Verse. 4162 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

يٰقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظٰہِرِيْنَ فِي الْاَرْضِ۝۰ۡ فَمَنْ يَّنْصُرُنَا مِنْۢ بَاْسِ اللہِ اِنْ جَاۗءَنَا۝۰ۭ قَالَ فِرْعَوْنُ مَاۗ اُرِيْكُمْ اِلَّا مَاۗ اَرٰى وَمَاۗ اَہْدِيْكُمْ اِلَّا سَبِيْلَ الرَّشَادِ۝۲۹
Ya qawmi lakumu almulku alyawma thahireena fee alardi faman yansuruna min basi Allahi in jaana qala firAAawnu ma oreekum illa ma ara wama ahdeekum illa sabeela alrrashadi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين» غالبين حال «في الأرض» أرض مصر «فمن ينصرنا من بأس الله» عذابه إن قتلتم أولياءه «إن جاءنا» أي لا ناصر لنا «قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى» أي ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي وهو قتل موسى «وما أهديكم إلا سبيل الرشاد» طريق الصواب.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى، خوفهم في ذلك بعذاب الله فقال: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلأَرْضِ } يعني قد علوتم الناس وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه، فإنه لا قبل لكم به، وإنما قال: {يَنصُرُنَا } و{جَاءنَا } لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى} أي لا أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسماً لمادة الفتنة {وَمَا أَهْدِيكُمْ } بهذا الرأي {إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } والصلاح، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون فقال: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ }. واعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه، والذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون، ولهذا السبب حصل ههنا قولان الأول: أن فرعون لما قال: {أية : ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } تفسير : [غافر: 26] لم يصرح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه، إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات، بل الأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من إظهار دينه، لأن على هذا التقدير إن كان كاذباً كان وبال كذبه عائداً إليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه، ثم أكد ذلك بقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } تفسير : [غافر: 28] يعني أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون، لأن المسرف الكذاب هو فرعون والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكنم إيمانه أولاً، فلما قال فرعون {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق. واعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعاً من الكلمات ذكرها لفرعون الأول: قوله {يٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } والتقدير مثل أيام الأحزاب، إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد ثمود، فحينئذٍ ظهر أن كل حزب كان له يوم معين في البلاء، فاقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس، ثم فسّر قوله {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } بقوله {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } ودأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار والتكذيب وسائر المعاصي، فيكون ذلك دائباً ودائماً لا يفترون عنه، ولا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضاً بهلاك الآخرة، وهو قوله {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة. والنوع الثاني: من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء، فتلك الجملة قائمة ههنا، فوجب حصول الحكم ههنا، قالت المعتزلة: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم، إذ لو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك الظلم، وهذا الاستدلال قد ذكرناه مراراً في هذا الكتاب مع الجواب، فلا فائدة في الإعادة. النوع الثالث: من كلمات هذا المؤمن قوله {وَيٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: التنادي تفاعل من النداء، يقال تنادى القوم، أي نادى بعضهم بعضاً، والأصل الياء وحذف الياء حسن في الفواصل، وذكرنا ذلك في {أية : يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } تفسير : [غافر: 15] وأجمع المفسرون على أن {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } يوم القيامة، وفي سبب تسمية ذلك اليوم بذلك الاسم وجوه الأول: أن أهل النار ينادون أهل الجنة، وأهل الجنة ينادون أهل النار، كما ذكر الله عنهم في سورة الأعراف {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الاعراف: 50]، {أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ } تفسير : [الاعراف: 44]، الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } تفسير : [الإسرار: 71]، الثالث: أنه ينادي بعض الظالمين بعضاً بالويل والبثور فيقولون {أية : يا ويلنا}، تفسير : [الأنبياء: 14]، الرابع: ينادون إلى المحشر، أي يدعون الخامس: ينادي المؤمن {أية : هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } تفسير : [الحاقة: 19] والكافر {أية : يٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ } تفسير : [الحاقة: 25]، السادس: ينادى باللعنة على الظالمين السابع: يجاء بالموت على صورة كبش أملح، ثم يذبح وينادى يا أهل القيامة لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرحهم، وأهل النار حزناً على حزنهم الثامن: قال أبو علي الفارسي: التنادي مشتق من التناد، من قولهم ند فلان إذا هرب، وهو قراءة ابن عباس وفسرها، فقال يندون كما تند الإبل، ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ } تفسير : [عبس: 34] الآية. وقوله تعالى بعد هذه الآية {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } لأنهم إذا سمعوا زفير النار يندون هاربين، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه. المسألة الثانية: انتصب قوله {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } لوجهين أحدهما: الظرف للخوف، كأنه خاف عليهم في ذلك اليوم، لما يلحقهم من العذاب، إن لم يؤمنوا والآخر أن يكون التقدير إني أخاف عليكم ـ عذاب ـ يوم التناد