٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا من بقية كلام الذي آمن من آل فرعون، وقد كان يدعوهم إلى الإيمان بموسى والتمسك بطريقته. واعلم أنه نادى في قومه ثلاث مرات: في المرة الأولى دعاهم إلى قبول ذلك الدين على سبيل الإجمال، وفي المرتين الباقيتين على سبيل التفصيل. أما الإجمال فهو قوله {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ } وليس المراد بقوله {ٱتَّبِعُونِ } طريقة التقليد، لأنه قال بعده {أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ } والهدى هو الدلالة، ومن بين الأدلة للغير يوصف بأنه هداه، وسبيل الرشاد هو سبيل الثواب والخير وما يؤدي إليه، لأن الرشاد نقيض الغي، وفيه تصريح بأن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي. وأما التفصيل فهو أنه بين حقارة حال الدينا وكمال حال الآخرة، أما حقارة الدنيا فهي قوله {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا متاع} والمعنى أنه يستمتع بهذه الحياة الدنيا في أيام قليلة، ثم تنقطع وتزول، وأما الآخرة فهي دار القرار والبقاء والدوام، وحاصل الكلام أن الآخرة باقية دائمة والدنيا منقضية منقرضة، والدائم خير من المنقضي، وقال بعض العارفين: لو كانت الدينا ذهباً فانياً، والآخرة خزفاً باقياً، لكانت الآخرة خيراً من الدنيا، فكيف والدنيا خزف فان، والآخرة ذهب باق. واعلم أن الآخرة كما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فيها دائم، وإن الترغيب في النعيم الدائم والترهيب عن العذاب الدائم من أقوى وجوه الترغيب والترهيب، ثم بين كيف تحصل المجازاة في الآخرة، وأشار فيه إلى أن جانب الرحمة غالب على جانب العقاب فقال: {مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا } والمراد بالمثل ما يقابلها في الاستحقاق، فإن قيل كيف يصح هذا الكلام، مع أن كفر ساعة يوجب عقاب الأبد؟ قلنا إن الكافر يعتقد في كفره كونه طاعة وإيماناً فلهذا السبب يكون الكافر على عزم أن يبقى مصراً على ذلك الاعتقاد أبداً، فلا جرم كان عقابه مؤبداً بخلاف الفاسق فإنه يعتقد فيه كونه خيانة ومعصية فيكون على عزم أن لا يبقى مصراً عليه، فلا جرم قلنا إن عقاب الفاسق منقطع. أما الذي يقوله المعتزلة من أن عقابه مؤبد فهو باطل، لأن مدة تلك المعصية منقطعة والعزم على الإتيان بها أيضاً ليس دائماً بل منقطعاً فمقابلته بعقاب دائم يكون على خلاف قوله {مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا }، واعلم أن هذه الآية أصل كبير في علوم الشريعة فيما يتعلق بأحكام الجنايات فإنها تقتضي أن يكون المثل مشروعاً، وأن يكون الزائد على المثل غير مشروع، ثم نقول ليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرة في أي الأمور فلو حملناه على رعاية المماثلة في شيء معين، مع أن ذلك المعين غير مذكور في الآية صارت الآية مجملة، ولو حملناه على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عاماً مخصوصاً، وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال وبين التخصيص كان دفع الإجمال أولى فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا في مواضع التخصيص، وإذا ثبت هذا فالأحكام الكثيرة في باب الجنايات على النفوس، وعلى الأعضاء، وعلى الأموال يمكن تفريعها على هذه الآية. ثم نقول إنه تعالى لما بيّن أن جزاء السيئة مقصور على المثل بين أن جزاء الحسنة غير مقصور على المثل بل هو خارج عن الحساب فقال: {وَمَنْ عَمِـلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } واحتج أصحابنا بهذه الآية فقالوا قوله {وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً } نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجرى مجرى أن يقال من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا فإنه يدخل فيه كل من أتى بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة، فكذلك ههنا وجب أن يقال كل من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة ويرزق فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الصالحات وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة والخصم يقول إنه يبقى مخلداً في النار أبد الآباد فكان ذلك على خلاف هذا النص الصريح. قالت المعتزلة إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً وصاحب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن فلا يدخل في هذا الوعد والجواب: أنا بينا في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3] أن صاحب الكبيرة مؤمن فسقط هذا الكلام، واختلفوا في تفسير قوله {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } فمنهم من قال لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل بغير حساب، وقال الآخرون لأنه تعالى يعطيهم ثواب أعمالهم ويضم إلى ذلك الثواب من أقسام التفضل ما يخرج عن الحساب وقوله {بِغَيْرِ حِسَابٍ } واقع في مقابلة {إِلاَّ مِثْلَهَا } يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة، وأقول هذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجح على جانب القهر والعقاب، فإذا عارضنا عمومات الوعد بعمومات الوعيد، وجب أن يكون الترجيح بجانب عمومات الوعد وذلك يهدم قواعد المعتزلة، ثم استأنف ذلك المؤمن ونادى في المرة الثالثة وقال: {يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار} يعني أنا أدعوكم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة وتدعونني إلى الكفر الذي يوجب النار، فإن قيل لم كرر نداء قومه، ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ قلنا أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ من سنة الغفلة، وإظهار أن له بهذا المهم مزيد اهتمام، وعلى أولئك الأقوام فرط شفقة، وأما المجيء بالواو العاطفة فلأن الثاني يقرب من أن يكون عين الأول، لأن الثاني بيان للأول والبيان عين المبين، وأما الثالث فلأنه كلام مباين للأول والثاني فحسن إيراد الواو العاطفة فيه، ولما ذكر هذا المؤمن أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار، فسّر ذلك بأنهم يدعونه إلى الكفر بالله وإلى الشرك به، أما الكفر بالله فلأن الأكثرين من قوم فرعون كانوا ينكرون وجود الإله، ومنهم من كان يقر بوجود الله إلا أنه كان يثبت عبادة الأصنام وقوله تعالى: {وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } المراد بنفي العلم نفي المعلوم، كأنه قال وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكاً للإله؟ ولما بيّن أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بيّن أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغفار فقوله {ٱلْعَزِيزُ } إشارة إلى كونه كامل القدرة، وفيه تنبيه على أن الإله هو الذي يكون كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف يكون إلهاً، وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل القول بكونها آلهة وقوله {ٱلْغَفَّارُ } إشارة إلى أنه لا يجب أن يكونوا آيسين من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مدة مديدة، فإن إله العالم وإن كان عزيزاً لا يغلب قادراً لا يغالب، لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة، ثم قال ذلك المؤمن {لاَ جَرَمَ } والكلام في تفسير لا جرم مرّ في سورة هود في قوله {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } تفسير : [هود: 22] وقد أعاده صاحب «الكشاف» ههنا فقال {لاَ جَرَمَ } مساقه على مذهب البصريين أن يجعل (لا) رداً لما دعاه إليه قومه و {جَرَمَ } فعل بمعنى حق و {إِنَّمَا } مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته أو بمعنى كسب من قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ } تفسير : [المائدة: 2] أي كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، ويجوز أن يقال إن {لاَ جَرَمَ } نظيره لا بد فعل من الجرم وهو القطع كما أن بد فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى لا بد أنك تفعل كذا أنه لا بد لك من فعله، فكذلك {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ } تفسير : [النحل: 62] أي لا قطع لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام، أي لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقاً، وروي عن بعض العرب لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء بزنة بد وفعل إخوان كرشد ورشد وكعدم وعدم هذا كله ألفاظ صاحب «الكشاف». ثم قال: {أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِى ٱلأَخِرَةِ } والمراد أن الأوثان التي تدعونني إلى عبادتها ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وفي تفسير هذه الدعوة احتمالان. الأول: أن المعنى ما تدعونني إلى عبادته ليس له دعوة إلى نفسه لأنه جمادات والجمادات لا تدعو أحداً إلى عبادة نفسها وقوله {فِى ٱلأَخِرَةِ } يعني أنه تعالى إذا قلبها حيواناً في الآخرة فإنها تتبرأ من هؤلاء العابدين. والاحتمال الثاني: أن يكون قوله {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِى ٱلأَخِرَةِ } معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، فسميت استجابة الدعوة بالدعوة إطلاقاً لاسم أحد المتضايفين على الآخر، كقوله {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] ثم قال: {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى ٱللَّهِ } فبين أن هذه الأصنام لا فائدة فيها ألبتة، ومع ذلك فإن مردنا إلى الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات الغني عن كل الحاجات الذي لا يبدل القول لديه وما هو بظلام للعبيد، فأي عاقل يجوز له عقله أن يشتغل بعبادة تلك الأشياء الباطلة وأن يعرض عن عبادة هذا الإله الذي لا بد وأن يكون مرده إليه؟ وقوله {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } قال قتادة يعني المشركين وقال مجاهد السفاكين للدماء والصحيح أنهم أسرفوا في معصية الله بالكلمة والكيفية، أما الكمية فالدوام وأما الكيفية فبالعود والإصرار، ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذه البيانات ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُـمْ } وهذا كلام مبهم يوجب التخويف ويحتمل أن يكون المراد أن هذا الذكر يحصل في الدنيا وهو وقت الموت، وأن يكون في القيامة وقت مشاهدة الأهوال وبالجملة فهو تحذير شديد، ثم قال: {وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ٱللَّهِ } وهذا كلام من هدد بأمر يخافه فكأنهم خوفوه بالقتل وهو أيضاً خوفهم بقوله {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُـمْ } ثم عول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على فضل الله تعالى فقال: {وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ٱللَّهِ } وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه السلام، فإن فرعون لما خوفه بالقتل رجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله حيث قال: {أية : إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُـمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [غافر: 27] فتح نافع وأبو عمرو الياء من {أَمْرِى } والباقون بالإسكان. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } أي عالم بأحوالهم وبمقادير حاجاتهم، وتمسك أصحابنا بقوله تعالى: {وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ٱللَّهِ } على أن الكل من الله، وقالوا إن المعتزلة الذين قالوا إن الخير والشر يحصل بقدرتهم قد فوضوا أمر أنفسهم إليهم وما فوضوها إلى الله، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية فقالوا إن قوله {أفوض} اعتراف بكونه فاعلاً مستقلاً بالفعل، والمباحث المذكورة في قوله أعوذ بالله عائدة بتمامها في هذا الموضع. وههنا آخر كلام مؤمن آل فرعون، والله الهادي.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ} هذا من تمام ما قاله مؤمن آل فرعون؛ أي اقتدوا بي في الدين. {أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} أي طريق الهدى وهو الجنة. وقيل: من قول موسى. وقرأ معاذ بن جبل «الرَّشَّادِ» بتشديد الشين وهو لحن عند أكثر أهل العربية؛ لأنه إنما يقال أرشد يُرشِد ولا يكون فَعَّال من أفعل إنما يكون من الثلاثي، فإن أردت التكثير من الرباعي قلت: مِفْعال. قال النحاس: يجوز أن يكون رشَّاد بمعنى يرشد لا على أنه مشتق منه، ولكن كما يقال لاَّال من اللؤلؤ فهو بمعناه وليس جارياً عليه. ويجوز أن يكون رشاد من رشد يرشد أي صاحب رشَّاد؛ كما قال:شعر : كِـلـيـنِـي لِـهَـمٍّ يَـا أمَـيْـمَـة نـاصِـبِ تفسير : الزمخشري: وقرىء «الرَّشَّادِ» فَعَّال من رَشِد بالكسر كعَلاَّم أو من رَشَد بالفتح كعبّاد. وقيل: من أرشد كجبّار من أجبر وليس بذاك؛ لأن فعّالا من أفعل لم يجىء إلا في عدّة أحرف: نحو دراك وسأَّرٍ وقصَّار وجَبَّار. ولا يصح القياس على هذا القليل. ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد كعوَّاج وبتّات غير منظور فيه إلى فعل. ووقع في المصحف «اتَّبِعُونِ» بغير ياء. وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف. وحذفها أبو عمرو ونافع في الوقف وأثبتوها في الوصل، إلا وَرْشاً حذفها في الحالين، وكذلك الباقون؛ لأنها وقعت في المصحف بغير ياء ومن أثبتها فعلى الأصل. قوله تعالى: {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ} أي يتمتع بها قليلاً ثم تنقطع وتزول. {وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} أي الاستقرار والخلود. ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان. بيّن ذلك بقوله: {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً} يعني الشرك {فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا} وهو العذاب. {وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً} قال ابن عباس: يعني لا إِلٰه إِلاَّ الله. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} مصدق بقلبه لله وللأنبياء. {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وهي قراءة ابن كثير وابن مُحَيْصن وأبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم، يدل عليه {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} الباقون «يَدْخُلُونَ» بفتح الياء. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ} أي إلى طريق الإيمان الموصل إلى الجنان {وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ} بيّن أن ما قال فرعون من قوله: {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } سبيل الغيّ عاقبته النار وكانوا دعوه إلى اتباعه؛ ولهذا قال: {تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} وهو فرعون {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ}. {لاَ جَرَمَ} تقدّم الكلام فيه. ومعناه حقاً. {أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} «مَا» بمعنى الذي {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} قال الزجاج: ليس له استجابة دعوة تنفع؛ وقال غيره: ليس له دعوة توجب له الألوهية {فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ}. وقال الكلبي: ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أوّلاً يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تُعبَد ما كانت شابة، فإذا هَرِمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى. {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} قال قتادة وابن سيرين: يعني المشركين. وقال مجاهد والشعبي: هم السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقّها. وقال عِكرمة: الجبارون والمتكبّرون. وقيل: هم الذين تعدوا حدود الله. وهذا جامع لما ذكر. و«أَنَّ» في المواضع في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل من أن «لاَ جَرَمَ» رد لكلام يجوز أن يكون موضع «أَنَّ» رفعاً على تقدير وجب أن ما تدعونني إليه، كأنه قال: وجب بطلان ما تدعونني إليه، والمردّ إلى الله، وكون المسرفين هم أصحاب النار. قوله تعالى: {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} تهديد ووعيد. و«ما» يجوز أن تكون بمعنى الذي أي الذي أقوله لكم. ويجوز أن تكون مصدرية أي فستذكرون قولي لكم إذا حلّ بكم العذاب. {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه. وقيل: هذا يدل على أنهم أرادوا قتله. وقال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه. وقد قيل: القائل موسى. والأظهر أنه مؤمن آل فرعون؛ وهو قول ابن عباس.
ابن كثير
تفسير : يقول المؤمن لقومه؛ ممن تمرد وطغى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الجبار الأعلى، فقال لهم: {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} لا كما كذب فرعون في قوله: {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الأخرى، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه الصلاة والسلام، فقال: {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌ} أي: قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل، {وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} أي: الدار التي لا زوال لها، ولا انتقال منها، ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم، وإما جحيم، ولهذا قال جلت عظمته: {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا} أي: واحدة مثلها، {وَمَنْ عَمِـلَ صَـٰلِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: لا يتقدر بجزاء، بل يثيبه الله عز وجل ثواباً كثيراً لا انقضاء له ولا نفاد، والله تعالى الموفق للصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ءَامَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ} بإثبات الياء وحذفها { أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } تقدم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} أي طريق الهدى {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ} أي متعةٌ تنتفعون بها مرة ثم تنقطع {وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} التي لا تزول، ثم قال: {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} تقدم االخلاف في قوله: "يدخلون الجنة" في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات. واختلفوا في تفسير قوله: "بِغَيْرِ حِسَابٍ" فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: "إلاّ مثلها" يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة. فصل احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: {وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً} نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: "من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا" فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: "يُؤْمِنُون بالغَيْبِ" فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ. فصل دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعضاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ}. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ} قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة. قوله: {وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ} هذه الجملة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار. قوله: "تَدْعُونني" هذه الجملة بدل من "تَدْعُونَنِي" الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله "تَدْعُونَنِي" بجملة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: "وَأَنَا أَدْعُوكُمْ" بجملة إسميَّة؛ ليدل على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا. فصل معنى قوله: "مَالَكُمْ" كقولك: ما لي أراك حزيناً، أي ما لك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فسر فقال {تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ}. والمراد بنفي العلم نفي الإله كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟ ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، "العزيز" في انتقامه ممن كفر، "الغفار" لذنوب أهل التوحيد. فقوله: "العَزِيزِ" إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فكيف يعقل كونها آلهة؟ قوله: "الغَفَّار" إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غفار يغفر كفر سبعينَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ. قوله: "لاَ جَرَمَ" تقدم الخلاف في "لاَ جَرَمَ" في سورة هود في قوله: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ}تفسير : [هود:22]، وقال الزمخشري هنا: "ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا ـ بضم الجيم وسكون الراء ـ بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ". وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ. و "جَرَمَ" فَعَلٌ بمعنى حَق، و "أَنَّ" مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ}تفسير : [المائدة:2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته. ويجوز أن يقال إنّ "لاَ جَرَمَ" نظير "لاَ بُدَّ" فَعَلَ من الجَرْم ـ وهو القطع ـ كما أن "بُدًّا" فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ}تفسير : [النحل:62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا. فصل قال البغوي: "لاَ جَرَمَ" حقاً {أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ} أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رحمه الله) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها. ثم قال: "وأَنَّ مَرَدَّنَا" أي مرجعنا "إلَى اللهِ" فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، "وَأَنَّ المُسْرِفِينَ" المشركين {هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ}. قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء. ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر. قوله: "وَأُفَوِّضُ" هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال "أقولُ". وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْرو الياء من: أمري، والباقون بالإسكان. فصل لما خوفهم بقوله: {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: {أية : إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [غافر:27]. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}. أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل. قوله: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ}. قال مقاتل: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} لا يليق إلا بالوجْهِ الأول. وقرأ حمزة وَحِيقَ ـ بكسر الحاء ـ وكذلك في كل القرآن والباقون بالفتح. قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. "وَحَاقَ" نزل "بآل فرعون سواء العذاب" الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة. قوله: "النَّارُ" الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ: أحدهما: أنه بدل من: "سوء العذاب" قاله الزجاج. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و "يُعْرَضَونَ" على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من "النار"، ويجوز أن يكون حالاً من "آل فرعون". الثالث: أنه مبتدأ، وخبره: "يُعْرََضُونَ". وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: {أية : وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ}تفسير : [الإنسان:31]. الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل "لِيُعْرَضُونَ"؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم. فصل دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ. فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين: أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر. الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر. والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس النار، وهذا لظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذابه حينئذٍ، وأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى: {أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}تفسير : [مريم:62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب. فصل قال ابنُ مَسعُود ـ رضي الله عنه ـ أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعون هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا. وروى ابنُ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَاةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ ". تفسير : قوله: "وَيَوْمَ تَقُومُ" فيه ثلاثة أوجهٍ: أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القول المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: "أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا. الثاني: أنه منصوب "بأدْخِلُوا" أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله: "وَعَشِيًّا". الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: "الساعة". و "ادخلوا" معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من "أَدْخَلَ" "فآل فرعون" مفعولٌ أول، و "أشد العذاب" مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف النداء منه و "أَشَدّ" منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ءامَنَ} أي مؤمنُ آلِ فرعونَ، وقيلَ مُوسَى عليهِ السَّلامُ. {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ} فيما دَللْتكُم عليهِ {أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} أيْ سبـيلاً يصلُ سالكُه إلى المقصودِ وفيه تعريضٌ بأنَّ ما يسلُكُه فرعونُ وقومُه سبـيلُ الغيِّ والضلالِ. {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌ} أي تمتعٌ يسيرٌ لسرعةِ زوالِها أجملَ لَهمُ أولاً ثمَّ فسرَ فافتتحَ بذمِّ الدُّنيا وتصغيرِ شأنِها لأنَّ الإخلادَ إليها رأسُ كلِّ شرَ ومنه تتشعبُ فنونُ ما يُؤدِّي إلى سخطِ الله تعالَى ثمَّ ثنَّى بتعظيمِ الآخرةِ فقالَ: {وَإِنَّ ٱلأَخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} لخلودِها ودوامِ ما فيها. {مِنْ عَمَلٍ} في الدُّنيا {سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ} في الآخرةِ {إِلاَّ مِثْلَهَا} عدلاً من الله سبحانَهُ وفيه دليلٌ على أنَّ الجناياتِ تُغْرمُ بأمثالِها {وَمَنْ عَمِـلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ} الذينَ عملِوا ذلَك {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} أيْ بغيرِ تقديرٍ وموازنةٍ بالعملِ بَلْ أضعافاً مُضاعفةً فضلاً من الله عزَّ وجلَّ ورحمةً. وجعلُ العملِ عمدةً والإيمانِ حالاً للإيذانِ بأنَّه لا عبرةَ بالعملِ بدونِه، وأنَّ ثوابَهُ أَعْلَى منْ ذلك {وَيٰقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى ٱلنَّارِ} كررَ نداءَهم إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة واعتناء بالمنادى له ومبالغة في توبـيخهم على ما يقابلون به نصحَهُ. ومدارُ التعجبِ الذي يلوحُ به الاستفهامُ دعوتُهم إيَّاهُ إلى النارِ ودعوته إياهم إلى النجاة كأنه قبل: أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشرِّ وقد جعلَه بعضُهم من قبـيلِ ما لي أراكَ حزيناً أي ما لكَ تكونُ حزيناً. وقولُه تعالَى: {تَدْعُونَنِى لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ} بدلٌ أو بـيانٌ فيه تعليلٌ والدعاءُ كالهدايةِ في التعديةِ بإلى واللامِ {وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ} بشركتِه له تعالى في المعبوديةِ وقيل بربوبـيتِه {عِلْمٍ} والمرادُ نفيُ المعلومِ والإشعارُ بأنَّ الألوهيةَ لا بُدَّ لها من بُرهانٍ موجبٍ للعلمِ بَها. {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ} الجامعِ لجميعِ صفاتِ الألوهيةِ من كمالِ القُدرةِ والغَلبةِ وما يتوقفُ عليهِ من العلمِ والإرادةِ والتمكنِ من المجازاةِ والقدرةِ على التعذيبِ والغفرانِ.
السلمي
تفسير : قال محمد بن على الترمذى: لم تزل الدنيا مذمومة فى الأمم السالفة عند العقلاء منهم وطالبوها مهانين عند الحكماء المقاضين وما قام داعٍ فى أمة إلاَّ حذر متابعة الدنيا وجمعها الحب لها ألا ترى مؤمن آل فرعون كيف قال: {ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} كأنهم قالوا له: وما سبيل الرشاد؟ قال: إنما هذه الحياة الدنيا متاع لم تصل الى سبيل الرشاد وفى قلبك محبة الدنيا.
