٤٠ - غَافِر
40 - Ghafir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ} أي يختصمون فيها {فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ} عن الانقياد لِلأَنْبِيَاءِ {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} فيما دعوتمونا إليه من الشرك في الدنيا {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ} أي متحملون {عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ} أي جزءاً من العذاب. والتبع يكون واحداً ويكون جمعاً في قول البصريين واحده تابع. وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له كالمصدر فلذلك لم يجمع ولو جمع لقيل أتباع. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ} أي في جهنم. قال الأخفش: «كُلٌّ» مرفوع بالابتداء. وأجاز الكسائي والفراء «إِنَّا كُلاًّ فِيهَا» بالنصب على النعت والتأكيد للمضمر في «إِنَّا» وكذلك قرأ ابن السَّمَيْقَع وعيسى بن عمر. والكوفيون يسمون التأكيد نعتاً. ومنع ذلك سيبويه قال: لأن «كُلاًّ» لا تنعت ولا ينعت بها. ولا يجوز البدل فيه لأن المخبر عن نفسه لا يبدل منه غيره، وقال معناه المبرد قال: لا يجوز أن يبدل من المضمر هنا؛ لأنه مخاطب ولا يبدل من المخاطَب ولا من المخاطب، لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما؛ هذا نص كلامه. {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} أي لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره؛ فكل منا كافر. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ} من الأمم الكافرة. ومن العرب من يقول اللذون على أنه جمع مسلم معرب، ومن قال: «الَّذِينَ» في الرفع بناه كما كان في الواحد مبنياً. وقال الأخفش: ضمت النون إلى الذي فأشبه خمسةَ عشرَ فبني على الفتح. {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} خزنة جمع خازن ويقال: خُزَّان وخُزَّن. {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} «يُخَفِّفْ» جواب مجزوم وإن كان بالفاء كان منصوباً، إلا أن الأكثر في كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء وعلى هذا جاء القرآن بأفصح اللغات كما قال:شعر : قِـفَـا نَـبْـكِ مِـن ذِكْـرى حَـبِـيـبٍ ومَـنْـزِلِ تفسير : قال محمد بن كعب القرظي: بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة؛ فقال الله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ } فسألوا يوماً واحداً يخفَّف عنهم فيه العذابُ فردَّت عليهم {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } الخبر بطوله. وفي الحديث عن أبي الدرداء خرجه الترمذي وغيره قال: يلقى على أهل النار الجوع حتى يَعْدِل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئاً، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غُصَّة فيغَصُّون به، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثوا بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطّع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} فيجيبوهم {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } أي خسار وتبار.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ} واذكر وقت تخاصمهم فيها ويحتمل العطف على غدوا. {فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُواْ } تفصيل له. {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } تباعاً كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع بمعنى أتباع على الإِضمار أو التجوز. {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ ٱلنَّارِ } بالدفع أو الحمل، و {نَصِيباً } مفعول به لما دل عليه {مُّغْنُونَ } أوله بالتضمين أو مصدر كشيئاً في قوله تعالى: {أية : لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا }تفسير : [آل عمران: 116] فيكون من صلة لـ {مُّغْنُونَ }. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا } نحن وأنتم فكيف نغني عنكم ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا، وقرىء «كلا» على التأكيد لأنه بمعنى كلنا وتنوينه عوض عن المضاف إليه، ولا يجوز جعله حالاً من المستكن في الظرف فإنه لا يعمل في الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف المتقدم كقولك كل يوم لك ثوب. {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ } بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، و {أية : لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ }تفسير : [الرعد: 41] {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ } أي لخزنتها، ووضع {جَهَنَّمَ } موضع الضمير للتهويل أو لبيان محلهم فيها، إذ يحتمل أن تكون {جَهَنَّمَ } أبعد دركاتها من قولهم: بئر جهنم بعيدة القعر. {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً } قدر يوم. {مّنَ ٱلْعَذَابِ } شيئاً من العذاب، ويجوز أن يكون المفعول «يوم» بحذف المضاف و {مّنَ ٱلْعَذَابِ } بيانه. {وَقَالُواْ أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أرادوا به إلزامهم للحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإِجابة. {قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ } فإنا لا نجترىء فيه إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم، وفيه إقناط لهم عن الإِجابة. {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } ضياع لا يجاب، وفيه اقناط لهم عن الإجابة. {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة. {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ} أي في الدارين ولا ينتقض ذلك بما كان لأعدائهم عليهم من الغلبة أحياناً إذ العبرة بالعواقب وغالب الأمر، و {ٱلأَشْهَـٰدُ} جمع شاهد كصاحب وأصحاب، والمراد بهم من يقوم يوم القيامة الشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين. {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ } بدل من الأول وعدم نفع المعذرة لأنها باطلة، أو لأنه لم يؤذن لهم فيعتذروا. وقرأ غير الكوفيين ونافع بالتاء. {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ } البعد عن الرحمة. {وَلَهُمْ سُوءُ ٱلدَّارِ} جهنم. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف والشرائع. {وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ } وتركنا عليهم بعده من ذلك التوراة. {هُدًى وَذِكْرَىٰ } هداية وتذكرة أو هادياً ومذكراً. {لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} لذوي العقول السليمة. {فَٱصْبِرْ } على أذى المشركين. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } بالنصر لا يخلفه، واستشهد بحال موسى وفرعون. {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك بترك الأولى والاهتمام بأمر العدا بالاستغفار، فإنه تعالى كافيك في النصر إظهار الأمر. {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإِبْكَارِ} ودم على التسبيح والتحميد لربك. وقيل صلِّ لهذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وركعتين عشياً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ } عام في كل مجادل مبطل وإن نزل في مشركي مكة واليهود حين قالوا: لست صاحبنا بل هو المسيح بن داود يبلغ سلطانه البر والبحر وتسير معه الأنهار. {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم، أو إرادة الرياسة أو إن النبوة والملك لا يكونان إلا لهم. {مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ } ببالغي دفع الآيات أو المراد. {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } فالتجىء إليه. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ } لأقوالكم وأفعالكم. {لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } فمن قدر على خلقها مع عظمها أولاً من غير أصل قدر على خلق الإِنسان ثانياً من أصل، وهو بيان لا شكل ما يجادلون فيه من أمر التوحيد. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم. {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } الغافل والمستبصر. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلاَ ٱلْمُسِىء } والمحسن والمسيء فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث وزيادة لا في المسيء لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة، والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه على {ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} لتغاير الوصفين في المقصود، أو الدلالة بالصراحة والتمثيل. {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} أي تذكراً ما قليلاً يتذكرون، والضمير للناس أو الكفار. وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب، أو الالتفات أو أمر الرسول بالمخاطبة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار، وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم، فيقول الضعفاء، وهم الأتباع، للذين استكبروا، وهم القادة والسادة والكبراء: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ} أي: قسطاً تتحملونه عنا {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ} أي: لا نتحمل عنكم شيئاً، كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنكال، {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} أي: فقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا؛ كما قال تعالى: {أية : قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 38] {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} لما علموا أن الله عز وجل لا يستجيب منهم، ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] سألوا الخزنة، وهم كالسجانين لأهل النار: أن يدعوا لهم الله تعالى أن يخفف عن الكافرين ولو يوماً واحداً من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادين عليهم: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: أو ما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل؟ {قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ} أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم، ولا نسمع منكم، ولا نود خلاصكم، ونحن منكم برآء، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا، لا يستجاب لكم، ولا يخفف عنكم، ولهذا قالوا: {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ} أي: إلا في ذهاب، ولا يتقبل ولا يستجاب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ يَتَحَاجُّونَ } يتخاصم الكفار {فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاء لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً } جمع تابع {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ } دافعون {عَنَّا نَصِيباً } جُزْءاً {مِنَ ٱلنَّارِ }.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وإذ يتحاجون} أي واذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون يعني أهل النار {في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً} أي في الدنيا {فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا} يعني الرؤساء والقادة {إنا كل فيها} يعني نحن وأنتم {إن الله قد حكم بين العباد} أي قضى علينا وعليكم {وقال الذين في النار} يعني حين اشتد عليهم العذاب {لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب قالوا} يعني الخزنة {أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات} يعني لا عذر لكم بعد مجيء الرسل {قالوا بلى} أي اعترفوا بذلك {قالوا فادعوا} يعني أنتم إنا لا نَّدعوا لكم لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب قال الله تعالى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} يعني يبطل ويضل ولا ينفعهم. قوله عز وجل: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} قال ابن عباس بالغلبة والقهر، وقيل بالحجة وقيل بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة وكل ذلك حاصل لهم فهم منصورون بالحجة على من خالفهم تارة وقد نصرهم الله بالقهر على من عاداهم وأهلك أعداءهم بالانتقام منهم كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل فإنه قتل به سبعين ألفاً {ويوم يقوم الأشهاد} يعني وننصرهم يوم القيامة يوم يقوم الأشهاد وهم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} أي إن اعتذروا عن كفرهم لم يقبل منهم {ولهم اللعنة} أي البعد من الرحمة {ولهم سوء الدار} يعني جهنم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ} في العامل في "إذْ" ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه معطوف على "غُدُوًّا" فيكون معمولاً ليُعْرَضُونَ أي يعرضون على النار في هذه الأوقات كلها قاله أبو البقاء. الثاني: أنه معطوف على قوله {أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} تفسير : [غافر:18] قاله الطبري. وفيه نظر؛ لبُعْد ما بينهما، ولأن الظاهر عودُ الضمير من "يَتَحَاجُّونَ" إلى آل فرعون. الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر. قوله: "تبعاً" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه اسم جَمْع لِتَابع، ونحوه: خَادِم وخَدَمٌ، وغَائبٌ وغَيَبٌ وآدمٌ وأَدَمٌ. قال البغوي: والتَّبَعُ يكون واحداً وجَمعاً في قول أهل البَصْرة، واحده تابع. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له و جمعه أتباع. والثاني: أنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي تابعين. والثالث: أنه مصدر أيضاً ولكن على حذف مضاف أي ذَوِي تَبَعٍ. قوله: "نَصِيباً" فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن ينتصب بفعل مقدر به عليه قوله: "مُغْنُونَ" تقديره: هل أنتم دَافِعُونَ عَنَّا. الثاني: أن يُضَمَّن مُغْنُونَ معنى حَامِلينَ. الثالث: أن ينتصب على المصدر، قال أبو البقاء: كَما كَانَ "شَيءٌ" كذلك، ألا ترى إلى قوله: {أية : لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [آل عمران:10] "فَشَيْئاً" في موضع "غِنًى" فكذلك "نصيباً" و "من النار" صفة لـ "نصيباً". قوله: {إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ} العامة على رفع "كُلٌّ" ورفعه على الابتداء و"فِيهَا" خبره والجملة خبر "إنَّ"، وهذا كقوله في آل عمران: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ}تفسير : [آل عمران:154]، في قراءة أبي عمرو. وقرأ ابن السّميْقَع وعيسى بْنُ عُمَرَ بالنصب، وفيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم إن، قال الزمخشري: توكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كًُلَّنَا فيها انتهى، يعني فيكون "فيها" هو الخبر، وإلى كونه توكيداً ذهب ابْنُ عطيةَ أيضاً. ورد ابن مالك هذا المذهب فقال في تَسْهِيلِهِ: "ولا يستغني بنية إضافته خلافاً للزمخشري". قال شهاب الدين: "وليس هذا مذهباً للزمخشري وحده بل هو منقول عن الكوفيين أيضاً". والثاني: أن تكون منصوبة على الحال، قال ابن مالك: والقول المَرْضِيُّ عندي أنّ "كُلاًّ" في القراءة المذكورة منصوبة على الحال من الضمير المرفوع في "فِيهَا" و "فيها" هو العامل؛ وقد قدمت عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة مَنْ قَرَأَ: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ}تفسير : [الزمر:67]. وفي قول النَّابِغَةِ: شعر : 4342ـ رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْرَاعِهِمْ فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَة بْنِ حُذَارِ تفسير : وقال بعض الطائيين: شعر : 4343ـ دَعَا فَأَجَبْنَا وَهْوَ بَادِيَ ذِلَّة لَدَيْكُمْ وَكَانَ النَّصْرُ غَيْرَ بَعِيدِ تفسير : يعني بنصب "بادي". وهذا هو مذهب الأخفش، إلا أن الزمخشري منع من ذلك، قال ـ رحمه الله ـ: فَإن قُلْتَ: هل يجوز أن يكون "كلاًّ" حالاً، قد عمل فيهِ "فيها"؟ قُلْتُ: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمةً كما يعمل في الظرف متقدماً، تقول: كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تقول: قائماً في الدَّارِ زَيْدٌ، قال أبو حيان: وهذا الذي منعه أجازه الأخفش، إذا توسعت الحال، نحو: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد قائماً عندك. والمثال الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا: إنها حال، وتأخر العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: "ولا تقول قائماً في الدَّارِ زيْد" فقد تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم: أن المنع في ذلك إجماع من النحاة. قال شهاب الدين: الزمخشري منعه صحيح؛ لأنه ماشٍ على مذهب الجمهور وأما تمثيله بما ذكر فلا يضره؛ لأنه في محل المنع، فعدم تجويزه صحيح. الثالث: أن "كُلاًّ" بدل من "نَا" في "إنَّا"؛ لأن "كُلاًّ" قد وَلِيَت العَوامِلَ فكأنه قيل: إنّ كُلاًّ فيها وإذا كانوا قد تأولوا قوله: شعر : 4344ـ........................ ................. حَوْلاً أَكْتَعَا تفسير : و"حَوْلاً أجْمَعَا" على البدل مع تصرف أكْتَعَ وأجْمَعَ؛ فلأن ذلك في "كُلّ" أولى وأجدى. وأيضاً فإن المشهور تعريف "كُلّ" حال قطعها، حكي في الكثير الفَاشِي: مررت بكُلٍّ قائماً وبِبَعْضٍ جالساً، وعزاه بعضهم لسيبويه. وتنكير "كل" ونصبها حالاً في غاية الشذوذ، نحو: "مَرَرْتُ بِهِمْ كُلاًّ" أي جميعاً. فإن قيل: فيه بدل الكل من الكل في ضمير الحاضر وهو لا يجوز. أجيبَ بوجهين: أحدهما: أن الكوفيين والأخفش يرون ذلك وأنشدوا قوله: شعر : 4345ـ أَنَا سَيْفُ العِشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي حميداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا تفسير : "فحميداً" بدل من ياء "فاعرفوني". وقد تأوله البصريون على نصبه على الاختصاص. والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محل الخلاف"؛ لأن دال على الإحاطة والشمول، وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاً على ذلك جاز، وأنشدوا: شعر : 4346ـ فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَكَانِنَا ثَلاَثتِنَا حَتَّى أُزِيرُوا المَنَائِيَا تفسير : ومثله قوله تعالى: {أية : لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا}تفسير : [المائدة:114] قالوا: "ثلاثتنا" بدل من "نا" في "مكاننا"؛ لدلالتها على الإحاطة، وكذلك "لأولنا وآخرنا" بدل من "نا" في "لنا"، فلأن يجوز ذلك في كل التي هي أصل في الشمول والإحاطة بطريق الأولى، هذا كلام أبي حيان في الوجه الثالث. وفيه نظر لأن المبرد ومكِيًّا نصا على أن البدل في هذه الآية لا يجوز فكيف يدعى أنه لا خلاف في البدل والحالة هذه؟ لا يقال: إن في الآية قولاً رابعاً، وهو أن "كُلاًّ" نعت لاسم إنَّ، وقد صرح الكسائيُّ والفراءُ بذلك فقالا: هو نعت لاسم إن؛ لأن الكوفيين يطلقون اسم النعت على التأكيد، ولا يريدون حقيقة النعت. وممن نص على هذه التأويل مكي ـ رحمه الله ـ؛ ولأن الكسائي إنما جوز نعت ضمير الغائب فقط دون المتكلم والمخاطب. فصل معنى الآية واذكر يا محمد لقومك إذ يَتَحاجُّون أي يُحَاجُّ بعضُهم بعضاً. ثم شرح خصومتهم وهي أن الضعفاء يقولون للرؤساء: إنا كنا لكم تبعاً في الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار أي فهل تقدرون على أن تدفعوا عنا أيها الرُّؤسَاء نصيباً من العذاب؟ ومقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تعجيز أولئك الرؤساءَ وإيلام قلوبهم؛ لأنهم يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرةَ لهم على ذلك التخفيف فعند ذلك يقول الرؤساء إنا كل فيها أي إنا كُلُّنَا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرنا على إزالة العذاب لدفعناه عن أنفسنا. ثم يقولون: {إِنَّ ٱللَّهَ (قَدْ) حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} يعنى فَأَوْصَلَ إلى شكل أحد حقه من النعيم أو من العذاب، فعند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون إلى خَزَنَةِ جهنم ويقولون لهم: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ}. فإن قيل: لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟. فالجواب من وجهين: الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع. والثاني: أن تكون جهنم اسماً لموضع من أشد المواضع بعيدِ القرار من قولهم: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ أي بعيدة القَعْر وفيها أعظم أقسام الكفار عقوبة، وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذْ عرف الكافر أن الأمر كذلك استغاثوا بهم فيقولون لهم: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ}؟. قوله: {يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} في يوماً وَجْهَانِ: أحدهما: أنه ظرف لِيُخَفِّفْ، ومفعول "يخفف" محذوف، أي يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون "مِنْ" مزيدة فيكون العذاب هو المفعول، أي يخفف عنا في يوم العذابَ. الثاني: أن يكون مفعولاً به، واليوم لا يخفف، وإنما يخفف مظروفه، والتقدير يخفف عذاب يوم، وهو قلق لقوله: "مِنَ العَذَابِ" والقول بأنه صفة كالحال أقلق منه. والظاهر أن "مِنَ العََذَابِ" هو المفعول ليخفف، ومِنْ تَبْعِيضِيَّة، و "يَوْماً" ظرف، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما، لا في كل يوم ولا في يوم معين. فصل لما أجابوهم الخزنة بقولهم: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ}؟ قالوا: بلى والمعنى أن لولا إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا ما جاءنا من نذير. وهذه الآية تدل على أن الجواب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشَّرْعِ. ثم إن أولئك الملائكة يقولون لهم: ادْعُوا أنتم فإنا لا نَتَجَرأ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون المشفوع له مؤمناً. والثاني: حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد شيء من هذين الشرطين لكن ادعوا أنتم. وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن لِلدلالة على الخيبة، وأن المَلكَ المقرب إذا لم يسمعْ دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكافر؟ ثم صرحوا لهم بأنه لا أثر لدعائهم فقالوا: {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي يبطل ويَضِلّ ولا ينفعهم. فإن قيل: إنه تعالى يمتنع عليه أن يتأذى من المجرمين يسبب جُرْأَتِهِمْ، وإذا كان التَّأَذِّي محالاً كانت شهوة الانتقام ممتنعةً في حقه، وإذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضارّ العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار خالٍ عن جميع جهات المنفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يعذب بترك الآلام أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدَّاهرِينَ من غير أن يَرْحم حاجتهم، ومن غير أن يسمع دعاءهم، ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقسى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عَبِيدِهِ لأداء كَرَمُهُ ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيِّد في محل الحاجة والنفع والضرر فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟. فالجواب: أن أفعال الله لا تُعَلَّل، ولا يُسْأَلُ عما يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُونَ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله أعلم. قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا...} الآية. في كيفية النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وذلك المؤمن من مكر فرعون مَنَّ في هذه الآية بأنه ينصر رسله والذين آمنوا معه. الثاني: لما بين من قبل تَخَاصُم أهلِ النار، وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أتبع ذلك الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة. الثالث: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله: إنما يُجَادِلُ في آيَات اللهِ الذين كفروا فلا يغرنك تقلّبهم في البلاد. وأصل الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتصبيراً له على تحمل الأذى من قومه. ولما بلغ الكلام في تقرير هذا المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى بأن ينصر رسوله على أعدائه تعالى فقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}., قال ابنُ عباس ـ رضي الله عنهما ـ: بالغلبة والقهر، وقال الضَّحَّاكُ: بالحُجَّة، وفي الآخرة بالانتقام من الأعداء وبإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وأهلك أعداءهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قُتِلَ فقَتَلَ به سبعين ألفاً. قوله: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} قرأ الجمهور يَقُوم بالياء من أسفلَ، وأبو عمرو في رواية المنقريّ عنه وابن هُرْمز وإسماعيل بالتاء من فوق لتأنيث الجماعة. والأشهاد يجوز أن يكون جمع "شَهيدٍ" كشَرِيفٍ وأشْرَافٍ، وهو مطابق لقوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ}تفسير : [النساء:41] وأن يكون جمع "شاهد" كصَاحِب، وأصْحاب، وطَائر، وأطيار، قال المبرد وهو مطابق لقوله: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً}تفسير : [الأحزاب:45]. واعلم أن قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} فيه دقيقة لطيفة، وهي أن السلطان العظيم إذا آثر بعض خواصه بالإكرام العظيم عند حضور الجمع من أهل المشرق والمغرب كان ذلك أتمّ وأبهج. وعنى بالأشهاد كل من شهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن. أما الملائكة فهو الكرام الكاتبون يشهدون على الرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. وأما الأنبياء فقال تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء:41] وأما المؤمنون فقال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة:143]. قوله "يَوْمَ" بدل من "يوم" قبله، أو بيان له، أو نصب بإضمار أَعْنِي. وتقدم الخلاف في قوله ِ"يَنْفَع الظَّالِمِينَ" بالياء والتاء آخر الروم. والمعنى لا ينفع الظالمين معذرتهم إن اعتذروا "ولهم اللعنة" البعد من الرحمة، وهذا يفيد الحصر يعني أن اللعنة مقصورة عليهم، وهي الإهانة والإذلال {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} يعني جهنم. فإن قيل: قوله: {لا ينفع الظالمين معذرتهم} يدل على أنهم يذكرون الأعذار، ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: {أية : وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}تفسير : [المرسلات:36]؟. فالجواب: قوله {لا ينفع الظالمين معذرتهم} لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً فيوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ} أي واذكُر لقومِكَ وقتَ تخاصُمِهم فيَها {فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاء} منهم {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} وهُم رؤساؤُهم {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أتباعاً كخَدَمٍ في جمعِ خَادِمٍ، أو ذَوِي تبعٍ أي أتْباعٍ على إضمار المضافِ أو تَبَعاً على الوصفِ بالمصدرِ مبالغةً {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ ٱلنَّارِ} بالدفعِ أو بالحملِ، ونصيباً منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ عليه مغنونَ أي دافعونَ عنَّا نصيباً الخ. أو بمغنونَ على تضمينِه مَعْنى الحملِ أي مغنونَ عنَّا حاملينَ نصيباً الخ أو نُصبَ على المصدريةِ كشيئاً في قوله تعالى: { أية : لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا} تفسير : [سورة آل عمران: الآية 10 و 116 وسورة المجادلة: الآية 17] فإنَّه في موقعِ غَناءٍ فكذلكَ نصيباً {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} أي نحنُ وأنتُم فكيفَ تُغنِي عنكُم ولو قَدرنا لأغنيَنا عن أنفسِنا. وقُرِىءَ كُلاًّ على التأكيدِ لاسمِ إنَّ بمَعنى كُلَّنا وتنوينُه عوضٌ عن المضافِ إليهِ ولا مساغَ لجعلِه حالاً من المستكنِّ في الظرفِ فإنَّه لا يعملُ في الحالِ المتقدمةِ كما يعملُ في الظرفِ المتقدمِ فإنَّك تقولُ كلَّ يومٍ لكَ ثوبٌ ولاَ تقولُ جديداً لك ثوبٌ {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} وقضَى قضاءً متقناً لا مردَّ لهُ ولا معقّبَ لحُكمهِ. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ} من الضعفاءِ والمستكبرينَ جميعاً لمَّا ضاقتْ حيلُهم وعيّتُ بهم عِللُهم {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} أي للقُوَّامِ بتعذيبِ أهلِ النَّارِ، ووضعُ جهنمَ موضعَ الضميرِ للتهويلِ والتفظيعِ أو لبـيانِ محلِّهم فيَها بأنْ تكونَ جهنمُ أبعدَ دركاتِ النَّارِ وفيها أَعْتَى الكفرةِ وأطغاهُم أو لكونِ الملائكةِ الموكلينَ بعذابِ أهلِها أقدرَ على الشفاعةِ لمزيدِ قُربهم منَ الله تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً} أي مقدارَ يومٍ أو في يومٍ ما منَ الأيامِ على أنه ظرفٌ لا معيارُ شيئاً {مّنَ ٱلْعَذَابِ}واقتصارهُم في الاستدعاءِ على ما ذُكرَ من تخفيفِ قدرٍ يسيرٍ من العذابِ في مقدارِ قصيرٍ من الزمانِ دونَ رفعِه رأساً أو تخفيفِ قدرٍ كثيرٍ منْهُ في زمانٍ مديدٍ لأنَّ ذلكَ عندهُم مما ليسَ في حيزِ الإمكانِ ولا يكادُ يدخلُ تحتَ أَمانيِّهم {قَالُواْ} أي الخزنةُ {أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ} أيْ ألم تُنبهوا على هَذا ولم تكُ تأتيكُم رسلُكم في الدُّنيا على الاستمرارِ بالحججِ الواضحةِ الدالةِ على سُوءِ مغبةٍ ما كنتُم عليهِ من الكُفرِ والمَعَاصِي، كَما في قولِه تعالى: { أية : أَلَمْ يأْتِكُم رُسل مِنْكُم يَتْلونَ عَلَيْكُم ءَايَـٰتِ رَبِكُم وَيُنْذِرُونَكُم لِقَاء يَومِكُم هَـٰذَا} تفسير : [سورة الزمر: الآية 71] أرادُوا بذلكَ إلزامَهُم وتوبـيخَهُم على إضاعةِ أوقاتِ الدُّعاءِ وتعطيلِ أسبابِ الإجابةِ {قَالُواْ بَلَىٰ} أي أتَونا بها فكذَّبناهُم كما نطقَ به قولُه تعالَى: {أية : بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ كَبِيرٍ } تفسير : [سورة الملك: الآية 9] والفاءُ في قولِه تعالَى: {قَالُواْ فَٱدْعُواْ} فصحيةٌ كما في قولِ مَنْ قالَ شعر : فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانا تفسير : أيْ إذَا كانَ الأمرُ كذلكَ فادعُوا أنتُم فإنَّ الدعاءَ لمن يفعلُ ذلكَ مما يستحيلُ صدورُه عنَّا وتعليلُ امتناعِهم عنِ الدعاءِ بعدمِ الإذنِ فيه معَ عرائِه عن بـيانِ أنَّ سبَبهُ من قبلِهم كَما تُفصحُ عنه الفاءُ رُبَّما يُوهُم أنَّ الإذنَ في حيزِ الإمكانِ وأنَّهم لو أُذنَ لهم فيهِ لفعلُوا ولم يريدُوا بأمرِهم بالدعاءِ إطماعَهُم في الإجابةِ بل إقناطَهم منَها وإظهارَ خيبتهم حسبما صرَّحُوا بهِ في قولِهم: {وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ} أي ضياعٍ وبُطلانٍ.