وإذا كان كذلك كان انتصاب يوم انتصاب المفعول به، لا انتصاب الظرف، لأن إعرابه إعراب المضاف المحذوف، ثم قال: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } وهو بدل من قوله {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } عن قتادة: منصرفين عن موقف يوم الحساب إلى النار، وعن مجاهد: فارين عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: {مَا لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} هذا من قول مؤمن آل فرعون، وفي قوله: «يَا قَوْمِ» دليل على أنه قبطي، ولذلك أضافهم إلى نفسه فقال: «يَا قَوْمِ» ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه «لَكُمُ الْمُلْكُ» فاشكروا الله على ذلك. {ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي غالبين وهو نصب على الحال أي في حال ظهوركم. والمراد بالأرض أرض مصر في قول السدي وغيره؛ كقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يوسف: 56] أي في أرض مصر. {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} أي من عذاب الله تحذيراً لهم من نقمه إن كان موسى صادقاً، فذكر وحذر فعلم فرعون ظهور حجته فقال: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ}. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما أشير عليكم إلا ما أرى لنفسي {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} في تكذيب موسى والإيمان بي. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ} زادهم في الوعظ {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } يعني أيام العذاب التي عذب فيها المتحزبون على الأنبياء المذكورين فيما بعد. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } زاد في الوعظ والتخويف وأفصح عن إيمانه، إما مستسلماً موطناً نفسه على القتل، أو واثقاً بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ}. وقراءة العامة «التناد» بتخفيف الدال وهو يوم القيامة؛ قال أمية بن أبي الصَّلت:شعر : وبَثَّ الخلْق فيها إِذْ دَحاها فَهُمْ سُكَّانُها حتّى التَّنَاد تفسير : سمي بذلك لمناداة الناس بعضهم بعضاً؛ فينادي أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: {أية : أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً} تفسير : [الأعراف: 44] وينادي أصحاب النار (أصحاب الجنة): {أية : أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ} تفسير : [الأعراف: 50] وينادي المنادي أيضاً بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً. وهذا عند وزن الأعمال. وتنادي الملائكة أصحاب الجنة {أية : أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف: 43] وينادي حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت. وينادي كل قوم بإمامهم إلى غير ذلك من النداء. وقرأ الحسن وابن السميقع ويعقوب وابن كثير ومجاهد: «يوم التَّنَاد» بإثبات الياء في الوصل والوقف على الأصل. وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة «يوم التَّنَادِّ» بتشديد الدال. قال بعض أهل العربية: هذا لحن؛ لأنه من نَدَّ يَنِدّ إذا مَرَّ على وجهه هارباً؛ كما قال الشاعر:شعر : وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارتْ مَخَافتِي نَواديهَا أسْعى بِعَضْبٍ مُجَرَّدِ تفسير : قال: فلا معنى لهذا في القيامة. قال أبو جعفر النحاس: وهذا غلط والقراءة بها حسنة على معنى يوم التنافر. قال الضحاك: ذلك إذا سمعوا زفير جهنم ندّوا هرباً، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفاً من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه؛ فذلك قوله: {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ}. وقوله: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الرحمن: 33] الآية. وقوله: {أية : وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} تفسير : [الحاقة: 17] ذكره ابن المبارك بمعناه. قال: وأخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدّثنا عبد الجبار بن عبيد الله بن سلمان في قوله (تعالى): {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} ثم تستجيب لهم أعينهم بالدمع فيبكون حتى ينفد الدمع، ثم تستجيب لهم أعينهم بالدم فيبكون حتى ينفد الدم، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح. قال: يرسل عليهم من الله أمر فيولون مدبرين، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح، فيبكون حتى ينفد القيح فتغور أعينهم كالخرق في الطين. وقيل: إن هذا يكون عند نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور نفخة الفزع. ذكره علي بن معبد والطبري وغيرهما من حديث أبي هريرة، وفيه: «حديث : فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتتطاير الشياطين هاربة فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً وهي التي يقول الله تعالى: {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } تفسير : الحديث بكماله. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هناك. وروي عن عليّ بن نصر عن أبي عمرو إسكان الدال من «التَّنَاد» في الوصل خاصة. وروى أبو معمر عن عبد الوارث زيادة الياء في الوصل خاصة وهو مذهب ورش. والمشهور عن أبي عمرو حذفها في الحالين. وكذلك قرأ سائر السبعة سوى ورش على ما ذكرنا عنه وسوى ابن كثير على ما تقدّم. وقيل: سمّي يوم القيامة يوم التناد؛ لأن الكافر ينادي فيه بالويل والثبور والحسرة. قاله ابن جريج. وقيل: فيه إضمار أي إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد؛ فالله أعلم. {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} على البدل من «يَوْمِ التَّنَاد» {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي من خلق الله في قلبه الضلال فلا هادي له. وفي قائله قولان: أحدهما موسى. الثاني مؤمن آل فرعون وهو الأظهر. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَٰهِرِينَ } غالبين حال {فِى ٱلأَرْضِ } أرض مصر {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ } عذابه إن قتلتم أولياءه {إِن جَاءنَا } أي لا ناصر لنا {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَىٰ } أي ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي وهو قتل موسى {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } طريق الصواب.

