٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
ابن كثير
تفسير : هذا إخبار من الله عز وجل عن هذا الرجل الصالح مؤمن آل فرعون: أنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، فقال: {يٰقَوْمِ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} أي: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر؛ كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة؛ كيف حل بهم بأس الله، وما رده عنهم راد، ولا صده عنهم صاد {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} أي: إنما أهلكهم الله تعالى بذنوبهم، وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره، فأنفذ فيهم قدره، ثم قال: { وَيٰقَوْمِ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ} يعني: يوم القيامة، وسمي بذلك، قال بعضهم: لما جاء في حديث الصور: أن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك، ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضاً. وقال آخرون منهم الضحاك: بل ذلك إذا جيء بجنهم ذهب الناس هراباً منهم، فتتلقاهم الملائكة، فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله تعالى: {أية : وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} تفسير : [الحاقة: 17] وقوله: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ} تفسير : [الرحمن: 33] وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه والحسن والضحاك: أنهم قرؤوا: يوم التناد، بتشديد الدال؛ من ند البعير، إذا شرد وذهب. وقيل: لأن الميزان عنده ملك، إذا وزن عمل العبد فرجح، نادى بأعلى صوته: ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف عمله، نادى: ألا قد شقي فلان بن فلان. وقال قتادة: ينادي كل قوم بأعمالهم، ينادي أهل الجنة أهل الجنة، وأهل النار أهل النار، وقيل: سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار: {أية : أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ} تفسير : [الأعراف: 44] ومناداة أهل النار أهل الجنة: {أية : أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 50] ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار؛ كما هو مذكور في سورة الأعراف، واختار البغوي وغيره: أنه سمي بذلك لمجموع ذلك، وهو قول حسن جيد، والله أعلم. وقوله تعالى: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أي: ذاهبين هاربين {أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } تفسير : [القيامة: 11 ــــ 12] ولهذا قال عز وجل: {مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: من أضله الله فلا هادي له غيره. وقوله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} يعني: أهل مصر، وقد بعث الله فيهم رسولاً من قبل موسى عليه الصلاة والسلام، وهو يوسف عليه الصلاة والسلام، كان عزيز أهل مصر، وكان رسولاً يدعو إلى الله تعالى أمته بالقسط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي، ولهذا قال تعالى: {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} أي: يئستم، فقلتم طامعين: {لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} وذلك لكفرهم وتكذيبهم {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} أي: كحالكم هذا يكون حال من يضله الله؛ لإسرافه في أفعاله، وارتياب قلبه، ثم قال عز وجل: {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ} أي: الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون بالحجج بغير دليل وحجة معهم من الله تعالى؛ فإن الله عز وجل يمقت على ذلك أشد المقت، ولهذا قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: والمؤمنون أيضاً يبغضون من تكون هذه صفته؛ فإن من كانت هذه صفته، يطبع الله على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفاً، ولا ينكر منكراً، ولهذا قال تبارك وتعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} أي: على اتباع الحق {جَبَّارٍ} وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة، وحكي عن الشعبي أنهما قالا: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين. وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق، والله تعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ءَامَنَ يٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } أي يوم حزب بعد حزب.
الشوكاني
تفسير : ثمّ كرّر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم، وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم، فقال الله حاكياً عنه: {وَقَالَ ٱلَّذِى ءامَنَ يٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلاْحْزَابِ } أي: مثل يوم عذاب الأمم الماضية الذين تحزبوا على أنبيائهم. وأفرد اليوم؛ لأن جمع الأحزاب قد أغنى عن جمعه، ثم فسر الأحزاب، فقال: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ } أي: مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب، أو مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر، والتكذيب {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } أي: لا يعذبهم بغير ذنب، ونفي الإرادة للظلم يستلزم نفي الظلم بفحوى الخطاب. ثم زاد في الوعظ، والتذكير، فقال: {وَيٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } قرأ الجمهور: {التناد} بتخفيف الدال، وحذف الياء. والأصل التنادي، وهو: التفاعل من النداء، يقال: تنادى القوم، أي: نادى بعضهم بعضاً، وقرأ الحسن، وابن السميفع، ويعقوب، وابن كثير، ومجاهد بإثبات الياء على الأصل، وقرأ ابن عباس، والضحاك، وعكرمة بتشديد الدال. قال بعض