Verse. 4174 (AR)

٤٠ - غَافِر

40 - Ghafir (AR)

وَيٰقَوْمِ مَا لِيْۗ اَدْعُوْكُمْ اِلَى النَّجٰوۃِ وَتَدْعُوْنَنِيْۗ اِلَى النَّارِ۝۴۱ۭ
Waya qawmi ma lee adAAookum ila alnnajati watadAAoonanee ila alnnari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار».

41

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه، {وَتَدْعُونَنِىۤ إِلَى ٱلنَّارِ تَدْعُونَنِى لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} أي: على جهل بلا دليل، {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ} أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه، {لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىۤ إِلَيْهِ} يقول: حقاً. قال السدي وابن جرير: معنى قوله: {لاَ جَرَمَ}: حقاً. وقال الضحاك: {لاَ جَرَمَ} لا كذب. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {لاَ جَرَمَ} يقول: بلى، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِى ٱلآخِرَةِ} قال مجاهد: الوثن ليس له شيء، وقال قتادة: يعني: الوثن لا ينفع ولا يضر، وقال السدي: لا يجيب داعيه، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وهذا كقوله تبارك وتعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 5 ــــ 6] {أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ} تفسير : [فاطر: 14] وقوله: {وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ} أي: في الدار الآخرة، فيجازي كلاً بعمله، ولهذا قال: {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} أي: خالدين فيها؛ بإسرافهم، وهو شركهم بالله عز وجل: {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفع الندم، {وَأُفَوِّضُ أَمْرِىۤ إِلَى ٱللَّهِ} أي: وأتوكل على الله، وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم {إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} أي: هو بصير بهم، تعالى وتقدس، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة والحكمة التامة والقدر النافذ. وقوله تبارك وتعالى: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} أي: في الدنيا والآخرة، وأما في الدنيا، فنجاه الله تعالى مع موسى عليه الصلاة والسلام، وأما في الآخرة فبالجنة، {وَحَاقَ بِـآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} وهو الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحاً ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة، اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، ولهذا قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} أي: أشده ألماً، وأعظمه نكالاً، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله تعالى: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً}. ولكن هنا سؤال، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، هو ابن القاسم أبو النضر، حدثنا إسحاق بن سعيد، هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، حدثنا سعيد، يعني: أباه، عن عائشة رضي الله عنها: أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة رضي الله عنها إليها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر، قالت رضي الله عنها: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي، فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا، من زعم ذلك؟» تفسير : قالت: هذه اليهودية، لا أصنع إليها شيئاً من المعروف إلا قالت: وقاك الله عذاب القبر، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : كذبت يهود، وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة» تفسير : ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملاً بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: «حديث : القبر كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، بكيتم كثيراً، وضحكتم قليلاً، أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر؛ فإن عذاب القبر حق» تفسير : وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. وروى أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألتها امرأة يهودية، فأعطتها، فقالت لها: وقاك الله من عذاب القبر، فأنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم قالت له، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا» تفسير : قالت عائشة رضي الله عنها: ثم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «حديث : وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم» تفسير : وهذا أيضاً على شرطهما. فيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها دلالة على عذاب البرزخ؟ والجواب أن الآية دلت على عرض الأرواح على النار غدواً وعشياً في البزرخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصاً بالروح، فأما حصول ذلك للجسد في البرزخ، وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال: إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب. ومما يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وعندها امراة من اليهود، وهي تقول: أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم؟ فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : إنما يفتن يهود» تفسير : قالت عائشة رضي الله عنها: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا إنكم تفتنون في القبور» تفسير : وقالت عائشة رضي الله عنها: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ يستعيذ من عذاب القبر، وهكذا رواه مسلم عن هارون بن سعيد وحرملة، كلاهما عن ابن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به. وقد يقال: إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل في الأجساد في قبورها، فلما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك بخصوصه استعاذ منه، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقد روى البخاري من حديث شعبة عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها: أن يهودية دخلت عليها، فقالت: نعوذ بالله من عذاب القبر، فسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم عذاب القبر حق» تفسير : قالت عائشة رضي الله عنها: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر. فهذا يدل على أنه بادر صلى الله عليه وسلم إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه، وفي الأخبار المتقدمة أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله سبحانه أعلم، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جداً. وقال قتادة في قوله تعالى: {غُدُوّاً وَعَشِيّاً} صباحاً ومساء، ما بقيت الدنيا، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم؛ توبيخاً ونقمة وصغاراً لهم، وقال ابن زيد: هم فيها اليوم، يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث عن عبد الرحمن بن ثروان عن هذيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاؤوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها، وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن الهزيل بن شرحبيل من كلامه في أرواح آل فرعون، وكذلك قال السدي. وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: «حديث : ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله، رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} وآل فرعون كالإبل المسومة، يخبطون الحجارة والشجر، ولا يعقلون» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخرم، حدثنا عامر بن مدرك الحارثي، حدثنا عتبة ــــ يعني: ابن يقظان ــــ عن قيس بن مسلم عن طارق عن شهاب عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما أحسن محسن من مسلم أو كافر، إلا أثابه الله تعالى» تفسير : قال: قلنا: يا رسول الله، ما إثابة الله الكافر؟ فقال: «حديث : إن كان قد وصل رحماً، أو تصدق بصدقة، أو عمل حسنة، أثابه الله تبارك وتعالى المال والولد والصحة، وأشباه ذلك» تفسير : قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ قال صلى الله عليه وسلم:«حديث : عذاباً دون العذاب» تفسير : وقرأ: {أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} ورواه البزار في مسنده عن زيد بن أخرم، ثم قال: لا نعلم له إسناداً غير هذا. وقال ابن جرير: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال: سمعت الأوزاعي، وسأله رجل فقال: رحمك الله رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضاً، فوجاً فوجاً، لا يعلم عددها إلا الله عز وجل، فإذا كان العشي، رجع مثلها سوداً، قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: نعم، قال إن ذلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدواً وعشياً، فترجع إلى وكورها وقد احترقت أرياشها، وصارت سوداً، فينبت عليها من الليل ريش أبيض، ويتناثر الأسود، ثم تغدو على النار غدواً وعشياً، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، قال الله تعالى: {أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} قال: وكانوا يقولون: إنهم ستمائة ألف مقاتل. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل إليه يوم القيامة» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به.

المحلي و السيوطي

تفسير : { وَيٰقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى ٱلنَّارِ }.

