٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } بضم الياء وفتح الخاء وبالعكس {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } رزقاً واسعاً بغير تبعة.
البقاعي
تفسير : ولما حرك الهمم بهذا الوعظ إلى الإعراض عن دار الأنكاد والأمراض، والإقبال على دار الجلال والجمال بخدمة ذي العز والكمال، قال في جواب من سأل عن كيفية ذلك ما حاصله أنه بالإقبال على محاسن الأعمال، وترك السيء من الخلال، واصلاً بذلك على طريق البيان للبيان، ذاكراً عاقبة كل ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، مشيراً إلى جانب الرحمة أغلب، مقدماً لما هم عليه من السوء محذراً منه ليرجعوا {من عمل سيئة} أي ما يسوء من أي صنف كان: الذكور والإناث والمؤمنين والكافرين {فلا يجزى} أي من الملك الذي لا ملك سواه {إلا مثلها} عدلاً لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها ويدخل النار إن لم يكن له ما يكفرها، فهذا هو الملك الذي ينبغي الإقبال على خدمته لكونه الحكم العدل القادر على الجزاء والمساواة في الجزاء، فالكافر لما كان على عزم إدامه الكفر كان عذابه دائماً, والفاسق لما كان على نية التوبة لاعتقاده أنه في معصية وشر كان عذابه منقطعاً، والآية على عمومها، وما خرج منها بدليل كان مخصوصاً فيخرج عليها جميع باب الجنايات وغيره، ومن قال: إنها في شيء معين، لزمه أن تكون مجملة، لأن ذاك المعين غير مذكور، والتخصيص أولى من الإجمال كما قال أهل الأصول. ولما بين العدل في العقاب، بين الفضل في الثواب، تنبيهاً على أن الرحمة سبقت الغضب فقال: {ومن عمل صالحاً} أي ولو قل. ولما كان من يعهدون من الملوك إنما يستعملون الأقوياء لاحتياجهم، بين أنه على غير ذلك لأنه لا حاجة به أصلاً فقال: {من ذكر أو أنثى} ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان قال مبيناً شرطه: {وهو} أي عمل والحال أنه {مؤمن} ولما كان في مقام الترغيب في عدله وجوده وفضله، جعل الجزاء مسبباً عن الأعمال فقال: {فأولئك} أي العالو الهمة والمقدار {يدخلون الجنة} أي بأمر من له الأمر كله بعد أن ضاعف لهم أعمالهم فضلاً، والآية من الاحتباك: ذكر المساواة أولاً عدلاً يدل على المضاعفة ثانياً فضلاً، وذكر إدخال الجنة ثانياً يدل على إدخال النار أولاً، وسره أنه ذكر فضله في كل من الشقين {يرزقون فيها} أي من غير احتياج إلى تحول أصلاً ولا إلى أسباب، ولعل ذلك من أسرار البناء للمفعول {بغير حساب *} لخروج ما فيها بكثرته عن الحصر، فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، وهذا من باب الفضل، وفضل الله لا حد له، ورحمته غلبت غضبه، وأما جزاء السيئة فمن باب العدل، فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم، قال الأصبهاني: فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد لسبق الرحمة الغضب، فأنهدمت قواعد المعتزلة. ولما بلغ النهاية في نصحهم، وختم بإعلامهم بأن الناس قسمان: هالك وناج، وكان حاصل إرادتهم لأن يكون على ما هم عليه الهلاك بالنار، قال مبكتاً لهم بسوء مكافأتهم منادياً لهم مكرراً للنداء لزيادة التنبيه والإيقاظ من الغفلة. والتذكير بأنهم قومه واعضاده، وعاطفاً على ندائه السابق لأنه غير مفصل له ولا داخل في حكمه: {ويا قوم ما} أي أيّ شيء من الحظوظ والمصالح {لي} في أني {أدعوكم إلى النجاة} والجنة بالإيمان شفقة عليكم ورحمة لكم واعترافاً بحقكم {و} مالكم من ذلك في كونكم {تدعونني إلى النار *} والهلاك بالكفران، فالآية من الاحتباك: ذكر النجاة الملازمة للايمان أولاً دليلاً على حذف الجنة أولاً، ومراده هزهم وإثارة عزائمهم إلى الحياة منه بتذكيرهم أن ما يفعلونه معه ليس من شيم أهل المروءة يجازونه على إحسانه إليهم بالإساءة. ولما أخبر بقلة إنصافهم إجمالاً، بينه بقوله: {تدعونني} أي توقعون دعائي إلى معبوداتكم {لأكفر} أي لأجل أن أكفر {بالله} أي أستر ما يجب إظهاره بسبب الذي أناله لأن له كل شيء وله مجامع القهر والعز والعظمة والكبر {وأشرك} أي أوقع الشرك {به} أي أجعل له شريكاً. ولما كان كل ما عداه سبحانه ليس له من ذاته إلا العدم، أشار إلى