أهل اللغة: هو: لحن، لأنه من ندّ يندّ: إذا مرّ على وجهه هارباً. قال النحاس: وهذا غلط، والقراءة حسنة على معنى التنافي. قال الضحاك: في معناه: أنهم إذا سمعوا بزفير جهنم ندّوا هرباً، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفاً من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ }، وعلى قراءة الجمهور المعنى: يوم ينادي بعضهم بعضاً، أو ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، أو ينادى فيه بسعادة السعداء، وشقاوة الأشقياء، أو يوم ينادي فيه كلّ أناس بإمامهم، ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني، وقوله: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } بدل من يوم التناد، أي: منصرفين عن الموقف إلى النار، أو فارّين منها. قال قتادة، ومقاتل: المعنى: إلى النار بعد الحساب، وجملة {مَا لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } في محل نصب على الحال، أي: ما لكم من يعصمكم من عذاب الله، ويمنعكم منه {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يهديه إلى طريق الرشاد. ثم زاد في وعظهم، وتذكيرهم، فقال: {وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي: يوسف بن يعقوب، والمعنى: أن يوسف بن يعقوب جاءهم بالمعجزات، والآيات الواضحات من قبل مجيء موسى إليهم، أي: جاء إلى آبائكم، فجعل المجيء إلى الآباء مجيئاً إلى الأبناء. وقيل: المراد بيوسف هنا: يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وكان أقام فيهم نبياً عشرين سنة. وحكى النقاش، عن الضحاك: أن الله بعث إليهم رسولاً من الجنّ يقال له: يوسف، والأوّل أولى. وقد قيل: إن فرعون موسى أدرك أيام يوسف بن يعقوب لطول عمره {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُـمْ بِهِ } من البينات، ولم تؤمنوا به {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ } يوسف {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً }، فكفروا به في حياته، وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } أي: مثل ذلك الضلال الواضح يضلّ الله من هو مسرف في معاصي الله مستكثر منها مرتاب في دين الله شاكّ في وحدانيته، ووعده، ووعيده. والموصول في قوله: {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } بدل من «من»، والجمع باعتبار معناها، أو بيان لها، أو صفة، أو في محل نصب بإضمار أعني، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، أو مبتدأ، وخبره يطبع، و {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ } متعلق بيجادلون، أي: يجادلون في آيات الله بغير حجة واضحة، و {ءاتَـٰهُمُ } صفة لسلطان {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } يحتمل أن يراد به التعجب، وأن يراد به الذمّ كبئس، وفاعل كبر ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من يجادلون. وقيل: فاعله ضمير يعود إلى من في {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ }، والأوّل أولى. وقوله: {عَندَ ٱللَّهِ } متعلق بكبر، وكذلك {عِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قيل: هذا من كلام الرجل المؤمن. وقيل: ابتداء كلام من الله سبحانه {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } أي: كما طبع على قلوب هؤلاء المجادلين، فكذلك يطبع أي: يختم على كلّ قلب متكبر جبار. قرأ الجمهور بإضافة قلب إلى متكبر، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وأبو عبيد، وفي الكلام حذف، وتقديره: كذلك يطبع الله على كلّ قلب كل متكبر، فحذف كلّ الثانية لدلالة الأولى عليها، والمعنى: أنه سبحانه يطبع على قلوب جميع المتكبرين الجبارين، وقرأ أبو عمرو، وابن محيصن، وابن ذكوان عن أهل الشام بتنوين قلب على أن متكبر صفة له، فيكون القلب مراداً به الجملة، لأن القلب هو: محل التكبر، وسائر الأعضاء تبع له في ذلك، وقرأ ابن مسعود على قلب كلّ متكبر. ثم لما سمع فرعون هذا رجع إلى تكبره، وتجبره معرضاً عن الموعظة نافراً من قبولها، وقال: {يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحاً } أي: قصراً مشيداً كما تقدّم بيان تفسيره {لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلأَسْبَـٰبَ } أي: الطرق. قال قتادة، والزهري، والسدّي، والأخفش: هي: الأبواب. وقوله: {أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } بيان للأسباب، لأن الشيء إذا أبهم، ثم فسر كان أوقع في النفوس، وأنشد الأخفش عند تفسيره للآية بيت زهير:شعر : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم تفسير : وقيل: أسباب السماوات: الأمور التي يستمسك بها {فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ } قرأ الجمهور بالرفع عطفاً على أبلغ، فهو على هذا داخل في حيز الترجي. وقرأ الأعرج، والسلمي، وعيسى بن عمر، وحفص بالنصب على جواب الأمر في قوله: {ٱبْنِ لِى }، أو على جواب الترجي كما قال أبو عبيد، وغيره. قال النحاس: ومعنى النصب خلاف معنى الرفع، لأن معنى النصب: متى بلغت الأسباب اطلعت، ومعنى الرفع: لعلي أبلغ الأسباب، ولعلي أطلع بعد ذلك، وفي هذا دليل على أن فرعون كان بمكان من الجهل عظيم، وبمنزلة من فهم حقائق الأشياء سافلة جدًّا {وَإِنّى لأَظُنُّهُ كَـٰذِباً } أي: وإني لأظنّ موسى كاذباً في ادعائه بأن له إلاهاً، أو فيما يدّعيه من الرسالة {وَكَـذٰلِكَ زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ } أي: ومثل ذلك التزيين زين الشيطان لفرعون سوء عمله من الشرك، والتكذيب فتمادى في الغيّ، واستمرّ على الطغيان {وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } أي: سبيل الرشاد. قرأ الجمهور: {وصد} بفتح الصاد، والدال، أي: صدّ فرعون الناس عن السبيل، وقرأ الكوفيون: {وصد} بضم الصاد مبنياً للمفعول، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، ولعلّ وجه الاختيار لها منهما كونها مطابقة لما أجمعوا عليه في زين من البناء للمفعول، وقرأ يحيـى بن وثاب، وعلقمة: (صد) بكسر الصاد، وقرأ ابن أبي إسحاق، وعبد الرحمٰن بن أبي بكرة بفتح الصاد، وضمّ الدال منوّناً على أنه مصدر معطوف على سوء عمله أي: زين له الشيطان سوء العمل، والصدّ {وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } التباب: الخسار، والهلاك، ومنه {أية : تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 1]، ثم إن ذلك الرجل المؤمن أعاد التذكير، والتحذير كما حكى الله عنه بقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِى ءامَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ } أي: اقتدوا بي في الدين أهدكم طريق الرشاد، وهو: الجنة. وقيل: هذا من قول موسى، والأوّل أولى. وقرأ معاذ بن جبل: (الرشاد) بتشديد الشين كما تقدّم قريباً في قول فرعون، ووقع في المصحف {اتبعون} بدون ياء، وكذلك قرأ أبو عمرو، ونافع بحذفها في الوقف، وإثباتها في الوصل، وقرأ يعقوب، وابن كثير بإثباتها وصلا، ووقفا، وقرأ الباقون بحذفها وصلا، ووقفا، فمن أثبتها فعلى ما هو الأصل، ومن حذفها، فلكونها حذفت في المصحف {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ} يتمتع بها أياماً، ثم تنقطع، وتزول {وَإِنَّ ٱلأَخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ } أي: الاستقرار لكونها دائمة لا تنقطع، ومستمرّة لا تزول {مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا } أي: من عمل في دار الدنيا معصية من المعاصي كائنة ما كانت، فلا يجزى إلا مثلها، ولا يعذب إلا بقدرها، والظاهر شمول الآية لكل ما يطلق عليه اسم السيئة. وقيل: هي خاصة بالشرك، ولا وجه لذلك {وَمَنْ عَمِـلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي: من عمل عملاً صالحاً مع كونه مؤمناً بالله، وبما جاءت به رسله {فَأُوْلَـئِكَ } الذين جمعوا بين العمل الصالح، والإيمان {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: بغير تقدير، ومحاسبة. قال مقاتل: يقول: لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير. وقيل: العمل الصالح، هو: لا إلٰه إلا الله. قرأ الجمهور: {يدخلون} بفتح التحتية مبنياً للفاعل. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم بضمها مبنياً للمفعول. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس {مِثْلَ دَأْبِ } قال: مثل حال. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ } قال: هم الأحزاب: قوم نوح، وعاد، وثمود. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } قال: رؤيا يوسف، وفي قوله: {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } قال: يهود. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ فِى تَبَابٍ } قال: خسران. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الحياة الدنيا متاع، وليس من متاعها شيء أفضل من المرأة الصالحة، التي إذا نظرت إليها سرّتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها، ومالها».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التنادِ} يعني يوم القيامة، قال أمية بن أبي الصلت: شعر : وبث الخلق فيها إذ دحاها فهم سكانها حتى التّنَادِ تفسير : سمي بذلك لمناداة بعضهم بعضاً، قاله الحسن. وفيما ينادي به بعضهم بعضاً قولان: أحدهما: يا حسرتا، يا ويلتا، يا ثبوراه، قاله ابن جريج. الثاني: ينادي أهلُ الجنة أهل النار أن {أية : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً} تفسير : [الأعراف: 44] الآية. وينادي أهل النار الجنة {أية : أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللَّه} تفسير : [الأعراف:50] قاله قتادة. وكان الكلبي يقرؤها: يوم التنادّ، مشدودة، أي يوم الفرار، قال يندّون كما يندّ البعير. وقد جاء في الحديث أن للناس جولة يوم القيامة يندون يطلبون أنهم يجدون مفراً ثم تلا هذه الآية. {يوم تولون مدبرين} فيه وجهان: أحدهما: مدبرين في انطلاقهم إلى النار، قاله قتادة. الثاني: مدبرين في فِرارهم من النار حتى يقذفوا فيها، قاله السدي. {ما لكم من الله من عاصم} فيه وجهان: أحدهما: من ناصر، قاله قتادة. الثاني: من مانع، وأصل العصمة المنع، قاله ابن عيسى. {ومن يضلل الله فما له من هاد} وفي قائل هذا قولان: أحدهما: أن موسى هو القائل له. الثاني: أنه من قول مؤمن آلِ فرعون. قوله عز وجل: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} فيه قولان: أحدهما: أن يوسف بن يعقوب، بعثه الله رسولاً إلى القبط بعد موت الملك من قبل موسى بالبينات. قال ابن جريج: هي الرؤيا. الثاني: ما حكاه النقاش عن الضحاك أن الله بعث اليهم رسولاً من الجن يقال له يوسف.
الخازن