الشوكاني

تفسير : كرّر ذلك الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله، وصرّح بإيمانه، ولم يسلك المسالك المتقدّمة من إيهامه لهم أنه منهم، وأنه إنما تصدّى التذكير كراهة أن يصيبهم بعض ما توعدهم به موسى كما يقوله الرجل المحبّ لقومه من التحذير عن الوقوع فيما يخاف عليهم الوقوع فيه، فقال: {وَيٰقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى ٱلنَّارِ } أي: أخبروني عنكم كيف هذه الحال: أدعوكم إلى النجاة من النار، ودخول الجنة بالإيمان بالله، وإجابة رسله، وتدعونني إلى النار بما تريدونه مني من الشرك. قيل: معنى {مَا لِى أَدْعُوكُـمْ }: ما لكم أدعوكم؟ كما تقول: ما لي أراك حزيناً، أي: ما لك. ثم فسر الدعوتين، فقال: {تَدْعُونَنِى لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ }، فقوله: تدعونني بدل من تدعونني الأولى، أو بيان لها {مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } أي: ما لا علم لي بكونه شريكاً لله {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ } أي: إلى العزيز في انتقامه ممن كفر {ٱلْغَفَّارُ } لذنب من آمن به. {لاَ جَرَمَ } قد تقدّم تفسير هذا في سورة هود، وجرم فعل ماض بمعنى: حقّ، ولا الداخلة عليه لنفي ما ادّعوه، وردّ ما زعموه، وفاعل هذا الفعل هو: قوله: {أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِى ٱلأَخِرَةِ } أي: حقّ، ووجب بطلان دعوته. قال الزجاج: معناه: ليس له استجابة دعوة تنفع. وقيل: ليس له دعوة توجب له الألوهية في الدنيا، ولا في الآخرة. وقال الكلبي: ليس له شفاعة {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى ٱللَّهِ } أي: مرجعنا، ومصيرنا إليه بالموت أوّلاً، وبالبعث آخراً، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير، وشرّ {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } أي: المستكثرين من معاصي الله. قال قتادة، وابن سيرين: يعني: المشركين. وقال مجاهد، والشعبي: هم السفهاء السفاكون للدّماء بغير حقها. وقال عكرمة: الجبارون، والمتكبرون. وقيل: هم الذين تعدّوا حدود الله، «وأن» في الموضعين عطف على «أن» في قوله: {أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ }،والمعنى: وحقّ أن مردّنا إلى الله، وحقّ أن المسرفين إلخ {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُـمْ } إذا نزل بكم العذاب، وتعلمون أني قد بالغت في نصحكم، وتذكيركم، وفي هذا الإبهام من التخويف، والتهديد ما لا يخفى {وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى ٱللَّهِ } أي: أتوكل عليه، وأسلم أمري إليه. قيل: إنه قال هذا لما أرادوا الإيقاع به. قال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل، فلم يقدروا عليه. وقيل: القائل هو: موسى، والأوّل أولى. {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } أي: وقاه الله ما أرادوا به من المكر السيّىء، وما أرادوه به من الشرّ. قال قتادة: نجاه الله مع بني إسرائيل {وَحَاقَ بِـئَالِ فِرْعَوْنَ سُوء ٱلْعَذَابِ } أي: أحاط بهم، ونزل عليهم سوء العذاب. قال الكسائي: يقال: حاق يحيق حيقاً، وحيوقاً: إذا نزل، ولزم. قال الكلبي: غرقوا في البحر، ودخلوا النار، والمراد بآل فرعون: فرعون، وقومه، وترك التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره لكونه أولى بذلك منهم، أو المراد بآل فرعون فرعون نفسه. والأوّل أولى؛ لأنهم قد عذبوا في الدنيا جميعاً بالغرق، وسيعذبون في الآخرة بالنار، ثم بيّن سبحانه ما أجمله من سوء العذاب، فقال: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً }، فارتفاع النار على أنها بدل من سوء العذاب. وقيل: على أنها خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ، وخبره يعرضون، والأوّل أولى، ورجحه الزجاج، وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر. وقرىء بالنصب على تقدير فعل يفسره يعرضون من حيث المعنى، أي: يصلون النار يعرضون عليها، أو على الاختصاص، وأجاز الفرّاء الخفض على البدل من العذاب. وذهب الجمهور أن هذا العرض هو في البرزخ. وقيل: هو في الآخرة. قال الفرّاء: ويكون في الآية تقديم، وتأخير، أي: أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب النار يعرضون عليها غدوًّا، وعشيا، ولا ملجىء إلى هذا التكلف، فإن قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } يدل دلالة واضحة على أن ذلك العرض هو في البرزخ، وقوله: {أَدْخِلُواْ } هو بتقدير القول، أي: يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون، و {أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } هو: عذاب النار. قرأ حمزة، والكسائي، ونافع، وحفض: {أدخلوا} بفتح الهمزة، وكسر الخاء، وهو على تقدير القول كما ذكر. وقرأ الباقون: (ادخلوا) بهمزة وصل من دخل يدخل أمراً لآل فرعون بالدخول بتقدير حرف النداء، أي: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب. {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ } الظرف منصوب بإضمار اذكر. والمعنى: اذكر لقومك وقت تخاصمهم في النار، ثم بيّن سبحانه هذا التخاصم، فقال: {فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاء لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُواْ } عن الانقياد للأنبياء، والاتباع لهم، وهم: رؤساء الكفر {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } جمع لتابع، كخدم، وخادم، أو مصدر واقع موقع اسم الفاعل، أي: تابعين، أو على حذف مضاف، أي: ذوي تبع. قال البصريون: التبع يكون واحداً، ويكون جمعاً. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ ٱلنَّارِ } أي: هل تدفعون عنا نصيباً منها، أو تحملونه معنا، وانتصاب {نصيباً} بفعل مقدّر يدل عليه مغنون، أي: هل تدفعون عنا نصيباً، أو تمنعون على تضمينه معنى حاملين، أي: هل أنتم حاملون معنا نصيباً، أو على المصدرية. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا } هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والمعنى: إنا نحن، وأنتم جميعاً في جهنم، فكيف تغني عنكم. قرأ الجمهور: {كلّ} بالرّفع على الابتداء، وخبره: {فِيهَا } والجملة خبر إن، قاله الأخفش. وقرأ ابن السميفع، وعيسى بن عمر: (كلا) بالنصب. قال الكسائي، والفراء على التأكيد لاسم إن بمعنى: كلنا، وتنوينه عوض عن المضاف إليه. وقيل: على الحال، ورجحه ابن مالك {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ } أي: قضى بينهم بأن فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ } من الأمم الكافرة، مستكبرهم، وضعيفهم {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ } جمع خازن، وهو القوّام بتعذيب أهل النار {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ ٱلْعَذَابِ } يوماً ظرف؛ ليخفف، ومفعول يخفف محذوف، أي: يخفف عنا شيئاً من العذاب مقدار يوم، أو في يوم، وجملة {قَالُواْ أَوَلَمْ تَك تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والاستفهام للتوبيخ، والتقريع {قَالُواْ بَلَىٰ } أي: أتونا بها، فكذبناهم، ولم نؤمن بهم، ولا بما جاءوا به من الحجج الواضحة، فلما اعترفوا {قَالُواْ } أي: قال لهم الملائكة الذين هم: خزنة جهنم {فَٱدْعُواْ } أي: إذا كان الأمر كذلك، فادعوا أنتم، فإنا لا ندعو لمن كفر بالله، وكذّب رسله بعد مجيئهم بالحجج الواضحة. ثم أخبروهم: بأن دعاءهم لا يفيد شيئاً، فقالوا: {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } أي: في ضياع، وبطلان، وخسار، وتبار، وجملة: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } مستأنفة من جهته سبحانه، أي: نجعلهم الغالبين لأعدائهم القاهرين لهم، والموصول في محل نصب عطفاً على رسلنا، أي: لننصر رسلنا، وننصر الذين آمنوا معهم {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بما عوّدهم الله من الانتقام منهم بالقتل، والسلب، والأسر، والقهر {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ }، وهو: يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: الأشهاد هم: الملائكة، والنبيون. وقال مجاهد، والسدّي: الأشهاد الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأمم بالتكذيب. قال الزجاج: الأشهاد جمع شاهد مثل صاحب، وأصحاب. قال النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال، ولا يقاس عليه، ولكن ما جاء منه مسموعاً أدّى على ما يسمع، فهو على هذا جمع شهيد، مثل شريف، وأشراف، ومعنى نصرهم يوم يقوم الأشهاد: أن الله يجازيهم بأعمالهم، فيدخلهم الجنة، ويكرمهم بكراماته، ويجازي الكفار بأعمالهم، فيلعنهم، ويدخلهم النار، وهو معنى قوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ } أي: البعد عن الرّحمة {وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ } أي: النار، ويوم بدل من يوم يقوم الأشهاد، وإنما لم تنفعهم المعذرة؛ لأنها معذرة باطلة، وتعلة داحضة، وشبهة زائغة. قرأ الجمهور: (تنفع) بالفوقية. وقرأ نافع، والكوفيون بالتحتية، والكل جائز في اللغة. وقد أخرج البخاريّ في تاريخه، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } قال: السفاكين للدّماء بغير حقها. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة»تفسير : زاد ابن مردويه: «ثم قرأ {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً }». وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما أحسن محسن مسلم، أو كافر إلا أثابه الله» تفسير : قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ قال: حديث : المال، والولد، والصحة، وأشباه ذلك» تفسير : قلنا: وما إثابته في الآخرة؟ قال: حديث : عذاباً دون العذاب» تفسير : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أدخلوا آل فرعون العذاب}». وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن أبي الدنيا، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ردّ عن عرض أخيه ردّ الله عن وجهه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }»تفسير : وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لا جَرَمَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه: لا بد، قاله المفضل. الثاني: معناه: لقد حق واستحق، قاله المبرد. الثالث: أنه لا يكون إلا جواباً كقول القائل: فعلوا كذا، فيقول المجيب: لا جرم انهم سيندمون، قاله الخليل. {أن ما تدعونني إليه} أي من عبادة ما تعبدون من دون الله. {ليس له دعوةٌ في الدنيا ولا في الآخرة} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة، قاله السدي. الثاني: لا ينفع ولا يضر في الدنيا ولا في الآخرة، قاله قتادة. الثالث: ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة، قاله الكلبي. {وأن مردنا إلى الله} أي مرجعنا بعد الموت إلى الله ليجازينا على أفعالنا. {وأن المسرفين هم أصحاب النار} فيهم قولان: أحدهما: يعني المشركين، قاله قتادة. الثاني: يعني السفاكين للدماء بغير حق، قاله الشعبي، وقال مجاهد: سمى الله القتل سرفاً. قوله عز وجل: {فستذكرون ما أقول لكم} فيه قولان: أحدهما: يعني في الآخرة، قاله ابن زيد. الثاني: عند نزول العذاب بهم، قاله النقاش. {وأفوّض أمري إلى الله} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه: وأسلم أمري إلى الله، قاله ابن عيسى. الثاني: أشهد عليكم الله، قاله ابن بحر. الثالث: أتوكل على الله، قاله يحيى بن سلام. {إن الله بصير بالعباد} فيه وجهان: أحدهما: بأعمال العباد. الثاني: بمصير العباد. وفي قائل هذا قولان: أحدهما: أنه من قول موسى. الثاني: من قول مؤمن آل فرعون، فعلى هذا يصير بهذا القول مظهراً لإيمانه. قوله عز وجل: {فوقاه الله سيئات ما مكروا} فيه قولان: أحدهما: أن موسى وقاه الله سيئات ما مكروا، فعلى هذا فيه قولان: أحدهما: أن مؤمن آل فرعون نجاه الله مع موسى حتى عبر البحر واغرق الله فرعون، قاله قتادة، وقيل إن آل فرعون هو فرعون وحده ومنه قول أراكة الثقفي: شعر : لا تبك ميتاً بعد موت أحبةٍ عليّ وعباس وآل أبي بكر تفسير : يريد أبا بكر. الثاني: أن مؤمن آل فرعون خرج من عنده هارباً إلى جبل يصلي فيه، فأرسل في طلبه، فجاء الرسل وهو في صلاته وقد ذبت عنه السباع والوحوش أن يصلوا إليه، فعادوا إلى فرعون فأخبروه فقتلهم فهو معنى قوله {فوقاه الله سيئات ما مكروا}. {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} فيه وجهان: أحدهما: أنهم قومه، وسوء العذاب هو الغرق، قاله الضحاك. الثاني: رسله الذين قتلهم، وسوء العذاب هو القتل. قوله عز وجل: {النار يعرضون عليها غُدُوّاً وعشيّاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يعرض عليهم مقاعدهم من النار غدوة وعشية، فيقال: لآلِ فرعون هذه منازلكم، توبيخاً، قاله قتادة. الثاني: أن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح فذلك عرضها، قاله ابن مسعود. الثالث: أنهم يعذبون بالنار في قبرهم غدواً وعشياً، وهذا لآل فرعون خصوصاً. قال مجاهد: ما كانت الدنيا. {ويوم تقولم الساعةُ} وقيامها وجود صفتها على استقامة، ومنه قيام السوق وهو حضور أهلها على استقامة في وقت العادة. {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} لأن عذاب جهنم مُخْتَلِف. وجعل الفراء في الكلام تقديماً وتأخيراً وتقديره: ادخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، وهو خلاف ما ذهب إليه غيره من انتظام الكلام على سياقه.

