٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن ذلك الرجل لم يقصر في تقرير الدين الحق، وفي الذب عنه فالله تعالى رد عنه كيد الكافرين وقصد القاصدين، وقوله تعالى: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } يدل على أنه لما صرّح بتقرير الحق فقد قصدوه بنوع من أنواع السوء، قال مقاتل لما ذكر هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه، وقيل المراد بقوله {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } أنهم قصدوا إدخاله في الكفر وصرفه عن الإسلام فوقاه الله عن ذلك إلا أن الأول أولى لأن قوله بعد ذلك {وَحَاقَ بِـئَالِ فِرْعَوْنَ سُوء ٱلْعَذَابِ } لا يليق إلا بالوجه الأول، وقوله تعالى: {وَحَاقَ بِـئَالِ فِرْعَوْنَ } أي أحاط بهم {سُوء ٱلْعَذَابِ } أي غرقوا في البحر، وقيل بل المراد منه النار المذكورة في قوله {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } قال الزجاج {ٱلنَّارِ } بدل من قوله {سُوء ٱلْعَذَابِ } قال: وجائز أيضاً أن تكون مرتفعة على إضمار تفسير {سُوء ٱلْعَذَابِ } كأن قائلاً قال: ما سوء العذاب؟ فقيل: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا }. قرأ حمزة {حاق} بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بالفتح أما قوله {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر قالوا الآية تقتضي عرض النار عليهم غدواً وعشياً، وليس المراد منه يوم القيامة لأنه قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ }، وليس المراد منه أيضاً الدنيا لأن عرض النار عليهم غدواً وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا، فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت وقبل يوم القيامة، وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذ ثبت في حقهم ثبت في حق غيرهم لأنه لا قائل بالفرق، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض النصائح عليهم في الدنيا؟ لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب وخوفوهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار، ثم نقول في الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين: الأول: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع، وقوله {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } يقتضي أن لا يحصل ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين، فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر الثاني: أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدينا، أما في القبر فلا وجود لهما، فثبت بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر والجواب: عن السؤال الأول أن في الدنيا عرض عليهم كلمات تذكرهم أمر النار، لا أنه يعرض عليهم نفس النار، فعلى قولهم يصير معنى الآية الكلمات المذكرة لأمر النار كانت تعرض عليهم، وذلك يفضي إلى ترك ظاهر اللفظ والعدول إلى المجاز، أما قوله الآية تدل على حصول هذا العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز، قلنا لم لا يجوز أن يكتفي في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام القيامة يلقى في النار فيدوم عذابه بعد ذلك، وأيضاً لا يمتنع يأن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام كقوله {أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } تفسير : [مريم: 62] أما قوله إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية، قلنا لم لا يجوز أن يقال إن عند حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب؟ والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم {أدخلوا آل فرعون } أي يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم في أشد العذاب، والباقون أدخلوا على معنى أنه يقال لهؤلاء الكفار: أدخلوا أشد العذاب، والقراءة الأولى اختيار أبي عبيدة، واحتج عليها بقوله تعالى: {يُعْرَضُونَ } فهذا يفعل بهم فكذلك {أَدْخِلُواْ } وأما وجه القراءة الثانية فقوله {ٱدْخُلُواْ أَبْوٰبَ جَهَنَّمَ }، وههنا آخر الكلام في قصة مؤمن آل فرعون. واعلم أن الكلام في تلك القصة لما انجر إلى شرح أحوال النار، لا جرم ذكر الله عقيبها قصة المناظرات التي تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار فقال: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ } والمعنى اذكر يا محمد لقومك إذ يتحاجون أي يحاجج بعضهم بعضاً، ثم شرح خصومتهم وذلك أن الضعفاء يقولون للرؤساء {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } في الدنيا، قال صاحب «الكشاف» تبعاً كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع أي أتباع أو وصفاً بالمصدر {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ ٱلنَّارِ } أي فهل تقدرون على أن تدفعوا أيها الرؤساء عنا نصيباً من العذاب، واعلم أن أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم، لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات فعند هذا يقول الرؤساء {إِنَّا كُلٌّ فِيهَا } يعني أن كلنا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي، ثم يقولون {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ } يعني يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب، ثم عند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزنة جهنم ويقولون لهم {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ ٱلْعَذَابِ } فإن قيل لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها بل قال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ }؟ قلنا فيه وجهان الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع والثاني: أن يكون جهنم اسماً لموضع هو أبعد النار قعراً، من قولهم بئر جهنام أي بعيدة القعر، وفيها أعظم أقسام الكفار عقوبة وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذا عرف الكفار أن الأمر كذلك استغاثوا بهم، فأولئك الملائكة يقولون لهم {أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه {أية : مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } تفسير : [المائدة: 19] أما بعد مجيء الرسل فلم يبق عذر ولا علة كما قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] وهذه الآية تدل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع، ثم إن أولئك الملائكة يقولون للكفار ادعوا أنتم فإنا لا نجترىء على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين أحدهما: كون المشفوع له مؤمناً والثاني: حصول الإذن في الشفاعة ولم يوجد واحد من هذين الشرطين فإقدامنا على هذه الشفاعة ممتنع لكن ادعوا