القشيري
تفسير : يقول الضعفاء للذين استكبروا: أنتم أضللتمونا، ويقول لهم المستكبرون: أنتم وافقتمونا باختياركم؛ فمحاجةُ بعضهم لبعضٍ تزيد في غيظ قلوبهم، فكما يُعَذَّبون بنفوسهم يعذبون بضِيقِ صدورهم وببُغْضِ بعضهم لبعض.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ يتحاجون فى النار} التحاج بالتشديد التخاصم كالمحاجة اى واذكر يا محمد لقومك وقت تخاصم اهل النار فى النار سوآء كانوا آل فرعون او غيرهم ثم شرح خصومتهم بقوله {فيقول الضعفاء} منهم فى القدر والمنزلة والحال فى الدنيا يعنى بيجاركان وزبونان قوم {للذين استكبروا} اى اظهروا الكبر باطلا وهم رؤساؤهم ولذا لم يقل للكبرآء لأنه ليس الكبرياء صفتهم فى نفس الامر {انا كنا لكم} فى الدنيا {تبعا} جمع تابع كخدم فى جمع خادم قال فى القاموس التبع محركة التابع يكون واحد او جمعا اى اتباعا فى كل حال خصوصا فيما دعوتمونا اليه من الشرك والتكذيب يعنى سبب دخول مادر دوزخ ببدىء شما {فهل انتم} بس آياهستيد شما {مغنون عنا نصيبا من النار} بالدفع او بالحمل يقال ما يغنى عنك هذا اى ما يجزيك وما ينفعك ونصيبا وهو الحظ المنصوب اى المعين كما فى المفردات منصوب بمضمر يدل عليه مغنون فان اغنى اذا عدى بكلمة عن لا يتعدى الى مفعول آخر بنفسه اى رافعون عنا نصيبا اى بعضا وجزأ من النار باتباعنا اياكم فقد كنا ندفع المؤونة عنكم فى الدنيا
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِذ يتحاجُّونَ في النار} أي: واذكر لقومك وقت تخاصم الكفار في النار، {فيقول الضعفاءُ} منهم {للذين استكبروا} وهم رؤساؤهم: {إِنا كنا لكم تَبَعاً}، وهو جمع تابع، كخادم وخدَم، أو: ذوي تَبَع، على أنه مصدر، أو: وصف به للمبالغة، {فهل أنتم مُغنونَ عنا نصيباً من النار} أي: فهل أنتم دافعون، أو: حاملون عنا جزءاً من النار؟ {قال الذين استكبروا إِنَّا كلٌّ فيها}، التنوين عوض عن المضاف، أي: كلنا فيها، لا يُغني أحد عن أحد. وقرىء (كُلاًّ) بالنصب على التأكيد، وهو ضعيف لخلوه من الضمير. {إِنَّ الله قد حَكَمَ بين العباد}؛ قضى بينهم، بأن أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، لا مرد له، ولا مُعقب لحُكمه، فلا يُغني أحد عن أحد شيئاً. قال ابن عرفة: في الآية لف ونشر، فقوله تعالى: {إِنَّ كلٌّ فيها} راجع لقوله: {إِنا كنا لكم تبعاً} أي: إنا قد حصلنا جميعاً في النار، فَجُوزي كلٌّ على قدر عمله، أنتم على ضلالكم، ونحن على إضلالنا إياكم. وقوله: {إِن الله قد حكم بين العباد} راجع لقوله: {فهل أنتم مُغنون عنا} وبهذا المعنى يتقرر الجواب. هـ. {وقال الذين في النار لخزنةِ جهنَّمَ}؛ للقُوّام بتعذيب أهلها، وإنما لم يقل: لخزنتها؛ لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً، ويحتمل أنّ جهنم هي أبعدُ النار قعراً، من قوله: بئر جَهنام، أي: بعيدة القعر، وفيها أعتى الكفرة وأطغاهم، أو: لكون الملائكة الموكّلين بعذاب أهلها أقدر على الشفاعة؛ لمزيد قربهم من الله، فلهذا تعمّدوهم بطلب الدعوة، فقالوا لهم: {ادعوا ربكم يُخفّفْ عنا يوماً} أي: مقدارَ يوم من الدنيا {من العذابِ}، واقتصارهم في الاستدعاء على ما ذكر في تخفيف قدر يسير من العذاب في مقدار قصير من الزمان، دون رفعه رأساً، أو: تخفيف منه في زمان مديد؛ لأن ذلك عندهم ليس في حيز الإمكان، أو لا يكاد يدخل تحت أمانيهم. {قالوا} أي: الخزنة، توبيخاً لهم، بعد مدة طويلة: {أَوَلَمْ تَكُ} أي: القصة {تأتيكم رُسلُكم بالبينات}؛ بالمعجزات، يَتْلُون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ أرادوا بذلك إلزامهم الحجة، وتوبيخهم على إضاعة أوقات الدعاء، وتعطيل أسباب الإجابة، {قالوا} أي: الكفار: {بلى} أتونا بها، فكذبناهم وقلنا: ما نزَّل اللهُ من شيء. {قالوا} أي: الخزنة تهكُّماً بهم: {فادْعُوا} أي: إذا كان الأمر كذلك فادعوا أنتم، فإنَّ الدعاء لمَن يفعل ذلك مما يستحيل صدوره. منا. زاد البيضاوي: إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم، وبحث معه أبو السعود بأنه يُوهم أن المانع هو عدم الإذن، وأنَّ الإذن في حيز الإمكان، ولا تجوز الشفاعة في كافر. انظره. قال تعالى: {وما دعاءُ الكافرين إِلا في ضلالٍ}؛ في ضياع وبطلان، لا يُجابون فيه؛ لأنهم دعوا في غير وقته، ويحتمل أن يكون من كلام الخزنة. والله تعالى أعلم. الإشارة: الآية تجر ذيلها على كلّ مَن له جاه، فدعا إلى سوء، بمقاله أو حاله، فتبعه العامة على ذلك، فيتحاجُّون يوم القيامة فيقول المستضعفون: إنا كنا لكم تبعاً. فكل مَن أمر بسوء، وفُعِل، عُوقب الآمر والمأمور، وكل مَن فعل فعلاً خارجاً عن السُنَّة، كالرغبة في الدنيا، والتكاثر منها، فتبعه العامة على ذلك، عُوتب الجميع، وبالله التوفيق. ثم وعد أهل الحق بالنصر، فقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه واذكر يا محمد {إذ} أي الوقت الذي {يتحاجون في النار} ويخاصم بعضهم بعضاً يعني الرؤساء والاتباع {فيقول الضعفاء} وهم الاتباع {للذين استكبروا} وهم الرؤساء {إنا كنا لكم} معاشر الرؤساء {تبعاً} ويحتمل ان يكون ذلك جمع تابع كغايب وغيب وحايل وحول، ويجوز أن يكون مصدراً أي تبعناكم تبعاً {فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار} لأنه يلزم الرئيس الدفع عن اتباعه والمنقادين لأمره، فيسألونهم هؤلاء أن يغنوا عنهم قسطاً من النار أي طائفة منها، فيقول الرؤساء الذين استكبروا {إنا كل فيها} أي نحن وأنتم في النار، فكيف ندفع عنكم. ورفع "كل فيها" على انه خبر (إنا) كقوله {أية : إن الأمر كله لله} تفسير : ويجوز أن يكون رفعاً بالابتداء، وخبره (فيها) {أن الله قد حكم} بذلك {بين العباد} وانه يعاقب من اشرك به وعبد معه غيره ثم حكى ما يقوله {الذين} حصلوا {في النار} من الاتباع والمتبوعين {لخزنة جهنم} وهم الذين يتلون عذاب اهل النار {ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب} ويقولون ذلك، لأنه لاصبر لهم على شدة العذاب لا انهم يطمعون في التخفيف، لان معارفهم ضرورية يعلمون ان عقابهم لا ينقطع ولا يخفف عنهم. ثم حكى ما يجيب به الخزنة لهم فانهم يقولون لهم {أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات} يعني بالحجج والدلالات على صحة توحيده ووجوب إخلاص العبادة له؟ فيقولون فى جوابهم {بلى} قد جاءتنا الرسل بالبينات فكذبناهم وجحدنا نبوتهم وانكرنا بيناتهم فيقول لهم الخزنة اذًا {فادعوا} بما لا ينفعكم ويقولون ايضاً {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} لانه في وقت لا ينفع.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ} الاتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ} المتبوعين {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} قد مضى الآية فى سورة ابراهيم (ع) وقد مضى مكرّراً انّ امثال هذه تعريضٌ بمنافقى الامّة.
الهواري
تفسير : قال: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء} أي: السَّفَلة {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} يعني الرؤساء والقادة في الضلالة. وقال بعضهم: الضعفاء بنو آدم، يعني المشركين، والذين استكبروا الشياطين، وكلهم مستكبرون عن عبادة الله: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي: دعوتمونا إلى الضلالة فأطعناكم {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا} أي: جزءاً {مِّنَ النَّارِ}. {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} أي: في النارِ {إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ}. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ} أي: سلوه {يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ قَالُوا} أي: خزنة جهنم، وهم التسعة عشر الذين قال الله فيهم: (أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) تفسير : [المدثر:30]: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلاَلٍ}. ذكر بعضهم قال: إن أهل النار يدعون خزنة جهنم فلا تجيبهم مقدار عشرين عاماً، ثم تجيبهم {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}. ثم ينادون مالكاً، فلا يجيبهم مقدار أربعين عاماً، ثم يجيبهم: (أية : إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) تفسير : [الزخرف:77]. ثم يدعون ربهم فلا يجيبهم مقدار عمر الدنيا مرتين، ثم يكون جوابه إياهم: (أية : اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ) تفسير : [المؤمنون:108]. ذكرورا عن غير واحد من العلماء أن كل كلام في القرآن من كلامهم كله فهو قبل أن يقول لهم: {اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}. قال: فإذا قال ذلك انقطع كلامهم وصار الزفير والشهيق كأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ} أي وأذكر وقت يتحاجون يتخاصمون {فِى النَّارِ} والضمير لجميع كفار الأمم ومن عطفه على (غدوا) أو على (عشياً) فقد خصه بآل فرعون* {فَيَقُولُ الضُّعَفَآءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ} أي الرؤساء* {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ} فى الدنيا {تَبَعاً} جمع تابع كخادم وخدم أو مصدر أخبروا به عن ذواتهم لتأويله باسم الفاعل أو تقدير مضاف أي ذوى تبع أو للمبالغة فى المتابعة حتى انهم نفس المتابعة {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ} اسم فاعل أصله مغنيون بكسر النون ونقلت اليه ضمة الياء لثقلها وحذفت الياء للساكنين أي دافعون أو حاملون {عَنَّا نَصِيباً} أي جزاء مفعول لمغنون لتضمنه معنى الدفع أو الحمل أو لمحذوف أى دافعون أو (حاملون) على أن (مغنون) لم يتضمنه أو هو بمعنى (دافع) وتضمن مغنى حامل {مِّنَ النَّارِ} نعت لـ (نصيبا) وان جعلنا (نصيباً) بمعنى (اغناء) مفعولا مطلقاً غمن النار متعلق بـ (مغنون).