حقارته بالتعبير بأداة ما لا يعقل فقال: {ما ليس لي به علم} أي نوع من العلم بصلاحيته لشيء من الشركة، فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا بالدليل القطعي الذي لا يحتمل نوعاً من الشرك، وإذا لم يكن به علم لم يكن له عزة ولا مغفرة، فلم يكن له وجود لأن الملك لازم الإلهية وهو أشهر الأشياء، فما ادعى له أشهر الأشياء، فكان بحيث لا يعرف بوجه من الوجوه، كان عدماً محضاً. ولما بين أنهم دعوه إلى ما هو عدم فضلاً عن أن يكون له نفع أو ضر في جملة فعليه إشارة إلى بطلان دعوتهم وعدم ثبوتها، بين لهم أنه دعاهم إلا إلى ما له الكمال كله، ولا نفع ولا ضر إلا بيده، فقال مشيراً بالجملة الاسمية إلى ثبوت دعوته وقوتها: {وأنا ادعوكم} أي أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده {إلى العزيز} أي البالغ العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. ولما وصفه بهذا الوصف ترهيباً، صح قطعاً وصفه ترغيباً بقوله: {الغفار *} أي الذي يتكرر له دائماً محو الذنب عيناً وأثراً ولا يقدر على ذلك غير من هو بصفة العزة، ومن صح وصفه بهذين الوصفين فهو الذي لا يجهل ما عليه، من صفات الكمال أحد، فالآية من الاحتباك: ذكراً أولاً عدم العلم دليلاً على العلم ثانياً، وثانياً العزة والمغفرة دليلاً على حذفهما أولاً. ولما كان انتفاء العلم بالشيء من أهل العلم انتفاء ذلك الشيء في أصول الدين، كان ما دعوه إليه باطلاً، وكان ما دعاهم إليه هو الحق، فلذلك أنتج قطعاً قوله: {لا جرم} وهي وإن كانت بمعنى: لا ظن ولا اضطراب أصلاً - كما مضى في سورة هود عليه السلام فيها معنى العلة، أي فلأجل ذلك لا شك في {أنما} أي الذي {تدعونني إليه} من هذه الأنداد {ليس له دعوة} بوجه من الوجوه، فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة {في الدنيا} التي هي محل الأسباب، الظاهرة لأن شيئا منه ليس له واحد من الوصفين {ولا في الآخرة} لأن ما لا تعلم إلهيته كذلك يكون {وإن} أي ولا اضطراب في أن {مردنا} أي ردنا العظيم بالموت وموضع ردنا ووقته منتهٍ {إلى الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال لما اقتضته عزته، فيجازي كل أحد بما يستحقه {وأنَّ} أي ولا شك في أن {المسرفين} أي المجاوزين للحدود العريقين في هذا الوصف {هم} أي خاصة لأجل حكم الله بذلك عليهم {أصحاب النار *} أي الذين يخلدون فيها لا يفارقونها كما يقتضيه معنى الصحبة لأن إسرافهم اقتضى إسراف ملازمتهم للنار التي طبعها الإسراف، وقد علم أن ربها لا يجزي بالسيئة إلا مثلها. ولما تقرر أنه لا أمر لغير الله وأنه لا بد من المعاد، تسبب عنه بقوله: {فستذكرون} أي قطعاً بوعد لا خلف فيه مع القرب {ما أقول لكم} حين لا ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي وإن لم تقبلوه. ولما ذكر خوفهم الذي لا يحميهم منه شيء ذكر خوفه الذي هو معتمد فيه على الله ليحيمه منه فقال عاطفاً على "ستذكرون" غير مراعى فيها معنى السين: {وأفوض} أي أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله {أمري} فيما تمكرونه بي {إلى الله} أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة فهو يحميني منكم: إن شاء، قال صاحب المنازل: التفويض ألطف إشارة وأوسع من التوكل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده، وهو عين الاستسلام، والتوكل شعبة منه، وهو على ثلاث درجات: الأولى أن تعلم أن العبد لا يملك قبل علمه استطاعة، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعول على نية، والثانية معاينة الاضطرار فلا ترى عملاً منجياً ولا ذنباً مهلكاً ولا سبباً حاملاً، والثالثة شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط والتفريق والجمع. ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة، على ذلك بياناً لمراده بقوله مؤكداً لأن عملهم في مكرهم به عمل من يظن أن سبحانه لا يبصرهم ولا ينصره {إن الله} وكرر الاسم الأعظم بياناً لمراده بأنه {بصير} أي بالغ البصر {بالعباد *} ظاهراً وباطناً، فيعلم من يستحق النصرة لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة.