ابن عطية

تفسير : قد تقدم ذكر الخلاف هل هذه المقالة لموسى أو لمؤمن آل فرعون. والدعاء إلى طاعة الله وعبادته وتوحيده هو الدعاء إلى سبب النجاة فجعله دعاء إلى النجاة اختصاراً واقتضاباً. وكذلك دعاؤهم إياه إلى الكفر واتباع دينهم: هو دعاء إلى سبب دخول النار، فجعله دعاء إلى النار اختصاراً، ثم بين عليهم ما بين الدعوتين من البون في أن الواحدة شرك وكفر، والأخرى دعوة إلى الإسناد إلى عزة الله وغفرانه. وقوله: {ما ليس لي به علم} ليس معناه أني جاهل به، بل معناه العلم بأن الأوثان وفرعون وغيره ليس لهم مدخل في الألوهية، وليس لأحد من البشر علم بوجه من وجوه النظر بأن لهم في الألوهية مدخلاً، بل العلم اليقين بغير ذلك من حدوثهم متحصل، و: {لا جرم} مذهب سيبويه والخليل أنها {لا} النافية دخلت على {جرم}، ومعنى: {جرم} ثبت ووجب، ومن ذلك جرم بمعنى كسب، ومنه قول الشاعر [أبو اسماء بن الضريبة]: [الكامل] شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها من أن يغضبوا تفسير : أي أوجبت لهم ذلك وثبتته لهم، فكأن الكلام نفي للكلام المردود عليه بـ {لا}، وإثبات للمستأنف بــ {جرم} و"أن" على هذا النظر في موضع رفع بـ {جرم}، وكذلك {أن} الثانية والثالثة، ومذهب جماعة من أهل اللسان أن {لا جرم} بمعنى لا بد ولا محالة فـ {أن} على هذا النظر في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، أي لا محالة بأن ما. و"ما" بمعنى الذي واقعة على الأصنام وما عبدوه من دون الله. وقوله: {ليس له دعوة} أي قدر وحق يجب أن يدعى أحد إليه، فكأنه تدعونني إلى ما لا غناء له وبين أيدينا خطب جليل من الرد إلى الله. وأهل الإسراف والشرك. هم أصحاب النار بالخلود فيها والملازمة، أي فكيف أطيعكم مع هذه الأمور الحقائق، في طاعتكم رفض العمل بحسبها والخوف. قال ابن مسعود ومجاهد: المسرفون: سفاكو الدماء بغير حلها. وقال قتادة: هم المشركون. ثم توعدهم بأنهم سيذكرون قوله عند حلول العذاب بهم، وسوف بالسين. إذ الأمر محتمل أن يخرج الوعيد في الدنيا أو في الآخرة، وهذا تأويل ابن زيد. وروى اليزيدي وغيره عن أبي عمرو فتح الياء من: "أمريَ"، والضمير في: {وقاه} يحتمل أن يعود على موسى، ويحتمل أن يعود على مؤمن آل فرعون، وقال قائلو ذلك: إن ذلك المؤمن نجا مع موسى عليه السلام في البحر، وفر في جملة من فر معه من المتبعين. وقرأ عاصم: {فوقاه الله} بالإمالة. {وحاق} معناه: نزل، وهي مستعملة في المكروه. و: {سوء العذاب} الغرق وما بعده من النار وعذابها.

الخازن

تفسير : {ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار} معناه أنا أدعوكم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة من النار وأنتم تدعونني إلى الشرك الذي يوجب النار ثم فسر ذلك فقال {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} أي لا أعلم أن الذي تدعونني إليه إله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكاً للإله الحق؛ ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بقوله {وأنا أدعوكم إلى العزيز} أي في انتقامه ممن كفر {الغفار} أي لذنوب أهل التوحيد {لا جرم} يعني حقاً {أنما تدعونني إليه} يعني الصنم {ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} يعني ليست له استجابة دعوة لأحد في الدنيا ولا في الآخرة وقيل ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا ولا في الآخرة لأن الأصنام لا تدعي الربوبية ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها {وأن مردنا إلى الله} يعني مرجعنا إلى الله فيجازي كلاًّ بما يستحقه {وأن المسرفين} يعني المشركين {هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم} أي إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم الذكر {وأفوض أمري إلى الله} أي أرد أمري إلى الله وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم {إن الله بصير بالعباد} يعني يعلم المحق من المبطل ثم خرج المؤمن من بينهم فطلبوه فلم يقدروا عليه وذلك قوله تعالى: {فوقاه الله سيئات ما مكروا} يعني ما أرادوا به من الشر قيل إنه نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام وكان قبطياً {وحاق} يعني نزل {بآل فرعون سوء العذاب} يعني الغرق في الدنيا والنار في الآخرة وذلك قوله تعالى: {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً} يعني صباحاً ومساء قال ابن مسعود "أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة" وقيل تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشياً ما دامت الدنيا. ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر أعاذنا الله تعالى منه بمنّه وكرمه (ق) عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حين يبعثك الله تعالى إليه يوم القيامة" تفسير : ثم أخبر الله تعالى عن مستقرهم يوم القيامة فقال تعالى: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون} أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون {أشد العذاب} قال ابن عباس ألوان من العذاب غير الذي كانوا يعذبون بها منذ أغرقوا.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ...} الآية، قد تقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلاَفِ، هل هذهِ المقالاتُ لموسَىٰ أو لمؤمنِ آل فرعون، والدعاءُ إلى النجاةِ هو الدعاءُ إلى سبَبِها؛ وهو توحيدُ اللَّهِ تعالى وطاعتُه، وباقي الآية بيِّنٌ. وقوله: {أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ} المعنى: وإنَّ الذي تدعونَني إليه من عبادةِ غيرِ اللَّهِ لَيْسَ له دعوة، أي: قَدْرٌ وَحَقٌ يجب أنْ يُدْعَىٰ أحدٌ إليه ثم توعَّدَهم بأنَّهم سَيَذْكُرُونَ قولَه عند حُلُولِ العذابِ بهم، والضميرُ في {فَوقَاهُ} يحتملُ أنْ يعودَ على موسَىٰ، أو على مؤمنِ آل فرعون؛ علَى ما تقدَّم من الخلاف. وقال القائلون بأنه مؤمن آل فرعون: إن ذلك المؤمنَ نجا مع مُوسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ في البَحْرِ، وَفَرَّ في جملةِ مَنْ فَرَّ معَه مِنَ المتَّبِعينَ. وقوله تعالى في آل فرعون: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً...} الآية، قوله: {ٱلنَّارِ} رَفْعٌ على البَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: {سُوۤءُ} وقيلَ رفعٌ بالابتداءِ، وخَبَرُهُ {يُعْرَضُونَ} قالت فرقةٌ: هذا الغُدُوُّ والعَشِيُّ هو في الدنيا، أي: في كل غُدُوٍّ وَعَشِيٍّ من أيام الدنيا يُعْرَضُ آلُ فِرْعَوْنَ على النَّارِ، قال القرطبيُّ في «التذكرة»: وهذا هو عذابُ القَبْرِ في البَرْزَخِ، انتهى؛ وكذا قال الإمام الفخر، ورُوِيَ في ذلك أنَّ أرواحَهُمْ في أجوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَرُوحُ بِهِمْ وَتَغْدُو إلى النارِ؛ وقالَهُ الأوزاعِيُّ ـــ عافانا اللَّه من عذابه ـــ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ عن ابْنِ عمر؛ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمنْ أَهْلِ النَّارِ، يقالُ لَهُ: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» تفسير : ،انتهى. وقوله [تعالى] {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} أي: وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُقَالُ: {أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} وآل فرعون: أتْبَاعُهُ وأهْلُ دينهِ، والضميرُ في قولهِ: {يَتَحَاجُّونَ} لجميعِ كفارِ الأُمَمِ، وهذا ابتداءُ قصص لا يَخْتَصُّ بآل فرعونَ، والعامِلُ في: «إذ» فَعْلٌ مضمرٌ، تقديره: اذْكُرْ، ثم قال جميعُ مَنْ في النارِ لخَزَنَتِهَا: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ}؛ فراجَعَتْهُمُ الخَزَنَةُ علَىٰ مَعْنَى التَّوبِيخِ والتقريرِ: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}، فأقَرَّ الكُفَّارُ عند ذلك، و{قَالُواْ بَلَىٰ }، أي: قَدْ كَانَ ذلك، فقالَ لهم الخَزَنَةُ عِنْدَ ذلك: ادعوا أنتم إذن، وهذا على معنى الهُزْءِ بهِم. وقوله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} قيل: هو من قول الخَزَنَةِ، وقيل: هو من قول اللَّه تعالى إخباراً منه لمحمَّدٍ ـــ عليه السلام ـــ، ثم أخبَر تعالى أنه ينصر رسلَه والمؤمنينَ في الدنيا والآخرةِ، ونصرُ المؤمِنينَ داخلٌ في نَصْرِ الرُّسُلِ، وأَيْضاً، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ للمؤمنينَ الفضلاءِ وُدًّا، وَوَهَبَهُمْ نَصْراً إذا ظُلِمُوا، وَحَضَّتِ الشريعَةُ على نَصْرِهِمْ؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ رَدَّ عَنْ أخِيهِ في عِرْضِهِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ»تفسير : ، وقوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : مَنْ حَمَىٰ مُؤْمِناً مِنْ مُنَافِقٍ يَغْتَابُهُ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكَاً يَحْمِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »تفسير : . وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ} يريدُ يَوْمَ القيامةِ، قال الزَّجَّاج، و{ٱلأَشْهَـٰدُ}: جَمْعُ شَاهِدٍ، وقال الطبري: جمع شَهِيدٍ، كَشريفِ وأشْرَافٍ، و{يَوْمَ لاَ يَنفَعُ} بَدَلٌ من الأوَّلِ، والمَعْذِرَةُ، مَصْدَرٌ، كالعُذْرِ، ثم أخبرَ تَعَالَىٰ بقصَّةِ موسَىٰ ومَا آتاه منَ النُّبوَّةِ، تأنيساً لمحمَّدٍ، وضَرْبَ أُسْوَةٍ وتذكيراً بما كانتِ العربُ تَعْرفُه مِنْ أمرِ موسى، فبيَّنَ ذلكَ أن محمداً لَيْسَ ببِدْعٍ من الرسل، والهُدَى: النُّبُوَّةُ والحكمةُ؛ التوراةُ تَعُمُّ جميعَ ذلك. وقوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِبْكَارِ} قال الطبريُّ: {ٱلإِبْكَارِ}: من طلوع الفَجْرِ إلى طلُوعِ الشَّمْسِ، وقيلَ: مِنْ طلوعِ الشمْسِ إلى ارْتِفَاعِ الضُّحَىٰ، وقال الحَسَنُ: {بِٱلْعَشِىِّ} يريدُ صلاةَ العَصْرِ، {وَٱلإبْكَـٰرِ} يريدُ صلاةَ الصُّبْحِ. وقوله تعالى: {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} [أي: ليسُوا عَلَىٰ شَيْءٍ، بَلْ في صُدُورِهُمْ كِبْر] وأَنَفَةٌ عليك، ثُمَّ نَفَىٰ أنْ يكونُوا يَبلغُون آمالهم بِحَسَبِ ذلكَ الكِبْرِ، ثم أمَرَهُ تعالى بالاسْتِعَاذَةِ باللَّهِ في كل أمْرِه مِنْ كُلِّ مُسْتَعَاذٍ مِنْه.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏ {‏ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة‏}‏ قال‏:‏ إلى الإِيمان‏!‏ وفي قوله ‏{‏لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا‏}‏ قال‏:‏ الوثن ليس بشيء ‏{‏وإن المسرفين‏}‏ السفاكين الدماء بغير حقها ‏ {‏هم أصحاب النار‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال {‏ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة‏}‏ قال‏:‏ لا يضر ولا ينفع ‏{‏وإن المسرفين هم أصحاب النار‏} ‏ قال‏:‏ جميع أصحابنا ‏{‏إن المسرفين هم أصحاب النار‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏فوقاه الله سيئآت ما مكروا‏} ‏ قال‏:‏ كان قبطياً من قوم فرعون، فنجا مع موسى وبني إسرائيل حين نجوا‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ} [الآية: 41]. قال أبو يزيد - رحمة الله عليه -: النجاة هى الخلاص من أمانى النفس. قال أبو حفص النجاة هى اتباع الأوامر على حد النشاط ومجاهدة الإخلاص فيها. وقال أبو عثمان: من أراد النجاة فليترك ما لا يعنيه ويشتغل بما يعنيه فإن فيه نجاة الدارين.