القشيري
تفسير : أصَرَّ على دعائه وأصَرُّوا على جحودهم وعُنُودِهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} سبيل الرشد طريق المعرفة ومعرفة الله موافقة الله ومتابعة الانبياء والاولياء ولا يحصل الموافقة الا يترك مراد النفس لذلك قال {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} قال محمد بن على الترمذى لم تزل الدنيا مذمومة فى الامم السالفة عند العقلاء منهم وطالبوها مهانون عن الحكماء الماضية وما قام داع فى امة الاحذر متابعة الدنيا وجمعها والحب لها الا ترى من أل فرعون كيف قال اتبعون اهدكم سبيل الرشاد كانهم قالوا وما سبيل الرشاد قال انما هذه الحياة الدنيا متاع اى لن تصل الى سبيل الرشاد فى قلبك محبة الدنيا وطالبا لها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الذى آمن} اى مؤمن آل فرعون {يا قوم اتبعون} فيما دللتكم عليه اصله يا قومى اتبعونى {اهدكم سبيل الرشاد} اى سبيلا يصل سالكه الى المقصود والرشد والرشاد الاهتدآء لمصالح الدين والدنيا وفيه تعريض بان ما يسلكه فرعون وقومه سبيل الغى والضلال وفيه اشارة الى ان لهداية مودعة فى اتباع الانبياء والاولياء وللولى ان يهدى سبيل الرشاد بتبعية النبى عليه السلام كما يهدى النبى اليه ومن الهداية قوله
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقال الذي آمن} أي: مؤمن آل فرعون: {يا قوم اتبعون} فيما دللتكم عليه، {أَهدِكُم سبيلَ الرشادِ} أي: طريقاً يُوصل صاحبَه إلى المقصود. والرشاد: ضد الغيّ، وفيه تعريضٌ بأن ما يسلكه فرعون وقومه سبيل الغيّ والضلال. {يا قوم إنما هذه الحياةُ الدنيا متاعٌ} أي: تمتُّع يسير؛ لسرعة زوالها، فالإخلاد إليها أصل الشر، ومنبع الفتن، ومنه يتشعّب فنون ما يؤدي إلى سخط الله. أَجْمل له أولاً، ثم فَسَّر، فاستفتح بذم الدنيا، وتصغير شأنها، ثم ثنَّى بتعظيم الآخرة، وبيَّن أنها هي الموطن والمستقر بقوله: {وإِنَّ الآخرةَ هي دارُ القرارِ}؛ لخلودها، ودوامها، ودوام ما فيها. قال ابن عرفة: التمتُّع بالدنيا مانع من الزهد، وكون الآخرة دار مستقر يقتضي وجود الحرص على أسباب الحصول فيها. هـ. ثم ذكر الأعمال التي تُبعد عنها أو تُقرب إليها، فقال: {مَن عَمِلَ سيئةً} في الدنيا {فلا يُجزَى} في الآخرة {إِلا مثلَها} عدلاً من الله تعالى. قال القشيري: له مثلها في المقدار، لا في الصفة؛ لأن الأولى سيئة، والمكافأة حسنة ليست بسيئة. هـ. وقال ابن عرفة: في توفيه مماثلة العذاب الأبدي على كفر ساعة تتصور المماثلة، إما باعتبار نيته الكفر دواماً، وإما بأن يقال: ليس المراد المماثلة عقلاً، بل المماثلة شرعاً. وفي الإحياء: قال الحسن: إنما خُلِّد أهل الجنة في الجنة، وأهل النار، في النار، بالنية، وهو ـ والله أعلم ـ مقتبس من قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} تفسير : [إبراهيم: 44]. هـ. قاله المحشي. {ومَن عَمِلَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك} الذين عملوا ذلك {يدخلون الجنةَ يُرزقون فيها بغير حسابٍ} أي: بغير تقدير، وموازنة بالعمل، بل بأضعافٍ مضاعفة، فضلاً من الله ـ عزّ وجل ـ ورحمة. قال القشيري: أي: مؤبداً مخلَّداً، لا يخرجون من الجنة، ولا مما هم عليه من الحال. هـ. وجعل العمل عمدة، والإيمان حالاً؛ للإيذان بأنه لا عبرة بالعمل بدونه. وأنَّ ثوابه أعلى من ذلك. الإشارة: قال الورتجبي: سبيل الرشاد: طريق المعرفة، ومعرفة الله تعالى: موافقته ومتابعة أنبيائه وأوليائه، ولا تحصل الموافقة إلا بترك مراد النفس، ولذلك قال: {يا قوم إنما هذه الحياة الدينا متاع}. قال محمد بن علي الترمذي: لم تزل الدنيا مذمومة في الأمم السابقة، عند العقلاء منهم، وطالبوها مهانين عند الحكماء الماضية، وما قام داع في أمة إلا حذَّر متابعةَ الدنيا وجمعها والحب لها، ألا ترى مؤمن آل فرعون كيف قال: {اتبعون أهدكم سبيلَ الرشاد}، كأنهم قالوا: وما سبيل الرشاد؟ قال: {إِنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي: لن تصل إلى سبيل الرشاد وفي قلبك محبة الدنيا وطلب لها. هـ.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ} تمتّعٌ يسيرٌ بحسب المدارك النّازلة الحيوانيّة فانّه اذا نسب الى المدارك الانسانيّة لم يكن يعدّ تمتّعاً على انّ تمتّعها مشوبٌ بالآلام والاسقام والبلايا والمخاوف ومع ذلك لم يكن مدّة بقائه الاّ قليلاً من الايّام واذا لوحظ مع الايّام الآخرة الغير المتناهية لم يكن يعدّ فى شيءٍ {وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} فلا امد لمداه ولا نقص ولا شوب لتمتّعه.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ الَّذِى آمَنَ} من آل فرعون وكتم أو موسى على ما مر ويقوي على انه موسى قوله* {يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ} فى التصديق بالله والرسالة وان احتمل أن يريد ان المؤمن من آل فرعون قال اتبعون فى اتباع موسى وقرئ (اتبعونى) باثبات الياء والحذف قراءة نافع* {أَهْدِكُمْ} جواب الأمر أي أهدكم بالدلالة* {سَبِيلَ الرَّشَادِ} الصلاح الدنيوي والأخروي وذلك كناية عن ان فرعون وقومه في الغي وعظهم أولاً اجمالاً وفسر بعد ذلك مفتتحاً بذم الدنيا وتصغير شأنها لانها رأس كل خطيئة ومجلاب الشقاوة قائلاً* {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}
اطفيش
