٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِى ءَايَٰتِ ٱللَّهِ } معجزاته مبتدأ {بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ } برهان {أَتَٰهُمْ كَبُرَ } جدالهم خبر المبتدأ {مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ } أي مثل إضلالهم {يَطْبَعُ } يختم {ٱللَّهِ } بالضلال {عَلَىٰ كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } بتنوين «قلْب» ودونه، ومتى تكبَّر القلب تكبَّر صاحبه وبالعكس و كلِّ على القراءتين لعموم الضلال جميع القلوب لا لعموم القلب.
النسفي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ } بدل من {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } وجاز إبداله منه وهو جمع لأنه لا يريد مسرفاً واحداً بل كل مسرف {فِى ءَايَٰتِ الله} في دفعها وإبطالها {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ } حجة {أَتَـٰهُمْ كَبُرَ مَقْتاً } أي عظم بغضاً، وفاعل {كَبُرَ } ضمير {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } وهو جمع معنى وموحد لفظاً فحمل البدل على معناه والضمير الراجع إليه على لفظه، ويجوز أن يرفع {ٱلَّذِينَ } على الابتداء، ولا بد في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في {كَبُرَ } تقديره جدال الذين يجادلون كبر مقتاً {عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ }. {قَلْبٍ } بالتنوين: أبو عمرو. وإنما وصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كما تقول: سمعت الأذن وهو كقوله: {أية : فإنه آثم قلبه} تفسير : [البقرة:283] وإن كان الآثم هو الجملة. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ } تمويهاً على قومه أو جهلاً منه {يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحاً } أي قصراً. وقيل الصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، ومنه يقال: صرح الشيء إذا ظهر {لَّعَـلِّى} وبفتح الياء: حجازي وشامي وأبو عمرو {أَبْلُغُ ٱلأَسْبَـٰبَ } ثم أبدل منها تفخيماً لشأنها وإبانة أنه يقصد أمراً عظيماً {أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ } أي طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه كالرشاء ونحوه {فَأَطَّلِعَ } بالنصب: حفص على جواب الترجي تشبيهاً للترجي بالتمني. وغيره بالرفع عطفاً على {أبلغ} {إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ } والمعنى فأنظر إليه {وَإِنِّى لأَظُنُّهُ } أي موسى {كَـٰذِباً } في قوله له إله غيري {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك التزيين وذلك الصد {زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءَ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } المستقيم. وبفتح الصاد: كوفي ويعقوب أي غيره صداً أو هو بنفسه صدوداً. والمزين الشيطان بوسوسته كقوله: {أية : وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ }تفسير : [النمل: 24]. أو الله تعالى، ومثله: {أية : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ }تفسير : [النمل: 4] {وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } خسران وهلاك. {وَقَالَ ٱلَّذِى ءَامَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ } {اتبعوني} في الحالين: مكي ويعقوب وسهل. {أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} وهو نقيض الغي، وفيه تعريض شبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي. أجمل أولاً، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها بقوله {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌ } تمتع يسير، فالإخلاد إليها أصل الشر ومنبع الفتن وثنى بتعظيم الآخرة وبين أنها هي الوطن والمستقر بقوله {وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ } ثم ذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف بقوله: {مَنْ عَمِـلَ سَـيَّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} {يُدخلون} مكي وبصري ويزيد وأبو بكر، ثم وازن بين الدعوتين دعوته إلى دين الله الذي ثمرته الجنات، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار بقوله {وَيٰقَوْمِ مَالِيَ } وبفتح الياء: حجازي وأبو عمرو {أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجٱوةِ} أي الجنة {وَتَدْعُونَنِى إِلَى ٱلنَّارِ تَدْعُونَنِى لأكْـفُرَ بِٱللَّهِ } هو بدل من {تَدْعُونَنِى } الأول يقال: دعاه إلى كذا ودعاه له كما يقال هداه إلى الطريق وهداه له {وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } أي بربوبيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يصح أن يعلم إلهاً {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ } وهو الله سبحانه وتعالى، وتكرير النداء لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة، وفيه أنهم قومه وأنه من آل فرعون. وجيء بالواو في النداء الثالث دون الثاني، لأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل وتفسير له بخلاف الثالث. {لاَ جَرَمَ } عند البصريين لا رد لما دعاه إليه قومه، و «جرم» فعل بمعنى حق و «أن» مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته {أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِى ٱلآخِرَةِ } معناه أن تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط أي من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته، وما تدعون إليه وإلى عبادته لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي الربوبية، أو معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة أو دعوة مستجابة، جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة، أو سميت الاستجابة باسم الدعوة كما سمي الفعل المجازي عليه بالجزاء في قوله: «كما تدين تدان» {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى ٱللَّهِ } وأن رجوعنا إليه {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ } وأن المشركين {هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُـمْ } أي من النصيحة عند نزول العذاب {وَأُفَوِّضُ } وأسلم {أَمْرِى } وبفتح الياء: مدني وأبو عمرو {إِلَى ٱللَّهِ } لأنهم توعدوه {إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } بأعمالهم ومالهم {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم، وقيل: إنه خرج من عندهم هارباً إلى جبل فبعث قريباً من ألف في طلبه فمنهم من أكلته السباع ومن رجع منهم صلبه فرعون {وَحَاقَ } ونزل. {بِأَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ ٱلعَذَابِ ٱلنَّارُ} بدل من {سُوءُ ٱلْعَذَابِ } أو خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار، أو مبتدأ خبره {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } وعرضهم عليها إحراقهم بها يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به. {غُدُوّاً وَعَشِيّاً } أي في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ذلك إما أن يعذبوا بجنس آخر أو ينفس عنهم، ويجوز أن يكون غدواً وعشياً عبارة عن الدوام هذا في الدنيا {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } يقال لخزنة جهنم {أَدْخلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ} من الإدخال: مدني وحمزة وعلي وحفص وخلف ويعقوب، وغيرهم {أدخلوا } أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون {أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } أي عذاب جهنم، وهذه الآية دليل على عذاب القبر. {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ } واذكر وقت تخاصمهم {فِى ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰؤُا لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } يعني الرؤساء {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } تباعاً كخدم في جمع خادم {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ } دافعون {عَنَّا نَصِيباً } جزاءً {مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا } التنوين عوض من المضاف إليه أي إنا كلنا فيها لا يغني أحد عن أحد {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ } قضى بينهم بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ } للقُوَّام بتعذيب أهلها. وإنما لم يقل «لخزنتها» لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً، ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار قعراً من قولهم «بئر جهنّام» بعيدة القعر وفيها أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله تعالى فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً } بقدر يوم من الدنيا {مِّنَ ٱلْعَذَابِ قَالُواْ } أي الخزنة توبيخاً لهم بعد مدة طويلة {أَوَلَمْ تَكُ } أي ولم تك قصة، وقوله {تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم } تفسير للقصة {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالمعجزات {قَالُواْ } أي الكفار {بَلَىٰ قَالُواْ } أي الخزنة تهكماً بهم {فَٱدْعُواْ } أنتم ولا استجابة لدعائكم {وَمَا دُعَٰؤُا ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } بطلان وهو من قول الله تعالى، ويحتمل أن يكون من كلام الخزنة. {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } أي في الدنيا والآخرة يعني أنه يغلبهم في الدارين جميعاً بالحجة والظفر على مخالفيهم وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحاناً من الله والعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين. و{يوم} نصب محمول على موضع الجار والمجرور كما تقول جئتك في أمس واليوم، والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب يريد الأنبياء والحفظة، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب والحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال. {تَقُومُ } بالتاء: الرازي عن هشام
الخازن
تفسير : {الذين يجادلون في آيات الله} قيل هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني الذين يجادلون في إبطال آيات الله بالتكذيب {بغير سلطان} أي بغير حجة وبرهان {أتاهم} من الله {كبر} أي ذلك الجدال {مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} قوله عز وجل: {وقال فرعون} يعني لوزيره {يا هامان ابن لي صرحاً} يعني بناء ظاهراً لا يخفى على الناظرين وإن بعد وقد تقدم ذكره في سورة القصص {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات} يعني طرقها وأبوابها من سماء إلى سماء {فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه} يعني موسى {كاذباً} أي فيما يدعي ويقول إن له رباً غيري {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل} قال ابن عباس رضي الله عنهما صده الله تعالى عن سبيل الهدى وقرىء وصد بالفتح أي وصد فرعون الناس عن السبيل {وما كيد فرعون إلا في تباب} أي وما كيده في إبطال آيات موسى إلا في خسار وهلاك. قوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} أي طريق الهدى {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي متعة ينتفعون بها مدة ثم تنقطع {وإن الآخرة هي دار القرار} يعني التي لا تزول والمعنى أن الدنيا فانية منقرضة لا منفعة فيها وأن الآخرة باقية دائمة والباقي خير من الفاني، قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً لكانت الآخرة خيراً من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} قيل معناه من عمل الشرك فجزاؤه جهنم خالداً فيها ومن عمل بالمعاصي فجزاؤه العقوبة بقدرها {ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} يعني لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير وقيل يصب عليهم الرزق صباً بغير تقتير.