أنتم، وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة، فإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكفار، ثم يصرحون لهم بأنه لا أثر لدعائهم فيقولون {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } فإن قيل إن الحاجة على الله محال، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: إنه تأذى من هؤلاء المجرمين بسبب جرمهم، وإذا كان التأذي محالاً عليه كانت شهوة الانتقام ممتنعة في حقه، إذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضار العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار لا منفعة فيه إلى الله تعالى ولا لأحد من العبيد، فهو إضرار خال عن جميع الجهات المنتفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يبقى على ذلك الإيلام أبد الآباد ودهر الداهرين، من غير أن يرحم حاجتهم ومن غير أن يسمع دعاءهم ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقصى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عبيده لدعاه كرمه ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيد في محل النفع والضرر والحاجة، فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟ قلنا أفعال الله لا تعلل و {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23] فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به، والله أعلم بالصواب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} أي من إلحاق أنواع العذاب به فطلبوه فما وجدوه؛ لأنه فوض أمره إلى الله. قال قتادة: كان قبطياً فنجاه الله مع بني إسرائيل. فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون. وقيل: إنها لموسى على ما تقدّم من الخلاف. {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} قال الكسائي: يقال حاق يَحِيق حَيْقاً وحُيُوقاً إذا نزل ولزم. ثم بين العذاب فقال: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} وفيه ستة أوجه: يكون رفعاً على البدل من «سُوءُ». ويجوز أن يكون بمعنى هو النار. ويجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء. وقال الفراء: يكون مرفوعاً بالعائد على معنى النار عليها يعرضون، فهذه أربعة أوجه في الرفع، وأجاز الفراء النصب؛ لأن بعدها عائداً وقبلها ما يتصل به، وأجاز الأخفش الخفض على البدل من «الْعَذَابِ». والجمهور على أن هذا العرض في البرزخ. واحتج بعض أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} ما دامت الدنيا. كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}. وفي الحديث عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. وعنه أيضاً: إن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها. وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن (مهران) يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله وعُرِضَ آلُ فرعون على النار. فإذا أمسى نادى: أمسينا والحمد لله وعُرِض آلُ فرعون على النار؛ فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوّذ بالله من النار. وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «إن الكافر إذا مات عُرِض على النار بالغداة والعشيّ»ثم تلا {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} وإن المؤمن إذا مات عُرِض روحه على الجنة بالغَدَاة والعشي» تفسير : وخرّج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشيّ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة»تفسير : . قال الفراء: في الغداة والعشيّ بمقادير ذلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. قال: «غُدُوًّا وَعَشِيًّا» قال: من أيام الدنيا. وقال حماد بن محمد الفزاريّ: قال رجل للأوزاعي رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب، بيضاً صغاراً فَوْجاً لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشاء رجعت مثلها سوداً. قال: تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدوّاً وعشيا، فترجع إلى أوكارها وقد احترقت رياشها وصارت سوداً، فينبت عليها من الليل رياشها بيضاً وتتناثر السود، ثم تغدو فتعرض على النار غدوّاً وعشيا، ثم ترجع إلى وَكْرها فذلك دأبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: {أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} وهو الهاوية. قال الأوزاعي: فبلغنا أنهم ألفا ألف وستمائة ألف. و«غُدُوًّا» مصدر جعل ظرفاً على السعة. و«عَشِيًّا» عطف عليه وتم الكلام. ثم تبتدىء «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ» على أن تنصب يوماً بقوله: {أَدْخِلُوۤاْ} ويجوز أن يكون منصوباً بـ«ـيُعْرَضُونَ» على معنى «يُعْرَضُونَ» على النار في الدنيا «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ» فلا يوقف عليه. وقرأ نافع وأهل المدينة وحمزة والكسائي: «أَدْخِلُوا» بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل وهي اختيار أبي عبيد؛ أي يأمر الله الملائكة أن يدخلوهم، ودليله {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا}. الباقون «ادْخُلُوا» بوصل الألف وضم الخاء من دخل أي يقال لهم: «ادْخُلُوا» يا «آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» وهو اختيار أبي حاتم. قال: في القراءة الأولى: «آل» مفعول أول و«أَشَدَّ» مفعول ثان بحذف الجر، وفي القراءة الثانية منصوب؛ لأنه نداء مضاف. وآل فرعون: من كان على دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك. وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن العبد يولد مؤمناً ويحياً مؤمناً ويموت مؤمناً منهم يحيـى بن زكريا ولد مؤمناً وحيي مؤمناً ومات مؤمناً وإن العبد يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً منهم فرعون ولد كافراً وحيي كافراً ومات كافراً»تفسير : ذكره النحاس. وجعل الفرّاء في الآية تقديماً وتأخيراً مجازه: «أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ». «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا» فجعل العرض في الآخرة، وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدّم. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَوَقٰهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ } به من القتل {وَحَاقَ } نزل {بئَالِ فِرْعَوْنَ } قومه معه {سُوءُ ٱلْعَذَابِ } الغرق.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَوَقَاهُ اللَّهُ} بإنجائه مع موسى وغرق فرعون، أو خرج هارباً من فرعون إلى جبل يصلي فيه فأرسل فرعون في طلبه فوجدوه يصلي فذبت السباع والوحوش عنه فرجعوا فأخبروا به فرعون فقتلهم. {وَحَاقَ بِآلِ فِرعَوْنَ} الفرق، أو قتله للذين أخبروه عن المؤمن، أو عبّر عن فرعون بآل فرعون.