ابن عطية

تفسير : قول هذا المؤمن: {يا قوم لكم الملك اليوم} استنزال لهم ووعظ لهم من جهة شهواتهم وتحذير من زوال ترفتهم ونصيحة لهم في أمر دنياهم. وقوله: {في الأرض} يريد في أرض مصر وما والاها من مملكتهم. ثم قررهم على من هو الناصر لهم من بأس الله، وهذه الأقوال تقتضي زوال هيبة فرعون، ولذلك استكان هو ورجع يقول: {ما أريكم إلا ما أرى} كما تقول لمن لا تحكم له. وقوله: {أريكم} من رأى قد عدي بالهمزة، فللفعل مفعولان أحدهما الضمير في {أريكم} والآخر ما في قوله: {إلا ما} وكأن الكلام أراكم ما أرى، ثم أدخل في صدر الكلام {ما} النافية وقلب معناها بـ {إلا} الموجبة تخصيصاً وتأكيداً للأمر، وهذا كما تقول: قام زيد، فإذا قلت: ما قام إلا زيد أفدت تخصيصه وتأكيد أمره. و {أرى} متعدية إلى مفعول واحد وهو الضمير الذي فيه العائد على {ما}، تقديره: إلا ما أراه، وحذف هذا المفعول من الصفة حسن لطول الصلة. وقرأ الجمهور: {الرشاد} مصدر رشد، وفي قراءة معاذ بن جبل: "سبيل الرشّاد" بشد الشين، قال أبو الفتح: وهو اسم فاعل في بنيته مبالغة وهو من الفعل الثلاثي رشد فهو كعباد من عبد. وقال النحاس: هو لحن وتوهمه من الفعل الرباعي وقوله مردود. قال أبو حاتم: كان معاذ بن جبل يفسرها سبيل الله. ويبعد عندي هذا على معاذ رضي الله عنه، وهل كان فرعون إلا يدعي أنه إله، ويقلق بناء اللفظة على هذا التأويل. واختلف الناس من المراد بقوله: {وقال الذي آمن} فقال جمهور المفسرين: هو المؤمن المذكور أولاً، قص الله تعالى أقاويله إلى آخر الآيات. وقالت فرقة: بل كلام ذلك المؤمن قديم، وإنما أراد تعالى بـ {الذي آمن} موسى عليه السلام، واحتجت هذه الفرقة بقوة كلامه، وأنه جلح معه بالإيمان وذكر عذاب الآخرة وغير ذلك، ولم يكن كلام الأول إلا بملاينة لهم. وقوله: {مثل يوم الأحزاب} مثل يوم من أيامهم، لأن عذابهم لم يكن في واحد ولا عصر واحد. و {الأحزاب}: المتحزبون على أنبياء الله تعالى، و {مثل} الثاني بدل من الأول. والدأب. العادة. وقوله: {وما الله يريد ظلماً للعباد} أي من نفسه أن يظلمهم هو عز وجل، فالإرادة هنا على بابها، لأن الظلم منه لا يقع البتة، وليس معنى الآية أن الله لا يريد ظلم بعض العباد لبعض، والبرهان وقوعه، ومحال أن يقع ما لا يريده الله تعالى. وقوله: {يوم التنادي} معناه ينادي قوم قوماً ويناديهم الآخرون. واختلف المتأولون في {التنادي} المشار إليه، فقال قتادة: هو نداء أهل الجنة أهل النار {أية : فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً} تفسير : [الأعراف: 44]، ونداء أهل النار لهم: {أية : أفيضوا علينا من الماء} تفسير : [الأعراف: 50]. وقالت فرقة: بل هو النداء الذي يتضمنه قوله تعالى: {أية : يوم ندعو كل أناس بإمامهم} تفسير : [الإسراء: 71]. وقال ابن عباس وغيره: هو التنادي الذي يكون بالناس عند النفخ في الصور نفخة الفزع في الدنيا وأنهم يفرون على وجوههم للفزع الذي نالهم وينادي بعضهم بعضاً، وروي هذا التأويل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المراد التذكير بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار والعصاة، ولها أجوبة بنداء وهي كثيرة منها ما ذكرناه، ومنها "يا أهل النار خلود لا موت"، ومنها "يا أهل الجنة خلود لا موت"، ومنها نداء أهل الغدرات والنداء {أية : لمقت الله} تفسير : [غافر: 10]، والنداء {أية : لمن الملك اليوم} تفسير : [غافر: 16] إلى غير ذلك. وقرأت فرقة: "التنادْ" بسكون الدال في الوصل، وهذا على إجرائهم الوصل مجرى الوقف في غير ما موضع، وقرأ نافع وابن كثير: "التنادي" بالياء في الوصل والوقف وهذا على الأصل. وقرأ الباقون "التناد" بغير ياء فيهما، وروي ذلك عن نافع وابن كثير، وحذفت الياء مع الألف واللام حملاً على حذفها مع معاقبها وهو التنوين. وقال سيبويه: حذفت الياء تخفيفاً. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو صالح والكلبي: "التنادّ" بشد الدال، وهذا معنى آخر ليس من النداء، بل هو من ند البعير إذا هرب، وبهذا المعنى فسر ابن عباس والسدي هذه الآية، وروت هذه الفرقة في هذا المعنى حديثاً أن الله تعالى إذا طوى السماوات نزلت ملائكة كل سماء فكانت صفاً بعد صف مستديرة بالأرض التي عليها الناس للحساب، فإذا رأى العالم هو القيامة وأخرجت جهنم عنقها إلى أصحابها فر الكفار وندوا مدبرين إلى كل جهة فتردهم الملائكة إلى المحشر خاسئين لا عاصم لهم، قالت هذه الفرقة، ومصداق هذا الحديث في كتاب الله تعالى قوله: {أية : والملك على أرجائها} تفسير : [الحاقة: 17] وقوله تعالى: {أية : وجاء ربك والملك صفاً صفاً} تفسير : [الفجر: 22] وقوله تعالى: {أية : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان} تفسير : [الرحمن: 33]. وقوله تعالى: {يوم تولون مدبرين} معناه: على بعض الأقاويل في التنادي تفرون هروباً من المفزع وعلى بعضها تفرون مدبرين إلى النار. والعاصم: المنجي.