البقاعي
تفسير : ولما ظهر ظهوراً لا يحتمل شكاً بما أتى به موسى عليه السلام من البينات أن شكهم في رسالة الماضي وجزمهم في الحكم بنفي رسالة الآتي أعظم ضلال وأنه من الجدال الذي لا معنى له إلا فتل المحق عما هو عليه من الحق إلى ما عليه المجادل من الضلال، وصل بذلك قوله على سبيل الاستنتاج ذماً لهم بعبارة تعم غيرهم: {الذين} أي جدال من {يجادلون} أي يقاتلون ويخاصمون خصاماً شديداً {في آيات الله} أي المحيطة بأوصاف الكمال لا سيما الآيات الدالة على يوم التناد، فإنها أظهر الآيات على وجوده سبحانه وعلى ما هو عليه من الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل. ولما كان الجدال بالتي هي أحسن مشروعاً، وهو بما أمر به قال: {بغير سلطان} أي تسليط ودليل {أتاهم} أي من عند من له الأمر كله {كبر} أي عظم هو، أي الجدال المقدر مضافاً قبل {الذين} وبين ما أبهم من هذا العظم بتمييز محول عن الفاعل فقال: {مقتاً عند الله} أي الملك الأعظم {وعند الذين آمنوا} أي الذين هم خاصته. ولما كان فاعل هذا لا يكون إلا مظلم القلب، فكان التقدير: أولئك طبع الله على قلوبهم، وصل به استنئافاً قوله: {كذلك} أي مثل هذا الطبع العظيم {يطبع} أي يختم ختماً فيه العطب {الله} أي الذي له جميع العظمة {على كل قلب} ولما كان فعل كل ذي روح إنما هو بقلبه، نسب الفعل إليه في قراءة أبي عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين عنه بالتنوين فوصفه بقوله: {متكبر} أي متكلف ما ليس له وليس لأحد غير الله {جبار *} أي ظاهر الكبر قويّه قهار, وقراءة الباقين بالإضافة مثلها سراء في أن السور داخل القلب ليعم جميع أفراده غير أن الوصف بالكبر والجبروت للشخص لا للقلب، وهي أبين من القراءة الشاذة بتقديم القلب على كل, لأن تقديم كل نص في استغراق أفراد القلوب ممن اتصف بهذا الوصف، ومن المقطوع به أن آحاد القلوب موزعة على آحاد الأشخاص لأنه لا يكون لشخص أكثر من قلب بخلاف ما إذا قدم القلب فإنه قد يدعي أن الشخص الواحد، وأن السور لأجل جمعه لأنواع الكبر والجبروت فيكون المعنى: على قلب شخص جامع لكل فرد من أفراد التكبر والتجبر - والله الموفق. ولما ذكر الطبع المذكور، دل عليه بما ذكر من قول فرعون وفعله عطفاً على ما مضى من قوله وقول المؤمن، فإنه قصد ما لا مطمع في نيله تيهاً وحماقة تكبراً وتجبراً لكثافة قلبه وفساد لبه، فصار به ضحكة لكل من سمعه, هذا إن كان ظن أنه يصل إلى ما أراد, وإن كان قصد بذلك التلبيس على قومه للمدافعة عن اتباع موسى عليه السلام إلى وقت ما فقد نادى عليهم بالجهل، والإغراق في قلة الحزم والشهامة والعقل، فقال تعال: {وقال فرعون} أي بعد قول المؤمن هذا، معرضاً عن جوابه لأنه لم يجد فيه مطعناً: {يا هامان} وهو وزيره {ابنِ} وعرفه بشدة اهتمامه به بالإضافة إليه في قوله: {لي صرحاً} أي بناء ظاهراً يعلوه لكل أحد. قال البغوي: لا يخفى على الناظر وإن بعد. وأصله من التصريح وهو الإظهار، وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على قومه وهو يعرف الحق، فإن عاقلاً لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي فقال: {لعلي أبلغ الأسباب *} أي التي لا أسباب غيرها لعظمها. ولما كان بلوغها أمراً عجيباً، أورده على نمط مشوق عليه ليعطيه السامع حقه من الاهتمام تفخيماً لشأنها، ليتشوف السامع إلى بيانها، بقوله: {أسباب السماوات} أي الأمور الموصلة إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه. ولما ذكر هذا السبب، ذكر المسبب عنه فقال: {فاطًّلع} أي فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع {إلى إله موسى} فيكون كما ترى عطفاً على {أبلغ}، ونصبه حفص عن عاصم على الجواب تنبيهاً على أن ما أبرزه الخبيث في عداد الممكن إنما هو تمني محال غير ممكن في العادة. ولما كان من جملة إرادته بذلك مع إيقاف قومه إلى وقت ما عن المتابعة أن يخيلهم بأن يقول: طلعت فبحثت عما قال موسى فلم أقف له على صحة، قدم لهم قوله مبيناً لحاله إذ ذاك لما ظن من ميل قلوبهم إلى تصديق موسى عليه السلام: {وإني لأظنه} أي موسى {كاذباً} فترك الكلام على احتمال أن يريد في الرسالة أو في الإلهية. ولما كان هذا أمراً عجيباً، وهو كون أحد يظن أنه يخيل للعقول أنه يصعد إلى السماء، وأن الإله الذي هو غني عن كل شيء وقد كان ولا شيء معه يكون في السماء، أو في محل من المحال، فإن كل حال في شيء يحتاج إلى محله، وكل محتاج عاجز ولا يصلح العاجز للإلهية لو لم يجئ عن الله لما كان أهلاً لأن يصدق، فكان التقدير: عمله فرعون لأنا زيناه له، عطف عليه زيادة في التعجيب: {وكذلك} أي ومثل ذلك التزيين العظيم الشأن اللاعب بالألباب. ولما كان الضار