البقاعي
تفسير : ولما تسبب عن نصحه هذا لهم والتجائه إلى ملك الملوك حفظه منهم على عظم الخطر، قال تعالى مخبراً أنه صدق ظنه {فوقاه الله} أي جعل له وقاية تجنه منهم بما له سبحانه من الجلال والعظمة والكمال جزاء على تفويضه {سيئات} أي شدائد {ما مكروا} ديناً ودنيا، فنجاه مع موسى عليه السلام تصديقاً لوعده سبحانه بقوله {أية : أنتما ومن اتبعكما الغالبون} تفسير : [القصص: 35] ولما كان المكر السيء لا يحيق إلا بأهله قال: {وحاق} أي نزل محيطاً بعد إحاطة الإغراق {بآل فرعون} أي كلهم فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ومكرهم، فالإحاطة بفرعون من باب الأولى وإن لم نقل: أن الآل مشترك بين الشخص والأتباع، لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه فهو مفهوم موافقة {سوء العذاب *} أي العقوبة المانعة من كل مستعذب، ثم بين ذلك بقوله: {النار} أي حال كونهم {يُعرضون عليها} أي في البرزخ {غدواً وعشياً} أي غادين ورائحين في وقت استرواحهم بالأكل واستلذاذهم به - هذا دأبهم طول أيام البرزخ، وكان عليهم في هذا العرض زيادة نكد فوق ما ورد عاماً مما روى مالك والشيخان وغيرهم عن أن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة"تفسير : . ولعل زيادة النكد أنهم هم المعروضون، فيذهب بهم في الأغلال يساقون لينظروا ما أعد الله لهم، وعامة الناس يقتصر في ذلك على أن يكشف لهم - وهو في محالّهم - عن مقاعدهم، ففي ذلك زيادة إهانة لهم، وهو مثل: عرض الأمير فلاناً على السيف إذا أراد قتله، هذا دأبهم إلى أن تقوم الساعة {ويوم تقوم الساعة} يقال لهم: {ادخلوا آل} أي يا آل {فرعون} هو نفسه وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به، وجعله نافع وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص فعل أمر من الإدخال، فالتقدير: نقول لبعض جنودنا: أدخلوا آله لأجل ضلالهم به اليوم {أشد العذاب} وإذا كان هذا لآله لأجله كان له أعظم منه من باب الأولى، وهذه الآية نص في عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب. ولما كان هذا من خبر موسى عليه السلام وفرعون أمراً غريباً جداً، قل من يعرفه على ما هو عليه، لأنه من خفي العلم، أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: {وإذ} أي اذكر لهم هذا الذي أنبأناك به مما كان في الزمن الأقدم، ولا وصول له إليك إلا من جهتنا، لأنهم يعلمون قطعاً أنك ما جالست عالماً قط، واذكر لهم ما يكون في الزمن الآتي حين {يتحاجون} أي هؤلاء الذين نعذبهم {في النار} أي يتخاصمون فيما أتباعهم ورؤساؤهم بما لا يغنيهم: {فيقول الضعفاء} أي الأتباع {للذين استكبروا} أي طلبوا أن يكونوا كبراء. ولما كانوا لشدة ما هم فيه يتبرأ كل منهم من صاحبه. أكدوا قولهم: {إنا كنا لكم} أي دون غيركم {تبعاً} أي أتباعاً، فتكبرتم على الناس بنا، وهو عند البصريين يكون واحداً كجمل ويكون جمعاً كخدم جمع خادم، ولعله عبر به إشارة إلى أنهم كانوا في عظيم الطواعية لهم على قلب رجل واحد ولما كان الكبير يحمي تابعه، سببوا عن ذلك سؤالهم فقالوا: {فهل أنتم} أي أيها الكبراء {مغنون} أي كافون ومجزون وحاملون {عنا نصيباً من النار *}. ولما أتى بكلام الضعفاء مضارعاً على الأصل، وإشارة مع تصوير الحال لأنه أقطع إلى طول خصامهم لأنه أشد في إيلامهم، فتشوف السامع إلى جوابهم، استأنف الخبر عنه بصيغة الماضي تأكيداً لتحقيق وقوعه رداً قد يتوهمه الضعيف من أن المستكبر له قوة المدافعة وإباء الأنفة فقال: {قال الذين استكبروا} أي من شدة