ابن عبد السلام

تفسير : {ظَاهِرِينَ} غالبين في أرض مصر قاهرين لأهلها يذكرهم المؤمن بنعم الله عليهم {بَأْسِ اللَّهِ} عذابه قال ذلك تحذيراً منه وتخويفاً فعلم فرعون ظهور حجته فقال {مَآ أُرِيكُمْ} ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي و {سَبِيلَ الرَّشَادِ} عنده التكذيب بموسى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏مثل دأب‏} ‏ مثل حال‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏مثل دأب قوم نوح‏} ‏ قال‏:‏ هم الأحزاب ‏ {‏قوم نوح وعادٍ وثمود‏}‏ ‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ} غالبـينَ عالينَ عَلى بني إسرائيلَ {فِى ٱلأَرْضِ} أي أرضِ مصرَ لا يُقاومكُم أحدٌ في هذا الوقتِ {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ} من أخذِه وعذابِه. {إِن جَاءنَا} أي فَلاَ تُفسدُوا أمرَكُم ولا تتعرضُوا لبأسِ الله بقتلِه فإنَّه إنْ جاءَنا لم يمنعنا منه أحدٌ وإنَّما نسبَ ما يسرُّهم من المُلكِ والظهورِ في الأرضِ إليهم خَاصَّة ونظمَ نفسَهُ في سلكِهم فيما يسوؤُهم من مجىء بأسِ الله تعالى تطيـيباً لقلوبِهم وإيذاناً بأنَّه ناصحٌ لهم ساعٍ في تحصيلِ ما يُجديهم ودفعِ ما يُرديهم سعيَهُ في حقِّ نفسِه ليُتأثرَ بنصحِه. {قَالَ فِرْعَوْنُ} بعد ما سَمِع نُصحَهُ {مَا أُرِيكُمْ} أيْ ما أُشيرُ عليكُم {إِلاَّ مَا أَرَىٰ} وأستصوبُهُ مِنْ قتلِه {وَمَا أَهْدِيكُمْ} بهذَا الرَّأي {إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} أي الصوابِ، أو لا أُعلِّمُكم إلاَّ ما أعلمُ ولا أُسرُّ عنكُم خلافَ ما أُظهرُهُ، ولقدْ كذبَ حيثُ كانَ مستشعراً للخوفِ الشديدِ ولكنَّه كان يتجلدُ ولولاهُ لما استشارَ أحداً أبداً. وقُرِىءَ بتشديدِ الشِّينِ للمبالغةِ من رشُد كعلاّم أو من رشَد كعبّاد لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصورٌ على السماع أو للنسبة إلى الرُّشْد كعوّاج وبتَّات غيرَ منظور فيه إلى فَعْل. {وَقَالَ ٱلَّذِى ءامَنَ} مخاطباً لقومِه: {يَـٰقََوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ} في تكذيبِه والتعرضِ بالسوءِ {مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} مثلَ أيامِ الأممِ الماضيةِ يعني وقائِعَهُم، وجمعُ الأحزابِ مع التفسيرِ أغنى عَن جمعِ اليومِ {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} أيْ مثلَ جزاءِ ما كانوا عليهِ من الكفرِ وإيذاءِ الرُّسلِ. {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} كقومِ لوطٍ {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ} فَلا يُعاقبُهم بغيرِ ذنبٍ ولا يُخلّي الظالَم منُهم بغيرِ انتقامِ وهُو أبلغُ من قولِه تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [سورة فصلت: الآية 46] لما أنَّ المنفيّ فيهِ إرادةُ ظلمٍ مَا فينتِفي الظلمُ بطريقِ الأولويةِ {وَيٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ} خوَّفهم بالعذابِ الأُخروي بعدَ تخويفِهم بالعذابِ الدنيويِّ ويومُ التنادِ يومُ القيامةِ لأنَّه يُنادِي فيهِ بعضُهم للاستغاثةِ أو يتصايحونَ بالويلِ والثبورِ أو يتنادَى أصحابُ الجنةِ وأصحابُ النارِ حسبَما حُكِيَ في سورةِ الأعرافِ. وقُرِىءَ بتشديدِ الدَّالِ وهُو أنْ ينِدَّ بعضُهم من بعضٍ كقولِه تعالى: { أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ} تفسير : [سورة عبس: الآية 34] وعنِ الضحَّاكِ إذا سمعُوا زفيرَ النارِ ندُّوا هَرَباً فلا يأتونَ قُطراً من الأقطارِ إلاَّ وجدُوا ملائكةً صفوفاً فبـينَا هُم يموجُ بعضهم في بعضِ إذْ سمعُوا مُنادياً أقِبلوا إلى الحسابِ {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} بدلٌ من يومَ التنادِ أي منصرفينَ عن الموقفِ إلى النارِ أو فارينَ منها حسبَما نُقلَ آنِفاً {مَا لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} يعصمُكم من عذابِه. والجملةُ حالٌ أُخْرَى من ضميرِ تُولُّون. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديِه إلى طريقِ النجاةِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا قوم} اى كروه من {لكم الملك} والسلطنة {اليوم} حال كونكم {ظاهرين} غالبين عالين على بنى اسرائيل والعامل فى الحال وفى قوله اليوم ما تعلق به لكم {فى الارض} اى ارض مصر لا يقاومكم احد فى هذا الوقت {فمن} بس كيست كه {ينصرنا من بأس الله} من اخذه وعذابه {ان جاءنا} اى فلا تفسدوا امركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله فانه ان جاءنا لم يمنعنا منه احد وانما نسب ما يسرهم من الملك والظهور فى الارض اليهم خاصة نظم نفسه فى سلكهم فيما يسوءهم من مجيىء بأس الله تطبيقا لقلوبهم وايذانا بأنه مناصح لهم ساع فى تحصيل ما يجديهم ودفع ما يرديهم سعيه فى حق نفسه ليتأثروا بنصحه {قال فرعون} بعدما سمع نصحه اضرابا عن المجادلة وبالفارسية كفت فرعون مرآن مومن راكه ازقتل موسى نهى كرد وجمعى ديكرراكه نزدوى حاضر بودند {ما اريكم} اى ما اشير عليكم {الا ما ارى} واستصبو به من قتله قطعا لمادة الفتنة {وما اهديكم} بهذا الرأى {الا سبيل الرشاد} اى الصواب فهو من الرأى يقال رأى فيه رأيا اعتقد فيه اعتقادا ورآءيته شاورته ولما يقل رأى من الرأى الى باب افعل عدى الى الضمير المنصوب ثم اسثنى استثناء مفرغا فقيل الا ما ارى ويجوز ان يكون من الرؤية بمعنى العلم يقال رآه بعينه اى ابصره ورآه بقلبه اى علمه فيتعدى الى مفعولين ثانيهما الا ما ارى والمعنى لا اعلمكم الا ما اعلم ولا اسر عنكم خلاف ما اظهره ولقد كذب حيث كان مستشعرا للخوف الشديد ولكنه كان يظهر الجلادة وعدم المبالاة ولولاه لما استشار احدا ابدا (وفى المثنوى) ان استشارة كانت من عادته حتى أنه كان يلين قلبه فى بعض الاوقات من تأثير كلام موسى عليه السلام فيميل الى الايمان ويستشير امرأته آسية فتشير عليه بالايمان ومتابعة موسى ويستشير وزيره هامان فيصده عن ذلك (وفى المثنوى) شعر : بس بكفتى تاكنون بودى خديو بند كردى زنده بوشى را بريو همجوسنك منجنيقى آمدى آن سخن برشيشه خانه اوزدى هرجه صدروز آن كليم خوش خصاب ساختى دريكدم او كردى خراب عقل تودستور مغلوب هواست درو جودت رهزن راه خداست واى آن شه كه وزير شن اين بود جاى هردو دوزخ بركين بود مرهوا راتووزير خود مساز كه برارد جان باكت ازنمار شاد آن شاهى كه اورادستكير باسداندركارجون آصف وزير شاه عادل جون قرين اوشود نام او نور على نور بود شاه جون فرعون وهامانش وزير هردورا نبود زبد بختى كزير بس بود ظلمات بعضا فوق بعض نىخرد يارونى دولت روز عرض تفسير : نسأل الله زكاء الروح وصفاء القلب