هو التزيين لا المزين الخاص، بناه للمفعول فقال: {زين} أي زين المزين النافذ الأمر، وهو لله تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه، والشيطان مجازاً بالتسبب بالوسوسة التي هي خلق الله تعالى {لفرعون سوء عمله} في جميع أمره، فاقبل عليه راغباً فيه مع بعده من عقل أقل ذوي العقول فضلاً عن ذوي الهمم منهم فضلاً عن الملوك، وأطاعه فيه وقومه {وصُد} بنفسه ومنع غيره على قراءة الفتح، ومنعه الله - على قراءة الكوفيين ويعقوب بالضم {عن السبيل} أي التي لا سبيل في الحقيقة غيرها، وهو الموصلة إلى الله تعالى. ولما كان هذا السياق بحيث يظن منه الظان أن لفرعون نوع تصرف، نفى ذلك بقوله: {وما كيد} واعاد الاسم ولم يضمره لئلا يخص بخيثية من الحيثيات فقال: {فرعون} أي في إبطال أمر موسى عليه السلام {إلا في تباب *} أي خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه، وما تعطاه إلا لأنه محمول عليه ومقهور فيه، كما كشف عنه الحال، فدل ذلك قطعاً على أنه لو كان له أدنى تصرف يستقل به لما أنتج فعله الخسار. ولما كان فساد ما قاله فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان، أعرض المؤمن عنه تصريحاً، ولوّح إلى ما حكاه الله عنه من أنه محيط به الهلاك تلويحاً في قوله منادياً قومه ومستعطفاً لهم ثلاث مرات: الأولى على سبيل الإجمال في الدعوة، والأخريان على سبيل التفصيل، فقال تعالى عنه: {وقال الذي آمن} أي مشيراً إلى وهي قول فرعون بالإعراض عنه، وعبر بالفعل إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى أهل الإيمان أن لا يحقر نفسه عن الوعظ: {يا قوم} أي يا من لا قيام لي إلا بهم فأنا غير متهم في نصيحتهم {اتبعون} أي كلفوا أنفسكم اتباعي لأن السعادة غالباً تكون فيما يكره الإنسان {أهدكم سبيل} أي طريق {الرشاد *} أي الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى المقصود، وأما ما قال فرعون مدعياً أنه سبيل الرشاد لا يوصل إلا إلى الخسار، فهو تعريض به شبيه بالتصريح. ولما كان هذا دعاء على سبيل الإجمال، وكان الداء كله في الإقبال على الفاني، والدواء كله في الإقدام على الباقي، قال استئنافاً في جواب من سأل عن تفصيل هذه السبيل مبيناً أنها العدول عما يفنى إلى ما يبقى محقراً للدنيا مصغراً لشأنها لأن الإخلاد إليها أصل الشر كله، ومنه يتشعب ما يؤدي إلى سخط الله {يا قوم} كرر ذلك زيادة في استعطافهم بكونهم أهله فهو غير متهم في نصحهم لأنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. ولما كانت الأنفس لكونها مطبوعة على الوهم لا تعد الحاصل إلا الحاضر أكد فقال: {إنما هذه الحياة} وحقرها بقوله: {الدنيا} إشارة إلى دناءتها وبقوله: {متاع} إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع، فلا يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار القلعة والزوال والتزود والارتحال. ولما افتتح بذم الدنيا، ثنى بمدح الآخرة فقال: {وإن الآخرة} لكونها المقصودة بالذات {هي دار القرار *} التي لا تحول منها أصلاً دائم كل شيء من ثوابها وعقابها، فهي للتلذذ والانتفاع, والترفه والاتساع, لمن توسل إلى ذلك بحسن الاتباع, أو للشقاوة والهلاك، لمن اجترأ على المحارم واستخف الانتهاك قال الأصفهاني: قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً، لكانت الآخرة خيراً من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان، والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن. وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب، فكان الترغيب في نعيم الجنان، والترهيب من عذاب النيران، من أعظم وجوه الترغيب والترهيب، فالآية من الاحتباك: ذكر المتاع أولاً دليلاً على حذف التوسع ثانياً، والقرار ثانياً دليلاً على حذف الارتحال أولاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يجادلون فى آيات الله} بدل من الموصول الاول لأنه بمعنى الجمع اذ لا يريد مسرفا واحدا بل كل مسرف والمراد بالمجادلة رد الآيات والطعن فيها {بغير سلطان} متعلق بيجادلون اى بغير حجة وبرهان صالحة للتمسك بها فى الجملة {أتاهم} صفة سلطان {كبر} عظم من هو مسرف مرتاب او الجدال {مقتا} اى من جهة البغض الشديد والنفور القوى {عند الله وعند الذين آمنوا} قال ابن عباس رضى الله عنه بمقتهم الذين آمنوا بذلك الجدال {كذلك} اى مثل ذلك الطبع الفظيع {يطبع الله} مهر مىنهد خداى تعالى وازهدى محجوب ميكند {على كل قلب متكبر جبار} برهردل شخص متكبركه سركش انداز فرمان بردارى خودكامه كه خودرا ازديكران برتردانند. فيصدر عنه امثال ما ذكر من الاسراف والارتياب والمجادلة بالباطل قال الراغب الجبار فى صفة