ما هم فيه. ولما كان الأتباع قد ظنوا أن المتبوعين يغنون عنهم، أكدوا إخبارهم لهم بما ينافي ذلك فقالوا: {إنّا كل} أي كلنا كائنون {فيها} أي النار، كل يناله من العذاب بقدر ما يستحقه سواء إن جادلتمونا أو تركتم جدالنا ولا يظلم بك أحداً، فلة قدرنا على شيء لأغنينا عن أنفسنا، ولو سألنا أن نزاد أو ننقص لما أجبنا. فإن هذه دار العدل فاتركونا وما نحن فيه. ولما كان حكم الله تعالى مانعاً مما كان يفعل في الدنيا من فك المجرم وإيثاق غيره به، وكان سؤالهم في الإغناء سؤال من يجوز أن يكون حكمه على ما عليه الأحكام من حكام أهل الدنيا، عللوا جوابهم مؤكدين فقالوا: {إن الله} أي المحيط بأوصاف الكمال {قد حكم بين العباد *} أي بالعدل، فأدخل أهل الجنة دارهم، وأهل النار نارهم، فلا يغني أحد عن أحد شيئاً. ولما دل على أنه لا يغني أحد عن أحد شيئاً، أخبر انهم لما رأوا بعدهم من الله وأنهم ليسوا بأهل لدعائه سبحانه، علقوا آمالهم بتوسط الملائكة، فأخبر عن ذلك منهم بقوله: {وقال الذين في النار} أي جميعاً الأتباع والمتبوعون {لخزنة} ووضع موضع الضمير قوله: {جهنم} للدلالة على أن سؤالهم لأهل الطبقة التي من شأنها وشأن خزنتها تجهم داخليها ليدل على أنهم لسوء ما هم فيه لا يعقلون، فهم لا يضعون شيئاً في محله كما كانوا في الدنيا: {ادعوا ربكم} أي المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألماً من النار {يخفف عنا يوماً} أي مقداره {من العذاب *} أي بعضه. ولما سألوهم، استأنفوا جوابهم إشارة إلى ما حصل من تشوف السامع إليه، معرفين لهم بسياقه بالسبب، الجاعل لهم في محل الاطراح والسفول عن التأهل لأن يسمع لهم كلام، فقال تعالى مخبراً عنهم: {قالوا} أي الخزنة. ولما كان التقدير: ألم تكن لكم عقول تهديكم إلى الاعتقاد الحق، عطف عليه قوله إلزامناً لهم الحجة وتوبيخاً وتنديماً بتفويت أوقات الدعاء المجاب: {أولم} ولما كان المقام خطراً، والمرام وعراً عسراً، فكانوا محتاجين إلى الإيجاز، قالوا مشيرين بذكر فعل الكون مع اقتضاء الحال للإيجاز إلى عراقة الرسل عليهم السلام في النصح المنجي من المخاوف بالمعجزات والرفق والتلّطف وطول الأناة والحلم والصبر مع شرف النسب وطهارة الشيم وحسن الأخلاق وبداعة الهيئات والمناظر ولطافة العشرة وجلالة المناصب: {تك} بإسقاط النون مع التصوير للحال بالمضارع {تأتيكم} على سبيل التجدد شئياً في أثر شيء {رسلكم} أي الذين هم منكم فأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال عليهم، لأن الجنس إلى الجنس أمثل، والإنسان من مثله أقبل {بالبينات} أي التي لا شيء أوضح منها {قالوا} أي الكفار: {بلى} أي أتونا كذلك، ثم استأنفوا جوابهم لما حصل من التشوف إليه بما حاصله عدم إجابتهم فسببوا عن إخبارهم بعدم إجابتهم للرسل عدم إجابة دعائهم فقال تعالى مخبراً عنهم: {قالوا} أي الخزنة: {فادعوا} أي أنتم الآن الله أو أهل الله من رسل البشر أو الملائكة أو غيرهم، أو لا تدعوا فإنه لا يسمع لكم. ولما كان أمرهم بالدعاء موجباً لأن يظنوا نفعه، أتبعوه بما أيأسهم لأن ذلك أنكأ وأوجع وأشد عليهم وأفظع بقولهم: {وما} دعاؤكم - هكذا كان الأصل، ولكنه أتى بالوصف تعليقاً للحكم به فقال: {دعاءُ الكافرين} أي الساترين لمرائي عقولهم عن أنوار العقل المؤيد بصحيح النقل {إلا في ضلال *} أي ذهاب في غير طريق موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا مزرعة الآخرة، من زرع شيئاً في الدنيا حصده في الآخرة، والآخرة ثمرة الدنيا لا تثمر إلا من جنس ما غرس في الدنيا.