القشيري
تفسير : {فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا}: في المقدار لا في الصفة؛ لأن الأولى سيئة، والمكافأةُ من الله عليها حسنةٌ وليست بسيئة. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} يعني في الحال، لأنَّ مَنْ لا يكون مؤمناً في الحال لا يكون منه العملُ الصالح، {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}: أي رزقاً مؤبَّداً مُخَلَّداً، لا يخرجون من الجنة ولا مِمَّا هم عليه من المآل.
اسماعيل حقي
تفسير : {من} هركه {عمل} فى الدنيا {سيئة} كردارى بد {فلا يجزى} فى الآخرة {الا مثلها} عدلا من الله سبحانه فخلود الكافر فى النار مثل لكفره ولو ساعة لأبدية اعتقاده واما المؤمن الفاسق فعقابه منقطع اذ ليس على عزم ان يبقى مصرا على المعصية وفى الآية دليل على أن الجنايات سوآء كانت فى النفوس او الاعضاء او الاموال تغرم بامثالها والزآئد على الامثال غير مشروع {ومن عمل صالحا} وهو ما طلب به رضى الله تعالى اى عمل كان من الاعمال المشروعة {من ذكر او انثى} ذكرهما ترغيبا لهما فى الصالحات {وهو} اى والحال أنه {مؤمن} بالله واليوم الآخر جعل العمل عمدة والايمان حالا للايذان بانه لا عبرة بالعمل بدون الايمان اذ الاحوال مشروطة على ما تقرر فى علم الاصول {فاؤلئك} الذين عملوا ذلك {يدخلون الجنة يرزقون فيها} روزى داده شو نداز فوا كه با كيزه و مطاعم لذيذه {بغير حساب} اى بغير تقدير وموازنة بالعمل بل اضعافا مضاعفة فضلا من الله ورحمة وفى التأويلات النجمية بغير حساب اى مما لم يكن فى حساب العبد ان يرزق مثله وعن ابى هريرة رضى الله عنه أنه قال اخبرنى رسول الله عليه السلام أن اهل الجنة اذا دخلوها نزلوا فيها بفضل اعمالهم اى باعمالهم الفاضلة ثم يؤذن لهم فى مقدار يوم الجمعة من ايام الدنيا فيبرزون ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم فى روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس ادناهم وما هو دنى على كثبان المسك والكافور ما يرون أن اصحاب الكراسى بافضل منهم مجلسا حديث : قال ابو هريرة رضى الله عنه قلت يا رسول الله وهل يرى ربنا قال "نعم هل تتمارون فى رؤية الشمس والقمر ليلة البدر" قلنا لا قال "كذلك لا تتمارون فى رؤية ربكم تبارك وتعالى" ولا يبقى فى ذلك المجلس رجل الا حاضره الله محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان ابن فلان أتذكر يوم قلت كذا وكذا فيذكره بعض عثراته فى الدنيا فيقول او لم تغفر لى فيقول بلى فبسعة مغفرتى بلغت منزلتك هذه فبينما هم على ذلك اذ غشيهم سحابة فامطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه قط ويقول ربنا قوموا الى ما اعددت لكم من الكرامة فخذوا ما شتهيتم فنأتى سوقا قد حفت بالملائكة لم تنظر العيون الى مثلها ولم تسمع الاذان ولم يخطر على القلوب فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشترى وفى ذلك السوق يلقى اهل الجنة بعضهم بعضا قال فيقبل الرجل ذو المنة المرتفعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دنى فيروعه ما عليه من اللباس فما ينقضى آخر حديثه حتى يتخيل عليه ما هو احسن منه وذلك أنه لا ينبغى لأحد ان يحزن فيها ثم ننصرف الى منازلنا فيتلقانا ازواجنا فيقلن مرحبا واهلا لقد جئت وان ربك من الجمال ما هو افضل مما فارقتنا عليه فيقول انا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحق لنا ان ننقلب بمثل ما انقلبنا
الجنابذي
تفسير : {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} وهذا جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ من حزقيل او من الله {وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} بسط فى جانب الثّواب واقتصر فى جانب العقاب على ذكر الجزاء المقيّد بكونه مثل السّيّئة ترجيحاً لجانب الوعد.