الانسان يقال لمن جبر نقيصته اى اصلحها بادعاء منزلة من التعالى لا يستحقها وهذا لا يقال الا على طريقة الذم ويسمى السطان جبارا لقهره الناس على ما يريده او لاصلاح امورهم فالجبر تارة يقال فى الاصلاح المجرد وتارة فى القهر المجرد وقال ابو الليث على قلب كل متكبر جبار ومثله فى كشف الاسرار حيث قال بالفارسية بردل هر كردن كشى. فقوله قلب بغير تنوين باضافته الى متكبر لأن المتكبر هو الانسان وقرأ بعضهم بالتنوين بنسبة الكبر الى القلب على أن المراد صاحبه لأنه متى تكبر القلب تكبر صاحبه وبالعكس والخبر "حديث : زنى العينين النظر" تفسير : يعنى زنى صاحبهما قال فى الكواشى وكل على القرآءتين لعموم الطبع جميع القلب لا لعموم جميع القلوب. يقول الفقير اعلم أن الطابع هو الله تعالى والمطبوع هو القلب وسبب الطبع هو التكبر والجبارية وحكمه ان لا يخرج من القلب ما فيه من الكفر والنفاق والزيغ والضلال فلا يدخل فيه ما فى الخارج من الايمان والاخلاص والسداد والهدى وهو اعظم عقوبة من الله عليه فعلى العاقل ان يتشبث بالاسباب المؤدية الى شرح الصدر لا الى طبع القلب قال ابراهيم الخواص قدس سره دوآء القلب خمسة قرآءة القرآن بالتدبر وخلاء البطن وقيام الليل والتضرع الى الله عند السحر ومجالسة الصالحين وقال الحسن البصرى حادثوا هذه القلوب بذكر الله فانها سريعة الدثور وهو بالفارسية زنك افكندن كارد وشمشير والمحادثة بزدودن. وهذا بالنسبة الى القلب القابل للمحادثة اذ رب قلب لا يقبل ذلك شعر : آهنى راكه موريانه بخورد نتوان برد ازوبصقل زنك باسيه دل جه سود كفتن وعظ نرود ميخ آهنين درسنك تفسير : وفى الحديث "حديث : انى ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى كل يوم مائة مرة" تفسير : وقد تكلموا فى تأويله عن الجنيد البغدادى قدس سره ان العبد قد ينتقل من حال الى ارفع منها وقد يبقى من الاولى بقية يشرف عليها من الثانية فيصححها ويقال بين العبد والحق ألف مقام او مائة من نور وظلمة فعلى هذا كان عليه السلام كلما جاز عن مقام استغفر فهو يقطع جميع الحجب كل يوم وذلك يدل على نهاية بلوغه الى حد الكمال وجلالة قدره عند الملك المتعال. يقول الفقير لعل الغين اشارة الى لباس البشرية والماهية الامكانية الساتر للقلب عن شهود حضرة الاحدية ولما كان عليه السلام بحيث يحصل له الانكشاف العظيم كل يوم من مائة مرتبة وهى مراتب الاسماء الحسنى باحديتها لم يكن على قلبه اللطيف غين اصلا واشار بالاستغفار الى مرتبة التبديل اى تبديل الغين بالمعجمة عينا بالمهملة والعلم شهودا فصار المقام بحيث كان له غين فازاله بالاستغفار ارشادا للامة والا فلا غين فى هذالمقام والاستغفار وان وهمه العامى قليل الاستبصار وفى الآية ذم للمتكبر والجبار وقال عليه السلام "حديث : يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة فى صورة الذر يطأهم الناس لهوانهم على الله" تفسير : وذلك لان الصورة المناسبة لحال المتكبر الجبار صورة الذر كما لا يخفى على اهل القلب
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} بالابطال والاخفاء والازدراء والتّنقيص {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} بغير حجّةٍ بل محض التّقليد والشّكّ وهوى النّفس او بغير ذى سلطنةٍ اتاهم واجبرهم على ذلك {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اعراب الآية انّ من من قوله من هو مسرفٌ موصولة مفعولٌ ليضلّ والّذين يجادلون بدلٌ منه او صفةٌ له، او خبرٌ لمحذوفٍ او مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ، او مبتدءٌ خبره قوله تعالى: بغير سلطانٍ، او كبر مقتاً بتقدير جدال الّذين يجادلون كبر مقتاً، او قوله تعالى {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ} بتقدير العائد او من من هو مسرفٌ موصولة مبتدءٌ والّذين يجادلون خبره، او بغير سلطانٍ او كبر مقتاً، او كذلك يطبع الله، او من استفهاميّة، والّذين يجادلون بتقدير مبتدءٍ، او بتقدير خبرٍ جوابٌ للاستفهام من الله، او الّذين يجادلون مبتدءٌ، وبغير سلطانٍ خبره، او كبر مقتاً، او كذلك يطبع الله وكذلك يطبع الله استيناف كلام او خبر كما ذكر، او كذلك فاعل كبر بجعل الكاف اسماً ويطبع الله استيناف كلامٍ، او خبرٌ للّذين يجادلون او لمن {عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} قرئ باضافة القلب وحينئذٍ يكون اشارةً الى تفرّق قلب المتكبّر وتوزيعه على مهامّ عديدةٍ كرجلٍ {أية : فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ}تفسير : [الزمر:29] وقرئ بتنوين القلب، وحينئذٍ يكون نسبة التّكبّر الى القلب مجازاً، وقد مضى فى اوّل البقرة بيان ختم القلوب وطبعها.