القشيري
تفسير : والآية تدلُّ على عذاب القبر. ويقال إنَّ أرواح الكفار في حواصل طير سُودٍ تُعْرَضُ على النار غدواً وعشياً إلى يوم القيامة حيث تدخل النار. {أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}: أي يا آل فرعون أُدخُلوا أشدَّ العذاب، فَنَصَبه على النداء المضاف. ويقرأ "أَدْخِلوا" على الأمر. {أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}: أي أصعبهُ، وأصعبُ عذابٍ للكفار في النار يأسُهم من الخروج عنها. أمَّا العصاةُ من المؤمنين فأشدُّ عذابهم في النار إذا علموا أن هذا يومُ لقاء المؤمنين، فإذا عرفوا ذلك فذلك اليومُ أشدُّ أيام عذابهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فوقاه الله} آورده اندكه فرعون فرمود تاخربيل رابكشندوى كريخته روى بكوهى نهاد وبنماز مشغول شدحق سبحانه تعالى لشكر سباع را برانكيخت تابكردوىدر آمده آغازيا سبانى كردند نتيجه تفويض بزودىدروى رسيديعنى فوض أمره الى الله فكفاه الله در كشف الاسرار آمده كه فرعون ازخو اص خود جمعىرا ازعقب اوفرستادجون بوى رسيدند ونمازوى ونكهبانى سباع مشاهده كرده بترسيدند ونزد فرعون آمده صورت حال باز كفتند همه راسياست كرد تا آن سخن فاش نكردد وقال بعضهم منهم من اكلته السباع ومنهم من رجع الى فرعون فاتهمه وصلبه فاخبر الله عن الحال خربيل بقوله فوقاه الله اى حفظه من {سيئات ما مكروا} شدآئد مكرهم وما هموا به من الحاق انواع العذاب بمن خالفهم وبالفارسية بس نكاه داشت اوراخداى از بديهاى آنجه انديشيدند درراه او. وقيل نجا خربيل مع موسى عليه السلام {وحاق} نزل واصاب {بآل فرعون} اى بفرعون وقومه وعدم التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره ضرورة أنه اولى منهم بذلك من حيث كونه متبوعا لهم ورئيسا ضالا مضلا {سوء العذاب} اى الغرق وهذا فى الدنيا ثم بين عذابهم فى البرزخ بقوله
الجنابذي
تفسير : {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} قد ورد فى الاخبار انّهم قطعوه ارباً ارباً ولكن وقاه الله ان يفتنوه فى دينه، وعن الصّادق (ع) فى حديثٍ: كان حزقيل يدعوهم الى توحيد الله ونبوّة موسى (ع) وتفضيل محمّدٍ (ص) على جميع رسل الله وخلقه وتفضيل علىّ بن ابى طالبٍ (ع) والخيار من الائمّة على سائر اوصياء النّبيّين والى البراءة من ربوبيّة فرعون، فوشى به الواشون الى فرعون وقالوا: انّ حزقيل يدعوهم الى مخالفتك ويعين اعداءك الى مضادّتك فقال لهم فرعون: ابن عمّى وخليفتى على ملكى وولىّ عهدى ان فعل ما قلتم فقد استحقّ العذاب على كفره بنعمتى، وان كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم اشدّ العذاب، لايثاركم الدّخول فى مساءته فجاء بحزقيل وجاء بهم فكاشفوه، وقالوا: ءانت تجحد ربوبيّة فرعون الملك وتكفر بنعمائه؟ - فقال حزقيل: ايّها الملك هل جرّبت علىّ كذباً قطّ؟ - قال: لان قال فسلهم من ربّهم؟ - قالوا: فرعون هذا، قال: ومن خالقكم؟ - قالو: فرعون هذا، قال: ومن رازقكم الكافل لمعايشكم والدّافع عنكم مكارهكم؟ - قالوا: فرعون هذا، قال حزقيل: ايّها الملك فأشهدك وكلّ من حضرك انّ ربّهم هو ربّى، وخالقهم هو خالقى، ورازقهم هو رازقى، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشى، لا ربّ لى ولا خالق ولا رازق غير ربّهم وخالقهم ورازقهم، واشهدك ومن حضرك انّ كلّ ربٍّ ورازقٍ وخالقٍ سوى ربّهم وخالقهم ورازقهم فانا بريءٌ منه ومن ربوبيّته وكافرٌ بالهيّته، يقول حزقيل: هذا وهو يعنى انّ ربّهم وهو الله ربّى، ولم يقل: انّ الّذى قالوا: انّه ربّهم هو ربّى، وخفى هذا المعنى على فرعون ومن حضره وتوهّم انّه يقول: فرعون ربّى وخالقى ورازقى، فقال لهم فرعون: يا رجال السّوء ويا طلاّب الفساد فى ملكى ومريدى الفتنة بينى وبين ابن عمّى وهو عضدى انتم المستحقّون لعذابى لارادتكم فساد امرى واهلاك ابن عمّى والفتّ فى عضدى، ثمّ أمر باوتادٍ فجعل فى ساق كلّ واحدٍ منهم وتداً وفى صدره وتداً، وامر اصحاب أمشاط الحديد فشقّوا بها لحومهم من ابدانهم فذلك ما قال الله تعالى: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} به لمّا وشوا به الى فرعون ليهلكوه، {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} وهم الّذين وشوا بحزقيل اليه لما اوتد فيهم الاوتاد ومشط عن ابدانهم لحومها بالامشاط.