القشيري

تفسير : وهذا كُلُّه مِنْ قَوْلِ مؤمنِ آل فرعونَ، يقوله على جهة الاحتجاج لقومه، ويلزمهم الحجة به.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويا قوم} قال الكاشفى آل فرعون از سخنان خربيل فهم كردندكه ايما آورده است زبان ملامت بكشادندكه شرم ندارى كه از برستش فرعون روى بعبادت ديكرى مى آرى خربيل تكرار ندا كرداز روى تنبيه تا شايد از خواب غفلت بيدار شوند بس كفت اى كروه من {مالى} الاستفهام للتوبيخ {ادعوكم الى النجاة} من النار بالتوحيد {وتدعوننى الى النار} بالاشراك قوله ادعوكم فى موضع الحال من المنوى فى الخبر وتدعوننى عطف عليه ومدار التعجب دعوتهم اياه الى النار لا دعوته اياهم الى النجاة كأنه قيل اخبرونى كيف هذا الحال ادعوكم الى الخير وتدعوننى الى الشر وقد جعله بعضهم من قبيل مالى اراك حزينا اى مالك تكون حزينا فيكون المعنى مالكم ادعوكم الخ

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله، حاكياً عن المؤمن: {ويا قوم ما لي أدعوكم إِلى النجاةِ}؛ إلى السلامة من النار، {وتدعونني إِلى النار} بسلوك أسبابها. كرر نداءهم؛ إيقاظاً لهم عن سِنة الغفلة، واعتناءً بالمنادَى به، ومبالغة في توبيخهم، وفيه أنهم قومه، وأنه من آل فرعون، وجيء بالواو في النداء الثالث، دون الثاني؛ لأن الثاني داخل في كلام هو بيان للمجمل وتفسير له، بخلاف الثالث. ومدار التعجُّب الذي يلوح به الاستفهام هو دعوتهم إياه إلى النار، لا دعوته إياهم إلى النجاة، كأنه قيل: أخبروني كيف هذا الحال؛ أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر؟ {تدعونني لأكفرَ بالله} هو بدل من (تدعونني) الأول، وفيه تعليل، والدعاء يتعدّى باللام وبإلى، كالهداية، {وأُشركَ به}؛ وتدعونني لأُشرك به {ما ليسَ لي به عِلٍْمٌ} أي: بربوبيته، والمراد بنفي العلم: نفي المعلوم، كأنه قال: وأُشرك به شيئاً ليس بإله، وما ليس بإله كيف يصحّ أن يعلم إلهاً؟ {وأنا أدعوكم إِلى العزيز الغفار} أي: إلى الله الجامع لصفات الألوهية، من كمال القدرة والغلبة، وما يتوقف عليه من العلم والإرادة؛ إذ بالقدرة يتمكن من المجازاة بالتعذيب، أو الإحسان بالغفران. {لا جَرَمَ}؛ لا شك، أو: حقاً، وقال البصريون: "لا": نفي رد لِما دعوه إليه، و "جرم": فعل، بمعنى: حقّ، و "أن" مع "ما" في حيزه؛ فاعل، أي: حق ووجب {أنّما تدعونني إِليه ليس له دعوةٌ في الدنيا ولا في الآخرة} أي: وجب عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها، والظاهر: أن "جَرَمَ" من الجرم، وأراد به هنا الكذب، أي: لا كذب في أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة... الخ، فقد يضمن الفعل معنى المصدر، وتدخل "لا" النافية للجنس عليه، والمعنى: أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، ومن حق المعبود بالحق أن يدعوَ العباد إلى طاعته، وما تدعونني إليه لا يدعو هو إلى عبادته، ولا يدّعي الربوبية، أو: معناه: ليس له استجابة دعوة في الدنيا والآخرة، أو: دعوة مستجابة. جعلت الدعوة التي لا استجابة لها، ولا منفعة، كلا دعوة. {وأنَّ مردَّنا إِلى الله} أي: رجوعنا إليه بالموت، {وأنَّ المسرفين} في الضلال والطغيان، كالإشراك وسفك الدماء، {هم أصحابُ النار} أي: ملازموها. {فستذكُرون ما أقولُ لكم} من النصائح عند نزول العذاب، {وأُفوِّضُ}؛ أُسلّم {أمري إِلى الله}، قال لَمّا توعّدوه. {إِنَّ الله بصير بالعبادِ} فيَحْرُسُ مَن يلوذ به من المكاره. {فوقاه اللهُ سيئاتِ ما مكروا}؛ شدائد مكرهم، وما هَمُّوا به من إلحاق أنواع العذاب لِمَن خالفه، وقيل: إنه خرج من عندهم هارباً إلى جبل، فبعث قريباً من ألفٍ في طلبه، فمنهم مَن أكلته السباع، ومَنْ رجع منهم صَلَبه فرعونُ. وقيل: لَمَّا وصلوا إليه ليأخذوه، وجدوه يُصلّي، والوحوش حوله، فرجعوا رُعباً، فقتلهم. وقال مقاتل: لمّا قال المؤمن هذه الكلمات، قصدوا قتله، فوقاه الله من مكرهم، أي: بعد تفويض أمره إلى الله، فقيل: إنه نجا مع موسى في البحر. هـ. {وحاقَ}؛ نزل {بآلِ فرعونَ} أي: بفرعون وقومه. وعدم التصريح به، للاستغناء بذكرهم عن ذكره، ضرورة أنه أولى منهم بذلك، و {سوءُ العذاب}؛ الغرق والقتل والنار. وقوله تعالى: {النارُ يُعرضون عليها غُدوّاً وعَشِيّاً}: جملة مستأنفة، مسوقة لبيان سوء العذاب، والنار: خبر عن محذوف، كأن قائلاً قال: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار، أو: بدل من "سوء"، و"النار": مبتدأ، و "يُعرضون": خبر، وعَرْضهم عليها: إحراقهم، يقال: عرض الإِمَام الأسارى على السيف: إذا قتلهم به. وذلك لأرواحهم، كما روى ابنُ مسعود: أن أرواحهم في أجواف طير سُود، تُعرض على النار ـ أي: تحرق بها ـ بكرة وعشياً، إلى يوم القيامة، وتخصيص الوقتين إما لأنهم يُعذّبون في غيرهما بجنسٍ آخر، أو: يخفف عنهم، أو: يكون غدوّاً وعشياً عبارة عن الدوام. هذا في الدنيا في عالم البرزخ، {ويومَ تقومُ الساعةُ} يُقال للخزنة: {أَدْخِلوا آلَ فرعونَ}، من الإدخال الرباعي، ومَن قرأ: ادخُلوا، ثلاثيّاً، فعلى حذف النداء، أي: ادخلوا يا آل فرعون {أشدَّ العذابِ} أي: عذاب جهنم، فإنه أشدّ مما كانوا فيه. أو: أشد عذاب النار؛ فإنّ عذابها ألوان، بعضه أشد من بعض، وهذه الآية دليل على عذاب القبر في البرزخ، وهو ثابت في الأحاديث الصحاح. الإشارة: النجاة التي دعاهم إليها: هي الزهد في الدنيا، وفي التمتُّع بها مع الاشتغال بالله، والنار التي دعوه إليها: هي الاشتغال بمتعة الدنيا مع الغفلة عن الله. لا جَرَمَ أنَّ ما دعوه إليه لا منفعة له في الدارين، بل ضرره أقرب من نفعه. وقوله تعالى: {وأنَّ مَردّنا إلى الله} قال الورتجبي: مرد المحبين إلى مشاهدته، ومرد العارفين إلى الوصلة، ومرد الكل إلى قضيات الأزلية. قال حمدون القصّار: لا أعلم في القرآن أرجى من قوله: {وأنَّ مَردَّنا إِلى الله}، فقد حكي عن بعض السلف أنه قال: الكريمُ إذا قدر عفا، وإنما يكون مرد العبد إلى ربه إذا أتاه على أمد الإفلاس والفقر، لا أن يرى لنفسه مقاماً في إحدى الدارين، وهو أن يكون في الدنيا خاشعاً لمَن يذله، ولا يلتفت إليه، هارباً ممن يكرمه ويبره، ويكون في الآخرة طالباً لفضل الله، مشفقاً من حسناته أكثر من إشفاق الكفار من كفرهم. هـ. قلت: هذا مقام العباد والزهّاد، وأما العارفون فلا يرون إلا الله، فيلقون الله بالله، غائبون عن إحسانهم وإساءتهم. وقوله تعالى: {فستذكرون ما أقولُ لكم} هكذا يقول الواعظ إن لم ينفع وعظه، ويُفوض أمره وأمرهم إلى الله؛ فإنَّ الله بصيرٌ بهم. وقال بعضهم: وأُفوضُ أمري في الدنيا والآخرة إلى الله، فهو بصير بعجزي وضعفي عن رد القضاء والقدر، والتفويض: ألا يرى لنفسه، ولا للخلق جميعاً، قدرةً على النفع والضر، فيرى الله بإيجاد الموجود في جميع الأنفاس، بنعت المشاهدة والحال، لا بنعت العلم والعقل. وقال بعضهم: التفويض: قبل نزول القضاء، والتسليم: بعد نزول القضاء. وقال ذو النون حين سُئل عنه: متى يكون العبد مفوضاً؛ قال: إذا أيس من فعله ونفسه، والتجأ إلى الله في جميع أحواله، ولم تكن له علاقة سوى ربه. هـ. أي: لم يكن له تعلُّق إلا بالله. فالمقامات ثلاث: التفويض قبل النزول، والرضا بعده بالمجاهدة، والتسليم بلا مجاهدة. وقوله تعالى: {فوقاه الله سيئاتِ ما مكروا} هذه نتيجة التفويض، فكُلّ من فوّض أمره إلى الله فيما ينزل به، وقاه الله جميع المكاره، وكُلَّ ما يخشى؛ إن قطع عن قلبه التعلُّق بغير الله، كما هو حقيقة التفويض. قال القشيري: أشدُّ العذاب على الكفار: يأسُهم عن الخروج، وأما العصاة من المؤمنين فأشدُّ عذابهم: إذا علموا أن هذا يومُ لقاءِ المؤمنين. هـ. أي: وهم قد حُرموا ذلك. ثم ذكر احتجاج الكفار في النار، فقال: {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر {أدخلوا آل فرعون} بقطع الهمزة على انه يؤمر الملائكة بادخالهم النار. الباقون بوصلها بمعنى انهم يؤمرون بدخولها، وعلى الأول يكون {آل فرعون} نصباً على انه مفعول به و {أشد} المفعول الثاني. وعلى الثاني يكون نصباً على النداء. حكى الله تعالى ان مؤمن آل فرعون قال لهم {مالي أدعوكم إلى النجاة} يعني إلى ما فيه خلاصكم: من توحيد الله وإخلاص العبادة له والاقرار بموسى عليه السلام - وهو قول الحسن وابن زيد - و {تدعونني} انتم {إلى النار} لأنهم إذا دعوا إلى عبادة غير الله التي يستحق بها النار، فكأنهم دعوا إلى النار، لأن من دعا الى سبب الشيء فقد دعا اليه، ومن صرف عن سبب الشيء فقد صرف عنه، فمن صرف عن معصية الله فقد صرف عن النار، ومن دعا اليها فقد دعا إلى النار. والدعاء طلب الطالب الفعل من غيره، فالمحق يدعو إلى عبادة الله وطاعته وكل ما أمر الله به او نهى عنه والمبطل يدعو إلى الشر والعصيان، فمنهم من يدري انه عصيان ومنهم من لا يدري ثم بين ذلك فقال {تدعونني لأكفر بالله} واجحد نعمه {وأشرك به} في العبادة {ما ليس لي به علم} مع حصول العلم ببطلانه. لأنه لا يصح ان يعلم شريك له وما لا يصح أن يعلم باطل، فدل على فساد اعتقادهم للشرك من هذه الجهة ثم قال {وأنا أدعوكم} معاشر الكفار {إلى} عبادة {العزيز} يعني القادر الذي لا يقهر، ولا يمنع لاستحالة ذلك عليه {الغفار} لمن عصاه إذا تاب اليه تفضلا منه على خلقه. وقوله {لا جرم إن ما تدعونني إليه} قال الزجاج: هو رد الكلام كأنه قال لا محالة إن لهم النار. وقال الخليل: لا جرم لا يكون إلا جواباً تقول: فعل فلان كذا فيقول المجيب: لا جرم إنه عوين والفعل منه جرم يجرم. وقال المبرد معناه حق واستحق {ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} والمعنى ليس له دعوة ينتفع بها في أمر الدنيا ولا في الآخرة فأطلق ليس له دعوة، لأنه ابلغ وإن توهم جاهل ان له دعوة ينتفع بها، فانه لا يعتد بذلك لفساده وتناقضه. وقال السدي وقتادة والضحاك: معناه ليس لهذه الأصنام استجابة دعاء احد فى الدنيا ولا فى الآخرة. وقيل: معناه ليس لها دعوة تجاب بالآلهية في الدنيا، ولا في الآخرة {وإن مردنا إلى الله} أي وجب ان مردنا إلى الله، ووجب {وأن المسرفين} بارتكاب المعاصي. وقال مجاهد: يعني بقتل النفس من غير حلها. وقال قتادة بالاشراك بالله {هم أصحاب النار} يعني الملازمون لها. قال الحسن: هذا كله من قول مؤمن آل فرعون. ثم قال لهم على وجه التخويف والوعظ {فستذكرون} صحة {ما أقول لكم} إذا حصلتم في العقاب يوم القيامة. ثم اخبر عن نفسه فقال {وأفوض أمري إلى الله} أي اسلمه اليه {إن الله بصير بالعباد} أي عالم بأحوالهم، وما يفعلونه من طاعة ومعصية. وقال السدي: معنى أفوض اسلم اليه. ثم اخبر تعالى فقال {فوقاه الله سيئات ما مكروا} وقال قتادة: صرف الله عنه سوء مكرهم، وكان قبطياً من قوم فرعون فنجى مع موسى. وقوله {وحاق بآل فرعون} أي حل بهم ووقع بهم {سوء العذاب} لان الله تعالى غرقهم مع فرعون، وبين انهم مع ذلك في {النار يعرضون عليها غدوّا وعشيا} يعني صباحاً ومساء، ورفع النار بدلا من قوله {سوء العذاب} {ويوم تقوم الساعة} يعني إذا كان يوم القيامة يقال للملائكة {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} فيمن قطع الهمزة. ومن وصلها اراد ان الله يأمرهم بذلك. والعرض إظهار الشيء ليراه الذي يظهر له. ومنه قوله {أية : وعرضوا على ربك} تفسير : أي اظهروا {صفاً} كما يظهرون للرائي لهم. ومنه قولهم: عرضت الكتاب على الأمير، فهؤلاء يعرضون على النار لينالهم من ألمها والغم بالمصير اليها. والغدو المصير إلى الشيء بالغداة غدا يغدو غدواً. وقولهم: تغدى أي اكل بالغداة، وغدا أي سابق إلى الأمر بالغداة. و (قيام الساعة) وجودها، ودخولها على استقامة بما يقوم من صفتها، وقامت السوق إذا حضر أهلها على ما جرت به العادة و {أشد العذاب} اغلظه. وفى الآية دلالة على صحة عذاب القبر لأنه تعالى اخبر انهم يعرضون على النار غدواً وعشياً. وقال الحسن: آل فرعون اراد به من كان على دينه. وكان السدي يقول: ارواحهم في اجواف طير سود يعرضون على النار غدواً وعشياً، ويجوز ان يحيهم الله بالغداة والعشي ويعرضهم على النار، ووجه الاحتجاج على رؤساء الضلال بالاتباع انهم كانوا يدعونهم إلى اتباعهم بما يدعون من صواب مذاهبهم. وهذا يلزمهم الرفع بها عنهم وأن يسعوا في تخفيف عذابهم، فاذا هي سبب عذابهم. وقال الفراء وقوم من المفسرين - ذكره البلخي - في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره وحاق بآل فرعون سوء العذاب، ويوم تقوم الساعة يقال: لهم ادخلوا آل فرعون اشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشياً، ويكون معنى غدواً وعشياً مع انهم فيها أبداً أنه تتجدد جلودهم بعد الاحتراق غدواً وعشياً. وقال قوم: يجوز ان يكون المراد انهم بعرضها، كما يقال: فلان يعرضه شر شديد أي يقرب من ذلك. وقال قوم: يجوز ان يكون المراد إن اعمالهم اعمال من يستحق النار، فكأنهم يغدون ويروحون اليها باعمالهم. وقال قوم: المعنى يعرضون عليها وهم أحياء بالزجر والتحذير والوعد والوعيد، فاذا كان يوم القيامة - وماتوا على كفرهم - ادخلوا اشد العذاب.