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي: بغير حجة أتتهم من الله بعبادة الأوثان {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} أي: عن عبادة الله {جَبَّارٍ} أي: قتَّال في غير حقّ. وبعضهم يقرأها: {عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} أي: مجلساً في تفسير الحسن. وقال الكلبي: قصراً. وقد فسّرنا أمر الصرح في سورة القصص. قال: {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} أي: طرق السماوات، وقال بعضهم: أبواب السماوات. {فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} الذي يزعم موسى إلهاً، {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} أي: ما في السماء أحد، أي إنه تعمّد الكذب. قال الله: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} أي: عن طريق الهدى {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} أي: إلا في خسار. قوله: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ} من آل فرعون {يَا قَوْمِ} يقوله لقومه {اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} أي يستمتع به ثم يذهب، فيصير الأمر إلى الآخرة. {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} أي: لا تزول، والدنيا زائلة.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ} بدل (من) لوقوعها على الجمع أو بيان كذلك لتفسير الاسراف والارتياب* {يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} باسكان اللام وقرئ بضمها حجة قوية وبرهان* {أَتَاهُمْ} ضمير المستتر لسلطان والجملة صفته أي من غير برهان آت لهم من الله بل بتقليد وعناد وبشبهة داحضة وجملة* {كَبُر مَقْتاًَ} تمييز أي بعضاً والوصف بالكبر للدلالة على خروجه عن نظائره {عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُواْ} مستأنفة وضمير (كبر) للجدل المفهوم من (يجادلون) ويجوز أن يكون (الذين) مبتدأ والجملة خبره ويقدر مضاف أي (وجدال الذين يجادلون كبر) فضمير (كبر) للجدال المحذوف أو يقدر المبتدأ قبل (كبر) وهو الجدال المفهوم من (يجادلون) وكبر خبره والجملة خبر الذين ان جعلناه مبتدأ وعلى الاستئناف من قوله (كبر) يجوز كون فاعله ضميراً أو غير كاف* {كَذَلِكَ} الاولى على أنها اسم بمعنى مثل أي كبر مثل ذلك الجدال قيل أو منعوت أي كبر جدال ثابت كذلك وظاهر بعض أن الفاعل محذوف أي كبر جدالهم وهو مذهب غير متصور لان الفاعل لا يطلق جواز حذفه على الصحيح وجملة {يَطْبَعُ اللهُ} أي يختم أي يترك التوفيق مستأنفة والظاهر ان (كذلك) منها والفاعل غيرها وفائدتها الدلالة على موجب جدالهم* {عَلَى كُلِّ قَلْبٍ} بعدم التنوين للاضافة الى قوله* {مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}. وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان بتنوين (قلب) و (متكبر) نعته وصفاً للقلب بالتكبر لانه مركزه ومنبعه كما نسب الاثم للقلب لانه مركزه فى قوله عز وجل {أية : آثم قلبه} تفسير : والاثم الكل والرؤية للعين والسمع للأذن فى قولك رأته عيني وسمعته أذني بدل قولك رأيته بعيني وسمعته بأذني ويجوز تقدير مضاف أي على كل ذي قلب متكبر فمتكبر نعت لذي والامر واضح مطلقاً فانه متى تكبر القلب تكبر صاحبه وبالعكس وكل على القراءتين لعموم طبع الله على كل متكبر لا لعموم الضلال جميع القلب كما قيل ولما عجز فرعون عن مقاومة موسى تنحى الى المحرقة وقال ما حكى الله عنه بقوله* {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحاً}
اطفيش
تفسير : {الَّذينَ يجادلون في آيات اللهِ} عطف بيان على من أو بدل منه، قيل: أو نعت له كما تنعت من النكرة، ويجوز على ضعف أن يكون مبتدأ خبره جملة: " كذلك يطبع" الخ، والمراد يطبع على قلوبهم، فوضع لفظ متكبر جبار موضع ضميرهم، وما بين ذلك معترض، وأن يكون مبتدأ على حذف مضاف للذين، ولكن المضاف اليه منوى فى فاعل كبر هو الرابط، أى كبر جدا لهم {بغَيْر سُلطان} دليل متعلق بيجادل {أتاهُمْ} نعت سلطان، أى بغير دليل نقلى آت من الله تعالى على يد رسول، ولا دليل على أفيض على قلوبهم. {كبُرَ مَقْتاً} أى كبر ذلك الجدال لأنه فى آيات الله بلا حجة، وقيل: كبر من هو مسرف مرتاب، واعترض بأن فيه مراعاة اللفظ فكان الافراد بعد مراعاة المعنى، فكان الجمع بالذين يجادلون، وذلك مجتنب كما نقله ابن الحاجب، وهو واضح ينبغى