الهواري
تفسير : قال: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} أي: ما عملوا، أي: الكفر، فعصمه من ذلك الكفر الذي دعوه إليه، وعصمه من القتل والهلاك الذي أهلكوا به. {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ} أي: وجب عليهم {سُوءُ الْعَذَابِ} أي: أشد العذاب {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}. قال مجاهد: أي: ما كانت الدنيا. ذكروا عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسري به أنه أتى على سابلة آل فرعون حين ينطلق بهم إلى النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، فإذا رأوها قالوا: ربنا لا تقوم الساعة لما يرون من عذاب الله. ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن الجنة، وإن كان من أهل النار فمن النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة . تفسير : [قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} يعني أهل ملته وفرعون معهم {أَشَدَّ الْعَذَابِ} ]. وقال بعض أهل التأويل في قول الله: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}: هذا من مقاديم الكلام، "مجازه: ادخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشياً".
اطفيش
تفسير : {فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ} شديد مكرهم وهو القتل وما هموا به من أنواع العذاب نجاه الله مع موسى في البحر وفر فى جملة المتبعين وقيل الضمير لموسى بناء على أن القائل هم كما مر والوقاية المنع والحفظ ومن قرأ وراء ظالم (فستذكرون) الى (العباد) فلا يصيبه منه ضرر باذن الله تعالى* {وَحَاقَ} أي نزل* {بِآلِ فِرْعَوْنَ} أي بفرعون ولم يذكره بالعلم لانه أولى بالشر فهو تشبيه بالادنى على الأعلى* {سُوءُ الْعَذَابِ} الغرق وقيل النار وقيل القتل وذلك أن المؤمن فرّ الى جبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش صفوف حوله فرجعوا رعباً فقتلهم فرعون فعلى هذا فالمراد آل فرعون فقط أي طائفة من جملة جنده وقيل {سوء العذاب} خوف النكال في الدنيا وعذاب الآخرة
الالوسي
تفسير : {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } ويحتمل أن يكون متاركة والتفريع في {فَسَتَذْكُرُونَ } على قوله الأخير: {أية : يٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ }تفسير : [غافر: 41] الخ، وجعله من جعل ذلك معطوفاً على {يٰقَوْمِ} الثاني تفريعاً على جملة الكلام، و {مَا } في {مَا مَكَـرُواْ } مصدرية و {ٱلسَّيّئَاتِ } الشدائد أي فوقاه الله تعالى شدائد مكرهم {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ } أي بفرعون وقومه، فاستغنى بذكرهم عن ذكره ضرورة أنه أولى منهم بذلك، ويجوز أن يكون آل فرعون شاملاً له عليه اللعنة بأن يراد بهم مطلق كفرة القبط كما قيل في قوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ }تفسير : [سبأ: 13] انه شامل لداود عليه السلام. وكانوا على ما حكى الاوزاعى ولا أعتقد صحته ألفي ألف وستمائة ألف. وعن ابن عباس أن هذا المؤمن لما أظهر إيمانه قصد فرعون قتله فهرب إلى جبل فبعث في طلبه ألف رجل / فمنهم من أدركه يصلي والسباع حوله فلما هموا ليأخذوه ذبت عنه فأكلتهم، ومنهم من مات في الجبل عطشاً، ومنهم من رجع إلى فرعون خائباً فاتهمه وقتله وصلبه، فالمراد بآل فرعون هؤلاء الألف الذين بعثهم إلى قتله أي فنزل بهم وأصابهم {سُوءُ ٱلْعَذَابِ } الغرق على الأول وأكل السباع والموت عطشاً والقتل والصلب على ما روي عن ابن عباس والنار عليهما ولعله الأولى، وإضافة {سُوء } إلى (العذاب) لامية أو من إضافة الصفة للموصوف.
