Verse. 4167 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَلَقَدْ جَاۗءَكُمْ يُوْسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنٰتِ فَمَازِلْتُمْ فِيْ شَكٍّ مِّمَّا جَاۗءَكُمْ بِہٖ۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَا ہَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَّبْعَثَ اللہُ مِنْۢ بَعْدِہٖ رَسُوْلًا۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللہُ مَنْ ہُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابُۨ۝۳۴ۚۖ
Walaqad jaakum yoosufu min qablu bialbayyinati fama ziltum fee shakkin mimma jaakum bihi hatta itha halaka qultum lan yabAAatha Allahu min baAAdihi rasoolan kathalika yudillu Allahu man huwa musrifun murtabun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد جاءكم يوسف من قبل» أي قبل موسى وهو يوسف بن يعقوب في قول، عمَّر إلى زمن موسى، أو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب في قول «بالبينات» بالمعجزات الظاهرات «فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم» من غير برهان «لن يبعث الله من بعده رسولا» أي فلن تزالوا كافرين بيوسف وغيره «كذلك» أي مثل إضلالكم «يضل الله من هو مسرف» مشرك «مرتاب» شاك فيما شهدت به البينات.

34

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال: {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } تفسير : [غافر: 33] ذكر لهذا مثلاً، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على أن من أضله الله فما له من هاد وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قيل إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام، ونقل صاحب «الكشاف» أنه يوسف بن أفراييم بن يوسف ابن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة، وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حياً إلى زمانه وقيل فرعون آخر، والمقصود من الكل شيء واحد وهو أن يوسف جاء قومه بالبينات، وفي المراد بها قولان الأول: أن المراد بالبينات قوله {أية : أأرباب مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [يوسف: 39]، والثاني: المراد بها المعجزات، وهذا أولى، ثم إنهم بقوا في نبوته شاكين مرتابين، ولم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات، فلما مات قالوا إنه {لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً } وإنما حكموا بهذا الحكم على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان، بل إنما ذكروا ذلك ليكون ذلك أساساً لهم في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك وليس في قولهم {لن يبعث الله من بعد رسولاً } لأجل تصديق رسالة يوسف وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضموماً إلى تكذيب رسالته، ثم قال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } أي مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه، قال الكعبي هذه الآية حجة لأهل القدر لأنه تعالى بين كفرهم، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين، فإن الله تعالى لا يضله. ثم بيّـن تعالى ما لأجله بقوا في ذلك الشك والإسراف فقال: {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ } أي بغير حجة، بل إما بناء على التقليد المجرد، وإما بناء على شبهات خسيسة {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ } والمقت هو أن يبلغ المرء في القوم مبلغاً عظيماً فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وتعسه. وفيه مسائل: المسألة الأولى: في ذمة لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان دلالة على أن الجدال بالحجة حسن وحق وفيه إبطال للتقليد. المسألة الثانية: قال القاضي مقت الله إياهم يدل على أن فعلهم ليس بخلق الله لأن كونه فاعلاً للفعل وماقتاً له محال. المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد يمقت بعض عباده إلا أن ذلك صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب، والله أعلم. ثم بيّـن أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك قد حصل عند الذين آمنوا. ثم قال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وأبو عمرون وقتيبة عن الكسائي {قَلْبٌ } منوناً {مُتَكَبّرٍ } صفة للقلب والباقون بغير تنوين على إضافة القلب إلى المتكبر قال أبو عبيد الاختيار الإضافة لوجوه الأول: أن عبد الله قرأ {عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ } وهو شاهد لهذه القراءة الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما، وأما الذين قرأوا بالتنوين فقالوا إن الكبر قد أضيف إلى القلب في قوله {أية : إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } تفسير : [غافر: 56] وقال تعالى: {أية : فإنه آثم قلبه } تفسير : [البقرة: 283] وأيضاً فيمكن أن يكون ذلك على حذف المضاف أي على كل ذي قلب متكبر، وأيضاً قال قوم الإنسان الحقيقي هو القلب وهذا البحث طويل وقد ذكرناه في تفسير قوله {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] قالوا ومن أضاف، فلا بد له من تقدير حذف، والتقدير يطبع الله على قلب كل متكبر. المسألة الثانية: الكلام في الطبع والرين والقسوة والغشاوة قد سبق في هذا الكتاب بالاستقصاء، وأصحابنا يقولون قوله {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ } يدل على أن الكل من الله والمعتزلة يقولون إن قوله {وَكَذٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } يدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله لأنه كان في نفسه متكبراً جباراً وعند هذا تصير الآية حجة لكل واحد من هذين الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الذي يخرج عليه الوجهان ما ذهبنا إليه وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب، فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعون إلى الطاعة والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حياً ويكون تعليل الصد عن الدين بكونه متجبراً متكبراً باقياً، فثبت أن هذا المذهب الذي اخترناه في القضاء والقدر هو الذي ينطبق لفظ القرآن من أوله إلى آخره عليه. المسألة الثالثة: لا بد من بيان الفرق بين المتكبر والجبار، قال مقاتل {مُتَكَبّرٍ } عن قبول التوحيد {جَبَّارٍ } في غير حق، وأقول كمال السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل التكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ} قيل: إن هذا من قول موسى. وقيل: هو من تمام وعظ مؤمن آل فرعون؛ ذَكّرهم قديم عتوهم على الأنبياء؛ وأراد يوسف بن يعقوب جاءهم بالبينات {أية : أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ }تفسير : [يوسف: 39] قال ابن جريج: هو يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالى رسولاً إلى القبط بعد موت الملك من قبل موسى بالبينات وهي الرؤيا. وقال ابن عباس: هو يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبيًّا عشرين سنة. وحكى النقاش عن الضحاك: أن الله تعالى بعث إليهم رسولاً من الجن يقال له يوسف. وقال وهب بن منبه: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف عُمِّر. وغيره يقول: هو آخر. النحاس: وليس في الآية ما يدل على أنه هو؛ لأنه إذا أتى بالبينات نبيّ لمن معه ولمن بعده فقد جاءهم جميعاً بها وعليهم أن يصدّقوه بها. {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ} أي أسلافكم كانوا في شك. {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} أي من يدعي الرسالة {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ} أي مثل ذلك الضلال {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} مشرك {مُّرْتَابٌ} شاك في وحدانية الله تعالى. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي في حججه الظاهرة {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} أي بغير حجة وبرهان و«الَّذِينَ» في موضع نصب على البدل من «مَنْ» وقال الزجاج: أي كذلك يضل الله الذين يجادلون في آيات الله فـ«ـالَّذِينَ» نصب. قال: ويجوز أن يكون رفعاً على معنى هم الذين أو على الابتداء والخبر {كَبُرَ مَقْتاً}. ثم قيل: هذا من كلام مؤمن آل فرعون. وقيل: ابتداء خطاب من الله تعالى. «مَقْتاً» على البيان أي «كَبُرَ» جدالهم «مَقْتاً»؛ كقوله: {أية : وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} تفسير : [الكهف: 18] ومقت الله تعالى ذمّه لهم ولعنه إياهم وإحلال العذاب بهم. {كَذَلِكَ} أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين فكذلك {يَطْبَعُ ٱللَّهُ} أي يختم {عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق. وقراءة العامة «عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ» بإضافة قلب إلى المتكبر واختاره أبو حاتم وأبو عبيد. وفي الكلام حذف والمعنى: «كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ» على كل «مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» فحذف «كُلّ» الثانية لتقدّم ما يدلّ عليها. وإذا لم يقدر حذف «كلّ» لم يستقم المعنى؛ لأنه يصير معناه أنه يطبع على جميع قلبه وليس المعنى عليه. وإنما المعنى أنه يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين قلباً قلباً. ومما يدل على حذف «كُلّ» قول أبي دُؤَاد:شعر : أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِين امْرأً ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيلِ نارا تفسير : يريد وكلّ نارٍ. وفي قراءة ابن مسعود «عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ» فهذه قراءة على التفسير والإضافة. وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وابن ذكوان عن أهل الشام «قلبٍ» منون على أن «متكبرٍ» نعت للقلب فكنى بالقلب عن الجملة؛ لأن القلب هو الذي يتكبر وسائر الأعضاء تبع له؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»تفسير : ويجوز أن يكون على حذف المضاف؛ أي على كل ذي قلب متكبر؛ تجعل الصفة لصاحب القلب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ } أي من قبل موسى وهو يوسف بن يعقوب في قول عمَّر إلى زمن موسى، أو يوسف بن إبراهيم بن يعقوب في قول {بِٱلْبَيِّنَٰتِ } بالمعجزات الظاهرات {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ } من غير برهان {لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً } أي فلن تزالوا كافرين بيوسف وغيره {كَذٰلِكَ } أي مثل إضلالكم {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } مشرك {مُّرْتَابٌ } شاك فيما شهدت به البينات.