تفسير : {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم} يعني مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب {وما الله يريد ظلماً للعباد} يعني لا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} يعني يوم القيامة سمي يوم القيامة يوم التناد لأنه يدعى فيه كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضاً فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة وينادى فيه بالسعادة والشقاوة ألا إن فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً وفلان ابن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً وينادي حين يذبح الموت يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت وقيل ينادي المؤمن هاؤم اقرؤوا كتابيه وينادي الكافر يا ليتني لم أوت كتابيه وقيل يوم التناد يعني يوم التنافر من ند البعير إذا نفر وهرب وذلك أنهم إذا سمعوا زفير النار ندوا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً عليه فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه {يوم تولون مدبرين} يعني منصرفين عن موقف الحساب إلى النار {ما لكم من الله من عاصم} يعني يعصمكم من عذابه {ومن يضلل الله فما له من هاد} يعني يهديه {ولقد جاءكم يوسف} يعني يوسف بن يعقوب {من قبل} يعني من قبل موسى {بالبينات} يعني قوله {أية : أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} تفسير : [يوسف: 39] قيل مكث فيهم يوسف عشرين سنة نبياً وقيل إن فرعون يوسف هو فرعون موسى وقيل هو فرعون آخر {فما زلتم في شك مما جاءكم به} قال ابن عباس من عبادة الله وحده لا شريك له والمعنى أنهم بقوا شاكين في نبوته لم ينتفعوا بتلك البينات التي جاءهم بها {حتى إذا هلك} يعني مات {قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً} يعني أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة وإنما قالوا ذلك على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان عليه بل قالوا ذلك ليكون لهم أساساً في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعده وليس قولهم لن يبعث الله من بعده رسولاً تصديقاً لرسالة يوسف كيف وقد شكوا فيها وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضمون إلى التكذيب لرسالته {كذلك يضل الله من هو مسرف} يعني في شركه وعصيانه {مرتاب} يعني في دينه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الذى آمن} من آل فرعون مخاطبا لقومه واعظا لهم وفى الحديث "حديث : افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائز" تفسير : وذلك من اجل علة الخوف والقهر ولأن الجهاد بالحجة والبرهان اكبر من الجهاد بالسيف والسنان {يا قوم} اى كروه من {انى اخاف عليكم} فى تكذيب موسى عليه السلام والتعرض له بسوء كالقتل والاذى {مثل يوم الاحزاب} مثل ايام الامم الماضية يعنى وقائعهم العظيمة وعقوباتهم الهائلة على طريق ذكر المحل وارادة الحال فان قلت الظاهر ان يقال مثل ايام الاحزاب اذ لكل حزب يوم على حدة قلت جمع الاحزاب مع تفسيره بالطوآئف المختلفة المتباينة الازمان والاماكن اغنى عن جمع اليوم اذ بذلك ارتفع الالتباس وتبين أن المراد الايام
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقال الذي آمن} مخاطباً قومه: {يا قوم إِني أخافُ عليكم} في تكذيب موسى، والتعرُّض له بسوء، {مثلَ يومِ الأحزاب} أي: مثل أيام الأمم الماضية المتحزبة على رسلها، يعني وقائعهم. وجمْعُ الأحزاب مع التفسير أغنى عن جمع اليوم، أي: بالإضافة، وفسره بقوله: {مثلَ دأبِ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ والذين من بعدهم}؛ كقوم لوط وشعيب، لم يُلْبَسْ أنّ كلّ حزب منهم كان له يوم دَمَار، فاقتصر على الواحد من الجمع. ودأب هؤلاء: دؤوبهم في عملهم من الكفر، والتكذيب، وسائر المعاصي، حتى دمَّرهم الله. ولا بد من حذف مضاف، أي: مثل جزاء دأبهم ـ وهو الهلاك. و (مثل) الثاني: عطف بيان لمثل الأولى. {وما الله يريد ظلماً للعباد}؛ فلا يُعاقبهم بغير ذنب، أو: يزيد على ما يستحقونه من العذاب، يعني أن تدميرهم كان عدلاً؛ لأنهم استحقوه بأعمالهم، وهو أبلغ من قوله: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46]؛ حيث جعل المنفي إرادة الظلم مُنْكَراً، وإذا بعُد عن إرادة ظُلم مَا لعباده؛ كان عن الظلم مُنْكَراً، وإذا بعُد عن إرادة ظُلمٍ مَا لعباده؛ كان عن الظلم أبعد وأبعد. وتفسير المعتزلة: بأنه لا يريدُ لهم أن يظلموا، بعيد؛ لأن أهل اللغة قالوا: إذا قال الرجل لآخر: لا أريد ظلماً لك، معناه: لا أريد أن أظلمك، وهذا تخويفٌ بعذاب الدنيا. ثم خوَّفهم من عذاب الآخرة بقوله: {ويا قومِ إِني أخاف عليكم يوم التَّنَادِ} أي: يوم القيامة؛ لأنه ينادي فيه بعضُهم بعضاً للاستغاثة، ويتصايحون بالويل والثبور، وينادي أصحابُ النار أصحابَ الجنة، وأصحابُ الأعراف رجالاً يعرفونهم، وعن الضحاك: إذا سمعوا زفير النار نَدُّوا هرباً، فلا يأتون قُطراً من الأقطار، إلا وجدوا ملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى مكانهم، فبينما هم يموج بعضهم في بعض، إذ سمعوا منادياً: أقبلوا إلى الحسابِ. أو: ينادي مناد عند الميزان: ألا إن فلاناً بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، ألاَ إِن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً. قال ابن عطية: المراد التذكير بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار والعصاة، وذلك كثير. هـ. ثم أبدل من يوم التناد: قوله: {يوم تُولُّون مدْبرين} أي: منصرفين عن القوم إلى النار، أو: فارِّين منها غير معاجزين، {ما لكم من الله من عاصم} يعصمكم من عذابه، ولمَّا أيس من قبولهم قال: {ومَن يُضلل الله فما له من هادٍ} يهديه إلى طريق النجاة. الإشارة: ينبغي للواعظ والمُذكِّر إذا ذكَّر العصاة أن يُخوفهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، كما فعل مؤمن آل فرعون، أما عذاب الدنيا فما يلحق العاصي من الذُل والهوان عند الله، وعند عباده، وما يلحقه إن طال عمره من المسخ وأرذل العمر، فإِنَّ المعاصي في زمن الشباب تجر الوبال إلى زمن الهرم، كما أن الطاعة في حال الشباب تجر الحفظ والرعاية إلى حال الكِبَر، وأما عذاب الآخرة فمعلوم، ثم يحضّ على التوبة والإقلاع، فإنَّ التائب الناصح مُلحَق بالطائع، فلا يلحقه شيء من ذلك. وبالله التوفيق. ثم وبَّخهم بما تعوّدوا من تكذيب الرسل، فقال: {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ}.