ابن عاشور
تفسير : تفريع {فَوَقاهُ الله} مؤذن بأنهم أضمروا مكراً به. وتسميته مكراً مؤذن بأنهم لم يُشعروه به وأن الله تكفل بوقايته لأنه فوَّض أمره إليه. والمعنى: فأنجاه الله، فيجوز أن يكون نجا مع موسى وبني إسرائيل فخرج معهم، ويجوز أن يكون فرّ من فرعون ولم يعثروا عليه. و (ما) مصدرية. والمعنى: سيئات مكْرهم. وإضافة {سيئات} إلى (مكر) إضافة بيانية، وهي هنا في قوة إضافة الصفة إلى الموصوف لأن المكر سيّء. وإنما جُمع السيئات باعتبار تعدد أنواع مكرهم التي بيّتوها. وحَاق: أحاط. والعذاب: الغَرَق. والتعريف للعهد لأنه مشهور معلوم. وتقدم له ذكر في السور النازلة قبل هذه السورة. ومناسبة فعل {حَاق} لذلك العذاب أنه مما يَحيق على الحقيقة، وإنما كان الغَرَق سوء عذاب لأن الغريق يعذب باحتباس النفَس مدة وهو يطفو على الماء ويغوص فيه ويُرعبه هول الأمواج وهو مُوقن بالهلاك ثم يكون عُرضة لأكْل الحيتان حيًّا وميِّتاً وذلك ألم في الحياة وخزي بعد الممات يُذكرون به بين الناس. وقوله: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عليها غُدُواً وعَشياً} يجوز أن يكون جملة وقعت بدلاً من جملة {وحاق بآل فرعون سوء العذاب}، فيجعل {النَّار} مبتدأ ويجعل جملة {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} خبراً عنه ويكون مجموع الجملة من المبتدأ وخبره بدل اشتمال من جملة {وحَاقَ بِآلِ فِرعون سُوءُ العَذَّابِ} لأن سوء العذاب إذا أريد به الغرق كان مشتملاً على موتهم وموتُهم يشتمل على عرضهم على النار غدُوًّا وعشِيًّا، فالمذكور عَذَابَان: عذاب الدنيا وعذابُ الغرق وما يلحق به من عذابٍ قبل عذاب يوم القيامة. ويجوز أن يكون {النار} بدلاً مفرداً من {سُوءُ العَذَابِ} بدلاً مطابقاً وجملة {يُعْرَضُونَ عليها} حالاً من {النار} فيكون المذكور في الآية عذاباً واحداً ولم يذكر عَذاب الغرق. وعلى كلا الوجهين فالمذكور في الآية عذاب قبل عذاب يوم القيامة فذلك هو المذكور بعده بقوله: {ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادْخِلُوا ءالَ فِرْعَونَ أشَدَّ العَذَابِ}. والعرض حقيقته: إظهار شيء لمن يراه لترغيب أو لتحذير وهو يتعدّى إلى الشيء المظْهَر بنفسه وإلى من يُظهَر لأجله بحرف (على)، وهذا يقتضي أن المعروض عليه لا يكون إلا من يَعقل ومنزّلاً منزلة من يعقل، وقد يقلب هذا الاستعمال لقصد المبالغة كقول العرب «عرضتُ الناقةَ على الحوض»، وحقه: عرضت الحوض على الناقة، وهو الاستعمال الذي في هذه الآية وقوله في سورة الأحقاف (20) {أية : ويوم يعرض الذين كفروا على النار}. تفسير : وقد عدَّ علماء المعاني القلب من أنواع تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ومثلوا له بقول العرب: عرضت الناقة على الحوض. واختلفوا في عدّه من أفانين الكلام البليغ فعدّه منها أبو عبيدة والفارسي والسكاكي ولم يقبله الجمهور، وقال القزويني: إن تضمن اعتباراً لطيفاً قُبِل وإلاّ رُدّ. وعندي أن الاستعمالين على مقتضى الظاهر وأن العَرض قد كثر في معنى الإمرار دون قصد الترغيب كما يقال: عُرض الجيش على أميره واستعرضه الأمير. ولعلّ أصله مجاز ساوى الحقيقة فليس في الآيتين قلب ولا في قول العرب: عرضت الناقة على الحوض، قَلب، ويقال: عُرض بنو فلان على السيف، إذا قُتلوا به. وخرج في «الكشاف» آية الأحقافِ على قولهم: عُرض على السيفِ. ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم تُشاهِد المواضع التي أعدت لها في جهنم، وهو ما يبينه حديث عبد الله بن عُمر في «الصحيح» قال: قال رسول الله: «حديث : إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقْعَدُه بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثَك الله يوم القيامة»تفسير : . وقولُه: {غُدُوّاً وعَشِيّاً} كناية عن الدوام لأن الزمان لا يخلو عن هاذين الوقتين. وقوله: {ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَة أدْخِلوا ءالَ فِرْعون أشدَّ العَذَابِ} هذا ذكر عذاب الآخرة الخالد، أي يُقال: أَدخلوا آل فرعون أشد العذاب، وعلم من عذاب آل فرعون أن فرعون داخل في ذلك العذاب بدلالة الفحوى. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر ويعقوب {أدخلوا} بهمزة قطع وكسر الخاء. وقرأ الباقون بهمزة وصل وضم الخاء على معنى أن القول مُوجّه إلى آل فرعون وأن {ءَالَ فِرْعَونَ} منادى بحذف الحرف.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَوقَاهُ} {بِآلِ} (45) - فَحَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى مِمَّا أَرَادُوا بِهِ مِنَ المَكْرِ السَّيىءِ، إِذْ أَنْجَاهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الفَائِزينَ، وَأَحَاطَ بِفرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ وَمَلَئِهِ سُوءُ العَذَابِ، فَأَغْرَقَهُمْ فِي اليَمِّ فِي الدُّنْيَا، وََلَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عِنْدَ اللهِ إِلاَّ العَذَابُ الأَلِيمُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. حَاقَ بِهِمْ - أَحَاطَ أَوْ نَزَلَ بِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} [غافر: 45] يعني: لم يحدث له مكروه، وهذا أمر يدعو للعجب، لأن هذا الرجل يقف أمام مَنْ؟ أمام فرعون ومع ذلك لم يُصِبْه مكروه ولم تضره محاولات فرعون للانتقام منه. لكن ولِمَ العجب؟ الوقاية من الله {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} [غافر: 45] لأن الفعل لا يُترك لذاته ولا يُؤخذ لذاته، إنما الفعل بمقارنة فاعله، لا بدَّ من مصاحبة الفعل للفاعل، فالفعل قد يكون واحداً لكن يختلف الحكم فيه سعادةً به أو شقاءً بالنظر إلى الفاعل. قلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك والدم يسيل من وجهه، ما أول سؤال تبادره به؟ مَنْ فعل بك هذا؟ إذن: فأنت لم تنشغل بالدم الذي يسيل منه بقدر انشغالك بمَنْ فعل هذا. فلو قال لك: عمي فلان ضربني تهدأ وتقول له: لا بدَّ أنك فعلتَ شيئاً يستحق العقاب فضربك، لكن إنْ قال لك: ابن فلان ضربني تقول: نعم لأنه يكرهنا وكذا وكذا. وتقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: فكل فعل لا يُحكم عليه لذاته إنما بضميمة فاعله، ومعرفتك للفاعل هي التي يترتب عليها ردُّ الفعل منك. وهذه المسألة حَلَّتْ لنا الإشكال في قضية الإسراء والمعراج، وفسَّرتْ لنا قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا} تفسير : [الإسراء: 1] فما دام أن الذي أسرى هو الله فلا عجبَ إذن، فالفعل يتناسب وفاعله، ونزه الله عن الزمان والمكان وعن كل ما يشبه الخَلْق. ولو قال: محمد سَرَى لكان لنا كلام وجدال، أَمَا وقد أسرى اللهُ به فلا عجبَ في ذلك. كما لو قلت: صعدتُ بابني الرضيع قمة الهملايا، أيقول قائل: كيف صعد الرضيعُ قمة الهملايا؟ كذلك الحال هنا، وحين تكون الوقاية من الله فأيُّ قوة إذن وأيُّ طاغية أو جبار يستطيع أنْ يُؤذيك، والله واقيك منه. وقد جاءت هذه الوقاية إجابةً ورداً لتفويض الأمر لله تعالى، فالرجل المؤمن قال: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [غافر: 44] فجاء الرد فوراً {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} [غافر: 45]. وهذه الآية وقف عندها الإمام جعفر الصادق واستنبط منها بعض اللطائف والحكَم حين قال: عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} تفسير : [آل عمران: 173] لأنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ..} تفسير : [آل عمران: 174]. وعجبتُ لمن مُكِر به ولم يفزع إلى قوله تعالى: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [غافر: 44] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} [غافر: 45]. وعجبتْ لمن طلب الدنيا وزينتها ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} تفسير : [الكهف: 39] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ} تفسير : [الكهف: 40]. وعجبتُ لمن اغتمَّ - والاغتمام انقباضُ الصدر وضيق النَّفَس دون أنْ تعرف له سبباً - ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنبياء: 88] يعني: ليست خاصة به وحده. هذه من دقائق كتاب الله ولطائفه، ومَنْ أخذها وِرْداً له لا يمر به شيء من هذا، ونجَّاه الله منه ووقاه من الخوف ومن المكر ومن الفقر ومن الغمِّ. ثم إن استجابة الحق سبحانه لعبده المؤمن لم تقف عند حَدِّ الوقاية من عدوه، إنما تعدَّتْ إلى العدو نفسه حيث انقلب الحال ودارتْ الدائرة عليه تأمل: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 45] أي: نزل بهم وحَلَّ بهم سوء العذاب، والمراد عذاب الدنيا قبل الآخرة، لأن الإنسان له في حياته ثلاث مراحل: الحياة الدنيا التي نعيشها الآن، ثم حياة البرزخ بعد أن يموت إلى أنْ يُبعثَ يوم القيامة، ثم حياته بعد البعث. فقوله: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 45] أي: نزل بهم قبل الحساب وقبل الآخرة، أما قوله: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 46] فالعرض على النار إذن ليس في الآخرة لأنه قال بعدها: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 46]. عندنا عَرْضٌ ودخول، العرض على النار قبل دخولها، فهو إما في الدنيا أو في البرزخ، وما داموا لم يُعرَضوا على النار في الدنيا فلم يَبْقَ إلا حياةُ البرزخ يُعرَضُون فيها على النار إلى قيام الساعة، وهذا ما نسميه عذاب القبر، ثم يأتي دخولهم النارَ بعد البعث والحساب. وهكذا جمع الله على المسرفين عذاباً في الدنيا، وعذاباً في البرزخ، وعذاباً أشدّ وأنكَى في الآخرة. وكلمة {أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 46] تثبت أيضاً عذابَ القبر، ففيه عذابٌ شديدٌ لكن عذابَ الآخرة أشدّ، عافانا الله وإياكم من العذاب.
همام الصنعاني
تفسير : 2679- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ}: [الآية: 45]، قال: كان قبطياً فنجا مع مُوسَى وبني إسرائيل حين نجوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):