الأعقم
تفسير : {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} أي من عمل مصيبة فإنه لا يعاقب إلا بمقدار ما يستحق عليها {ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} ثم زاد في توبيخهم ووعظهم فقال سبحانه حاكياً عن المؤمن: {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار} أي أدعوكم إلى الإِيمان الذي هو سبب النجاة وتدعونني إلى الكفر الذي هو سبب النار {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} يعني لا أعلم لله شريكاً لأن الدليل دل على أنه لا شريك له وأنتم تدعونني إليه {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفَّار} أي عبادة الله ومغفرته وتوحيده {لا جرم} معناه حق وجب، ولأن ذلك ربهم، ولأن معناه حقاً مقطوعاً من الجزم وهو القطع، وقيل: هو رد الكلام كأنه لا محالة أن لهم النار {أنما تدعونني إليه} الى عبادته وهو الأصنام {ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} قال جار الله: ليس له دعوة إلى نفسه، أي من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى الطاعة ثم يدعو العباد إليها إظهاراً لدعوة ربهم وما يدعوهم إليه وإلى عبادته لا يدعو هؤلاء ذلك لا يدعي الربوبية ولو كان جواباً لصح من دعائكم، وقوله: {في الدنيا ولا في الآخرة} يعني أنه في الدنيا جماد لا يستطيع شيئاً من دعاء وغيره وفي الآخرة أنشأه الله حيواناً يتبرأ من الدعاء إليه ومن عبده {وأن مردنا} مصيرنا {إلى الله} إلى حكمه {وأن المسرفين}، قيل: بقتل النفس بغير حقها، وقيل: بالشرك والمعاصي {هم أصحاب النار} الدائمون فيها {فستذكرون ما أقول لكم} أي ستذكرون أيها الكفار هذه العصاة وما قدمت من النصح يوم القيامة يوم لا ينفع {وقيل} إذا آتاكم عذاب الله في الغرق، وقيل: عند النزع {وأفوّض أمري إلى الله} هذا من كلام مؤمن آل فرعون {إن الله بصير بالعباد} أي عالم بأحوالهم {فوقاه الله سيئات} أي منعه الله من سوء ما دبروا وحفظه منهم، وقيل: همّوا بقتله، وقيل: نجا مع موسى وكان قبطياً ولم ينج من قوم فرعون غيره، وقيل: همّوا بأخذه وصلبه فهرب إلى جبل فبعث فرعون في طلبه فوجدوه قائماً يصلي وحوله الوحوش صفوفاً فرجعوا هاربين {وحاق}، قيل: نزل ووقع، وقيل: وجب آله اتباعه ومن كان على دينه من العذاب في الدنيا الغرق وفي الآخرة {النار يعرضون عليها غدّواً وعشيَّاً}، قال جار الله: في هذين الوقتين يعذبون بالنار وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم فأما أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب أو ينفس عنهم، ويجوز أن يكون غدوا وعشياً عبارة عن الدوام هذا ما دامت الدنيا فإذا قامت الساعة قيل لهم: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} أي يقال لخزنة جهنم ادخلوهم {وإذ يتحاجون في النار} أي يتخاصمون {فقال الضعفاء} الأتباع {للذين استكبروا} يعني الرؤساء والمتبوعين الذين تكبّروا وأبقوا عن قبول الحق {إنا كنا لكم تبعاً} أي تابعين لكم في الدنيا مطيعين فيما تأمرونا به {فهل أنتم مغنون عنا} أي تكفون عنَّا من الغنى الذي هو الكفاية {نصيباً} أي قدراً من العذاب، وإنما قالوا على وجه النياحة وإلا فهم يعلمون أنهم لا يكفون، فأجابوهم {قال الذين استكبروا إنا كلّ فيها} أي نحن وأنتم {إن الله قد حكم بين العباد} بإنزال كل أحد ما يستحقه، فلما سمعوا ذلك أقبلوا على الخزنة.