ابن عطية

تفسير : قد قدمنا ذكر الخلاف في هذه الأقوال كلها، هل هي من قول مؤمني آل فرعون أو من قول موسى عليه السلام: وقالت فرقة من المتأولين منهم الطبري: {يوسف} المذكور هو يوسف بن يعقوب صلى الله عليه. وقالت فرقة: بل هو حفيده يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. و"البينات" التي جاء بها يوسف لم تعين لنا حتى نقف على معجزاته. وروي عن وهب بن منبه أن فرعون موسى لقي يوسف، وأن هذا التقريع له كان. وروى أشهب عن مالك أن بلغه أن فرعون عمر أربعمائة سنة وأربعين سنة. وقالت فرقة: بل هو فرعون آخر. وقوله: {قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً} حكاية لرتبة قولهم لأنهم إنما أرادوا أن يجيء بعد هذا من يدعي مثل ما ادعى ولم يقر أولئك قط برسالة الأول ولا الآخر، ولا بأن الله يبعث الرسل فحكى رتبة قولهم، وجاءت عبارتهم مشنعة عليهم، ولذلك قال بإثر هذا: {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} أي كما صيركم من الكفر والضلالة في هذا الحد فنحو ذلك هو إضلاله لصنعكم أهل السرف في الأمور وتعدي الطور والارتياب بالحقائق. وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود: "قلتم لن يبعث الله"، ثم أنحى لهم على قوم صفتهم موجودة في قوم فرعون، فكأنه أرادهم فزال عن مخاطبتهم حسن أدب واستجلاباً، فقال {الذين يجادلون في آيات الله} أي بالإبطال لها والرد بغير برهان ولا حجة أتتهم من عند الله كبر مقت جدالهم عند الله، فاختصر ذكر الجدال لدلالة تقدم ذكره عليه، ورد الفاعل بـ {كبر} نصيباً على التمييز كقولك: تفقأت شحماً وتصببت عرقاً. و: {يطبع} معناه. يختم بالضلال ويحجب عن الهدى. وقرأ أبو عمرو وحده والأعرج بخلاف عنه "على كلِّ قلب" بالتنوين "متكبراً" على الصفة. وقرأ الباقون: "على كلِّ قلبِ" بغير تنوين وبإضافته إلى "متكبرٍ". قال أبو علي: المعنى يطبع الله على القلوب إذ كانت قلباً قلباً من كل متكبر، ويؤكد ذلك أن في مصحف عبد الله بن مسعود: "على قلب كل متكبر جبار". قال القاضي أبو محمد: ويتجه أن يكون المراد عموم قلب المتكبر الجبار بالطبع أي لا ذرة فيه من إيمان ولا مقاربة فهي عبارة عن شدة إظلامه.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُوسُفُ} بن يعقوب أُرسل إلى القبط بعد موت الملك {بِالْبَيِّنَاتِ} وهي الرؤيا، أو بعث الله إليهم رسولاً من الجن يقال له يوسف.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {وَلَقَدْ جَاءَكُـمْ يُوسُفُ...} الآية، قالت فرقةٌ منهمُ الطبريُّ: يوسفُ المذكورُ هنا هو يوسفُ بنُ يَعْقُوبَ ـــ عليهما السلام ـــ وَرُوِيَ عن وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ؛ أن فرعونَ مُوسَىٰ هُو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ عُمِّر إلَىٰ زَمَنِ مُوسَىٰ، وَرَوَىٰ أَشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعْمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَتْ فرقةٌ: بل هُو فِرْعَونٌ آخر. وقوله: {كَبُرَ مَقْتاً} أي: كَبُرَ مَقْتاً جِدَالُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فٱخْتَصَرَ ذِكْرَ الْجِدَالِ؛ لدلالة تقدُّمِ ذِكْرِهِ عليه، وقرأ أبو عَمْرٍو وَحْدَهُ: «عَلَىٰ كُلِّ قَلْبٍ» بالتنوينِ، وقرأ الباقونَ بغيرِ تنوينٍ، وفي مصحف ابن مسعود: «عَلَىٰ قَلْبِ (كُلِّ) مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ»، ثم إن فرعونَ لما أعْيَتْهُ الْحِيَلُ في مُقَاوَمَةِ مُوسَىٰ، نحا إلى المَخْرَقَةِ، ونادَىٰ هَامَانَ وزيرَهُ أنْ يَبْنِيَ لَهُ صُرْحاً؛ فَيُرْوَىٰ أنه طَبَخَ الآجُرَّ لهذا الصَّرْحِ، ولم يُطْبَخْ قبْلَهُ، وبناه ارتفاعَ أربعمائةِ ذراعٍ، فبعثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَمَسَحَهُ بجَنَاحِه، فكسَرَهُ ثَلاَثَ كِسَرٍ، تَفَرَّقَتِ اثنتانِ، ووقَعَتْ ثالثةٌ في البَحْرِ، {ٱلأَسْبَابَ} الطُّرُقُ؛ قاله السُّدِّيُّ، وقال قتادةُ: أرادَ الأبوابَ، وقيل عَنَى لعلَّه يَجِدُ مَعَ قُرْبِه مِنَ السَّمَاءِ سَبَباً يَتَعَلَّقُ به. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «وَصُدَّ عنِ السَّبِيلِ» ـــ بضم الصاد وفتح الدالِ ـــ، عطفاً على {زُيِّنَ}، والباقونَ ـــ بفَتْحِ الصاد ـــ والتَّبَابُ: الخسرانُ؛ ومنه {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} تفسير : [المسد:1] وبه فَسَرها مجاهدٌ وقتادة، ثم وعظهمُ الذي آمن، فَدَعا إلى ٱتِّباعِ أَمْرِ اللَّهِ. وقوله: {ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ} يقَوِّي أنَّ المتكلمَ مُوسَىٰ، وإنْ كان الآخرُ يُحْتَملُ أنْ يقولَ ذلك، أي: اتبعوني في اتباع موسى، ثم زَهَّدَهُمْ في الدنيا، وأنَّهَا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ قليلاً، ورَغَّبَ في الآخرةِ، إذْ هي دَارُ الاستِقْرَارِ، قال الغَزَّالِيُّ في «الإحْياءِ»: مَنْ أَرَادَ أنْ يدخلَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ، فليستَغْرِقْ أوقَاته في التلاوةِ والذكرِ والتفكُّرِ في حسن المآبِ، ومَنْ أرادَ أن تَرْجُحَ كفَّةُ حَسَنَاتِهِ وتَثْقُلَ موازينُ خَيْرَاتِهِ، فليستوعبْ في الطاعةِ أَكْثَرَ أوقاتِهِ، فإنْ خَلَطَ عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً، فأمْرُهُ في خَطَر، لكنَّ الرجاءَ غَيْرُ منْقَطِعٍ، والعفوُ من كَرَمِ اللَّهِ منتَظَرٌ، انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات‏} ‏ قال‏:‏ رؤيا يوسف عليه السلام‏. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله ‏{‏الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان‏} ‏ قال‏:‏ بغير برهان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن عند الله، وما رآه المؤمنون سيئاً فهو سيء عند الله‏. وكان الأعمش رضي الله عنه يتأول بعده ‏ {‏كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه ‏ {‏كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر‏} ‏ مضاف لا ينون في قلب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً‏}‏ قال‏:‏ كان أوّل من بنى بهذا الآجر وطبخه {‏لعلي أبلغ الأسباب‏}‏ قال‏:‏ الأبواب ‏{‏أسباب‏} ‏ أي أبواب ‏{‏السماوات، وكذلك زيّن لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل‏} ‏ قال‏:‏ فعل ذلك به ‏{‏وزين له سوء عمله وما كيد فرعون إلا في تباب‏} ‏أي في ضلال وخسار‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يا هامان ابنِ لي صرحا‏ً} ‏ قال‏:‏ اَوْقِدْ على الطين حتى يكون الآجُرُّ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنهم في قوله ‏ {‏أسباب السماوات‏} ‏ قال‏:‏ طرق السموات‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏إلا في تباب‏} ‏ قال‏:‏ خسران‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏في تباب‏} ‏ قال‏:‏ في خسارة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏"وصدوا عن السبيل‏"‏ برفع الصاد‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ} هو يوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما السَّلامُ على أنَّ فرعونَهُ فرعونُ مُوسَىٰ أو على نسبةِ أحوالِ الآباءِ إلى الأولادِ، وقيلَ سِبْطُه يوسفُ بنُ إبراهيمَ بنِ يوسفَ الصدِّيقِ. {مِن قَبْلُ} من قبلِ موُسى {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} بالمعجزاتِ الواضحةِ {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُـمْ بِهِ} من الدينِ {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ} بالموتِ {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} ضمَّاً إلى تكذيبِ رسالتِه تكذيبَ رسالةِ مَنْ بعدَهُ أو جزماً بأنْ لا يُبعثَ بعدَهُ رسولٌ معَ الشكِّ في رسالتِه. وقُرِىءَ ألنْ يبعثَ الله على أنَّ بعضَهُم يقررُ بعضاً بنفي البعثِ {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلكَ الإضلالِ الفظيعِ {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} في عصيانِه {مُّرْتَابٌ} في دينِه شاكٌّ فيما تشهدُ به البـيناتُ لغلبةِ الوهمِ والانهماكِ في التقليدِ. {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو بـيانٌ له أو صفةٌ باعتبارٍ معناهُ كأنَّه قيلَ كلُّ مسرفٍ مرتابٍ أو المسرفينَ المرتابـينَ {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ} متعلقٌ بـيجادلونَ أي بغيرِ حُجَّةٍ صالحةٍ للتمسكِ بها في الجُملةِ {ءاتَـٰهُمُ} صفةُ سلطانِ {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} فيه ضربٌ من التعجبِ والاستعظامِ وفي كبُر ضميرٌ يعودُ إلى مَنْ وتذكيرُه باعتبارِ اللفظِ وقيلَ إلى الجدالِ المستفادِ من يُجادلونَ {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلكَ الطبعِ الفظيعِ {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ} فيصدرُ عنه أمثالُ ما ذُكَر من الإسرافِ والارتيابِ والمجادلةِ بالباطلِ. وقُرِىءَ بتنوينِ قلبِ، ووصفُه بالتكبرِ والتجبرِ لأنَّه منبعُهما {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحاً} أي بناءً مكشُوفاً عالياً من صرُحَ الشيءُ إذَا ظهرَ {لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلأَسْبَـٰبَ} أي الطرقَ {أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} بـيانٌ لها وفي إبهامِها ثمَّ إيضاحِها تفخيمٌ لشأنِها وتشويقٌ للسامعِ إلى معرفتِها {فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} بالنصبِ على جوابِ الترجِّي. وقُرِىءَ بالرفعِ عطفاً على أبلغُ، ولعلَّه أرادَ أنْ يبنيَ له رَصَداً في موضعٍ عالٍ ليرصُدَ منْهُ أحوالَ الكواكبِ التي هي أسبابٌ سماويةٌ تدلُّ على الحوادثِ الأرضيةِ فيرى هَلْ فيها ما يدلُّ على إرسالِ الله تعالَى إيَّاهُ أو أنْ يَرَى فسادَ قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بأنَّ إخبارَهُ من إلِه السماءِ يتوقفُ على اطِّلاعِه عليهِ ووصولِه إليهِ وذلكَ لا يتأتَّى إلا بالصُّعودِ إلى السماءِ وهُو ممَّا لا يقْوَى عليهِ الإنسانُ وما ذاكَ إلا لجهلِه بالله سبحانَهُ وكيفيِة استنبائِه {وَإِنّى لأَظُنُّهُ كَـٰذِباً} فيَما يدعيهِ من الرسالةِ {وَكَذٰلِكَ} أيْ ومثلَ ذلكَ التزيـينِ البليغِ المُفْرطِ {زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ} فانهمكَ فيهِ انهماكاً لا يرْعَوِي عنه بحال {وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي الرشادِ. والفاعلُ في الحقيقةِ هُو الله تعالَى، ويؤيدُه قراءةُ زَيَّنَ بالفتحِ وبالتوسطِ الشيطانُ. وقُرِىءُ وصَدَّ على أنَّ فرعونَ صدَّ الناسَ عنِ الهُدى بأمثالِ هذهِ التمويهاتِ والشبهاتِ. ويُؤيدُه قولُه تعالى: {وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ} أي خسَارٍ وهلاكِ أو على أنَّه من صَدَّ صُدوداً أي أعرضَ. وقُرِىءَ بكسرِ الصَّادِ على نقلِ حركةِ الدَّالِ إليهِ. وقُرِىءَ وصَدٌّ على أنَّه عطفٌ على سوءُ عملِه وقُرِىءَ وصَدُّوا أيْ هُو وقومُهُ.