الجنابذي

تفسير : {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ} لم يقل مالكم نصفاً من نفسه فى مقام النّصح {وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ تَدْعُونَنِي} بدل من الاوّل {لأَِكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ} اى بربوبيّته واستحقاق آلهته {عِلْمٌ} تعريضٌ بهم وانّ عبادة ما ليس على جواز عبادته برهانٌ ليست الاّ سفاهةً وانتم تعبدون ما ليس لكم بالهته علمٌ {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ} المنيع الّذى لا يمنعه عن مراده مانعٌ وعزّته دليل آلهته {ٱلْغَفَّارِ} الّذى ينبغى ان يطلب بعبادته غفرانه.

اطفيش

تفسير : {وَيَا قَوْمِ} عطف هذا دون الثاني لانه ليس بياناً للمجمل بخلاف الثاني فانه في بيان المجمل فأعطى حكمه فى عدم العطف وكرر النداء ثانياً وثالثاً زيادة فى التنبيه والايقاظ عن نوم الغفلة وتصريحاً بانهم قومه يسره ما يسرهم ويحزنه ما يحزنهم وهم فيما يهلكهم وهو عالم بوجه خلاصهم فهو ينصحهم ويتحزن ويتلطف بذلك ليقبلوا نصحه وذلك على وجه الاستجلاب والا فليس يحزنه عذاب الآخرة ان أصابهم وعذاب الدنيا لانهم أعداء الله وأيضاً كرر اهتماماً بما يدعو اليه ومبالغة فى توبيخهم اذ يدعونه للنار ويدعوهم للجنة كما قال: {مَا لِىَ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ} أي الى سبب النجاة من النار الى الجنة وهو التوحيد والطاعة* {وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ} سبب الوقوع فيها وهو الشرك والعصيان كما قال* {تَدْعُونَنِى لأَكْفُرَ بِاللهِ}

اطفيش

تفسير : {ويا قوم مَالي أدعُوكم إلى النجاة} الى موجب النجاة من سوء الدنيا والآخرة، وهو التوحيد والعمل الصَّالح {وتدعُونني إلى النار} أى الى موجبها وهو الاشراك باتخاذ الأصنام والمعاصى، وحذف المضاف فى الموضعين، كما رأيت، أو سمى الموجب للنجاة والموجب للنار باسم لازمهما ومسببهما وهو النجاة والنار، والنداء فى المواضع تأكيد، ولم يعطف الثانى وهو قوله: " أية : يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا"تفسير : [غافر: 39] لأنه تفصيل لما أجمل فى الأول، فان الهدى الى سبيل الرشاد تحذير من الإخلاد الى الدنيا، وإيثار للآخرة، وعطف فى الثالث، لأنه للموازنة بين دعوته الى دين الله، ودعوتهم الى الاشراك، وان عطف على الثانى كان له دخل فى تفضيل الاجمال، وهو ظاهر، فانه كما هو لتحقيق أنه هاد، وأنهم مضلون كذلك، هو لتحقيق أن الهداية لخلق الله رشاد،وإضلالهم غى.

الالوسي

تفسير : كرر نداءهم إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة واهتماماً بالمنادي له ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به دعوته، وترك العطف في النداء الثاني وهو {أية : يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا }تفسير : [غافر: 39] الخ لأنه تفسير لما أجمل في النداء قبله من الهداية إلى سبيل الرشاد فإنها التحذير من الإخلاد إلى الدنيا والترغيب في إيثار الآخرة على الأولى وقد أدى ذلك فيه على أتم وجه وأحسنه ولم يترك في هذا النداء لأنه ليس بتلك المثابة وذلك لأنه للموازنة بين الدعوتين دعوته إلى دين الله الذي ثمرته النجاة ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار، وليس ذلك من تفسير الهداية في شيء بل ذلك لتحقيق أنه هاد وأنهم مضلون وأن ما عليه هو الهدى وما هم عليه هو الضلال فهو عطف على النداء الأول أو المجموع، وقيل: هو عطف على النداء الثاني داخل معه في التفسير لما أجمل في النداء الأول تصريحاً وتعريضاً، ولكل وجه وفي الترجيح كلام.