الهواري
تفسير : {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً} والسيئة ها هنا الشرك {فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} أي: النار. {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي: لا يقبل الله العمل الصالح إلا من المؤمن {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [قال السّدّي: بغير متابعة ولا منّ عليهم فيما يعطون]. {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ} أي: إلى الإيمان بالله {وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} أي: الكفر الذي يدخل به صاحبه النار. {تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} أي: ليس عندي علم بأن مع الله شريكاً، ولكنه وحده لا شريك له. {وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} لمن تاب وآمن. {لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} أن أعبده، يعني ما تعبدون من دونه {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ} أي: ليس له دعوة يجيب العابدين به في الدنيا، ولا دعوة في الآخرة يجيبهم بها، أي: لا ينفعهم. قال: {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ} أي: المشركين {هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ}. وقال مجاهد: هم السافكون الدماء بغير حلّها. قال: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ} أي: إذا صرنا إلى الله. {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} أي: وأتوكّل عليه. {إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} أي: بأعمال العباد ومصيرهم.
اطفيش
تفسير : {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} عدلاً يؤخذ منه ان الجناية تغرم بمثلها والآية عموم وزعم بعض قومنا ان المراد من عمل الشرك فجزاؤه جهنم خالداً ومن عمل غيره فجزاؤه بقدر عمله ثم يرحم ولو شاء الله لكان الأمر كما قالوا. {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} مصدق بالله ورسله وكتبه* {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} صرح بذلك أقسام العمال ذكور واناث وجعل الجواب اسمية وصدرها باشارة البعيد من حيث علو منزلته وتبيين الثواب لتغليب الرحمة والا فالسيئة أيضاً تعم عاملها ذكراً أو أنثى وجزاؤها ظاهر وهو النار ولم يذكر الخنثى المشكل لان اشكاله عندنا وهو عند الله ذكر وأنثى وان قلنا خلق ثالث فهو دخل أيضاً لان المراد بذكر وأنثى العموم كما تقول زيد يفعل كذا صباحاً ومساء وأنت تعنى عموم الأوقات وانما جعل العمل عمدة شرطاً لمن والايمان حالاً للدلالة على انه قيد لقبول العمل وامن ثوابه حيث يبطل العمل بعدمه أعلى من ثواب العمل ولو كان الايمان أيضاً لا ينفع بلا عمل* {يُرْزَقُونَ فِيهَا} مستأنفة أو حال من الجنة أو من (واو) يدخلون مقدرة أي مقدراً لهم رزق ما يشاءون فيه* {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بلا عدد وبلا موازنة عمل بل أضعاف مضاعفة فضلا منه وقيل لا يحاسبون على ما رزقوا فيها ولا على ما رزقوا فى الدنيا وقرئ (يدخلون) بالبناء للمفعول من الادخال أي يدخلهم الله وقراءة نافع يدخلون بالبناء للفاعل من الدخول وعليها جريت
اطفيش
تفسير : {مَنْ عَمِل} فى الدنيا {سيِّئةً} معصية لم يتب منها {فلا يُجْزى} فى الآخرة {إلا مثلها} مقابلها ومعادلها من العذاب {ومَن عَمل} فى الدنيا {صَالحاً مِنْ ذكر أو أنْثى وهو مُؤمنٌ} أى موحد، ولم يبطله بالإصرار، وأما المشرك فيجازى فى الدنيا على حسناته {فأولئك} الذين عملوا الصالح {يَدخُلون الجنَّة يُرزَقُون فيها بغَير حِسابٍ} وهى وما فيها فوق ما عملوا بأضعاف لا تنتهى لا مثل ما عملوا، وفى ذكره ذلك رضى الله عنه ترغيب.