القشيري

تفسير : بَيَّنَ أنَّ تكذيبَهم كتكذيب آبائهم وأسلافهم من قبل، وكما أهلك أولئك قديماً كذلك يفعل بهؤلاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد جاءكم} يا اهل مصر {يوسف} بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم الخليل عليهم السلام {من قبل} اى من قبل موسى {بالبينات} بالمعجزات الواضحة التى من جملتها تعبير الرؤيا وشهادت الطفل على برآءة ذمته وقد كان بعث الى القبط قبل موسى بعد موت الملك وكان فرعون هو فرعون موسى عاش الى زمانه وذلك لأن فرعون موسى عمر اكثر من اربعمائة سنة وكان بين ابراهيم وموسى تسعمائة سنة على ما رواه ابن قتيبة فى كتاب المعارف فيجوز ان يكون بين يوسف وموسى مدة عمر فرعون تقريبا فيكون الخطاب لفرعون وجمع لأن المجيىء اليه بمنزلة المجيىء الى قومه والا فأهل عصر موسى لم يروا يوسف بن يعقوب والاظهر على نسبة احوال الآباء الى الاولاد وتوبيخ المعاصرين بحال الماضين اى ولقد جاء ايها القبط آباءكم الاقدمين وهذا كما قال الله تعالى {أية : فلم تقتلون انبياء الله من قبل} تفسير : وانما اراد به آباءهم لأنهم هم القاتلون ثم لا يلزم من هذا ان يكون فرعون موسى من اولاد فرعون يوسف على ما ذهب اليه البعض وقيل المراد يوسف بن افرائيم بن يوسف الصديق اقام نبيا عشرين سنة {فما زلتم} من زال ضد ثبت اى دمتم {فى شك مما جاءكم به} من الدين الحق {حتى اذا هلك} بالموت يعنى تاآنكاه كه بمرد {قلتم} ضما الى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده {لم يبعث الله من بعده رسولا} وقال الكاشفى جون سخن اين رسول نشنيديم ديكرى نخواهد آمد ازترس آنكه در قول او تردد كنيم. وفى الآية اشارة الى أن فى الانسان ظلومية وجهولية لو خلى وطبعه لا يؤمن بنبى من انبياء ولا بمعجزاتهم انها آيات الحق تعالى وهذه طبيعة المتقدمين والمتأخرين منهم وانما المهتدى من يهديه الله بفضله وكرمه ومن انكارهم الطبيعى انهم ما آمنوا بنبوة يوسف فلما هلك انكروا ان يكون بعده رسول الله وذلك من زيادة شقاوة الكافرين كما ان من كمال سعادة المؤمنين أن يؤمنوا بالانبياء قبل نبيهم {كذلك} اى مثل ذلك الاضلال الفظيع {يضل الله} كمراه سازد خداى تعالىدر بوادىء طغيان {من هو مسرف} فى عصابة {مرتاب} فى دينه شاك فى معجزات انبيائه لغلبة الوهم والتقليد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الذين يُجادلون}: بدل مِن {مَن هو} وإنما جمع؛ لأنه لم يرد مسرفاً واحداً، بل كل مسرف. يقول الحق جلّ جلاله: حاكياً لقول المؤمن: {ولقد جاءكم يوسُف}، هو ابن يعقوب، وقيل: يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب، أقام فيهم نبيّاً عشرين سنة، وقال وهب: فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمَّر إلى زمنه، وقيل: هو فرعون آخر؛ لأن كل مَن ملك مصر يُقال له فرعون، وهذا أظهر. وقول الجلال المحلي: هو يوسف بن يعقوب في قولٍ، عمّر إلى زمنه، سهو. وإنما قيل ذلك في فرعون لا في يوسف. قلت: والتحقيق: أنه وبّخهم بما فعل أسلافهم؛ لأنهم على مِنوالهم، راضون بما فعلوا، فالمراد بيوسف، هو الصِّدِّيق، فما زالوا مترددين في رسالته حتى مات، واستمر خلفهم على ذلك إلى زمن موسى، وقوله تعالى: {من قبلُ} أي: من قبل موسى، أي: جاءكم يوسف {بالبينات}؛ بالمعجزات الواضحة، كتعبير الرؤيا، ودلائل التوحيد، كقوله: {أية : ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ...} تفسير : [يوسف: 39] الآية، وملكه أموالهم ورقابهم في زمن المسبغة، وغير ذلك مما دلّ على رسالته. {فما زلتم في شكٍّ مما جاءكم به} من الدين {حتى إِذا هَلَكَ} بالموت {قُلْتم لن يبعثَ الله من بعده رسولاً}، حكماً من عند أنفسكم، من غير برهان، أي: أقمتم على كفركم، وظننتم أن لا يجدّد عليكم إيجاب الحجة. قال القشيري: يقال: إن تكذيبهم وتكذيب سلفهم للأنبياء ـ عليهم السلام ـ كان قديماً حتى أهلكهم، كذلك يفعل بهؤلاء. هـ. {كذلك يُضِلُّ الله مَن هو مُسْرِفٌ مرتابٌ} أي: مثل ذلك الإضلل الفظيع يُضل الله مَن هو مسرف في عصيانه، شاكّ في دينه، لم يتفكّر فيما شهدت البينات بصحته؛ لِغلبة الوهم، والانهماك في التقليد. ثم فسّره فقال: {الذين يُجادِلون في آيات الله} بالرد والإبطال {بغير سلطانٍ}؛ بغير حجة واضحة، تصلح للتمسُّك بها في الجملة، {أتاهم}: صفة لسلطان، أي: بغير برهان جاءهم بصحة ذلك، {كَبُرَ مقتاً} أي: عَظُمَ بُغضاً {عند الله وعند الذين آمنوا}، وفيه ضرب من التعجُّب والاستعظام. وفي "كبُر" ضمير يعود على "مَنْ" وتذكيره باعتبار اللفظ. {كذلك} أي: مثل ذلك الطبع الفظيع {يَطْبَعُ الله على كل قلب متكبر جبَّار} فيصدر منه أمثال ما ذكر من الإسراف، والارتياب، والمجادلة بالباطل. ومَن قرأ بالتنوين فوصف لقلب، وإنما وصف بالتكبُّر والتجبُّر؛ لأنه منبعهما، كما تقول: سَمِعَتِ الأذنُ، كقوله: {أية : فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} تفسير : [البقرة: 283] وإن كان الإثم للجملة. والله تعالى أعلم. الإشارة: يُقال لأهل كل عصر: ولقد جاءكم فلان ـ لوليِّ تقدم قبلهم ـ بالآيات الدالة على صحة ولايته، فما زلتم، أي: ما زال أسلافكم من أهل عصره ـ في شك منه، حتى إذا مات ظهرت ولايته، وأقررتم بها، وقلتم: لن يبعث الله من بعده وليّاً، وهذه عادة العامة، يُقرون الأموات من الأولياء، ويُنكرون الأحياء. وهي نزعة أهل الكفر والضلال كذلك يُضل الله مَن هو مسرف مرتاب، كالذين يُخاصمون في ثبوت الخصوصية عند أربابها، من غير برهان، وهو شأن المنكرين، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار. ثم ذكر عتو فرعون وطغيانه، فقال: {وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ} عطف او حال فيه معنى التّعليل {يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ} اقررتم به لارتضائكم بالغائب عن انظاركم دون الحاضر عندكم وجعلتموه خاتم الرّسالة و {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} او المعنى حتّى اذا هلك بقيتم على كفركم وقلتم: لن يبعث الله من بعده رسولاً {كَذَلِكَ} الضّلال الّذى كنتم انتم واسلافكم عليه {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} متجاوزٌ عن حدّه {مُّرْتَابٌ} اى شأنه الارتياب وليس له حالة يقين بما ينبغى ان يتيقّن.