تفسير : {وقال الَّذي آمن} هو مؤمن آل فرعون لا موسى كما قيل {يا قَوم اتَّبعونِ} فيما أقول لكم {أهْدكُم سَبيل الرَّشاد} دين الله الذى من توسل به نجا من اللعنة واتباع المهلكين الى الفوز بالخير الدائم الأعلى، وفيه تعريض بأن فرعون وقومه على غير الرشاد، ثم إن المعنى أذعنوا لاتباعى، فأقول لكم ما تهتدون به، أو اتبعونى فيما أقول يحصل أنى هديتكم.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِى ءامَنَ } هو مؤمن آل فرعون، وقيل: فيه نظير ما قيل في سابقه أنه موسى عليه السلام وهو ضعيف كما لا يخفى {يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ } فيما دللتكم عليه {أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ } سبيلاً يصل به سالكه إلى المقصود، وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي. وقرأ معاذ بن جبل كما في «البحر» {الرشاد} بتشديد الشين وتقدم الكلام في ذلك فلا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : هذا مقال في مقام آخر قاله مؤمنُ آل فرعون، فهذه المقالات المعطوفة بالواو مقالات متفرقة. فابتدأ موعظته بندائهم ليلفت إليه أذهانهم ويستصغي أسماعهم، وبعنوان أنهم قومه لتَصْغَى إليه أفئدتُهم. ورتب خطبتُه على أسلوب تقديم الإِجمال ثم تعقيبه بالتفصيل، فابتدأ بقوله: {اتَّبِعُونِ أَهدِكُم سَبِيلَ الرَّشَادِ}، وسبيل الرشاد مجمل وهو على إجماله مما تتوق إليه النفوس، فربْطُ حصوله باتِّباعهم إيَّاه مما يُقبِل بهم على تلقّي ما يفسر هذا السبيل، ويسترعي أسماعهم إلى ما يقوله إذ لعله سيأتيهم بما ترغبه أنفسهم إذ قد يَظنون أنه نقحَ رأَيه ونخَل مقالَه وأنه سيأتي بما هو الحق الملائم لهم. وتقدم ذكر {سبيل الرشاد} آنفاً. وأعاد النداء تأكيداً لإِقبالهم إذْ لاحت بوارقه فأكمل مقدمته بتفصيل ما أجمله يذكرهم بأن الحياة الدنيا محدودة بأجل غير طويل، وأن وراءها حياةً أبدية، لأنه علم أن أشدّ دفاعهم عن دينهم منبعثٌ عن محبة السيادة والرفاهية، وذلك من متاع الدنيا الزائل وأن الخير لهم هو العمل للسعادة الأبدية. وقد بنَى هذه المقدمة على ما كانوا عليه من معرفة أن وراء هذه الحياة حياة أبدية فيها حقيقة السعادة والشقاء، وفيها الجزاء على الحسنات والسّيئات بالنعيم أو العذاب، إذ كانت ديانتهم تثبت حياة أخرى بعد الحياة الدنيا ولكنها حَرفت معظم وسائل السعادة والشقاوة، فهذه حقائق مسلّمة عندهم على إجمالها وهي من نوع الأصول الموضوعة في صناعة الجَدل، وبذلك تمّت مقدمة خطبته وتهيأت نفوسهم لبيان مقصده المفسِّر لإِجمال مقدمته. فجملة {إنما هٰذهِ الحيَوٰة الدُّنيا مَتٰعٌ} مبينة لجملة {أهْدِكُم سَبِيلَ الرَّشَادِ}. والمتاع: ما ينتفع به انتفاعاً مؤجلاً. والقرار: الدوام في المكان. والقصر المستفاد من قوله {إنما هذه الحياة الدنيا متاع} قصرُ موصوفٍ على صفة، أي لا صفة للدنيا إلا أنها نفع موقت، وهو قصر قلب لتنزيل قومه في تهالكهم على منافع الدنيا منزلة من يحسبها منافع خالدة. وجملتا {مَنْ عَمِلَ سَيِئَةً} إلى آخرهما بيان لجملة {وإنَّ الآخِرَة هِيَ دَارُ القَرارِ}. والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله {وَإِنَّ الآخِرَة هي دَارُ القَرارِ} قصرُ قلْبٍ نظير القصر في قوله: {إنَّما هَذهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتٰعٌ}، وهو مؤكد للقصر في قوله: {إنَّما هَذهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتٰعٌ} من تأكيد إثبات ضد الحكم لضد المحكوم عليه، وهو قصر قلب، أي لاَ الدنيا. (ومَنْ) من قوله: {مَنْ عَمِلَ سَيِئةَ} شرطية. ومعنى {إلاَّ مِثْلَهَا} المماثلة في الوصف الذي دل عليه اسم السيّئة وهو الجزاء السّيّء، أي لا يجزي عن عمل السوء بجزاء الخير، أي لا يطمعوا أن يعملوا السيئات وأنهم يجازَون عليها جزاءَ خير. وفي «صحيح البخاري» عن وهب بن منبه وكان كثير الوعظ للناس فقيل له، إنك بوعظك تقنط الناس فقال: «أأنا أقدر أن أقنط الناس والله يقول: {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}تفسير : [الزمر: 53] ولكنكم تُحبون أن تُبشَّروا بالجنة على مساوي أعمالكم». وكأن المؤمن خصّ الجزاء بالأعمال لأنهم كانوا متهاونِين بالأعمال وكان قصارى ما يهتمون به هو حسن الاعتقاد في الآلهة، ولذلك توجد على جُدر المعابد المصرية صورة الحساب في هيئة وضع قلب الميت في الميزان ليكون جزاؤه على ما يفسر عنه ميزان قلبه. ولذلك ترى مؤمن آل فرعون لم يهمل ذكر الإِيمان بعد أن اهتم بتقديم الأعمال فتراه يقول: {ومَنْ عَمِلَ صٰلِحاً مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ}، فالإِيمان هو أُسٌّ هيكل النجاة، ولذلك كان الكفر أُسَّ الشقاء الأبدي فإن كل عمل سيّء فإن سُوءه وفساده جُزئي مُنقَضٍ فكان العقاب عليه غير أبدي، وأما الكفر فهو سيئة دائمة مع صاحبها لأن مقرّها قلبه واعتقاده وهو ملازم له فلذلك كان عقابه أبدياً، لأن الحكمة تقتضي المناسبة بين الأسباب وآثارها فدل قوله: {فَلاَ يُجْزَىَ إلاَّ مِثلها} أن جزاء الكفر شقاء أبدي لأن مِثْل الكفر في كونه ملازماً للكافر إِن مات كافراً. وبهذا البيان أبطلنا قول المعتزلة والخوارج بمساواة مرتكب الكبائر للكافر في الخلود في العذاب، بأنه قول يفضي إلى إزالة مزية الإِيمان، وذلك تنافيه أدلة الشريعة البالغة مبلغ القطع، ونظير هذا المعنى قوله تعالى: {أية : فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 13 ــــ 17]. وترتيبه دخول الجنة على عمل الصالحات معناه: من عمل صالحاً ولم يعمل سيئة بقرينة مقابلته بقوله: {مَنْ عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها}، فإنْ خلَط المؤمن عملاً صالحاً وسيئاً فالمقاصة، وبيانه في تفاصيل الشريعة. وقوله: {بِغَيْرِ حِسابٍ} كناية على سعة الرزق ووفرته كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب}تفسير : في سورة [آل عمران: 37]. و {مَن} في قوله: {وَمَنْ عَمِلَ صٰلِحاً} الخ شرطية، وجوابها {فَأُولٰئِك يَدْخُلون الجنَّة}. وجيء باسم الإشارة لِلتنبيه على أن المشار إليه يستحق ما سيذكر بعد اسم الإشارة من أجْل ما ذكر قبل اسم الإشارة من الأوصاف، وهي عمل الصالحات مع الإِيمان زيادة على استفادة ذلك من تعليقه على الجملة الشرطية. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة جواب الشرط لإِفادة الحصر. والمعنى: أنكم إن متم على الشرك والعمل السيّىء لا تدخلونها. وقوله: {مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَىٰ} بيان لما في {مَنْ} من الإِبهام من جانب احتمال التعميم فلفظ {ذَكَرٍ أو أُنْثَىٰ} مراد به عموم الناس بذكر صنفيهم تنصيصاً على إرادة العموم، وليس المقصود به إفادة مساواة الأنثى للذكر في الجزاء على الأعمال إذ لا مناسبة له في هذا المقام، وتعريضاً بفرعون وخاصته أنهم غير مُفلَتين من الجزاء. وقرأ الجمهور {يَدْخُلونَ الجَنَّة} بفتح الياء. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بضمها وفتح الخاء، والمعنى واحد.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَ} {يٰقَوْمِ} (38) - وَقَالَ الرَجُلِ الصَّالِحُ المُؤْمِنُ: يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي تَرْشُدُوا، وَتَهْتَدُوا إِلَى دِينِ اللهِ الذِي أَرْسَلَ إِلَيكُمْ مُوسَى رَسُولاً.
الثعلبي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} طريق الصواب {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ} متعة وبلاغ، تنتفعون بها مدة ثم تزول عنكم {وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ * مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ * لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ} ينتفع بها. وقال السديّ: يعني لايستجيب لأحد في الدُّنيا ولا في الآخرة، فكان معنى الكلام: ليست له استجابة دعوة. وقال قتادة: ليست له دعوة مستجابة. وقيل: ليس له دعوة في الدُّنيا ولافي الآخرة إلاّ عبدوها، لأن الأوثان لم تأمر بعبادتها في الدُّنيا، ولم تدع الربوبية وفي الآخرة تتبرأ من عابديها {وَأَنَّ مَرَدَّنَآ} مرجعنا {إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ}. قال ابن عبّاس وقتادة: يعني المشركين. وقال مجاهد: هم السفّاكون الدماء بغير حقها. وقال عكرمة: الجبارين المتكبرين. {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} إذا عاينتم العذاب حين لاينفعكم الذكر {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} وذلك انهم توعدوه لمخالفة دينهم {إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} عالم بأمورهم من المحق منهم ومن المبطل {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ}. قال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطياً. {وَحَاقَ} نزل {بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} في الدُّنيا الغرق وفي الآخرة النار وذلك قوله: {ٱلنَّارُ} وهي رفع على البدل من السوء {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} وأصل العرض اظهار الشيء. قال قتادة: يعرضون عليها صباحاً ومساءاً، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخاً ونقمة وصغاراً لهم. وقال السدي وهذيل بن شرحبيل: هو أنهم لما هلكوا جُعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تُعرض على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار حتى تقوم الساعة. أخبرني عقيل بن محمّد بن أحمد الجرجاني: أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمّد بن جرير حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير حدثنا حماد بن محمّد الفزاري قال: سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال: يرحمك الله رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضاً فوجاً فوجاً، لايعلم عددها إلاّ الله تعالى، فإذا كان العشي رجع مثلها سوداً. قال: وفطنتم لذلك؟ قال: نعم. قال: إن تلك الطيور في حواصلها أزواج آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداً، فنبت عليها أرياش من الليل بيض وتناثر السود، ثم تغدوا فيعرضون على النار غدواً وعشياً ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدُّنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: {أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}. قال: وكانوا يقولون: إنهم ستمائة ألف مقاتل. قال عكرمة ومحمّد بن كعب: هذه الآية تدل على عذاب القبر، لأن الله تعالى ميّز عذاب الآخرة فقال: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} ادخلوا. قرأ أهل المدينة والكوفة إلاّ أبا بكر ويعقوب: بقطع الألف وكسر الخاء من الادخال. وقرأ الباقون: بوصل الألف وضم الخاء من الدخول. {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} في الدُّنيا {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ} والتبع يكون واحداً وجمعاً. وقال نحويوا البصرة: وواحده تابع. وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له، لأنه كالمصدر وجمعه أتباع. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ}. وقرأ ابن السميقع: (إنا كلاً فيها) بالنصب، جعلها نعتاً وتأكيداً ل (إنا). {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ} إذا اشتد. الشعبي قال: كنية الدجال أبو يوسف.