ابن عاشور

تفسير : أعاد نداءهم وعطفت حكايته بواو العطف للإشارة إلى أن نداءه اشتمل على ما يقتضي في لغتهم أن الكلام قد تخطى من غرض إلى غرض وأنه سَيَطْرَق ما يغاير أول كلامه مغايرة مَّا تُشبه مغايرة المتعاطفين في لغة العرب، وأنه سيرتقي باستدراجهم في دَرَج الاستدلال إلى المقصود بعد المقدمات، فانتقل هنا إلى أن أنكر عليهم شيئاً جرى منهم نحوه وهو أنهم أعقبوا موعظتَهُ إياهم بدعوته للإقلاع عن ذلك وأن يتمسك بدينهم وهذا شيء مطوي في خلال القصة دلت عليه حكاية إنكاره عليهم، وهو كلامُ آيسٍ من استجابتهم لقوله فيه: {أية : فَسَتَذكُرُونَ مَا أقولُ لَكُم}تفسير : [غافر: 44]، ومُتَوقِّعٍ أذاهم لقوله: {أية : وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلَى الله}تفسير : [غافر: 44]، ولقوله تعالى آخر القصة: {أية : فوقاه الله سيئات ما مكروا}تفسير : [غافر: 45]. فصرّح هنا وبينّ بأنه لم يزل يدعوهم إلى اتباع ما جاء به موسى وفي اتّباعه النجاة من عذاب الآخرة فهو يدعوهم إلى النجاة حقيقة، وليس إطلاق النجاة على ما يدعوهم إليه بمجاز مرسل بل يدعوهم إلى حقيقة النجاة بوسائط. والاستفهام في {مَا لِي أدْعُوكم إلى النَّجوٰةِ} استفهام تعجبي باعتبار تقييده بجملة الحال وهي {وتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ} فجملة {وتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ} في موضع الحال بتقدير مبتدأ، أي وأنتم تدعونني إلى النار وليست بعطف لأن أصل استعمال: ما لي أفعل، وما لي لا أفعل ونحوه، أن يكون استفهاماً عن فعل أو حالٍ ثبت للمجرور باللام (وهي لام الاختصاص)، ومعنى لام الاختصاص يَكسب مدخولها حالةً خَفيًّا سببُها الذي عُلق بمدخول اللام نحو قوله تعالى: {أية : ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللَّه اثّاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38] {أية : ما لي لا أرى الهدهد} تفسير : [النمل: 20] وقولك لمن يستوقفك: ما لك؟ فتكون الجملة التي بعد اسم الاستفهام وخبره جملة فعلية. وتركيب: ما لي ونحوه، هو كتركيب: هل لك ونحوه في قوله تعالى: {أية : فقل هل لك إلى أن تزكى}تفسير : [النازعات: 18] وقول كعب بن زهير:شعر : ألا بلغا عني بُجيرا رسالة فهل لك فيما قلتَ ويحْك هلْ لَكَ تفسير : فإذا قامت القرينة على انتفاء إرادة الاستفهام الحقيقي انصرف ذلك إلى التعجب من الحالة، أو إلى الإِنكار أو نحو ذلك. فالمعنى هنا على التعجب يعني أنه يعجب من دعوتهم إياه لدينهم مع ما رأوا من حرصه على نصحهم ودعوتهم إلى النجاة وما أتاهم به من الدلائل على صحة دعوته وبطلان دعوتهم. وجملة {تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بالله} بيان لجملة {وتدعونني إلى النار} لأن الدعوة إلى النار أمر مجمل مستغرب فبينه ببيان أنهم يدعونه إلى التلبس بالأسباب الموجبة عذاب النار. والمعنى: تدعونني للكفر بالله وإشراك ما لا أعلم مع الله في الإِلهية. ومعنى {مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} ما ليس لي بصحته أو بوجوده علم، والكلام كناية عن كونه يعلم أنها ليست آلهة بطريق الكناية بنفي اللازم عن نفي الملزوم. وعطف عليه {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفَّار} فكان بياناً لمجمل جملة {أدْعُوكُمْ إلَى النَّجوٰةِ}. وإبراز ضمير المتكلم في قوله: {وأنا أدعوكم} لإِفادة تقوِّي الخبر بتقديم المسند إليه على خبره الفعلي. وفعل الدعوة إذا ربط بمتعلق غير مفعوله يعدّى تارة باللام وهو الأكثر في الكلام، ويعدى بحرف (إلى) وهو الأكثر في القرآن لما يشتمل عليه من الاعتبارات ولذلك علق به معموله في هذه الآية أربع مرات بــــ(إلى) ومرة باللام مع ما في ربط فعل الدعوة بمتعلقه الذي هو من المعنويات من مناسبة لام التعليل مثل {تدعونني لأكْفُرَ بالله وأُشْرِكَ بِهِ}، وربطِه بما هو ذات بحرف (إلى) في قوله: {أدْعُوكم إلى النَّجوٰة} فإن النجاة هي نجاة من النار فهي نجاة من أمر محسوس، وقوله: {وتدعونني إلى النَّار} وقوله: {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا} الخ، لأن حرف (إلى) دالّ على الانتهاء لأن الذي يدعو أحداً إلى شيء إنما يدعوه إلى أن ينتهي إليه، فالدعاء إلى الله الدعاء إلى توحيده بالربوبية فشبه بشيء محسوس تشبيه المعقول بالمحسوس، وشبه اعتقادُه صحتَه بالوصول إلى الشيء المسعي إليه، وشبهت الدعوة إليه بالدلالة على الشيء المرغوب الوصول إليه فكانت في حرف (إلى) استعارة مكنية وتخييلية وتبعية، وفي {العَزِيزِ الغَفٰرِ} استعارة مكنية، وفي {أدعوكم} استعارة تبعية وتخييلية. وعدل عن اسم الجلالة إلى الصفتين {العَزِيزِ الغَفٰر} لإِدماج الاستدلال على استحقاقه الإِفراد بالإِلهية والعبادة، بوصفه {العزيز} لأنه لا تناله الناس بخلاف أصنامهم فإنها ذليلة توضع على الأرض ويلتصق بها القتام وتلوثها الطيور بذرقها، ولإِدماج ترغيبهم في الإقلاع عن الشرك بأن الموحد بالإِلهية يغفر لهم ما سلف من شركهم به حتى لا ييأسوا من عفوه بعد أن أساءوا إليه. وجملة {لا جَرَمَ أنما تَدْعُونني} بيان لجملة {تَدْعُونني لأكْفُرَ بِالله}. وكلمة {لا جَرَم} بفتحتين في الأفصح من لغاتٍ ثلاث فيها، كلمة يراد بها معنى لا يثبت أو لا بد، فمعنى ثبوته لأن الشيء الذي لا ينقطع هو باق وكل ذلك يؤول إلى معنى حق وقد يقولون: لا ذا جرم، ولا أنَّ ذا جرم، ولا عَنَّ ذا جرم، ولاَ جَرَ بدون ميم ترخيماً للتخفيف. والأظهر أن {جَرم} اسم لا فعل لأنه لو كان فعلاً لكان ماضياً بحسب صيغته فيكون دخول لا عليه من خصائص استعمال الفعل في الدعاء. والأكثر أن يقع بعدها (أنَّ) المفتوحة المشددة فيقدر معها حرف (في) ملتزماً حذفه غالباً. والتقدير: لا شك في أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة. وتقدم بيان معنى لا جَرم وأن جرم فعل أو اسم عند قوله تعالى: {أية : لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}تفسير : في سورة [هود: 22]. وَمَا صَدَق {ما} الأصنام، وأعيد الضمير عليها مفرداً في قوله: {لَيْسَ لَهُ} مراعاة لإِفراد لفظ (ما). وقوله: {لاَ جَرم أنَّما تدعونني إليه} إلى قوله: {أصْحٰبُ النَّار} واقع موقع التعليل لجملتي {ما لي أدعوكم إلى النجوٰة وتدعونني إلى النار} لأنه إذا تحقق أن لا دعوة للأصنام في الدنيا بدليل المشاهدة، ولا في الآخرة بدلالة الفحوى، فقد تحقق أنها لا تنجي أتباعها في الدنيا ولا يفيدهم دعاؤها ولا نداؤها. وتحقق إذن أن المرجو للإِنعام في الدنيا والآخرة هو الربّ الذي يدعوهم هو إليه. وهذا دليل إقناعي غير قاطع للمنازع في إلهية رب هذا المؤمن ولكنه أراد إقناعهم واستحفظهم دليلَه لأنهم سيظهر لهم قريباً أن رب موسى له دعوة في الدنيا ثقة منه بأنهم سيرون انتصار موسى على فرعون ويرون صرف فرعون عن قتل موسى بعد عزمه عليه فيعلمون أن الذي دعا إليه موسى هو المتصرف في الدنيا فيعلمون أنهُ المتصرف في الآخرة. ومعنى {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} انتفاء أن يكون الدعاء إليه بالعبادة أو الالتجاء نافعاً لا نفي وقوع الدعوة لأن وقوعها مشاهَد. فهذا من باب «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقولهم: ليس ذلك بشيء، أي بشيء نافع، وبهذا تعلم أن {دعوة} مصدر متحمل معنَى ضمير فاعل، أي ليست دعوةُ داع، وأنّ ضمير {له} عائد إلى (ما) الموصولة، أي لا يملك دعوة الداعين، أي لا يملك إجابتهم. وعطفت على هذه الجملة جملة {وأنَّ مردَّنَا إلى الله} عطفَ اللازم على ملزومه لأنه إذا تبين أن رب موسى المسمى (الله) هو الذي له الدعوة، تبين أن المرد أي المصير