الأعقم

تفسير : {ولقد جاءكم يوسف} يعني يوسف بن يعقوب {من قبل بالبينات} أي بالحجج والمعجزات، أي قبل موسى، وقيل: من قبل المؤمن، وقيل: هو يوسف بن إبراهيم، وقيل: أن فرعون موسى هو فرعون يوسف عَمّر إلى زمنه، وقيل: هو فرعون آخر وبخهم بأن يوسف أتاهم بالمعجزات فشككتم فيها ولم تزالوا شاكين كافرين {حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً} حكماً من عند أنفسكم من غير برهان وتقدمة عزم منكم على تكذيب الرسل، فإذا جاء رسول جحدتم وكذبتم بناء منكم على حكمكم الباطل، وليس قولهم: {لن يبعث الله من بعده رسولاً} تصديق لرسالة يوسف، فكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها وإنما هو تكذيب لرسالته من بعده {كذلك} الكاف للتشبيه {يضل الله من هو مسرف} يعني أنهم لما كذبوا الرسل خذلهم الله فضلوا، وإنما فعل ذلك لأن في معلومه أن ليس لهم لطف، وقيل: كذلك يعاقب كل كافر ويضله عن طريق الجنة {مرتاب} شاك في دينه {الذين يجادلون في آيات الله} أي يخاصمون في حججه {بغير سلطان أتاهم} أي بغير حجة أتتهم في ذلك من الله {وعند الذين آمنوا} يعني أنه تعالى يبغض ذلك الفعل اليهم {كذلك يطبع الله} أي هكذا يعاقب والطبع علامة في القلب يتميز به الكافر من المؤمن {على كل قلب متكبر} من عباد الله {جبار}، قيل: المتجبر الذي يأنف عن قبول الحق، ثم بيَّن تعالى ما أمر به فرعون عند الانقطاع عن الحجة، فقال سبحانه: {وقال فرعون يا هامان}، قيل: هو وزيره وصاحب أمره {ابن لي صرحاً}، قيل: قصراً عالياً، وأمره بالصرح لا يخلو من وجهين: أحدهما أن يكون تمويهاً على العوام وليس له أن يتمكن من صعود السماوات، وثانيها أن يكون من جهله اعتقاداً منه أنه يقدر على بلوغ السماء، وفيه على كل حال جهل، قال الحسن: إنما قال ذلك تمويهاً وكذباً وهو يعلم أن له إلهاً {لعلي أبلغ الأسباب} {أسباب السماوات}، قيل: منازل السماوات، وقيل: أبوابها {فاطلع إلى إله موسى} أي أنظر إليه فأراه {وإني لأظنه كاذباً} يعني أظن موسى يكذب فيما يقول له آلهاً غيري {وكذلك} أي هكذا {زيّن لفرعون سوء عمله}، قيل: زين له نفسه سوء عمله، وقيل: زينه قومه وأتباعه، وقيل: شياطين الإِنس والجن {وصدّ عن السبيل} ضيّع عن طريق الحق {وما كيد فرعون} أي مكره وحيلته {إلاَّ في تباب} أي في خسران، وقيل: في هلاك {وقال الذي آمن} يعني مؤمن آل فرعون عن الحسن ومجاهد، وقيل: هو موسى عن أبي علي {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} طريق الحق، وقيل: طريق الثواب {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} فيتمتع بها كل أحد ثم ينقطع {وإن الآخرة هي دار القرار}، قيل: استقرت الجنة بأهلها والنار بأهلها والقرار المحل الذي يستقر فيه الإِنسان.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءكُـمْ يُوسُفُ } بن يعقوب عليهما السلام {مِن قَبْلُ } أي من قبل موسى {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } الأمور الظاهرة الدالة على صدقه {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُـمْ بِهِ } من الدين {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ } بالموت {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً } غاية لقوله: {فَمَا زِلْتُمْ } وأرادوا بقولهم: {لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً } تكذيب رسالته ورسالة غيره أي لا رسول فيبعث فهم بعد الشك بتوا بهذا التكذيب ويكون ذلك ترقياً. ويجوز أن يكون الشك في رسالته على حاله وبتهم إنما هو بتكذيب رسالة غيره من بعده، وقيل: يحتمل أن يكونوا أظهروا الشك في حياته حسداً وعناداً علما مات عليه السلام أقروا بها وأنكروا أن يبعث / الله تعالى من بعده رسولاً وهو خلاف الظاهر، ومجىء يوسف بن يعقوب عليهما السلام المخاطبين بالبينات قيل: من باب نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد وكذلك نسبة الأفعال الباقية إليهم، وجوز كون بعض الذين جاءهم يوسف عليه السلام حقيقة حياً؛ ففي بعض التواريخ أن وفاة يوسف عليه السلام قبل مولد موسى عليه السلام بأربع وستين سنة فيكون من نسبة حال البعض إلى الكل، واستظهر في «البحر» أن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى عليه السلام، وذكر عن أشهب عن مالك أنه بلغه أنه عمر اربعمائة وأربعين سنة. والذي ذكره أغلب المؤرخين أن فرعون موسى اسمه الريان وفرعون يوسف اسمه الوليد. وذكر القرطبـي أن فرعون الأول من العمالقة وهذا قبطي، وفرعون يوسف عليه السلام مات في زمنه، واختار القول بتغايرهما، وأمر المجيء وما معه من الأفعال على ما سمعت. وقيل: المراد بيوسف المذكور هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف الصديق أرسله الله تعالى نبياً فأقام فيهم عشرين سنة وكان من أمرهم ما قص الله عز وجل. ومن الغريب جداً ما حكاه النقاش والماوردي أن يوسف المذكور في هذه السورة من الجن بعثه الله تعالى رسولاً إليهم، نقله الجلال السيوطي في «الإتقان» ولا يقبله من له أدنى إتقان. نعم القول بأن للجن نبياً منهم اسمه يوسف أيضاً مما عسى أن يقبل كما لا يخفى. وقرىء {ألن يبعث} بإدخال همزة الاستفهام على حرف النفي كأن بعضهم يقرر بعضاً على نفي البعثة. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الإضلال الفظيع {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } في العصيان {مُّرْتَابٌ } في دينه شاك فيما تشهد به البينات لغلبة الوهم والانهماك في التقليد.