تسليمه، ومساعدته، لا كما قيل بجوازه بلا ضعف، ووجه إسناد الكبر للذات على هذا القول التمييز أى كبر مقته، فان مقتا تمييز محول عن الفاعل إلا أنه لم يشهر إسناد الكبر للذات المشخصة على طريق باب نعم، ومعناه كما شهر الجنس {عِنْد الله وعنْد الَّذين آمَنُوا} متعلق بكبرا وبمقتاً. {كَذَلكَ} الإضلال، وإنما لم أقل كذلك الطبع، لأن الاضلال المذكور فيهم لم يتقدم ذكره تلفظ الطبع، نعم يجوز على طريق الادماج، وصف صاحب القلب بأنه متكبر عن الحق، متعد عن الغير، كما يوصف القلب به، لأنه يتكبر الانسان ويتجبر بقلبه كما فى قراءة تنوين قلب، فان فى قراءة تنوينه وصف القلب بأنه متكبر جبار، لأن القلب منبع التكبر والتجبر، كما وصف الاثم فى قوله تعالى: "أية : فإنه آثم قلبه" تفسير : [البقرة: 283] لأنه منبع الاثم، وذلك كسمعته الأذن فان الأذن لم يستقل بالسمع، وكذا القلب لم يستقل بالاثم والتكبر والتجبر، وبالطبع يصير مجادلا فى آيات الله، ويرتاب ويسرف.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } بدل من الموصول الأول ـ أعني من ـ أو بيان أو صفة له باعتبار معناه كأنه قيل: كل مسرف مرتاب أو المسرفين المرتابين، وجوز نصبه بأعني مقدراً، وقوله تعالى شأنه: {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ } على الأوجه المذكورة متعلق ـ بيجادلون ـ وقوله سبحانه: {اتَٰهُمْ } صفة {سُلْطَـٰنٍ } والمراد بإتيانه إتيانه من جهته سبحانه وتعالى إما على أيدي الرسل عليهم السلام فيكون ذاك إشارة إلى الدليل النقلي، وإما بطريق الإفاضة على عقولهم فيكون ذاك إشارة إلى الدليل العقلي، وقد يعمم فيكون المعنى يجادلون بغير حجة صالحة للتمسك بها أصلاً لا عقلية ولا نقلية. وقوله سبحانه: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تقرير لما أشعر به الكلام من ذمهم وفيه ضرب من التعجب والاستعظام، وفاعل {كَبُرَ } ضمير راجع إلى الجدال الدال عليه {يُجَـٰدِلُونَ } على نحو من كذب كان شراً له أي كبر الجدال في آيات الله بغير حجة مقتاً عند الله الخ، أو إلى الموصول الأول وأفرد رعاية للفظه، واعترض عليه بأنه حمل على اللفظ من بعد الحمل على المعنى، وأهل العربية يجتنبونه. وقال صاحب «الكشف»: هذا شيء نقله ابن الحاجب ولم يساعده غيره وهو غير مسلم أي كبر المسرف المرتاب المجادل في آيات الله بغير حجة مقتاً أي كبر مقته وعظم عند الله تعالى وعند المؤمنين. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الطبع الفظيع {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } فيصدر عنه أمثال ما ذكر من الإسراف والارتياب والمجادلة بغير حق؛ وجوز أن يكون {ٱلَّذِينَ } مبتدأ وجملة {كَبُرَ } خبره لكن على حذف مضاف هو المخبر عنه حقيقة أي جدال الذين يجادلون كبر مقتاً، وأن يكون {ٱلَّذِينَ } مبتدأ على حذف المضاف و{بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ } / خبر المضاف المقدر أي جدال الذين يجادلون في ءايات الله تعالى كائن بغير سلطان، وظاهر كلام البعض أن {ٱلَّذِينَ } مبتدأ من غير حذف مضاف و {بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ } خبره، وفيه الإخبار عن الذات والجثة بالظرف وفاعل {كَبُرَ } كذلك على مذهب من يرى اسمية الكاف كالأخفش أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال فيكون قوله تعالى: {يَطْبَعُ } الخ استئنافاً للدلالة على الموجب لجدالهم، ولا يخفى ما في ذلك من العدول عن الظاهر، وفي «البحر» الأولى في إعراب هذا الكلام أن يكون {ٱلَّذِينَ } مبتدأ وخبره {كَبُرَ } والفاعل ضمير المصدر المفهوم من {يُجَـٰدِلُونَ } أي الذين يجادلون كبر جدالهم مقتاً فتأمل. وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والأعرج بخلاف عنه {قلب} بالتنوين فما بعده صفته. ووصفه بالكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم: رأت عيني وسمعت أذني، وجوز أن يكون ذاك على حذف مضاف أي كل ذي قلب متكبر جبار، وجعل الصفتين لصاحب القلب لتتوافق القراءتان هذه وقراءة باقي السبعة بلا تنوين، وعن مقاتل المتكبر المعاند في تعظيم أمر الله تعالى، والجبار المتسلط على خلق الله تعالى، والظاهر أن عموم (كل) منسحب على المتكبر والجبار أيضاً فكأنه اعتبر أولاً إضافة {قلب} إلى ما بعده ثم اعتبرت إضافته إلى المجموع.