الهواري
تفسير : {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ} أي: مثل عذاب الأمم الخالية. [ثم أخبر عن يوم الأحزاب] فقال: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} فالدأب الفعل، أي: إني أخاف عليكم مثل عقوبة فعلهم، وهو ما أهلكهم الله به؛ يحذر قومه. قال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ}. {وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} قال بعضهم: يوم ينادي أهل الجنة أهل النار: (أية : قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً) تفسير : [الأعراف: 44]، وينادي أهل النار أهل الجنة: (أية : أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ)تفسير : [الأعراف:50]. وتفسير الكلبي: {يَوْمَ التَّنَادِ}، مشدّدة، أي يوم الفرار يوم يندّون كما يندّ البعير. قال ألا تراه يقول: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أي: يوم الفرار. وتفسير مجاهد: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ}، أي: فارّين غير معجزين. وقال بعضهم: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أي: يوم ينطلق بهم إلى النار. {مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: يعصمكم، أي: من مانع يمنعكم من عذابه. {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: يهديه. قوله: {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ} [أي: من قبل موسى] {بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالهدى، والبينات: الحق. {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً}. أي: إنه لم يكن برسول، فلن يبعث الله من بعده رسولاً، كقول مشركي العرب للنبي عليه السلام: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) تفسير : [الحجر:6]، وكقول فرعون: (أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)تفسير : [الشعراء:27] أي: فيما يدّعي. قال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} أي: مشرك {مُّرْتَابٌ} أي: في شك من البعث، أي: يضله الله بشركه وتكذيبه وشكّه.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ الَّذِى آمَنَ} من آل فرعون وكتم ايمانه قاله الجمهور وقالت فرقة المراد موسى محتجين بقوة كلامه وذكره عذاب الآخرة وغير ذلك ولم يكن كلام مؤمن آل فرعون الا ملاينة* {يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم} لتكذيبكم له وتعرضكم له* {مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ} أفرد اليوم مع أن كل حزب بيومه الدامر اما ان المراد الزمان مطلقاً والزمان يطلق على القليل والكثير ولان (ال) فى الاحزاب للحقيقة فالمقصود باليوم الحقيقة الصادقة فى متعدد أو لان الاصل يوم أيام الاحزاب أي يوم من أيامهم والمراد باليوم أيام والقرينة اضافه للجمع المفسر لقوم نوح وعاد وثمود على سبيل المثال فلم يخف ان كل قوم منهم له يوم دامر وهذا فى كل مفرد أضيف لمتعدد لكل واحد مثل ذلك المفرد وأطلته فى حاشية شرح الشذور {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} يقدر مضاف أي مثل جزاء دأب قوم نوح والدأب العادة سميت لان صاحبها دائم عليها وكأنه قال أخاف عليكم جزاء مثل جزاء ما كانوا عليه دائما أي دائما من التكذيب وايذاء الرسل وسائر المعاصي و (مثل) عطف بيان من (مثل الأول) على جوازه فالكرة لان اضافة (مثل) للمعرفة لا تفيد التعريف* {وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} كقوم لوط وجزاء الكل التعذيب فى الدنيا قبل عذاب الآخرة* {وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} فلا يعاقبهم الا بذنوبهم بعد اقامة الحجة فتدميرهم عدل لانهم استوجبوه بها ويجوز أن يكون المعنى لا يريد لهم أن يظلموا أنفسهم فحين ظلموها عاقبهم بظلمهم فكأنه قال ويحذر لهم الظلم وعلى الاول فالنفي فيه أبلغ منه فى {أية : وما ربك بظلام} تفسير : لان نفي ارادة الفعل أو قربه أعظم من نفى الفعل ولو كان معنى {أية : وما ربك بظلام} تفسير : انتفى الظلم عنه انتفاء بليغاً.
اطفيش
تفسير : {وقال الَّذي آمَنَ} الرجل الذى من آل فرعون يكتم ايمانه، وقيل: هو موسى عليه السلام لقوة كلامه وكثرته، والصحيح الأول، وعليه الجمهور، وقوة كلامه وكثرته لا تنكر، فقد ذكر الله تعالى عنه كثرة وقوة، اذ قال: "أية : وقال الَّذي آمن يا قَوم اتبعون" تفسير : [غافر: 38] {يا قوم إنِّي أخَافُ عَليْكُم} لتكذيبه {مِثْل يَوْم الأحْزابِ} الأقوام المتحزبين على الرسل وأتباعهم، ويوم الأحزاب الشر الواقع عليهم، يقال يوم كذا للوقيعة من حرب أو غيرها، وهو حقيقة عرفية عامة، والاضافة للجنس، فاليوم فى معنى الأيام، أى وقائع الأحزاب، وقيل يوم على ظاهره من الزمان، فيقدر مضاف، أى مثل حوادث يوم الأحزاب، أى أيام الأحزاب.
الالوسي
تفسير : { وَقَالَ ٱلَّذِيۤ ءَامَنَ} الجمهور على أنه الرجل المؤمن الكاتم إيمانه القائل: {أية : أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ ٱللَّهُ }تفسير : [غافر: 28] قوى الله تعالى نفسه وثبت قلبه فلم يهب فرعون ولم يعبأ به فأتى بنوع آخر من التهديد والتخويف فقال: {يٰقَوْمِ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } إلى آخره، وقالت فرقة: كلام ذلك المؤمن قد تم، والمراد بالذي آمن هنا هو موسى نفسه عليه السلام، واحتجت بقوة كلامه، وعلى الأول المعول أي قال ناصحاً لقومه: يا قوم إني أخاف عليكم في تكذيب موسى عليه السلام والتعرض له بالسوء إن يحل بكم مثل ما حل بالذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية. واليوم واحد الأيام بمعنى الوقائع وقد كثر استعمالها بذلك حتى صار حقيقة عرفية أو بمعناها المعروف لغة، والكلام عليه على حذف مضاف أي مثل حادث يوم الأحزاب. وأياً ما كان فالظاهر جمع اليوم لكن جمع الأحزاب المضاف هو إليه مع التفسير بما بعد أغنى عن جمعه، والمعنى عليه ورجح الإفراد بالخفة والاختصار، وقال الزجاج: المراد يوم حزب حزب بمعنى أن جمع حزب مراد به شمول أفراده على طريق البدل وهو تأويل في الثاني وما تقدم أظهر.