الجنابذي

تفسير : {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ} غالبين {فِي ٱلأَرْضِ} ارض مصر وشكر هذه النّعمة ان تجيبوا رسول الله الّذى آتاكم هذا الملك لا انكار رسوله {فَمَن يَنصُرُنَا} ادخل نفسه فيهم ليظنّوا انّه منهم {مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} فلا تتعرّضوا لبأس الله بانكار رسوله وايذائه وقد اجاد فى الجدال حيث انكر قتله عليهم واسند انكاره بما لا يمكن ردّه والشّغب معه فانّه قال اوّلاً: انّه يقول: ربّى الله فان لم تعترفوا ولم تذعنوا بالله فليكن ذلك محتملاً لكم ودفع الضّرر المحتمل واجبٌ عقلاً فترك التّعرّض واجبٌ عقلاً، وقال ثانياً: انّه جاء بالبيّنات على صدق دعواه فكيف تجترؤن عليه وتقتلونه؟! وثالثاً انّه غير خارج من الكذب او الصّدق وكذبه لا يضرّكم وصدقه يضرّكم لا محالة، والضّرر المحتمل واجب التّحرّز، وقال رابعاً: انّه ان كان كاذباً لا يهتدى الى مراده وان كنتم انتم كاذبين لم تهتدوا الى قتله فلا تتعرّضوا لقتله لكنّه لمّا اثبت صدقه كان كأنّه قال: انتم كاذبون ولا تهتدون الى قتله {قَالَ فِرْعَوْنُ} تلييناً لقومه {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} وأعتقد {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} الّذين تحزّبوا على رسلهم ولم يقل مثل ايّام الاحزاب لارادة الجنس من اليوم وتفسيره بايّام نوحٍ (ع) وعادٍ وثمود.

اطفيش

تفسير : {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} أراد مطلق الزمان قبل مجيء بأس الله* {ظَاهِرِينَ} حال من الكاف الى (غالبين)* {فِى الأَرْضِ} أرض مصر علوا فيها على بني اسرائيل وغيرهم وقهروا الناس وكأنه قال فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله فانه لا يطاق ولا مانع منه وانما أدخل المؤمن نفسه فيهم بقوله* {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللهِ} من عذابه ان قتلتم من لا يحل قتله من أولياء الله* {إِن جَآءَنَا} لانه منهم في القرابة أو في المكان والمحضر وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به له فيه معهم سهم وفي التحقيق ما قال لهم ذلك بادخال نفسه معهم الا استجلاباً لقبول النصيحة والا فهم يجزون دونه، نعم عذاب الدنيا ربما أصاب المؤمن وتلك الأقوال الصادرة منه تقضي زوال هيبة فرعون ويدل لذلك اسكاته فرعون حتى كأنه اعتذر كما قال عز وجل* {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى} ما أشير عليكم الا بما أشير به لنفسي من الرأي والنصيحة وهو قتل موسى لا استصوب الا قتله* {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} وما أهديكم بهذا الرأي الا سبيل الصواب أو ما أعلمكم الا ما أعلم من الصواب ولا أدخر منه شيئاً ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر يعنى أن قلبه فيه ما في لسانه وهو كاذب بل خائف لكنه يتجلد ولولا خوفه لأنفذ أمره وقرئ بتشديد الشين من رشد المكسورة اللام فهو (رِشِّيد) أي صالح كذا قيل. قلت انما تبنى صيغة المبالغة من فاعل لا فعيل فعله من راشد من المكسور أو هم من رشد المفتوح المتعدي وعن بعض أنه من أرشد ويرده أن صفة المبالغة تبنى من الثلاثى لا غير الا ما شذ كادراك من أدرك وسار بناء على جواز تشديد الهمزة من أسار أي سور أي بقية وقصار من قصر بالتشديد أي نظف الثوب وجبار من أجبر بل قيل من درك وسار وقصر بالتخفيف وجبر فلا شذوذ والتشديد فى الاية للسبب كتمّار ولبّان أي صاحب تمر وصاحب لبن

اطفيش

تفسير : {يا قوْم} يا هؤلاء وسماهم بالقوم، لأنه فيهم ومنهم فى الدين بحسب ظاهره، ولم يكونوا قومه فى النسب، ولا سيما ان كان منهم فى النسب {لَكُم المُلْك اليوم ظاهرين} عالين على بنى اسرائيل {في الأرض} أرض مصر {فَمَن ينصرنا من بأس الله إنْ جاءنا} لا تتعرضوا لقتله فتهلكوا، ويزول ملككم ببأس من الله عز وجل، والاستفهام انكار، والفاء عاطفة للانشاءة على الأخبار قبله، ولا حاجة الى تقدير ألكم الدوام والسلامة،ونسب الملك والظهور اليهم، وأدخل نفسه معهم فى البأس المتوقع تليينا لهم وتلويحا بانه مناصح لهم، مريد لهم ما يريد لنفسه جهده، لعلهم يعملون بنصحه. {قالَ فرْعَون} بعد سماعه كلام هذا الناصح {ما أريكُم} ما أظهر لكم وأدعوكم اليه {إلاَّ مَا أرى} من قتله، وقتله هو الصواب لا ما قاله الرجل أو الا ما أرى من عبادتى وعبادة الأصنام {وما أهْدِيكُم} بهذا الرأى {إلا سَبِيل الرَّشاد} الصلاح، لم أخف عنكم منه شيئا وهو كاذب، بل خاف الانتقام، لأن له قدرة،وقد اعتاد القتل فيما دون ابطال دينه، وازالة ملكه، وقد صدق المنجمين والكهنة فى قولهم بذلك، ولم يكذبهم، فما هذا القول الا تشجع وازالة للقول عنه أنه عاجز.