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا قوْل الرجل المؤمن من آل فرعون يعظ قومه وكأنه نبيّ، فإنْ قُلْتَ: وماذا أسكته عن فرعون حتى وصل بضلاله إلى أنْ يدَّعي الألوهية؟ قالوا: هذه من ضمن قولنا إن للحق صَوْلة لكن لها وقتها المناسب، وساعةَ ينطق الحق على لسان هذا المؤمن فكأن الحق سبحانه هو الذي يتكلم، لذلك لم يعارضه أحدٌ لأن وارد الرحمن لا يُعارَض إنما يُعارض وارد البشر. لذلك لما قال الحق سبحانه: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ} تفسير : [القصص: 7] لم تعارض هذا الرأي، ومَنْ يقول للمرأة: إنْ خافت على وليدها ألقيه في اليم؟ والله لو قالها أحدٌ غير الحق سبحانه لَعُورضت لكن قبلتها أم موسى ولم تعترض، لأن وارد الرحمن لا يُعارض ولا يُناقَش، وإلا لَكانَ لها أنْ تقول: أأنجيه من موت مظنون إلى موت مُحقَّق؟ إذن: لا عجبَ أنْ يقول الرجل المؤمن هذا الكلام على مَرْأىً ومَسْمع من فرعون، ومع ذلك لم يعارضه. {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} [غافر: 39] هذه تلفتنا إلى أن الإنسان في أحداث الحياة معه لابُدَّ له أن يخدم غاية، ويُشترط في الغاية التي تخدم ألاَّ يكون بعدها غاية أخرى، فإنْ كان بعدها غايةٌ أخرى فليستْ بغاية، بل هي مرحلة مُوصِّلة للغاية، مثل الولد تعلمه ليأخذ الإعدادية مثلاً، فهل الإعدادية غاية؟ لا إنما هي مرحلة مُوصِّلة إلى مرحلة أخرى هي الثانوية، كذلك الثانوية مرحلة مُوصِّلة إلى ما بعدها. فالشيء ما دام له بَعْد فليس بغاية، الغاية هي التي ليس لها بَعْد، لذلك يقول لهم الرجل المؤمن: إن الدنيا كلها بما فيها متاع مجرد متاع ليست غاية، إنما الغاية الحقيقية هي الآخرة. والنظرة المتأملة ترى أن الإنسان له عمر مظنون في الكون غير مُحدَّد أبهمه الله، وجاء هذا الإبهام عين البيان وأرفع درجاته، لأنه سبحانه حين أبهمه في الزمان وفي المكان جعلنا نتوقعه وننتظره في كل لحظة وفي أيِّ مكان، لذلك قالوا: الموت سهمٌ أُرسِل إليك وهو في الطريق إليك بالفعل وعمرك بقدر سفره إليك. وحين تتأمل الكون من حولك تجد الخالق سبحانه خلق لك كوناً منسجماً يخدمك، شمس وقمر ونجوم وهواء وماء ونبات .. إلخ فانظر يا مَنْ خُلِقت له هذه الأكوان كيف تفنى أنت وتبقى هي، تموت أنت والشمس كما هي والقمر والنجوم والهواء والماء، لم يتغير في كون الله شيء، حتى الماء الذي نظنه ينقص هو في الكون كما هو منذ خلقه الله لا يزيد ولا ينقص. فالماء الذي أخذته من الكون في حياتك خرج منك مرة أخرى في صورة عرق وفضلات، حتى النسبة التي تبقى فينا بعد الموت تخرج وتمتصّها الأرض، كذلك الماء في الوردة مثلاً وفي كل الكائنات، إذن: فالكون كله كذلك عبارة عن تغيُّرات في مُتحد. لكن أيُعقل أن يكون الخادمُ أطولَ عمراً من المخدوم، أموت وتبقى الشمس التي تخدمني والتي خُلِقت من أجلي؟ نعم لتعلم أنَّ خادمك أطول عمراً منك في الدنيا مع أَنك المكرَّم المخدوم، إذن: لا بدَّ أن لي عمراً آخر يناسب هذا التكريم، عمراً يبقى بعد فناء هذه المخلوقات حيث تنتهي الشمس والقمر والنجوم .. وأبقى أنا، وهذا لا يكون إلا في الآخرة {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 48]. ولا بدَّ للمؤمن أن يقول بهذا اليوم، وأنْ يؤمن به ليكون هو المكرّم حقاً وهو الأطول عمراً. حتى الموت نفسه يموت وتبقى أنت في الآخرة خالداً لا تفوتك النعمة ولا يدركك الموت. لذلك يريد منا الحق سبحانه أن ننظر إلى هذه الغاية، لا أن ننظر تحت أقدامنا، ونعيش فقط للحظة التي نحن فيها، فالغاية الحقيقية لكل مؤمن هي الآخرة لأنها ليس لها بَعْد {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64] والحيوان مبالغة من الحياة. أي: الحياة الحقيقية. وهنا يقول الرجل المؤمن: {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} [غافر: 39] أي: المستقر التي لا عدولَ عنها، ولا سُكْنى غيرها، ولا بُدَّ أن نعمل لها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} [غافر: 38]، يشير إلى أن الهداية مودعة في أتباع الأنبياء والأولياء، وللولي أن يهدي سبيل الرشاد كما يهدي النبي إليه بتبعية النبي، ومن الهداية قوله: {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} [غافر: 39]، {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا} [غافر: 40] إظهاراً للعدل {وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] إظهاراً للفضل مما لم يكن وحساب العبد أن يرزق مثله. ثم أخبر عن الداعي إلى الخير والداعي إلى الشر بقوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ} [غافر: 41]، يشير إلى قول مؤخر الروح: {مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ} [غافر: 41] بمتابعة المصطفى ومخالفة الهوى من نار الأخلاق الذميمة، والأوصاف السبعية والبهيمية والسفلية، {وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ} [غافر: 41] نار الشهوات وهي دركات الجحيم. {تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [غافر: 42]؛ أي: رغبة وذوق منه، {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ} [غافر: 42] الذي {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 4] ولا يوجد له شبيه، {ٱلْغَفَّارِ} [غافر: 42] لمن تاب ورجع إليه من متابعة الهوى بمتابعة المصطفى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):