إلى الله في الدنيا بالالتجاء والاستنصار وفي الآخرة بالحكم والجزاء. ولو عطف مضمون هذه الجملة بالفاء المفيدة للتفريع لكانت حقيقة بها، ولكن عُدل عن ذلك إلى عطفها بالواو اهتماماً بشأنها لتكون مستقلة الدلالة بنفسها غيرَ باحثٍ سامعُها على ما ترتبط به، لأن الشيء المتفرع على شيء يعتبر تابعاً له، كما قال الأصوليون في أنّ جوابَ السائل غيرَ المستقل بنفسِه تَابع لعُموم السُّؤال. وكذلك جملة {وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصْحٰبُ النَّارِ} بالنسبة إلى تفرع مضمونها على مضمون جملة {وأنَّ مَرَدَّنا إلى الله} لأنه إذا كان المصير إليه كان الحكم والجزاء بين الصائرين إليه من مُثاب ومعاقب فيتعين أن المعاقَب هم الكافرون بالله. فالإِسراف هنا: إفراط الكفر، ويشمل ما قيل: إنه أريد هنا سفك الدم بغير حق ليصرف فرعون عن قتل موسى عليه السلام. والوجه أن يعم أصحاب الجرائم والآثام. والتعريف فيه تعريف الجنس المفيد للاستغراق وهو تعريض بالذين يُخاطبهم إذْ هُم مسرفون على كل تقدير فهم مسرفون في إفراط كفرهم بالرب الذي دعا إليه موسى، ومسرفون فيما يستتبعه ذلك من المعاصي والجرائم فضمير الفصل في قوله: {هُمْ أصْحٰبُ النَّارِ} يفيد قصراً ادعائياً لأنهم المتناهون في صحبة النار بسبب الخلود بخلاف عصاة المؤمنين، وهذا لِحَمل كلام المؤمن على موافقة الواقع لأن المظنون به أنه نبي أو مُلْهَم وإلاّ فإن المقام مقام تمييز حال المؤمنين من حال المشركين، وليس مقام تفصيل درجات الجزاء في الآخرة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ}. الظاهر أن جملة قوله تدعونني لأكفر بالله، بدل من قوله: وتدعونني إلى النار، لأن الدعوة إلى الكفر بالله والإشراك به دعوة إلى النار. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفر والإشراك بالله مستوجب لدخول النار، بينه تعالى في آيات كثيرة من كتابه كقوله: {أية : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} تفسير : [المائدة: 72]، وقد قدمنا ما فيه كفاية من ذلك، في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الحج: 31] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 41، 42- ويا قوم: أى شئ لى، أدعوكم إلى أسباب النجاة وتدعوننى إلى النار؟. تدعوننى إلى الكفر بالله وإشراك من لا علم لى به، وأنا أدعوكم إلى القوى الذى لا يغلب، الكثير المغفرة للذنوب. 43- لا محالة أن الإله الذى تدعوننى إلى عبادته ليس له دعوة يستجيبها فى الدنيا ولا فى الآخرة، وأن مرجعنا إلى الله، وأن المجاوزين الحدود هم أهل النار لا المؤمنين المعتدلين. 44- فستعلمون صدق ما قلته لكم، وأكل أمرى إلى الله، إن الله محيط بصره بالعباد فيجازيهم على أعمالهم. 45، 46 - فَوَقَى الله مؤمن آل فرعون شدائد مكرهم وأحاط بآل فرعون العذاب السيئ. النار يدخلونها صباحاً ومساءً، هذا فى الدنيا وهم فى عالم البرزخ، ويوم القيامة يقول الله تعالى: أدخلوا قوم فرعون أشد أنوع العذاب. 47- واذكر لهم - يا محمد - حين يتخاصم أهل النار فيها، فيقول الضعفاء - وهم الأتباع - للمستكبرين - وهم الرؤساء -: إنا كنا لكم فى الدنيا تَبعاً، فهل أنتم حاملون عنا جزءاً من عذاب النار؟.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أدعوكم إلى النجاة: أي من الخسران في الدنيا والآخرة، وذلك بالإِيمان والعمل الصالح. وتدعونني إلى النار: أي إلى عذاب النار وذلك بالكفر والشرك بالله تعالى. ما ليس لي به علم: أي لا علم لي بصحة إشراكه في عبادة الله تعالى. وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار: أي وأنا أدعوكم إلى الإيمان وعبادة الله العزيز أي الغالب على أمره الغفار لذنوب التائبين من عبادة المؤمنين به. لا جرم أن ما تدعونني إليه: أي حقا أن ما تدعونني إلى الإيمان به وبعبادته. لي له دعوة في الدنيا والآخرة: أي ليس له دعوة حق إلى عبادته، ولا دعوة استجابة بأن يستجيب لمن دعاه لا في الدنيا ولا في الآخرة. وأن المسرفين هم أصحاب النار: أي وأن المسرفين في الكفر والشرك والمعاصي هم أهل النار الواجبة لهم. فوقاه الله سيئات ما مكروا: أي فحفظه الله من مكرهم به ليقتلوه. وحاق بآل فرعون سوء العذاب: أي عذاب الغرق إذ غرق فرعون وجنده أجمعون. النار يعرضون عليها غدوا وعشيا: أي أن سوء العذاب هو النار يعرضون عليها صباحا ومساء وذلك أن أرواحهم في أجواف طير سود تعرض على النار كل يوم مرتين. ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون: أي ويوم القيامة يقال أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر نصائح وإرشاد مؤمن آل فرعون فقد قال ما أخبر به تعالى عنه في قوله: {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ} أي من النار وذلك بالإيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي {وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ} وذلك بدعوتكم لي إلى الشرك والكفر تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم أي ما لا علم لي بصحة إشراكه في عبادة الله تعالى. وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار أي لتؤمنوا به وتعبدوه وحده ولا تشركوا معه غيره أدعوكم إلى العزيز أي الغالب الذي لا يُغلب الغفار لذنوب التائبين من عباده مهمات كانت، وأنتم تدعونني إلى أذل شيء وأحقره لا ينفع ولا يضر لأنه لا يسمع ولا يبصر. لا جرم أي حقا أن ما تدعونني إليه لأومن به وأعبده ليس له دعوة حق يدعى بها إليه، ولا دعوة استجابة فإنه لا يستجيب لي دعاء أبداً لا في الدنيا ولا في الآخرة. وشيء آخر يا قوم وهو أن مردنا إلى الله أي لا محالة ترجع إليه فالواجب أن نؤمن به ونعبده ونوحده ما دام رجوعنا إليه، وآخر وهو {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} المسرفين الذين أسرفوا في الكفر والشرك والمعاصي فتجاوزوا الحد في ذلك هم أصحاب النار أي أهلها الذين لا يفارقونها ولا تفارقهم. وقوله: {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} يبدو أنه قال هذا القول لما رفضوا دعوته وهموا بقتله ويدل عليه قوله: وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. وقوله تعالى: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} أي حفظه الله تعالى من مكرهم به ليقتلوه فنجاه الله تعالى إذ هرب منهم فبعث فرعون رجالاً في طلبه فلم يقدروا عليه ونجا مع موسى وبني إسرائيل وقوله {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} وذلك بأن أغرقهم الله في البحر أجمعين. وقوله {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} إخبار بأن أرواح آل فرعون تعرض في البرزخ على النار غدواً وعشياً وذلك بأن تكون في أجواف طير سود على خلاف أرواح المؤمنين فإنها تكون في أجواب طير خضر ترعى في الجنة. إلى يوم القيامة. ويوم تقوم الساعة يقال أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وهو عذاب جهنم والعياذ بالله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان الفرق الكبير بين من يدعو إلى النجاة وبين من يدعو إلى النار، بين من يدعو إلى العزيز الغفار ليؤمن به ويُعبد وبين من يدعو إلى أوثان لا تسمع ولا تبصر وهي أحقر شيء وأذله في الحياة، وبين من يدعو من لا يستجيب له في الدنيا والآخرة وبين من يدعو من يستجيب له في الدنيا والآخرة. 2- التنديد بالإِسراف وفي كل شيء. 3- نعم ما ختم به مؤمن آل فرعون وعظه ونصحه لقومه وهي فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. 4- إثبات عذاب القبر ونعيمه إذ آل فرعون تعرض أرواحهم على النار صباح مساء.