ابن عاشور
تفسير : لما كان هذا تكملة لكلام الذي آمن ولم يكن فيه تعريج على محاورة فرعون على قوله: {أية : مَا أريكم إلاَّ مَا أرَىٰ}تفسير : [غافر: 29] الخ وكان الذي آمن قد جعل كلام فرعون في البَيْن واسترسل يكمل مقالته عُطف فعل قوله بالواو ليتصل كلامه بالكلام الذي قبله، ولئلا يتوهم أنه قصد به مراجعة فرعون ولكنه قصد إكمال خطابه، وعبر عنه بالذي آمن لأنه قد عرف بمضمون الصلة بعد ما تقدم. وإعادته نداء قومه تأكيد لما قصده من النداء الأول حسبما تقدم. وجعل الخوف وما في معناه يتعدى إلى المخوف منه بنفسه وإلى المخوف عليه بحرف (على) قال لبيد يرثي أخاه أربد:شعر : أخشَى على أرْبَدَ الحُتوفَ ولا أخشَى عليه الرياحَ والمطرا تفسير : و {يَوْمِ الأحْزَابِ} مراد به، الجنس لا (يومٌ) معين بقرينة إضافته إلى جمعٍ أزمانُهم متباعدة. فالتقدير: مثل أيام الأحزاب، فإفراد (يوم) للإِيجاز، مثل بطن في قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه في باب الصفة المشبهة بالفاعل:شعر : كلُوا في بعض بَطْنِكم تَعِفُّوا فإن زَمانكم زمنٌ خميصتفسير : والمراد بأيام الأحزاب أيام إهلاكهم والعرب يطلقون اليوم على يوم الغالب ويوم المغلوب. والأحزاب الأمم لأن كل أمة حِزبٌ تجمعهم أحوال واحدة وتناصر بينهم فلذلك تسمى الأمة حزباً، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : كل حزب بما لديهم فرحون}تفسير : في سورة [المؤمنون:53]. والدأْب: العادة والعمل الذي يدأب عليه عامله، أي يلازمه ويكرره، وتقدم في قوله تعالى: {أية : كدأب آل فرعون}تفسير : في أول [آل عمران: 11]. وانتصب {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} على عطف البيان من {مِثلَ يَوْمِ الأحزابِ} ولما كان بياناً له كان ما يضافان إليه متحداً لا محالة فصار (الأحزاب) و (الدأب) في معنى واحد وإنما يتم ذلك بتقدير مضاف متحد فيهما، فالتقدير: مثلَ يومِ جزاء الأحزاب. مثلَ يومِ جزاء دأب قوم نوح وعاد وثمود، أي جزاء عملهم. ودأبُهم الذي اشتركوا فيه هو الاشراك بالله. وهذا يقتضي أن القبط كانوا على علم بما حلّ بقوم نوح وعاد وثمود، فأما قوم نوح فكان طوفانهم مشهوراً، وأما عاد وثمود فلقرب بلادهم من البلاد المصرية وكان عظيماً لا يخفى على مجاوريهم. وجملة {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَادِ} معترضة، والواو اعتراضية وهي اعتراض بين كلاميه المتعاطفين، أي أخاف عليكم جزاءً عادلاً من الله وهو جزاء الإشراك. والظلم يطلق على الشرك {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13]، ويطلق على المعاملة بغير الحق، وقد جمع قوله: {وما الله يريد ظلماً للعباد} نفي الظلم بمعنييه على طريقة استعمال المُشترك في معنييه. وكذلك فعل {يريد} يطلق بمعنى المشيئة كقوله: {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} تفسير : [المائدة: 6] ويطلق بمعنى المحبة كقوله: {أية : ما أريد منهم من رزق}تفسير : [الذاريات: 57]، فلما وقع فعل الإِرادة في حيّز النفي اقتضى عموم نفي الإِرادة بمعنييها على طريقة استعمال المشترك في معنييه، فالله تعالى لا يحب صدور ظلم من عباده ولا يشاء أن يَظلِم عبادَه. وأول المعنيين في الإِرادة وفي الظلم أعلق بمقام الإِنذار، والمعنى الثاني تابع للأَول لأنه يدل على أن الله تعالى لا يترك عقاب أهل الشرك لأنه عَدْل، لأن التوعد بالعقاب على الشرك والظلمِ أقوى الأسباب في إقلاع الناس عنه، وصدق الوعيد من متممات ذلك مع كونه مقتضى الحكمة لإِقامة العدل. وتقديم اسم {اللَّهُ} على الخبر الفعلي لإِفادة قصر مدلول المسند على المسند إليه، وإذ كان المسند واقعاً في سياق النفي كان المعنى: قصر نفي إرادة الظلم على الله تعالى قصرَ قلب، أي الله لا يريد ظلماً للعباد بل غيره يريدونه لهم وهم قادة الشرك وأيمتُه إذ يدعونهم إليه ويَزعمون أن الله أمرهم به قال تعالى: {أية : وإذ فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء}تفسير : [الأعراف: 28]. هذا على المعنى الأول للظلم، وأما على المعنى الثاني فالمعنى: ما الله يريد أن يَظلم عبادَه ولكنهم يظلمون أنفسهم باتباع أيمتهم على غير بصيرة كقوله تعالى: {أية : إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون}تفسير : [يونس: 44] وبظلمهم دعاتهم وأيمتهم كما قال تعالى: {أية : وما زادوهم غير تتبيب} تفسير : [هود: 101]، فلم يَخْرُج تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في سياق النفي في هذه الآية عن مهيع استعماله في إفادة قصر المسند على المسند إليه فتأمله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وقال الذي آمن: أي مؤمن آل فرعون. مثل يوم الأحزاب: أي عذابا مثل عذاب الأحزاب وهم قوم نوح وعاد وثمود. مثل دأب قوم نوح: أي مثل جزاء عادة من كفر قبلكم وهي استمرارهم على الكفر حتى الهلاك فهذا الذي أخافه عليكم. يوم التناد: أي يوم القيامة وقيل فيه يوم التنادي لكثرة النداءات فيه إذْ ينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة. يوم تولُّون مدبرين: أي هاربين من النار إلى الموقف. ولقد جاءكم يوسف من قبل: أي يوسف بن يعقوب الصديق بن الصديق عليهما السلام من قبل مجيء موسى إليكم اليوم. قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا: أي قلتم هذا من دون دليل فبقيتم كافرين إلى اليوم. كذلك يضل الله من هو مسرف: أي مثل إضلالكم هذا يضل