الالوسي
تفسير : {مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً } في الدنيا {فَلاَ يُجْزَىٰ } في الآخرة {إِلاَّ مِثْلَهَا } عدلاً من الله عز وجل، واستدل به على أن الجنايات تغرم بمثلها أي بوزانها من غير مضاعفة {وَمَنْ عَمِـلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَٰئِكَ } الذين عملوا ذلك {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافاً مضاعفة فضلاً منه تعالى ورحمة، وقسم العمال إلى ذكر وأنثى للاهتمام والاحتياط في الشمول لاحتمال نقص الإناث، وجعل الجزاء في جزاء أعمالهم جملة اسمية مصدرة باسم الإشارة مع تفضيل الثواب وتفصيله تغليباً للرحمة وترغيباً فيما / عند الله عز وجل، وجعل العمل عمدة وركناً من القضية الشرطية والإيمان حالاً للدلالة على أن الإيمان شرط في اعتبار العمل والاعتداد به والثواب عليه لأن الأحوال قيود وشروط للحكم التي وقعت فيه، ويتضمن ذلك الإشارة إلى عظيم شرفه ومزيد ثوابه. وقرأ الأعرج والحسن وأبو جعفر وعيسى وغير واحد من السبعة {يَدْخُلُونَ } مبنياً للمفعول.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا}. هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات الدالة عن أن السيئات لا تضاعف، ولا تجزي إلا بمثلها بينها وبين الآيات الأخرى الدالة على أن السيئات ربما ضوعفت في بعض الأحوال، كقوله تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم {أية : إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} تفسير : [الإسراء: 75] وقوله تعالى في نسائه رضي الله عنهن {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} تفسير : [الأحزاب: 30] إشكال معروف. وقد قدمنا الجواب عنه موضحاً في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النمل: 90]. قوله تعالى: {وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}. قد أوضحنا معنى هذه الآية الكريمة، وبينا العمل الصالح بالآيات القرآنية، وأوضحنا الآيات المبينة لمفهوم المخالفة، في قوله: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] الآية. وفي أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} تفسير : [الكهف: 2ـ3].
د. أسعد حومد
تفسير : {صَالِحاً} {فَأُوْلَـٰئِكَ} (40) - فَمَنْ عَمِلَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا عَمَلاً سَيَّئاً، أَوِ اجْتَرَحَ إِثْماً فَإِنَّهُ لاَ يُعَاقَبُ إِلاَّ بِمِقْدَارِ عَمَلِهِ، دُونَ مُضَاعَفَةٍ لِلْعِقَابِ. وَمَنْ عَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً، ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَتَمَتَّعَ بِمَا فِيهَا مِنْ رِزْقٍ كَرِيمٍ، وَنَعِيمٍ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلاَ تَحْدِيدٍ. بِغَيْرِ حِسَابٍ - بِلاَ تَحْدِيدٍ وَلاَ نِهَايَةٍ فِي الرِّزْقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعم ما دامت الآخرة هي دار القرار والمستقر فلابدّ من الرجوع إليَّ والوقوف بين يديّ أُجازي كُلاًّ بعمله، وأنا لستُ جباراً عليكم إنما أنا رحيم بكم أجازي السيئة بمثلها، أو أغفر وأضاعف الحسنة أضعافاً كثيرة. والوقفة هنا عند قوله تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [غافر: 40] فهذا الشرط لا يمنع غير المؤمنين من فعل الخير والعمل الصالح، وقد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. والكافر حين يفعل الخير يأخذ حظه منه في الدنيا، لا نصيبَ له في ثواب الآخرة، يأخذه في الدنيا شهرةً وصيتاً وسُمعة طيبة على ألسنة الناس، يأخذه في صورة تكريم واحتفال، ألاَ تراهم يقيمون لهم التماثيل ويُخلِّدون ذكراهم .. إلخ. إذن: أخذوا حظهم في الدنيا، لذلك يقول تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. تأمل {أية : وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..