القطان

تفسير : لا جَرَم: لا ريبَ في. أفوّض: أسلّم. حاق: نزل. لا يزال الكلام في قصة فرعون وقومه، وحديث المؤمن من آل فرعون. ويظهر ان هذا الرجل كان من ذوي المكانة والنفوذ حتى جرؤ على هذا الحديث الطويل، فهو يُهيب بقومه ويحثهم على الايمان، ويتعجب من عنادهم فيقول لهم: يا قوم إن أمركم لعجيبٌ، فإني ادعوكم الى الايمان الذي ينجيكم من النار، وتدعونني الى الكفر بالله وإشراك غيره في العبادة. وهذا يوجب دخول النار. إنني أدعوكم إلى رُشْدكم، الى عبادة رب عزيز كثير المغفرة واسع الرحمة. ثم أكد ان أولئك الشركاء الذين يعبدونهم لا مقدرة لهم على شيء، ولا شأن لهم في الدنيا ولا في الآخرة، وان مرد الجميع الى الله. {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} سيدخلون فيها. ثم ختم نصيحته بكلمة فيها تحذير ووعيد لهم فقال: {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} وذلك يوم القيامة، يوم يقفون بين يدي الله، ويأخذ كل واحد منكم كتابه. ثم لما يئس منهم قال: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}. من ثم نجّاه الله من مكرهم، وأحاط بآل فرعون العذابُ السيّء، النار يدخلونها صباحا ومساء. هذا في الدنيا وهم في عالم البرزخ.. ويومَ تقوم القيامة يقول الله تعالى: {أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}. قراءات: قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر: أدْخِلُوا آل فرعون، بقطع الهمزة. والباقون: ادخلوا آل فرعون، على ان آل فرعون منادى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {ٱلنَّجَاةِ} (41) - ثُمَّ كَشَفَ هَذَا المُؤْمِنُ عَنْ إِيْمَانِهِ، فَأَعْلَنَهُ لِقَوْمِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي لِمَاذَا أَدْعُوكُمْ أَنَا إِلَى النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، بِالإِيْمَانِ بِاللهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَتَدْعُونَنِي أَنْتُمْ لأَِكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِالبَقَاءِ عَلَى الكُفْرِ، والعَمَلِ السَّيِّئِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا كلام الرجل المؤمن من آل فرعون، كأنه كلام الأنبياء، وإني حتى الآن لم أَهْتد إلى سبب يقنعني كيف سكت فرعون على هذا الكلام، ولا أستطيع إلا أن أقول: إن الله سبحانه قادر على أنْ يجمع بين الشيء ونقيضه، فالمؤمن يجهر بهذا الكلام الإيماني لكن الحق سبحانه يُدخله في أذن فرعون غير ذلك، وإلا لما سكت عنه وتركه يتكلم بهذا المنطق الإيماني الذي يهدم ألوهية فرعون المدَّعاة، أو كما قلنا أن وارد الرحمن لا يُعارض. وقوله: {مَا لِيۤ} [غافر: 41] يستفهم عن شيء في نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم تدعونني إلى النار؟ أي: إلى ما يؤدي إلى النجاة وما يؤدي إلى النار، قالوا: لأن الخير لا يكون خيراً إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". تفسير : ثم يوضح معنى {أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ} [غافر: 41] فيقول: {تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ} [غافر: 42] فأنتم تحثونني على الكفر بالله والشرك به، وأنا أحثكم على الإيمان به.