الله من هو مسرف في الشرك والظلم. مرتاب: أي شاك فيما قامت الحجج والبينات على صحته. يجادلون في آيات الله بغير سلطان: أي يخاصمون في آيات الله لإِبطالها بدون سلطان أي حجة وبرهان. كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا: أي كبر جدالهم بالباطل مقتا عند الله وعند الذين آمنوا. كذلك: أي مثل إضلالهم يطبع الله أي يختم بالضلال على كل قلب متكبر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم فيما دار من كلام في مجلس الحكومة، وها هو ذا مؤمن آل فرعون يتناول الكلمة بعد فرعون الذي أعاد تقرير ما عزم عليه من قتل موسى عليه السلام فقال ما أخبر تعالى به عنه في قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ} وهنا أعلن عن إيمانه الذي كان يكتمه يا قوم إني أخاف عليكم أي إن أنتم أصررتم على قتل موسى وقتلتموه {أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} وهو اليوم الذي أخذ الله فيه قوم نوح، وعاد وثمود أي أخاف عليكم جزاء عادتهم وهي استمرارهم على الكفر والشك والتكذيب حتى حلت بهم نقمة الله ونزل بهم عذابه وواصل وعظه قائلاً، {وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أي فارين من النار هاربين إلى الموقف وهو يوم القيامة الذي تكثر فيه النداءات والصرخات {مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} يعصمكم من العذاب وينجيكم منه. وبعد هذا الوعظ البليغ قال {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} إشارة إلى أن القوم لم يتأثروا بكلامه فقال متعزياً بعلمه بتدبير الله في خلقه فقال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} فإن من كتب الله عليه الضلالة ليصل إلى الشقاوة بكسبه فلا هادي له أبداً، إذ الله لا يهدي من يُضل ثم قال لهم مواصلا كلامه {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ} أي من قبل موسى وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام بالبينات والحجج الدالة على توحيد الله ووجوب طاعته، غير أنكم مع الأسف {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ} فلم تؤمنوا ولم توقنوا {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ} أي مات عليه السلام فرحتم بموته {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} متخرصين متقولين على الله بدون علم فأضلكم الله بكذبكم عليه {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} في الكذب مثلكم {مُّرْتَابٌ} في كل شيء لا يعرف اليقين في شيء، والعياذ بالله، ثم أعلمهم أن الذين يجادلون في آيات الله يريدون إبطال الحق وإطفاء نوره بكلامهم بغير حجة لديهم ولا برهان أتاهم جدالهم ذلك أكبر مقتا أي أشد شيء يمقته الله ويبغضه من صاحبه، وكذلك عند الذين آمنوا. وختم كلامه بقوله {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ} أي كإضلال من هو مسرف مرتاب يطبع الله {عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} أي قلب كل إنسان متكبر على الإِيمان والطاعة متجبر متعاظم يريد إجبار الناس على مراده وما يهواه. وإلى هنا انتهى كلام الرجل المؤمن والكلمة الآن إلى فرعون الطاغية وسنقرأها في الآيات التالية بعد رؤية ما في الآيات من هداية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- قوة الإِيمان تفجر قلب المؤمن بأنواع من المعرفة والحكمة في قوله إذا قال. 2- التذكير بالأمم الهالكة إذْ العاقل من اعتبر بغيره. 3- التخويف من عذاب الآخرة وأهوال القيامة. 4- التنديد بالإِسراف والارتياب وعدم اليقين. 5- حرمة الجدال بغير علم، وأن صاحبه عرضة لمقت المؤمنين بعد مقت الله تعالى. 6- عرضة المتكبر الجبار للطبع على قلبه ويومها يحرم الهداية فلا يُهدى أبداً.
القطان
تفسير : ثم يتابع الرجل المؤمن من آل فرعون كلامه ويقول: يا قومِ، اني أخشى عليكم يوماً مثل يوم الأحزاب الذين تحزَّبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية مثل قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وكل من جاء بعدهم من المعاندين الجاحدين، ولا اقول لكم هذا إلا خوفاً عليكم من ان يصيبكم ما اصاب هؤلاء الأولين من الهلاك، يوم تولّون مدْبِرين من عذاب النار فلا يكون لكم من الله مانع يمنعكم {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه او يرشده. ولقد جاء يوسفُ من قبل بالأدلة الواضحة، فما زلتم في شكٍ مما أتاكم به، حتى اذا مات قلتم لن يرسلَ الله من بعدِ يوسفَ رسولا {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ}. ثم بين الله هؤلاء المسرفين المرتابين فقال: {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} فهم يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان. {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ان يجادلوا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}. كما يطبع الله على قلوب المسرفين المرتابين فهو يطبعُ على قلوب جميع المتكبرين الجبارين. قراءات: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب: او ان يظهر، والباقون: وان يظهر. وقرأ حفص ونافع ويعقوب وابو عمرو: يُظهر الفسادَ بضم الياء ونصب الدال. والباقون: يَظهر الفسادُ بفتح الياء، وبضم الدال.