الالوسي

تفسير : {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ } غالبين عالين على بني إسرائيل {فِى ٱلأَرْضِ } أي في أرض مصر لا يقاومكم أحد في هذا الوقت {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ } من أخذه وعذابه سبحانه {إِنْ جَاءَنَا } أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله تعالى بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد، فالفاء في ـ فمن ـ الخ فصيحة والاستفهام إنكاري، وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض إليهم خاصة ونظم نفسه في سلكهم فيما يسؤهم من مجيء بأس الله تعالى تطييباً لقلوبهم وإيذاناً بأنه مناصح لهم ساع في تحصيل ما يجديهم ودفع ما يرديهم سعيه في حق نفسه ليتأثروا بنصحه. {قَالَ فِرْعَوْنُ } بعدما سمع ذلك {مَا أُرِيكُمْ } أي ما أشير عليكم {إِلاَّ مَا أَرَىٰ } إلا الذي أراه واستصوبه من قتله يعني لا أستصوب إلا قتله وهذا الذي تقولونه غير صواب {وَمَا أَهْدِيكُمْ } بهذا الرأي {إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } طريق الصواب والصلاح أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب ولا أدخر منه شيئاً ولا أسر عنكم خلاف ما أظهر يعني أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب عدو الله فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى عليه السلام لكنه كان يتجلد ولولا استشعاره لم يستشر أحداً. وعن معاذ بن جبل والحسن أنهما قرءا {الرشاد } بشد الشين على أنه فَعَّال للمبالغة من رشِد بالكسر كعلام من علِم أو من رشَد بالفتح كعباد من عَبَدَ. وقيل: هو من أرشد المزيد كجبار من أجبر، وتعقب بأن فعالاً لم يجىء من المزيد إلا في عدة أحرف نحو جبار ودراك وقصار وسآر ولا يحسن القياس على القليل مع أنه ثبت - في بعضه كجبار - سماع الثلاثي فلا يتعين كونه من المزيد فقد جاء جبره على كذا كأجبره وقصار كجبار عند بعض لا يتعين كونه من أقصر لمجيء قصر عن الشيء كأقصر عنه، وحكي عن الجوهري أن الإقصار كف مع قدرة والقصر كف مع عجز فلا يتم هذا عليه، وأما دراك وسآر فقد خرجا على حذف الزيادة تقديراً لا استعمالاً كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل وأورس الرمث فهو وارس، قال ابن جني: وعلى هذا خرج الرشاد فيكون من رشد بمعنى أرشد تقديراً لا استعمالاً فإن المعنى على ذلك، ثم قال: فإن قيل إذا كان المعنى على أرشد فكيف أجزت أن يكون من رشد المكسور أو من / رشد المفتوح؟ قيل: المعنى راجع إلى أنه مرشد لأنه إذا رشد أرشد لأن الإرشاد من الرشد فهو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن المسبب انتهى، وقيل: أجيز ذلك لأن المبالغة في الرشد تكون بالإرشاد كما قرروا في قيوم وطهور. وقال بعض المحققين: إن رشد بمعنى اهتدى فالمعنى ما أهديكم إلا سبيل من اهتدى وعظم رشده فلا حاجة إلى ما سمعت، وإنما يحتاج إليه لو وجب كون المعنى ما أهديكم إلا سبيل من كثر إرشاده ومن أين وجب ذلك؟ وجوز كون فعال في هذه القراءة للنسبة كما قالوا: عواج لبياع العاج وبتات لبياع البت وهو كساء غليظ، وقيل: طيلسان من خز أو صوف. وأنكر بعضهم كون القراءة على صيغة فعال في كلام فرعون وإنما هي في قول الذي آمن{أية : يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ}تفسير : [غافر: 38]، فإن معاذ بن جبل كان كما قال أبو الفضل الرازي وأبو حاتم يفسر {سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } على قراءته بسبيل الله تعالى وهو لا يتسنى في كلام فرعون كما لا يخفى، وستعلم إن شاء الله تعالى أن معاذاً قرأ كذلك في قول المؤمن فلعل التفسير بسبيل الله عز وجل كان فيه دون كلام فرعون والله تعالى أعلم.

