها حال وتأخر العامل فيها وأما تمثيله بقوله ولا نقول قائماً في الدار زيد فتأخر فيه المسند والمسند إليه وقد ذكر بعضهم أن المنع في ذلك إجماع من النحاة والذي اختاره في تخريج هذه القراءة أن كلاً بدل من إسم أن لأن كلا يتصرف فيها بالابتداء ونواسخه وغير ذلك فكأنه قال ان كلاً فيها وإذا كانوا قد تأولوا حولاً أكتعاً ويوماً أجمعاً على البدل مع أنهما لا يليان العوامل فإِن يدعي في كل البدل أولى وأيضاً فتنكير كل ونصبه حالاً في غاية الشذوذ والمشهور أن كلا معرفة إذا قطعت عن الإِضافة حكى مررت بكل قائماً وببعض جالساً في الفصيح الكثير في كلامهم وقد شذ نصب كل على الحال في قولهم مررت بهم كلا أي جميعاً. (فإِن قلت) كيف تجعله بدلاً وهو بدل كل من كل من ضمير المتكلم وهو لا يجوز على مذهب جمهور البصريين (قلت) مذهب الأخفش والكوفيين هو الفصيح على أن هذا ليس مما وقع فيه الخلاف بل إذا كان البدل يفيد الإِحاطة جاز أن يبدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب لا نعلم خلافاً في ذلك كقوله تعالى {أية : تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} تفسير : [المائدة: 114] وكذلك مررت بكم صغيركم وكبيركم معناه مررت بكم كلكم وتكون لنا عيداً كلنا فإِذا جاز ذلك فيما هو بمعنى الإِحاطة فجوازه فيما دلّ على الإِحاطة وهو كل أولى ولا التفات لمنع المبرد البدل فيه لأنه بدل من ضمير المتكلم لأنه لم يتحقق مناط الخلاف ولما أجاب الضعفاء الم تكبرون قالوا جميعاً لخزنة جهنم وأبرز ما أضيف إليه الخزنة ولم يأت ضميراً فكان يكون التركيب لخزنتها لما في ذكر جهنم من التهويل فراجعتهم الخزنة على سبيل التوبيخ والتقريع. {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ} فأجابوهم بأنهم أتتهم قالوا لهم فادعوا أنتم على سبيل الهزء بهم فإِنا لا نجترىء على ذلك. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} أي الدلائل التي أوردها على فرعون وقومه والكتاب التوراة توارثوها خلف عن سلف ثم أمره تعالى بتنزيهه في هذين الوقتين اللذين الناس مشغولون فيهما بمصالحهم المهمة ثم نبه تعالى على أنه لا ينبغي أن يجادل في آيات الله ولا يتكبر الإِنسان بقوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} أي مخلوقاته أكبر وأجل من خلق البشر فما لأحدهم يجادل ويتكبر على خالقه. {ٱدْعُونِيۤ} أي اعبدوني. {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أي أثبكم على العبادة وكثيراً جاء الدعاء في القرآن بمعنى العبادة ويقوي هذا التأويل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} وما روى النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : الدعاء هو العبادة وقرأ هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} تفسير : أي يتعاظمون عن توحيدي وقرىء: {سَيَدْخُلُونَ} مبنياً للفاعل والمفعول. {كَذَلِكَ} أي مثل ذلك الصرف صرف الله قلوب الجاحدين بآيات الله من الأمم عن طريق الهدى والطيبات المستلذات طعماً ولبساً ومعنى يسجرون يطرحون في النار فيكونون وقوداً لها وقيل يحرثون ثم أخبروا تعالى أنهم يوقفون يوم القيامة على جهة التوبيخ والتقريع فيقال لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا فيقولون ضلوا عنا أي تلفوا منا وغابوا واضمحلوا ثم تضطرب أقوالهم ويفزعون إلى الكذب فيقولون بل لم نكن نعبد شيئاً وهذا ومن أشد الاختلاط في الذهن والنظر. {ذَلِكُمُ} أي الإِضلال بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح بغير الحق وهو الشرك وعبادة الأوثان وفي الحديث حديث : ان الله يبغض المرحين الفرحين ويحب كل قلب حزينتفسير : . وتفرحون وتمرحون من باب تجنيس التحريف المذكور في علم البديع وهو أن يكون الحرف فرقاً بين الكلمتين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} [غافر: 28] إلى قوله: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر: 33]، ويشير إلى أن الله تعالى إذا شاء بكمال قدرته إظهاراً لفضله وقدرته يخرج الحي من الميت، كما أخرج مؤمن من آل فرعون مؤمناً حياً قلبه بالإيمان من بين قوم كفار أموات قلوبهم بالكفر فيتحقق قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} تفسير : [السجدة: 13]، وإذا شاء إظهاراً لعزته وجبروته يعمي ويصم الملوك والعقلاء مثل فرعون وقومه؛ لئلا يبصروا آيات الله الظاهرة، ولا يسمعوا الحجج الباهرة مثل ما نصحهم بها مؤمن أنهم بتحقق قوله: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر: 33] وتحقيقاً لقوله: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [السجدة: 13].

النسائي

تفسير : 482 - أخبرنا هنادُ بن السريِّ، عن عبدة، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عمرو بن العاصي، حديث : أنه سُئل: ما أشدُ شيء رأيت قريشاً بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: مرَّ بهم ذات يومٍ، فقالوا له: أنت [الذي] تنهانا أن نعبد ما يعبدُ آباؤُنا؟ قال: "أنا". فقاموا إليه، فأخذوه بمجامع ثيابه. قال: فرأيتُ أبا بكرٍ محتضنهُ من وراءِهِ يصرخُ، وإن عينيه تنضحانِ، وهو يقول {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} الآيةُ [غافر: 28] . تفسير : 483 - أخبرنا قُتيبة بن سعيدٍ، قال: حدثنا اللَّيث، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : ألا إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشيِّ. إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، حتى يبعثه الله يوم القيامةِ ". تفسير : 484 - أخبرنا سُويدُ بن نصرٍ، قال: أخبرنا عبد اللهِ، عن شعبة، عن منصورٍ، عن ذرٍّ - [ح] وأخبرنا هنادُ بن السريِّ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن ذرٍّ، عن يُسيع، عن النعمان بن بشيرٍ، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول اللهِ عزَّ وجلَّ {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال: "الدعاءُ هو العبادةُ" ثم قرأ {رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [60] تفسير : - اللَّفظُ لهنَّادٍ.