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَ} {يٰقَوْمِ} (30) - وَقَالَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ نَاصِحاً فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ، يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ إِنْ كَذَّبتُم مُوسَى، وَتَعَرَّضْتُمْ لَهُ بِسُوءٍ، أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ مِثْلُمَا حَلَّ بِمَنْ تَحَزَّبُوا وَاجْتَمَعُوا عَلَى تَكْذِيبِ أَنْبِيَائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَاضِيَةِ. الأَحْزَابِ - الأُمَمِ المُتَحَزِّبَةِ عَلَى رُسُلِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا يستمر الرجل المؤمن في نُصْحه لقومه، فكلمة فرعون لم تُخفهُ ولم تصدّه عن دعوته، فيقول: {يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} [غافر: 30] يعني: إنْ كنتم ظاهرين الآن في الأرض ولكم الغلبة، فلستم أظهر ممن سبقوكم في موكب الرسالات من أول نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} [غافر: 31]. وقد أرانا الله العجب فيمن كذَّب الرسل {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 40]. إذن: عليكم أنْ تأخذوا ممن سبقوكم في التكذيب عبرة، خاصة وأنتم تشاهدون آثارهم في الأرض التي تدل على أنهم كانوا أقوى منكم وآثاراً في الأرض، ومع ذلك لم تنفعهم قوتهم، ولم تمنعهم آثارهم من بأس الله حين نزل بهم، وما أبقى الله على هذه الآثار إلا لتكوين عبرة لمن بعدهم {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. ولو انطمستْ آثارهم لم تكُنْ هناك حجة واقع، فبقاء الآثار إلى الآن تبين لنا أن الذين صنعوا هذه الحضارات وتركوا هذه الآثار لم يستطيعوا أنْ يحموا حضاراتهم، وكانوا أكثر منكم قوة وآثاراً في الأرض وعمروها أكثر منكم، فما دام قد حدث هذا في الواقع وأنتم تشاهدونه فخذوه قولاً من الرسول وواقعاً أمامكم في الكون. ونلاحظ هنا أن كلمة (يَوْم) جاءت مفردة و (الأحزاب) جمع فلماذا لم يَقُل مثلاً (أيام الأحزاب)، والحزب هم الجماعة المناهضون للرسول المكذبون له، فحزب مناهض لنوح، وحزب مناهض لهود، وآخر لصالح .. إلخ. إذن: فالأيام هنا متعددة، ومع ذلك قال: {مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} [غافر: 30] فوحَّد اليوم وجمع الأحزاب، لماذا؟ لأن العملية كأنها حدثٌ واحد مُتحد في الجميع، وإنْ تعددتْ الأحزاب بتعدُّد الرسل فهو يوم الأحزاب لا أيام الأحزاب، لأننا لو قلنا: أيام الأحزاب لكان لهذا يوم بسبب، ولهذا يوم بسبب آخر وهكذا، لكنه سبب واحد في جميع الحالات، ألا وهو التكذيب في مقام العقيدة، وفي مقام تشريع الحق سبحانه للخلق. ثم بعد ذلك يُفصل ما أجملته كلمة الأحزاب: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} [غافر: 31] يعني: لم يأخذهم هذه الأَخْذة ظلماً لهم، وكلمة (لِلعبَادِ) يعني: كيف يظلمهم وهم عباده وصنعته، إنما أخذهم جزاءَ أفعالهم وتكذيبهم لرسلهم ليكونوا عبرة واقعية في الكون يعتبر بها كل مَنْ يعارض منهج الحق.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما أكد فرعون أمر القتل، وبالغ في تصميم العزم {قَالَ} الرجل {ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ} ناداهم وأضافهم إلى نفسه إظهاراً لكمال الاختصاص والشفقة: {إِنِّيۤ} بمقتضى عقلي {أَخَافُ عَلَيْكُمْ} يوماً هائلاً شديداً {مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} [غافر: 30] الهالكين المستأصلين بحلول عذاب الله عليهم فيه؛ لأن دأبكم وديدنتكم في الخروج عن حدود الله ومقتضيات أوامره وأحكامه، والظهور على رسله وتكذيبهم إياهم. {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَ} مثل المكذبين المسرفين {مِن بَعْدِهِمْ} ظهروا على رسل الله وكفروا به سبحانه {ٱلَّذِينَ} فلحقهم من العذاب ما لحقهم، وكذلك يحل عليكم ما حل عليهم، لو تقتفون أثرهم بالخروج عن مقتضى الحدود الإلهية {وَ} إلا {مَا ٱللَّهُ} العليم الحكيم {يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} [غافر: 31] المتحرزين عن مطلق الجرائم والآثام المنافية للحدود الإلهية، فلا يعاقب من لا ذنب له، ولا يحل عليه عذابه. ثم ناداهم القائل الموحد أيضاً على سبيل التأكيد والمبالغة تتميماً لما يخفى في صدره من ترويج الحق وتقوية الرسول المرسل به، فقال: {وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ} [غافر: 32] أي: العذاب الموعود في يوم القيامة، سميت به؛ لتفرق الناس فيه وفرار كل منهم عن أبيه وأخيه وأمه وبنيه. وأخاف أيضاً {يَوْمَ تُوَلُّونَ} وتنصرفون عن موقف العرض والحساب {مُدْبِرِينَ} قهقرى هاربين فارين من كثرة الآثام والجرائم الجالبة لأنواع العذاب، تخيلوا أيها المسرفون وتحروا في نفوسكم {مَا لَكُمْ} حينئذ {مِّنَ} غضب {ٱللَّهِ} ونزول عذابه عليكم {مِنْ عَاصِمٍ} يعصمكم ويدفع عنكم عذابه {وَ} بالجملة: اعلموا أن {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} المضل المغوي بمقتضى قهره وجلاله، ويحمله على ما لا ينبغي له ولا يرضى منه سبحانه، بل إنما ابتلاه وحمله عليه فتنة واختباراً {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر: 33] أي: إنه ماله هادٍ يهديه إلى ما يعينه ويليق بحاله ويرضى منه سبحانه.
همام الصنعاني
تفسير : 2673- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ}: [الآية: 30-31]، قال: هم الأحزاب قوم نوح، وعاد، وثمود.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):