ابن عاشور

تفسير : {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلأرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} لما توسم نهوضَ حجتِه بينهم وأنها داخلت نفوسهم، أَمِن بأسهم، وانتهز فرصة انكسار قلوبهم، فصارحهم بمقصوده من الإِيمان بموسى على سَنَن الخطباء وأهل الجدل بعد تقرير المقدمات والحجج أن يهجموا على الغرض المقصود، فوعظهم بهذه الموعظة. وأدخل قومه في الخطاب فناداهم ليستهويهم إلى تعضيده أمام فرعون فلا يجدَ فرعون بُدّاً من الانصياع إلى اتفاقهم وتظاهرهم، وأيضاً فإن تشريك قومه في الموعظة أدخل في باب النصيحة فابتدأ بنصح فرعون لأنه الذي بيده الأمر والنهي، وثنّى بنصيحة الحاضرين من قومه تحذيراً لهم من مصائبَ تصيبهم من جراء امتثالهم أمر فرعون بقتل موسى فإن ذلك يهمهم كما يهمّ فرعون. وهذا الترتيب في إسداء النصيحة نظير الترتيب في قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ولأئمَّةِ المسلمين وعامتهم»تفسير : . ولا يخفى ما في ندائهم بعنوان أنهم قومه من الاستصغاء لنصحه وترقيق قلوبهم لقوله. وابتداء الموعظة بقوله: {لَكُمُ المُلكُ اليَوْمَ ظٰهِرينَ في الأرْضِ} تذكيرٌ بنعمة الله عليهم، وتمهيد لتخويفهم من غضب الله، يعني: لا تغرنكم عظمتكم وملككم فإنهما معرضان للزوال إن غضب الله عليكم. والمقصود: تخويف فرعون من زوال ملكه، ولكنه جعل المُلك لقومه لتجنب مواجهة فرعون بفرض زوال ملكه. والأرض: أرض مصر، أي نافذاً حكمكم في هذا الصقع. وفرع على هذا التمهيد: {فَمَن يَنصُرُنا مِن بأس الله إن جاءَنا}، و (مَنْ) للاستفهام الإِنكاري عن كل ناصر، فالمعنى: فلا نصر لنا من بأس الله. وأدمج نفسه مع قومه في {ينصرنا} و {جاءنا}، ليريهم أنه يأبى لقومه ما يأباه لنفسه وأن المصيبة إن حلت لا تصيب بعضهم دون بعض. ومعنى {ظاهرين} غالبين، وتقدم آنفاً، أي إن كنتم قادرين على قتل موسى فالله قادر على هلاككم. والبَأْس: القوة على العدوّ والمعاند، فهو القوة على الضر. {جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ} تفطن فرعون إلى أنه المعرَّض به في خطاب الرجل المؤمن قومَه فقاطعه كلامَه وبيَّن سبب عزمه على قتل موسى عليه السلام بأنه ما عرض عليهم ذلك إلا لأنه لا يرى نفعاً إلا في قتل موسى ولا يستصوب غير ذلك ويرى ذلك هو سبيل الرشاد، وكأنه أراد لا يترك لنصيحة مؤمنهم مدخلاً إلى نفوس مَلَئِه خيفة أن يتأثرُوا بنصحه فلا يساعدوا فرعون على قتل موسى. ولكون كلام فرعون صدر مصدر المقاطعة لكلام المؤمن جاء فعل قوللِ فرعون مَفْصُولاً غيرَ معطوف وهي طريقة حكاية المقاولات والمحاورة. ومعنى: {مَا أُرِيكُم}: ما أجعلكم رَائِين إلا ما أراه لنفسي، أي ما أشير عليكم بأن تعتقدوا إلا ما أعتقده، فالرؤية علمية، أي لا أشير إلا بما هو معتقَدي. والسبيل: مستعار للعمل، وإضافته إلى الرشاد قرينة، أي ما أهديكم وأشير عليكم إلا بعمل فيه رشاد. وكأنه يعرِّض بأن كلام مؤمنهم سفاهة رأي. والمعنى الحاصل من الجملة الثانية غير المعنى الحاصل من الجملة الأولى كما هو بَيّن وكما هو مقتضى العطف.

الشنقيطي

تفسير : قال تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ}. الظاهر أن أرى في هذه الآية الكريمة علمية، عرفانية، تتعدى لمفعول واحدن كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : لعلم عرفان وظَنِّ تهمهْ تعديةُ لواحد ملتزمه تفسير : وعليه فالمعنى: قال فرعون ما أعلمكم وأعرفكم، من حقيقة موسى وأنه ينبغي أن يقتل، خوف أن يبدل دينكم، ويظهر الفساد في أرضكم، إلا ما أرى أي أعلم وأعرف أنه الحق والصواب فما أخفى عنكم خلاف ما أظهره لكم، وما أهديكم بهذا إلا سبيل الرشاد، أي طريق السداد والصواب. وهذان الأمران اللذان ذكر تعالى عن فرعون أنه قالهما في هذه الآية الكريمة، قد بين في آيات أخر أن فرعون كاذب في كل واحد منهما. أما الأول منهما وهو قوله: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} فقد بين تعالى كذبه فيه في آيات من كتابه وأوضح فيها أنه يعلم ويتيقن أن الآيات التي جاءه بها موسى حق، وأنها ما أنزلها إلا الله، وأنه جحدها هو ومن استيقنها معه من قومه ليستخفوا بها عقول الجهلة منهم كقوله تعالى في سورة النمل {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [النمل: 12ـ14]. فقوله تعالى: في هذه الآية {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} دليل واضح على أن فرعون كاذب في قوله: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ}. وكقوله تعالى في سورة بني إسرائيل: {أية : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} تفسير : [الإسراء: 102] فقول نبي الله موسى لفرعون {لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْض} مؤكداً إخباره بأن فرعون عالم بذلك بالقسم، وقد دل أيضاً على أنه كاذب في قوله: ما أريكم إلا ما أرى. وكان غرض فرعون بهذا الكذب، التدليس والتمويه ليظن جهلة قومه، أن معه الحق، كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: {أية : فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} تفسير : [الزخرف: 54]. وأما الأمر الثاني وهو قوله: {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} فقد بين تعالى كذبه فيه في آيات من كتابه كقوله تعالى: {أية : فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} تفسير : [هود: 97]. وقوله تعالى: {أية : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} تفسير : [طه: 79]. وقال بعض العلماء في قوله: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} أي ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي، من قتل موسى. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَومِ} {ظَاهِرِينَ} (29) - وَتَابَعَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وَعْظَهُ لِفِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ لِيُثبِّطَهُمْ وَيَصْرِفَهُمْ عَنْ قَتْلِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُمْ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْكُمْ بِهَذَا المُلْكِ، وَبِالظُّهُورِ فِي الأَرْضِ بِالكَلِمَةِ النَّافِذَةِ، وَالجَاهِ العَرِيضِ، فَرَاعُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَلاَ تُفْسِدُوا أَمْرَكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلاَ تُعَرِّضُوا أَنْفُسَكُمْ لِبَأْسِ اللهِ وَعَذَابِهِ بِقَتْلِهِ، فَإِنَّهُ لاَ قِبَلَ لَكُمْ بِذَلِكَ، وَإِذَا جَاءَكُمْ بَأْسُ اللهِ لَمْ يَمْنَعْكُمْ مِنْهُ أَحَدٌ. وَلَمَّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ قَوْلَ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: إِنَّهُ لاَ يَقُولُ لَهُمْ، وَلاَ يُشُيرُ عَلَيْهِم إِلاَّ بِمَا يَرَاهُ لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَدْعُوهُمْ إِلاَّ إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ والصِّدْقِ والرُّشْدِ. (أَيْ إِنَّهُ لاَ يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِرَأيٍ سِوى قَتْلِ مُوسَى حَسْماً لِلْفِتْنَةِ، وَإِنَّهُ يَرى هَذَا هُوَ سَبِيلَ الرَّشَادِ). ظَاهِرِينَ - عَالِينَ غَالِبِينَ. بَأْسِ اللهِ - عَذَابِهِ وَنِقْمَتِهِ. مَا أُرِيكُمْ - مَا أُشِيرُ عَلَيْكُمْ.