ابن عاشور

تفسير : وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُم لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعدِهِ رَسُولاً}. توسم فيهم قلة جدوى النصح لهم وأنهم مصممون على تكذيب موسى فارتقى في موعظتهم إلى اللوم على ما مضى، ولتذكيرهم بأنهم من ذرية قوم كذّبوا يوسف لما جاءهم بالبينات فتكذيب المرشدين إلى الحق شنشنة معروفة في أسلافهم فتكون سجية فيهم. وتأكيد الخبر بــــ (قد) ولام القسم لتحقيقه لأنهم مظنة أن ينكروه لبعد عهدهم به. فالمجيء في قوله: {جاءكم} مستعار للحصول والظهور والباء للملابسة، أي ولقد ظهر لكم يوسف ببيّنات. ولا يلزم أن يكون إظهار البينات مقارناً دعوةً إلى شرع لأنه لما أظهر البينات وتحققوا مكَانتهُ كان عليهم بحكم العقل السليم أن يتبينوا آياته ويستهدوا طريقَ الهدى والنجاة، فإن الله لم يأمر يوسف بأن يدعو فرعون وقومه، لحكمة لعلَّها هي انتظار الوقت والحالِ المناسب الذي ادخره الله لموسى عليه السلام. والبيّنات: الدلائل البينة المظهرة أنه مصطَفى من الله للإِرشاد إلى الخير، فكان على كل عاقل أن يتبع خطاه ويترسم آثاره ويسأله عما وراء هذا العالم الماديِّ، بناء على أن معرفة الوحدانية واجبة في أزمان الفترات: إما بالعقل، أو بما تواتر بين البشر من تعاليم الرسل السابقين على الخلاف بين المتكلمين. والبينات: إخباره بما هو مغيب عنهم من أحوالهم بطريق الوحي في تعبير الرُّؤَى، وكذلك آية العصمة التي انفرد بها من بينهم وشهدت له بها امرأة العزيز وشاهِدُ أهلها حتى قال المَلِك: {أية : ائتوني به استخلصه لنفسي}تفسير : [يوسف: 54]، فكانت دلائل نبوءة يوسف واضحة ولكنهم لم يستخلصوا منها استدلالاً يقتفون به أثره في صلاح آخرتهم، وحرصوا على الانتفاع به في تدبير أمور دنياهم فأودعوه خزائن أموالهم وتدبير مملكتهم، فقال له الملِك:{أية : إنك اليوم لدينا مكين أمين}تفسير : [يوسف: 54]. ولم يخطر ببالهم أن يسْترشدوا به في سلوكهم الديني. فإن قلت: إذا لم يهتدوا إلى الاسترشاد بيوسف في أمور دينهم وألهاهم الاعتناء بتدبير الدنيا عن تدبير الدين فلماذا لم يدْعُهم يوسف إلى الاعتقاد بالحق واقتصر على أن سَأَل من الملك: {أية : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}تفسير : [يوسف: 55]. قلت: لأن الله لم يأمره بالدعوة للإِرشاد إلا إذا سُئل منه ذلك لحكمة كما علمت آنفاً، فأقامه الله مقام المفتي والمرشد لمن استرشد لا مقام المحتسب المغيِّر للمنكر، و{أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته}تفسير : [الأنعام: 124]، فلما أقامه الله كذلك وعَلِم يوسف من قول الملك: {أية : إنك اليوم لدينا مكين أمين}تفسير : [يوسف: 54] أن الملك لا يريد إلا تدبير مملكته وأمواله، لم يسأله أكثر مما يفي له بذلك. وأما وجوب طلبهم المعرفة والاسترشاد منه فذلك حق عليهم، فمعنى: {فَمَا زِلْتُم في شَكّ مِمَّا جَاءَكُم به} الإِنحاء على أسلافهم في قلة الاهتمام بالبحث عن الكمال الأعلى وهو الكمال النفساني باتباع الدين القويم، أي فما زال أسلافكم يشعرون بأن يوسف على أمر عظيم من الهُدى غير مألوف لهم ويهرعون إليه في مهماتهم ثم لا تعزم نفوسهم على أن يطلبوا منه الإرشاد في أمور الدين. فهم من أمره في حالة شك، أي كان حاصل ما بلغوا إليه في شأنه أنهم في شك مما يكشف لهم عن واجبهم نحوه فانقضت مدة حياة يوسف بينهم وهم في شك من الأمر. فالملام متوجه عليهم لتقصيرهم في طلب ما ينجيهم بعد الموت قال تعالى: {أية : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها}تفسير : [الإسراء: 18] الآيتين. و {حتى} للغاية وغايتها هو مضمون الجملة التي بعدها وهي جملة: {إذَا هَلَكَ}، و {إذَا} هنا اسم لزمان المضي مجرورة بــــ (حتى) وليست بظرف، أي حتى زمنِ هلاك يوسف قُلتم: لن يَبعث الله من بعده رسولاً، أي قال أسلافكم في وقت وفاة يوسف: لا يبعث الله في المستقبل أبداً رسولاً بعد يوسف، يعنون: أنا كنا مترددين في الإِيمان بيوسف فقد استرحنا من التردد فإنه لا يجيء من يدَّعِي الرسالة عن الله من بعده، وهذا قول جَرى منهم على عادة المعاندين والمقاومين لأهل الإِصلاح والفضل أن يعترفوا بفضلهم بعد الموت تندماً على ما فاتهم من خير كانوا يَدعونهم إليه. وفيه ضرب من المبالغة في الكمال في عصره كما يقال: خاتمة المحققين، وبقية الصالحين، ومن لا يأتي الزمان بمثله، وحاصله أنهم كانوا في شك من بعثة رسول واحد، وأنهم أيقنوا أن من يَدّعي الرسالة بعده كاذب فلذلك كذبوا موسى. ومقالتهم هذه لا تقتضي أنهم كانوا يؤمنون بأنه رسول ضرورةَ أنهم كانوا في شك من ذلك وإنما أرادوا بها قطع هذا الاحتمال في المستقبل وكشفَ الشك عن نفوسهم وظاهر هذه الآية أن يوسف كان رسولاً لظاهر قوله: {قلتم لَن يَبْعثَ الله من بَعْدِهِ رَسُولاً} أن رسولاً حال من ضمير {من بعده}. والوجه أن يكون قوله: {رسولا} مفعولَ {يبعث} وأنه لا يقتضي وصف يوسف به فإنه لم يَرِد في الأخبار عدّة في الرسل ولا أنه دعا إلى دين في مصر وكيف والله يقول: {أية : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله}تفسير : [يوسف: 76] ولا شك في أنه نبيء إذا وجد مساغاً للإرشاد أظهره كقوله: {أية : يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}تفسير : [يوسف: 39، 40] وقوله: {أية : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتَّعبتُ ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء}تفسير : [يوسف: 37،38]. وعدي فعل {جاءكم} إلى ضمير المخاطبين. وأسند {فما زِلْتُمْ} و {قلتم} إلى ضميرهم أيضاً، وهم ما كانوا موجودين حينئذٍ قصداً لحمل تبعة أسلافهم عليهم وتسجيلاً عليهم بأن التكذيب للناصحين واضطراب عقولهم في الانتفاع بدلائل الصدق قد ورثوه عن أسلافهم في جبلّتهم وتقرر في نفوسهم فانتقاله إليهم جيلاً بعد جيل كما تقدم في خطاب بني إسرائيل في سورة [البقرة: 49]: {أية : وإذا نجيناكم من آل فرعون}تفسير : ونحوه. جرى أكثر المفسرين على أن هذه الجمل حكاية لبقية كلام المؤمن وبعضهم جعل بعضها من حكاية كلام المؤمن وبعضَها كلاماً من الله تعالى، وذلك من تجويز أن يكون قوله: {الَّذِينَ يِجٰدِلُونَ} الخ بدلاً أو مبتدأ، وسكت بعضهم عن ذلك مقتصراً على بيان المعنى دون تصدّ لبيان اتصالَها بما قبلها. والذي يظهر أن قوله: {كَذٰلك يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} إلى قوله: {جَبَّارٍ}. كله من كلام الله تعالى معترَض بين كلام المؤمن وكلام فرعون فإن هذا من المعاني الإِسلامية قصد منه العبرة بحال المكذبين بموسى تعريضاً بمشركي قريش، أي كضلال قوم فرعون يضل الله من هو مسرف مرتاب أمثالكم، فكذلك يكون جزاؤكم، ويؤيد هذا الوجه قوله في آخرها: {وَعِندَ الَّذِينَ ءامَنُوا} فإن مؤمن آل فرعون لم يكن معه مؤمن بموسى وهارون غيره، وهذا من باب تذكر الشيء بضده، ومما يزيد يقيناً بهذا أن وصف {الذين يجادلون في آيات الله} تكرر أربع مرات من أول هذه السورة، ثم كان هنا وسطاً في قوله: {أية : إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه}تفسير : [غافر: 56]، ثم كان خاتمة في قوله: {أية : ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} تفسير : [غافر: 69]. والإِشارة في قوله كذلك: إلى الضلال المأخوذ من قوله: {يُضِلُّ الله} أي