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُجَادِلُونَ} {آيَاتِ} {سُلْطَانٍ} {أَتَاهُمْ} {آمَنُواْ} (35) - وَهَؤُلاَءِ المُسْرِفُونَ المُرْتَابُونَ هُمُ الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي حُجَجِ اللهِ التِي أَتَتْهُمْ بِهَا رُسُلُهُ لِيَدْحَضُوهَا بِالبَاطِلِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ وَلاَ بُرْهَانٌ عَلَى صِحَّةِ مَا يَقُولُونَ. وَيَسْتَتْبعُ ذَلِكَ الجَدَلُ المَقْتَ الكَبِيرَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَعِنْدَ المُؤْمِنِينَ. وَكَمَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِ المُسْرِفِينَ الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ، كَذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَطْبَعُ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يَسْتَكْبِرُ عَنِ الإِيْمَانِ بِاللهِ، وَعَنْ تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَيَتَجَبَّرُ فِي الأَرْضِ بِالقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ. بِغَيْرِ سُلْطَانٍ - بِغَيْرِ بُرْهَانٍ أَوْ حُجَّةٍ. كَبُرَ مَقْتاً - عَظُمَ جِدَالُهُمْ بِغَيْرِ حُجَّةِ بُغْضاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهل هناك جدل في الله وله سلطان يؤيد؟ قالوا: نعم الجدل المقصود جدلٌ في الله. يعني: في أمر الله للإثبات، وجدل من المقابل لنفيه. وقلنا: إن الآيات تأتي على معانٍ ثلاثة: آيات كونية تدل على طلاقة قدرة الخالق سبحانه، وآيات لإثبات صِدْق الرسل في البلاغ عن الله وهي المعجزات وآيات القرآن التي تحمل الأحكام. ففي أيِّ هذه الأنواع كانوا يجادلون؟ أولاً: جادلوا في آيات المعجزات وقالوا عنها سحر، والرد على هذا الادعاء سهل، إذ نقول لهم: الذي سحر الناس فآمنوا به، لماذا لم يسحركم أنتم أيضاً لتؤمنوا به وعندها تنتهي المسألة؟ كذلك جادلوا في آيات الأحكام، لماذا؟ لأن كل حكم يُنزله الله على عباده يمنع طغيان جيل في جيل أو فرد في فرد، وهذا ينافي مصلحة أهل التسلط والكبرياء في الأرض {أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [القصص: 83]. أما الآيات الكونية التي تثبت قدرة الخالق سبحانه كالشمس والقمر والنجوم وغيرها فليست مجالاً للجدل, لذلك لم يجادلوا فيها. ومعنى {كَبُرَ مَقْتاً} [غافر: 35] أي: أن هذا الجدل في آيات الله بغير حقٍّ جدلٌ ممقوت يبغضه الله بغضاً كبيراً، ويبغضه الذين آمنوا الذين يحرصون على دين الله وتقوية دواعي الإيمان به في النفوس. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] معنى {يَطْبَعُ} أي: يختم على قلبه. والمتكبر: هو الذي يفتعل الكبر ويدعيه وليس عنده مبرراته، فهو يتكبر بلا رصيد عنده للكبر. لذلك ورد الحديث القدسي الذي يوضح هذه المسألة، ويقسم المجتمع الإيماني إلى اثني عشر قسماً، ست منها في المحبوبية: منها ثلاثة للمحبوبية العليا، وثلاثة للمحبوبية الأقل. وستٌّ أيضاً للمبغضين منها ثلاثة للمبغضين، وثلاثة للمبغضين أقلّ، فانظر في أيِّها يكون المتكبر. قال تعالى في الحديث القدسي: "حديث : أحب ثلاثاً وحبي لثلاث أشدّ: أحب الفقير المتواضع وحبي للغني المتواضع أشدّ، وأحب الشيخ الطائع وحبي للشاب الطائع أشدّ، وأحب الغني الكريم وحبي للفقير الكريم أشدّ، وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاث اشدّ: أبغض الغني المتكبر وبغضي للفقير المتكبر أشدّ، وأبغض الشاب العاصي وبغضي للشيخ العاصي أشدّ، وأبغض الفقير البخيل وبغضي للغني البخيل أشدّ ". تفسير : ففي ضوء هذا الحديث نتعلم أن المجتمع الإيماني ينبغي أن يكون غنيه متواضعاً، وفقيره كريماً، وشبابه طائعاً. هذه صورة أرقى المجتمعات وأعلاها يأتي بعده في المرتبة مجتمع: فقيره متواضع، وغنيه كريم، وشيخه طائع. إذن: قلنا إن المتكبر مَنْ يتكبّر وليس عنده مبررات الكبر، فماذا لو كان عنده مبررات الكبر؟ نقول: إنْ كان عنده مبررات الكبر فإنه ينقصه أنه يتكبر بشيء غير ذاتي فيه ومن الممكن أنْ يُسلب منه، كمن يتكبر بعافيته فقد يسلبها الله منه لأنها عَرَضٌ زائل عنك، ثم إن المتكبر حينما يرى مَنْ هو أكبر منه يتضاءل في كبريائه، ولو أنه رأى ببصيرته كبرياء ربه لما تكبَّر.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} معناه بِغيرِ بُرهانٍ وَلاَ حُجةٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):