} تفسير : [النور: 39] يعني: فوجئ به لأنه لم يكُنْ في باله في الدنيا وما عمل من أجله قطّ، ومعلومٌ أن الإنسان يأخذ أجره ممَّنْ عمل له. وقد سُئِلْنا في هذه المسألة في سان فرانسيسكو: أيضيع أجر الكافر الذي عمل الخير في الدنيا؟ قلت: أعملَ للخير لله أم للإنسانية ورُقيِّها؟ قالوا: عمل للإنسانية ورُقيِّها وخدمتها، قلت: فليأخذ أجره منها وقد أخذه شهراً وصيتاً وتخليداً، قال تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. لذلك نقول: إن الكافرين الذين عملوا لرقي المجتمع وتقدمه نحن ننتفع بأعمالهم ومخترعاتهم ومكتشفاتهم، بل ونطوعها لخدمة الإيمان والدعوة إلى الله، فهذا المسجِّل وهذا الميكرفون وغيرها ثمرة جهدهم، لكن لا حَظَّ لهم في ثوابه، لذلك نقول: إن هؤلاء خُدَّام حَرْف واحد من حروف القرآن، ما هو؟ هو السين في قوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ} تفسير : [فصلت: 53]. فهم يتعبون ويعيشون حياة قاسية في تقشُّف ليتفرغوا للبحث والدراسة للوصول إلى سِرٍّ من أسرار الله في كونه، وفي النهاية ينتفع الناس بأعمالهم، ويُحْرمون هم ثواب هذا العمل. وقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] الرزق كل ما ينتفع به الإنسان، وليس مجرد المال كما يظن البعض، فالعافية رزق، والسلامة رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، كلُّ ما تنتفع به رزقٌ لك {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] كلمة حساب تعني: أنك تحسب للشيء حساباً على قدره. أما في الآخرة فالرزق فيها بغير حساب، أي: بغير حساب من أحد لأن المعطي الرازق هو الله، والله حين يعطيك لا يعطيك على قدر عملك، إنما يعطيك على قدره هو سبحانه. وحين يأتيك الخير غير المظنون تقول: لم أكُنْ أعمل له حساباً، فمعنى {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] يعني: طلاقة قدرة في العطاء، قدرة تعطى للمعطي بلا حساب مُسبَّب منه، وبلا حساب على قدرك، فالمسألة إذن واسعة. قالوا: ومن غير الحساب في الجنة أنك تأكل ولا تتغوط، كيف؟ لأنك تأكل بطهي الله لك، وما دُمْت تأكل بطهي الله الخالق فلا بدَّ أن يعطيك الغذاء على قدر مقومات الحياة دون زيادة، فمن أين تأتي الفضلات إذن؟ ولماذا ننكر هذه المسألة أو حتى نتعجب منها ونحن نراها في الدنيا رغم إمكاناتنا المحدودة؟ ألا تراهم في الحروب مثلاً يعطون الجنود حبوباً خاصة تحلُّ محلَّ الغذاء تعطيهم الطاقة اللازمة دون زيادة، ولا تترك في الجسم فضلات للتغوط؟ فإذا كان المخلوق فعل هذا فما بالك بالخالق سبحانه؟ وقد تأكل في الجنة بغير حاجة للطعام، تأكل لمجرد التمتع بالأكل، وقد لا تجتاج إلى الطعام أصلاً؛ لذلك قالوا: أفضل درجات الجنة وأحسن نعيمها في عليين لأنها مرتبة ليس فيها شيء من مُتَع الحياة إلا أنْ ترى ربك عز وجل وكفى بها نعمة، فأنت في حضرته تعالى لا تحتاج أصلاً إلى هذه المتع. لذلك لما ذهب الشَّعبي إلى ملك الروم وسأله الملك: أنتم تدَّعون أنكم في الجنة تأكلون ولا تتغوطون، فكيف ذلك؟ قال: وما العجب في ذلك؟ ألم تر إلى الطفل في بطن أمه كيف يتغذَّى وينمو، فهل يتغوَّط في بطنها، إنه لا يتغوط ولو تغوَّط لاحترق في مشيمته، كذلك المؤمن في الجنة. فقال الملك: وتدَّعُون أنكم تأكلون من الطعام في الجنة فلا ينقص، وكل شيء تأخذ منه لا بدَّ أن ينقص. قال: نعم ينقص إذا لم يكُنْ له مدد يكمل نقصه، هات لي شمعة فأتى له بشمعة فأشعلها ثم قال للموجودين في المجلس: ليأتِ كل واحد منكم بشمعة ويشعلها من هذه فأشعلوا جميعاً شموعهم، فقال لهم: أنقص من ضوء الشمعة شيء؟ كذلك عطاء الله لأهل الجنة لا ينفذ ولا ينقص. ومن عجائب الجنة أن فيها أنهاراً، نهراً من لبن، ونهراً من عسل، ونهراً من خمر، ونهراً من ماء، وهذه الأنهار ليس لها شطوط ولا حواجز، بل هي متداخلة ومع ذلك لا تختلط، ويجب أن نؤمن بذلك ولا ننكره، بل لا نعجب له لأن رسول الله أخبرنا "حديث : أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"تفسير : فَلِمَ العجب إذن؟ لذلك حين يصفها لنا الحق سبحانه يخبرنا أنه لا يصف لنا الجنة ذاتها، إنما يعطينا مثالاً لها، فيقول سبحانه: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ..} تفسير : [محمد: 15]. ثم إن الحق سبحانه حينما يعطينا هذا المثل للجنة ليقربها لأفهامنا لا بدَّ أنْ ينقي هذا المثل من شوائبه عندنا في الدنيا، تأمل: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} [محمد: 15]. فماء الجنة غير آسِن لا يتغير كماء الدنيا، ولبن الجنة لا يتغير طعمه كما يتغير لبن الدنيا، وخمر الآخرة لذة ولا يذهب بالعقل، أما خمر الدنيا فكَرِية ويذهب بالعقل، وعسل الآخرة مُصفّى من الشوائب على خلاف عسل الدنيا. ثم يقول مؤمن آل فرعون، فيما يذكره لنا الحق سبحانه في قرآنه: {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ ...}.
الجيلاني
تفسير : واعلموا أيها المجبولون على فطرة التكليف أن {مَنْ عَمِـلَ} في النشأة الأولى {سَـيِّئَةً} جالبة لغضب الله، مستتبعة لعذابه {فَلاَ يُجْزَىٰ} في النشأة الأخرى {إِلاَّ مِثْلَهَا} بمقتضى العدل الإلهي {وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً} مستجلباً لنعم الله وموائد كرمه، سواء كان {مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَ} الحال أنه {هُوَ مُؤْمِنٌ} موقن بتوحيد الله، مصدق برسله وكتبه {فَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} في النشأة الأخرى {يُرْزَقُونَ فِيهَا} رزقاً صورياً ومعنوياً رغداً واسعاً {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] بلا تقدير وموازنة مثل أرزاق الدنيا. {وَ} قال القائل المذكور أيضاً على سبيل الملاينة والمجاراة في صورة المناصحة والمقابلة، إيقاضاً لهم عن سنة الغفلة، وتتميماً للغرض المسوق له الكلام: {يٰقَوْمِ مَا لِيۤ} أي: أي شيء عرض علي ولحق لي {أَدْعُوكُـمْ} أنا من كمال عطفي ومرحمتي إياكم {إِلَى ٱلنَّجَاةِ} من عذاب الله وحلول غضبه، وإلى دخول الجنة المشتملة على أنواع اللذات الجسمانية والروحانية المعدة لأهل التوحيد والإيمان {وَ} أنتم {تَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ} [غافر: 41] المعدة لأصحاب الخيبة والخذلان. إذ {تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المتفرد بالألوهية والربوبية، وأنكر وجوده {وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} أي: أشرك به شيئاً لم يتعلق علمي بألوهيته وشركته مع الله لا يقيناً ولا ظناً ووهماً؛ إذ هو جماد ماله شعور {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ} بمقتضى الوحي الإلهي المنزل على رسول الله المؤيد بالعقل الفطري المفاض لخواص عباده من لدنه سبحانه {إِلَى ٱلْعَزِيزِ} القادر الغالب في أمره بلا فتور وقصور {ٱلْغَفَّارِ} [غافر: 42] الستَّار لنفوس السوى والأغيار مطلقاً.
همام الصنعاني
تفسير : 2678- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا}: [الآية: 40]، قال: مَنْ عَمِلَ شِرْكاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):