مثل ذلك الضلال يضل الله المسرفين المرتابين، أي أن ضلال المشركين في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم مثل ضلال قوم فرعون في تكذيبهم موسى عليه السلام. والخطاب بالكاف المقترنة باسم الإِشارة خطاب للمسلمين. والمسرف: المُفْرِط في فعل لا خير فيه. والمرتاب: الشديد الريب، أي الشك. وإسناد الإِضلال إلى الله كإسناد نفي الهداية إليه في قوله: {أية : إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب}تفسير : [غافر: 28]، وتقدم آنفاً. وقوله: {الذين يجادلون في آيات الله} يجوز أن يكون مبتدأ خبره {كَبُرَ مُقْتاً} ويجوز أن يكون بدلاً من (مَن) في قوله: {من هو مسرف مرتاب} فبيّن أن مَاصْدَقَ (مَن) جماعة لا واحد، فروعي في {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرتاب} لفظ (مَن) فأخبر عنه بالإِفراد، وروعي في البدل معنى (مَن) فأبدل منه موصول الجمع. وصلة {الذين} عُرف بها المشركون من قريش قال تعالى: {أية : إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا}تفسير : [فصلت: 40] وقال في هذه السورة [4]: {أية : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد}تفسير : . واختيار المضارع في {يجادلون} لإِفادة تجدد مجادلتهم وتكررها وأنهم لا ينفكون عنها. وهذا صريح في ذمهم وكنايةٌ عن ذم جدالهم الذي أوجب ضلالهم. وفي الموصولية إيماء إلى علة إضلالهم، أي سببُ خلق الضلال في قلوبهم الإِسراف بالباطل تكررُ مجادلتهم قصداً للباطل. والمجادلة: تكرير الاحتجاج لإِثبات مطلوب المجادل وإبطال مطلوب مَن يخالفهُ قال تعالى: {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن}تفسير : [النحل: 125]، فمن المجادلة في آيات الله المحاجّة لإِبطال دلالتها، ومنها المكابرة فيها كما قالوا: {أية : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب}تفسير : [فصلت: 5]، ومنها قطع الاستماع لها، كما قال عبد الله بن أُبَيّ بنُ سلول في وقت صراحة كفره للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً فيه ابن سلول فقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن سلول لاَ أحسنَ مما تقول أيُّها المرءُ ولاَ تَغْشَنَا به في مجالسنا واجلِسْ في رحلك فمن جاءك فاقْرَأ عليه. و{بِغَيْرِ سُلْطٰانٍ} مُتعلق بــــ {يجادلون}، والباء للاستعانة، والسلطان: الحجة. والمعنى: أنهم يجادلون بما ليس بحجة ولكن باللَّجاج والاستهزاء. و {أتاهم} صفة لــــ {سلطان}. والإِتيان مستعار للظهور والحصول. وحصول الحجة هو اعتقادها ولَوْحُها في العقل، أي يجادلون جدلاً ليس مما تثيره العقول والنظر الفكري ولكنه تمويه وإسكات. وجملة {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله} خبر {إنَّ من باب الإِخبار بالإِنشاء، وهي إنشاء ذمِّ جدالِهم المقصود منه كَمُّ فم الحق، أي كبر جدالهم مَقْتاً عند الله، ففاعل كبر} ضمير الجدال المأخوذ من {يجادلون} على طريقة قوله: {أية : إعدلوا هو أقرب للتقوى} تفسير : [المائدة: 8]. و {مقتاً} تمييز للكُبْر وهو تمييز نسبة محول عن الفاعل، والتقدير: كبر مَقْتُ جدالهم. وفعل {كبر} هنا ملحق بأفعال الذم مثل: ساء، لأن وزن فَعْل بضم العين يجيء بمعنى: نِعْم وبِئس، ولو كانت ضمة عينه أصلية وبهذا تفظيع بالصراحة بعد أن استفيد من صلة الموصول أن جدالهم هو سبب إضلالهم ذلك الإِضلال المكين، فحصل بهذا الاستئناف تقرير فظاعة جدالهم بطريقي الكناية والتصريح. والكِبَر: مستعار للشدة، أي مُقِت جدالُهم مَقْتاً شديداً. والمقت: شدة البغض، وهو كناية عن شدة العقاب على ذلك من الله. وكونه مَقتاً عند الله تشنيع لهم وتفظيع. أما عطف {وَعِندَ الذِينَ ءامَنُوا} فلم أر في التفاسير الكثيرة التي بين يدي من عَرج على فائدة عطف {وعند الذين آمنوا} ما عدا المَهائمي في «تبصرة الرحمان» إذ قال: {كَبُرَ مقْتَاً عِندَ الله} وهو موجب للإِضلال، ويدل على أنه كبر مقتاً أنه عند الذين آمنوا، وهم المظاهر التي يظهر فيها ظهورُ الحق ا هــــ. وكلمة المهائمي كلمة حسنة يعني أن كونه مقتاً عند الله لا يحصل في علم الناس إلا بالخبَر فزيد الخبر تأييداً بالمشاهدة فإن الذين آمنوا على قِلتهم يومئذٍ يظهر بينهم بغض مجادلة المشركين. وعندي: أن أظهرَ من هذا أنّ الله أراد التنويه بالمؤمنين ولم يُرد إقناع المشركين فإنهم لا يعبأون ببغض المؤمنين ولا يصدقون ببغض الله إيّاهم، فالمقصود الثناء على المؤمنين بأنهم يكرهون الباطل، كما قال: {أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}تفسير : [التوبة: 71] مع الإِشارة إلى تبجيل مكانتهم بأن ضمت عنديتهم إلى عندية الله تعالى على نحو قوله تعالى: { أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم}تفسير : [آل عمران: 18] وقوله: {أية : يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}تفسير : [الأنفال: 64] وقوله: {أية : هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين}تفسير : [الأنفال: 62] ونحو حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر حديث كلام الذئب فتعجب بعض من حضر فقال: "آمنت بذلك وأبُو بكر"تفسير : ولم يكن أبو بكر في المجلس. وفي إسناد كراهية الجدال في آيات الله بغير سلطان للمؤمنين تلقين للمؤمنين بالإِعراض عن مجادلة المشركين على نحو ما في قوله تعالى: {أية : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه}تفسير : [القصص: 55]، وقوله: {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} تفسير : [الفرقان: 63] وقوله: {أية : وإذا مروا باللغو مروا كراماً}تفسير : [الفرقان: 72]. والقول في {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} كالقول في {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب}. والطبع: الختم، وتقدم في قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : في سورة [البقرة: 7]. والختم والطبع والأَكِنَّة: خَلْق الضلالة في القلب، أي النفس. والمتكبر: ذو الكبْر المبالغ فيه ولذلك استعيرت صيغة التكلف. والجبّار: مثال مبالغة من الجبر، وهو الإكراه، فالجبار: الذي يُكره الناس على ما لا يحبون عمله لظلمه. وقرأ الجمهور: {على كل قلب متكبر} بإضافة {قلب} إلى {متكبر}. وقرأ أبو عمرو وحْده وابنُ ذكوان عن ابن عامر بتنوين {قلبٍ} على أن يكون {متكبر} و {جبار} صفتين لــــ {قلب}، ووصفُ القلب بالتكبر والجبر مجاز عقلي. والمقصود وصف صاحبه كقوله تعالى: {أية : فإنه آثم قلبه}تفسير : [البقرة: 283] لأنه سبب الإِثم كما يقال: رأتْ عيني وسمعتْ أُذْني.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 34- لقد أتاكم يوسف من قبل موسى بالآيات الواضحات، فما زلتم فى شك مما أتاكم به، حتى إذا مات قلتم: لن يرسل الله من بعد يوسف رسولا، مثل هذا الإضلال الشنيع يُضل الله من هو مجاوز الحد، كثير الشك والارتياب. 35- الذين يجادلون فى آيات الله بغير برهان جاءهم، كَبُرَ كرهاً وسخطاً عند الله وعند المؤمنين ما انطبعوا عليه من الجدال، مثل هذا الختم يختم الله على كل قلب متعال على الخلق، متسلط على الناس. 36، 37- وقال فرعون: يا هامان ابن لى بناءً عالياً رجاء أن أبلغ المسالك، مسالك السموات فأرى إله موسى، وإنى لأظنه كاذباً فى دعوى الرسالة، ومثل هذا التزين الباطل زين لفرعون سوء عمله حتى رآه حسناً، ومنع عن سبيل الحق لاختياره سبيل الضلالة، وليس مكر فرعون إلا فى خسار عظيم. 38- وقال الذى آمن من قوم فرعون: يا قوم اقتدوا بى أرشدكم طريق الصلاح. 