الثعلبي

تفسير : {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ} غالبين مستعلين على بني إسرائيل {فِي ٱلأَرْضِ} أرض مصر {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ} عذاب الله {إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ} من الرأي والنصيحة {إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلاّ ما أعلم نظيره {أية : بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ}تفسير : [النساء: 105]. {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ * وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} مثل ما أصابهم من العذاب {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ * وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ}. قرأه العامة: بتخفيف الدال، بمعنى يوم ينادي المناد بالشقاوة والسعادة، إلاّ أن فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، إلاّ أن فلان بن فلان شقى شقاوة لايسعد بعدها أبداً، وينادي الناس بعضهم بعضاً وينادي أصحاب الأعراف، وأهل الجنّة أهل النار، وأهل النار أهل الجنّة، وينادي حين يذبح الموت: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وينادي كل قوم بأعمالهم. وقرأ الحسن: (التنادي) بتخفيف الدال واثبات الياء على الأصل. وقرأ ابن عبّاس والضحاك: بتشديد الدال، على معنى يوم التنافر، وذلك إذا ندّوا في الأرض كما تند الابل إذا شردت على أربابها. قال الضحاك: وذلك إذا سمعوا زفير النار ندّوا هراباً، فلا يأتون قطراً من الاقطار إلاّ وجدوا ملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ} وقوله تعالى: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ}تفسير : [الرحمن: 33] {أية : وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ}تفسير : [الحاقة: 17]. {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أيّ منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وقال مجاهد: يعني فارّين غير معجزين. {مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} ناصر يمنعكم من عذابه {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ} بن يعقوب(عليه السلام) {مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي من قبل موسى بالبينات. قال وهب: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمّر إلى زمن موسى. وقال الباقون: هو غيره. {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} مشرك {مُّرْتَابٌ} شاك {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً} أي كبر ذلك الجدال مقتاً كقوله: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ}تفسير : [الصف: 3] و {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً}تفسير : [الكهف: 5] {عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ} يختم الله بالكفر {عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}. وقرأ أبو عمرو وابن عامر: (قلب) منّوناً. وقرأ الآخرون: بالإضافة. [واختاره أبو حاتم وأبو عبيد]، وفي قراءة ابن مسعود: (على قلب كل متكبر جبار). {وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً} قصراً. والصرح البناء الظاهر الذي لايخفى على الناظر وإن بُعد، وأصله من التصريح وهو الإظهار. {لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَاب * أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ} أي طرقها وأبوابها {فَأَطَّلِعَ}. قرأه العامة: برفع العين نسقاً على قوله: (أبلغ). وقرأ حميد الأعرج: بنصب العين. ومثله روى حفص عن عاصم على جواب (لعلّي) بالفاء. وأنشد الفراء عن بعض العرب: شعر : على صروف الدهر أو دولاتها يدلننا اللمّة من لماتها فتستريح النفس من زفراتها تفسير : بنصب الحاء على جواب حرف التمني. {إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ} يعني موسى {كَاذِباً} فيما يقول: إن له ربّا غيري أرسله الينا {وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} خسار وضلال. نظيره: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}تفسير : [المسد: 1].

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} [غافر: 29] هذا كلام الرجل المؤمن ينصح قومه. نعم لهم المُلْك أي: مُلْك فرعون وجبروته وسطوته وادعاؤه للألوهية .. إلخ و {ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ} [غافر: 29] يعني: منتصرين وعالين على غيركم، لكن احذروا فهذا حال موقوت لا يدوم لكم فهو مُقيَّد {لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} [غافر: 29] وكأنه يقول لهم: احذروا أنْ يضيع هذا الملْك من أيديكم. فربما كان هذا الرجل - أي موسى عليه السلام - صادقاً فيجمع حوله الأتباع والأنصار، ويقضي على هذا الملك، فاستبقوا إذن ولو الضلال الذي أنتم عليه ولا تدخلوا معه في صدام لا تعلمون عاقبته {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} [غافر: 29] لا أحدَ، لأن بأسَ الله وانتقامه في تأييد رسله بأسٌ لا يُرَدّ ولابدَّ أنْ يدمر المخالف فاحذروا، هكذا يتحدث الرجل المؤمن بمنطق الإيمان الراسخ في نفسه ويصدق قومه لا يغشهم. وهنا لابُدَّ أنْ ينتفضَ فرعون، وأنْ يحاول القبض على زمام الأمور لصالحه: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} [غافر: 29] لاحظ منطق التسلط في {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} [غافر: 29] ومنطق التزييف في {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} [غافر: 29]. لكن هذا من فرعون لم يمنع الرجل المؤمن أنْ يستمر في دعوته ولم يصدَّه أنْ ينصح قومه: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ...}.