اطفيش
تفسير : {وإذ يتحاجُّون في النَّار} اذكر إذ، والعطف لاذكر على ما قيل عطف قصة على أخرى، لكن الأصل عدم مجرد عطف القصة على اخرى، فنحتاج الى تقدير معطوف عليه، هكذا اذكر ما تلى عليك من أمر موسى عليه السلام، وفرعون مؤمن آل فرعون، وإذ يتحاجون لا على يغررك الخ بتقدير اذكر، أى لا يغررك إلخ، واذكر إذ يتحاجون، أو على أنذرهم لبعدهما، ويضعف عطف إذ على إذ من قوله: "أية : إذ القلوب" تفسير : [غافر: 18] وواو يتحاجون لآل فرعون، أو لكفار قريش، أو كفار الأمم، وهى أولى عند بعض، والتحاج التخاصم، وفصله بقوله تعالى: {فيقولُ الضُّعفاء} الأتباع {للَّذين اسْتكبروا} الرؤساء {إنَّنا كنَّا لَكم} فى الدنيا {تَبعاً} فى دينكم الباطل، تقليدا لكم، وخوفا، والمفرد تابع كخادم وخدم، وهو قليل فلعله مصدر بمعنى اسم الفاعل، أى تابعين أو بتقدير مضاف، أى ذوى تبع، أو بلا تأويل مبالغة، كأنهم يفس التبع. {فَهَل أنْتُم مُغْنون عنَّا نَصيباً مِن النَّار} تدفعون عنا بقوتكم بعض العذاب، أو تعذبون أنتم بدلنا، أو تزيلونه بوجه ما، وعدى لتضمنه معنى الدفع أو الحمل أو النصب بحال محذوف، أى دافعين أو حاملين نصيبا، ومن النار نعت، أو النصب على المفعولية المطلقة، أى اغناء، فيتعلق من بقوله: {مغنون} كقوله تعالى: " أية : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً" تفسير : [آل عمران: 10، 116، المجادلة: 17] أى اغناء كذا قيل، ويمكن أن تغنى بمعنى تدفع، فيكون شيئا مفعولا به.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ } معمول لاذكر محذوفاً أي واذكر وقت تخاصمهم في النار. والجملة معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة لا على مقدر تقديره اذكر ما تلي عليك من قصة موسى عليه السلام وفرعون ومؤمن آل فرعون ولا على قوله تعالى: {أية : فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ }تفسير : [غافر: 4] أو على قوله سبحانه: {أية : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ }تفسير : [غافر: 18] لعدم الحاجة إلى التقدير في الأول وبعد المعطوف عليه في الأخيرين. وزعم الطبري أن {إِذْ } معطوفة على {أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ }تفسير : [غافر: 18] وهو مع بعده فيه ما فيه، وجوز أن تكون معطوفة على {أية : غُدُوّاً }تفسير : [غافر: 46] وجملة {يَوْمَ تَقُومُ } اعتراض بينهما وهو مع كونه خلاف الظاهر قليل الفائدة. وضمير {يَتَحَاجُّونَ}على ما اختاره ابن عطية وغيره لجميع كفار الأمم، ويتراءى من كلام بعضهم أنه لكفار قريش، وقيل: هو لآل فرعون. وقوله تعالى: {فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُواْ } تفصيل للمحاجة والتخاصم في النار أي يقول المرؤسون لرؤسائهم: {إِنَّا كُنَّا } في الدنيا {لَكُمْ تَبَعًا } أتباعاً فهو كخدم في جمع خادم. وذهب جمع لقلة هذا الجمع إلى أن {تَبَعَاً } مصدر إما بتقدير مضاف أي إنا كنا لكم ذوي تبع أي أتباعاً أو على التجوز في الظرف أو الإسناد للمبالغة بجعلهم لشدة تبعيتهم كأنهم عين التبعية {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ ٱلنَّارِ } بدفع بعض عذابها أو بتحمله عنا. و {مُّغْنُونَ } من الغناء بالفتح بمعنى الفائدة. و {نَصِيباً } بمعنى حصة مفعول لما دل عليه من الدفع أو الحمل أوله بتضمين أحدهما أي دافعين أو حاملين عنا نصيباً، ويجوز أن يكون (نصيباً) قائماً مقام المصدر كشيئاً في قوله تعالى: {أية : لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا } تفسير : [آل عمران: 10]. و{مِنَ ٱلنَّارِ} على هذا متعلق ـ بمغنون ـ وعلى ما قبله ظرف مستقر بيان ـ لنصيباً ـ.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون {إذ} معمولاً لــــ (اذْكُرْ) محذوفٍ فيكون عطفاً على جملة {وأنذرهم يوم الأزِفَةِ}، والضميرُ عائداً إلى {أية : الذِّينَ يُجٰدِلُون في ءايٰتِ الله بِغَيْرِ سُلطٰنٍ}تفسير : [غافر: 35] وما بين هذا وذاك اعتراض واستطراد لأنها قصد منها عظة المشركين بمن سبقهم من الأمم المكذبين فلما استُوفي ذلك عاد الكلام إليهم. ويفيد ذلك صريحَ الوعيد للمشركين بعد أن ضُربت لهم الأمثال كما قال تعالى: {أية : وللكافرين أمثالها} تفسير : [محمد: 10]، وقد تكرر في القرآن موعظة المشركين بمثل هذا كقوله تعالى: {أية : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا}تفسير : الآية في سورة [البقرة: 166]، وقوله: { أية : قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار}تفسير : الآية في سورة [الأعراف: 38]. ويجوز أن تكون {وَإذْ يَتَحَآجُّونَ} عطفاً على جملة { أية : ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءالَ فرعونَ أشدَّ العذاب} تفسير : [غافر: 46] لأن (إذْ) و (يومَ) كليهما ظرف بمعنى (حين)، فيكون المعنى: وحين تقوم الساعة يقال: أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب، وحين يتحاج أهل النار فيقول الضعفاء الخ. وقرن {فَيَقُولُ الضُّعَفٰؤُا} بالفاء لإِفادة كون هذا القول ناشئاً عن تحاجّهم في النار مع كون ذلك دَالاً على أنه في معنى متعلَّق {إذ}، وهذا استعمال من استعمالات الفاء التي يسميها النحاة زائدة، وأثبت زيادتها جماعة منهم الأخفش والفراء والأعلم وابن بَرهان، وحكاه عن أصحابه البصريين. وضمير يتحاجون} على هذا الوجه عائد إلى آل فرعون. ويفيد مع ذلك تعريضاً بوعيد المشركين كما هو مقتضى المماثلة المسوقة وضمير {يتحاجون} غير عائد إلى {أية : آلَ فِرعونَ}تفسير : [غافر: 46] لأن ذلك يأباه قوله: {أية : وقال الذين في النار لِخَزنة جهنم ادعوا ربكم}تفسير : [غافر: 49] وقوله: {أية : أَوَلَمْ تَكُ تَأتيكم رُسُلكم بِالبَيِّنٰتِ}تفسير : [غافر: 50] ولم يَأت آل فرعون إلا رسول واحد هو موسى عليه السلام فيعود ضمير {يتحاجون} إلى معلوم من المقام وهم أهل النار. والتحاجّ: الاحتجاج من جانبين فأكثرَ، أي إقامة كل فريق حجته وهو يقتضي وقوع خلاف بين المتحاجّين إذ الحجة تأييد لدعوى لدفع الشك في صحتها. والضعفاء: عامة الناس الذين لا تصرُّف لهم في أمور الأمة. والذين استكبروا: سادة القوم، أي الذين تكبروا كِبْراً شديداً، فالسين والتاء فيه للمبالغة. وقول الضعفاء للكبراء هذا الكلامَ يحتمل أنه على حقيقته فهو ناشىء عما اعتادوه من اللجإ إليهم في مهمهم حين كانوا في الدنيا فخالوا أنهم يتولون تدبير أمورهم في ذلك المكان ولهذا أجاب الذين استكبروا بما يفيد أنهم اليوم سواء في العجز وعدم الحيلة فقالوا: {إنَّا كُلٌّ فِيهَآ} أي لو أغنينا عنكم لأغنينا عن أنفسنا. وتقديم قولهم: {إنَّا كُنَّا لَكُم تبعَاً} على طلب التخفيف عنهم من النار، مقدمة للطلب لقصد توجيهه وتعليله وتذكيرهم بالولاء الذي بينهم في الدنيا، يلهمهم الله هذا القول لافتضاح عجز المستكبرين أن ينفعوا أتباعهم تحقيراً لهم جزاء على تعاظمهم الذي كانوا يتعاظمون به في الدنيا. ويحتمل أن قول الضعفاء ليس مستعملاً في حقيقة الحث على التخفيف عنهم ولكنه مستعمل في التوبيخ، أي كنتم تدعوننا إلى دين الشرك فكانت عاقبة ذلك أنا صرنا في هذا العذاب فهل تستطيعون الدفع عنا. وتأكيد {إنَّا كنا لكُم تَبَعاً} بــــ (إنَّ) للاهتمام بالخبر وليس لرد إنكار. والتبع: اسم لمن يتبع غيره، يستوي فيه الواحد والجمع، وهو مثل خَدَم وَحَشَم لأن أصله مصدر، فلذلك استوى فيه الواحد والجمع، وقيل التَبَع: جمع لا يجري على الواحد، فهو إذن من الجموع النادرة. والاستفهام في قوله: {فَهَلْ أنتُم مُغْنُونَ} مستعمل في الحث واللوم على خذلانهم وترك الاهتمام بما هم فيه من عذاب. وجيء بالجملة الاسمية الدالة على الثبات، أي هل من شأنكم أنكم مغنون عنّا. و {مغنون} اسم فاعل من أغنى غناء بفتح الغين والمدّ، أي فائدة وإجزاء. والنصيب: الحَظ والحصة من الشيء، قال تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} إلى قوله: {أية : نصيباً مفروضاً}تفسير : [النساء: 7]. وقد ضمّن {مغنون} معنى دافعون ورادُّون، فلذلك عُدي إلى مفعولٍ وهو {نصيباً} أي جُزءاً من حر النار غير محدد المقدار من قوتها، و{مِنَ النَّار} بيان لــــ {نَصِيباً} كقوله تعالى: {أية : فهل أنتم مغنون عنا من عذاب اللَّه من شيء}تفسير : [إبراهيم: 21] فهم قانعون بكل ما يخفف عنهم من شدة حرّ النار وغير طامعين في الخروج منها. ويجوز أن يكون {مغنون} على معناه دون تضمين ويكون {نصيباً}منصوباً على المفعول المطلق لِمغنون والتقدير غَناء نصيباً، أي غناء مَّا ولو قليلاً. و {منَ النَّارِ} متعلقاً بــــ {مغنون} كقوله تعالى: {أية : وما أغني عنكم من اللَّه من شيء}تفسير : [يوسف: 67]. ويجوز أن يكون النصيب الجزءَ من أزمنة العذاب فيكون على حذف مضاف تقديره: من مُدة النار. ولما كان جواب الذين استكبروا للذين استضعفوا جارياً في مجرى المحاورة جرّد فعل {قال} من حرف العطف على طريقة المحاورة كما تقدم غير مرة. ومعنى قولهم: {إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} نحن وأنتم مستوون في الكون في النار فكيف تطمعون أن ندفع عنكم شيئاً من العذاب. وعلى وجه أن يكون قول الضعفاء {إنا كُنَّا لَكمُ تَبعاً} إلى آخره توبيخاً ولوماً لزعمائهم يكون قول الزعماء {إنَّا كُلٌّ فِيهَا} اعترافاً بالغلط، أي دَعُوا لومنا وتوبيخنا فقد كفانا أنا معكم في النار وتأكيد الكلام بــــ (إنّ) للاهتمام بتحقيقه أو لتنزيل من طالبوهم بالغناء عنهم من عذاب النار مع مشاهدتهم أنهم في العذاب مثلهم، منزلة من يحسبهم غير واقعين في النار، وفي هذا التنزيل ضرب من التوبيخ يقولون: ألستم تروننا في النار مثلكم فكيف نغني عنكم. و{كل} مرفوع بالابتداء وخبره {فيها} والجملة من المبتدأ وخبره خبر (إنَّ) وتنوين (كل) تنوين عوض عن المضاف إليه، إذ التقدير: إنا كلُّنا في النار. وجملة {إنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ} تتنزل منزلة بدل الاشتمال من جملة {إنَّا كُلٌّ فيها} فكلتا الجملتين جواب لهم مؤيس من حصول التخفيف عنهم. والمعنى: نحن مستوون في العذاب وهو حكم الله فلا مطمع في التقصي من حكمه فقد جوزي كل فريق بما يستحق. وما في هذه الجملة الثانية من عموم تعلق فعل الحكم بين العباد ما يجعل هذا البدل بمنزلة التذييل، أي أن الله حكم بين العباد كلهم بجزاء أعمالهم فكان قسطنا من الحكم هذا العذاب. فكلمة {بين} هنا مستعملة في معناها الحقيقي وهو المكان المتوسط، أي وقع حكمه وقضاؤه في مجمعهم الذي حضره من حُكم عليه ومن حكم له ومن لم يتعرض للحكومة لأنه من أهل الكرامة بالجنة، فليست كلمة (بين) هنا بمنزلة (بين) في قوله تعالى: {أية : فاحكم بينهم بما أنزل اللَّه} تفسير : [المائدة: 48] فإنها في ذلك مستعملة مجازاً في التفرقة بين المحق والمبطل. وفي هذه الآية عبرة لزعماء الأمم وقادتهم أن يحذروا الارتماء بأنفسهم في مهاوي الخسران فيوقعوا المقتدين بهم في تلك المهاوي فإن كان إقدامهم ومغامرتهم بأنفسهم وأممِهم على علم بعواقب ذلك كانوا أحرياء بالمذمة والخزي في الدنيا ومضاعفة العذاب في الآخرة، إذ ما كان لهم أن يغُرُّوا بأقوام وكلوا أمورهم بقادتهم عن حسن ظن فيهم، أن يخونوا أمانتهم فيهم كما قال تعالى: { أية : وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} تفسير : [العنكبوت: 13]، وإن كان قَحْمهم أنفسهم في مضائق الزعامة عن جهل بعواقب قصورهم وتقصيرهم فإنهم ملومون على عدم التوثق من كفاءتهم لتدبير الأمة فيخبِطوا بها خبط عشواء حتى يزلوا بها فيَهْوُوا بها من شواهق بعيدة فيصيروا رميماً، ويَلْقوا في الآخرة جحيماً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ} أصله يتفاعلون في الحجة أي يختصمون، ويحتج بعضهم على بعض، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 64] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } تفسير : [سبأ: 31ـ33]. وقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} تفسير : [الأعراف: 38ـ39] وقوله تعالى، {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} تفسير : [البقرة: 166ـ167] وقوله تعالى: {أية : وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} تفسير : [إبراهيم: 21ـ22] والآيات بمثل هذا كثيرة، وقد قدمنا الكلام عليها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإذ يتحاجون في النار: أي وأنذرهم يوم الآزفة وإذ يتحاجون في النار أي يتخاصمون. فيقول الضعفاء: أي الاتباع الضعفاء الذين اتبعوا الأغنياء والأقوياء في الشرك. إنا كنا لكم تبعا: أي تابعين لكم فيما كنتم تعتقدونه وتفعلونه. فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟: أي فهل تدفعون عنا شيئاً من النار. إن الله قد حكم بين العباد: فلا مراجعة أبداً فقد حكم لأهل الإِيمان والتقوى بالجنة فهم في الجنة ولأهل الشرك والمعاصي بالنار فهم في النار. لخزنة جهنم: أي جمع خازن وهو الموكل بالنار وأهلها. يخفف عنا يوما من العذاب: أي قدر يوم من أيام الدنيا إذ الآخرة يوم واحد لا ليل له. إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا: أي بأن نظهر دينهم، أو نهلك قومهم وننجيهم من الهلاك. ويوم يقوم الأشهاد: أي وتنصرهم يوم يقوم الأشهاد وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ. ولهم اللعنة ولهم سوء الدار: أي ولهم اللعنة أي البعد من الرحمة ولهم سوء الدار أي الآخرة أي شدة عذابها. معنى الآيات: هذا عرض آخر للنار وما يجرى فيها بعد العرض الذي كان لآل فرعون في النار يعرض على كفار قريش ليشاهدوا مصيرهم من خلاله إذا لم يتوبوا إلى الله من الكفر والتكذيب والشرك تضمّنته ست آيات قال تعالى: {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ} أي وأنذرهم واذكر لهم إذْ يتحاجون في النار أي يتخاصمون فيها فيقول الضعفاء الأتباع الذين كانوا يتبعون أغنياء وأقوياء البلاد طمعا فيهم وخوفا منهم. قالوا للذين استكبروا بقوتهم عن الإِيمان ومتابعة الرسل، إنا كنا لكم تبعاً أي تابعين، فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار؟ أي فهل في إمكانكم أن تخففوا عنا حظا من عذاب النار؟ فأجابوهم قائلين بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ} أي نحن وأنتم إن الله قد حكم بين العباد فقضى بالجنة لأهل الإِيمان والتقوى، وبالنار لأهل الشرك والمعاصي هذه كانت خصومة الأتباع مع المتبوعين ولم تنته إلى طائل إلا زيادة الحسرة والغم والهم. وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} وهم الملائكة المكلفون بالنار وعذابها قالوا لهم {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} أي مقدار يوم من أيام الدنيا إذْ الآخرة لا ليل فيها وإنما هي يوم واحد. فردت عليهم الملائكة قائلة بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي أتقولون ادعوا لنا ربكم ليخفف عنكم العذاب أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أي بالحجج الظاهرة الدالة على وجوب الإِيمان والتقوى بترك الشرك والمعاصي. قالوا بلى أي اعترفوا فقالت لهم الملائكة إذاً فادعوا أنتم ربكم ولكن لا يستجاب لكم إذ ما دعاء الكافرين إلا في ضلال فلا يستجاب له أبداً. وقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} تقرير لحقيقة عظمى، وهي أن من سنة الله في رسله أنه ينصرهم بانتصار دينهم وما يهدون ويدعون إليه، وإن طال الزمن واشتدت الفتن والمحن، أو بإِهلاك أممهم المكذبة لهم وإنجائهم والمؤمنين معهم قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وقوله: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} أي وينصرهم في الآخرة يوم يقوم الأشهاد وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكافرين بالتكذيب. وقوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} إذا أذن لهم في الاعتذار لا تقبل معذرتهم {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ} أي البعد من الرحمة والجنة {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} الآخرة وهو أشد عذابها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان تخاصم أهل النار وهو ما يتم من خصومة بين الأتباع والمتبوعين. 2- التنديد بالكبر والاستكبار إذ الكبر عائق عن الطاعة والاستقامة. 3- عدم استجابة دعاء الكافر في الدنيا والآخرة إلا ما شاء الله. 4- عدم قبول المعذرة يوم القيامة. 5- عدم استجابة الدعاء في النار. 6- بيان وعد الله لرسله والمؤمنين وهو أنه ينصرهم بأحد أمرين الأول أن ينصر دينهم ويظهره ويقرره وإن طال الزمن، والثاني أن يهلك عدوهم وينجيهم.
القطان
تفسير : يتحاجّون: يتجادلون ويتخاصمون. الضعفاء: الأتباع. المستكبرون: الرؤساء، السادة اولو الرأي فيهم. تبعا: تابعين لهم. مغنون عنا: دافعون الشر عنا. نصيبا: قسطا، وجزءا. حكم: قَضَى. خَزنة جهنم: القائمون عليها. يوم يقوم الأشهاد: يوم القيامة، والاشهاد: الشهود الذين يشهدون على الناس. العشيّ: من نصف النهار الى آخره الإِبكار: اول النهار. اذكرْ لهم أيها النبي حين يتخاصم أهل النار فيها، فيقول الأتباع من الضعفاء للذين اضلوهم من الرؤساء: إنا كنّا لكم في الدنيا تَبَعا، فهل انتم حاملون عنا بعض العذاب؟ فيرد المستكبرون قائلين: إننا جميعاً في النار، هذا هو حكم الله في عباده، ولا نستطيع ان نساعدكم بشيء. وفي سورة ابراهيم {أية : قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} تفسير : [الآية: 21]. ثم خاطب الضعفاءُ خزنةَ جهنم وتوسّلوا إليهم أن يخفّف الله عنهم يوما من العذاب فأجابوهم موبّخين لهم: ان الله تعالى أرسَل إليكم رسُلاً مكرَّمين فلم تستجيبوا لهم. فاعترفوا بأنهم كذّبوا رسلهم. فقال لهم خزنة جهنم: فاذا كان الأمرُ كذلك فادعوا مهما شئتم، {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}. ان طلبَكم مرفوض، فلوموا أنفسَكم على ما أسلفتم. ثم بين الله تعالى انه ينصر رسُله، والذين آمنوا معهم في الحياة الدنيا، {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} وهو يوم القيامة. وقد يكون الشهود من الإنسان نفسه كما قال تعالى {أية : حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [فصلت: 20]. وفي ذلك اليوم لا ينفع الظالمين اعتذارُهم عما فَرَطَ منهم في الدنيا. {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} جزاؤهم الطردُ من رحمة الله وإنزالهم من جهنم في اسوأ مكان. ثم بين الله تعالى انه نَصَرَ موسى ومن معه، وآتاه هدى منه، واعطى بني اسرائيل التوراة الصحيحة غير المحرفة، {هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} هاديةً ومذكِّرة لأصحاب العقول المدركة المفكرة. وبعد ان بيّن أنه ينصر رسله والمؤمنين خاطب الرسولَ الكريم أن يصبر، وطمأنه إلى ان النصر له فقال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} اصبر ايها الرسول على ما ينالك من الأذى من الناس، انّ وعد الله بنصرك ونصر المؤمنين حقٌّ لن يتخلف. ثم أكد عليه بان لا يترك الاستغفار والدعاء والتسبيح بحمده دائماً صباحاً ومساء، شكراً له على نعمه التي لا تحصى. قراءات: قرأ اهل الكوفة ونافع: يوم لا ينفع الظالمين: بالياء والباقون: لا تنفع بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلضُّعَفَاءُ} (47) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَأْخُذُ أَهْلُ النَّارِ فِي الحِجَاجِ وَالخِصَامِ، فَيَقُولُ الأَتْبَاعُ لِلْقَادَةِ: إِنَّا أَطَعْنَاكُمْ فِيمَا دَعَوْتُمُونَا إِلَيهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الكُفْرِ والضَّلاَلِ، فَهَلْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا عَنَّا قِسْطاً مِنَ العَذَابِ فَتُخَفِّفُوهُ عَنَّا؟ فَقَدْ كُنَا لَكُمْ أَتْبَاعاً، وَإِنَّمَا دَخَلْنَا النَّارَ بِسَبَبِ إِطَاعَتِنَا لَكُمْ. مُغْنُونَ عَنَّا - دَافِعُونَ أَوْ حَامِلُونَ عَنَّا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى: {يَتَحَآجُّونَ} [غافر: 47] أي: يُحاج بعضهم بعضاً في النار، ويُلقي كل ٌّ منهم التبعة على الآخر، يقول (الضُّعَفَاءُ) أي: الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ} [غافر: 47] أي: الزعماء والرؤساء {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} [غافر: 47] يعني: تابعين لكم نفعل كما تفعلون، كنا نسير خلفكم ونقتدي بكم {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ} [غافر: 47] يعني: هل أنتم مدافعون عنا أو دافعون عنا عذاب النار، أو هل تحملون عنا ذنوبنا؟ والقرآن يعطينا صوراً عدة للمحاجَّة وللجدال يوم القيامة، نقاش بين المؤمنين والكافرين، بين الأقوياء المتبوعين والضعفاء التابعين، قال تعالى: {أية : هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} تفسير : [النساء: 109]. ثم يردّ المتبوعون: {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} [غافر: 48] وما دام الله قد حكم بين العباد فقد قُضِي الأمر، ولا رادَّ لقضاء الله، ولا ناقضَ لحكمه، وكيف يدافعون عنهم وقد سبقوهم إلى النار، اقرأ قوله تعالى في موضع آخر: {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} تفسير : [مريم: 69]. وقال عن فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} تفسير : [هود: 98]. {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ} تفسير : [هود: 98] يعني: يتقدمهم ويسبقهم إلى النار حتى يقطع عنهم الأمل في النجاة، ولو تقدَّموا هم لَقالُوا: سيأتي زعيمنا ويُخلِّصنا مما نحن فيه، فكيف وقد سبقهم إليها، ففي هذا تيئيسٌ لهم وقَطْعٌ لآمالهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما حلَّ بآل فرعون من العذاب والدمار، ذكر بعده النزاع والخصام الذي يكون بين أهل النار، واستغاثة المجرمين، وهم في عذاب الجحيم يصلون سعيرها فلا يجابون، ثم ذكر الأدلة والبراهين على قدرة الله ووحدانيته، لإِقامة الحجة على المشركين. اللغَة: {يَتَحَآجُّونَ} يختصمون {خَزَنَةِ} جمع خازن وهو المتكفل بحفظ الشيء وحراسته {ٱلأَشْهَادُ} جمع شاهد وهو الذي يشهد بالحجة على غيره {دَاخِرِينَ} أذلاء صاغرين {تُؤْفَكُونَ} تُصرفون عن الإِيمان إلى الكفر {قَـرَاراً} مستقرا {أُسْلِمَ} أذل وأخضع. التفسِير: {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ} أي واذكر حين يختصم الرؤساء والأتباع في نار جهنم {فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} أي فيقول الأتباع الضعفاء للرؤساء المستكبرين عن الإِيمان واتباع الرسل، إنا كنا لكم في الدنيا أتباعاً كالخدم ننقاد لأوامركم، ونطيعكم فيما تدعوننا إليه من الكفر والضلال {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ}؟ أي فهل أنتم دافعون عنا جزءاً من هذا العذاب الذي نحن فيه؟ قال الرازي: علموا أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإِنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل الرؤساء، وإِيلام قلوبهم، لأنهم سعوا في إيقاعهم في أنواع الضلالات {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ} أي قال الرؤساء جواباً لهم: إنَّا جميعاً في نار جهنم، فلو قدرنا على إزالة العذاب عنكم لدفعناه عن أنفسنا {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} أي قضى قضاءً مبرماً لا مردَّ له، بدخول المؤمنين الجنة، والكافرين النار، فلا نستطيع أن نفعل لكم شيئاً {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} لما يئس أهل النار بعضهم من بعض التجأوا إلى حراس جهنم يطلبون منهم التخفيف قال البيضاوي: وإِنما وضع جهنم موضع الضمير {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} بدلاً من "لخزنتها" للتهويل والتفظيع {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} أي ادعوا لنا الله أن يخفف عنا ولو مقدار يوم واحد من هذا العذاب {قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ}؟ أي أجابتم الملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع: ألم تأتكم الرسل بالمعجزات الظاهرات فكفرتم بهم وكذبتموهم؟ {قَالُواْ بَلَىٰ} أي قال الكفار بلى جاءونا {قَالُواْ فَٱدْعُواْ} أي قالت لهم الملائكة: فادعوا اللهَ أنتم فإِنا لا نجترىء على ذلك قال الرازي: وليس قولهم {فَٱدْعُواْ} لرجاء المنفعة، ولكنْ للدلالة على الخيبة، فإِن الملائكة المقربين إذا لم يُسمع دعاؤهم، فكيف يسمع دعاء الكفار؟ ثم يصرّحون لهم بأنه لا أثر لدعائهم فيقولون {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي دعاؤكم لا ينفع ولا يجدي لأن دعاء الكافرين ما هو إلا في خسار وتبار {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي ننصر الرسل والمؤمنين بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة المجرمين في هذه الحياة الدنيا {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} أي وفي الآخرة يوم يحضر الأشهاد الذين يشهدون بأعمال العباد، من مَلك ونبيٍ ومؤمن قال الرازي: الآية وعدٌ من الله تعالى لرسوله بأن ينصره على أعدائه في الحياة الدنيا وفي الآخرة {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} أي لا ينفع المجرمين اعتذارهم قال ابن جرير: لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم، لأنهم لا يعتذرون إلا بباطل {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ} أي الطردُ من رحمة الله {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} أي ولهم جهنم أسوأ مرجع ومصير قال ابن عباس: {سُوۤءُ ٱلدَّارِ} سوءُ العاقبة {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} أي والله لقد أعطينا "موسى بن عمران" ما يُهتدى به في الدين، من المعجزات والصحف والشرائع {وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} أي أورثناهم العلم النافع والكتاب الهادي وهو "التوراة" {هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي هادياً وتذكرةً لأصحاب العقول السليمة {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين، فإِن وعد الله لك ولأتباعك بالنصر على الأعداء، حقٌ لا يمكن أن يتخلف، لأن الله لا يخلف الميعاد قال الإِمام الفخر: لما بيَّن تعالى أنه ينصر رسله، وضرب المثال في ذلك بحال موسى، خاطب بعده رسوله بقوله {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} والمراد أنَّ الله ناصرك كما نصرهم، ومنجزٌ وعده لك كما أنجزه في حقهم {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} أي واطلب المغفرة من ربك على ما فرط منك من ترك الأولى والأفضل، قال الصاوي: والمقصودُ من هذا الأمر تعليم الأمة ذلك، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم معصومٌ من الذنوب جميعاً، صغائر وكبائر قبل النبوة وبعدها على التحقيق وقال ابن كثير: وهذا تهييجٌ للأمة على الاستغفار {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} أي ودمْ على تسبيح ربك في المساء والصباح قال الرازي: والمرادُ منه الأمرُ بالمواظبة على ذكر الله، وألاَّ يفتر اللسان عنه، حتى يصبح في زمرة الملائكة الأبرار، الذين {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}تفسير : [الأنبياء: 20] والمرادُ بالتسبيح تنزيهُ اللهِ عن كل ما لا يليق به، ثم نبه تعالى إلى السبب الدافع للكفار إلى المجادلة بالباطل فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي يخاصمون في الآيات المنزلة {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي بلا برهانٍ ولا حجةٍ من الله {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} أي ما في قلوبهم إلا تكبرٌ وتعاظم يمنعهم من اتباعك والانقياد إليك {مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} أي ما هم بواصلين إلى مرادهم من إطفاء نور الله، ولا بمؤملين مقصودهم بالعلو عليك {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} أي فالتجىءْ وتحصَّنْ بالله من كيدهم، فإِن الله يدفع عنك شرهم، لأنه هو السميعُ لأقوالهم العليمُ بأحوالهم.. ثم ذكر تعالى الدلائل الدالة على قدرته ووحدانيته فقال {لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} اللام لام الابتداء أي لخلقُ الله للسماواتِ والأرضِ وإِنشاؤُهما وابتداعهما من غير شيء أعظم من خلق البشر، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما كيف يعجز عن خلق ما هو أحقر وأهون؟ قال في التسهيل: والغرض الاستدلال على البعث، لأن الإِله الذي خلقَ السماواتِ والأرض على كبرها، قادرٌ على إعادة الأجسام بعد فنائها {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ذلك، لأنهم لا يتأملون لغلبة الجهل عليهم، وفرط غفلتهم واتباعهم لأهوائهم {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي لا يتساوى المؤمن والكافر {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} أي ولا البرُّ والفاجر {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} أي لا تتعظون بهذه الأمثال إلا قليلاً قال ابن كثير: والمراد أنه كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئاً، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار، والكفرة الفجار، ما أقلَّ ما يتذكر كثيرٌ من الناس؟ {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي إن القيامة آتيةٌ لا محالة، لا شك في ذلك ولا مرية {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي ولكنَّ أكثر الناس لا يصدقون بمجيئها، ولذلك ينكرون البعث والجزاء قال الرازي: والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة {وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أي ادعوني أجبْكم فيما طلبتم، وأعطكم ما سألتم قال ابن كثير: ندب تعالى عباده إلى دعائه، وتكفَّل لهم بالإِجابة فضلاً منه وكرماً {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أي إنَّ الذين يتكبرون عن دعاء الله سيدخلون جهنم أذلاء صاغرين.. ثم ذكر تعالى من آثار قدرته ووحدانيته، ما يلزم منه إفراده بالعبادة والشكر فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} أي الله جل وعلا بقدرته وحكمته هو الذي جعل لكم الليل مظلماً لتستريحوا فيه من تعب وعناء العمل بالنهار، وجعل النهار مضيئاً لتتصرفوا فيه بأسباب الرزق وطلب المعاش {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي إنه تعالى متفضل على العباد، وهو صاحب الجود والإِحسان إليهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون الله على إحسانه، ويجحدون فضله وإِنعامه {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} أي ذلكم المتفرد بالخلق والإِنعام هو الله ربكم، خالق كل الأشياء {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود في الوجود سواه {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تصرفون عن عبادة الخالق المالك إلى عبادة الأوثان؟ {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي كذلك يُصرف عن الهدى والحق الذين جحدوا بآيات الله وأنكروها قال الصاوي: وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى لا تحزن يا محمد على إِنكار قومك فإِن من قبلهم فعل ذلك، ثم زاد في البيان ودلائل القدرة فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} أي جعلها مستقراً لكم في حياتكم وبعد مماتكم قال ابن عباس: جعلها منزلاً لكم في حال الحياة وبعد الموت {وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً} أي وجعل السماء سقفاً محفوظاً، كالقبة المبنية مرفوعة فوقكم {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} أي صوَّركم أحسن تصوير، وخلقكم في أحسن الأشكال، متناسبي الأعضاء، ولم يجعلكم كالبهائم منكوسين تمشون على أربع قال الزمخشري: لم يخلق تعالى حيواناً أحسن صورةً من الإِنسان، وهذه مثل قوله تعالى {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي ورزقكم من أنواع اللذائذ {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ} أي ذلكم الفاعل لهذه الأشياء والمنعم بهذه النعم هو ربكم لا إله إلا هو {فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} أي فتعالى وتمجَّد وتقدس ربُّ جميع المخلوقات الذي لا تصلح الربوبية إلاَّ له {هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي هو تعالى المتفرد بالحياة الذاتية الحقيقية، الباقي الذي لا يموت، لا إله سواه {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي فاعبدوه وحده مخلصين له العبادة والطاعة ظاهراً وباطناً قائلين {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي الثناء والشكر لله مالك جميع المخلوقات، لا للأوثان الي لا تملك شيئاً، ولما بيَّن صفات الجلال والعظمة، نهى عن عبادة غير الله فقال {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي قل يا محمد إن ربي العظيم الجليل نهاني أن أعبد هذه الآلهة التي تعبدونها من الأوثان والأصنام قال الصاوي: أمر تعالى نبيه أن يخاطب قومه بذلك زجراً له، حيث استمروا على عبادة غير الله، بعد ظهور الأدلة العقلية والنقلية {لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي} أي حين جاءتني الآيات الواضحات من عنده، الدالة على وحدانيته قال الرازي: والبيناتُ هي أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة، وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، وأن جعل الحجارة المنحوتة والأخشاب المصورة، شركاء له في المعبودية مستنكرٌ في بديهة العقل {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي وأمرت أن أذل وأخضع لله وحده، وأن أخلص له ديني، وأطهّر نفسي من عبادة غيره.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {وَ} اذكر يا أكمل الرسل للمعتبرين من المكلفين وقت {إِذْ يَتَحَآجُّونَ} ويتخاصمون؛ أي: أصحاب النار {فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ} منهم؛ أي: الأتباع والأراذل {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ} أي: لدى رؤسائهم ومتبوعيهم المستكبرين عليهم، المستتبعين لهم في النشأة الأولى: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} في دار الدنيا، بل أنتم أضللتمونا عن متابعة الرسل والهادين {فَهَلْ أَنتُم} اليوم {مُّغْنُونَ} دافعون مانعون {عَنَّا نَصِيباً} جزءاً أو شيئاً، قد صار حظنا {مِّنَ ٱلنَّارِ} [غافر: 47] النازلة علينا بسبب اتباعنا إياكم، واقتفائنا أثركم، وتديننا بدينكم وخصلتكم. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} أي: الرؤساء المتبوعين {إِنَّا} نحن وأنتم {كُلٌّ} منَّا معذبون {فِيهَآ} أي: في النار، لا يسع أحد منَّا ومنكم، ليدفع شيئاً منها {إِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور {قَدْ حَكَمَ بَيْنَ} عموم {ٱلْعِبَادِ} [غافر: 48] بأن أدخل بعضاً منهم في الجنة بفضله، وبعضاً في النار بعدله، ولا معقب لحكمه، وهو شديد المحال. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لأصحاب العبرة ما {قَالَ ٱلَّذِينَ} كفروا حال كونهم {فِي ٱلنَّارِ} محزونين متضرعين {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} وهي أعمق أماكن النار وأغروها: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ} أيها الخزنة حسبة لله، واستشفعوا منها سبحانه لأجلنا، وإن لم يغفر لنا، ولم يعفُ عن جرائمنا {يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً} أي: مقدار يوم واحد {مِّنَ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 49] الدائم المستمر حتى نتنفس فيه ونستريح. {قَالُوۤاْ} أي: الخزنة في جوابهم تهكماً وتوبيخاً على سبيل التجاهل: {أَوَلَمْ تَكُ} أيها الحمقى الهالكون في تيه البعد والضلال {تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ} المبعوثون إليكم {بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحة الدالة على قبول الإنذارات الصادرة من الله أصالة ومنهم تبعاً، وبعدما سمعوا من الخزنة ما سمعوا {قَالُواْ} متأوهين متحسرين: {بَلَىٰ} قد جاءنا نذير فكذبنا، وقلنا: ما نزل الله من شيء {قَالُواْ} أي: الخزنة بعدما سمعوا منهم ما سمعوا: إن أنتم إلا في ضلال مبين {فَٱدْعُواْ} على حالكم بلا استشفاع منَّا؛ إذ نحن لا نجترئ بالشفاعة عنده، والاستغفار منه سبحانه لأمثالكم؛ إذ لا يقبل الدعاء منَّا ومنكم في أمثال هذه الجرائم الكبيرة. {وَ} بالجملة: {مَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ} المصرين على كفرهم في النشأة الأولى التي هي دار الاختبار؛ لاستخلاصهم في النشأة الأخرى التي هي دار القرار {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [غافر: 50] ضياع وخسار، لا يسمع من أحد أمثال هذا الدعاء، ولا يُجاب له. ثم قال سبحانه وعداً للمؤمنين وحثاً لهم على تصديق رسل الله وكتبه: {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا ولطفنا {لَنَنصُرُ} ونعاون {رُسُلَنَا} الذين هم حملة وحينا، وحفظة ديننا {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لهم، واسترشدوا منهم طريق الهداية، واجتنبوا بسببهم عن الغي والضلا {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} التي هي نشأة الفتن والاختبارات الإلهية، بتوفيقهم على العمل الصالح، وردعهم عن المفاسد والمنكرات، وننصرهم أيضاً نصرة تامة {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} [غافر: 51] أي: يوم القيامة التي تقوم فيها الشهود والعدول من الملائكة والنبيين والمؤمنين لنصرة المؤمنين ومقت الكافرين. {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية في نشأة الدنيا {مَعْذِرَتُهُمْ} التي آتوا بها يومئذ؛ إذ قد انقضى حينئذ وقت التلافي والتدارك، ومضى زمان الاختبار، بل {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ} أي: الطرد والتبعيد عن ساحة عز الحضور {وَلَهُمْ} أيضاً {سُوۤءُ ٱلدَّارِ} [غافر: 52] المعدة لأصحاب الخسار والبوار، وهي جهنم البعد والخذلان، أعاذنا الله منها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} [غافر: 47] في الدنيا، {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ * قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} [غافر: 47-48]، يشير إلى أن محاجة بعضهم لبعض بأن يقول الضعفاء للمستكبرين: أنتم أضللتمونا، والمستكبرون يقولون لهم: بل أنتم وافقتمونا باختياركم يزيد في غيظ قلوبكم، فكما يعذبون بنفوسهم يعذبون بضيق صدورهم، ويفيض بعضهم من بعض. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 49]، وهذه أيضاً من إمارات الأجنبية يدخلون واسطة بينهم وبين ربهم، ثم إن الله تعالى ينزع الرحمة عن قلوبهم حتى لا يشفعوهم. {قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} [غافر: 50] إذلالهم واستهزائهم وتقريعاً، وهذا أيضاً نوع من العذاب حتى أجابوهم بالتذلل والهوان، {قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ} [غافر: 50] وهذا أيضاً من نوع الإيذاء ونوع من العذاب، ثم يقولون لهم مستخفين بهم: {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [غافر: 50]؛ يعني: من القبول. ثم أخبر عن نصرة الأنبياء والأولياء بقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [غافر: 51]، يشير إلى الظفر بنفوسهم، فإن كمال النصرة في الظفر على أعدى عدوك وهو نفسك التي بين جنبيك وهو الجهاد الأكبر، ولا يمكن الظفر على النفس ألا ينصره الحق تعالى ينصر القلب على النفس، {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [غافر: 51] بالتوفيق لتزكيتها بالمجاهدات والرياضات الظاهرة، {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} [غافر: 51] عند طلوع شواهد الحق بنصره عليها بكيد خفي ولطف غير مرئي من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، وغاية النصرة أن يقبل الناصر عدو من ينصره، فإذا أراه وحققه أنه لا عدو في الحقيقة وان الخلق أشباح يجري عليهم أحكام القدرة، فالولي لا عدو له ولا صديق ليس له إلا الله تعالى، قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البقرة: 257].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضًا واستغاثتهم بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: { وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ } يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، { فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ } أي: الأتباع للقادة { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } على الحق، ودعوهم إلى ما استكبروا لأجله. { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } أنتم أغويتمونا وأضللتمونا وزينتم لنا الشرك والشر، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ } أي: ولو قليلا. { قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } مبينين لعجزهم ونفوذ الحكم الإلهي في الجميع: { إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ } وجعل لكل قسطه من العذاب، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم. { وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ } من المستكبرين والضعفاء { لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ } لعله تحصل بعض الراحة. فـ { قَالُوا } لهم موبخين ومبينين أن شفاعتهم لا تنفعهم، ودعاءهم لا يفيدهم شيئًا: { أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } التي تبينتم بها الحق والصراط المستقيم، وما يقرب من الله وما يبعد منه؟ { قَالُوا بَلَى } قد جاءونا بالبينات، وقامت علينا حجة الله البالغة فظلمنا وعاندنا الحق بعد ما تبين. { قَالُوا } أي: الخزنة لأهل النار، متبرئين من الدعاء لهم والشفاعة: { فَادْعُوا } أنتم ولكن هذا الدعاء هل يغني شيئا أم لا؟ قال تعالى: { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ } أي: باطل لاغ، لأن الكفر محبط لجميع الأعمال صادّ لإجابة الدعاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):