39- يا قوم: ما هذه الحياة الدنيا إلا كمتاع الراكب يفنى بسرعة، وإن الدار الآخرة هى - وحدها - دار الاستقرار. 40- من عمل سيئة فى الدنيا فلا يُجازى عليها فى الآخرة إلا مثلها، ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها رزقاً غير مقدر بحساب الحاسبين.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (34) - وَلَقَدْ جَاءَ يُوسُفُ أَسْلاَفَكُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ بِالآيَاتِ الوَاضِحَاتِ، وَالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَاتِ فَارْتَابُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَشَكُّوا فِي صِدْقِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَتَّى إِذَا مَاتَ قَالُوا: لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ نِقَمِهِ وَبَأْسِهِ. وَاللهُ تَعَالَى يُضِلُّ مِثْلَ هَذَا الضَّلاَلِ البَيِّنِ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ فِي مَعَاصِيهِ شَاكٌ فِي وَحْدَانِيَّةِ الله. مُرْتَابٌ - شَاكٌّ فِي دِينِ اللهِ وَوحدَانِيَّتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لما جاء يوسف عليه السلام لم يكُنْ في زمنه فرعونٌ على مصر، إنما كان هناك ملك هو العزيز، لذلك لما تقرأ قصة سيدنا يوسف عليه السلام لا تجد ذكراً لفرعون أبداً كما في قصة سيدنا موسى، ولما عرفنا أحداث التاريخ المتعاقبة واستطعنا أن نُرجع الأحداث إلى أزمانها عرفنا أن يوسف كان في فترة ملوك الرعاة (الهكسوس)، وهؤلاء بعد أنْ دخلوا مصر قضوا على حكم الفراعنة وألغوا الفرعونية وجعلوا أنفسهم ملوكاً، لذلك يقول في القصة {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} تفسير : [يوسف: 43] ولم يقُل فرعون. ولما عادتْ الفرعونيةُ مرة أخرى أخذوا يضطهدون بني إسرائيل لأنهم كانوا يناصرون الملك ويؤيدونه. قوله {بِٱلْبَيِّنَاتِ} [غافر: 34] أي: الآيات الواضحات الدالة على صدقه في البلاغ عن الله {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ} [غافر: 34] أي: تشكُّون في صدق رسالته {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ} [غافر: 34] يعني: مات {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} [غافر: 34] قالوا: ذلك لأنهم ينكرون الرسالة، فهم في أنفسهم منافقون {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} [غافر: 34] يعني: متجاوز للحد {مُّرْتَابٌ} [غافر: 34] شَاكٌّ في الرسالة مُكذِّب لها.

الجيلاني

تفسير : ثم قال القائل المذكور تسجيلاً على غيهم وضلالهم: {وَ} كيف تستبعدون نبوة هذا المدعي ورسالته من عند الله مع أنه ليس ببدع منه، بل {لَقَدْ جَآءَكُـمْ} أي: على آبائكم وأسلافكم {يُوسُفُ} ابن يعقوب رسولاً {مِن قَبْلُ} أي: من قبل هذا المدعي مؤيداً من عنده سبحانه {بِٱلْبَيِّنَاتِ} المبينة الموضحة لدعواه ورسالته {فَمَا زِلْتُمْ} أي: كنتم دائماً مستمراً سلفاً وخلفاً {فِي شَكٍّ} وتردد {مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ} في أمر الدين وشأن التوحيد واليقين {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ} أي: مات يوسف عليه السلام وانقرض زمانه {قُلْتُمْ} من كمال تعنتكم وعنادكم على سبيل الجزم، بلا دليل وبرهان نزل عليكم عقلاً ونقلاً: {لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} مع أنكم شاكون في رسالته أيضاً، بل في مطلق الرسالة والإنزال من الله الواحد القهار. {كَذَلِكَ} أي: مثل ضلالكم هذا {يُضِلُّ ٱللَّهُ} المضل المغوي بمقتضى قهره وجلاله جميع {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} في الخروج عن مقتضى الحدود املوضوعة لحفظ القسط الإلهي والاعتدال الحقيقي {مُّرْتَابٌ} [غافر: 34] شاك فيما يثبته البينات الواضحة والمعجزات اللائحة. وبالجملة: المسرفون المكابرون {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على توحيده، واستقلاله بالتصرفات الواقعة في ملكه وملكوته {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} أي: حجة قاطعة وبرهان واضح {أَتَاهُمْ} على سبيل الإلهام والوحي والبيان {كَبُرَ} وعظم حالهم وشأنهم هذا {مَقْتاً} أي: ليكون سبباً لمقتهم وهلاكهم {عِندَ ٱللَّهِ} أصالة {وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وكمال قدرته على أنواع الإنعام والانتقام تبعاً {كَذَلِكَ} أي: مثل ما سمعت يا أكمل الرسل و{يَطْبَعُ} ويختم {ٱللَّهُ} العليم الحكيم {عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ} مجبول على الشقاوة والضلال في أزل الآزال {مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] يمشي على الأرض خيلاء ويضر بأهلها، وإنما أمهله سبحانه هكذا؛ ليوفر عليه عذابه المعد لأجله، ويخلده في نار القطيعة والحرمان أبد الآباد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أسباب الارتياب بقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ} [غافر: 34]، يشير إلى أن الإنسان من ظلوميته وجهوليته لو خلى إلى طبيعته لا يؤمن بنبي من الأنبياء، ولا بمعجزاتهم أنها آيات الحق تعالى، وهذا طبيعة المتقدمين والمتأخرين منهم، وأن المهتدي منهم من يهده الله بفضله وكرمه، ومن إنكارهم الطبيعي أنهم ما آمنوا بنبوة يوسف عليه السلام فلما هلك أنكروا أن يكون بعده رسولاً. كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ} [غافر: 34]؛ أي: يكله إلى إنكاره الطبيعي {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} [غافر: 34] في طلب الدنيا وشهواتها، {مُّرْتَابٌ} [غافر: 34] في دعوى الإيمان والطلب. {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} [غافر: 35]؛ أي: بغير شاهد من شواهد الحق تعالى أتاهم من الله بوادة الحق {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ} [غافر: 35]، أن يقولوا على الله ما لا تعلمون، {وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [غافر: 35] أن يجادلوهم بالباطل {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35]؛ أي: كذلك بطريق تكبر المتكبر، وتمرد الجبار والجدال بالباطل يختم الله تعالى بخاتم المقت على كل قلب متصف بالكبر والجبروت. وبقوله: {وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ} [غافر: 36]، يشير إلى أن من ظن الله سبحانه في السماء كما ظن فرعون فإنه فرعون وقته، ولو لم يكن من المضاهاة بين من يعتقد أن الله تعالى في السماء وبين الكافر إلا هذا لكفى به خزياً لمذهبهم وغلط اعتقادهم، فإن فرعون غلط إذ توهم أن الله في السماء، ولو كان في السماء لكان فرعون مصيباً في طلبه من السماء، وقوله: {أَسْبَابَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} [غافر: 37] دل على أن اعتقاده أن الله في السماء خطأ، وأنه بذلك مصدود عن سبيل الله، {وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} [غافر: 37] في طلب الله عن السماء، {وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} [غافر: 37] خسران وضلالة.